مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

بحوث و دراسات

قراءة عاشقة في ديوان الكرسي للشاعر محمد اللغافي

التفاصيل
كتب بواسطة: كريمة دالياس
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 08 ديسمبر 2007
الزيارات: 8

عندما تحاول أصابع الشاعر لملمة الأحلام المجهضة

الشاعر محمد اللغافي في تجربته الشعرية الكرسي ينفرد بمعجمه الخاص لتكوين صورة شعرية ذاتية جميلة تتسم بالجاذبية والانجذاب الى بواطن الأشياء، ولهذا نجده ينطق اللامنطوق بوضع علامات تعجب واستفهامات كثيرة ابتداء من اللغم الذي اخترق رئته فأصبح غير غريب عن جسده، له كيان خاص يتنفس ويعيش فيه، ليصبح نزيفا غائرا يمتد إلى الذراع المبتورة والأصابع المخترقة، ويعلن بذلك عن حالة عجز تامة. وقد سجل الشاعر استثناء خاصا في هذه التجربة، فعادة ما يكون الكرسي متينا يحمل صاحبه ويرفع قدره، لكنه كسر هذه القاعدة ليصف حالة الكرسي بأصابع مبتورة، وبالتالي يصبح الكرسي معاقا ومجهض الأحلام لا يستطيع حمل صاحبه. وكأن أصابع الشاعر تريد أن تلملم هذه الإعاقة وتصلح الخلل بأصابع يده لكنها عاجزة تماما على فعل أي شيء، فالغيمات الحمقى لم تورق أصابع الشاعر، فتصبح بدورها مبتورة تبحث عن من يلملمها ويلملم ملامح الشاعر المتشظية التي نخرها الوقت.. الكرسي هو الوحيد الذي يحمل هموم الشاعر ومشاغله وأحلامه الطفولية، ويلقي عليه وحده اللوم والعتاب، كما يعزي حالته المتشظية بحالة عجز الكرسي عن حمله، ويصبح هذا الأخير بين أكوام بقايا
الأحلام المتراكمة في ذهنه تعبت المحطات من تخزينها في ذاكرته. ولقد ذكر الشاعر في مجموعته الأيام الأسبوعية ووصف كل يوم على حدة بشكل دقيق حسب ما تملي عليه رؤياه، والوقت في نظره ما هي إلا مجموعة أيام متشابهة تتداول باستمرار في حركة روتينية، تعكس هموم الشاعر وحالة التشظي التي يعيشها.. والجميل ما في الأمر هو حوار الشاعر مع الأبراج ليفك قميص الأزرار الذي يحمله، ويبحث عن رؤيا جديدة لأحلامه المجهضة كآخر فرصة لاسترجاع أصابع كرسيه المبتورة، لكن الشاعر في الأخير تمادى على كل هذا العصيان واستسلم لمنطق الريح، ليخرج بقناعات شخصية اختزلها في قصيدة اعتبار. والذي جاء في المقطع الأخير منها: خذ اللحظة الممتدة... في حجم عمرك... واركن بها في فنجانك الوحيد.. "وانس الهم ينساك" "دع الأحلام تلاطف قبلتك الأخيرة على السيجارة واستسلم للنعاس الشطر الثاني من الديوان يلجأ الشاعر إلى فسحة صوفية مع العشق والموت، ليخرج من دائرة الهموم إلى العشق الذي استوطن قلبه ولم يبق منه إلا سجل الذكريات، يرجع إليه كل ما شده الحنين إلى ذلك.. وأتساءل مع نفسي لم هذا التطابق بين العشق والموت قبل أن أسأل الشاعر عن هذه المعادلة الصعبة، وأجيب في نفس الوقت بفرضية حتمية: - ربما كلاهما يأتي فجأة دون سابق إنذار ويحملان جواز سفر مجهول الهوية.

كريمة دالياس
11/12/2008

الإيقاع السردي وحداثة القصة القصيرة

التفاصيل
كتب بواسطة: الطيب هلو
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 05 ديسمبر 2007
الزيارات: 9

          الإيقاع السردي وحداثة القصة القصيرة

                        ـ إيقاع الحلم نموذجا ـ

بقلم : أ/ الطيب هلو

 

قبل البدء:     

     يشكل الإيقاع السردي أساسا تبني عليه القصة القصيرة ,باعتبارها جنسا منفلتا , حداثتها , وتطور من خلاله ملامحها , وتعدل , بامتطائه , من سماتها التقليدية . فالإيقاع في القصة القصيرة يؤكد أنها, رغم الفرادة والتميز , جنس له جوامع مشتركة ,تبرز  صورته الكبرى وتحدد ملامحه العامة , وترسم له مسارات التجريب الممكنة .

   إن تحديد ملامح الإيقاع في القصة كشف للتكرار الغائي , وتعرية للدواخل والدوافع الفكرية والثقافية والنفسية والفنية , كما أنه ضبط لمجرى الحدث والشخصية واللغة , فهو ينظم الفوضى ويبني المنهدم ويكسب التدمير معنى خاصا ,هذا المعنى الذي يفسره الواقع والرؤية الإبداعية تجاهه ,مما يعطي للتشظي دلالة ويكون للغرابة دليلا .

    إننا , بالكشف عن بعض الإيقاعات الحداثية في القصة القصيرة , نرصد المكونات العامة من حدث وشخصيات و أفضية , ونعيد بناءها ونملأ فراغاتها بالتأويل للوصول إلى اللحظة الإبداعية المشرقة والفكرة المركزية المقصودة , فدراسة الإيقاع هندسة جديدة للنص وإعادة بناء لمعماره بحثا عن المشترك والعام , الذي قد لا ننتبه إليه في إطار خطة التجريب المتسارعة , الرامية إلى  هدم ما تبقى من عناصر القصة التقليدية . ولا تفوتنا الإشارة في هذا التقديم إلى أن كل مكون من مكونات القصة إلا وله إيقاعه الخاص.

     إن القصة القصيرة المغربية , التي نحاول من خلال هذه الورقة معالجتها , ليست على خط واحد من التجريب , فمن القصاصين ـ كما ذكرنا في مقالات سابقة ـ من لا زال يرسف في أغلال الواقعية ويستعيد نصوصها , ومنهم من يبني نصوصه على مرتكزات رومانسية , ومنهم من يجرب بحذر محتفظا بالمعالم الكبرى للقصة , كوحدة الحدث والزمان والمكان والوصف , ويجرب على مستوى اللغة , عبر شحنها بعناصر شعرية , تقوم على تكثيف الصور وإغراق النصوص بالانزياحات والتناص , ومنهم من يدمر بنية القصة بأكملها ,فلا نكاد نعثر على الحدث إلا بصعوبة بالغة ,وفي كل مستوى من هذه المستويات درجات يصعب وضع طبقاتها بنجاح , بسبب ما حققته القصة القصيرة في السنوات الأخيرة من تراكم وما برز فيها من أسماء , يحاول كل واحد منها تحقيق التجاوز والتمرد , حتى على إنتاجه الشخصي .

    إن المتن القصصي المغربي ينسج إيقاعات حداثية باهرة , إن على مستوى التيمات , أو على مستوى لغة الكتابة , حيث الاحتفاء باللغة القصصية والاعتناء بها معجما وتركيبا وبلاغة , عبر تأسيس ما يسمى ب"القصة القصيدة" أو من خلال الانكفاء على الذات لاستجلاء همومها والإصغاء لصوت الداخل ,أو باتخاذ الكتابة وحديث القصة عن همومها وافتتانها بنفسها موضوعا أثيرا, مما أسس لبنية قصصية نرجسية تمدح ذاتها أو تستجلب المدح عن طريق إظهار التواضع والانتقاص , إضافة إلى خصائص لافتة منها  تكسير خطية السرد وخلخلة أنظمة الزمن وتفكيك بنى الواقع الخارجي وتدميرها بشكل سوريالي , يعتمد الغرابة والحلم والتشظي , أو بتعرية خفاياها وكشف مكبوتاتها , دون أن نغفل عن النزوع نحو القصة الشذرية أو الومضة حيث التكثيف والإيجاز والتورية إذ يصبح للفظ أكثر من دلالة , مما يعطي للسياق أهمية تفوق أهمية المعجم , واعتماد المفارقة بين بداية النص وخاتمته , لتحقيق الدهشة والاستغراب لدى المتلقي عبر هذا الغموض اللذيذ , ثم باعتماد إيقاعات الفراغ كالبياض والحذف ,واللذين يقومان على استراتيجية حداثية تعطي للقارئ فرصة المشاركة بملء الفراغات وتخمين المحذوفات .

    تتكئ القصة المغربية الحديثة على مرجعيات متعددة , إن باطلاع مباشر على هذه المرجعيات, وأهمها النظريات والمذاهب الفكرية والفلسفية والأدبية كالسوريالية والرومانسية والرمزية والوجودية ونظريات التحليل النفسي  وبعض النظريات النقدية الجديدة خاصة في فرنسا , وإما بتقليد بعض الإبداعات العربية المطلعة والمتكئة على هذه النظريات والاتجاهات, والخلاصة أن هذه المذاهب الفكرية قد ألقت بظلالها على القصة القصيرة بالمغرب وصبغتها بإيقاعاتها وهو ما سنحاول الكشف عن بعض ملامحه في هذه الورقة .                 

ولأن الإطار النظري يحتاج إلى دليل تطبيقي  ولأن بحث الإيقاع السردي لكافة مكونات القصة يحتاج إلى حيز أكبر سنكتفي بمحاولة الكشف عن الإيقاع السردي من خلال رصد موضوعة واحدة هي موضوعة" الحلم " في متن متنوع يتكون من نصوص قصصية جديدة لأربعة قصاصين مغاربة هم عبد القادر الطاهري ومحمد العتروس وعبد القهار الحجاري وبديعة بنمراح .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

    إيقاع الحلم في القصة المغربية:

         يعد الحلم من المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها الأدب الغربي في مدارسه الحديثة من رومانسية ورمزية وسوريالية , فهو يشكل ,إلى جانب التخييل والرؤيا والعجائبية, تصورا عاما مؤسسا لأدب حديث , فهو يتماهى مع الرؤيا ومع الجنون ومع التخييل ومع العجائبي , أو هو مطية لهذه المفاهيم جميعا , فالسورياليون ـ مثلا ـ أولوه مكانة خاصة لأنه ضد كل ما هو عقلاني أولا , ولأن له قدرة كبرى على إبداع الجديد  " حيث اعتبر بروتون أن السوريالية تنهض على الاعتقاد بقدرة الحلم العالية " (1) فهو يتيح للكاتب إمكانات وطاقات تتجاوز ماهو متاح في الكتابة الواقعية , كما أن في الحلم إمكانية تجاوز سلطة الرقيب ورقابة السلطة , لأن الأمر لا يتعدى كونه حلما , الأمر ذاته عند الرومانسيين , فالحلم عُدَّ مجالا خصبا ينهلون منه مواضيعهم ويؤسسون عليه فلسفتهم , فهو عندهم " إيحاء إلى الإنسان بجوهر نفسه وأنه أخص خصائص الحياة وأكثر مظاهرها جدة وأنه في صفائه صورة للنفس الصادقة ورباط ما بين الإنسان والعالم وطريقة لمعرفة ما وراء الشعور وما وراء الطبيعة ." (2)   

 وقد استعملت الرومانسية الحلم أيضا ضد الكلاسيكية التي تقدس العقل ,كما أن الرمزية قدست الأحلام باعتبارها رموزا " يغلب عليه الترابط غير المنطقي والاختزال الخاطف للزمن ." (3)

 إذن , أيا كانت المدرسة التي ينتمي إليها القاص الحداثي , فإن الحلم سيتخذ عنده مكانة عالية للكشف عن دواخل ذاته أولتحقيق التشظي والغرابة أولتمرير الموقف الفكري والسياسي . 

       ففي مجموعة "رائحة رجل يحترق"(4) لمحمد العتروس حضور قوي للحلم. فالنص الأول في المجموعة , المعنون ب"سارق القمر" (ص 7) يحتفي بالحلم احتفاء بالغا حيث يتخذه القاص مطية لرصد الواقع السياسي العربي  ,محاولا إثارة بعض القضايا خاصة سياسة التطبيع مع إسرائيل , فالقاص يحاول في هذا النص الانطلاق من القول بأن اليهود إذا سألهم أطفالهم عن القمر إذا غاب ،أجابوا:إن العرب قد سرقوه. هذا التوظيف كان جميلا ووضع داخل النص بعناية فائقة حيث ارتبط فنيا بعناصر ثرية ,أهمها الطابع الساخر في توظيف الموقف السياسي من جهة ،وفي توظيف التراث السياسي من جهة أخرى ،عبر استحضار شخصية الحاكم بأمر الله ،مع استخدام ذلك كله في إطار الحلم ,فيلتقي حلم السارد مع "جنون"الحاكم بأمر الله" وخرافة"سرقة القمر" لإعطاء طابع المفارقة والعجائبية.

   يبدأ النص ب"رأيت فيما يرى النائم أني أصبحت متحضرا" لكن الحضارة هنا أخذت مفاهيم سلبية القيمة . إن ملامح الحضارة في "سارق القمر" تتبدى وتتمظهر في (حضارة الحديث ـ اللباس ـالعلاقة ـ المشي ـ نزع العمامة عند مرور امرأة ـ طرد الأفكار القديمة ـ ادعاء الديمقراطية ـ التصنع...) وأهم مظهر هو صداقة القاص الإسرائيلي، بل إن السلوك الحضاري الأرقى الذي يطلبه الإسرائيلي هو "عندما تريدون أي قمر أو أي شيء آخر مهما كبر أو صغر قولوا لنا و سنعطيكم فورا ما تريدون.".

     إن السخرية تتجلى تجليات عدة منها  أن الإسرائيلي أهدى العربي القمر المسروق , ثم تبلغ مداها عندما يستيقظ " عندما استيقظت لم أستطع أن أتذكر اسمه ولم أكلف نفسي عناء البحث عنه , لكنني أتذكر أنه صاحب قصة القمر الذي سرقه العرب من اليهود الصغار المساكين الدراويش وتركوا ليلهم دجى بغير قمر تتقاذفهم أمواج الظلام الحالك ."

وتتقوى المفارقة عندما يستمر الحلم بعد اليقظة , فالحلم مراقب , حيث يحمل بعد يقظته ليساءل حول حلمه ويستعد للجزاء اللامتوقع " اقصف رقبتي يا مولاي , فأنا أستحق أكثر , لكنني فوجئت به يبتسم ويمسح على شعري ثم يقول بتودد ولطف : لقد أعجبني ما رأيت فيما يرى النائم . نظر إلى القمر اللامع بين يديه , ثم إلى السيف ثم نظر إلي مبتسما :

ـ لماذا لا تكتب وصاحبنا قصة مشتركة "

وفيها إشارات دالة على ثنائية الترغيب والترهيب ( القمر ـ السيف) وعلى سياسة التطبيع الثقافي وأنها آخر مستويات التطبيع لاستعصاء المثقف على التدجين والتطويع , فبعد الاشتراك في كل شيء " حتى قضاء الحاجة بشكل مشترك" فإن المطلوب هو كتابة قصة مشتركة . وقد تعمد الكاتب أن يتم ذلك بعد الاستيقاظ .

  إن محمد العتروس من خلال هذا النص يستغل الحلم مطية لرصد واقع سياسي واجتماعي وثقافي موبوء يصعب التعبير عنه بأسلوب مباشر , وإنما لابد من ارتقاء مدارج التخييل والغرابة , واقتراف العجائبي , لأن الحلم ـ كما اسلفنا ـ يكسر منطق العلاقات كما هي في الواقع , لكن محمد العتروس لا يقع , رغم الغرائبي , في الإبهام , وإنما يترك مساحات من الوضوح تمكن المتلقي من المشاركة .وهذه سمة يفرضها " الموقف الإديولوجي " إذ لا يعقل لنص يسعى إلى التثوير وكسب القارئ أن يلجأ إلى الإبهام أو يغرق فيه , ثم في الآن ذاته يحقق غرابته حتى لا يقع في فخ التقريرية والمباشرة . فالحلم وسيلة تضفي الشرعية وتمنح غطاء لقول الممنوع وتسريب المقموع .إن الحلم انعكاس لواقع مهترئ , أقرب إلى الكابوس , واقع أغرب من الخيال , بل يتماهى معه , فأحلام العربي جزء من واقعه , لأنه يملأ بها فراغ الحاضر وضبابية المستقبل , وهو ما حدا بالقاص محمد العتروس إلى جعل الواقع والحلم يتماهيان , فالواقع أشبه بالحلم / الوقوف بين يدي الحاكم بأمر الله , والحلم جزء من الواقع حيث ضياع الأرض الفلسطينية في الحلم هو عينه مرارة الواقع السياسي العربي , وحيث التطبيع الشامل والكلي "ضرورة حضارية " كما جسدها النص منذ البداية :"رأيت فيما يرى النائم أني صرت إنسانا متحضرا."

     إن الحلم في "سارق القمر" استمرار لأحلام اليقظة التي بثها القاص محمد العتروس في ثنايا مجموعته الأولى "هذا القادم"(5) وهي أحلام بسيطة وهادئة ووردية.

    ففي قصة "أشخاص"(ص31) يرصد السارد صورة الولد الجالس في الركن الأقصى لمدرسة الحي "يحلم ..يحلم.. يحلم .. يحلم ببنت حلوة بحذاء جديد بلباس وبالعيد القريب" لكن جرس المدرسة  يرن فيوقظه من شروده وأحلامه ففي الوقت الذي كان يحلم بالتفاحة "في يده اليمنى يقضمها يأكل بشره ويضحك". يكتشف بعد أن استيقظ "مرتبكا مرتبكا والخبز في يده اليمنى يقضمه يقضم يقضم" نفس الأحلام البسيطة تستمر في قصة " الطفل يحلم بالفجر و بالنورس." (ص 43 ) حيث تبدأ القصة ب" رجل يحلم بالفجر بالبحر بالأقحوان وبالنورس يبحر في العلياء" (ص 44) لكن توقظه مداهمة السلطة لبيته و ينال من التعذيب ما يوقظه من أحلامه البسيطة ،وتنتهي بالإشارة إلى صعوبة عودة السجين إلى بيته ومع ذلك تنتقل "عدوى" الحلم ذاته إلى الطفل "رجل و امرأة قد يلتقيان وقد لا يلتقيان لكن الطفل أبدا سيظل يحلم بالفجر و بالأقحوان وبالنورس يبحر في العلياء "

  إن أحلام اليقظة تساهم في تعرية الواقع الاجتماعي والسياسي و الاقتصادي شأنها شأن أحلام المنام . فالحلم مطية للكشف وذريعة لإبراز مكامن الخلل في هذا الواقع الكئيب فأحلام اليقظة كشف عن الآمال المخبوءة في نفس الإنسان المقهور و إبراز للمفارقات التي تقض مضاجع البائسين و المقهورين ، ورؤيا المنام تعبير  ساخر عن التناقضات الغريبة حيث يتحول اللص إلى إنسان متحضر ويصبح المسلوب /الضحية مجرما يتابع..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وإذا كان الحلم عند محمد العتروس مطية لهذا الكشف والتعرية ,فإنه عند عبد القادر الطاهري في مجموعته "البرتقالة الوحيدة للموتى "(6) له نكهة خاصة حيث يتخذ من هموم الإنسان مركزا تتجمع حوله كل الموضوعات ، يبئر المفارقة وينسج بالسخرية ألق النصوص السردية بوعي فائق " لإواليات تجاوز هذا الوضع حتى في حالات اللاوعي مما يجعل من الحلم مرتكزا لهذه النصية ".(التقديم ص 4)      

      إذا كان محمد العتروس لم يكشف عن بنية الحلم في عناوين نصوصه ,وإنما في جملها الاستهلالية فإن عبد القادر الطاهري عكس الأمر ,فالنص الذي عنوانه "الحلم" لم يذكر فيه ما يشير إلى الحلم لفظيا ،لكنه كشف عن بنية الحلم من خلال التقاطعات السردية حيث تتناوب داخل النص ثلاث حكايات ,ومن خلال طابع المفارقة و الغرابة والنهاية العجائبية التي يختم بها النص حيث يتعرف السارد في آخر القصة على الشخص المغطى بالإزار الأبيض و يصيح "إنها جثتي".                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                  

    وقد أشار د. جمال بوطيب في تقديمه لهذه المجموعة القصصية إلى أن النصوص هي نصوص حلم وأن الحلم يطرد فيها كلها "وبتشاكلات مختلفة غير أن الحلم هاهنا ليس بحثا عن أفق مغاير بقدر ما هو كتابة للأفق المفتقد" (التقديم ص 4 )

إن الحلم في هذه المجموعة, سواء أكان حلم منام أم يقظة, تعرية للواقع وكشف لخباياه الموبوءة ، ويتم إما بشكل واقعي أحيانا وإما عن طريق الغرابة و التشظي ,الذي يخلقه نوع خاص من التقطيع السردي حيث التداخل الحكائي . و يتخذ الحلم أبعادا متعددة فهو النور والحرية "أحلم بالشمس"(ص48) وهو الملاذ الأخير الأمر الذي يبقى بعد أن يضيع كل شيء "لا نملك غير الحلم" (ص 61)، بل حتى الحلم ليس على وتيرة واحدة "ربما حلم هذه الليلة أجمل" (ص62) ويتماهى الحلم الخفي عبر هذه المجموعة بالتذمر الذي تجليه الأسئلة المأزومة والتي هي أقرب إلى الأسئلة الفلسفية الوجودية ،حيث يداهمنا السؤال في كل منعرجات النصوص ،فللسؤال حداثته وهو يوازي الحلم في التعبير عن الخسارات و الهزائم الداخلية للذات المتشظية "متى يتقيأ الإنسان الكارثة التي يحملها في أغواره ؟"( ص 13) وتعبير عن المآسي اليومية "لماذا كل هذا الجوع و الجهل والموت البطيء؟"( ص46) وانعكاس لوجودية فطرية "لماذا نحمل معنا موتنا ؟"( ص 61) ولتفكير وجودي عميق واع   "إلى أين يقودنا هذا الطريق"(ص 62 ) وتتلخص المآسي كلها حين تنفصل الذات عن ذاتها "فحين يعي وجوده وجسده ,يجد نفسه قد صار شيئا غير أناه وتحول جسده إلى جثة يعيها صاحبها" التقديم(ص5)وهو ما تختم به هذه المجموعة القصصية: " جثة من هذه ...إنها جثتي."(ص64).

     وعلى نفس النمط الغرائبي يسير القاص عبد القهار الحجاري, حيث تتكثف الدلالات في نصوصه بشكل لافت ,حتى إن القارئ تطيش به التأويلات . هل يقصد الكاتب ما قاله فعلا أم أن النص ينطوي على معنى ثان ؟ خاصة وان النصوص ليست على وتيرة واحدة من الوضوح . فكل نص يخلق طرائقه , ويبتكر خصائصه ,مما يحقق هذه الدهشة . وانسجاما مع موضوع الحلم الذي اتخذناه محورا لهذا المقال , فإننا سنحاول الكشف عن بعض هذه الطرائق من خلال هذه الموضوعة , والتي استأثر بها نص " برج الحمار " المنشور في مجموعته الأولى " خنازير الظلام " (7) 

  يتبدى من خلال هذه القصة أن الكاتب اختار الإنسانية موضوعا , ولأن مثل هذه الموضوعات الفكرية تستعصي معالجتها ,في الغالب, على الإبداع الأدبي فإن الكاتب اتخذ الحلم صهوة , والمسخ طريقة , وهو ما مكنه من إنجاز المعادلة الصعبة والإجابة عن الأسئلة القلقة , أسئلة الوجود الإنساني . وقد اختار استهلالا خاصا , وهو سرد القصة على لسان الحمار , حيث يصف الحمار أحوال عيشه وتلذذه بها , لكن اللافت للانتباه , في هذه البداية هو ذكر الحمار لفوائد العشب , معرضا بالإنسان وأنه أقل إنسانية حيث يقول :" العاشبون مثلي أصحاء, طيبون, وأكثر وداعة .. بعكس أكلة اللحوم , إنهم أقل إنسانية . حتى الإنسان نفسه ! مفترسون , متوحشون ." (ص44) من هنا تبدأ المفارقة فالحمار يشكك في إنسانية الإنسان ويصف لذة عيشه الحيواني أكلا وشربا واستجماما . ويستمر الحمار في وصف حياته الممتعة , وما اعتراها من اكتئاب لمجرد إحساسه باقتراب مالكه الإنسان , مستحضرا ما يعانيه من شتائم وجلد وعفن وتعب , مبرزا موقفه من كل ذلك ومفسرا ذلك ب" الإنسانية" وأنه ليس عجزا ولا بلادة . ليختم المقطع بالأمنية / الحلم :" ونسيت وقع الخطى الذي تلاشى خلف جدار الزريبة . وأغمضت عيني وفي أعماقي تمنيت لو أنني أنا الإنسان !!  " (ص 46)  

ويتحقق الحلم / المسخ حيث يتحول الحمار إلى إنسان , ويعيش حياته بما فيها من متع وكماليات ( الهاتف ـ البيت ..) لكن السارد لا يدع القارئ دون إمعان في تعميق حيرته , حيث يطرح أسئلة تحدث المفارقة والتشويش عن الأصل : هل الإنسان أم الحمار ؟ , فالحمار يطرح الأسئلة التي توحي أنه  الأصل : " تحسست أذني , وقفزت نحو المرآة لأرى شكلي , أهو حلم أم كابوس هذا الذي أنا فيه ؟! هل صرت إنسانا ؟ ! أم تراني في هذيان محموم ؟ ماذا جرى لي ؟ من أنا ؟ أو بالأصح ما هي ماهيتي ؟ "(ص 47)

ثم يطرح أسئلة تشوش على هذا الاعتقاد وتوحي بالمفارقة والغرابة , فذهن السارد مشتت ويعاني من صعوبة الإدراك لماهيته , ويحاول أن يجد لها تفسيرا بالخبل أو أكل مادة خبيثة أثرت عليه أو الحمى .. " ربما أكون قد ازدردت نبتة خبيثة أو أصابتني حمى أو حدث لي خبل . هل أنا إنسان ؟ أحقا أنا إنسان ؟ ماذا أقول ؟ ألست دائما إنسانا ؟ من قال إنني غير ذلك ؟ والحال التي كنت عليها قبل قليل .؟" (ص 48)

ويتجاوز المسخ والتحول شخصية السارد إلى ما يراه في الكون " كل شيء مقلوب في الغرفة . نظرت من خلال النافذة كل شيء على الأرض مقلوب أيضا , الناس في أشكال هندسية غريبة , في الهواء ورؤوسهم متدلية إلى الأسفل , كل شيء مقلوب رأسا على عقب ,العمارات , السيارات , الأرض , السماء ." (ص 47)

وتبدأ رحلة " البحث عن الذات " في طابع ساخر اتخذه الكاتب مطية ليقرب بين جزأي الشخصية حين يفاجأ بالسؤال عبر الهاتف إن كان من برج الحمار , و بعد أن يصب غضبه على فراغ الغرفة يخرج , ليفاجأ بعالم مثالي الغرابة , لا يمت إلى واقع الحياة الواقعية بصلة , ليبئر المفارقات بين عالم واقعي وعالم مثالي يصبح واقعيا , مما يزيد في تأزم النص , ويفتحه على التأويلات المختلفة , هل المفارقة بغرض السخرية والكشف عن واقع مهترئ عبر وصف واقع محلوم به ؟ أم أن غرضها فني لإحداث "جمالية المسخ " باعتبارها إحدى الجماليات الحداثية ؟

إن النص يعمق المفارقات في الوقت الذي يجعل التماهي قائما عبر الاستخدام الذكي للحلم , باعتباره يمكن من ذلك ,عبر الترابط غير المنطقي , وعبر ارتباطه بالخيال . حيث لا ينفك السارد عن العلاقة بالحمار حيث يعيش هذه الذات المنقسمة على نفسها حين تتكرر على مسمعه عبارة " برج الحمار " , في الهاتف , في المحل التجاري , إذ يفاجئه البقال بمجرد وقوفه أما م محله إن كان يبحث عن كتاب " برج الحمار " وكأن معالم ذلك بادية على وجهه . مما حدا به إلى أن يسأل نفسه في ارتباك وقلق  :" ومن قال .. قال أريد هذا الكتاب ؟ ! " (ص 52) ثم يقتني الكتاب .

و للإيغال في المفارقة يصف المقهى الملوث برائحة الكيف / الحشيش , وعلى بابه يافطة كتب عليها " ممنوع تدخين المخدرات " .

يصف السارد مضمون الكتاب وأبوابه وفصوله وأوصاف الحمير , وهي الأوصاف المتداولة عادة في مجتمعنا , ليختم القصة بحوار عميق بين السارد وأحد الحمير مربوط بقرب عمارة , حوار كشف عن صورتين للحمار : الحمار المنبوذ , ومعه كل من له صفة " حميرية " كالتفاني في العمل , وصورة الحمار الرمز "عندهم" حيث تقدير تلك الصفات , ولعل الإشارة إلى الحمار الرمز , الرمز السياسي لأحد الحزبين الكبيرين في أمريكا . ثم الحديث عن رغبة الحمار في أن يحرق كل الصفات السلبية من عجز وجبن , واتخاذ الحمار قرارا بأن يتكلم ويعبر.

وتنتهي القصة بالتشارك في الأحاسيس بين الآدمي والحمار :" ضحكنا ثم بكينا "(ص56)

 شكل الحلم في هذه القصة إذن طابعا خاصا فقد كان وسيلة لتعميق المفارقة , من جهة , وأيضا لإثارة جملة من القضايا أهمها :

ـ إعادة النظر في قيمنا الفكرية والحضارية كقيمة العمل والتفاني والوفاء التي بدأت تتلاشى ,إن لم نقل تلاشت .

ـ مراجعة انطباعاتنا الجاهزة ومفاهيمنا المتوارثة , والتي رمز إليها الكاتب بصورتنا النمطية عن الحمير .

ـ الاختلاف الثقافي بيننا وبين الآخر , وانعكاس ذلك على التصورات والمفاهيم ( صورة الحمار في ثقافات الشعوب ).

ـ الطبقية والاضطهاد الاجتماعي لأصحاب المراتب الضعيفة اجتماعيا . وغير ذلك من القضايا التي لا يتسع المقال لذكرها .

لقد حققت قصة " برج الحمار " إيقاع الحداثة , ليس فقط شكليا بتوظيفها للحلم كتقنية فنية حداثية , وإنما مضمونيا كذلك , على غرار القصص المحللة في هذا المقال .

      وعلى خلاف توظيف الحلم عند القصاصين الثلاثة, وبأسلوب رومانسي هادئ , وبلغة منسابة ورصينة , تتوغل القاصة بديعة بنمراح في تخوم الواقع اليومي , لتكشف عن إشكالاته الحقيقية , ولتبئر مشاكله العميقة ولتعري أعماقه . فالقاصة في مجموعتيها " ورود شائكة " (8)و " ليلة غاب فيها القمر "(9) مسكونة بهواجس الواقع المتخلف , ثائرة عليه وناقمة على الرضى بمستنقعاته والتسليم بأوهامه . واللافت أن القاصة لم تكتف بتصوير واقعي للأحداث بل قررت الغوص في أعماق الشخصيات ـ النسوية على الخصوص ـ لإبراز معاناتهن العميقة , إنها تنويعات قصصية على مقام واحد , كل نص يضيف نغمة جديدة لتكتمل سمفونية هذا الواقع المتخلف .

 إن القاصة مسكونة بالتفاصيل , مهووسة بنكث الجراح من خلال كل الأبعاد وفي كل الأزمنة , فقد رصدت بحاستها الإبداعية الثاقبة زوايا متعددة لمعالجة المعاناة . فالمراة ,المحور الأساس لإبداع الكاتبة, مرصودة بشكل دقيق إما في طفولتها حيث المعاناة والحرمان والاحتقار والاغتصاب ,أو في شبابها حيث الحرمان من الدراسة , أو الزواج المبكر أو العنوسة أو البطالة .. أو بعد زواجها وعملها من خلال ما تتعرض له من تحرش أو اعتداء وقسوة من طرف الزوج أو استغلال بشع من طرف المشعوذين والدجالين ,وهي هائمة تبحث عن الإنجاب, أو فقدان الزوج أو فقدان الحياة .

    إن قارئ قصص بديعة بنمراح في أحيان كثيرة قد يكشف التطابق بين أحداث القصة وبين أحداث واقعية , حتى أن أسماء حقيقية قد تقفز إلى مخيلة القارئ لتحل محل الأسماء التي اختارت الكاتبة , لكن الممتع هو النفس القصصي الجميل أثناء الرصد , والدقة في المتابعة والروح الثورية العارمة التي تنضح بها النصوص .

  من هنا شكل الحلم بؤرة ضوئية تتجمع حولها الأحداث والمواقف التي تعلنها الكاتبة دون مواربة , خاصة في المجموعة الأولى " ورود شائكة " والتي احتل فيها الحلم , معجما وموضوعا, حيزا كبيرا حيث لا تكاد تخلو قصة منه , وسنحاول رصد ملامح هذا الحلم , وإن كان في أغلبه حلم يقظة , يوازي الأمل أو الرغبة والتوق إلى عالم أفضل , ويفضح الإهداء مكامن كل ذلك :" إلى كل امرأة تواقة إلى العيش بكرامة وحرية "

    يتجسد الحلم بأشكال متعددة ، فهو آيل للسقوط ومعرض للإنهيار ابتدءا, ففي أول قصة "حب أو موت" تفاجئنا الكاتبة بهذا النوع من الأحلام "الأطفال يلعبون هنا وهناك يبنون أحلاما من رمال" ففي الوقت الذي كنا نتوقع أثناء لعب الأطفال على الشاطئ أن يبنوا قصورا من رمال ،نجد أنها تبئر مأساة الأطفال الغير المدركة فهم  في غفلة عن مستقبل صعب ينتظر ، وتستمر قسوة الأحلام في القصة حيث تصورها على أنها نار محرقة لا تطفئها إلا مياه البحر حيث يقول الخطيب العاجز عن تحقيق رغبته في الزواج ،عندما تخاطبه خطيبته :

 "  لكأنك تحمل داخل صدرك نارا مشتعلة تسرع إلى إطفائها بمياه البحر".

يقول : "ـ بل سأطفئ نار أحلامي و آمالي التي لم أستطع أن أحقق ولو جزءا صغيرا منها ..". ولتعميق المأساة تختم القصة بغرق هذا الشاب فتنطفئ أحلامه وأحلام خطيبته التي من يومها لم يرها أحد في المدينة ولا في الحي الذي تسكن فيه ، وتستمر أحلام الشخصيات .فالمجنونة في قصة "ماء ودماء " " تأكل وتحلم وتغني" , بل إن حلم النزيلات لا يتجاوز أحلام البسطاء "كل واحدة منهن تحلم أن تخرج من ذلك المكان و تعود للحياة ثانية ، كل واحدة تغوص بفكرها في ماضيها ,متمنية لو تستطيع تغيير قدرها "(ص 10) ،وهكذا كل الشخصيات تحلم بتغيير واقعها. ونسرد بعض العبارات ـكما جاءت في المجموعة ـ لتأكيد هيمنة الحلم :

   ـ  أحلامها تكبر كلما نضج الزرع (ص 10)

   ـ  يتذكر أبوها كل الأحلام والآمال التي نمت معها (ص 10)                                                                                                                             

   ـ  أحلامهم تتعانق من أجل مستقبل أفضل (ص15)

   ـ   شعرت أنها في حلم وحدها في عالم كله خضرة وأنوار  (ص 15)

   ـ  أية أحلام ورغبات تسيطر على قلبها وعقلها في هذه اللحظات ( ص 17)

   ـ  لم يستفيقا من حلمها ويعودا إلى الزمن المدمر إلا عندما أحس أن المكان قد خلا (ص17)     

   ـ  الكلام الحلو ... مثل الحلم الجميل  (ص  18)

   ـ  آمالها تكسرت أحلامها خنقتها يد قاسية جيارة كانت تبني أحلاما كبيرة على هذا الزواج (ص27)

   ـ  أطفئت الأنوار ونامت النسوة الثلاث وكل منهن تحلم بيوم تصبح فيه كرامة المرأة مصانة (ص 36)

   ـ  الكل يحاول أن يصل أن يحقق ولو أبسط أحلامه بالمسكن اللائق و العمل البسيط (ص 56)

   ـ  كانت في ليال كثيرة تستيقظ من النوم ودموعها في عينيها ,تريد أن تتأكد إن كان موت أخيها مجرد كابوس ، ثم تعود إلى النوم لتراه قادما فاتحا ذراعيه فتجري إليه وترتمي في أحضانه . (ص 74)

   ـ  كان حلمه أن يرى أولاده يكبرون أمامه يدرسون و يتخرجون (ص 74)

     أما المجموعة الثانية " ليلة غاب فيها القمر" فالحلم لم يحضر بمثل الكثافة التي حضر فيها في المجموعة الأولى ، رغم استمرار النفس الرومانسي :

   ـ  حلمها أن ترسو سفينتها ذات فجر على مرفأ يضيئه الوعي والحرية (ص 20)

   ـ  لالا فطومة الأم ، حلمها بسيط ، أن تعود كل مساء بالخبز والحنان ( ص 21)

   ـ  كم حلمت أن تسكن إلى صدر رجل بعد والدها (ص 21)

   ـ  العصفورة كئيبة ترثي جناحيها المقصوصين و الأحلام  ( ص 22)

   ـ  و هي تئن تحت وطأة واجب مقدس يؤديه زوجها , تتذكر صورة الرجل الذي  تحلم به ، إنسان قوي وصادق يحترم المرأة وحقوقها ، يتطلعان معا إلى غد أفضل  (ص 23)

  ـ  يختلط الحلم بالكابوس ، وبين الإغفاء والصحو تتراءى لها أياد سوداء  (ص 23)

  ـ  و ها الأحلام تحولت كوابيس  (ص 25 )

  ـ  كل السواد والأوهام لا يمكن أن تئد حلمي (ص 26 )

  ـ  الأيام الصعبة ستجعلك تنسى حبنا وأحلامنا  (ص 28)

  ـ إنساقت وراء رغبة جامحة في نفسها ، حلم طالما داعبها (ص 31)

  ـ  الصبر حلم العواجز يطرح زهور الأماني (ص 42)

  ـ  يأتي ذلك اليوم الذي تحلم به كل النساء فيتمتعن مثل اخوانهن الرجال بحقوقهن كاملة ( ص 45).  

إن استعراض كل هذه العبارات يبرز احتفاء القاصة بالحلم , واتخاذه مطية لرصد الواقع والرغبة الملحة في تغييره , فالشخصيات رغم بساطتها تملك "الحلم " كأقوى حافز نحو التغيير , وتحقيق الآمال رغم بساطتها , فالأحلام ليست موغلة في الخيال بقدر ما هي منسجمة مع الواقع الذي تعيشه هذه الشخصيات .

وفي الختام:

رسمت القصص , التي شكلت مادة هذا المقال ,لوحة متنوعة الخطوط والأشكال ,وقدمت صورة لتوظيف الحلم في القصة المغربية , باعتباره إيقاعا حداثيا شكلا وموضوعا , وإن كان في المتن المغربي من أفرد للحلم حيزا أكبر , باعتباره آلة فنية , ونذكر على سبيل المثال القاص المغربي " أحمد بوزفور " في مجموعته القصصية الأخيرة " ققنس "                  

 لقد حاولنا من خلال هذا المقال أن نرصد ملمح " الحلم" ,لأنه يتيح إمكانيات هائلة وطاقة زاخرة تمكن من معالجة أي موضوع , بل إن المواضيع الحساسة هي أنجح المواضيع التي يعالجها الحلم .

  إن الحلم ـ كما أشرنا ـ إيقاع حداثي , فهو يفجر الطاقة الكامنة في النص , ويحرر العقل من سلطان المنطق , ويفسح المجال للخيال , فمن خلاله تعبر الرؤية وتخترق حدود الزمان والمكان . لكن تبقى الإيقاعات السردية الحداثية ـ خاصة في القصة القصيرة ـ غير مدروسة بالقدر الكافي .

 حسبنا في هذا المقال أن نكون قد أثرنا الموضوع , فلا ندعي الإحاطة والاستقصاء , بل يكفي أن ندلي برأينا في جنس أدبي , فيه من الغزارة والتنوع ما يعجز الباحث , وتنوء بحمله الأذهان .

   الهوامش

1 ـ خالد بلقاسم :أدونيس والخطاب الصوفي ,دار توبقال ط1/ 2000 ص 105

2 ـ  د. عبد الرحمن محمد القعود:الإبهام في شعر الحداثة . سلسلة عالم المعرفة ع 279 مارس 2002 ص 152    

3ـ المرجع نفسه ص 96

4ـ محمد العتروس : " رائحة رجل يحترق "مطبعة تريفة ـ بركان ط1/ 1998

5 ـ محمد العتروس : "هذا القادم" المطبعة المركزية ـ وجدة   ط1 /1994

6 ـ عبد القادر الطاهري : " البرتقالة الوحيدة للموتى " منشورات الديوان ـ آسفي          ط1/2006

7 ـ عبد القاهر الحجاري : " خنازير الظلام" الطبعة الأولى 2006

 8 ـ بديعة بنمراح : "ورود شائكة" مطبعة شمس ـ وجدة ط1/2000

9ـ  بديعة بنمراح : " ليلة غاب فيها القمر " مطبعة الجسور ـ وجدة ط1 / 2006

 

الاستعمار الثقافي

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد فلاح الزعبي
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 30 نوفمبر 2007
الزيارات: 9

 

الاستعمار الثقافي:صناعة العقول وإعادة صياغة المواطن العربي

محمد فلاح الزعبي

 

لم يعد خافيا على احد ان الاستعمار الثقافي انما يهدف إلى احتلال العقل الانساني؛ فهو أخطر من الاستعمار العسكري، علامة ذلك أن الاستعمار العسكري يستمد قوته من آليات الإخضاع الخارجي، بينما ييسّر الاستعمار الثقافي آليات الإخضاع الداخلي، مما يبدو وكأنه تعمية للحال، أو تجميل له، فيُقبل الإخضاع على أنه شيء آخر غير الإخضاع، لالتباسه بمفاهيم كثيرة تتصل بعمليات التكوين الذاتي، كالنمو والاستقلالية والأصالة والصلابة والسلطة والمناعة والوعي.. الخ. (1 )

 

وما يزال أمر الاستعمار الثقافي، استتباعاً لذلك، محيراً لدى الكثيرين؛ إذ لا ترى فئة من الناس أنه غزو، فتختار له تسميات أخرى، وتهون فئة أخرى من شأنه على أن الحديث عنه وعن مخاطره ألعوبة أو وهم، بل إن فئة ثالثة تدعو له سبيلاً للمثاقفة، وهؤلاء يهونون أيضاً من أمر المثاقفة، فلا يجدون فيها تأثير ثقافة غازية قاهرة في ثقافة مغزوة مقهورة، وإنما يعدون المثاقفة تلاقحاً معرفياً وحضارياً يعزز التواصل بين (تراثات) الإنسانية، ويغنيها، ويوردون حججاً لا نهاية لها عن العلاقات الثقافية بين الشعوب، واستكمال شروط النهضة أو التقدم، وهل علينا أن نذكر الخلاف القائم حول الحملة الفرنسية على مصر؛ هل كانت نعمة أم نقمة؟ فهناك من يتباكى على خروج المستعمر من بلاده، وكنت قرأت نصاً لأحدهم يصف تجربته في المعتقلات الصهيونية في فلسطين المحتلة، يعجب فيه من ديمقراطية العدو الإسرائيلي وتقدمه، مؤكداً أن السيء هو إجراءات الاعتقال والتعذيب...الخ. إن ابن خلدون كان يعني الاستعمار الثقافي في قوله الواضح: (إنما تبدأ الأمم بالهزيمة من داخلها عندما تشرع في تقليد عدوها). (2 )

 

كان الاستعمار العسكري يستهدف احتلال الأرض، فهو غزو من الخارج، من أجل الهيمنة السياسية التي تصل إلى حد إلحاق المستعمَر (بفتح الميم) بالمستعمِر (بكسر الميم)؛ وحدث هذا مع الجزائر والهند على سبيل المثال، ومن أجل الهيمنة الاقتصادية، لدوام النهب الاستعماري لخيرات الشعوب وثرواتها الطبيعية ومواقعها الاستراتيجية.

 

غير أن الاستعمار الثقافي يستهدف احتلال العقل، فهو غزو من الداخل، وهو الأخطر، لأنه يضمن بعد ذلك، في حالات الضعف الذاتي وتخريب المناعة الذاتية، دوام الهيمنة على الإدارة والإمكانات القومية برمتها. لقد تطور الاستعمار كثيراً، من شكله القديم العسكري المباشر، إلى شكله الجديد الاقتصادي؛ سواء تأمين المصادر أو الطاقة أو الثروات الطبيعية، أو البحث عن أسواق، إلى الاستعمار الثقافي، المختلف على تسميته، الذي لا يحتاج إلى الأسلحة التقليدية، لأنه مزود بسلاحه الفتاك الداخلي، أعني به التنميط الثقافي من خلال آلية صناعة العقل.

 

إن مفهوم الاستعمار الثقافي ملتبس - كما أشرنا - في تاريخه، وفي إطاره المعرفي، وفي علائقه المتشابكة والمتداخلة مع مفاهيم أخرى، مما يدعونا لإضاءة هذا المفهوم، وهذه المفاهيم هي: (3 )

(1) الاستقطاب والهيمنة:

تشكل مفهوم الاستقطاب بعد الحرب العالمية الثانية، حين انقسم العالم إلى معسكرين، الأول يدور حول القطب الأمريكي، والثاني حول القطب السوفييتي، وصارت الحروب تتحول إلى بؤر توتر صغيرة، أما الحرب الكبرى فهي الحرب الباردة، التي خف أوارها، وأخذت أشكالاً أخرى، بعد المتغيرات العنيفة أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، لعل أهمها الزلزال السوفييتي الذي أنهى أحد هذين القطبين، وانهارت معه منظومة الدول الاشتراكية، والأهم من ذلك حالة صراع مرهونة بعلاقات دولية، صار فيها الاستقطاب متجهاً إلى قطب واحد مهيمن هو الولايات المتحدة، بما يعني ذلك من ترافق الاستقطاب مع التقنية، المعلوماتية، الاتصالات، العلم. ولا شك في أن سلطان الواحدة منها يفوق السلاح التقليدي أضعافاً مضاعفة، إنها الثروة والمعرفة، وهما تتبادلان الأدوار، وتتكاملان فيما بينهما.

 

(2) التبعية:

ظهر مفهوم التبعية في إطار الاقتصاد في الستينات، تفسيراً للتخلف الذي اتسم به اقتصاد بلدان العالم الثالث؛ مما طرح في المقابل، ضرورات النمو المتسارع للوتائر الاقتصادية (مشمولة فيما بعد بالوتائر الاجتماعية والسياسية)، وهي التي اصطلح على تسميتها بالتنمية، غير أن اندماج هذا النمو، وتلك التنمية في الاقتصاد العالمي - وهو اقتصاد المركز المتقدم، الأمريكي والأوروبي، أو الدولة الصناعية، أو دول الشمال - جعل اقتصادها يخدم الاقتصاد العالمي، أو ما عرف باسم التنمية الموجهة للخارج، وقوامها تغذية المركز بالمواد والخامات والنفط، وتصريف منتجات المركز.

 

وهذا هو مفهوم التبعية، بدأ اقتصادياً، ثم ما لبث أن امتد إلى المجالات الكونية الأخرى، مع تحول العالم نفسه إلى قرية صغيرة كونية، بفضل استفحال تأثير سلطات العصر التي أشرنا إليها، ولا سيما الاتصالات والمال والاقتصاد والمعلوماتية.

 

إذن صار هناك مركز متبوع، وأطراف أو هوامش تابعة، وقد تنبه الكثيرون لخطر هذه التنمية الموجهة إلى الخارج، إنها تفاقم خطر التبعية، بعزل التنمية عن أبعادها الشاملة والمتكاملة والمستقلة، إذا أغفلت أبعاد التنمية الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تضمن الهوية الثقافية، والاستقلال السياسي، ومواءمة الخيارات لخصوصياتها التاريخية والبيئية والاجتماعية والحضارية.

 

وكلما فشلت تجربة تنموية، وما أكثر التجارب الفاشلة، انزلقت بسرعة إلى مهاوي التبعية؛ لأن من شروط التنمية الناجحة شمولها وتساوقها مع التنمية الثقافية والاجتماعية من جهة، واستقلاليتها من جهة أخرى.

 

وغني عن القول بعد ذلك، أن التبعية الثقافية والإعلامية أخطر من التبعية الاقتصادية، لأن الأولى تتجه إلى رهن الإرادة القومية والوطنية، بما في ذلك استتباع القرار القومي والوطني - الذي ينبغي أن يكون مستقلاً - لهيمنة المركز، وعلى رأسه الولايات المتحدة.

 

(3) التغريب:

يفيد معنى التغريب أمرين، الأول سيادة النزعة الغربية، أو الاحتذاء بالغرب (أوروبا والولايات المتحدة)، والثاني هو الاستلاب أو الاغتراب؛ أي خلق هوة بين المرء وواقعه، حين تغلف الذات بمشاعر الغربة والوحشة والانخلاع والانسلاخ، واللا إنتماء بعد ذلك.

 

ويفيد المعنى الاصطلاحي شعور المرء بأنه مبعد عن البيئة التي ينتمي إليها، فيصبح منقطعاً عن نفسه، ويصير عبداً لما حوله، يتلقى تأثيره المتمثل في إنجازات الإنسان ومواصفاته ونظم حياته، دون فعالية تذكر.

 

والأمران يتوافقان أو يتكاملان فيما بينهما، في حالة الثقافة العربية التي تعاني التغريب، بما هو فك العرى الوثيقة بينها وبين تاريخها وتراثها، وبينها وبين وظائفها التاريخية والعضوية والنفسية.

 

لقد شكلت ثقافة الغرب بالنسبة للعرب والثقافة العربية، الاستعلاء والتكبر؛ تعبيراً عن موقع الغربي، وكانت العلاقة الاستشراقية محكومة بموقعه كمستعمر، وكلما اتسعت حلقات وعي الذات القومية والوطنية إزاء الآخر الغربي، توضحت بجلاء أكبر، حدة المعاناة التي تواجهها الثقافة العربية في مواجهة التغريب، احتذاء بالغرب، أو سلباً واغتراباً عن الهوية والخصوصيات الثقافية بتأثير الغرب نفسه، منتج وسائل التغريب الضخمة.

 

(4) التنميط:

يعبر الاستعمار الثقافي عن آليته، أساساً، بالتنميط الثقافي الذي يعني إنتاج نمط ثقافي واحد وفق إرادة المنتج المهيمن، ويكون ذلك عبر وسائل السيطرة المختلفة كالتقنية والمعلوماتية والاتصالات، ولا سيما استعمال الأقمار الصناعية.. ولا شك أن أخطر مظاهر التنميط وسيلة، هو شيوع ثقافة الصورة بديلاً عن ثقافة الكلمة، وانتشار الكتاب الإلكتروني (أقراص CD-ROM ) بديلاً عن الكتاب المطبوع؛ مما يضع جمهور الأطفال والناشئة أمام الاستبداد التقني الذي يقلل الخيال والإبداع بعد ذلك، ناهيك عن سرقة الوقت، وهدر الطاقة الجسمية، والمشاعر والأفكار، ووضع هذا الجمهور في حالة عطالة ذهنية وثقافية أمام منتجات التنميط الثقافي وقوتها الهائلة.

 

(5) التغطية:

وهو أسلوب إعلامي على سبيل التضليل، بقصد قلب الحقائق أو تزييف الوعي، وتشكيل العقل وفق إملاء شروط الهيمنة. وكان قد وضّح مثل هذا المفهوم خير توضيح إدوار سعيد في كتابه (تغطية الإسلام) (4 ) (1982 بالإنكليزية) وهو عن التضليل الإعلامي والأيديولوجي الذي مارسته وسائل الإعلام الأمريكية للتغطية على الإسلام، والحكم عليه بالإرهاب.

 

وليس بمقدورنا أن نعدد أمثلة التغطية التي حدثت، وما تزال، في قضايا كثيرة، وهدفها الأوحد هو التضليل وتزييف الوعي. إن الامتدادات الجبارة للمعلوماتية والاتصالات هي الأداة الأولى للتغطية، وينبغي الوعي بمدى القوة الاستعمارية لهذا الأسلوب في عمليات احتلال العقل، أو الاستعمار الثقافي.

 

(6) العولمة:

تعددت تعريفات (العولمة)، غير أن أقربها دلالة هو جعل نمط العيش والثقافة عالمياً، لئلا نأخذ بجانبها السلبي فقط الذي يرى فيها توحيداً للاستهلاك، وخلقاً لعادات استهلاكية على نطاق عالمي.

 

وأضاف بعضهم لمجالاتها المال والتسويق والمبادلات والاتصال. ويتفق هذا التعريف مع الذين يقولون فيه أن العولمة هي نقل الشيء من النطاق الوطني أو القومي إلى النطاق العالمي(5 )، غير أن هذا التعريف هو الأشمل بتقديري.

 

ولما كانت الولايات المتحدة هي القادرة على جعل هذا النمط أو ذاك عالمياً، وجعله على طرائقها وتنظيمها المجتمعي والكوني، فتغدو العولمة بتعريفها الحالي أمركة العالم، وهو طموح قديم للولايات المتحدة، حيث قال الرئيس الأمريكي (غروفر كليفلاند) (1893) (6 ): (إن دور أمريكا الخلاق هو تحضير العالم، ليصبح أمة واحدة تتكلم لغة واحدة)، وعبّر عن هذا الطموح فيما بعد بعبارة (النظام العالمي الجديد) بزعامة الولايات المتحدة، وهو شعار الدولار الأمريكي الذي أخذ شكله منذ نهاية القرن التاسع عشر؛ إذ يوجد على الدولار صورة لهرم تعلوه عين إنسان، ووضعت في أسفل الهرم عبارة (النظام العالمي الجديد).

 

وتؤثر (العولمة) سلبياً في الطرف الضعيف الواهن، ففي الاقتصاد والمال، تفتقر دول العالم الثالث إلى الفعالية في (العولمة)، لأنها مستهلك أولاً، ومستهلك للمنتجات الأقل قيمة ثانياً؛ ويتفاقم التأثير السلبي في مجالات العلم والتقنية والمعلوماتية والاتصالات، لأنها لا تنتج، أو لا تشكل مشاركتها في الإنتاج العالمي نسبة تذكر، وهذا يعني أن الخاسر في العولمة هو الأضعف في حلقة الإنتاج، ليكون في النهاية مستهلكاً، متلقياً، مستلب الإرادة والفاعلية.

 

وفي العولمة الثقافية نميز دائماً بين مفهومها (أمركة العالم)، وبين مفهومها الآخر (كنظام عالمي ثقافي جديد، يقوم على احترام مبادئ عقد التنمية الثقافية) الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1989م. وهي مراعاة البعد الثقافي للتنمية، وتأكيد الهوية الثقافية وإثرائها، وتوسيع نطاق المشاركة في الحياة الثقافية، وتعزيز التعاون الثقافي الدولي، ولعل الفرق بين المفهومين واضح، لا لبس فيه، إذ يتبدى في إشكالية السيطرة العالمية الكامنة في العولمة عبر إنتاجها الاحتكاري لأدوات


  1- عبد الله أبو هيف، الغزو الثقافي والمفاهيم المتصلة به، مجلة النبأ، العدد 63، تشرين الثاني 2001.

2- إبن خدون، مقدمة إبن خلدون، ترجمة وتحقيق: أحمد الزعبي، دار الأرقم للطباعة والنشر، 2004.

3- عبد الله أبو هيف، الغزو الثقافي والمفاهيم المتصلة به، (المرجع السابق الذكر.

 4-إدوارد سعيد، تغطية الإسلام، ترجمة: محمد عناني، دار رؤية، القاهرة

 5- مركز دراسات الوحدة العربية: «المجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في تحقيق الديمقراطية»، منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1992.

 6- هانس بيتر مارتين وهارالد شومان، فخ العولمة،  ترجمة د عدنان عباس علي. مراجعة وتقديم رمزي زكي، عالم المعرفة، 2000.

شرنقة على أفنان الشعر

التفاصيل
كتب بواسطة: آمال رضوان
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 23 نوفمبر 2007
الزيارات: 7


شرنقةٌ على أفنانِ الشّعر!

آمال عوّاد رضوان/ قراءة كتاب (لا أرى غير ظلي)/ لـ هيام مصطفى قبلان

التّركيبُ اللّغويُّ بفنّيّتِهِ إنّما يُبطّنُ أفكارًا وأبعادًا عميقةً، تتخلّلُها دفقاتٌ شعريّةٌ وشحناتٌ فكريّةٌ، وبذلك تتجلّى وتتفاوتُ درجاتُ الإبداعِ بأبعادِها بينَ الشّعراءِ، فلا ينبغي أن نكتفي بالحكمِ على ما قرأناهُ مِن خلالِ التّذوّقِ الفنّيِّ النّابعِ من الحسِّ الجماليِّ، أو من الانطباع الانفعاليِّ فقط، بل علينا أن نبحثَ ونكشفَ عن بواطنِ الجمالِ للمضامينِ الفكريّةِ والدّلالاتِ الفنّيّةِ! لماذا اختارتِ الشّاعرةُ الظّلَّ استثنائيًّا في عنوانِ كتابِها؟

ألأبعادِ أطوالِهِ وأحجامِهِ المتغيّرةِ، أم لشحوبِهِ المتأرجحِ بينَ الزّيفِ والحقيقةِ؟

ألأنّ الظِّلّ يحتشدُ بموسيقى رهبةٍ لا تحتملُ الأضواءَ، أم لتسكُّعِهِ بعشوائيّةٍ ليُضيءَ دهاليز عتمةِ زمكانيّةِ الشّاعرةِ؟

يتبدّى الظّلُّ وكأنّهُ طائرٌ كونيٌّ يتلفّعُ بعرائِهِ، فهو رمزٌ لضراوةِ الألمِ والعذابِ، رمزٌ لمرارةِ القدَر والوَحدةِ والشّقاءِ، وللغموضِ ولعُمقِ المعاناةِ وعدمِ الثّقةِ، رمزٌ لستائرِ الحقيقةِ المبتورةِ والمُسدَلَةِ على تعدّدِ أساليبِ القهرِ والحرمانِ، الظّلُّ رمزٌ لملامحِ هزيمةٍ تتجلّى بومضاتٍ تُفصحُ عنها عواطفُ مشحونةً بانفعالاتٍ عاريةٍ، وتنسابُ بسلاسةٍ بينَ تعاريج الحياةِ المتناقضة باستقامتِها واعوجاجِها!

لكن، هل للظّلِّ اعوجاجاتُهُ؟ وهل لعنصرِ الزّمنِ ظلٌّ يصرخُ ويبكي ويهرمُ ويَشيخُ؟

وهل الظِّلُّ المتأرجحُ بينَ الغموضِ والتّلميحِ، يُشكّلُ عنصرًا أساسيًّا في مسرحِ الحياةِ؟

للظِّلِّ دَورٌ مُشوِّقٌ في حالاتِ التّأمّلِ وكشْفِ زوايا الحياةِ بأبعادِها وأوزانِها، فحينَ يكونُ الظِّلُّ ثقيلاً يُبكي الضاحكَ، وحينَ يكونُ الظِّلُّ خفيفًا يُضحكُ الباكي، وبينَ البكاءِ والضّحكِ تتفاقمُ حيرةُ الشّاعرةِ لمذاقاتِ الحياة وألوانِها على مسرحِ الظّلالِ الحياتيّةِ، وما بينَ حالاتِ الضّياعِ والواقعِ المُرِّ، يُشكّلُ الظِّلُّ روحَ الشّاعرةِ!

إذن؛ فالظِّلُّ هو روحُ الشّاعرةِ الملازمُ لجسدِها وأفكارِها وأحلامِها وما تتوقُ إليه في هروبِها الشّعريِّ، لكن الظلَّ تُلازمُهُ الخطيئةُ في الخبايا وفي طيّاتِ السّفرِ والموتِ فتقولُ:أصعدُ بخطيئتي تاجَ عرشِكَ/ أيُّها المسافرُ إلى بلدِ الضّبابِ/ إن رحلتَ/ أُكفّنكَ بجرحٍ تعثّرَ بينَ الخطايا/ ككلّ امرأةٍ تُخطئُ/ يبقى لها النّزفُ والحلمُ/ أيُّها المسافرُ إلى بلدِ الضّبابِ/ أُُهيّءُ لحلمِكَ المغدورِ شمعةً/ هي ما تبقّى مِن ظِلٍّ وخطيئة/

نصوصُ الشاعرة هيام محصّلةُ أغوارِ أحاسيسِها وأعماقِ نفسِها، فتجلّتْ بنصوصِها مِن خلالِ لغتِها الشّعريّةِ الغامضةِ أحيانًا، والرّمزيّة الهامسةِ تارةً، والثّائرةُ مرّةً، ومرّة رافضة، وأخرى حالمة بواقع أجمل، إذ نبتتْ في أرضٍ خصيبةٍ مِن متناقضاتٍ ومعاييرَ شكليّةٍ لا حصرَ لها، فجعلتِ الشّاعرةَ تتخبّطُ في لجّةِ صراعاتٍ بحثًا عن ذاتِها، فكيفَ لها أن تُحقّقَ الأنا؟

مِن خلالِ الحوارِ الّذي أجريتُهُ معها في مقدّمة الكتاب، نُدرك الخطوطَ العريضةَ والطّويلةَ، وما بينَها مِن إحداثيّاتٍ جسّدتْ تفاصيلَ روحِ الشّاعرةِ هيام، هذا التّعمّقُ داخلَ النّفسِ الإنسانيّةِ شحنَها بطاقةٍ ثوريّةٍ عارمةٍ ومدوّيةٍ!

مِن ناحيةِ الصّياغةِ، فقد اعتمدتِ الشّاعرةُ هيام على الشّكلِ المُغايرِ الجديدِ، وعلى دلالاتِ الغربةِ ورموزِ الضّياعِ، فحين يتألّقُ الألمُ ويصيرُ سيّدَ حُزنِها وأميرَ رؤيتِها الشّعريّةِ، يغدو الزّمانُ كئيبًا، لا يُبدّدُ كآبتَهُ إلاّ لغةُ الشّعرِ الشّفيفة، وفي كتابِها الشّعريِّ "لا أرى غير ظلّي"، الشّاعرةُ قفزتْ قفزةً نوعيّةً مغايرةً عن سابقاتِها مِن الكتبِ، من ناحيةِ التّصويراتِ، الأسلوبِ، المضامينِ، فقد تخطّتِ المباشَرَةَ والكلامَ الموزونَ، وأيضًا مِن ناحيةِ اللّغةِ والتّجديدِ في القاموسِ اللّغويّ، والذي دارَ في مُجملِهِ في الوقتِ والغربةِ والفراغِ والملحِ والجرحِ والوهمِ والرّحيلِ والموتِ الخفيّ والظّلِّ!

فتقولُ عن الضّياعِ والاغترابِ والرّحيلِ:في مدينةِ الضّياعِ يُفتّشونَ يا رفيقي/ عن غربةِ الوطنِ/ وأصيحُ: لوركا/ وجْهُكَ جرحُ السّفرِ/ مَن صادرَ للغريبِ أرضي/ مَن علّقَ ضفيرةَ طفلتي على بيادرِ الحزنِ؟ أيُّها المحتضِرونَ في الشّتاتِ/ إنَّ المنافيَ لم تلدْكُم سوى للحريق/ ثورةُ خروجِكم مِنَ الجرحِ/ ثورةٌ على الجرحِ/ أيُّها المسافرُ إلى بلدِ الضّبابِ/ إنّهُ الوهمُ بينَ أن تكونَ سيّدًا للحلمِ/ وسيّدَ الرّحيلِ

أمّا الوقتُ والزّمنُ فعدوّان لا ترحمُ قسوتُهُما فتقول: عودوا إن استطعتُم/ تدثّروا لغةَ الفاتحين/ لا يخضرُّ الحبقُ مِن زبدِ الوقتِ/ كطحلبٍ هو الوقتُ/ لا تُشعلْ زبدَ وقتي/ أيُّها الوقتُ خذْ مَداكَ وصَداكَ/ علِّقْ هذا الحزنَ/ وَمُرَّ بقصيدةِ شِعرٍ على هزيمتي القديمةِ/ لطِّفْ وجهي بندى الرّبيعِ/ / أيّها الوقتُ/ أسابقُ الرّيحَ إليكَ/ هل أبقى قليلاً لديكَ لأرتضي؟ مَن يعيدُ لي زمانًا مضى/ لتكفَّ مخيلتي عن الهذيان/ مُرَّ بقربي ولا تسخرْ من شقاوةِ الوقتِ/ قد يطولُ رقادي في رحمِ امرأةٍ/ فيا حفّار القبور اجعلْ لنعشي بابًا/ ربّما يعودُ بي الزّمنُ إلى عشقٍ قديم!/

وهنا إشارةٌ من الشّاعرة إلى اعتقادِها بالتقمّص، وانتقالِ الرّوحِ بعدَ المماتِ في ثوبٍ آخرَ مِن الوقتِ والزّمان!

غربةٌ وحزنٌ وخوفٌ وفزعٌ في مطاردةٍ دؤوبةٍ للشّاعرةِ كلّها مجتمعة تدفعُها للقول: حملتُ اغترابَكَ ملْءَ القلبِ/ وبعتُ مواسمَ العشقِ للفراغ/ أنينُ الفزعِ واللّهفةِ/ تحيطُني دوائرَ دوائر/ يشهقُ الفراغُ/ ولا أرى غيرَ ظلّي/ أنزلقُ في متاهةِ أنايَ/ ملحٌ يتماهى ومخرزٌ/ وأفقدُ لوني

أمّا اللّيلُ فيشكّلُ للشاعرة محطّة هاربةً محمولةً على أجنحةِ الأرق فتقول: لطائرِ الليلِ أدوِّنُ قصيدةَ المساءِ/ نُعاسُكَ وفحيحُ العتمةِ بلونِ عويلِ الأجنّةِ/ أنثاهُ أنا مِن رحمِ العتمةِ/ أبحثُ في فنجاني عن ليلٍ لا يتصدّعُ/

 أمّا الذاكرةُ فهي خابيةُ العمرِ، تُعتّقُ بها خمورَ السّنين، وحينَ تستبدُّ بالشاعرة كأسُ الفزعِ تثمل، وتشتعلُ جوهرةُ الحنينِ إلى وطنِ الذّكرى والخيالِ، وتتوهّجُ أصابعُ رومنسيّتِها الظّامئة للمراوغةِ، لتعزفَ على قيثارةِ الوجْدِ وِجدانَها الدافئَ وما يعتملُ في روحِها، فتنبعثُ الأنغامُ لغةً شعريّةً، كأنّما تُعاقرُ كؤوسَ فراغِها العاقرِ حينَ يُزاوجُ وَحدتَها فتقولُ!

اُحضُنْ وجهيَ الآنَ/ كي تطلَّ الذاكرةُ على جرحِ المدينةِ/ كمخرزٍ أنتَ في الذّاكرةِ/ نُعاسُ الذّاكرةِ أُحسُّكَ/

تعالَيْ، صليني بسرابٍ ناريٍّ/ اِتّكئي على صخَبِ اشتعالي/ فأنا البعثُ منّي/ ألِدُكَ مِن مَدّي وجَزري/

 أمّا العمرُ فهو إضماماتٌ من الذّاكرةِ، تفوحُ برائحةِ الوقتِ المغموسِ بالوهمِ، وأزهارُهُ تتلوّنُ بينَ ال أنا وال أنت!

كانَ العُمرُ نُوّارَ لوزٍ/ فتراقصَ الجسدُ ترتيلَ أرقٍ/ وآتيكَ اللّحظةَ لأحتفيَ بالفُتاتِ/ لا أنادي على العمرِ الضّائعِ/ بل أُنادي مع ضياعِ عمري عليك/ ظلُّكَ والعُمرُ الّذي كانَ/ يومَ عزمْتُ على الرّحيلِ/ ها هو العمرُ يَزحفُ تحتَ الرّكام/ لا تلُمْني إنْ توقّفتُ قليلاً/ هو العمرُ يمضي والأعوامُ تمضي

ومنَ الفرحِ المنشودِ لا يتسنّى للشاعرةِ أن تقبضَ على وهجِ وجهِهِ، كأنّ الفرحَ باتَ فلّةً مُحرَّمَةً في بستانِها المحترقِ فتقولُ:أشحذُ الفرحَ الباكيَ مِنَ احتلالِ الذّاكرةِ/ لا ترقصْ على وجعي/ لا تعتذرْ.. لحلمِ الفرحِ مذاقِ النّارِ/ أترى اللهَ كيف يخطّطُ المسافاتِ/ ويرسمُ لون الفرحِ والحزنِ/ أنا الفلّةُ المُحرَّمةُ/ الغافيةُ على صدرِ الكتاب/ لا شيءَ يُفرحُ/ سوى أن أخونَ الشّعرَ معك/

فكيفَ للشّاعرةِ أن تتصدّى وتنتصرَ، وتواكبَ الآتيَ؟ هي تعويذةٌ تلجأُ إليها لتنقذَها فتقولُ: نتماهى في تفاصيلِ الحزنِ/ نتقاسمُ خبزًا حافيًا مِن صرخةِ عُريِنا/ نُهمِّشُ سعالَ الأمسِ في غيابِ الرّحمةِ/ ونحتالُ على حارسِنا اللّيليِّ في مجونِ الأرقِ/

 

تلجأ الشاعرةُ إلى أساليبَ عديدةٍ بالتّعبير، فنراها تلوذُ بالخطابِ الأسطوريِّ لأوزيريس، والذي كانَ سيّدَ الأبديّةِ وإلهَ الخصبِ والحبِّ والحياةِ، إذ جمعَتْ إيزيس زوجته قطعَهُ المتناثرة على شاطئِ النّيل، وجعلتْ منها مومياء، ليعودَ إلى الحياة الأخرى، ويصيرَ ملكَ الموتى فتقول: أينعْتَ أوزيريس بصيلةَ فرحي.... خذني إلى ضفّةِ نيلِكَ/ عربيدةُ اللّيلِ أنا/ وأنتَ ليلكيُّ القسماتِ مِن عطرِ أقحوانة/ امرأةُ الشّوقِ أنا/ اُدخلْ إلى أحشائي/ وساومْ على سنابلي/ ما أنا إلاّ أنثى/ في سوقِ المزادِ/ أعلنتْ عليكَ العصيان كما تلوذُ الشّاعرةُ بالخطاب الإنجيليّ والرّسول توما، حين لم يؤمنْ بقيامةِ السيّد المسيح، إلاّ بعدما عاينَ ولامسَ جراحَهَ فتقول: يطيرُ قلبي إلى وقتٍ يُسافرُ في جرحِ عمري/ كيف يبدو المشهدُ، رائحةُ الجرحِ/ امرأةُ الشّوقِ أنا/ ترفّقْ / ترفّقْ توما، ضعِ اصبعَكَ في الجرحِ/ والمَسْ عطرَ مخاضي/

هل تُشكّلُ القصيدةُ وطنًا وملجأً تركنُ إليهِ الشّاعرةُ هيام مصطفى قبلان؟

نلاحظُ كم يتجذّرُ الشّعورُ بالغربةِ والاغترابِ في ذاتِ الشّاعرةِ، بما تتضمّنُ هذه النصوصُ مِن تيماتِ حزنٍ وألمٍ، تربطُ بينَ الظّرفِ الزّمانيِّ والمكانيِّ، فالشّاعرة بمجموعِ الأنثى المُبلبَلةِ باحتراقاتِها وبهمومِها الحياتيّة، قد تشرنقتْ على أفنانِ الشّعرِ، وما جاءتْ نصوصُها هذه إلاّ فراشاتٍ ملوّنةً بحياةِ الشّاعرةِ الجريئةِ والمتمرّدةِ في آن، فتقولُ:أزِِلْ رُكامَ الخوفِ عن ناظريَّ/ بُحْ لقشورِ صدَفةٍ/ كم من أسماكِ البحرِ غادرتْ معاطفـَها/ تتلوى محارةٌ على صدى النّواقيسِ/ بينَ رقصةِ العويلِ ورضابِ شفتيك/ وبؤبؤُ العينِ يتمرّغُ زمرّدةً/ كاعتقالِ لحظتِها الصّغرى بِرِقّةِ لحْظِك

بينَ المحارةِ واعتقالِ اللّحظةِ، تُحاولُ الشّاعرةُ بلُعابِ كلماتِها المُشاكسةِ، أنْ تلتقطَ لحظاتٍ هاربةٍ متماوجةٍ، تُلقي بها في شِباكِ قصائدِها المائيّةِ، لتبنيَ منها محاراتٍ صغيرةً، تُشكّلُ عالمَها الآمنَ والهادئَ في لجّةِ الحياةِ المتماوجةِ، لكن هذه المحارات لا توقظُها مِن غفوتِها، إلاّ أنفاسُ موجاتٍ صاخبةِ الحساسيّةِ وعارمةِ الشّعريّة! وقد احتلَّ عالمُ الطّبيعةِ مرتبةً شاسعةً في تصويراتِها الشّعريّةِ، فتتحدّثُ بلغةِ الطبيعةِ والورودِ والألوانِ والفصولِ والخريفِ خاصّةً، والومضِ والرّعدِ برمزِ الرّصاصةِ والمطر، فالشاعرة تُجسّدُ الكلماتِ بصورٍ مركّبةٍ وتُعطيها بعدًا ثالثًا في الخيال، تجعلُها ملموسةً وليست تصويريّةً فقط:

أيُّها السّاقطُ على ومضةِ خريفي/ إن أتاكَ الفجرُ يومًا/ علّقْ قناديلَ الذّاكرةِ بينَ ريحِكَ والبحر/ وبرصاصةٍ مِن بكاءِ الشّارعِ اثقبْ نُواحي على وهمِ النّشوةِكما أبدتْ الشاعرةُ هيام لمتتبّعِها أنّها تمتلكُ أدواتٍ شعريّةً عديدةً، خاصّةً أدوات الإيروتيك، كما تتنعّمُ بمهارةٍ انسيابيّةٍ في الوصفِ تتنغّمُ شعريًّا، فتنسجُ سلالاً ملآى بفاكهةِ الجسد، وبقدرةٍ تستخدمُها بلباقةٍ، فيُحسُّ القارئُ بحفيفِ شهوتِها، ويشتمُّ رائحةَ حرفِها يُدغدغُ خيالَ القارئِ! لكنّها حملتْ بين طيّاتِها فكرةَ الموتِ المُلاصقةُ لروحِ هيام، والتي تمحورتْ في معظمِ نصوصِها، هذا الهاجسُ الذي يتلبّسُها اتّخذَ صوَرًا وأشكالاً وتعبيراتٍ عديدةً، مِن عتابٍ وووصفٍ ومخاطبةٍ، تراءتْ للكثيرِ منّا لغةَ إيروتيك، لكن المضمونَ تضمّخَ بفكرةِ الموتِ المُبطّنِ، وفي قصيدتِها الأولى "لزجٌ ملمسُ قدومِكَ" اختزلتْ مخاوفَها بتعبيرِها الشّعريِّ فتقولُ:وحشيّةُ أنفاسِكَ تتسلّلُ إلى جرحي/ ووجهُ المدينةِ ملحٌ ضبابيٌّ/ أنيري يا نرجسةَ روحي مساحاتِ الفراغِ/ كم كانَ لسطوتِكَ عزْفُ نشيجِ الصّدى/ أيّها السّاقطُ على ومضةِ خريفي/ يرتعشُ قلبي الخداجُ/ ويحنو رمشُكَ برفقٍ/ إلى رمقي الأخيرِ فيتورّدُ/ إنْ أتاكَ الفجرُ يومًا/ علِّقْ قناديلَ الذّاكرةِ بينَ ريحِكَ والبحرِ/ والثُمْ عنقَ اللّيلِ/ وبرصاصةٍ مِن بُكاءِ الشّارعِ/ اثقبْ نُواحي/ على وهمِ النّشوةِ

وفي قصيدة نعشي:
يمرُّ نعشي بقربي محملقًا/ مكفّنًا بعبق السّنين/ كيف تصدحُ تحت الثرى بلابلُ العمرِ/ سرِ الهوينا أيها النعشُ/ انثرْ على نافذتي العتيقةِ/ ما دوّنتْهُ يدي مِن ألمٍ وحلمٍ وحنين/

ما سرُّ فدريكو أجاسيا لوركا والشّاعرة هيام مصطفى قبلان؟ فدريكو أجاسيا لوركا، وقد احتلَّ وطغى بشخصيّتِهِ وسيرتِهِ وشِعرِهِ على لبِّ الشّاعرةِ وص 42 وص52 تتحدّثُ عنه فتقولُ:خبّأتُ وجهَ لوركا في فنجانِ قهوتي/ شربتُ رائحتَهُ حتّى النّخاعِ/

لوركا شاعر إسبانيّ متمرّد، أُعدمَ في تموز 1936 رمياً بالرّصاصِ، وكانتِ التّهمةُ الموجّهةُ إليهِ، أنّهُ مثقّفٌ، صنعَ بكتبِهِ ما لمْ تصنعْهُ المسدّسات! وتنتقلُ الشاعرة بين غرناطة ومدريد وحيفا وبيروت، وتعود مجدّدًا إلى أوزيريس لتقول:
رأيتُ في حلمي فدريكو/ يتّكئُ على نصفِ قلبِهِ/ نصفُ القلبِ لنا/ ونصفُ الدّمعةِ لنا/ ومرثيّةُ الوطنِ لنا/ هل قتلوا العدالةَ والعزيمةَ فيكَ أوزيريس؟ في الجليلِ وُلدَ فدريكو الشّرق/ يستحمُّ بماءِ الوردِومن هو فدريكو الشّرق في عينِ الشاعرة؟ إنّه سميح القاسم، علَمٌ ورمزٌ نطقَ بلسانِ لوركا، وصوُتُهُ المُغنّي للحرّيّةِ لا زالَ يُزهرُ في سَماءِ الوطن!

وهنا تأكيد آخر على فكرة التقمّص التي تؤمن بها الشّاعرة!

انهيار السلام نهاية إسرائيل/الجزء الثاني

التفاصيل
كتب بواسطة: هيئة التحرير
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 16 نوفمبر 2007
الزيارات: 9

 

  

في الجزء الأول كان الحديث في فكرة السلام الإسرائيلية وما جاء بعد ذلك من معاهدات سلام وما تكشفت عنه عملية السلام من حقائق كانت مكاسب للقضية ومصائب على إسرائيل وخلصنا الى أسباب فشل عملية السلام من اساسها وفي هذا الجزء متابعة للحديث فهل وصلت إسرائيل الى نهايتها 

 

" هل وصلت إسرائيل الى نهايتها "

 

د. محمد احمد جميعان

ان الإجابة على هذا السؤال تطلب الحديث في المستجدات المحلية والإقليمية والدولية التي تبدلت وتغيرت على الساحات المختلفة بعد ستين عاما من النكبة وبعد ان فشلت عملية السلام في ان تأتي بحل مقنع وهي تحتضر وتنتظر الإعلان الرسمي لانهيارها بعد ان فشلت على ارض الواقع .

 

أولا ـ المتسجدات المحلية الإسرائيلية

تعيش إسرائيل حالة من القلق الذي يصل حد الرعب غير المسبوق في تاريخها، فهناك هواجس لدى الإسرائيليين جميعا لا يخفونها على كافة مستوياتهم القيادية العسكرية والسياسية والشعبية من قرب زوال كيانهم ويظهر ذلك جليا مما يلي:

ا_ أحاديثهم الصريحة في إعلامهم وصحافتهم بالذات حول تخوفهم على مستقبلهم من التطورات الدراماتيكية التي تشهدها المنطقة الآن في العراق وإيران ولبنان وغزة وسوريا وتهديدات القاعدة واحمدي نجاد وحسن نصرالله  سيما بعد حرب تموز 2006 التي كشفت عوراتهم وجعلتهم في ارتباك دائم. 

ب_  وكان أوضح من ذلك تلك المناورات الإسرائيلية الكبرى التي أطلقت عليها إسرائيل نفسها المناورة الأكبر والأوسع  في تاريخها والتي اشتملت على سيناريوهات مرعبة لأسلحة غير تقليدية تضرب إسرائيل بكاملها ..

ج_ هناك إحباط ويأس عميق في الكيان الإسرائيلي ولدى السياسيين خاصة وفي الشارع الإسرائيلي عموما من مجريات عملية السلام التي لم تسفر لهم عن شئ بعد ثلاثين عاما من مخاضها الأول  حيث لم تحقق لهم الاستقرار بل زادت الصمود في وجههم والعنف عليهم  والمواجهة لهم والحديث الجدي هذه المرة عن زوال كيانهم ولم تحقق لهم التطبيع المنشود الذي كانوا يحلمون به واقتصرت عملية السلام في أضيق أبوابها وعلى استحياء في بعض الأحيان على الأنظمة الرسمية بل أصبحت إسرائيل بشكل أكيد العدو الأول في المنطقة بأسرها وهذا ما جاء في تصريح وزيرة الخارجية الإسرائيلية ليفني في مؤتمر الدوحة للديمقراطية والتجارة الحرة هذا العام 2008 حين قالت وهي محبطة وبائسة ان إسرائيل بعد السنوات الطويلة من عملية السلام ما زالت العدو الأول  للرأي العام العربي والإسلامي ولم تتوانى ان تستجدي من الحاضرين المساعدة في تغيير المناهج المدرسية لعل الحال يتغير ..

     د_ لقد فقدت إسرائيل قدرة المبادأة والمبادرة في العمليات العسكرية    والتظاهر بالحكمة والدهاء  وحسن تقدير الموقف وأصبحت تعيش حالة تخبط ولجلجة ، نرى ذلك واضحا من خلال صراع السياسيين فيها وما جاء في تقرير فينقراد بعد حرب تموز 2006 وهو تخبط استمد حالته تلك بشكل كبير من التخبط الأمريكي نفسه في المنطقة ، وما عرض السلام المفاجئ على سوريا وارتكاب المجازر اليومية بحق الأطفال والمدنيين والاغتيالات المتكررة في غزة ثم طلب التهدئة بعد ذلك إلا جزء من هذا التخبط الكبير الذي تعيشه .

 

 ثانيا ـ المستجدات الإقليمية

     لقد شهدت المنطقة بعد احتلال العراق وسقوط بغداد تطورات أفجعت إسرائيل وأدمت امريكا وجاءت بما لا تشتهي السفن الإسرائيلية الأمريكية، لان إسقاط الرئيس الراحل صدام بالأساس هو من اجل عيون إسرائيل حين هدد بضربها بشكل متواصل حتى انهيارها وكان هذا التهديد هو سبب قرار امريكا احتلال العراق وإسقاط نظامه ولم يكن له علاقة لا من قريب ولا من بعيد بأسلحة الدمار الشامل او القاعدة او الديمقراطية ولا حتى البترول الذي ارتفع سعره الى أضعاف ما كان قبل احتلال العراق،  ولكن التخبط وضيق الأفق الأمريكي والحماقة الإسرائيلية هذه المرة كانت وبالا وتهلكة على إسرائيل من حيث: 

 ا_ تحولت الساحة العراقية الى ساحات تدريب للمقاومة الوطنية والقومية والإسلامية وتحولت الى مدارس تخرج المقاومين اكبر وأوسع واقرب من الساحات الأفغانية حيث تتحول هذه القدرات الميدانية المدربة والمنظمة لتحرير فلسطين وهذا ما أفصح عنه تنظيم القاعدة على لسان ايمن الظواهري في شريطه الأخير بشكل صريح وواضح وهو ما تتحدث عنه أيضا فصائل المقاومة العراقية كافة من ان  الهدف القادم هو إسرائيل .

ب_ تعاظم القدرات الإيرانية التقليدية وغير التقليدية العسكرية والتقنية بشكل كبير لم يكن متوقع حيث أفسح التورط والتوحل الأمريكي في العراق المجال أمام الإيرانيين لتعاظم قوتهم وأصبحت تشكل تهديدا مباشرا لإسرائيل ولعل التهديدات المباشرة التي أطلقها الرئيس الإيراني مؤشرا واضحا على تعاظم إيران بشكل أصبح الحديث عن زوال إسرائيل من قبل رئيس الدولة أمرا سهلا وهينا جعل إسرائيل تعيش حالة رعب تسبق الانهيار بأذن الله .

ج_ تمكن حماس بشكل مفاجئ وسريع ومذهل من السيطرة على غزة ومقرات السلطة بما فيها من أسلحة ووثائق وغيرها أربك الإسرائيليين وفاجأهم وأفسح المجال للحركة حرية التدريب والتنظيم والتسليح الممكن وبناء أجهزة استخبارية قادرة على جمع المعلومات الاستخبارية واستثمارها وحفر الأنفاق الدفاعية والأخرى وما الى ذلك بعيدا عن الأعين الإسرائيلية وبشكل فاق كل التوقعات ويكفي ان نشير الى ان إسرائيل حاولت اجتياح القطاع بشكل واسع إلا ان المقاومة ودفاعتها غير المخترقة أوقعت الخسائر في صفوف الإسرائيليين وجعلتهم ينسحبوا بشكل سريع معلنين صراحة إلغاء خطتهم تلك.

د_ صمود حزب الله ومقاومته المنظمة والمؤثرة والقادرة في حرب تموز الذي أذهل الإسرائيليين والأجهزة الاستخبارية في امريكا والمنطقة وجعلهم أمام واقع جديد قلب الموازين راس على عقب وتحولت معه إسرائيل من قلعه تهابها المنطقة الى قيادة مهلهلة ومرتبكة وجيش يمكن قهره وهزيمته ومجتمع مفكك ومرعوب سهل الانهيار لو تواصلت عليه عمليات القصف بشكل قوي وكبير ومكثف ..

ه _ أثبتت حرب تموز ان زمن القدرات الخارقة للأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية قد ولى وان الواقع ألان يقول ان إسرائيل لم تعد قادرة على الاختراق كما كانت في السابق بل أصبحت محل اختراق من قبل حزب الله نفسه وهذا ما رأيناه من الأهداف العسكرية والحيوية التي قصفها حزب الله مقابل قصف عشوائي ومكشوف للأهداف التي قصفتها إسرائيل في لبنان  

و _ هناك حديث في أوساط الخبراء العسكريين عن قدرات سورية متطورة في مجال الصواريخ والأسلحة غير التقليدية قادرة على تدمير كافة الأهداف الحيوية في إسرائيل..

ز _ استطاعت إيران وسوريا وحزب الله وحماس والجهاد وفصائل أخرى مواليه لهم تشكيل جبهة ممانعة وبناء حلف عسكري واستخباري وطوق ناري صاروخي حول إسرائيل قادر حسب المعلومات الصحفية والمتسربة والخبراء العسكريين من تدمير الأهداف الحيوية والسكانية الكثيفة في إسرائيل في ضربة واحدة ، وهنا يجدر الإشارة والتذكير بتصريحات أمين عام حزب الله حسن نصر الله حول القدرة على زوال إسرائيل وحديث الرئيس الإيراني ونائب القائد العام للقوات الإيرانية حول محو إسرائيل من الخريطة فيما لو أقدمت على ضرب إيران .

ح_ بوادر تذمر وتحول أكيدة يمكن ملاحظتها من الأنظمة الرسمية في المنطقة تجاه إسرائيل على ضوء عملية السلام ومبادرة السلام العربية بالذات التي باتت ميتة غير قابلة للإنعاش وتصريحات أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى في هذا الاتجاه واضحة وصريحة.

ط _ هناك تصاعد كبير في عمليات المقاومة في الجغرافيا العالمية يمكن اعتبارها حالة جهادية غير مسبوقة في التاريخ ، ورغم تناقض فكر ومنهجية بعض حركات او فصائل المقاومة إلا أنها تلتقي جميعا حول تحرير فلسطين وإزالة إسرائيل بل يمكن ملاحظة تنافس بين هذه الحركات فيمن سيحرر فلسطين ويقدم لها اكثر . 

ي_ وعلى ضوء تصاعد أعمال المقاومة تلك هناك حالة تعبوية كبيرة في الشارع العربي والإسلامي وبالذات تجاه ما يجري في غزة والعراق ، وهذه الحالة مع تكرار ما يجري وديمومته وتصاعد متواتر في عمليات المقاومة سوف تتحول الى موقف وفعل مؤثر يدعم المقاومة بأشكال متعددة وسوف يؤثر في موقف الأنظمة تجاه إسرائيل وعملية السلام . 

 

ثالثا ـ  المستجدات الدولية

   وهي مستجدات انبثقت بشكل مباشر وغير مباشر من احتلال العراق وإسقاط نظامه أيضا وتمثلت بما يلي :

أ_ أصبحت إيران رقما صعبا ومؤثرا في المعادلة الدولية من خلال تعاظم الدور الإيراني الذي يصل حد الهيمنة أحيانا في المنطقة وتأثيرها الفاعل والمحسوس على مجريات الإحداث في أفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين والمنطقة والذي سبق وفصلت فيه بحثا منفردا له بعنوان " إيران العظمى من استثمار الفرص الى صناعتها"، وأصبح الحديث صراحة من راس الدولة عن إزالة إسرائيل .

ب_ التوسع الاقتصادي والاستثماري للدولة الإيرانية والقطاع الخاص فيها بشكل كبير ومنافس وملفت لكل المراقبين في العالم خاصة في الدول الآسيوية سيما الهند والصين وباكستان ودول الاتحاد السوفييتي سابقا وجنوب شرق آسيا إضافة الى فنزويلا وأمريكا اللاتينية وهو توسع ينم عن تخطيط ورؤى كبيرة يصعب معها فرض حظر عليها فيما لو تم القرار بذلك من قبل امريكا او المجتمع الدولي .  

ج_ تخبط وعجز أمريكي ودولي واضح لا يخفى على احد في معالجة الملف النووي الإيراني في مقابل موقف حازم وحاسم وعنيد من قبل إيران في استمرار مشروعها النووي وهذ ناجم من تعاظم الدور السياسي والاستراتيجي الإيراني الذي يقترن بتعاظم تصاعدي للقدرات التقنية والعسكرية الإيرانية.

د_ انبهات وتراجع تدريجي متسارع وخارج عن التوقعات أحيانا للدور الأمريكي كدولة عظمى التي تعتمد عليها إسرائيل بشكل مباشر وتأثير ذلك على هيبة إسرائيل وقدراتها  في المنطقة سيما بعد تورط امريكا  في العراق وأفغانستان وما حصل من هزة مالية واقتصادية كبيرة يصفها بعض الخبراء بالانهيار والتحول نحو نظام مالي جديد على حساب الدولار وعظمة امريكا ، وهناك من الخبراء والمراقبين من يذهب بعيدا حول انحسار الدور الأمريكي داخل حدودها بعد انسحابها من العراق مباشرة ، وفي كل الاحوال فقد نجم عن ذلك خسائر فادحة مباشر على الاقتصاد الأمريكي جراء مئات المليارات التي أنفقت في الحرب دون مقابل إضافة الى خسائر دولية هائلة وغير مباشرة لبعض حلفائها بعد انخفاض الدولار وارتفاع أسعار النفط الى حدود غير مقبولة نجم عنه خلخلة وعدم استقرار لبعض الأنظمة جراء ارتفاع جنوني ومستمر في الأسعار وما تبع ذلك من أزمة مالية كبيرة ومؤثرة ما زالت نتائجها تتداعى لغاية الآن ، كل ذلك أوصل الجميع أصدقاء و حلفاء وأعداء لأمريكا بان تخبط سياساتها الخارجية والمالية والاقتصادية والعسكرية في السنوات الأخيرة كان غباء لا ينم عن دراسة ومؤسسية او حكمة او تعقل او عظمة بقدر ما ينم عن عقلية عقائدية للرئيس بوش تحتل حماية إسرائيل فيها جزءا كبيرا يتحدث عنها باستمرار أوصلت امريكا الى هذا المستنقع وهذا يبدو واضحا في النقاشات الحادة بين الحزبين في امريكا وبين امريكا وحلفائها الأوربيين والآخرين في المنطقة والتي نسمعها ونقرؤها يوميا والتي سوف تزداد حدة وتدحرجا في الشهور القادمة .                            

ه_ هناك تغير واضح في المزاج العالمي والمزاج الأوروبي بالذات تجاه إسرائيل إذا استثنينا بريطانيا نسبيا وفرنسا برئاسة ساركوزي ، فلم تعد إسرائيل تلك الدولة التي تحظى بالإعجاب والتعاطف بل أصبح يشار إليها على إنها مشكلة الشرق الأوسط الملتهب وهي سبب مباشر لأعمال الارهاب والعنف في المنطقة، وهذا ما تشير إليه يوميا الصحافة الدولية عموما والأوروبية بشكل او آخر .

وـ إعادة إحياء الدور الروسي وريث الاتحاد السوفييتي في المنطقة والعالم، والندية التي ظهر بها في مواجهة امريكا كقوة عظمى ، وفشل الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي الى روسيا والتي جاءت في أعقاب زيارة الرئيس السوري الناجحة هناك وما تلا ذلك من زيارات متكررة للقطع البحرية الروسية للموانئ في المنطقة وبعض دول العالم الحليفة السابقة للاتحاد السوفييتي .

زـ الانتخابات الأمريكية الأخيرة التي جاءت بالرئيس الأسود من أصول إسلامية افريقية ومن أب مسلم باراك حسين اوباما الى البيت الأبيض وما يعني ذلك من تغيير ولو كان بطيئا ولا أريد التعليق اكثر فالأيام تفصح لنا ولكن الأكيد ان الرئيس بوش الأب ومن بعده الابن كان وبالا ودمارا لأمريكا والمنطقة وكان نعمة لن تتكرر لإسرائيل كمل يقول ذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي اولمرت الذي أضاف ان اسم بوش سوف يحفر بماء الذهب لدى اليهود .. فما هو الذي بعد الذهب ؟!

 

تساؤلات وخلاصة

 

كلما اثيرموضوع نهاية إسرائيل او زوالها يخرج البعض ليتحدث بالواقعية والاستفادة من التجارب مستندا الى التاريخ القريب المليء بالهزائم المختلفة والأصوات الدعائية المرتفعة التي كانت تتحدث عن " جوع يا سمك ورميهم في البحر وهكذا " غافلا عن التاريخ البعيد او ماضي الأمة المشرق الذي جعلها اعز حضارة واقدر امة وأشجع رجال وأقوى حجة وأفصح بيان استطاعت من خلاله ان تشكل امتدادا مساحيا وعمقا جغرافيا على امتداد الكرة الأرضية في زمن قياسي لم يكن له مثيل في تاريخ الحضارات الغابرة او المعاصرة .. ومع ذلك فان مقارنة ميدانية بين هذا الماضي الذي يشيرون إليه والحاضر الذي نرى فيه نور الحقيقة القادم وقائع لا ينكرها احد يمكن ايجازها :

1ـ نعم لقد صدح احمد سعيد من صوت العرب عن رميهم في البحر وتجويع السمك ليبتلعهم ولكننا لم نكن نمتلك القوة والقدرة على تدمير إسرائيل او حتى هزيمتها في معركة كبرى فقد غلبت المؤامرات والدعايات وتحصيل الشعبية على الامكانات والقدرات والجاهزية بالمقابل فان الحديث الآن عن زوال إسرائيل يرافقه قوة واقتدار يربك ليس إسرائيل وحدها بل وأمريكا التي تقف خلفها التي تقف عاجزة عن اتخاذ موقف تجاه ملف اسمه " الملف النووي الإيراني " ناهيك عن سيل الأحاديث المتكررة لاحمدي نجادا عن زوال اسرئيل وتحدي الغرب وأمريكا وإسرائيل ان يحاولوا ضرب إيران ، وحتى لا نبعد كثيرا فان المعلومات العسكرية ومراكز الدراسات تشير الى ان حزب الله في لبنان وحده دون غيره قادر ولديه جاهزية وترسانة من الصواريخ تفوق الأربعين ألف والبعض يتحدث عن سبعين ألف صاروخ قادرة على إحداث تدمير هائل في إسرائيل فيما لو تم توجيهها الى مراكز ومعامل كيماوية وأبراج سكنية وأحياء مكتظة وان ضربة مثل هذه من قبل حزب الله على إسرائيل كفيلة ان تحدث هثيان مدني وذهول عسكري تضع إسرائيل على عتبة الانهيار الذي سيتبعه تدفق بشري هائل الى فلسطين يسيطر على كافة المرافق فيها فكيف إذا كان الحديث عن محور متكامل وطوق ناري متآلف يشمل حزب الله وإيران وسوريا وحماس وحشد بشري جاهز للتدفق فيما لو نفذ هذا السيناريو...

  2ـ لم يعد سرا حجم الاختراق ألمخابراتي المذهل وبالذات الإسرائيلي للمنظمات والفصائل الفلسطينية لمنظمة التحرير الفلسطينية ما قبل عملية السلام فقد تحدث عن ذلك الكثير من مدراء وضباط المخابرات السابقين وصدرت مؤلفات بذلك وصل حدا ان الشين بيت كان يعد البعض من الكوادر عند التحقيق معهم ان يصبح قائدا فيما لو اعترف وتعامل معهم ، وهذا الاختراق اخذ بعدا خطيرا في تاريخ القضية الفلسطينية وحول هذه الفصائل الى مجرد أسماء وبيانات وأصوات إعلامية ودعائية وتنسيق وضباط ارتباط وحجوزات بالفنادق والشقق المفروشة بعيدا عن واجبها الأساس وهو العمل الميداني والمقاومة بل وأخذها الى إثارة الفتن وطحن وصراعات فيما بينا وكانت الذروة الأسوأ في ذلك مواجهة وقتال الأنظمة والدول والعواصم التي احتضنتها منذ البداية الى ان أصبحت تنافسها على الحكم والسلطة بشكل دمر هذه الفصائل ماديا ومعنويا وأبعدها عن حاضنتها الشعبية والعربية والإسلامية وجعلها محل نفور وعزلة وإحباط الى ان توجت ذلك في سابقة مخزية ومستغربة غير معهودة في التاريخ بإلغاء بند المقاومة والتحرير الكامل لفلسطين في ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية التي وجدت أصلا من اجل ذلك عام 1964 ( أي قبل احتلال عام 1967 ) وبعدها هرولت هذه الفصائل مسرعة الى السلام الموعود ( بإقامة الدولة القابلة للحياة ) وسارع البعض الى القشور والإجراءات الشكلية والبروتوكولية الى فرش البساط الأحمر واخذ يستعرض حرس الشرف قبل إقامة الدولة لهذا السلام الذي كانت نتائجه معروفة للجميع ، بالمقابل فنحن الآن أمام مقاومة قادرة وعقائدية وحقيقية ومحصنة ومثمرة على ارض الواقع في العراق الذي أصبح مدرسة وميدان تدريب لتخريج المقاومين وفي لبنان وغزة وصلت حد تحرير الأرض وإطلاق الأسرى وكانت عصية على الاختراق الاستخباري وهي تنجز بشكل متواصل ومتواتر لم نشهده من قبل وهنا لابد من الإشارة الى ان المقاومة العراقية في اغلبها واللبنانية من خلال حزب الله وحركات المقاومة الإسلامية والشعبية في غزة وراس حربتها حماس فهي منذ تأسيسها استفادت من هذه التجربة ولم تنجرف الى صراعات مع الأنظمة او اختراقات على غرار ما حصل في السابق لذلك حققت هذه الإنجازات وحصلت على هذه الشعبية المتنامية بين الشعب الفلسطيني والعربي والإسلامي في زمن قياسي غير مسبوق .

   3ـ الإرادة في قرار المواجهة مع إسرائيل وإزالتها كان في السابق يرتبط في اغلبه بتثبيت الكراسي وتحصيل الشعبية والنجومية والهتافات والتصفيق وما رافق ذلك من مؤامرات ودكتاتوريات وانقلابات وصراعات للقوميين وإعدامات للإسلاميين أمثال سيد قطب وقد أعجبني قول لأحد الناصريين بمثابة نقد ذاتي حين وصف القائد جمال عبد الناصر قال  " ان عبد الناصر عظيم الأمجاد عظيم الأخطاء " بالمقابل فان الإرادة في قرار المواجهة مع إسرائيل وإزالتها يرتبط الآن في ثلاثة إبعاد متلازمة وعازمة على تحقيق الهدف هي عمق عقائدي متلهف للمواجهة ومصلحة استراتيجية إيرانية وتحالفية مع حزب الله ترتبط بأجندة متكاملة بمشروع طموح فوق العادة لقيادة الأمة الإسلامية مفتاحه الأساس هو زوال إسرائيل على أيديهم وبدون ذلك لن تستطيع إيران تحقيق مشروع عظمتها وثالثا الإعداد والاستعداد المتواصل قدرة واقتدار وتشكيل حلف متماسك وقادر على المواجهة وتحقيق الهدف ومن يريد الاستزادة والتفصيل فهي موجودة في بحث لي سابق ومنشور بعنوان " مدى جدية واستراتيجية تصريحات الرئيس الإيراني احمدي نجادا "                                                                   4ـ الاستعداد للتضحية وتحمل الخسائر وهنا لا أريد المقارنة فهذا الاستعداد كان موجود في السابق لدى أبناء الأمة ولكن لم تكن هناك قيادة موحدة وقيادة مقاومة قادرة وعازمة ونظيفة على استثمارها باتجاه التحرير بل وللأسف استثمرتها باتجاهات أخرى أما الآن فالوضع مختلف تماما وقد رأينا ذلك بوضوح في العراق الذي هو رصيد قادم وفي لبنان وغزة والأيام سوف تثبت ذلك اكثر وأكثر..                                                           

5ـ ان معظم الدراسات وكافة المعطيات والمستجدات المتسارعة تشير الى مرحلة جديدة تغيب فيها دولة إسرائيل كنظام سياسي وعسكري وأيدلوجي دون المبالغة في رمي اليهود بالبحر كما كان يقال سابقا بل في استيعاب من يبقى منهم على ارض فلسطين في إطار دولة فلسطينية ديمقراطية تحكمها صناديق الانتخاب ، وان انهيار عملية السلام القادم قريبا وتصاعد الإعداد والاستعداد المتواصل للمقاومة وحلفائها في المنطقة ومنهجية القلعة والحماقة والهواجس الأمنية التي تسيطر على العقلية الإسرائيلية هي بداية النهاية لتدحرج إسرائيل  نحو نهايتها بشكل متسارع ، وان إسرائيل تدرك ذلك جيدا تبعا لكل الحوارات والدلائل والمظاهر والمؤشرات الميدانية والإعلامية والسياسية لديها حيث يزداد التخبط وتنعدم الخيارات وتتدنى معها المعنويات التي لولاها ولولا امريكا لما بقي هذا الكيان قائما لغاية الآن ،،،،   

 

00962 795849459/خلوي

00962 65230378/تلفاكس

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

www.maktoobblog.com/majcenter

 

 

 

 

 

 

 

 

  1. فكرة حقوق الإنسان انطلاقا من كتاب أسس ميتافيزيقا الأخلاق ل
  2. علم اللغة (اللسانيات)في تصور النظرية التوليدية/التحويلية.
  3. نساء من التاريخ العربي
  4. ظاهرة التشيع

الصفحة 14 من 66

  • 9
  • 10
  • 11
  • 12
  • 13
  • 14
  • 15
  • 16
  • 17
  • 18

المتواجدون الآن

48 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك