بحوث و دراسات
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سلمى بالحاج مبروك
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 7
ميتافيزيقا الأخلاق عند كانط:
I تمهيد:
قد يبدو الأمر مثيرا للحيرة، حين نحاول البحث عن فكرة "حقوق الإنسان" انطلاقا من التاريخ الفلسفي، خاصة و نحن نعيش في عصر يشهد توظيفا متناميا لحقوق الإنسان، بعد أن تبلورت في المواثيق و معاهدات مؤسسة ترعاها المنضمات الدولية.
فإذا كانت "حقوق الإنسان" تشهد كل هذا الرواج، فما الذي سيضيفه العودة إلى جذور هذه الفكرة؟ أم أن في الواقع ما يدعو إلى الاهتمام بها أكثر، خاصة و أن حقوق الإنسان على الصعيد الواقعي تشهد تشويها و توظيفا إيديولوجيا، مما يجعل من هذه المنظومة مجرد شعار أو ظلت في مستوى "النوايا الحسنة" على حد عبارة كانط.
فهل يمكن القول أن الانتهاك الكبير الذي تتعرض له حقوق الإنسان يعود إلى كونها فكرة لم تتأصل بالشكل الكافي و هو ما يعرضها للتجاوز و التحريف؟ و أنها لازالت تحتاج إلى تجذير أو "تأسيس" خاصة و أن التأسيس يعني " الأساس و العماد الذي يقوم عليه البناء بمعنى الركائز و الدعائم"، و التأسيس هو التشييد و البناء ذاته.
بمعنى آخر التأسيس هو البناء النظري و يقابله على الصعيد التجريبي الالتزام؟
و لكن على ماذا تتأسس حقوق الإنسان؟ هل على الحق الطبيعي أم على
القانون الأخلاقي؟
سواء كانت حقوق الإنسان تتأسس على الحقوق الطبيعية للإنسان أو القانون الأخلاقي، فإن ما يمكن التأكيد عليه أن "حقوق الإنسان" حق من حقوقه ، فهي جوهرية جوهرية الذات لأن الإنسان ليس سوى حقوقه. فإذا لم تكن حقوق الإنسان مجرد ملحق أو فكرة تضاف للإنسان، فإنها ليست ابداع للعصر الراهن، و إنها فكرة الإنسان ذاتها تستبطن فكرة الحقوق. إن هذا يعطي لنا مشروعية البحث في أصل و أساس حقوق الإنسان، حتى نتمكن من الدفاع عنها كجوهر أصلي. و هو ما يبرر العودة إلى فكر الأنوار حيث عرفت هذه الفكرة مخاضا فلسفيا مع فلاسفة العقد الاجتماعي و فيلسوف الأنوار كانط، حيث بدأت تتأسس فكرة حقوق الإنسان انطلاقا من سؤال "ما الإنسان؟" و هو ما يعني أن التفكير في "حقوق الإنسان" كان بالانطلاق من البحث عن تعريف للإنسان. فأي حقوق؟ لأي إنسان؟
إن البحث في حقوق الإنسان لا يكون إلا بتحديد ما هو الإنسان؟ لذلك سنبدأ بالإجابة عن هذا السؤال؟
يعتبر سؤال "ما هو الإنسان" من أصعب الأسئلة الفلسفية لأنه السؤال المركزي بامتياز. و لئن بدا هذا السؤال حديثا كما يقول فوكو: إذ أن اهتمام الفلسفة القديمة بالإنسان كان في سياق دراستها للطبيعة فإن هذا السؤال سيطرحه كانط في كتاب المنطق.
و يتنزل كانط في سياق فلسفة الأنوار التي اتخذت على عاتقها مهمة تقليص حضور الإله في الكون مقابل تثبيت حضور الإنسان، و لم يتم ذلك إلا بممارسة النقد الموجه ضد الديانات المطلقة و الميتافيزيقا. و بالتالي فإن عصر الأنوار يتبع تمشي نظري و نسقي و تصور نقدي يبلغ أوجه مع الفلسفة النقدية الكانطية من خلال "ثلاثية العقل الخالص"، "نقد العقل العملي"، و "نقد ملكة الحكم"؟ و لئن لم يقدم كانط إجابة واضحة لسؤال "ما هو الإنسان؟" فإننا نستطيع من خلال كتبه و من خلال مقالته "ما هي الأنوار؟" أن تنبين خصوصية الإنسان مع كانط فعندما يعرف كانط الأنوار يقول: "هو خروج الإنسان من القصور الذي يرجع إليه هو ذاته و يضيف تجرأ على استخدام فهمك الخاص". هذا هو شعار عصر التنوير الذي يتطلب الحرية"[1]و من خلال هذه المقالة نستطيع أن نقول أن مفهوم الإنسان عند كانط يتركز على خاصيتي "العقل و الحرية" فالإنسان هو كائن عقلاني و لأنه يقدر على العقل فهو مدعو لممارسة حرية التفكير واستخدام فهمه دون قيادة الغير. و بالعودة إلى كتاب "المنطق"، يقول كانط أن سؤال ما الإنسان؟ يجب أن تجيب عنه الأنتولوجيا و يقول في هذا السياق: "يرد مجال الفلسفة إلى الأسئلة التالية:
ماذا يمكنني أن أعرف؟
ماذا يجب علي أن أفعل؟
ما الذي يجوز لي أن آمل؟
ما الإنسان؟
غير أنه يمكننا أن نرد كل ذلك إلى الأنتروبولوجيا طالما أن الأسئلة الثلاثة الأولى ترجع إلى السؤال الأخير ما الإنسان؟."[2]
فرغم مركزية سؤال "ما الإنسان؟" في الفلسفة الكانطية فإنه يصعب إيجاد مباشرة عن هذا السؤال من خلال أثر واحد و إنما لا بد من تتبع آثار كانط كاملة.
و إذا عدنا إلى كتاب "أسس ميتافيزيقا الأخلاق" و الذي هو موضوع بحثنا هنا، فإن الكتاب يحاول التساؤل عن الطبيعة الإنسانية من زاوية الخير و الشر. و يجيب كانط أن الإنسان من زاوية عقلانية هو خير و من زاوية تجريبية هو شرير. و هي نفس أطروحة كتابه "الدين في حدود العقل" حينما يؤكد على مشكلة التربية "الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يجب تربيته".
إن الإنسان حسب كانط إضافة إل كونه كائنا عاقلا يتميز بالاستقلالية و قدرته على التشريع لذاته و هو لا يخضع للقانون إلا خضوعا حرا.
و لكن في نفس الوقت: "أن العقل يلتقي بالحساسية لذلك فإنه لا يكفي الإرادة أن تكون إرادة حتى تصير إرادة طيبة."[3]فالشر يصبح ممكنا بواسطة ثنائية العقل و الحساسية. فهذا التحديد الكانطي للإنسان من زاوية العقل تجعله ينتمي إلى مملكة الحرية و المسؤولية، و هو ما يشرع تحول الإنسان من مجرد تابع لنظام الكون إلى كائن مركزي يتمتع بالحقوق، و من جهة ربط هذا الإنسان بانتمائه إلى عالم الطبيعة يجعل الإنسان في نفس الوقت قابلا للانحراف عن طبيعته العقلانية، و هو ما يستدعي ضرورة إيجاد قانون للحد من انحرافات الإنسان. و هو ما يبيح الجمع بين الحق و القانون.
و لكن قد يعترض البعض عن هذا الجمع ذلك أن الحقوق قد ورد استعمالها في المجال السياسي عندما أصبحت مسائل حقوق الإنسان من المسائل السياسية، في حين ارتبطت فكرة القانون بالمجال الخلافي. و عندما نحاول تأسيس مفهوم حقوق الإنسان بما هي مسألة سياسية انطلاقا من كتاب "أسس ميتافيزيقا الأخلاق" الذي هو مبحث أخلاقي بامتياز، قد يدفع البعض للمعارضة و التساؤل لماذا السياسة انطلاقا من الأخلاق؟
فهل معنى ذلك أن السياسي لا يتأسس إلا على أساس أخلاقي؟ خاصة و نحن نعلم أن الفلسفة السياسية قبل كانط و انطلاقا من ماكيفيلي، سعت لتأسيس تقليد يختلف عن تقليد الفلسفة السياسية القديمة و هي فصل الأخلاقي عن السياسي، في دعوة مباشرة لتحرير السياسة من النظرة الغائية و ربطها بالعلم و انجازاته الحديثة. فعوض أن تبحث في أفضل النظم و ما يجب أن يكون، أصبحت مطالبة في عصر الحداثة إعلان هذه القطيعة، لتصبح السياسة بما هي فن الممكن تهتم بما هو كائن و يغلب عليها الدهاء و الحيلة و صراع المصالح و القوى، في حين أن الواجب الأخلاقي هو مثال تغلب عليه فكرة الغائية.
فإذا كان فلاسفة الحداثة قد خاضوا صراعا مريرا من أجل تحرير السياسي من الأخلاق، فكيف لنا أن نرتد عن مسار الحداثة بما هو مسار في اتجاه القطيعة مع الغائية و القصد، فنعود إلى فكرة الغايات من خلال القول أن "أسس ميتافيزيقا الأخلاق" قد هيأ الأرضية لانبثاق مقولة حقوق الإنسان.
ألا يمثل هذا الاتجاه انحرافا عن مشروع الكانطية الذي طرح نفسه "كثورة كوبرنيكية" فنجعل منها ثورة مضادة؟ أم أن مثلما أسس كانط الدين على ميتافيزيقا الأخلاق، كذلك، فإنه سيؤسس مقولة حقوق الإنسان على الأخلاق؟
ألا يمثل العصر الراهن بتناقضاته و ما نعيشه فيه من إستفراغ للدلالة و المعنى و القصد و ما أصبح يمثله هذا الوضع من تهديد للوجود الإنساني و انتشار مظاهر العنف و تصدر مشهديه الموت، ضرورة تعديل السياسي بالأخلاقي، خاصة و أن كلا المسألتين تمس المجال العملي للإنسان و أن الرهان على السياسي انطلاقا من الخلاقي هو غايته إنقاذ الإنسان. و من هنا نجد مشروعية في عدم فصل السياسي عن الأخلاقي. بل إن حقوق الإنسان قد تجد صلابتها عندما تتأصل كفكرة أخلاقية و ليس مجرد فكرة سياسية ليصبح الهم الأساسي هو في واجب الدفاع عن حقوق الإنسان.
إن اتخاذ كانط "أسس ميتافيزيقا الأخلاق" كمنطلق تتأسس عليه فكرة حقوق الإنسان يدفعنا إلى طرح الإشكاليات التالية: إذا كانت الحقوق ترتبط بالجانب الطبيعي للإنسان و ترتكز على الحرية فإن الواجب الأخلاقي يقترن بالجانب العقلاني للإنسان و هو يرتبط بالإلزام و القانون و الواجب، فإن أول المشكلات التي تطرح في هذا السياق هو علاقة الحق بالواجب و القانون بالحرية؟
فما مفهوم الحق و ما علاقتها بالواجب؟ و إذا كانت حقوق الإنسان متعددة فهل معنى ذلك أنه يوجد سلم لترتيبها حسب أهميتها؟ و لكن هل من المعقول أن توجد حقوق ضرورية و أخرى ثانوية أم أن كل الحقوق متساوية؟ ما علاقة الحق بالواجب و القانون بالحرية؟ و كيف نمر من الحقوق الطبيعية إلى الحقوق الوضعية؟ هل تتأسس الحقوق على الواجب بما هو مبدأ إكراه و إلزام بمعنى القوة أم تأسيس على الواجب كحرية ووعي بالقانون و الضرورة؟ ثم ما الذي سيضيفه التأسيس الأخلاقي لحقوق الإنسان؟ هل سيمثل عنصر عرقلة و اعتداء على حقوق الإنسان أم عنصر إثراء و حماية و صون لها؟
و رهاننا في ذلك أن نبين أن حقوق الإنسان هي حقوق جوهرية للإنسان و هي عين ذاته و لا يجوز التفريط فيها لأنها مكسب للإنسانية غير أن حماية هذه الحقوق يمر حتما باحترام الإنسان لالتزاماته وواجباته لأن حقوق الإنسان ليس في حقيقتها سوى واجبات بمعنى آخر: "حقي هو واجب عند غيري كما أن واجبي هو حق عند غيري"[4] و هي في نفس الوقت حقوق.
فهل معنى ذلك أن فكرة الحقوق هي في نهاية التحليل مجرد فكرة أخلاقية توجيهية و هو ما يبرر بقاء حقوق الإنسان في مستوى الشعار و المثال الأخلاقي أم أنها أساس كل تنظيم و كل اجتماع بشري؟
ثم ألا ينسف التأسيس الأخلاقي لحقوق الإنسان مشروع الحداثة بأكمله و يجعل من الحداثة مشروع لم يكتمل لأن الحداثة لم تتحقق بعد على حد عبارة هابرماس "الحداثة مشروع لم ينته بعد لأنه لم يتجسد قط".[5]
هذا ما سنحاول البحث فيه من خلال المسائل التالية: المسألة الأولى تتعلق "بأسس ميتافيزيقا الأخلاق" و "فكرة حقوق الإنسان" و ذلك من خلال علاقة "القانون الطبيعي بالحق الطبيعي" و كيف يتم الانتقال من الحق الطبيعي إلى "الحق الوضعي". أما المسألة الثانية فتطرح إشكالية الأسس الأخلاقية لحقوق الإنسان من خلال البحث في علاقة الحق بالواجب. أما المسألة الأخيرة فتهتم بفلسفة حقوق الإنسان بين الواجب و الممكن. لننتهي إلى خاتمة التساؤل عن حقوق الإنسان إلى أين؟
I أسس ميتافيزيقا الأخلاق و فكرة حقوق الإنسان:
بما أن البحث يتمحور حول كيف يمكن أن نجد فكرة "حقوق الإنسان" انطلاقا من كتاب ميتافيزيقا الأخلاق. ما هي طبيعية العلاقة بين الحق و القانون من جهة فيجب أن نبدأ بتعريف مفهوم حقوق الإنسان؟ و بحث علاقة مفهوم الحق بالواجب الأخلاقي أو القانون الأخلاقي؟ و هل أن علاقة الحق بالواجب علاقة تصادم أم تطابق؟ هل الحق لا يتأسس إلا على القانون و مفهوم الواجب أولا : أم بمعزل عنه؟
إن بحث جنيالوجيا هو وحده يستطيع الكشف عن مفهوم الحق، بالعودة إلى الذهنية القديمة، ذلك أن هذه الذهنية رغم تجديدها الإنسان من خلال خاصية اللوقوس أي النطق و العقل و القدرة على الاختيار، فإنها لم تنتبه إلى فكرة الحقوق الذاتية و تصور حق مرتبط أساسا بالفرد مستمد من طبيعته. و إنما ستظهر فكرة الحقوق الطبيعية عندما سيقع النظر إلى المجتمع على أنه فتاتا ن الأفراد الأحرار و أن العالم لم يعد كونا منظما و إنما هو تراكما لفرديات معزولة فلا وجود إلا لهذا الإنسان الذي لدينا معرفة مباشرة به أما الكليات "الإنسان" في المطلق لم يعد موجودا: و قد ركز مفهوم الحق لدى فلاسفة العقد الاجتماعي في حالة الطبيعة أي الحالة التي تسبق نشأة الدولة لذلك جاء مفهوم الحق مقترنا بالطبيعة؟
فما معنى الحق الطبيعي؟ و هل يمكن أن نجد في مقابل هذا الحق الطبيعي قانون طبيعي؟ و ما علاقة الواجب بالحق؟
1 القانون الطبيعي و الحق الطبيعي:
عندما نحاول بحث علاقة الواجب بالحق فإن العديد من الصعوبات قد تطرح ذلك أن مفهوم الواجب يقترن عادة بالإلزام و الإكراه و نفي الحرية في حين أن مفهوم الحق في علاقة بالحرية و قد عرف هوبز الحق كما يلي: "لكل إنسان بطلعه الحق في كل شيء، أي في استطاعته أن يعمل ما يريد، و أن يملك كل ما يشاء أن يملك و ما أمكنه أن يملكه فيستعمله و يستمتع به."[6]و من هنا نفهم ارتباط مفهوم الحق بحرية الفعل. و كأن هذا الفعل لا يحده قيد و لا شرط نفياتان هوبز فالحق الطبيعي كما يعرفه هوبز: "هو الحرية الممنوحة لكل إنسان لا يستخدم قواه الخاصة للمحافظة على طبيعته الخاصة أعني للمحافظة على حياته الخاصة." و يواصل قائلا "إن الأساس الذي يرتكز عليه الحق الطبيعي هو لكل إنسان لديه القدرة و الجهد لحماية حياته و أعضائه..."، "و ما دام لكل إنسان الحق في البقاء، فلا بد أن يمنح أيضا حق استخدام الوسائل..."[7]
و يمكن أن نلخص الحقوق عند هوبز في أربعة حقوق أساسية:
أ حق البقاء أو المحافظة على الذات.
ب و إذا كان من حق الذات أن تبقى و أن تحافظ على نفسها فإنه منطقيا يترتب عن ذلك حق هذه الذات في استخدام كافة الوسائل الضرورية التي تكفل تحقيق هذه الغاية. "من له الحق في الغاية، له الحق في الوسيلة أيضا."[8]
ت يترتب عن حق الغاية و حق الوسيلة حق ثالث أن يكون من حق الإنسان تقرير أنواع الوسائل الضرورية التي تكفل له تحقيق الغاية و هي المحافظة على بقائه. يقول هوبز: "لكل إنسان الحق بالطبيعة في أن يحكم بنفسه أي أنواع الوسائل تكون ضرورية و أن يجيب عن السؤال: ما هي الوسائل اللازمة لتحقيق الغاية؟"[9]
الحق الطبيعي، إذن عند هوبز هو الحرية اللامحدودة لكل فرد في حالته الطبيعة: حماية حياته و الدفاع عن وجوده مستخدما كافة الوسائل في سبيل تحقيق هذه الغاية.
فالحق الطبيعي هو الحرية الطبيعية التي ليس فيها لا قيد و لا شرط و قد حرص هوبز على تمييز الحق الطبيعي عن القانون الطبيعي الذي يعني هو ما يجدد و يربط و يلزم بمعنى آخر الحق الطبيعي هو اللا تحديد أما القانون الطبيعي فهو التحديد و التعيين لنشاط الإنسان و من هنا يقول هوبز: "ينبغي مع ذلك التمييز بين الحق و القانون ذلك لأن الحق يعتمد على الحرية، حرية المرء أن يفعل أو يمتنع عن فعله أما القانون الذي يربط بواحد منهما دون الآخر."[10] أي بالقول أو الامتناع عنه، فهو الذي يحدد و من ثم فالقانون و الحق يختلفان مثلما يختلف الإلزام و الحرية.
ننتهي من خلال مقارنة الحق الطبيعي بالقانون الطبيعي أن ثمة تعارض بين ما يحيل من جهة لمجال الحريات و اللا تحديد و بين مجال القانون الذي يحيل إلى الحد و القيد. فهل التعارض بين القانون الطبيعي و الحق الطبيعي في حالة ما قبل الدولة هو نفس التعارض بين الحقوق و الواجبات؟ في حالة ما بعد تأسيس الدولة، أو هو التعارض نفسه بين مجال الحقوق الإنسانية و القانون و الواجب الأخلاقي؟
2 من الحق الطبيعي إلى الحق الوضعي:
قبل الإجابة عن سؤال العلاقة بين الحق و الواجب، لا بد أن نبدأ البحث في الكيفية التي يتحول منها الحق الطبيعي إلى حق وضعي و ما الفرق بينهما؟ إن الانتقال من الحالة الطبيعية إلى الحالة الوضعية مشروط بقيام الدولة = فما الغاية من تأسيس الدولة و ما طبيعة الحقوق التي يسعى إلي تحقيقها؟
لا شك أن حالة الدولة هي مختلفة مع الحالة التي تسبقها، ذلك أن إذا كانت حياة البشر في ظل غياب الدولة تتميز بحالة حرب الكل ضد الكل و بالفوضى و الموت العنيف و ليس من أفق للخروج من هذه الأزمة إلا بما يسمى العقد الاجتماعي: و هو يعني حسب روسو: "الاهتداء إلى شكل شركة تدافع عن الشركاء، و تحمي بجميع مالها من القوة الجماعية، شخص كل مشترك و أمواله، شركة ينضم فيها كل مشترك إلى شركائه و يتحد بهم، و لكنه مع ذلك لا يطيع إلا نفسه و يظل متمتعا بالحرية نفسها التي كانت له."[11]فبإمضاء هذا العقد تتأسس الدولة التي ليس لها من غاية سوى الحرية، إذ يقول سبينوزا: "يتبين من الأسس التي تقوم عليها الدولة و التي بيناها من قبل، أن الغاية القصوى من تأسيس الدولة ليست السيادة أو إرهاب الناس أو جعلهم بقعود تحت نير الآخرين، بل هي تحرير الفرد من الخوف بحيث يعيش كل فرد في أمان بقدر الإمكان أي أن يحتفظ بالقدر المستطاع بحقه الطبيعي في الحياة و العقل دون إلحاق الضرر بالغير. فالحرية إذن هي الغاية الحقيقية من قيام الدولة."[12]
نفهم من خلال فلاسفة العقد الاجتماعي أن الغرض من تأسيس الدولة هو المحافظة على الحقوق الطبيعية بتحولها من الشكل الطبيعي التي يغيب فيه كل حد و قيد إلى الوضع المدني فتصبح هذه الحقوق مشروطة بحقوق الآخرين و هو ما عبر عنه لوك قائلا: "و عندما تجتمع كلمة عدد من الناس على تأليف مثل هذه الجماعة أو الحكومة يصبحون من حينهم هيئة سياسية واحدة، تكتسب الأكثرية فيها الحق بالتصرف و بالإلزام الآخرين."[13]
فتأسس الدولة مشروط إذن بالمحافظة على الحقوق المدنية التي هي من أصلها طبيعة و من بين هذه الحقوق نذكر:
حق الحرية مع روسو و سبينوزا، حق الحياة، حق الملكية و هي الحقوق التي سيقع التنصيص عليها في الإعلان العلمي لحقوق الإنسان.
و قد اعتبرت حنا آرنت أن حقوق الإنسان هي : "ثابتة لأنها مستقلة عن كل أشكال الحكم، فالإنسان وحده مصدرها و غايتها القصوى و هي لا تحتاج لأي قانون خاص لضمان هذه الحقوق، إذ يفترض أن كل القوانين نابعة من حقوق الإنسان."[14]
نستطيع إذن أن نعرف حقوق الإنسان كما يلي: "هي جملة الحقوق الشاملة التي ارتبطت بالإنسان كحق الحياة و حق الحرية و حق الملكية و هي حقوق ترمي إلى حمايته من العنف و الاستبداد من أجل ضمان حسن البقاء. و هي لئن ارتبطت بالوجود الطبيعي للإنسان فإن هذه الحقوق تظل متعرضة للانتهاك ما لم يوجد نظام سياسي يحاول ضمان هذه الحقوق و المحافظة عليها، و هو ما جعل نماء هذه الحقوق مرتبطة بفكرة تنظيم سياسي أو بفكرة نشأة الدولة.
فما هي علاقة هذه الحقوق بمفهوم الواجب؟ هل يمكن أن نجد أصلا و تأسيسا لهذه الحقوق انطلاقا من أسس ميتافيزيقا الأخلاق؟ بمعنى هل يسمح التأسيس الأخلاقي لهذه الحقوق حماية و نماء أكثر لمنظومة الحقوق أم إن فكرة الواجب الأخلاقي هي إلغاء لفكرة الحقوق؟
3 مفهوم الواجب:
إذا كان مفهوم الحق يرتبط بمفهوم "الحق الطبيعي" الذي هو جوهر الإنسان و هو ما يعني جملة الحقوق التي يتمتع بها الإنسان قبل تأسيس الاجتماع السياسي فهي تسبق قيام الدولة، و من خلالها يملك الإنسان مطلق الحرية للحفاظ عليها. فإن مفهوم الواجب في ظاهره يبدو متعارضا مع مفهوم الحق، إذ الواجب معناه: "ما يقرر وفقا لقاعدة، و القاعدة هي المبدأ الذاتي."كل ما في الطبيعة يعمل وفقا لقوانين و الكائن العاقل الإنسان هو وحده الذي لديه القدرة على الفعل وفقا لفكرة عن القوانين، أي وفقا لمبادئ"[15]
و الواجب هو ضرورة انجاز الفعل احتراما للقانون. لكن ما هو هذا القانون الذي يجب علينا احترامه؟
إن الصفة المميزة لأي قانون هي أنه كلي، و القانون الخلاقي هو القانون الذي يقول إن الفاعل الأخلاقي يتصرف أخلاقيا إذا سيطر العقل على كل ميوله.
و بالتالي ما يميز فكرة الواجب هي الإلزام و الكلية. و لذلك يرفض كنط أن تكون مبادئ الأخلاق مستمدة من الواقع التجريبي لأنه يستحيل أن نعثر في الواقع على فعل أخلاقي صادق إذ يقول كانط في هذا السياق: "من المستحيل تماما أن نقرر بالتجربة و بيقين كامل حالة واحدة قام فيها الفعل، المطابق مع ذلك للواجب، على مبادئ أخلاقية فقط و على الامتثال للواجب."[16]
و مقابل رفض كانط لمبادئ الأخلاق المستمدة من التجربة، فإنه يقبل بأن تكون مستمدة من العقل: "إن كل التصورات الأخلاقية، محلها و أصولها قبلية تما في العقل، العقل الإنساني المشترك و في العقل الإنساني النظري إلى أقصى درجة."
فالواجب أمر مطلق بمعنى أنه لا يرتبط بأية وسيلة، و لا غاية و إنما يربط بين الإرادة و بين القانون الكلي مباشرة، لا بأفعال جزئية تؤديها الإرادة و إنما بالقاعدة ‘Maxime’ الصالحة لأن تكون مبدأ للعقل. فإذا ما انطلقنا من أن كتاب "أسس ميتافيزيقا الأخلاق" الذي يعني المعرفة القبلية عن طريق التصورات المحضة و أنها تتناول قوانين ما يجب أن يكون و هي بهذا المعنى لن تستمد قوانين الأخلاق من الطبيعة الإنسانية و لا من عادات الناس، لأنه لا يمكن استخلاص قواعد كلية مطلقة من معطيات مشتتة و غامضة و فيها خلط بين المبادئ و الأحوال الجزئية بحيث تتوقف النتائج المستخلصة على الأحوال الفردية و الميول و العواطف.
إن هذا التحديد للأخلاق يضعنا منذ البداية في مأزق و إحراج لأن حقوق الإنسان كما رأينا سابقا هي تستند إلى الطبيعة إنسانية و تتعلق بالفردية أما الأخلاق بهذا المعنى الذي يقدمه كانط فهي تضطلع بالطبيعة البشرية و الفردية و تعتبر أن الأخلاق يجب أن تتأسس على العقل كمبدأ كلي. أليس في هذا الأمر ما ينبئ بالتعارض بين القانون الأخلاقي و مبادئ حقوق الإنسان؟
لكن إذا ما نظرنا من زاوية مغايرة فإن "حقوق الإنسان" رغم أنها تأسست انطلاقا من الطبيعة الإنسانية فإنها أصبحت اليوم حقوقا بالمعنى الكلي و ليس بمعنى المفرد، فهي حقوق لكل إنسان في كل زمان و كل مكان و هي أيضا تأسست انطلاقا من تبني مفهوم
كوني للإنسان يربطه بمبدأ: "العقل باعتباره أكثر الأشياء توزيعا بين الناس". فهي إذن حقوق كلية و ضرورية. و من هنا يمكن أن تمثل هذه الخاصية المشتركة في مستوى الكلية و الضرورية بين القانون الخلاقي و حقوق الإنسان ما يجعل حقوق الإنسان يمكن أن تجد مرجعيتها في القانون الأخلاقي ذلك أن فكرة الحقوق هي فكرة معيارية و ما هو معياري قيمي يمكن إدراجه في المجال اللإيتيقي و الأخلاقي. فإذا أمكن لنا أن نجد نقاط التقاء بين القانون و الحقوق. فكيف للقانون الأخلاقي أن يؤسس حقوق الإنسان؟ بمعنى آخر هل يوجد في كتاب "أسس ميتافيزيقا الأخلاق" من مبادئ ما يبشر بأن تكون نفسها مبادئ لحقوق الإنسان؟ و كيف تبدو علاقة الحق بالواجب من خلال "أسس ميتافيزيقا الأخلاق".
4 الحق و الواجب:
قد يبدو للبعض أن الحق و الواجب فضائين مستقلان لا يتوقف أحدهما على الآخر، فليس من شرط التمتع بالحق أداء الواجب، كما أن أداء الواجب لا يشترط فيه التمتع بالحق، فمن حق الفرد التمتع بالحرية و المساواة و العدل حتى و لو كان مقصرا في واجباته. كما أن الشخص الذي يكون قد أنجز واجبه لا يعني أنه سيأخذ حقوقه.
و إذا أردنا أن نبحث في كيفية ظهور مفهوم الحق و الواجب فإنه يعود إلى نشأة "القانون" الذي ساهم في توزيع الحقوق و الواجبات.
غير أن ما يجب الانتباه إليه أن الحق ذاتي و القانون موضوعي و هو ما يعني أسبقية الحق على القانون. فكيف يتأسس ما هو سابق على ما هو لاحق؟
إذا عدنا إلى ما يسمى بفرضية "حالة الطبيعة" لدى فلاسفة العقد الاجتماعي و هي الحالة السابقة على الدولة و التي تتميز بما يسمى بالحقوق الطبيعية. فإن ما يميز الإنسان في هذه الوضعية :أنه قوة متواصلة في حركتها بضمان الحفاظ على نفسها" أو لنقل بعبارة سبينوزا الـ «Conatus » بما هو رغبة في الحفاظ على البقاء و هذه الماهية لا تتحقق إلا في ظل صراع مع رغبات أخرى و هو صراع متكافئ كما يشير إليه هوبز إذ أن البشر في حالة الطبيعة متساوون في القوى و هو ما يهدد حياتهم بالخطر، يصبح الأفراد إذن في حالة خوف دائم في غياب أي حد أو منع يقف حركة صراعهم. و لن يتوقف هذا الخطر إلا بإيجاد شكل من المنع الذي يحد هذا الصراع و العنف و حق التصرف المطلق بكل الوسائل من أجل الحفاظ على البقاء، و هذا لن يكون إلا بتشكل قانون يمنع اعتداءات الناس على بعضهم البعض.
إن ما يجب أن ننتبه إليه ـن أسبقية الحقوق على القانون و الواجبات لا يلغي تأسيس الحقوق على مفهوم القانون و مفهوم الواجب. فإذا كانت الدولة عند روسو هي نتيجة عقد اجتماعي تلزم الأفراد بالخضوع للقوانين التي شرعوها بأنفسهم و بالتالي هم خاضعون لأنفسهم و هم في نهاية الأمر أحرار و ليس عبيد. "لأنه ولدت الحرية يوم ولد القانون."[17] فإنه نفس الشيء فيما يتعلق بمستوى تأسيس حقوق الإنسان بوصفها في أصلها حقوقا طبيعية تتأسس على مبدأ القانون الأخلاقي بوصفه مبدأ منظم لهذه الحقوق. فأين تظهر فكرة حقوق الإنسان في أسس ميتافيزيقا الأخلاق؟
II الأساس الأخلاقي لحقوق الإنسان:
1 من أسس ميتافيزيقا الأخلاق إلى فكرة الحقوق:
بالعودة إلى أسس ميتافيزيقا الأخلاق، يبين كانط أنه انطلاقا من مشاهدته للواقع التجريبي، انتهى إلى أنه من المستحيل تأسيس الأخلاق على الواقع لأن الواقع مشتت و الخلاق تطمح للكونية و الإطلاقية و الثبات و يبدأ كانط القسم الأول من كتابه "من كل ما يمكن تصوره في العالم، بل و خارج العلم بعامة، ليس ثم ما يمكن أن يعد خيرا بدون حدود أو قيد، اللهم إلا الإرادة الخيرة"[18] و يقصد من عبارة "الإرادة الخيرة" هي وحدها التي يمكن أن تعد خيرا في طبعتها و لتوضيح طبيعة هذه الإرادة الخيرة يستعين كانط بفكرة "الواجب". لكنه لا يقصد أن الإرادة الخيرة هي تلك التي تعمل وفقا للواجب، بل بالعكس، لأن فكرة الواجب هي فكرة ما ينبغي التغلب عليه من الميول و الرغبات، لأن الإرادة الخيرة الكاملة هي التي تعمل من تلقاء نفسها. أما الواجب فهو ما يقرر وفقا لقاعدة و القاعدة هي المبدأ الذاتي: "فكل ما في الطبيعة يعمل وفقا للقوانين و الكائن العاقل هو الوحيد القادر على الفعل وفقا لفكرة القانون أي وفقا لمبادئ. و الواجب معناه ضرورة انجاز الفعل احتراما للقانون. لكن ما هو هذا القانون الذي يجب احترامه؟ لا بد أن يكون كليا. و الواجب بما هو أمر مطلق بمعنى لا يرتبط بأي وسيلة و لا غاية، و إنما يربط بين الإرادة و بين القانون لأن يكون مبدأ العقل، و يحدد كانط ثلاث قواعد أخلاقية في صورة أوامر مطلقة:
القاعدة الأولى= "افعل كما لو كان على مسلمة فعليك أن ترتفع عن طريق إرادتك إلى قانون طبيعي عام"[19]
القاعدة الثانية= "افعل الفعل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك و في شخص كل إنسان سواك بوصفها دائما و في الوقت نفسه غاية في ذاتها و لا تعاملها أبدا كما لو كانت مجرد وسيلة."[20]
أما القاعدة الثالثة يمكن استنتاجه من القوانين الخلاقية و هل فيها تأسيس لفكرة حقوق الإنسان؟
إذا عرفنا أن أهم المبادئ التي تأسس عليها فكرة حقوق الإنسان هي الحرية و الكرامة الإنسانية بمعنى احترام إنسانية الإنسان لذاته. فإن القوانين الأخلاقية التي صاغها كانط تنادي باحترام الشخص الإنساني من خلال الدعوة إلى التعامل مع الإنسان كغاية و ليس كوسيلة، و هذا دلالة على أن الأخلاق الكانطية رغم صرامتها و إلزاميتها فإنها لا تمثل قهرا للإنسان لأن غايتها احترام الإنسان لذاته و في شخصه. و كذلك الأمر فيما يتعلق بمسألة الحرية التي هي مسألة جوهرية في حقوق الإنسان، ذلك أن من يعتبر أن فلسفة كانط الأخلاقية تعني الإلزام و الإجبار و سلب الحرية هو مخطئ لأن الإلزام عند كانط ليس بمعنى القهر و الإرغام، لأن القاعد الأخلاقية الثالثة و التي يسميها كانط بمبدأ التشريع الذاتي المستقل للإرادة فإنها تقوم على مبدأ الحرية، و أن هذه الإرادة الحرة هي التي تشرع قوانينها بنفسها، فالقانون الأخلاقي ليس شيئا مفروضا على الإرادة من الخارج بل هو نابع منها. لأن الإرادة العاقلة و الحرة التي تشرع قوانينها بنفسها و لنفسها و لهذا فهي تخضع لهذه القوانين التي شرعتها بذاتها و خضوعها هو خضوع حر و اختياري.
و عندما نقف عند البند الأول لميثاق حقوق الإنسان: فإن هذا البند يقول: "يولد الناس أحرارا و متساوين في الكرامة و الحقوق و هم قد وهبوا العقل و الوجدان و عليهم أن يعاملوا بعضهم بعض بروح الإيخاء."[21]فعندما نقارن هذا البند بمحتوى القوانين الأخلاقية الكانطية فإننا نجد ما أكد عليه هذا البند من حرية و كرامة و مساواة بين الناس قد جاء في مستوى القواعد الأخلاقية سواء من حيث اعتبار أن العقل هو عنصر التساوي و الاشتراك بين الناس أو في التأكيد على أن الإلزام الأخلاقي هو في جوهره حرية لأن الذات هي التي تشرعه أو في دعوة كانط إلى ضرورة المحافظة على الكرامة الإنسانية من خلال التعامل مع الأشخاص كغايات و ليس كوسائل. و إضافة لمحتوى القانون الذي يتطابق مع محتوى البند المتعلق بالحقوق و الحريات و المساواة فإن الصياغة الكلية و العامة للقانون الأخلاقي يتطابق في صياغته مع مبادئ حقوق الإنسان التي تتصف بدورها بالعمومية و الكونية و الشمولية في المطلق:
و حتى الأمثلة التي يقدمها كانط للبرهنة على صحة القاعدة الأخلاقية كواجبات تتجه نحو الذات و نحو الغير، يمكن أن نستخرج منها بعض الحقوق التي دافع عنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
و سنبدأ المثال الأول الذي يمكن أن نستخرج منه ما يطابق في حقوق الإنسان: حق الحياة:
فالمثال يقول: إن إنسان تحالفت عليه المحن و الآلام في الحياة فهل يحق له أن ينتحر؟ إن القاعدة التي سيثبتها ستكون هذه: "حبا لذاتي، فإنني انتحر، لأني لو استمررت في الحياة للقيت من المصائب أكثر من النعم. فهل يمكن حب الذات، مفهومها على هذا النحو، أن يصير قانونا كليا للطبيعة؟ كلا لأن الطبيعة التي سيكون قانونها هو تدمير الحياة نفسها بواسطة نفس الشعور الذي وظيفته الخاصة هي الحث على تنمية الحياة، مثل هذه الطبيعة ستكون متناقضة مع نفسها، و لن تبقى بوصفها طبيعة. و إذن فهذه القاعدة لا يمكن أن تشكل مكانة قانون كلي للطبيعة، و هي بالتالي مضادة للمبدأ الأعلى للواجب."[22]
و بالتالي نفهم أن اختيار الانتحار لا يمكن أن يعتبره كانط مبدأ للواجب لأن مبدأ الانتحار يتنافى مع قانون الطبيعة الذي يهدف للمحافظة على الحياة. و هو ما يعني تبني كانط إحدى المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان و هو "حق الحياة" برفضه الانتحار تحت أي ظرف.
أما المثال الثاني الذي يمكن أخذه هو المثال المتعلق بالواجبات نحو الغير و المتمثل في مساعدة الغير و يمثل هذا المثال ما يسمى في حقوق الإنسان الواجبات نحو الغير. إذا أن منظومة حقوق الإنسان لا تتأسس على الحقوق بل على الواجبات لأن حقوق البعض هي واجبات عند الآخرين مثلما أن حقوق الآخرين هي واجبات عند البعض.
أما حق الحرية فإنه يجد في القانون الخلاقي الذي هو ليس شيئا مفروضا على الإرادة من خارجها، بل القانون الأخلاقي منبثق عن الإرادة نفسها و هذا ما يبرر طاعته و هذه الطاعة إذن هي حرية، و ليست قسرا. و هذا المبدأ يسميه كانط بالتشريع الذاتي للإرادة. فإذا كانت الضرورة الطبيعية ترغم الكائن غير العاقل على الخضوع لفعل باستقلال عن الأسباب الخارجية و هو ما يعني أن الحرية تعرف كما يلي: "هي تشريع الإرادة لنفسها بنفسها."
و في حديث كانط عن حرية التشريع ليس فيه فقط إثبات لحق الحرية و إنما أيضا حق المشاركة في تشريع القوانين و التي قد ترتبط أساسا بالحقوق السياسية و التي تجعل من الإنسان مواطنا قادرا على المساهمة في إدارة شؤون بلاده من خلال المساهمة بالتشريعات.
ننتهي إذن من خلال البحث في علاقة الأخلاقي بالسياسي إلى أن "أسس ميتافيزيقا الأخلاق" كتاب ركز على مفهوم الواجب و الأخلاق أن مبادئ الأخلاق لم تكن بعيدة عن مبادئ حقوق الإنسان بل إن تشريعات حقوق الإنسان تستمد جذورها و أصالتها من مفهوم القانون الأخلاقي الذي يعمل على توحيد الناس تحت خاصية العقل و التفكير و الحرية و يساوي بينهم ضمن هذه الشروط و هي نفس المبادئ التي نادت بها حقوق الإنسان.
إذا كان الإنسان لا يملك إزاء الأشياء سوى الحقوق و ليس له أمام نفسه سوى الواجبات، فإن الإنسان إزاء الإنسان له حقوق و عليه واجبات. "فواجبي مثلا أن أحترمك هو حقي في احترامك، و واجبات الآخر نحوي هي شيء واحد، لأن من ينجز واجباته فقد ضمن حقوقه"[23].
و إذا كانت لوائح الحقوق متعددة في فلسفة حقوق الإنسان فهي يمكن تصنيفها بين حقوق سياسية و مدنية تخص كل إنسان مفرد فإن هناك أيضا حقوق جماعية تقوم على أساس حق الشعوب في تقرير مصيرها و حق تحديد النظام السياسي الأمثل و الحقوق الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية. و هو ما يعني أن لائحة حقوق الإنسان هي لائحة مفتوحة و ليست مقفلة و هي قابلة لاستيعاب الكثير من الحقوق بحيث أصبحت حقوق الإنسان متكثرة و متعددة الأبعاد و لم تعد محصورة في مجرد تحقيق الأمن و الحرية و المساواة و إن كانت هذه الحقوق ستظل الأهم ما لم ينجح الإنسان إلى تحويلها من مجرد لوائح نظرية إلى مجال التطبيق و الممارسة.
و إذا قلنا بالتلازم بين منظومة الحقوق و الواجبات، فإن بقدر تعدد الحقوق و تكثرها فإن في المقابل ستجلب الحقوق الجديدة التزامات جديدة للإنسان أو واجبات جديدة إذ بقدر ما يطالب الإنسان بالحقوق لنفسه يطالبه الآخرون أيضا بحقوقهم و كما قلنا فإن حقوق الآخرين ما هي إلا واجبات عندنا. و إذا ما أراد الإنسان أن يحترم حقوقه فعليه أن يوفي واجباته. هل يمكن أن نقول إذن أن " أسس ميتافيزيقا الأخلاق ليست إلا تأسيس ميتافيزيقي للحقوق"[24]
إن فكرة حقوق الإنسان بمعناها القانوني و الإيتيقي و الأخلاقي يبدو أنها فكرة وريثة عصر الأنوار و لكنها في نفس الوقت أصبحت فكرة كلية لأن إذا كانت الحقوق الطبيعية هي أساس حقوق الإنسان تنتهي إلى الكل و هي من حق الكل فإن هذه الحقوق هي أيضا تنتهي إلى الكل و هي بهذا المعنى كلية. و قد أكد كانط على دور الكلية التي تلعب دورا أساسيا في المجال العملي، فما هو ممكن بواسطة الإرادة و الحرية هو القدرة على تحويل المبدأ الذاتي للفعل إلى قانون كلي.
إن حقوق الإنسان بهذا المعنى لم تعد تتأسس على الحق الإلهي و إنما على الضرورة الأخلاقية. عير أن الضرورة الأخلاقية ليست عند كانط سوى الحرية. إن هذا الجمع بين ما ينتمي لمجال الأخلاق و ما ينتمي إلى مجال السياسة هي ما يميز فكر كانط و هو ما يعبر عنه إيريك فايل قائلا: "لم يسبق أن فيلسوفا استطاع أن يجمع بين آراء السياسية و كتاباته حول الدولة و النظام و بين نظريته العامة حول العالم و المجتمع، أي بين نسقه الفكري و النظري العام مثلما فعل كانط."[25]
إن ما يجب الانتهاء إليه في علاقة الحق بالواجب أو حقوق الإنسان بميتافيزيقا الأخلاق أو في جمع السياسي بالأخلاقي أنه ليس هناك تعارض بين حقوق الإنسان و مفهوم الواجب الأخلاقي بل يمكن أن يتحول الواجب الأخلاقي إلى مؤسس حقيقي لحقوق الإنسان إذ ما فهمنا أن حقوق كل إنسان هي واجبات على كل إنسان و يظهر ذلك في حديث كانط عن السلام الدائم يقول: "إنها مشكلة أخلاقية" و باختلاف السبل بين المبدأين كبير لأن بتحقيق السلام الدائم لم يعد يجروا حينئذ باعتباره خيرا ماديا فحسب، بل و أيضا باعتباره شرطا صادرا عن تقديس الواجب."[26]
فالممارسات السياسية التي تندرج ضمنها مقولات احترام حقوق الإنسان يجب ألا تقوم على أساس الأغراض أو الأهداف التي يبغيها رجل الدولة و السياسي كمثل و مبدأ أعلى يجب أن يقام على فكرة الواجب و هو ما يعني أن لا خلاف بين الأخلاق و السياسة.
هل يمكن أن نسلم أن حقوق الإنسان بهذا المعنى هي حقوق أخلاقية بمعنى أساسها و مقوماتها أخلاقية؟
III فلسفة حقوق الإنسان بين الأخلاق و السياسة:
1 ما معنى حقوق الإنسان؟
إذا كان الأصل في "حقوق الإنسان" أنها تعود إلى الحقوق الطبيعية فإن ملامح المرجعية لحقوق الإنسان كحق طبيعي لم تغب عن الأمم المتحدة التي عرفت في كتاب التربية الصادر عنها سنة 1989 حقوق الإنسان كما يلي: "يمكن تعريف حقوق الإنسان تعريفا عاما بأنها تلك الحقوق المتأصلة في طبيعتنا، و التي لا يمكن بدونها أن نعيش كبشر."
فتحديد الأمم المتحد هذا يأخذ في اعتباره أن حقوق الإنسان هي حقوق طبيعية لا يمكن التخلي عنها و هو ما يعني ضرورة الدفاع عن هذه الحقوق و حمايتها من الانتهاكات.
و لئن تأسست حقوق الإنسان على جملة من الحقوق الأساسية أهمها حق الحرية و المساواة و الملكية، فإن لائحة حقوق الإنسان اليوم تتسع بقدر اتساع انتهاكات حقوق الإنسان ليشملها حقوق فردية و جماعية و غيرها من الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية. و الحق في الإيديولوجية و الحق النقابي و الحق في النضال و القائمة تطول هنا. لكن هل هذا يؤدي إلى التساؤل عن ماهية الطبيعة الملحة لهذه الحقوق المختلفة و هرميتها و إذا ما كنا نقوض الحقوق الأساسية عندما نطلب كل شيء دون تروي
2 حقوق الإنسان و الأخلاق:
إذا ما اقتنعنا بأن الأسس التي بني عليها صرح حقوق الإنسان هي أسس فلسفية أخلاقية، و أن تطور الحقوق يتم دائما تحت تأثير دوافع أخلاقية تعطى لها في أبعاد كونية، و أن حقوق الإنسان هي مبادئ في شكل صيغ تعبر عن حاجات بشرية تلتف كلها حول موضوع الكرامة، و أنها صوت الضمير الأخلاقي الإنساني يمكن أن يحصن هذه الحقوق من التلاشي و الضياع.
و القول بأن الكائن البشري غاية في حد ذاته، يتمتع بالعقل و الإرادة و الحرية و يملك قابلية للتحسن و له ضمير أخلاقي و قادر على القيام بالواجب، يقول كانط: "يجب عليك لأنك تستطيع"[27]
و تحمل المسؤولية هي أطروحات توجد في صلب الفلسفة الأخلاقية. فإلى أي حد نستطيع القول أن عندما تكون أسس حقوق الإنسان أسس أخلاقية، فإن هذا يمنعها عن الانحراف و الانزياح؟ ثم من يكون إنسان حقوق الإنسان؟
يبدو الإجابة عن هذا السؤال أمر محرج، إذ رغم أن حقوق الإنسان أصبحت تمثل من مسلمات الفكر الأخلاقي المعاصر، و رغم الطبيعة الكونية لهذه الحقوق فإنها تبدو و كأنها حقوق الإنسان الغربي لأنها نشأت في الغرب من جهة و لأن عمليا لا نجد حماية حقيقية من الاستبداد و الظلم و القهر و الاحتقار إلا في الغرب المتقدم.
لكن هناك من يشكك في تطبيق حقوق الإنسان حتى في مستوى الغرب الذي رعى هذه الحقوق و ساهم في نشأتها.
و هو ما يتجلى في حديث ريكور عن ما يسمى بالاغتراب السياسي و يرى ريكور : "أن الاغتراب السياسي هو مكون للوجود الإنساني."[28]
و إذا كانت حقوق الإنسان هي شكل من أشكال الوجود السياسي فإنها تشهد هذا الوضع المغترب.
فإلى أين تتجه حقوق الإنسان؟
الخاتمة: حقوق الإنسان إلى أين؟
و أخيرا و بعد الحرب العالمية و الحروب المتلاحقة بعدها، برهنت مشكلة الأقليات المضطهدة و اللاجئين المشردين على إفلاس المثال الأعلى الذي تجسده حقوق الإنسان، المندمجة في الواقع بحقوق المواطنين، لقد كان كل من جرد من مواطنته، و من انتمائه لمدى سياسي ما، يرى نفسه محروما من "حق امتلاك الحقوق" و "مستبعدا من بقية البشرية" و هو ما عبرت عنه حنا آرنت: "لقد انهار مفهوم حقوق الإنسان، القائم على الوجود المعترف به لكائن بشري بصفته تلك، منذ اللحظة التي جابه فيها أولئك الذين كانوا ينادون به للمرة الأولى أناسا كانوا قد فقدوا تماما كل ما تبقى من صفاتهم أو روابطهم الخصوصية. إن لم يكن أنهم بقو بشرا. إن العالم لم ير شيئا مقدسا في العري المجرد للكائن البشري."[29]
لا شك أن واقع حقوق الإنسان على ضوء اختبارها على الصعيد العملي لم ترتقي إلى مستوى طموح الإنسان في الحفاظ على كرامته و حقوقه السياسية و المدنية ذلك أن الواقع السياسي للإنسان يكشف عن انتهاكات غريبة و متكررة لهذه الحقوق، و كأن حقوق الإنسان هي مجرد مثال أخلاقي لا غير بقى في مستوى النوايا الحسنة، فهل وقعنا إذن في المحظور؟ بمعنى هل أن البحث عن أسس أخلاقية لحقوق الإنسان من أجل ضمان عدم انحرافها و تحريفها أوقعنا في سياق مناقض و هو أن التأسيس الأخلاقي يجعلها تبقى في مستوى ما يجب أن يكون و هي لم تكن بعد؟
هل معنى هذا يجب التخلي عن مثال حقوق الإنسان؟
لا بد إذن أن نعترف أن حقوق الإنسان هي مكسب آنساني مهم لا يجوز التخلي عنه بدعوى أنه لم يحقق و لن يتحقق و إنما يجب العمل من خلال الإنسانية على الاستماتة في الدفاع عن هذا الحق، مهما كلفنا الأمر من جهد.
فهل يمكن للإنسانية أن تراهن على انتصار ثقافة حقوق الإنسان؟
سلمى بالحاج مبروك
--------------------------------------------------------------------------------
[1] مقالة ما هي الأنوار؟
[2] المنطق المقدمة III Logique, Ed, Vrin, 1970
[3] Kant et le Kantisme : J. La croix.
[4] محمد عابد الجابري: "في نقد الحاجة إلى الإصلاح"
[5] هابرماس. "خطاب الحداثة"
[6] Hobbes : Le viathan, traduction, Tricaud. Paris, Sirey, 1971.
[7] هوبز
[8] هوبز: نفس المرجع.
[9] هوبز: نفس المرجع.
[10]هوبز: نفس المرجع.
[11] روسو: "العقد الاجتماعي"
[12] سبينوزا: "رسالة في اللاهوت و السياسة". ترجمة حسن حنفي، القاهرة 1971، ص. 446.
[13] جزن لوك: "في الحكم المدني" ترجمة ماجه فخري. بيروت. 1959. ص. 195.
[14] أصول الكلبانية ج 2 الإمبريالية.
[15] كانط: "تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق" مجموعة مؤلفات كانط ج. 4 ص. 412.
[16] كانط: " تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق" مجموعة مؤلفات كانط ج 4 ص. 412.
[17] روسو: العقد الاجتماعي.
[18]كانط: "أسس ميتافيزيقا الأخلاق"
[19] كانط: "أسس ميتافيزيقا الأخلاق".
[20] كانط: المصدر السابق. ص. 73.
[21] الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: اليونسكو 1995.
[22] كانط: "أسس ميتافيزيقا الأخلاق.
[23] Victor Gouspin : « Justice et Charité », Paris, 1848, PUF
[24] Bejanne Mekevik : Pourquoi étudier la foi du droit ? Colloque.
[25] Eric Weil, Problèmes Kantiens ; Ed. J. Vrin Paris, 1963.
[26] كانط: "مشروع السلام الدائم" ترجمة عثمان أمين، القاهرة، 1967.
[27] كانط: "أسس ميتافيزيقا الأخلاق".
[28] Ricœur : Histoire et vérité, Ed, Seuil, 1964.
[29] Arendt Hannah : Les origines du totalitarisme
التخطيط
العناصر الصفحة
تمهيد...........................................................................1
I- أسس ميتافيزيقا الأخلاق و فكرة حقوق الإنسان..................................6
1- القانون الطبيعي و الحق الطبيعي....................................................6
2- من الحق الطبيعي إلى الحق الوضعي...............................................8
3- مفهوم الواجب...........................................................................9
4- الحق و الواجب........................................................................11
II- الأساس الأخلاقي لحقوق الإنسان..................................................12
1- من أساس ميتافيزيقا الأخلاق إلى فكرة حقوق الإنسان..........................12
III- فلسفة حقوق الإنسان.................................................................17
1- ما معنى حقوق الإنسان...............................................................17
2- حقوق الإنسان و الأخلاق.............................................................18
الخاتمة...............................................................................19
المصادر و المراجع..............................................................................
المصادر و المراجع
E. Kant : Critique de la raison pratique, Editions Cérès, Tunis, 1995.
E. Kant : Fondements de la métaphysique des mœurs, Editions Cérès, Tunis. 1994.
Jean Lacroix : Kant et le Kantisme, P.U.F., 1996.
André Tosel : Kant révolutionnaire droit et politique, traduit par Lefbure, P.U.F., 1988.
Giorgio DEL Vecchio : philosophie du droit, traduction de Alexis d’Aymac, Dalloz 1953.
François Marty et Honoré Champion : L’homme habitant du monde à l’horizon de la pensé critique de Kant, Paris 2004.
Victor Cousin : Justice et charité, Paris, 1948
Paul Ricœur : histoire et vérité, Editions, Seuil, Paris, 1955.
Hannah Arendt : Les Origines du totalitarisme, T, 2, L’impérialisme, Ed, Fayard.
Kant : Logique, Introduction IV, Ed, Vrin, 1970.
Hobbes, Léviathan, traduction, Tricaud, paris, Sirey, 1971.
كانط: مشروع السلام الدائم، ترجمة عثمان أمين، القاهرة 1967.
روسو: العقد الاجتماعي، ترجمة ذوقان قرقوط، دار القلم بيروت.
سبينوزا: رسالة في اللاهوت و السياسة، ترجمة حسن حنفي، القاهرة 1971.
إمام عبد الفتاح إمام: هوبز فيلسوف العقلانية، القاهرة، 1985.
عبد الرحمان بدوي: الموسوعة الفلسفية، الجزء الثاني، المؤسسة العربية للدراسات و النشر.
محمد عابد الجابري: في نقد الحاجة إلى الإصلاح، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2005.
وثيقة حقوق الإنسان.
جون لوك: في الحكم المدني. ترجمة ماجد فخري بيروت 1959.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ابراهيم ابويه
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 8
بسم الله الرحمن الرحيم .
من المعروف ان النشاط اللغوي قد بدأ بحافز ديني ,كان الهدف منه الوصول الى وضع قوانين ونواميس للغة تضبط اللحن حين قراءة الكتاب المقدس.فالدين كان سببا في وصف اللغة.والحافز تحكم في الهدف والمنهج ايضا ,والذي كان معياريا لا وصفيا ,فقد وضع مقاييس ومعايير لا تصف اللغة كما توجد وانما كما ينبغي ان توجد.فاللغة الجيدة مثلا هي لغة الكتاب المقدس والرديئة هي المخالفة له.
اما في مطلع القرن العشرين ,فالتصور الذي بات مسيطرا من حيث المنهج المرتبط بنظرية اللغة يقر بانه ليست هناك لغة جيدة واخرى رديئة ,وانما جميع اللغات على مستوى واحد ,لان العلم لا يعترف بالقيم الاخلاقية او الاجتماعية او السياسية (التفريق مثلا بين اللغة واللهجة هو تفريق سياسي).
في هذا الاطار العلمي ,ترى النظرية التوليدية التحويلية(ن ت ت)ان موضوع علم اللغة هو المتكلم/المستمع المثالي الذي توجد عنده اللغة موضوع الوصف=اي وصف القدرة اللغوية عند المتكلم /المستمع المؤمثل .لماذا وصف القدرة؟لان ما يطبع النشاط اللغوي (الكلامي) عند الانسان هو عدم التجانس والتوافق بين شخص واخر.فصعوبة معرفة اللغة تعود بالدرجة الاولى الى عدم التجانس الذي تحدث عنه اللغوي ferdinand de saussure في كتابه(محاضرات في اللسانيات العامة).ومعنى ذلك ان في الكلام اشياء كثيرة تجعل فحصه في المختبربطريقة الية امرا صعبا ,ومع ذلك فهناك تجانس يعرف اللغة ويقربها بين افراد المجموعة اللغوية ..انه النسق ذو الخصائص المشتركة .وهذا ما يقصد به chomsky بالمتكلم- المستمع,اذ ان كل فرد يمكنه ان يتكلم لغة ما او يسمعها او يؤولها ,,فاما ينتج اصواتا فهو متكلم او يلتقطها فهو فهو مستمع.فكل فرد هو متكلم-مستمع في نفس الان ,ونقصد بالمثالي (المؤمثلidealisé)الشخص الذي جردناه من الظروف الخارجية والخصائص النفسية من هذه الاشياء رغم انها تؤثر في المتكلم ,,فللغة جوانب نفسية واخرى اجتماعية وثالثة تحليلية ورابعة رياضية ...وفكرة او الاقليمية ...فكون المتكلم من الدار البيضاء او وهران او القاهرة او عمان...هذا لا يهم اللغة في شيىء ,اذ يجب ان نتجرد متكلم-مستمع مثالي ليست سوى افتراض لكنه موجود في الواقع .
ان وصف القدرة التي هي المعرفة الضمنية للمتكلم بلغته ,لا تتم الا عن طريق الانجاز اللغوي ,اي ما ينتجه الفرد اصوات وعبارات .ومع ذلك فالقدرة مختلفة عن الانجاز وهي مستقلة عنه مبدئيا .مثال..الشخص الذي يستطيع ان يستعمل لغة جيدة وبليغة ومركبة باحكام حين يكون في حالة صحية جيدة قد لا يستطيع انجاز ذلك اذا كان متعبا او مريضا ,فقد يتلعثم او قد يلحن ,فحالته الصحية تجعل انجازه لا يرقى الى مستوى قدرته.اذن فهدف علم اللغة هو وصف القدرة اللغوية الباطنية التي تختلف عن الانجاز اللغويوهي التي يشترك فيها افراد المجموعة اللغوية الى حد كبير.
ان الذي سيقوم بهذا الوصف هو النحو (يختلف مدلول كلمة نحو هنا عما تعارف عليه في الثرات العربي القديم)الذي يعتبر الالة الواصفة للقدرة اللغوية وعلى هذا النحو الواصف ان يكون واضحا ويستطيع ان يرسم لنا السلاسل اللغوية التي تنتمي الى اللغة وتلك التي لا تنتمي اليها فهو بهذا المعنى سمي نحوا توليديا او واضحا لا يقبل التأويل او التخمين حين وضعه للقواعد والقوانين الخاصة بلغة ما.يتبع...
هذه محاضرة سبق ان القيتها باسم منتدى (ابداع وحوار المغربية )عام 2006 بمدينة برشيد .وهي بعنوان (اللغة العربي الفصيحة بين البحث اللغوي وتصورات النحو العربي القديم.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: خالد الاحمد
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 6
الملكة أروى هي / أروى بنت أحمد بن محمد بن القاسم الصليحي ، ولدت في مدينة (حراز)، غربي مدينة صنعاء . وقيل: في عدن، وتوفيت في مدينة (جبلة)، ضاحية مدينة إبّ. السيدة، الحرة، الملكة، الصليحية، لقبت بـ(بلقيس الصغرى). نشأت في كنف الملكة (أسماء بنت شهاب): زوجة الملك (علي بن محمد الصليحي)، كانت قارئة كاتبة، تحفظ الأخبار، وتروي الأشعار، ملمة بالتاريخ، وأيام العرب. واسعة العلم بالفقه (الإسماعيلي)، والمذهب (الفاطمي)، تعلق على الكتب، وتضيف وتحذف، وكانت متبحرة في علم التنزيل والتأويل والأحاديث الثابتة عن الأئمة والرسول صلى الله عليه وسلم، وكان دعاة (الفاطمية) يتعلمون منها من وراء حجاب، ويأخذون عنها، ويرجعون إليها، كما ذكر المؤرخ (عمارة بن علي الحكمي) في كتابه: (المفيد في أخبار صنعاء وزبيد)، واستحقت بذكائها ونبوغها اهتمام الحاكم (الفاطمي) في مصر المستنصر (معد بن أحمد)، الذي أرسل لها كبار دعاته لتثقيفها بمذهبهم، ورفعها من درجة (الدعاة) إلى مقامات (الحُجج). وكانت عاقبة العناية بها من قِبَل الملك (علي بن محمد الصليحي)، وزوجته (أسماء بنت شهاب) أن زوجاها ولدهما المكرم (أحمد بن علي) ولها من العمر ثمانية عشر عامًا. وفى هذا الزواج قال الشاعر (الحسين بن علي بن حمويه) المعروف بـ (ابن القم). وكريمة الحسبين يكنف قصرها ***أسدٌ تخاف الأُسْدُ من صولاتهـا وتكاد من فرط الحياء تغض عن ***تمثالها المرئيَّ في مِرآتهـــا ظفرت يداك بها فبخٍّ إنمــــا ***لك تذخر العلياء فيُ مكنوناتهـا وكان صداقها في هذا الزواج إقليم عدن، الذي ظل خراجه يرفع إليها سنويًّا، وقد أنجبت له (عليًّا)، و(محمدًا)، و(فاطمة)، و(أم همدان). بدأت نشاطها السياسي في عهد زوجها المكرم. قال المؤرخ (عمارة) في كتابه المذكور: "لما توفيت السيدة أسماء بنت شهاب؛ فوض الملك المكرمُ الأمر لزوجته الحرة أروى بنت أحمد، فاستبدت بالأمر، واستعفته في نفسها، وقالت: "إن المرأة التي تراد للفراش لا تصلح لتدبير أمر، فدعني وما أنا بصدده". مما يعني تفرغها للحكم". وكان لها عدد من المستشارين، منهم: القاضي (عمران بن الفضل اليامي)، و(أبوالسعود بن أسعد بن شهاب). ولما توفي زوجها الملك (احمد بن على الصليحى) سنة 484هـ/1092م؛ كتمت الأمر، وتحملت المسئولية، حتى استطاعت الحصول على تفويض من الحاكم الفاطمي (المستنصر) في تسيير شئون الدولة، والدعوة في اليمن والهند وعُمان، وأمر الخليفة (المستنصر) أن تكون المراسلات باسم ابنها الأمير (علي بن أحمد)، الذي كان صغيرًا حينها، كما أرسل مندوبًا عنه لإبلاغ الأمير الطفل (علي بن أحمد) تعازيه بموت أبيه، وليسكت الطامعين في كرسي الحكم من (آل الصليحي). وظفرت صاحبة الترجمة باسم ولدها على دعم الحاكم (الفاطمي)، وتأييده له برسائله إلى كل الولاة والسلاطين بضرورة الامتثال للأمير (علي) وطاعته، حتى هي نفسها أمرت بذلك، كمخطط سياسي، يلزم الجميع بتنفيذه؛ باعتباره صادرًا من أعلى سلطات الحكم في الدعوة (الفاطمية) إلى أن حصلت لابنها على اللقب، الذي به يحوز رئاسة الدعوة في اليمن، بأمر من الخليفة (المستنصر)، الذي لقبه بـ(سليل الدعوة ونجلها). وجمعت في يدها كل مفاصل الدولة، واستطاعت إلى حد ما إخماد القلاقل، التي كانت تتحفز لإسقاط ابنها، وإزاحتها عن الوصاية، ولكي تضمن بقاء الأمر في يد الأسرة الصليحية، جعلت الأمير الداعي (سبأ بن أحمد الصليحي) ابن عم زوجها، نائبًا لولدها الأمير (علي) ورئيسًا للوزراء، وقائدًا للجيش، فأمنت شره، ووجهته لقتال أعدائها وأعداء زوجها التقليديين، من (بني نجاح) في مدينة زبيد الذين رجعوا إليها، واستولوا عليها مرة أخرى بقيادة (جياش بن نجاح)، ونشبت بين الأمير (سبأ)، و(آل نجاح) معركة هزم فيها (الصليحيون)، وقتل الأمير (عمران بن الفضل اليامي) سنة 479هـ/1086م وكان (بنو نجاح) في مدينة زبيد يرون لأنفسهم شرعية الحكم، استمدادًا من الخليفة العباسي في بغداد، وكانوا من أهل السنة، يرفضون خلافة (الفاطميين) في مصر وولاتهم في اليمن. وتوفي ابنها الأصغر (محمد بن أحمد) ثم تبعه الأمير (علي بن أحمد)، فعاد السلطان (سبأ) للمطالبة بحقه في الحكم أو الزواج بها، فرفضت ذلك، واستدعت الوزراء وأعيان الدولة، وعقدت اجتماعًا أوضحت فيه أهمية المرحلة التي تمر بها الدعوة، أملاً في أن تحظى منهم بالموافقة على استمرارها في تسيير شئون الحكم، وردت على السلطان (سبأ) بنفس ما ردت به على زوجها المكرم: "إن المرأة التي تراد للفراش...إلخ". وكبر الخلاف بينها وبين السلطان (سبأ)، ورُفع إلى الخليفة (المستنصر)، الذي أرسل إليها أمرًا بقبول الزواج من السلطان (سبأ)، فوافقت مرغمة، وسار إليها السلطان إلى مدينة (جبلة)، فأقام عندها شهرًا؛ فلم تمكنه من نفسها، حتى استحقر نفسه، وندم على الزواج بها، ورجاها أن تسمح له بالدخول إلى دارها، ولو ليوم واحد، ليوهم الناس بدخوله عليها، فوافقت، ويقال: إنها أرسلت إليه بجارية تشبهها، وعرف ذلك، فرحل صبيحة اليوم الثاني، وظلت العلاقة بينهما على الورق فقط، لكنه لم يبخل عليها بأي مساعدة أو خدمة فيما يخص الدولة وشئون الحكم. وكان من وزرائها (المفضل بن أبي البركات)، الذي وهبته حصن (التعكر)، المطل على مدينة (جبلة)؛ لتريه قدره عندها. ومن دلائل ذكائها السياسي، وقوفها مع (منصور بن فاتك بن جياش): ابن عدوها ضد عمه (عبدالواحد بن نجاح)، وأمرت قائد جيشها (المفضل بن أبي البركات) أن يمكن (منصورًا) من ولايته على مدينة زبيد، وبعد معركة (المفضل) في مدينة زبيد مع عم (منصور بن فاتك) وصلته الأخبار باستيلاء الفقهاء على حصن (التعكر) بمؤازرة السنيين من قبيلة (خولان) فزحف عليهم، وأسفرت المعركة عن مقتله، فاستوزرت بعده (أسعد بن أبي الفتوح) أحد ولاتها على مدينة تعز و(صبر) فساعدها وسيّر معها بعض أمور الدولة، حتى توفي سنة 514هـ/1120م. وبموته اضطربت الأمور، وكانت الملكة (أروى) قد أدركتها الشيخوخة، فطلبت من الحاكم الفاطمي الآمر (محمد بن أحمد بن معد) أن يمدها بمستشارين لمساعدتها، فأرسل إليها (علي بن إبراهيم بن نجيب الدولة)، الذي استطاع أن يهدئ الأمور، ويوقف الاضطرابات الساعية إلى إسقاط الدولة من (النجاحيين) في مدينة زبيد، فأعاد تنظيم الجيش، ورفده بقوة من الجيش المصري، ومن بعض القبائل كـ(همدان)، و(سنحان)، وحاول أن يغزو مدينة زبيد؛ ففشل وانهزم على يد (مَنِّ الله الفاتكي)، أحد قواد (منصور بن فاتك) عام 518هـ/1124م. وبعد هزيمته ضعفت علاقته بالملكة، وقوَّى ذلك الضعف تآلب أنصار الملكة ضده، وتأليب الملكة عليه، حتى رماها بالخبل، وقال عنها: "إنها خرفت، واستحقت عندي أن نحجر عليها". واجتمع سلاطين اليمن ضده، وحاصروه في مدينة (الجند)، ضاحية مدينة تعز، ومعه أربعمائة فارس من (همدان)، ولما طال الحصار، لجأت الملكة إلى ذكائها وحيلتها، فاستدعت وجوه القبائل، وفرقت بينهم عشرة آلاف دينار مصرية، وأمرت الرسل أن يشيعوا في العسكر الذي مع (ابن نجيب الدولة) أن السلاطين فرقوا في الناس دنانير ذهبية، فإن أنفق (ابن نجيب الدولة) شيئًا من الذهب وإلا رحلنا، وتم لها ما أرادت، إذ لم يطلع الصباح إلا وقد تفرقت رجال (همدان)، ورحل كل إلى بلاده، وانفضوا عن (ابن نجيب الدولة)، فتوجه إليها وقدم اعتذاره على ما كان، فسلمته إلى جنود الحاكم (الفاطمي)، الذين أُرسلوا لاستلامه مقبوضًا عليه. ومن مظاهر ذكائها، وحنكتها السياسية أيضًا قيامها بفصل أمور الدعوة (الفاطمية) عن الدولة، وأنشأت لها إدارة متخصصة، مستقلة ماليًّا وإداريًّا عن الدولة، وعن مركز القرار السياسي والعسكري، وذلك لتضمن بقاء واستمرار الدعوة، حتى لو سقطت الدولة، وقامت مع داعي الدعاة (يحيى بن لُمُك) بتعيين داعٍ جديد في اليمن بتزكية وترشيحٍ منها، وهو (الذؤيب بن موسى الوادعي)، بحضور سلاطين وأمراء الدعوة وأعيانها. وقبل مقتله بأيام، أرسل الحاكم الفاطمي: الآمر (محمد بن أحمد بن معد) إلى الملكة برسالة مرفقة بقطعة من كمِّه عرفت فيها أنه ينعي نفسه، وأنه أوشك على الموت، وأبلغها في رسالته أنه رزق طفلاً أسماه: (الطيب)، وكناه: (أبا القاسم)، ففهمت مراده، وقامت مع الداعي (الذؤيب) بأخذ البيعة لـ(الطيب بن الآمر) الإمام الجديد للدعوة، ووجهت مراكز الدعوة عند قراءة مجالس الحكمة- أذكار خاصة بالفاطميين- بالصلاة عليه، وكانت مؤمنة فعلاً بوجوده، والدليل على ذلك وصيتها بأن تسلم كل مجوهراتها وذهبها إلى الإمام (الطيب). كانت بيضاء، مشربة بحمرة، مديدة القامة، معتدلة، مع ميل إلى السمنة، جميلة الصورة، جهورية الصوت . تميّز حكمها بميزات عدة؛ منها: 1- الإصلاح والتعمير للحصون، والمدارس، وسواقي المياه، وكثرة الأوقاف لأعمال الخير. 2- نفوذها القوي في الدولة، وسيطرتها على مراكز القرار بذكاء وكرم، وحسن استغلال المال لتحريك القبائل في توجهها السياسي والعسكري، وشئون الدعوة، عدا في الفترة الأخيرة، فترة شيخوختها. 3- حسن اختيارها للوزراء، وذوي الكفاءات. 4- كانت أول ملكة تهتم بالثروة الحيوانية؛ إذ أوقفت عددًا من الأراضي الزراعية لتربيتها. 5- قامت بتعبيد عدد من الطرقات ورصفها بالحجارة، ولا تزال شاهدة على ذلك حتى اليوم. 6- بنت العديد من خزانات المياه، وأوصلت الماء منها عبر سواقٍ مدفونة إلى عدد من القرى. 7- بناء جامع مدينة (جبلة) المعروف باسمها. 8- توسيع الجامع الكبير في مدينة صنعاء. 9- توسيع جامع مدينة (الجنَد). 10- كانت لا تقمع أي طائفة تعتقد غير مذهب (الإسماعيلية)، ولا تستخدم القوة لحرب الفكر والمعتقد السني. توفيت سنة 532 هـ / 1138 م .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ماج للدراسات
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 9
ظاهرة التشيع بين غياب الإحصاء وتجاهل الأسباب والحلول
د. محمد احمد جميعان
لم تشهد الساحة الإعلامية العربية والإسلامية جدلا وزخما في التحليل والمعلومات المتضاربة كما شهدته هذه الأيام حول الشيعة والتشيع ودور إيران وحزب الله في هذا النشاط ، وحجم الزخم والتحليلات مثيرة للانتباه بحد ذاتها وتدفع كل ذو لب ان يتفكر ويتدبر ويناقش نفسه والآخرين حول ذلك بل وتجعل كل مثقف وباحث يمعن النظر ليصل الى الحقيقة ..
ولعل تصريحات الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي والداعية السعودي سلمان العودة في هذا المجال كان لها ابلغ الأثر في زيادة حدة الحديث والجدل والنقاش وكانت منطلقات الشيخ العلامة القرضاوي كما يبدو نابعة من حرصه على العقيدة ودخول البدع فيها وهو الباحث والعالم المعتدل الذي لم يحسب على مؤسسة او دولة كما اعلم سوى منبره الأسبوعي الدائم للحديث في قناة الجزيرة وعمله في جامعة قطر والمؤسسات الدعوية والعلمية التي ينشط من خلالها وهي أكاديمية واضحة ، ولكن ردة الفعل على أقوال الشيخ من قبل بعض علماء الشيعة والوكالة الإيرانية للأنباء كانت حادة ومتشنجة لم تراعي مكانة الشيخ وتاثيره في المنطقة مما خلق غضبا واستياء مقابلا احسب ان الحكمة واجبة في نقاش هادئ مثمر نابع من الحرص على وحدة الأمة وتجنب الفتن التي تخدم الأعداء وتفتت وحدة المسلمين مهما اختلفت الآراء والاجتهادات والمشارب لنحفظ جهد وجهاد المقاومة من التبدد..
لقد حاولت ان اطلع على كثير مما كتب حول هذه الظاهرة وانتشارها في بلدان كثيرة في المغرب والجزائر وتونس ومصر وسوريا ولم أجد إحصاء او معلومات دقيقة حول حجم الظاهرة او عدد من تشيع بل هناك معلومات متضاربة تثير الريبة ولا توصل للحقيقة وهذا ما أوضحه الدكتور محمد سليم العوا لأحد الفضائيات حين ذكر انه يقيم الآن في مصر وعلى إطلاع بما يجري ولم يلاحظ انتشارا لهذه الظاهرة بل ان الأمر يقتصر على بعض الانتهازيين الذين تحولوا ظاهريا الى التشيع طمعا في المال والمساعدات المادية .. لذلك فان غياب الإحصاء والمعلومات الدقيقة هي الحقيقة الأولى التي يجب التأكيد عليها في هذا المجال..
التشيع العقائدي
وهنا أجد نفسي مقتنعا بما أورده أستاذنا العوا لأنه الأقرب للواقع والعقل والعلم والمنطق ففي حين يسهل على المرء اعتناق الإسلام على المذهب الشيعي عندما يكون في حالة أللا دين ( عدم وجود دين ) كما حصل للفرس الإيرانيين عندما اعتنقوا التشيع او أحيانا في حالة الأديان والمعتقدات الاخرى عندما يعتنق بعضهم التشيع كما حصل في العراق ولبنان وبعض مناطق الهند والباكستان وأفغانستان إلا ان التحول الى المذهب الشيعي من أهل السنة والجماعة ليس بالأمر الهين على العقل والنفس والوجدان وان حالات التشيع التي تمت لدى البعض من أهل السنة كانت في غياب الفهم الكامل للعقيدة ومجريات التاريخ الإسلامي او انتهازية وطمعا في كسب مادي او معنوي، وتعود الصعوبة في التحول من السنة والجماعة الى التشيع الى أسباب جذرية ومفصلية مهمة في المذهبين اذكر باختصار الرئيسة منها :
أولا : ان المذهب الشيعي يعتبر الاعتقاد بإمامة علي بن أبي طالب ركن من الإيمان حيث أكد الخميني على ذلك معتبرا الإمامة جزء من الإيمان وأركانه وهنا الخلاف العقائدي لان أركان الأيمان لدى السنة والجماعة المثبتة بالصريح والبصائر من النصوص في الكتاب والسنة هي الأيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والقضاء والقدر خير وشره وليس من بينها على الإطلاق الإيمان بإمامة علي رضي الله عنه ، حيث جاء الخلاف على إمامة علي واعتماد أبي بكر خليفة للمسلمين بعد وفاة الرسول وانقطاع سنته واكتمال القران ولم يرد ذكر لإمامة علي ابن أبي طالب وارتباطه بالإيمان بل ان الحديث ( حديث الغدير )الذي يورده الإخوة الشيعة ومضمونه كما جاء في مسند احمد بن حنبل ج4 ص281 ان رسول صلى الله عليه وسلم قال ( من كنت مولاه فعلي مولاه.. ) لا يشير الى الإمامة وارتباطها بالإيمان وأركانه لا من قريب ولا من بعيد والحديث هنا عن كلمة ( مولى ) التي لها معاني كثيرة في اللغة حيث تشير معاجم اللغة الى هذه المعاني منها ( نصير ، صديق ، سيد ، صاحب، مالك ) ولا يمكن حصرها بالإمامة وعند تعدد المعاني لا يمكن الأخذ بأحادية المعنى سيما ان مناسبة الحديث تخبر عن السبب والعبرة حيث وقع خلاف بين علي وصحابة الرسول في مكة أثناء الحج الأكبر ( حجة الوداع ) فاخذوا منه موقفا وحملوا عليه وفي طريق العودة استراح الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه عند الغدير ( حيث كان يسير ليلا ويستريح نهارا) حيث وقف الرسول صلى الله عليه وسلم وتحدث بهذا الحديث ليؤلف القلوب بينهم ويزيل الموقف وما علق في النفوس من تحامل على علي رضي الله عنهم وكان الحديث محصورا بما جرى ولم يكن له دلالات ترتبط بالإمامة او الإيمان ولو كان الحديث مقصود به وصية او ما شابه لقال ذلك الرسول (ص) صراحة في حجة الودائع التي كان عائدا منها حيث أورد ما يريد ويوصي في الخطاب، وعلى أية حال فان ارتباط الإيمان بالإمامة عند الشيعة من المعيقات الكبرى للتشيع عند أهل السنة وهو أمر جلل لايمكن قبوله والاقتناع به لدى السنة .
ثانيا : العصمة للائمة الاثنى عشر من ذرية علي ابن أبي طالب التي انقطعت باعتبار (المهدي المنتظر) هو الإمام الغائب الذي انقطعت به ذرية علي ابن أبي طالب وهم بانتظاره في آخر الزمان ، وقد ترتب على ذلك اعتبارات عقائدية و فقهية غير موجودة في مذهب أهل السنة والجماعة بل ان العصمة لا تجوز إلا لملاك منزل او نبي مرسل وغير ذلك هم بشر يخطئوا ويصيبوا ولا عصمة لهم.
ثالثا : عقيدة اللعن على بعض الصحابة التي يعتقد بها أهل الشيعة ويمارسها البعض منهم سيما لعن الخلفاء الراشدين الذين قادوا الأمة في عصر الازدهار وهم أهل البيعة والرضوان الذين رضي الله عنهم في قرآنه كيف يلعنون ويدعى عليهم الى جهنم ؟؟!! وكيف يلعن ابا بكر رضي الله عنه وهو الذي أمر الرسول صلى اله عليه وسلم ان يصلي بالناس أثناء مرضه الذي توفي به ( مروا أبي بكر ليصلي بالناس ) والذي أيضا ذكره القرآن مع رسول الله ثاني اثنين في معية الله عز وجل ؟!
رابعا : ان عقيدة اللعن هذه قد ولدت لدى الإخوة الشيعة روح المظلومية والنقمة والتنكر للتاريخ الإسلامي الزاهر بالفتوحات في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من التابعين من الأمويين والعباسيين تلك الفتوحات التي أوصلت الإسلام الى أهل الأرض ونشرته ، فكيف يمكن تجاوز هذا التاريخ عند من يلعن البعض ويدعوا على من قادوا الأمة ونشروا الإسلام !؟وهل يمكن ان يكون هذا مقبولا وسهلا لأهل التاريخ وأبناء القادة وأحفادهم ان يتحولوا الى مذهب يخالف ذلك كله ؟!.
لذلك فاني لا أجد للتحول المذهبي ( واقصد هنا التشيع العقائدي) من أهل السنة والجماعة حصرا أمرا ممكنا إلا في إطار جهلا بالعقيدة والتاريخ او حاجة وعوزا او انتهازية مادية او معنوية ، ولا أرى خطرا من ذلك لان النشاط الدعوي للمذهب الشيعي هو قديم منذ العهد الصفوي وما قبل ذلك ولم يستطع تحقيق أي تحولا يذكر في التاريخ من السنة الى الشيعة.
وهنا يحق لكل قارئ لهذه الدراسة المختصرة والحالة هذه ان يتساءل ما الذي يجري إذن هل هناك دخان بلا نار ؟
التشيع السياسي :
نعم لا دخان بلا نار رغم غياب الإحصاء ولكن المهم هنا ماهي النار التي نتحدث عنها، بكل تأكيد كما أوردت سابقا ليس التشيع بالمعنى العقائدي الذي يشكل خطرا على عقيدة أهل السنة والجماعة بل هو التشيع الذي أصبح يسمى في الإعلام والدراسات الحديثة ب( التشيع السياسي ) الذي يشكل خطرا حقيقيا وداهما على الأنظمة السياسية في المنطقة وهو المدخل الجديد بل هو التكتيك الحقيقي لاستراتيجية الشعار الذي اطلقه مؤسس الثورة الإيرانية ومرجع ولاية الفقيه السيد الخميني عندما حطت طائرته مطار طهران حيث بشر بتصدير الثورة وحيث هبت علية بعض النظم السياسية في المنطقة وكانت الحرب الطويلة في العصر الحديث بين إيران والعراق وحيث نتائجها وما آلت اليه ،ولم يدرك في حينها الكثيرون ان تصدير الثورة ليس بالقوة او التدخل المباشر او التحريض كما كان يتصور سياسيوا الأنظمة واصحاب التحليل والتنظير فيها في ذلك الحين بل هو أعمق من ذلك عمق الثورة الإيرانية الى نخرت في النظام الإمبراطوري وتسللت الى وجدان الإيرانيين عبر مواقف وخطابات وأشرطة وتعبئة، صحى عليها النظام الدكتاتوري ذات يوم واذ به منهارا مع زحف الشعب الإيراني وهبوط طائرة الخميني بعد غادره الإمبراطور باحثا عن لجوء وقبر يستريح فيه .
ان التشيع السياسي هو الذي يمكن الحديث فيه حيث يعجز الإحصاء عن عده او الإلمام به او تقدير حجمه لأنه معنوي في قيمته وإعجاب في مدخله وتأييد في مضمونه وخطير على الأنظمة السياسية في نتائجة ولا يصل حد الاعتناق العقائدي الذي يشكل خطرا على العقيدة ، وهذا التشيع لا يمكن حصره والمحاسبة عليه لأنه استجابة لأمل قد يتحقق وحلم قد يتأكد وقوة ومكاسب تثير الإعجاب وكانت محط انتظار من قبل الشعوب.
أسباب التشيع السياسي :
ان كل مراقب ومتابع يلحظ تجاهل الإعلام رغم زخمه في هذا المجال تفصيل الأسباب التي تقف خلف ظاهرة التشيع السياسي وكأن هناك من يريد ان يضع رأسه بالرمال كالنعامة حتى لا يرى حقائق ما يجري لعدم رغبته في إيجاد حل لها لا يلائم خط سيره، في حين يتم الاسترسال في أسباب التشيع العقائدي التي تمثل نشاط المؤسسات والجمعيات الشيعية والأموال التي يدفعونها والسفارات التي تنشط فيها مستغلين حاجة الناس وفقرهم وانتهازية البعض منهم وهكذا ، أما أسباب التشيع السياسي فهي مختلفة تماما تتمثل فيما يلي :
أولا : سلسلة المكاسب التي حققها حزب الله في لبنان عام 2000 عندما استطاع ان يدحر الاحتلال ويحرر الأرض في سابقة لم تحصل في تاريخ المقاومة مع إسرائيل مما أثار إعجاب الكثيرين في الأمة وحصل على ثناء وتقدير غير مسبوق ، وتبع ذلك إصرار حزب الله على تحرير بقية الأرض والأسرى في عمليات نوعية وجريئة شكلت مرتكزا أساسيا في النفس العربية والإسلامية عندما توجت في قدرة فائقة على صد الجيش الإسرائيلي في تموز عام 2006الذي كان في عرف البعض جيش لا يقهر ولا يقف في وجهه احد واذ به عاجز عن التقدم وحسم الحرب وتحقيق أية مكاسب بما فيها إعادة الجنديين المخطوفين حيث ارتفعت صور أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في العواصم العربية والإسلامية وحيث اصبحت المقاومة اللبنانية في الوجدان سيما بعد ان أصر الحزب على إطلاق كل الأسرى اللبنانيين وحتى المحكوم بالمؤبد سمير القنطار مما عزز المصداقية وزرع الأمل ومع كل خطوة تتعزز في النفوس حالة الإعجاب والتقدير والتأييد، وهي حالة لا تحتاج الى وصف فهي مدركة للجميع ..
ثانيا : سلسة التصريحات التعبوية التي أطلقها وما زال الرئيس الإيراني احمدي تجادا وأمين عام حزب الله والتي تتمحور بقوالب وأشكال متعددة حول زوال اسرائيل وهي وان جاءت غير متزامنة او مترابطة إلا أنها مدروسة ومختارة بعناية لتشكل حربا نفسية مؤثرة على الكيان الإسرائيلي وهي في نفس الوقت تشكل حالة تعبوية للشارع العربي والإسلامي وحشدا غير مباشر يثير الإعجاب ويؤلف القلوب ويبشر بالأمل لحلم طالما حاول البعض زرع اليأس مكانه وهنا لابد من الإشارة الى دور فضائية المنار وفضائية العالم في الحالة التعبوية هذه كما ولا بد من تسجيل ملاحظة ان هذه التصريحات مجرد ان تنطلق تصبح مدار حديث من قبل الجميع لاسيما ان ذلك يترافق مع تعاظم القوة الإيرانية ومع منجزات ومكاسب على ارض الواقع من قبل حزب الله ، وقد سبق وتناولت هذه التصريحات بالتحليل في بحث نشر قبل نحو شهرين بعنوان (تصريحات الرئيس الإيراني بين الاستراتيجية والتنفيذ) ..
ثالثا :بناء القوة العسكرية الاستخبارية المؤثرة في كل من إيران وحزب الله والذي أعلن عن بعضها بما فيها القدرات الصاروخية والبحرية والنووية ، وما تبع ذلك من منهجية دبلوماسية في معالجة الملف والموقف لتحقيق الهدف الذي تسعى اليه الاستراتيجية الإيرانية والحليفة في زوال اسرائيل بحيث اصبحت قناعة لدي الكثيرين ممن التقيتهم بان إيران وحزب الله لديهم القدرة على زوال إسرائيل والمسالة وقت وقرار وبضع سنين مما يخلق في النفس أملا لحلم يتمنى تحقيقه كل عربي ومسلم..
رابعا : سيطرة حزب الله على الساحة اللبنانية بشكل سريع ومذهل وطريقة تعاطيه مع الموقف والقوى والأحزاب اللبنانية منذ البداية ولغاية ألان حيث أصبح الحديث عن سقوط المشروع الأمريكي في لبنان والمنطقة بعد هذه السيطرة ولم يعد الحديث كما في السابق عن الندية في التعامل مع حزب الله حيث يمكن ملاحظة انه يسعى ويسير باتجاه هدفه بكل صراحة ووضوح في مواجهة إسرائيل وتحقيق مكاسب اكثر وانه على استعداد للتحاور والتنازل مقابل هدف واحد هو ترك الساحة له في برنامجه المقاوم لتحقيق مزيد من المكاسب والنصر على اسرائيل حيث حاور السلفية وموقفها المعروف من الشيعة ويحاور من قاتلهم من جنبلاط الى الحريري وهم يركضون نحوه ويطلبون وده ويتم ذلك على مسمع الجميع وأمام أعينهم وهذا عزز موقف النصرة والتأييد للمقاومة والحزب وبالتالي الإعجاب والتقدير الذي نتحدث عنه دون يعلم هؤلاء بما يفعلون ..
خامسا : دعم إيران لحركة حماس بشكل مادي ومالي سخي وسياسي ومعنوي صريح وواضح في ظل مقاطعة وحصار تفرضه الأنظمة السياسية في المنطقة عليها ومعلوم ان حركة حماس كحركة مقاومة تحظى بتأييد شعبي عارم عربيا وإسلاميا وفلسطينيا ومن يدعمها ويقف معها بلا شك سوف يحظى بشعبية أنصارها ومؤيديها لذلك فان مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي وقف في يوم القدس ليقول انه لن يترك الفلسطينيين لوحدهم في الميدان وانه يقدم الدعم الكامل لحركة حماس في غزة ..
سادسا : شيوع الإحباط السياسي الذي تولد لدى الشعوب في المنطقة من الظلم والقهر والقمع وانعدام الديمقراطية وأشباه الديمقراطية المنتشرة والممارسات الإسرائيلية وانهيار عملية السلام التي أصبحت محل تندر ولا أقول فشلها لان الفشل مرة واحدة او مرتين أما هذا التتابع في الفشل وعدم تحقيق السلام فلا يمكن وصفه إلا بالانهيار .
سابعا : الوضع الاقتصادي المتناقض بين الثراء الفاحش للقلة وتفشي البطالة والفقر والعوز الذي تعيشه شرائح كبيرة من الشعب العربي والإسلامي يرافق ذلك توسع الفساد وتمكنه وانتشار الحيتان والعجز في مواجهتهم بل ان هناك من يشير الى ان الفساد أصبح مؤسسيا يهلك من يحاربه ويعلو من يصادقه ؟؟!
نتائج التشيع السياسي :
ان نتائج التشيع السياسي مستقبلا خطرة على النظام الرسمي العربي حصرا رغم تفاوت هذا الخطر من نظام الى آخر حسب طبيعة النظام وعلاقته بشعبه وقربه من الساحة الفلسطينية والإيرانية على وجه الخصوص وتتمثل هذه الخطورة في مجمل معطيات تشخص هذا النوع من التشيع وترتبط به يمكن وصفها بما يلي :
1ـ انه ( التشيع السياسي ) حالة تعبوية معنوية غير منظمة او ممنهجة او مؤطرة لا يحكمها قانون ولا يمكن المحاسبة عليها كما قلت سابقا فهي في الضمائر والنفوس ولا يمكن وصفها ( ماديا ) فهي بلا طقوس او عقائد او ممارسات ، حالة شعبية مضمونها في الوجدان إعجاب وتأييد ونصرة .
2ـ ولكن التشيع السياسي في واقع الحال الأمني والاستراتيجي هو اختراق للأمن القومي العربي الرسمي وتفتيت عملي لما تبقى من جدار امني وسياسي داخلي للنظام الرسمي العربي وهو يشكل تهديد مباشر لهذه الأنظمة .
3ـ ولان التشيع في أصله حالة مظلومية وثورية تؤمن بالعقل الجمعي في تحقيق الهدف والإطاحة بالظالم بشكل شامل ومفاجئ على غرار ما حدث في إيران فان تمكنها في المجتمع في ظروف اكبر من الوضع الراهن سوف تؤدي الى خطر كبير على الأنظمة الساسية في المنطقة وربما الى انهيارها .
4ـ ولان تعاظم القوة الإيرانية وقوة حزب اللة تزداد باستمرار كما نرى ونشاهد من تطور هذه القدرات المعلنة ، وحيث احتمالية تحقيق مزيد من المكاسب والانتصارات مستقبلا على إسرائيل الذي قد يصل الى تحقيق الحلم بإزالة اسرائيل وتحرير فلسطين وهو ما يزيد من حالة الإعجاب والتأييد الذي يصب في فضاء التشيع السياسي فان ذلك سوف يكون بمثابة الشعرة التي تقصم ظهر البعير ، فهي تظهر للشعوب عيوب الأنظمة في عجزها على مدى سنين من الكلام الذي أشبعوه كلاما وبين الفعل الذي حقق الحلم والمعجزة عندها تتحقق استراتيجية الخميني في تصدير الثورة وتحقيق نتائجها، عندها لن ينفع الصراخ إذا وقعت الفأس في الرأس .
محاولة للاستدراك والاستشراف والحل :
قد لا يعجب البعض او الكثيرين أحيانا الحديث عن إنقاذ النظم السياسية في المنطقة لأسباب كثيرة لا موضوعا لذكرها ، رغم ان الإعلام أيضا تجاهل هذه الحلول بالرغم من كونها في خدمة النظم الرسمية نفسها ، ولكنني هنا أحاول الحل باستدراك ما فات من عجز عربي اضعف الأمة وفتت الأمن القومي العربي الى استشراف موقف عربي يحفظ صفه من الاختراق ويحقق الحلم في التحرير ليقف في وجه المد ألتشيعي ويحول دون انتشار وتفشي التشيع السياسي ، ولكن ان لم ترد الأنظمة ذلك فذنبها على جنبها كما يقولون .
ان خلاصة ما قد سبق تفيد ان التشيع المنتشر والمستقبلي هو تشيع سياسي لا عقائدي وانه نابع من الإعجاب والتأييد للقوة المتعاظمة لإيران وحزب الله ومن المكاسب والانتصارات التي حققها حزب الله على إسرائيل ومن عمليات التعبئة الممنهجة والمستمرة لتحرير فلسطين وإزالة إسرائيل ومن دعم سخي للمقاومة في غزة من خلال حركة حماس ، كل ذلك على خلفية ما آلت إليه عملية السلام من فشل ذريع وصل حد الانهيار دون الإعلان ذلك علنا ومن تفشي للفقر والبطالة والفساد والثراء الفاحش ، لذلك فان العاقل المتتبع للإحداث يدرك ان الحل في استدراك الأمر وعدم الوصول الى الخطر الداهم للتشيع على الأنظمة الساسية مستقبلا سيما بعد ان يتم تحقيق مزيد من الانتصارات على إسرائيل وذلك من خلال خطوات عملية تتمثل في:
أولا :تجميد عملية السلام تمهيدا لإلغائها وحسب ما يتاح من ظروف دولية مستجدة وتعنت إسرائيلي دائم ومنهجي يمكن التذرع به لإلغاء هذه العملية المنهارة عمليا ، وهذا من شانه ان يقرب الشعوب الى أنظمتها ويزيل بعض الإحباط من نفوسها .
ثانيا : سحب البساط من تحت الإيرانيين وذلك من خلال موقف رسمي مؤسسي وجامع لرفع الحصار عن قطاع غزة ودعم حركة حماس كحركة مقاومة وتبني منهجية مؤسسية في بناء القدرات العسكرية المؤثرة للمواجهة مع إسرائيل ان حصلت او فرضت عليها واعتبار المقاومة سبيلا للتحرير .
ثالثا : معالجة جادة وحثيثة لمشكلات الفقر والبطالة والحريات العامة والفساد وتوزيع الدخل وتركز الثروة والثراء الفاحش على حساب توسع الفجوة وتعمقها بين الأغنياء والفقراء واقصد هنا أفرادا ودولا لان أزمة النفط الأخيرة وعوائدها لبعض الدول من جانب وعبئها من جانب آخر على دول أخرى قد زاد الوضع سوءا وتجذرا في هذا الاتجاه والتي أصبحت العنوان الدائم في الصحافة العربية والإسلامية وبين الشباب .
00962 795849459 خلوي/
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ماج للدراسات
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 7
ظاهرة التشيع بين غياب الإحصاء وتجاهل الأسباب والحلول
د. محمد احمد جميعان
لم تشهد الساحة الإعلامية العربية والإسلامية جدلا وزخما في التحليل والمعلومات المتضاربة كما شهدته هذه الأيام حول الشيعة والتشيع ودور إيران وحزب الله في هذا النشاط ، وحجم الزخم والتحليلات مثيرة للانتباه بحد ذاتها وتدفع كل ذو لب ان يتفكر ويتدبر ويناقش نفسه والآخرين حول ذلك بل وتجعل كل مثقف وباحث يمعن النظر ليصل الى الحقيقة ..
ولعل تصريحات الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي والداعية السعودي سلمان العودة في هذا المجال كان لها ابلغ الأثر في زيادة حدة الحديث والجدل والنقاش وكانت منطلقات الشيخ العلامة القرضاوي كما يبدو نابعة من حرصه على العقيدة ودخول البدع فيها وهو الباحث والعالم المعتدل الذي لم يحسب على مؤسسة او دولة كما اعلم سوى منبره الأسبوعي الدائم للحديث في قناة الجزيرة وعمله في جامعة قطر والمؤسسات الدعوية والعلمية التي ينشط من خلالها وهي أكاديمية واضحة ، ولكن ردة الفعل على أقوال الشيخ من قبل بعض علماء الشيعة والوكالة الإيرانية للأنباء كانت حادة ومتشنجة لم تراعي مكانة الشيخ وتاثيره في المنطقة مما خلق غضبا واستياء مقابلا احسب ان الحكمة واجبة في نقاش هادئ مثمر نابع من الحرص على وحدة الأمة وتجنب الفتن التي تخدم الأعداء وتفتت وحدة المسلمين مهما اختلفت الآراء والاجتهادات والمشارب لنحفظ جهد وجهاد المقاومة من التبدد..
لقد حاولت ان اطلع على كثير مما كتب حول هذه الظاهرة وانتشارها في بلدان كثيرة في المغرب والجزائر وتونس ومصر وسوريا ولم أجد إحصاء او معلومات دقيقة حول حجم الظاهرة او عدد من تشيع بل هناك معلومات متضاربة تثير الريبة ولا توصل للحقيقة وهذا ما أوضحه الدكتور محمد سليم العوا لأحد الفضائيات حين ذكر انه يقيم الآن في مصر وعلى إطلاع بما يجري ولم يلاحظ انتشارا لهذه الظاهرة بل ان الأمر يقتصر على بعض الانتهازيين الذين تحولوا ظاهريا الى التشيع طمعا في المال والمساعدات المادية .. لذلك فان غياب الإحصاء والمعلومات الدقيقة هي الحقيقة الأولى التي يجب التأكيد عليها في هذا المجال..
التشيع العقائدي
وهنا أجد نفسي مقتنعا بما أورده أستاذنا العوا لأنه الأقرب للواقع والعقل والعلم والمنطق ففي حين يسهل على المرء اعتناق الإسلام على المذهب الشيعي عندما يكون في حالة أللا دين ( عدم وجود دين ) كما حصل للفرس الإيرانيين عندما اعتنقوا التشيع او أحيانا في حالة الأديان والمعتقدات الاخرى عندما يعتنق بعضهم التشيع كما حصل في العراق ولبنان وبعض مناطق الهند والباكستان وأفغانستان إلا ان التحول الى المذهب الشيعي من أهل السنة والجماعة ليس بالأمر الهين على العقل والنفس والوجدان وان حالات التشيع التي تمت لدى البعض من أهل السنة كانت في غياب الفهم الكامل للعقيدة ومجريات التاريخ الإسلامي او انتهازية وطمعا في كسب مادي او معنوي، وتعود الصعوبة في التحول من السنة والجماعة الى التشيع الى أسباب جذرية ومفصلية مهمة في المذهبين اذكر باختصار الرئيسة منها :
أولا : ان المذهب الشيعي يعتبر الاعتقاد بإمامة علي بن أبي طالب ركن من الإيمان حيث أكد الخميني على ذلك معتبرا الإمامة جزء من الإيمان وأركانه وهنا الخلاف العقائدي لان أركان الأيمان لدى السنة والجماعة المثبتة بالصريح والبصائر من النصوص في الكتاب والسنة هي الأيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والقضاء والقدر خير وشره وليس من بينها على الإطلاق الإيمان بإمامة علي رضي الله عنه ، حيث جاء الخلاف على إمامة علي واعتماد أبي بكر خليفة للمسلمين بعد وفاة الرسول وانقطاع سنته واكتمال القران ولم يرد ذكر لإمامة علي ابن أبي طالب وارتباطه بالإيمان بل ان الحديث ( حديث الغدير )الذي يورده الإخوة الشيعة ومضمونه كما جاء في مسند احمد بن حنبل ج4 ص281 ان رسول صلى الله عليه وسلم قال ( من كنت مولاه فعلي مولاه.. ) لا يشير الى الإمامة وارتباطها بالإيمان وأركانه لا من قريب ولا من بعيد والحديث هنا عن كلمة ( مولى ) التي لها معاني كثيرة في اللغة حيث تشير معاجم اللغة الى هذه المعاني منها ( نصير ، صديق ، سيد ، صاحب، مالك ) ولا يمكن حصرها بالإمامة وعند تعدد المعاني لا يمكن الأخذ بأحادية المعنى سيما ان مناسبة الحديث تخبر عن السبب والعبرة حيث وقع خلاف بين علي وصحابة الرسول في مكة أثناء الحج الأكبر ( حجة الوداع ) فاخذوا منه موقفا وحملوا عليه وفي طريق العودة استراح الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه عند الغدير ( حيث كان يسير ليلا ويستريح نهارا) حيث وقف الرسول صلى الله عليه وسلم وتحدث بهذا الحديث ليؤلف القلوب بينهم ويزيل الموقف وما علق في النفوس من تحامل على علي رضي الله عنهم وكان الحديث محصورا بما جرى ولم يكن له دلالات ترتبط بالإمامة او الإيمان ولو كان الحديث مقصود به وصية او ما شابه لقال ذلك الرسول (ص) صراحة في حجة الودائع التي كان عائدا منها حيث أورد ما يريد ويوصي في الخطاب، وعلى أية حال فان ارتباط الإيمان بالإمامة عند الشيعة من المعيقات الكبرى للتشيع عند أهل السنة وهو أمر جلل لايمكن قبوله والاقتناع به لدى السنة .
ثانيا : العصمة للائمة الاثنى عشر من ذرية علي ابن أبي طالب التي انقطعت باعتبار (المهدي المنتظر) هو الإمام الغائب الذي انقطعت به ذرية علي ابن أبي طالب وهم بانتظاره في آخر الزمان ، وقد ترتب على ذلك اعتبارات عقائدية و فقهية غير موجودة في مذهب أهل السنة والجماعة بل ان العصمة لا تجوز إلا لملاك منزل او نبي مرسل وغير ذلك هم بشر يخطئوا ويصيبوا ولا عصمة لهم.
ثالثا : عقيدة اللعن على بعض الصحابة التي يعتقد بها أهل الشيعة ويمارسها البعض منهم سيما لعن الخلفاء الراشدين الذين قادوا الأمة في عصر الازدهار وهم أهل البيعة والرضوان الذين رضي الله عنهم في قرآنه كيف يلعنون ويدعى عليهم الى جهنم ؟؟!! وكيف يلعن ابا بكر رضي الله عنه وهو الذي أمر الرسول صلى اله عليه وسلم ان يصلي بالناس أثناء مرضه الذي توفي به ( مروا أبي بكر ليصلي بالناس ) والذي أيضا ذكره القرآن مع رسول الله ثاني اثنين في معية الله عز وجل ؟!
رابعا : ان عقيدة اللعن هذه قد ولدت لدى الإخوة الشيعة روح المظلومية والنقمة والتنكر للتاريخ الإسلامي الزاهر بالفتوحات في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من التابعين من الأمويين والعباسيين تلك الفتوحات التي أوصلت الإسلام الى أهل الأرض ونشرته ، فكيف يمكن تجاوز هذا التاريخ عند من يلعن البعض ويدعوا على من قادوا الأمة ونشروا الإسلام !؟وهل يمكن ان يكون هذا مقبولا وسهلا لأهل التاريخ وأبناء القادة وأحفادهم ان يتحولوا الى مذهب يخالف ذلك كله ؟!.
لذلك فاني لا أجد للتحول المذهبي ( واقصد هنا التشيع العقائدي) من أهل السنة والجماعة حصرا أمرا ممكنا إلا في إطار جهلا بالعقيدة والتاريخ او حاجة وعوزا او انتهازية مادية او معنوية ، ولا أرى خطرا من ذلك لان النشاط الدعوي للمذهب الشيعي هو قديم منذ العهد الصفوي وما قبل ذلك ولم يستطع تحقيق أي تحولا يذكر في التاريخ من السنة الى الشيعة.
وهنا يحق لكل قارئ لهذه الدراسة المختصرة والحالة هذه ان يتساءل ما الذي يجري إذن هل هناك دخان بلا نار ؟
التشيع السياسي :
نعم لا دخان بلا نار رغم غياب الإحصاء ولكن المهم هنا ماهي النار التي نتحدث عنها، بكل تأكيد كما أوردت سابقا ليس التشيع بالمعنى العقائدي الذي يشكل خطرا على عقيدة أهل السنة والجماعة بل هو التشيع الذي أصبح يسمى في الإعلام والدراسات الحديثة ب( التشيع السياسي ) الذي يشكل خطرا حقيقيا وداهما على الأنظمة السياسية في المنطقة وهو المدخل الجديد بل هو التكتيك الحقيقي لاستراتيجية الشعار الذي اطلقه مؤسس الثورة الإيرانية ومرجع ولاية الفقيه السيد الخميني عندما حطت طائرته مطار طهران حيث بشر بتصدير الثورة وحيث هبت علية بعض النظم السياسية في المنطقة وكانت الحرب الطويلة في العصر الحديث بين إيران والعراق وحيث نتائجها وما آلت اليه ،ولم يدرك في حينها الكثيرون ان تصدير الثورة ليس بالقوة او التدخل المباشر او التحريض كما كان يتصور سياسيوا الأنظمة واصحاب التحليل والتنظير فيها في ذلك الحين بل هو أعمق من ذلك عمق الثورة الإيرانية الى نخرت في النظام الإمبراطوري وتسللت الى وجدان الإيرانيين عبر مواقف وخطابات وأشرطة وتعبئة، صحى عليها النظام الدكتاتوري ذات يوم واذ به منهارا مع زحف الشعب الإيراني وهبوط طائرة الخميني بعد غادره الإمبراطور باحثا عن لجوء وقبر يستريح فيه .
ان التشيع السياسي هو الذي يمكن الحديث فيه حيث يعجز الإحصاء عن عده او الإلمام به او تقدير حجمه لأنه معنوي في قيمته وإعجاب في مدخله وتأييد في مضمونه وخطير على الأنظمة السياسية في نتائجة ولا يصل حد الاعتناق العقائدي الذي يشكل خطرا على العقيدة ، وهذا التشيع لا يمكن حصره والمحاسبة عليه لأنه استجابة لأمل قد يتحقق وحلم قد يتأكد وقوة ومكاسب تثير الإعجاب وكانت محط انتظار من قبل الشعوب.
أسباب التشيع السياسي :
ان كل مراقب ومتابع يلحظ تجاهل الإعلام رغم زخمه في هذا المجال تفصيل الأسباب التي تقف خلف ظاهرة التشيع السياسي وكأن هناك من يريد ان يضع رأسه بالرمال كالنعامة حتى لا يرى حقائق ما يجري لعدم رغبته في إيجاد حل لها لا يلائم خط سيره، في حين يتم الاسترسال في أسباب التشيع العقائدي التي تمثل نشاط المؤسسات والجمعيات الشيعية والأموال التي يدفعونها والسفارات التي تنشط فيها مستغلين حاجة الناس وفقرهم وانتهازية البعض منهم وهكذا ، أما أسباب التشيع السياسي فهي مختلفة تماما تتمثل فيما يلي :
أولا : سلسلة المكاسب التي حققها حزب الله في لبنان عام 2000 عندما استطاع ان يدحر الاحتلال ويحرر الأرض في سابقة لم تحصل في تاريخ المقاومة مع إسرائيل مما أثار إعجاب الكثيرين في الأمة وحصل على ثناء وتقدير غير مسبوق ، وتبع ذلك إصرار حزب الله على تحرير بقية الأرض والأسرى في عمليات نوعية وجريئة شكلت مرتكزا أساسيا في النفس العربية والإسلامية عندما توجت في قدرة فائقة على صد الجيش الإسرائيلي في تموز عام 2006الذي كان في عرف البعض جيش لا يقهر ولا يقف في وجهه احد واذ به عاجز عن التقدم وحسم الحرب وتحقيق أية مكاسب بما فيها إعادة الجنديين المخطوفين حيث ارتفعت صور أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في العواصم العربية والإسلامية وحيث اصبحت المقاومة اللبنانية في الوجدان سيما بعد ان أصر الحزب على إطلاق كل الأسرى اللبنانيين وحتى المحكوم بالمؤبد سمير القنطار مما عزز المصداقية وزرع الأمل ومع كل خطوة تتعزز في النفوس حالة الإعجاب والتقدير والتأييد، وهي حالة لا تحتاج الى وصف فهي مدركة للجميع ..
ثانيا : سلسة التصريحات التعبوية التي أطلقها وما زال الرئيس الإيراني احمدي تجادا وأمين عام حزب الله والتي تتمحور بقوالب وأشكال متعددة حول زوال اسرائيل وهي وان جاءت غير متزامنة او مترابطة إلا أنها مدروسة ومختارة بعناية لتشكل حربا نفسية مؤثرة على الكيان الإسرائيلي وهي في نفس الوقت تشكل حالة تعبوية للشارع العربي والإسلامي وحشدا غير مباشر يثير الإعجاب ويؤلف القلوب ويبشر بالأمل لحلم طالما حاول البعض زرع اليأس مكانه وهنا لابد من الإشارة الى دور فضائية المنار وفضائية العالم في الحالة التعبوية هذه كما ولا بد من تسجيل ملاحظة ان هذه التصريحات مجرد ان تنطلق تصبح مدار حديث من قبل الجميع لاسيما ان ذلك يترافق مع تعاظم القوة الإيرانية ومع منجزات ومكاسب على ارض الواقع من قبل حزب الله ، وقد سبق وتناولت هذه التصريحات بالتحليل في بحث نشر قبل نحو شهرين بعنوان (تصريحات الرئيس الإيراني بين الاستراتيجية والتنفيذ) ..
ثالثا :بناء القوة العسكرية الاستخبارية المؤثرة في كل من إيران وحزب الله والذي أعلن عن بعضها بما فيها القدرات الصاروخية والبحرية والنووية ، وما تبع ذلك من منهجية دبلوماسية في معالجة الملف والموقف لتحقيق الهدف الذي تسعى اليه الاستراتيجية الإيرانية والحليفة في زوال اسرائيل بحيث اصبحت قناعة لدي الكثيرين ممن التقيتهم بان إيران وحزب الله لديهم القدرة على زوال إسرائيل والمسالة وقت وقرار وبضع سنين مما يخلق في النفس أملا لحلم يتمنى تحقيقه كل عربي ومسلم..
رابعا : سيطرة حزب الله على الساحة اللبنانية بشكل سريع ومذهل وطريقة تعاطيه مع الموقف والقوى والأحزاب اللبنانية منذ البداية ولغاية ألان حيث أصبح الحديث عن سقوط المشروع الأمريكي في لبنان والمنطقة بعد هذه السيطرة ولم يعد الحديث كما في السابق عن الندية في التعامل مع حزب الله حيث يمكن ملاحظة انه يسعى ويسير باتجاه هدفه بكل صراحة ووضوح في مواجهة إسرائيل وتحقيق مكاسب اكثر وانه على استعداد للتحاور والتنازل مقابل هدف واحد هو ترك الساحة له في برنامجه المقاوم لتحقيق مزيد من المكاسب والنصر على اسرائيل حيث حاور السلفية وموقفها المعروف من الشيعة ويحاور من قاتلهم من جنبلاط الى الحريري وهم يركضون نحوه ويطلبون وده ويتم ذلك على مسمع الجميع وأمام أعينهم وهذا عزز موقف النصرة والتأييد للمقاومة والحزب وبالتالي الإعجاب والتقدير الذي نتحدث عنه دون يعلم هؤلاء بما يفعلون ..
خامسا : دعم إيران لحركة حماس بشكل مادي ومالي سخي وسياسي ومعنوي صريح وواضح في ظل مقاطعة وحصار تفرضه الأنظمة السياسية في المنطقة عليها ومعلوم ان حركة حماس كحركة مقاومة تحظى بتأييد شعبي عارم عربيا وإسلاميا وفلسطينيا ومن يدعمها ويقف معها بلا شك سوف يحظى بشعبية أنصارها ومؤيديها لذلك فان مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي وقف في يوم القدس ليقول انه لن يترك الفلسطينيين لوحدهم في الميدان وانه يقدم الدعم الكامل لحركة حماس في غزة ..
سادسا : شيوع الإحباط السياسي الذي تولد لدى الشعوب في المنطقة من الظلم والقهر والقمع وانعدام الديمقراطية وأشباه الديمقراطية المنتشرة والممارسات الإسرائيلية وانهيار عملية السلام التي أصبحت محل تندر ولا أقول فشلها لان الفشل مرة واحدة او مرتين أما هذا التتابع في الفشل وعدم تحقيق السلام فلا يمكن وصفه إلا بالانهيار .
سابعا : الوضع الاقتصادي المتناقض بين الثراء الفاحش للقلة وتفشي البطالة والفقر والعوز الذي تعيشه شرائح كبيرة من الشعب العربي والإسلامي يرافق ذلك توسع الفساد وتمكنه وانتشار الحيتان والعجز في مواجهتهم بل ان هناك من يشير الى ان الفساد أصبح مؤسسيا يهلك من يحاربه ويعلو من يصادقه ؟؟!
نتائج التشيع السياسي :
ان نتائج التشيع السياسي مستقبلا خطرة على النظام الرسمي العربي حصرا رغم تفاوت هذا الخطر من نظام الى آخر حسب طبيعة النظام وعلاقته بشعبه وقربه من الساحة الفلسطينية والإيرانية على وجه الخصوص وتتمثل هذه الخطورة في مجمل معطيات تشخص هذا النوع من التشيع وترتبط به يمكن وصفها بما يلي :
1ـ انه ( التشيع السياسي ) حالة تعبوية معنوية غير منظمة او ممنهجة او مؤطرة لا يحكمها قانون ولا يمكن المحاسبة عليها كما قلت سابقا فهي في الضمائر والنفوس ولا يمكن وصفها ( ماديا ) فهي بلا طقوس او عقائد او ممارسات ، حالة شعبية مضمونها في الوجدان إعجاب وتأييد ونصرة .
2ـ ولكن التشيع السياسي في واقع الحال الأمني والاستراتيجي هو اختراق للأمن القومي العربي الرسمي وتفتيت عملي لما تبقى من جدار امني وسياسي داخلي للنظام الرسمي العربي وهو يشكل تهديد مباشر لهذه الأنظمة .
3ـ ولان التشيع في أصله حالة مظلومية وثورية تؤمن بالعقل الجمعي في تحقيق الهدف والإطاحة بالظالم بشكل شامل ومفاجئ على غرار ما حدث في إيران فان تمكنها في المجتمع في ظروف اكبر من الوضع الراهن سوف تؤدي الى خطر كبير على الأنظمة الساسية في المنطقة وربما الى انهيارها .
4ـ ولان تعاظم القوة الإيرانية وقوة حزب اللة تزداد باستمرار كما نرى ونشاهد من تطور هذه القدرات المعلنة ، وحيث احتمالية تحقيق مزيد من المكاسب والانتصارات مستقبلا على إسرائيل الذي قد يصل الى تحقيق الحلم بإزالة اسرائيل وتحرير فلسطين وهو ما يزيد من حالة الإعجاب والتأييد الذي يصب في فضاء التشيع السياسي فان ذلك سوف يكون بمثابة الشعرة التي تقصم ظهر البعير ، فهي تظهر للشعوب عيوب الأنظمة في عجزها على مدى سنين من الكلام الذي أشبعوه كلاما وبين الفعل الذي حقق الحلم والمعجزة عندها تتحقق استراتيجية الخميني في تصدير الثورة وتحقيق نتائجها، عندها لن ينفع الصراخ إذا وقعت الفأس في الرأس .
محاولة للاستدراك والاستشراف والحل :
قد لا يعجب البعض او الكثيرين أحيانا الحديث عن إنقاذ النظم السياسية في المنطقة لأسباب كثيرة لا موضوعا لذكرها ، رغم ان الإعلام أيضا تجاهل هذه الحلول بالرغم من كونها في خدمة النظم الرسمية نفسها ، ولكنني هنا أحاول الحل باستدراك ما فات من عجز عربي اضعف الأمة وفتت الأمن القومي العربي الى استشراف موقف عربي يحفظ صفه من الاختراق ويحقق الحلم في التحرير ليقف في وجه المد ألتشيعي ويحول دون انتشار وتفشي التشيع السياسي ، ولكن ان لم ترد الأنظمة ذلك فذنبها على جنبها كما يقولون .
ان خلاصة ما قد سبق تفيد ان التشيع المنتشر والمستقبلي هو تشيع سياسي لا عقائدي وانه نابع من الإعجاب والتأييد للقوة المتعاظمة لإيران وحزب الله ومن المكاسب والانتصارات التي حققها حزب الله على إسرائيل ومن عمليات التعبئة الممنهجة والمستمرة لتحرير فلسطين وإزالة إسرائيل ومن دعم سخي للمقاومة في غزة من خلال حركة حماس ، كل ذلك على خلفية ما آلت إليه عملية السلام من فشل ذريع وصل حد الانهيار دون الإعلان ذلك علنا ومن تفشي للفقر والبطالة والفساد والثراء الفاحش ، لذلك فان العاقل المتتبع للإحداث يدرك ان الحل في استدراك الأمر وعدم الوصول الى الخطر الداهم للتشيع على الأنظمة الساسية مستقبلا سيما بعد ان يتم تحقيق مزيد من الانتصارات على إسرائيل وذلك من خلال خطوات عملية تتمثل في:
أولا :تجميد عملية السلام تمهيدا لإلغائها وحسب ما يتاح من ظروف دولية مستجدة وتعنت إسرائيلي دائم ومنهجي يمكن التذرع به لإلغاء هذه العملية المنهارة عمليا ، وهذا من شانه ان يقرب الشعوب الى أنظمتها ويزيل بعض الإحباط من نفوسها .
ثانيا : سحب البساط من تحت الإيرانيين وذلك من خلال موقف رسمي مؤسسي وجامع لرفع الحصار عن قطاع غزة ودعم حركة حماس كحركة مقاومة وتبني منهجية مؤسسية في بناء القدرات العسكرية المؤثرة للمواجهة مع إسرائيل ان حصلت او فرضت عليها واعتبار المقاومة سبيلا للتحرير .
ثالثا : معالجة جادة وحثيثة لمشكلات الفقر والبطالة والحريات العامة والفساد وتوزيع الدخل وتركز الثروة والثراء الفاحش على حساب توسع الفجوة وتعمقها بين الأغنياء والفقراء واقصد هنا أفرادا ودولا لان أزمة النفط الأخيرة وعوائدها لبعض الدول من جانب وعبئها من جانب آخر على دول أخرى قد زاد الوضع سوءا وتجذرا في هذا الاتجاه والتي أصبحت العنوان الدائم في الصحافة العربية والإسلامية وبين الشباب .
00962 795849459 خلوي/