مقالات متنوعة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: الرأي الآخر للدراسات – لندن
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 7
العين الباصرة في المطبوع من الدائرة
نضير الخزرجي*
مهما تطورت وسائل الإعلام وأدوات الاتصال، فان الكتاب يظل هو المحور في عالم التأليف والكتابة، وهو المادة الأساس الذي يعود إليه المرء، والمادة الأساس التي تغذي وسائل الإعلام، فما لا تحفظه ذاكرة الإنسان يقيده الكتاب بين دفتيه، وبالامكان وبحركة زر خاطئة محو ذاكرة الحاسوب المنقول وغير المنقول، وتدمير القرص المدمّج، أو إصبع الذاكرة المتنقل، لكن الكتاب وان كان حاله من حيث الصحة والسقم كحال الإنسان يتعرض لتقلبات المناخ البيئية والسياسية والأمنية، لكنه في الأعم الأغلب يظل محافظا على طراوة معلوماته.
وكما ان الكتابة فن ومهارة، فان ملحقات الكتابة والتأليف من قراءة الكتاب وعرضه ونقده وتلخيصه هو فن آخر يقدم للقارئ مادة متجددة من وحي المادة الأم، ويضيف إليه شيئا جديدا بخاصة إذا أوقد الناقد أو العارض أو الملخص تنور ذهنه وفكره وأحكم قلمه، لان العرض والتلخيص مهارة وفن، ومن خلال العرض يمكن الحكم على حجم استيعاب مادة الكتاب الأصل ومقدرة المستعرض والملخص في ضغط أفكار الكتاب كبر حجمه أو قل في وريقات تتيح للقارئ الوقوف على مادة الكتاب إن عزّ عليه اقتناء أصل الكتاب.
ولأن العرض والتلخيص فضلا عن القراءة النقدية فن وإبداع، فان عددا غير قليل من الجامعات العالمية تختبر قدرة المتقدم لنيل شهادة في الدراسات العليا ومهارته وإمكانياته العلمية والتحقيقية من خلال تلخيص الكتب، فتشترط بعض الجامعات على طالب الدراسات العليا ان يقوم بتلخيص نحو ثلاثين كتابا في المادة التي يريد الاجتهاد بها وتقديم أطروحته ورسالته العلمية فيها، وعلى ضوء نتائج العرض والتلخيص يتاح له إكمال دراساته العليا من عدمها، وبعض الجامعات تدعو الطالب الى إعمال عقله في نقد الكتاب الى جانب العرض والتلخيص.
وعلى منهج العرض والتلخيص لتقديم مادة جديدة متجددة للقارئ، صدر للعلامة الشيخ صالح بن محمد الكرباسي عن بيت العلم للنابهين في بيروت في 216 صفحة كتاب "العين الباصرة في المطبوع من الدائرة" يغطي عرضا وتلخيصا 27 مجلدا من مجلدات دائرة المعارف الحسينية لمؤلفها البحاثة الدكتور محمد صادق محمد الكرباسي الذي برى قلمه وأثقفه لدراسة النهضة الحسينية من كل جوانبها بحثا وتحقيقا وتنقيبا، وتنظيرا فكريا في حقول شتى لواقع المجتمعات البشرية ومستقبلها في بناء الأرض وإعمارها استلهاما من واقعة كربلاء في العام 61 هـ التي تجسدت فيها كل قيم الخير والفضيلة في مواجهة قوى الشر والرذيلة، وعلى شخصية الإمام الحسين (ع) انعقدت آصرة الموسوعة الحسينية، وحسبما جاء في مقدمة الناشر فان: "دائرة المعارف الحسينية أضخم موسوعة فكرية في قرننا الحالي، وربما في القرون السالفة والتي قاربت الستمائة مجلد في شخص واحد لكنه شخص عظيم في نسبه وشهادته ومواقفه ومبادئه التي استشهد من أجلها وأهداف نهضته التي بقيت خالدة منذ عام واحد وستين هجرية الى يومنا هذا، وبقيت نهجا ونبراسا لكل المظلومين في العالم من الموالين له وغير الموالين" ، ويضيف الناشر: "وبالجمع بين شخصية فريدة فذة كشخص سماحة آية الله الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي ومؤلَّفِه الفذ الفريد دائرة المعارف الحسينية، يشرق نجم كبير في سمائنا يبهر نوره الناظرين".
تلبية فريدة
إذا كان مقتل هابيل على يد أخيه قابيل يشكل أول الخطيئة على وجه الأرض، فإنها تمثل في حياة البشرية نواة الصراع الأبدي بين جبهتي الظالم والمظلوم، وفي كل عصر ومصر يتجدد الصراع، ولكن واقعة واحدة تشكل الأبرز في تاريخ البشرية هي التي تقف على سنام المواجهة الحية بين قوى النور والظلام، يتمنى كل تواق الى الحرية والسلام أن يكون شاهدها وأحد جنود الخير فيها، ألا هي واقعة الطف، وحسبما يقول الكاتب والخطيب الشيخ صالح الكرباسي في تقدمة الكتاب: "ومنذ يوم عاشوراء وحتى يومنا هذا، لا بل ومنذ أن خلق الله آدم (ع) وحتى ظهور الإمام الحجة المهدي (عج) وقيام الساعة يتمنى المؤمنون الصادقون أن لو كانوا مع الحسين (ع) وشهدوا واقعة كربلاء لينصروه ولينصروا مبادئه بكل ما يملكون، ليظفروا بالعز والكرامة والخلود، وأنشودتهم التي يرددونها في كل عصر وزمان هي: يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزا عظيما".
ومن السهل الإفصاح عن هذه الأمنية عبر عضلة اللسان، ومن السهل ترديد التلبية: "لبيك داعي الله، إن كان لم يجبك بدني عند استغاثتك ولساني عند استنصارك، فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري"، ولكن ترجمة هذه الأمنية وهذه التلبية الى واقع هو النادر في عالم الشهود، فالملبون لسانا أكثر من الكثير والملبون عملا أقل من القليل، وما أعظم التلبية عندما تتحول الى سلسلة كتب تؤرخ شخصية الإمام الحسين ونهضته المباركة، وتؤسس لعالم يسوده الخير ويظلله الأمان، ومن هنا فان المؤلف لا يتردد من التأكيد أن: "من هؤلاء الموالين المخلصين والأنصار الصادقين – في عصرنا الحاضر- الذين أثبتوا إخلاصهم وولاءهم التام لأبي الأحرار الإمام الحسين (ع) بعملهم، وجنّدوا كل طاقاتهم لنصرته ونصرة مبادئه الحقّة، هو ابن مدينة الحسين (ع) المحقق العبقري والبحاثة القدير سماحة آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي (دام ظله) شقيقي الأعز وأستاذي الأجل صاحب أكبر الموسوعات، تلك التي توّج بها – هذا الجندي المجهول قدراً- أعماله وإنجازاته، وخلّدها بتأليفه المتميّز لهذه الموسوعة التي تتحدث عن الحسين (ع) خاصة، والتي أدهشت القريب والبعيد من العلماء والمفكرين، تلك المسماة بدائرة المعارف الحسينية".
وهذه التلبية والأمنية الخالدة التي ترجمها الدكتور محمد صادق الكرباسي في دائرة معارف حسينية فريدة، نضّدها الشيخ صالح الكرباسي في قصيدة من بحر المبسط، جاء بعض منها مع مطلعها:
أبا علاء أيها الصادق الجسر ** خلّدت ذكراً في الحضارات يُفتخرُ
كفاك فخراً أن يُرى منك تلبيةً ** لدعوة وجداً بها الروح تنصهرُ
إن لم تكن يوم الوغى حاضرا شرفاً ** فان هذا اليوم لابد تنتصرُ
أطلعت سبطاً للرسالات من قلم ** وجئت بالأسفار ذي ملؤها دُرَرُ
نشرتَ دُرّاً من حسين لدائرة ** معارفٌ منها كما الغيث ينحدرُ
سجّلت فخراً واسعا لا مثيل له ** كمّاً وكيفاً كان هذا هو الظفرُ
قواسم ومعالم
تعود نشأة دائرة المعارف الحسينية الى العام 1980م، يومها انبثقت الفكرة في ذهن المصنف وأخذت تدور في سواقي ذهنه حتى تجمعت في خليج الإرادة في العام 1987م وبالضبط في الحادي عشر من شهر محرم للعام 1408 هـ : "إثر تجلي عظمة الإمام أبي عبد الله الحسين (ع) في حادثة وقعت يوم عاشوراء في لندن، هزّت مشاعر المؤلف، فعهد مع نفسه أن يُبرز عظمة هذا الإمام الشهيد بشكل يليق بساحته المقدسة"، وكان أول مجلد كتبه بعد سنوات من البحث والتنقيب والتحقيق وتجميع مادة الموسوعة، هو الجزء الأول من كتاب "الحسين في السنّة"، لكن أول مجلد خرج من بين عجلة المطابع هو الجزء الأول من كتاب "ديوان القرن الأول" الخاصة بالمنظوم قريضا عن الإمام الحسين (ع) ونهضته المباركة، وصدر في العام 1414 هـ (1994م)، وتلته سلسلة كتب في حقول معرفية مختلفة صدر منها حتى يومنا هذا 37 مجلدا.
استنتج الكاتب من خلال استعراضه لكتب الموسوعة ثلاثين قاسما ومعلما مشتركا، توقف عند بعضها، ولاحظ ان الدكتور الكرباسي في كل مجلد جديد: "يستهل بمناجاته الثلاثية المسجّعة التي ألزم نفسه بها في كل باب، وحاول أن يكون محتواها واحداً، يتركز على وحدانية الله والإعتراف بخاتمية الرسول الأعظم، وبالولاء لأهل بيته المعصومين الأطهار"، فعلى سبيل المثال يستهل المؤلف في الجزء الأول من ديوان الإمام الحسين بثلاثية التوحيد والنبوة والإمامة:
إلهي إياك أستمد حيث لطفك الثَّجَج
وبالصلاة على مبعوثك أستهلّ خوض اللجج
ومن آله أستلهم حيث اخترتهم لي نعم الحُجج
ووجد المؤلف ان صاحب الموسوعة: "يسخّر كل مواهبه المعرفية وإمكاناته العلمية في حل النصوص والوقائع ذات الصلة بالمعرفة، ليبسط أمام طلاب المعرفة، ويستنفذ جميع ما يملك من قوى، مستعينا في بعض الأحيان بذوي الاختصاص في شتى العلوم والفنون، ولا ينثني أمام الشامخات ولا تهوله الوديان المنحدرة، كل ذلك لأنه يؤمن بأن كل ما في الكون مسخّر لهذا الإنسان الذي يستخدم إرادته في سبيل استيعاب الحقائق والمعارف". كما اكتشف في هذه الموسوعة: "ما يمكن أن يسمى نوعا من التطور في أفق بعض العلوم والفنون، حيث وردت فيها بعض النظريات التي استنتجت من النظريات السابقة، واعتمد على ما أثبته العلم الحديث، لتكون نظريته مواكبة مع تطور العصر". كما اقتنع ان الموسوعة: "موضوعية غير ميّالة الى التطرف والانتماء، بل وتطرح المواضيع ذات الصلة بالأديان على حقيقتها، وتناقشها بروح عالية، ممزوجة بالشفافية المعهودة. فعلى سبيل المثال تطرح المسائل الفقهية مقارنة مع جميع المذاهب الإسلامية ذات الوجود الخارجي، كما طرحت في مقدمة كتاب الحسين والتشريع حديثا مجملا عن الشرائع السماوية والفلسفات المطروحة على أرض الواقع وباحترام"، فتعرض مؤلف الموسوعة بشيء من التفصيل الى الأديان السماوية والى الرأسمالية والاشتراكية.
ويستعرض الكتاب وبتلخيص مفيد المجلدات التالية: الجزء الأول والثاني من السيرة الحسينية، الجزء الأول من ديوان الإمام الحسين، الجزء الأول والثاني من تاريخ المراقد، الجزء الأول من معجم المصنفات الحسينية، الجزء الأول من معجم خطباء المنبر الحسيني، الجزء الأول من الحسين والتشريع الإٍسلامي، الجزء الأول من المدخل الى الشعر الحسيني، الجزء الأول والثاني من ديوان القرن الأول الهجري، ديوان القرن الثاني، ديوان القرن الثالث، الجزء الأول والثاني من ديوان القرن الرابع، ديوان القرن الخامس، ديوان القرن السادس، ديوان القرن السابع، ديوان القرن الثامن، ديوان القرن التاسع، الجزء الأول من معجم الشعراء الناظمين في الحسين، الجزء الأول من الرؤيا .. مشاهدات وتأويل، أربعة أجزاء من ديوان الأبوذية، وديوان الموال (الزهيري).
وحيث يقدم المؤلف في كتاب "العيون الباصرة.." بما يشبه الأرشفة المعرفية لكل مجلد، فانه يوقف القارئ في مقدمة كل عرض وتلخيص، على الظروف التي اكتنفت المؤلف حين تسويد كل مجلد حتى صدوره بحلته القشيبة، مما يضع القارئ على جانب بسيط من معاناة التأليف، وبخاصة في زمن تبسط الأيادي كل البسط عند صغائر الأمور وتُضم كل الضم عند العظائم، فتضيع العلوم والمعارف، كما ضاعت من قبل مكتبات واندثرت مراجع!
* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات – لندن
- التفاصيل
- كتب بواسطة: م. زياد صيدم
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 4
الطفل: معك قداحة يا حاج بسرعة... الحاج: نعم حظك من السماء لأن الكهرباء مقطوعة من العصر ..خذ... الطفل يشعل مفرقعة (العاب نارية ) ويلقى بها أرضا .. ويهلل ويكبر ويغنى مع أطفال معه للثورة وفلسطين وأبو عمار بزهو منقطع النظير...... وينصرفوا متجهين صوب الشارع العام ..... الحاج: يمشى جهة الشارع العام وما زالت الكهرباء مقطوعة متونسا بأنوار موات ير الكهرباء للمحلات التي تبعث ضجيجا معتادا منذ شهور طويلة ويقترب من مجموعة كبيرة من الفتية والأشبال وقد تجمعوا يهتفون بحذر شديد وكأن شيئا ما سيحدث..... لحظات وحتى جاءت عربات زرقاء اللون كانت للشرطة الفلسطينية سابقا ويستخدمها من حل محلهم من اللذين استولوا عليها بعد الانقلاب وبدأ هرج ومرج ما بينهم وبين الصبية الصغار...... الحاج : تراجع قليلا ووقف بجانب منزله ينظر إلى الحشد من الصغار عله يرى من بينهم صغاره وقد اعتراه نوعا من الخوف عليهم دون جدوى.......فلم يعد يراهم من الظلام الذي يلف الشارع الفرعي ولكنه يراقب أضواء زرقاء وهراوات تلاحق الصبية .... مجموعة أطفال : يجرون ويلتفتون خلفهم ويصرخون هناك ...هناك أل.... أل..... ولع ..ولع بسرعة؟؟؟؟ الحاج: نظر بعين تحاول من وراء النظارات رؤية شيء ما من خلال نور باهت لشعلة الولاعة بيد الأطفال إنها العاب نارية ... وقد وجهها الأطفال إلى صوب الشارع العام لم تصله وانتهت في منتصف الطريق وأخرجت صوتا كبيرا وهلل الأطفال ثم ما لبثوا أن كروا في التقدم .. وهكذا كر وفر..... الحاج : يا ولد تعال ماذا تفعلون ؟؟ الطفل: يا حاج أنت باين عليك مش من هال دنيا وبانفعال واضح عليه وبعدها نخزه آخر قائلا تأدب مع الحاج يمكن يمزح معك فتبسم الطفل وكأنه ارتاح من حمل على ظهره وقال يعنى مش عارف شو فيه يا حاج اليوم الانطلاقة ونحن نتحدى كل ما يقولون ويهددوننا بعدم الاحتفال والتجمع ؟!! الشيخ: ومن أنتم حتى تتحدوا سلطة وحكام غزة المدججين بالسلاح والعتاد ؟؟ الطفل: استشاط غضبا وبدأ يغنى أنا ابن فتح ما هتفت لغيرها ولجيشها المغوار صانع عودتي...ويرد من خلفه بقية الصبية فتح .. فتح.... إنها أغنية تعود إلى عام 1965 وما زالت كلماتها على ألسنة الأطفال ..!! الشيخ: ينظر إليهم ومن أسفل نظاراته تنهمر دموعه وتبلل لحيته لم يراها الصبية بوضوح فالعتمة تلف المكان إلا من أضواء تبعث بأشعتها خافته من بعيد ....لقد كانت دموع الفرح . يعود للبيت فيقابل بسيل من الأسئلة أين الأولاد يا زلمه..؟؟ يلتفت نحو الصوت ويبتسم وما زالت دموعه تنهمر ويرد قائلا آه يا أم يوسف لو رأيت الصبية الصغار والله أنى أخاف على القوم يوما لا ينفع فيه ندم ؟ من جيل لا محالة قادم انه جيل خارج تحكمنا وخارج إرادتنا.. إنهم بغبائهم يصنعونه ...هم بعنادهم يربونه على التحدي فاليوم يرمونهم بالعاب نارية و لكن غدا حين تقوى وتشتد أياديهم !! لا نريد نحن أن نصل إلى هذا اليوم فنحن أصحاب مشروع وطني ينظر بعيون الأمل إلى الدولة والاستقلال والحرية بثبات على المبادئ والثوابت لا نحيد عنها قيد أنمله. ولن تسمح م.ت.ف لكائن من يكون أن يتخطى أو يقفز عليها فمصلحتها هي الشعب والأرض فهم ليسوا مقامرة أو استغلال لمصالح منكمشة بانكماشهم وتراجعهم ولن تكون عذابات الشعب المتواصلة بمحتجزيه وموقفيه على الحدود وحجاجه أيضا نتيجة لحصار جائر من الصهاينة ونتيجة لعدم حساب حسابات لذلك وبدائل لهذا التعنت الصهيوني من قبل حكام غزة فديماغوجية الخطب السياسية الرنانة على وتر ديني لا تبرح مستمعيها ولا تحل معضلات لها من الحسابات والتوازنات الشيء الكثير.... فهذه الأمور الغير محسوبة ها هي نتائجها ألم نحذر منها قبل ذلك ؟؟ فهل يريدونها سلما لصغار العقول ولمن ينظر تحت قدميه فلا يرى أمامه إلا ظله فقط .؟ . إنها مسئوليات تفوق حكمهم وتفوق إمكانياتهم فلماذا الإذلال لهذا الشعب ولماذا التهور وتحدى الإخوة والأشقاء العرب الذين يقفون معنا عبر مسيرتنا التاريخية الطويلة فشيئا من الاحترام لسيادتهم على الأقل وعدم الإضرار بهيبتهم ألا يكفيهم قهر الأعداء وتكبيلهم باتفاقيات حدود واتهامهم وتدخلهم في مسائلهم الداخلية حد لا يطاق ولا يحتمل ....فهم أشقاؤنا وجيراننا وإخوتنا في مصر العروبة والأردن وسوريا ولبنان وباقي الأقطار في عالمنا العربي. ولم ينتهي المشهد بعد !. إلى اللقاء.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 6
الدين فوق الطوائف والمذاهب
في زحمة الصراع الطويل بين اليهودية والنصرانية صار ثابتاً على أرض الواقع أنهما دينان مختلفان، وكذلك يتعامل أتباعهما، ولكن هل اليهودية دين آخر غير النصرانية؟ أم أنهما مذهبان لدين واحد؟ أما في واقع الحق فإن عيسى عليه السلام لم يأت بدين جديد، وإنما جاء لخراف بني إسرائيل الضالة، وهو حركة تصحيحية في ديانة موسى عليه السلام، لم ينسخها وإنما صححها من الانحرافات التي أدخلها الأحبار عليها، وعاش عيسى ومات وهو في بني إسرائيل، يدعوهم للتصحيح، والإنجيل لم يكن سوى إضافة (عهد جديد) يضاف إلى (العهد القديم) والمسيحية على ذلك إلى اليوم.
إذاً فالتوراة هي المكون الأساسي للديانتين، والإنجيل لا يلغيها، وما دام الأمر كذلك فهما إذاً دين واحد وإن انقسم أهله، فأخذ فريق منهم بالكتابين، وردَّ فريق آخر الإنجيل، ورفض الإقرار لعيسى بالنبوة، إلاّ أنهما في واقع الحق دين واحد، وحتى في واقع الحال فإن اليهود والنصارى يجدون حتماً أنهما معنيان بكثير من ذات الأمور والقضايا التي يطرحها كتاب التوراة.
والمتتبع لآيات القرآن الكريم يجدها توحد الخطاب لهما تحت مسمى واحد وهو أهل الكتاب، فهذا اللفظ جامع لطائفة اليهود وطائفة النصارى، ومن خلاله يوجه القرآن خطابه المشترك لهما، ويمكنك تتبع هذا في سورة آل عمران حيث يتكرر مثل هذا الحديث، والقرآن صريح في اعتباره اليهود والنصارى طائفتين من أهل الكتاب، وهما مطالبتان بإقامة التوراة والإنجيل سويا (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (المائدة:68)، فالطائفتان ملزمتان بالتوراة والإنجيل معا، لأنهما أمة واحدة نزل عليها كتابان مصدقان لبعضهما، ولعل هذا يفسر ما ورد في سورة الأحقاف من كلام على لسان الجن أنهم سمعوا كتابًا أنزل من بعد موسى1 ولم يذكروا عيسى عليه السلام، فهما دين واحد تمزق طائفتين حتى صار دينين.
والأمر بالنسبة للسنة والشيعة أشد وضوحاً، إذ لا يصعب إثبات أنهما على دين واحد وهو الإسلام، والإسلام دين يقوم على مقومات أساسية وهي وحدانية الله ونبوة محمد (ص) وكتاب القرآن، ومن ثم نزولاً نحو الإيمان بالكعبة المشرفة قبلة، ووجوب إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً، وهذه أمور لا يختلف فيها سنيٌ عن شيعي بل يزيدون عليها في المتفقات كثيراً جداً، بل الحق أن من الأسهل على المتتبع البحث عن المختلفات بينهم عن أن يبحث عن المتفقات، لأنها قليلة يمكن رصدها، وهي جميعاً تأتي في مراتب أقل من أسس الإيمان والاعتقاد المشتركة، ولعل أساسها هو اختلاف سياسي يتمحور حول الإمامة؛ أهي منصب إلهي يثبت بالنص أم هي شورى بين المسلمين؟ وهذا لو أنصف الناس بعضهم لا يخرج أحداً من الملة. فهكذا تعامل أول المختلفين من الصحابة عليٌ وأبو بكر وعمر وسائر الباقين، فقد تخاصموا واختلفوا في الأمر، ولم يكفر بعضهم بعضا، فما بال الناس مَلَكية أكثر من الملك؟
الاختلاف في شأن الإمامة وأنها محصورة في أهل البيت، ليس وقفاً على الشيعة الإمامية، فكل أتباع الدولة العباسية ومناصريها وهم صلب السنة، قد قالوا بمثل هذه المقالة طوال عهد العباسيين الطويل، من أن الخلافة هي حصر في بني هاشم، وإن لم يدَّع العباسيون العصمة، ولكنهم قالوا بأنها إرث خاص ببني هاشم، وأيدهم أيامها كل جمهور السنة ولم ينكروا عليهم ادعاءهم، ورضوا بهم خلفاء وقادة، فالأمر إذاً ليس بمثل هذه الدرجة من الإنكار التي يرددها البعض. بل إنّ كل جمهور السنة حتى بداية الدولة العثمانية، كانوا يقولون بأن الخلافة حصرٌ في قريش دون سائر المسلمين، ولا تزال مدونات المذاهب على هذا إلى اليوم.
إذاً فكلٌ قد أخذ بجزئية من قول الآخر، فالشيعة الإمامية، أيضاً التزم بعضهم بوجوب الأخذ بنظام مزدوج من الخلافة الربانية المنصوصة، مع أخذ البيعة العامة الكاشفة عن رضا الأمة، وأنه لا يحق للإمام أن يكره الأمة على إمامته، ما لم تكن الأغلبية معه، ولعل هذا ثابت في سيرة علي والحسن والحسين عليهم السلام وهم الأئمة الذين مارسوا السياسة، فكما ترى أن كل فريق قد أخذ بطرف من مقولة الآخر في الإمامة، وهي أساس ما اختلفوا عليه.
وبعد كل هذا الاشتراك فمن المؤكد حتماً أنه لا يمكن القول بأن التسنن دين منفرد عن دين التشيع، فلا التسنن دين مستقل ولا التشيع دين مستقل، ولا يملك أيٌّ منهما مقومات الإدعاء بذلك، والحمد لله فإنهم جميعاً يبرؤون من مثل هذا الإدعاء، وكل فريق يقول بملء الفم أنه مسلم، ومن ثم فإن مجمل ما يدعيه كل طرف قبالة الآخر أنه هو النسخة الصحيحة من الدين الإسلامي، ولعمرك ما أسهل إثبات خطأ هذه المقولة، إذ ما من مقولة في فريق إلاّ ولها مقارب أو مثيل ومثال في الفريق الآخر، فأكثر القضايا بين الفريقين موجود ما يؤيدها عند الفريق الآخر ولكنها تكون هنا ظاهرة بارزة معمول بها مثبتة الصحة ، وتكون هناك متوارية متروكة مشكوك في صحتها أو صحة سندها، ولو انبرى أحدٌ لمثل هذا التأليف لوجد ما نقوله حقاً حتى في كثير من صغائر الأمور وتفاصيلها، ولكن هذه الدلائل تُفهم هنا بشكل وتُفهم هناك بشكل آخر مختلف، يسوق كل فريق فيها النار إلى قرصه، فالمسألة تأويل وتأول أكثر منها اختلاف في أصل المصدر.
إن كل مسلم اليوم قادر- لو أراد - أن يظل مسلماً دون أن يتصف بالتشيع أو التسنن، فقد أكمل الله الإسلام ورضيه للناس ديناً على عهد رسول الله (ص) قبل أن يفترق المسلمون سياسياً في الإمامة، وهذا نص صريح في القرآن الكريم (لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً)(المائدة:3) وكل مسلم له الحق في العودة لصافي الإسلام قبل الاختلاف.
إن الاختلاف في مسألة الإمامة، كان من الممكن أن لا يتحول مذهبا وفرقة في الدين، تشتمل على تفرعات ثقافية وسلوكية وعاطفية عديدة، حيث أن التكليف الفعلي في شأنها يختص بأهل زمان الإمام الذي يعاصرونه، وليس المرء مكلفا بمعرفة إمام الزمان الذي لم يعشه، وليس مكلفا بأكثر من السمع والطاعة لإمام زمانه، دون أن يعتقد أنه معصوم، فالمسلم الذي يناصر الإمام على الحق قد أدى تكليفه، ولا زيادة عليه، ومن هنا كان ممكنا أن لا تتحول مسألة الإمامة لكل هذا التنمط المذهبي، حيث لا تصح في رأي المذهبيين إلا مع مقتضياتها التي يزعمون، فقد كان هناك أنصار لأئمة أهل البيت من كل المدارس والتوجهات، وبعضهم بذل مهجته معهم، في الوقت الذي تخلف عنهم بعض من يقول بعصمتهم، وهل المسلم مكلف في النبي بأكثر من تصديق أنه عبد الله ورسوله؟ وهل عليه أن يعرف أنه سيد الخلق أجمعين، وأنه وأنه...؟
إن ما عليه الشيعة والسنة من مذاهب، ليست سوى حصيلة أفهام ورسوم علماء المذهبين، لم تكن تحت رعاية النبي ولا أهل البيت، فتسمي السنة بأهل السنة والجماعة هو من وضعهم نعتا لأنفسهم، ليس عندهم من النبي تصديق، وتسمي الشيعة بمذهب أهل البيت هو من وضعهم نعتا لأنفسهم، ليس عندهم من أهل البيت تصديق، فإنما هي أسماء سموها قد تصدق وقد تكذب، والنبي ليس ملزما بكل ما قيل عنه وعليه، وأهل البيت كذلك، وكل يدعي وصلا بليلى، ولا نعلم لهما بالإقرار.
إن المذاهب الدينية لم تكن يوما إلا مذاهب رجال من المسلمين، لم يكونوا أفضل ممن سبقهم وليسوا بأعلم من كل من لحقهم، فلهم رأي ولغيرهم رأي سواء منهم أئمة الفرق أو المذاهب، بل لم يكونوا هم أنفسهم يتوقعون أن يستغني بهم الناس في شأن الدين، وأمثال عبارة "لا أجد الإسلام إلا حنبليا"، أو مالكيا أو غيره، لم تكن لتخطر لهم ببال، ولكنها من ثمرات التعصب، وإلا فلقد كانت هناك فرق سادت ثم بادت بذهاب أهلها لا لضعف أقوالهم، وهناك أئمة كانوا أشهر وأكثر قبولا من المشتهرين، ولكن التاريخ لم ينصفهم، أو لم يكونوا من ذوي الحظ، وهاهم رجال المذاهب الفقهية والأصولية من الإمامية يتتابعون عالما في أثر عالم، بسبب أن الاجتهاد لم يتوقف عندهم، دون أن يجعل ذلك منهم أئمة حصريين في أخذ الدين لمن يريده، فلا يكون دينا إلا ما سطروه ورأوه.
إن المذاهب أقوال رجال وقد كان الدين كاملا قبل وجودهم بقرون، وهم إنما عالجوا اختلاف أفهام أهل زمانهم في شؤون الدين،لا أنهم قد وجدوا الدين ناقصا فأكملوه بمخترعاتهم، وإلا فالدين كان في غنى عنهم وعن كل ما كتبوه، ولو لم يكتبوا حرفا فإن الدين لن يتضعضع، فهو محفوظ في كتاب الله، وخيرة أهل الدين لم يكونوا قد أدركوا المذاهب، وليس لمن تمذهب فضل على من لم يتمذهب، وكما أنه ليس على المتمذهب وزر, فليس له أجر في نفس تمذهبه، فمن أصاب أثيب ومن أخطأ متعمدا أثم، وأعظم الآثام آثام القلوب، فإن أبغضت مؤمنا في إيمانه فأي شي أبقيت؟ ومن زعم أنه لن يدخل الجنة إلا من كان شزضسيا جحشضيا2، فتلك أمانيهم بلى من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون فتيلا (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً) (النساء:124)، وإنما مثل المذاهب في الدين كمثل الحجر الأسود في الركن، لا في مسه أجر ولا في تركه وزر، والحج يتم بدونه وإن اقتتلت الناس عليه!.
لقد أهدر المسلمون المعاصرون كثيراً من مجهودهم ووقتهم في قضايا لم يكلفوا بها، ورأيهم فيها لا يقدم ولا يؤخر، من أمثال أيهم أفضل فلان أم فلان؟ وهل أخطأ فلان أم أصاب؟ فأشركوا بذلك في دينهم طاعة من لم تفرض عليهم طاعته، واستنوا بالأسلاف، وتشاغلوا بقضايا أسلافهم المدبرة عن قضايا عصرهم الحاضرة، فما الذي سينفع السابقين أو يضرهم إذا أثبتم لهم زكاة أو نفيتم عنهم فجورًا؟ هل سيُغير ذلك من ما كتب لهم في صحائفهم؟ وهل جعل الله لكم الوكالة عليهم في الإثابة والمجازاة؟ أم تظنون أنكم إذا تكاثرتم بالصالحين فسينالكم من إحسانهم طرف وإن لم تعملوا عملهم؟ أم أننا واغلون في عمى التكاثر الذي شنَّعه الله على المشركين حين قال: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) (التكاثر: 1/2)
إن الاغترار المذهبي أدخل طوائف المسلمين فيما سبقتهم إليه اليهود والنصارى، حينما ادّعوا على الله كذباً أنه لن يدخل الجنة إلاّ من كان هوداً أو نصارى، فكذب الله أمنياتهم وسطرها خالدة: أن كل من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فهو من أهل الجنة2، ثم لا يكون مهمِّاً بعدها الاسم الذي تزينا به.
فالمسلمون على مثالهم اخترعوا لأنفسهم أن هناك فرقة واحدة في الجنة، وسائر الآخرين في النار وسموها بالفرقة الناجية، وجعلوها مذهباً أو طائفة وليس اعتقاداً وعملاً، ثم ركبوا في انتهاك حرماتهم بينهم مراكب اليهود في مقولتهم أنه ليس عليهم في غيرهم سبيل، فالمحرمات مع بني إسرائيل مباحات في غيرهم من الغش والبخس والغدر ونقض العهود، فكذلك تجد فرق المسلمين لا تتأثم في حرمات المخالفين ، فهم يأكلون لحوم بعضهم بعضاً بحجة أن الآخر فاسق لا غيبة له، ولا يتأثمون في الإدعاء ببطلان سائر أعمال من سواهم من المسلمين، بل وفي عدم عده من المسلمين على الحقيقة.
إن أول ما ينبغي للمسلمين التراجع عنه من الغي الطائفي هو إعادة الحرمة لأنفسهم فيما بينهم، مالاً ودماً وعرضاً، مصححين اعتقادهم اليهودي هذا في أنه ليس عليهم في حرمات سائر أخوانهم سبيل، وإلاّ فما داموا على مثل هذا الحال من الاستخفاف بحرمات بعضهم فلن يرعوون عن هذا الغي.
لقد افترى على الله ورسوله وأوليائه كذباً من أورد من الفتاوى والآراء ما يبيح لهم أعراض الناس وفيما ادّعوه عليهم من بطلان أعمالهم ونجاستهم وحرمة ذبائحهم وحرمة الصلاة معهم، فهذه كلها جنايات ظالمة في دين الله والرسول (ص)، فليست هناك مسألة أوضح في الإسلام من أن كل من شهد الشهادتين فهو مسلم حرام كله، صرح بها القرآن وعاتب مخالفيها، وصرح بها الرسول(ص) وأوصى بها أمته، ولكن كثيرا من رجال الدين بتعصبهم قد مزقوا وحدة هذه الأمة، فكفَّروا وفسَّقوا المخالفين لهم الرأي، فجنوا على الأمة جناية عظيمة يكاد يستحيل علاجها.
إن الادّعاء الذي يزعم بالفرقة الناجية هو إدّعاء كاذب ومضلل، إذا أراد بها فرقة مذهبية أو طائفية، فليس هناك ضمان لفرقة بقضها وقضيضها أنها في الجنة، فإنما الحساب فردي يقوم على أساس النية، فإنما الأعمال بالنيات، ولربما يقوم العبد بعمل فاسد في ذاته ولكنه يريد به الإصلاح ظاناً أن فيه صلاحاً، فتقوم نيته مقام عمله فيؤجر عليه أجراً، فلو توضأ المسلم وضوءاً فاسدًا بقصد القربة لله بالصلاة، وكان ذلك حدود علمه وطاقته، فإن نيته الصالحة تجبر فساد وضوئه أو خلل صلاته، وعلى العكس لو توضأ وضوءاً كاملاً وصلى صلاة سليمة الشكل ولكن بنية فاسدة كالتبختر أو الرياء، فإن عمله يعد فاسداً ومأثوماً. ولقد قال سبحانه (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التوبة:91) ، فإن قاعدة قصد الإحسان مقبولة بعد ثبوت أصل الإيمان والإسلام، وإنما هي مردودة إذا لم تقم الأعمال على الإيمان فأولئك الذين عناهم الله سبحانه بقوله (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً) (الفرقان:23)، حيث لم تسلم لهم نية التقرب لله بأعمالهم، أما المسلم المؤمن فإنه متى ما صحت نيته وعمل بحسب علمه الذي اقتدر عليه، والذي بحيث لو أنه علم خطأه لتجاوزه إلى الصحيح من غير عصبية، فهذا تجبر نيته الصحيحة خلل أعماله.
إن حساب العباد أبعد ما يكون عن قدرة العبد، ولا يحصيه إلاّ الرب الجليل، فلكل فرد ظروفه الزمانية والمكانية والأسرية والسياسية والعقلية والنفسية، فهو سيحاسب على قدر ظروفه وإمكانياته، ومتبجح من صار يقسم الناس بهواه فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير.
ثم من هذا الذي خولهم نصب الموازين قبل يوم الحساب؟ الكل يدَّعي كذباً أنه لا يزكي نفسه ثم تراه يصدّرها مجالس الجنة في أعلى عليين، ويسافل مخالفيه إلى النار في أسفل سافلين! وكأن الله سلمه ملفات الحساب، وجعله قسيم الجنة والنار!
إن الأمة اليوم لهي أحوج ما تكون لتعاون أبنائها وتآزرهم وتعاضدهم، فالسنة والشيعة مذاهب للناس ولكنهم كلهم مسلمون، متكافئون في الحرمة، وينبغي أن يستشعروا هذه الوحدة وهذا الانتماء فتكون له حميتهم ويكون له ولاؤهم، لا إلى مذاهبهم وطوائفهم.
إن الأرض عطشى لعرق الرجال المتكاتفين لا إلى دماء الأخوة المتقاتلين، إن النفس لتذهب حسرات على زهرة شباب هذه الأمة، لما يجد أنهم قد صرفوا دمائهم وأعمارهم في خناق بعضهم، وإن النفس لتسر لما تسمع بتضحياتهم في مواجهة أعدائهم من كل الأصناف العسكرية والسياسية والثقافية، فلنوقف هدر الأموال على بناء مساجد ضرار وحسينيات ضرار وصناديق ضرار، ولننفقها في ابتعاث أبنائنا لتلقي العلوم العالية وإنشاء الاستثمارات النافعة والبحوث المتطورة، فلنتعاون على البر بدل التعاون على الإثم، فهل ضرب أحدٌ على أيدينا أن نفعل ذلك؟ ولكنها أدواؤنا المزمنة وعواطفنا المنفلتة، وعقولنا المنغلقة الجامدة، جعلتنا نخرب بيوتنا بأيدينا، دون أن نستجيب لنداء ( فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ).
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سامي الأخرس
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 5
نظام العباطة العربي الجديد يعيش العالم منذ بدايات هذا القرن أوضاعاً سياسية واقتصادية جديدة أفرزها النظام العالمي الجديد ، والذي من أبرز ملامحه وسماته العولمة ،هذه الأيديولوجية التي تظهر لنا كل يوم وجهاً جديدا ورؤية جديدة ، ولم تستقر بعد على مفهوم واضح يمكن دراسته والعمل وفقه . ولذلك نعيش ضمن منظومة لا تخضع لأي معايير واضحة أو محددة يمكن الارتكاز علي قاعدتها وتحديد السياسات والخطط والمواقف التي نستطيع تحديد اتجاهاتنا بناءاً عليها ، إضافة لعدم وجود خيارات أخرى يمكن الانحياز لها في ظل القطبية الآحادية التي أفرزت الولايات المتحدة الأمريكية كقوة وحدية تخطط وتبرمج للعالم وفق مصالحها الخاصة ، هذه المصالح التي تنحاز للرأسمال العالمي غير مبالية بالشعوب والأمم والمجتمعات ، ولا بسلطة الدولة المركزية القائمة. وكعادتنا التاريخية نحن العرب ومنذ انتهاء الحرب العالمية الأولي لا زلنا ننظر للأمور بهامشية وسطحية بعيدا عن الرؤية العلمية الواقعية المتعمقة في المحيط الإقليمي والدولي الذي نعيش فيه ، ونعتبر جزء منه وندور في فلكه ، ولا يمكن عزل أنفسنا عنه نأثر ونتأثر فيه ومنه . وعزلنا أنفسنا كالعادة محاولين السباحة عكس التيار حتى تقوقعنا في حدود الدولة القطرية التي رسمت حدودها في مؤتمر سان ريمو وأصبحت أمراً واقعاً نعترف به وندافع عنه ، وكان للنخبة السياسية والفكرية دوراً في تجسيد التجزئة السياسية والثقافية والجغرافية حفاظا علي مصالح الاستعمار التي تقاطعت مع مصالحها ، ونتاج هذا التقاطع إننا كأمة لا زلنا نعيش تحت وطأة الشعار ونزداد تشرذماً في الفكر والثقافة والرؤية والواقعية ، افترسنا التخلف علي كافة الصعد . ولم نحقق من أحلامنا التحررية شيئا بل نسير بخطي واثقة للعودة للمربع الأول الذي بدأنا منه سنة 1917م . هذه المقدمة الطويلة لم تأتِ اعتباطا أو استعراضا بل هي وليدة مشكلة الحجاج الفلسطينيين العالقين في نويبع والتي مثلت دافعاً لهذا المقال . فعندما انقسم العرب وأصبحوا (22) دولة بدأت كل دولة تبحث عن قطريتها ومصالحها بغض النظر عن نتائج هذه القطرية الضيقة علي الآخرين من دول الجوار ذات رباط اللغة والدين والعادات والتقاليد ، وعليه لا زالت الدول العربية تعيش في محور قطريتها وأزماتها وتزداد أوضاعها سوءاً يوماً تلو يوم ، بالرغم من وجود الدولة القطرية واقعيا إلا إنها عمليا فشلت في أداء وظيفتها السيادية وزادت الأمور تعقيدا وتخلفا. الحال ينطبق على الواقع الفلسطيني الحالي الذي انقسم على نفسه في حدود أضيق من القطرية السابقة ، وأصبح كل طرف يسعي جاهدا لإثبات شرعيته ضمن حدوده التي تقوقع فيها ، وبدأت العملية التاريخية تعيد نفسها بشكل مصغر سياسيا، وجغرافيا ، وتحولت قضيتنا الوطنية تختزل في التجاذب بين غزة ورام الله ومن الشرعي ومن غير الشرعي ، ومدي قدرة كل طرف في الرد علي الطرف الآخر دون أي حسابات وطنية أو إنسانية لشعب يدفع الثمن لوحده حتى وصل الأمر للتضحية بالشعب لصالح الانقسامية السياسية ، وما مشكلة الحجاج إلا جزء من هذه السياسة التي يدفع ثمنها أهلنا نتيجة لعبة (القط والفأر) بين حماس (غزة) وفتح (رام الله) . تدرك حماس بقيادتها الداخلية والخارجية أن الخارطة السياسية لا ثبات في قاعدتها وحدودها ، وإنها متقلبة تتجاذبها المصالح ، فالثبات صفة غير معلومة في علم السياسة وممارستها ، ولا كلمة شرف فيها ، وان الجميع يلهث لتحقيق مصالحه القطرية الخاصة ، من هنا وقعت حماس تحت تأثير ردات الفعل ، ومحاولاتها لتسجيل موقف ضد رام الله واتفقت مع مصر على مغادرة الحجاج من معبر رفح رافضة أي عملية تنسيق ومشاورة مع رام الله ، وفعلاً نجحت واستطاعت فتح المعبر وسافر الحجاج إلي الديار المقدسة فماذا حدث؟ عادت المشكلة أكثر تعقيدا وأصعب وأعمق عندما تحركت السياسة لتقول كلمتها ولتضغط على مصر وتعرقل عودة الحجاج ، فهل خططت حماس للبديل ؟ وهل توقعت ولو بنسبة 1% أن يحدث ما حدث؟ وهل وضعت الحلول البديلة ؟ هذه الأسئلة لا تخضع سوي لمعرفة مدي قدرة رجال السياسة الفلسطينيين ، والقاعدة التي تنطلق منها حركة حماس في قيادة شعب بأكمله ، وما هي الواقعية السياسية التي تعمل وتنطلق من خلالها ، أم تعتقد أن الصوت العالي وحشد عشرات المسلحين على الحدود واستنهاض العالم إعلاميا سيغير من موازين القوي الظالمة التي لا تأبه سوي بمصالحها وإرادتها . تعلمنا بالعرف السياسي أن القوي يفرض إرادته وأن الضعيف لا بد وأن يجد الصيغ التي يستطيع من خلالها امتصاص ضعفه وامتلاك أدوات الذكاء لكي يتمكن من تحقيق جزءاً من غاياته وأمانيه وطموحاته ، وليس وفق (عنزة ولو طارت ) فلن نحقق سوي مزيداً من الانهزام ، وهذا يعود بنا لتجربة اليمين النمساوي عندما أستطاع أن يفهم ويعي الظروف السياسية وموازين القوي المحيطة ، فضحي بالسلطة لأجل وطنه وشعبة ، هنا لا أطالب حماس بالتضحية بالسلطة لأنها ووفق كل المؤشرات لن تفعل بل هي لا زالت تخوض المعركة بالهروب إلي الأمام. نعود لقضية حجاجنا العالقين في نويبع واشتراط عودتهم بالتوقيع علي تعهد بالعودة عن معبر ابو سالم وهو الشيء المرفوض قطعاً ومطلقاً بما إنهم غادروا من معبر رفح فلا بد من عودتهم من معبر رفح وهذا أخلاقيا ووطنياً ويجب أن يحدث ، ولكن من يتحمل وزر هؤلاء الحجاج ؟ ومسئولية عودتهم؟ من يتحمل هذه المسؤولية هي الأطراف التي فتحت المعبر لمغادرتهم ضمن اتفاقية ما وعلي جميع الأطراف أن تلتزم بما اتفقت عليه ، وتوافقت حماس ومصر علي خروج الحجاج من معبر رفح. هناك الكثير من زج باسم م ت ف والسلطة الوطنية بالمشكلة وهو حق يراد به باطل ، نعم على م ت ف تحمل مسؤولياتها كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني تجاه أبناء شعبها وهذا لا نقاش حوله ، كون مسؤوليتها لا تتحدد ضمن حدود جغرافية معينة ، بل هي مسئولة عن كل مواطن فلسطيني علي الكرة الأرضية ، رغم عدم التنسيق معها أو استشارتها في مغادرة الحجاج للديار الحجازية ، بل هناك من كتب عن مغادرة الحجاج وكأنه انجاز وضربة معلم لطم م ت ف بمقتل وزف البشري وأعلن التهاني وأقام الأفراح وهؤلاء يثبتوا إنهم أقزام في تفكيرهم السياسي ، وقصر نظر يخضع للشخصنة الذاتية الطفولية التي تقودهم في تناول القضايا والأمور . أما السلطة الوطنية فأي سلطة التي عليها أن تتحرك هل هي سلطة رام الله التي تكال لها أبشع وأفظع التهم على مدار الساعة ، فكيف إذن ستطالب الآن بالتدخل وفق العرف الأخلاقي؟ ورغم ذلك يتوجب عليها التحرك فعلياً وفعل كل ما تستطيع أن تفعله لحل مشكلة حجاجنا الأعزاء الذين يدفعون الثمن كضحية لأباطرة السياسة . وحتى لا يفهم ذلك بأنه تحيز لأحد الأطراف ضد طرف أخر ، فبيت القصيد هنا هو ضرورة قياس الأمور بذكاء وقراءة الواقع السياسي المحيط عالميا – إقليميا – محليا والأخذ بعين الاعتبار التغيير في السياسة لصالح المصالح الخاصة لكل طرف ، وعدم البحث عن الاندفاع لتحقيق انجازات ونصر للنخبة السلطوية التي تتثبت بالجاه والسلطان علي حساب أهلها وشعبها . فالسلطة عامة وبكل أنواعها يتمثل هدفها في تحقيق الرفاهية والتنمية والحرية لشعبها ، وليس التضحية بالشعب لصالح إعادة إنتاج أنظمة سياسية استبدادية بأشكال أكثر تقليدية عن الأنظمة القائمة . فلنتكاثف جميعا وننهض من فئوياتنا الضيقة ونبحث عن حلول موضوعية تعيدنا لمصاف الأمم المحترمة القادرة علي البقاء والنهوض . سامي الأخرس 30/12/2007
- التفاصيل
- كتب بواسطة: هانى محمود على أحمد
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 6
مريد البرغوثى : الأشياء عندما تصير شعرا
يقول الشاعر الفلسطينى مريد البرغوثى : " حصلت على ليسانس من قسم اللغة الإنجليزية وآدابها , وفشلت فى العثور على جدار أعلق عليه شهادتى "
بهذه الكلمات القليلة عبر الشاعر عن مأساته . وهى مأساة شعب كان وما زال حالة استثنائية .استلب فيها وطنه, وصار دم أبنائه المسفوح فقرة ثابتة فى نشرات الأخبار .
وفى كتابه الرائع " شعرية الأشياء فى شعر مريد البرغوثى " يرصد الدكتور أحمد عبد الحى أستاذ الأدب بجامعة طنطا , تجربة الشاعر الثرية التى تمثل إبداعا شعريا ذا خصوصية . حيث تفقد الأشياء – على يد الشاعر- شيئيتها وماديتها الجامدة لتنبض بأدق مشاعر الشاعر وأرق أحاسيسه
فالبيت والدار والمنزل ... كلها كلمات تدور فى الكثير من قصائد الشاعر مشيرة إلى البيت المفقود أو الباب الذي ندقه ولا مجيب , وهى كلمات تعكس حنين الشاعر إلى بيت وسقف وجدار وباب . وهو حنين تسقط فيه الحدود بين الوطن والمنزل . فيصبح الحنين إلى المنزل وسقفه وجداره هو حنين إلى الوطن المسلوب , وتصبح عتبة الدار حلما بعيد المنال .
يقول الدكتور أحمد عبد الحى : " فى تاريخ الشعر العربي لا أذكر شاعرا وقف على عتبة الدار يعزف على أوتار شعريتها من خلال ما تثيره من مشاعر وأفكار كما فعل مريد البرغوثى . وما أشبه ( العتبة ) فى هذا السياق بأطلال الشاعر الجاهلي . وكما كان وجدان الشاعر الأخير يشتعل ويهتاج كلما أطلت العين على الأطلال , كذلك الشاعر المعاصر الذي أصبح وطنه كله طللا , يثير كل شبر فيه أطيافا من الذكريات "
فالبيت الضائع وما فيه من أثاث - إن وجد- تثير كلها حسرة الشاعر الذى يحس بالانكسار والغربة فى وطن صار أبناؤه غرباء داخل حدوده التى يحرسها غرباء لا قلوب لهم . ومن بين أثاث الدار تبدو ( المخدة ) غالبا معنية بتصوير لحظات الانكسار والقهر :
على مخدة وحيدة
تأملت سيدة ٌ سرير ابنها الأكبر
مُرتَّبا للمرة الأخيرة
وفارغا إلى الأبد
فالمخدة تصور لحظة انكسار الأم حين تقف متأملة سرير ابنها , فتبدو
المخدة وحيدة , لأن الابن لم يصبح عريسا بعد . والسرير مرتبا وفارغا لن تسعد الأم برؤيته مبعثرا لكي تعيد ترتيبه بعد أن رحل صاحبه بلا عودة وإلى الأبد
وفى نص للشاعر بعنوان " كُرسيُّكَ هذا " يبدو الكرسي قويا وأنيقا . أما الجالس عليه فيحاول أن يبدو مثل كرسيه قويا وأنيقا أيضا وذلك بالتزام الصمت تارة . وافتعال الشجار ثانية وإثارة الضجة ثالثة وتوجيه اللوم أو العتاب رابعة , غير أن عدسة الشعرية تتجاوز القشرة الأنيقة للكرسى وللجالس عليه , فتظهر الحقيقة . وهى أنهما مكسوران . ولا تجدى محاولات الجالس على الكرسى فى إخفاء ارتعاشة اليدين أو انكسار العينين . عندئذ يدنو الشاعر من الجالس على الكرسى قائلا له :
خذنى
كُرسيُّكَ يأخذ مكـْسُورَين
وتتكشف المفارقة فى النهاية . وهى أننا جميعا مكسورون . الكرسى والجالس فوقه والمتأملون لهما
وهكذا تحت وطأة ألم مريد البرغوثى ومعاناته الصادقة تخرج الأشياء المادية عن إطارها المادى لتصبح زخما شعريا معبرا عن واحدة من أقسى وأمرّ تجارب الألم الإنسانى فى عصرنا الراهن