مقالات متنوعة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سامي الأخرس
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 4
سخريات من أصحاب الأقلام الثقافية أزمات متلاحقة تعصف بعقليتنا العربية المثقفة وأصحاب الفكر إن جاز إطلاق التسمية عليهم أو وصمهم بهذه السمة ، هذه الأزمات هي رد الفعل الطبيعي للأزمة العامة التي نعيشها فلكل فعل رد فعل ، ورد الفعل انعكس على الفعل فأصبحنا أمام أزمات ساخرة مؤلمة بذات الوقت . ما دفعني لتناول هذا الموضوع البسيط والخطير وأضحكني بنفس الوقت أحد الزملاء الذين يمتازون بعلاقات جيدة مع أصحاب المواقع والصحف الالكترونية وهو يحدثني عن بعض الكتاب ممن حملوا الأقلام ونشروا الصور لتخفق قلوبهم طربا كلما وجدوا أسمائهم مدونة في أحد المواقع ، وصورهم تزين محرك البحث جوجل ، وربما البعض أقام حفلات راقصة فرحا وطربا على أنغام عدم الثقة التي تنتاب شخصه " الكعكة في يد اليتم عجبه" ويستمر الحديث بأن هناك من خاصمه لعشرات الأيام لأنه لم ينشر له مقال في صدر الصفحة وفي وقته ، وكيف تحول أيميله ملتقي وقبله حج يومية ، والهدف استرضائه لينشر لهم . السؤال هنا هل هذه هي الرسالة النبيلة الصادقة لأصحاب الفكر والقلم ؟ ! أم هناك رسالة أخرى يجب العمل عليها والانطلاق منها ؟ أنا باعتقادي أن الحالة السابقة هي حالة طبيعية وعادية في ظل عولمة كل شيء ، الفكرة ، والثقافة ، والأخلاق ، والمبادئ ، حتى النفس البشرية خضعت لجراحة العولمة وأصابها ما أصابها من نعيمها . وما نراه هو أحد سمات ومزايا العولمة وأحد توابعها التي أصبحت تتعامل معنا كحزم بشرية شبيهة بحزم الخضار أو الحزم الالكترونية لتي يتكون منها جهاز التحكم عن بعد ، وتحركنا كقطع شطرنج بلا وعي أو إدراك. وهناك صنف أخر من أصحاب الأقلام من يتسمر ساعات أمام مقالات الآخرين مستخدم مهارة القص واللصق ليخرج بمقال باسمه يعبر به عن مرضه واهتزازه الفسيولوجي ويفرض نفسه محللا وكاتبا ..الخ . وهذا كما واسلفت ما هو سوي تعبير كمي عن حالة الأزمة التي نعيشها ونتنفس هوائها حتى تسللت لعقولنا وشكلت لدينا انفصام نفسي وشخصي ظهر بشكل أقلام تملئ الدنيا ضجيج وصراخ بلا فائدة أو عائد يذكر ، بل أصبحنا نطحن وأجيالنا تحت ضروس طاحونة الإفراز الفكري الضبابي المغلف بصورة جميله واسم تفنن في نشر رذاذ فاسد ملوث .وهو ما يدعونا أن نقف أمام تصور واضح وفعلي لعملية التثقيف التي تغذي عقول الشباب وأبناء الأمة ، ومدي فاعلية الرسالة الثقافية التي أفُسدت كما أفسد كل شيء بحياتنا ، وأصبح مصير تفكيرنا معلق بلوحة الحروف (الكيبورد) بجهاز الحاسوب التي تتلاعب به بعقول المتلقي . فالقلم الصادق الواثق المثقف قاعدته دوما تصدح في سماء الحقيقة لا تحتاج لواسطة ومحسوبية ليعبر عن إرادته ، ويبقي السؤال هل من مجيب ؟! الإجابة تكون في نفس كلٌ منا عندما نقف أمام النفس ونستفز دواخلنا لنجيب بقناعة ، استنادا لأسس راسخة نؤمن بها ذاتيا ومبدئيا . فدعونا نتصور لص صاحب قلم ، وفاسد صاحب قلم ، وساقط صاحب قلم ، ومتطفل صاحب قلم ، وصاحب سوابق صاحب قلم ، كيف ستكون عليه حالتنا ؟! وعجبي سامي الأخرس 5/4/2008
- التفاصيل
- كتب بواسطة: مريم هاشمي
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 4
العصبية و التعصب الديني
الأصل في معنى العصبية لغةً، أنّها الرابطة التي تربط ذوي القربى والأرحام بعضهم ببعض، بإدّعاء أنّ العرب يسمّون ذوي القربى باسم العصبة، و قد مرّ ذكرها في القرآن الكريم في أكثر من سورة منها:« إذ قالوا ليوسف و أخوه أحَبّ إلى أبينا منّا و نحن عصبة انّ أبانا لفي ضلال مبين»[1] و أيضاًَ« قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنّا إذاً لخاسرون»[2]. و أيضاً تعني عصبة الرجل بنوه و قرابته لأبيه، والتعصب من العصبة والعصبية أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته، ظالمين كانوا أو مظلومين، والعصبة: الأقارب من جهة الأب، لأنّهم يعصبونه و يعتصب بهم، أي يحيطون به، ويشتدّ بهم. وهناك من يرى أنّ العصبية يمكن أن ينظر إليها بتعاريف إصطلاحية شتى مثل حيوية الدولة أو القوة الحيوية للشعب أو هي القوة المحركة لصيرورة الدولة. ويلاحظ على هذه التعاريف انّها تربط مفهوم العصبية بالقوة الحيوية و الديناميكية التي هي أساس قيام أي مجتمع إنساني، هذا من جهة اللغة و الإصطلاح.[3]
و إذا أردنا أن نبحث عن الطائفية و التعصب الديني عند الريحاني لابدّ أن نقول أن ثقافته إنشعبت من روافد فكرية، وفلسفية مختلفة وتعامل معها فكره بفطنة الإستيعاب، والإحتواء، و التجاوب حيث استطاع أن يصهرها في حلّ مآسي بلاده، ووعيه نكباتها المتعاقبة. والريحاني يعتبر بحق أحد روّاد الفكر العربي التحرري، الذين ناهضوا التعصب الديني، أمثال: احمد فارس الشدياق[4]، وبطرس البستاني[5]، وإبراهيم اليازجي[6]، وسليم البستاني[7]، ويعقوب صروف[8]، وسليمان البستاني[9]، وفرح أنطون [10]...وسواهم من المفكّرين التقدميين في القرن العشرين.
و لم يقتصر الأمر على حركة هؤلاء الرجال اللبنانيين وحسب، فإنّ ثمّة طائفة لا يستهان بها من طلائع الروّاد العرب الأقدمين، كان لها التأثير الجادّ في فكر الريحاني وآرائه، نعني فيلسوف المعرّة( أبوالعلاء المعرّي)[11] الذي اعتبره الريحاني فولتير الشرق، و ديوجينوس العرب[12] و يجيء من الروّاد المؤثرين الكواكبي[13]، ومن رجال الدين صاحب الدور البارز الشيخ محمد عبده[14]، وكذلك الإمام جمال الدين الأفغاني[15]، ونجد من الفلاسفة العالميين، و الأدباء الذين تأثر بهم الريحاني تأثراً بالغاً في ربوع الغرب، أمثال: معلّمه الأول فولتير، و روسو، ورينان... وغيرهم.[16]
لقد كرّه الريحاني الظلم، والفقر، والحرمان، والعبودية، وامتشق قلمه ليرسم المدينة العظمى المبنية على طرق الحرية والقيم الإنسانية الفاضلة، والكرامة الشخصية، كما كرّه النعرات الطائفية في وطنه، والتي لم يشهد مثلها في الولايات المتحدة الأمريكية، إذاً كان يكنّ لوطنه الخير، و حاول أن يثور ثورة جذرية ضدّ التخلّف، و الإهتراءات في الأنظمة والشرائع، حيث كان يقول: [ الحكومة التي تقيس عدلها بمقياس طائفي، لا بمقياس العدل و الكفاءة، هي حكومة بائدة ... و في التفكّك الطائفي تحقيق الآمال القومية][17] و راح يصبو إلى وطن المحبّة و التآخي على طراز تقدّمية الأمم، و شعائر الثورة الفرنسية، و تطور الغرب الديمقراطي، منبذاً أنّ [ الحكومة المؤسسة على الطائفية حكومة ظالمة][18] يجب أن تتبدّل إلى حكومة مؤسسة على المصلحة الوطنية التي تكون من دواعي الأساس في تشكيل دعائم المدينة العظمى.
وجد الريحاني نفسه في عالم يقدّس العلم، وينير مشاعل الحريّة و الديمقراطية، فخرج إلى بلاده وهي ترزح تحت عبء ثقيل من الإنحلال المذهبي، والتخلّف الإجتماعي، فشاءها موحدة، متآلفة، مكافحة، تسير في ركب الحضارة والتطور والرّقي، كما يكون حال الأمم الغربية في تطورّها و رقيّها.
يطلع الريحاني مع جمهرة من الأدباء في المهجر إلى إنبلاج فجر جديد، يطمس غياهب التعصّب، وا لتفرقة، والتمزّق الذي بذره المستعمرون.[ و قد تحرّكت في نفوسهم عاطفة النفور من التعصّب المذهبي، حتى قام منهم من أخذ ينادي بالدين الإنساني وبالإيمان الشامل، أو على الأقل، يدعو إلى حرية المعتقد].[19]
وهكذا سعى إلى أن يزيل المدّ الطائفي، ويزيح عن صدر الأمة ثقل الكابوس الديني الذي جعل قواعد الحياة الإجتماعية مشلولة هزيلة، وهكذا يختار للحكومة المثالية أن تبنى مصالحها حسب مصالح الوطنية العامّة، وفي عام 1936 نهض يعرّف الطائفية في قومياته، و يبيّن خطورتها، وانعكاساتها السلبية على مسيرة المجتمع الخلوق وتطوّره، فالطائفية عنده هي لفظة أخرى لحبّ الذات، وهي نوع من أنواع الخيانة الوطنية، وفي القضاء على الطائفية و تفكّكها تحقيق الآمال القومية، وتحقيق المدينة العظمى.[20]
وهكذا أكّد الريحاني أنّ الطائفية نوع من الخيانةالوطنية، والرجل اللاطائفي يقع في ميزان الشرف والوطنية، فيما اعتبر الرجل الطائفي سفّاحاً فاسداً يسير على نهج الإستعمار.[21]
ويطرح سؤالاً أنّه لو افترضنا [ أنّ في الأمة ثلاثة أو أربعة أحزاب متباينة المبادئ و شديدة النزعات الحزبية ... فهل يتمكّنون من ذلك إذا ظلّ كلّ حزب متمسّكاً بمبادئه؟][22] و يجيب أنّ مصير هذه الأمة ستؤدّي إلى الإفتراق التام وباتّحاد أبناء الأمّة تبنى الأمّة المثالية.
رأى الريحاني أنّ فرنسا لعبت دوراً خطيراً في إلغاء التوازن الإجتماعي في البلاد و ساعدت فريقاً من اللبنانيين على سبيل الدين ضدّ الأكثرية وهكذا حاولت أن تناهض العرب مناهضة دينية لا وطنية في سبيل الحرية والإستقلال.[23]
كما أنّه لا ينسى أن يتنكّر للسلوك السياسي التركي الغاشم في توطيده للنعرات المذهبية بين سوريين ولبنانيين، ومسلمين ومسلمين، ومسلمين ومسيحيين، السبب الذي دفع البلاد إلى حافة الهاوية ووضع مستقبلها في أتون الإنتحار الوطني والقومي. وإزاء هذه الحقائق الباعثة على الألم، وأمام هذا الجوّ المشحون بالتفتّت، والتفكّك، والتباغض، والإنقسام، يأسف الريحاني لحال الشعب اللبناني، فيتساءل: [ أ تتطور الأمم في سائر المعمورة؟ و يظلّ اللبناني مقيّداً بقيود التقاليد العقيمة والعصبية الطائفية؟][24]
[1] - سورة يوسف\8.
[2] - سورة يوسف\ 14.
31- أحمد فارس الشدياق(1218-1304هـ\ 1804\1887م): أحمد بن فارس بن يوسف بن منصور. لغوي صحفي لبناني. ولد في قرية عشقوت، إحدى قرى كسروان بلبنان. إشتغل بالتجارة و أصدر جريدة الجوائب، و توفّي بالآستانة. من أهم آثاره:(( الساق على الساق))، (( كنز الرغائب في منتخبات الجوائب))، ((سر الليالي في القلب و الإبدال)) و غيرها. انظر الموسوعة العربية العالمية ، 14\87.
32- بطرس البستاني ( 1234-1300هـ\ 1819- 1881م): مفكر و باحث لبناني. أحد أركان النهضة الثقافية العربية في القرن التاسع عشر . ولد في قرية الدبيّة بلبنان. عمل بالصحافة و أسس أربع صحف: نفير سوريا، الجنان، الجنة، الجنينة. من أهم آثاره: (( محيط المحيط ))، و ((دائرة المعارف)). أنظر م.ن.، 4\419.
33- إبراهيم اليازجي ( 1264-1324هـ/ 1847- 1906م ): أديب و لغوي و صحفي لبناني. ولد و ترعرع في بيت علم و أدب، فوالده ناصيف اليازجي أحد أعلام الأدب و اللغة آنذاك. أصدر جريدة النجاح و مجلة الطبيب، و البيان، و الضياء. من آثاره: (( نجعة الوارد في المتوارد)) و إكمال شرح ديوان المتنبي الذي بدأه أبوه. أنظر: م.ن.27/294.
34- سليم البستاني(1264- 1302هـ\ 1848- 1884م): صحفي لبناني من روّاد الصحافة العربية في القرن التاسع عشر. و هو إبن بطرس البستاني. ولد في عبية. أصدر صحيفة الجنة، و الجنينة. له كتابات في المسرح، منها: ((الإسكندر)) ، ((قيس و ليلى))، ((زنوبيا))، ((الهيام في جنان الشام)). أنظر م.ن.، 4\419.
35- يعقوب صروف ( 1269-1346هـ\ 1852- 1927م): صحفي لبناني من أعلام الصحافة و الثقافة العلمية في العالم العربي، ولد في بيروت . من مؤلفاته: ((فصول في التاريخ الطبيعي))، ((العالم و العمران))، (( سير الأبطال العظماء القدماء)). أنظر، م.ن.، 15\94.
36- سليمان البستاني ( 1273- 1344هـ\ 1856- 1925م): عالم و أديب و سياسي لبناني. توفي في أمريكا. عرف بقوة العزيمة و علو الهمة و حبّ الأسفار، كما عرف بدماثة الأخلاق و حسن المعاشرة و الزهد في المال. من أهم آثاره، ترجمته (( إلياذة هومر)). أنظر، م.ن، 4\420.
37- فرح أنطون (1874- 1922): مفكر و أديب عربي لبناني، من أعلام النهضة و من دعاة القومية العربية. ولد في طرابلس الشام. كان له ريادة المنهجية العلمية في حقل العلوم الإنسانية في الفكر العربي الحديث. طالب بالفصل بين السلطة الدينية و المدنية. من أهم رواياته: ((الدين و العلم و المال أو المدن الثالث))، ((الوحش))، ((أور شليم الجديدة)) و غير ذلك. توفي في القاهرة و دفن فيها. أنظر الموسوعة العربية، 4\7.
38- أبو العلاء المعرّي(363-449\973-1057 م) شاعر و مؤلف عربي كبير، كنيته أبو العلاء، و لقب نفسه برهين المحبسين. المحبس الأول فقد البصر و الثاني ملازمته داره و اعتزاله الناس. ولد بمعرة النعمان و هي مدينة شامية. فيكون معناها الشدة و الحزن. من أشهر مؤلفاته: سقط الزند، و الدرعيات، و اللزوميات. أنظر الموسوعة العربية العالمية، 23\479 .
40- الكواكبي (1849-1902 م): صحافي و أديب سوري، ولد في حلب و أنشأ فيها جريدة « الشهباء» 1877. اضطهده الأتراك لأفكاره التحررية و دعوته إلى النهضة و الإصلاح. جال في زنجبار و أقام في مصر و توفي فيها. له كتاب « أمّ القری» و ?تاب « طبائع الإستبداد». أنظر المنجد في اللغة و الأعلام، ص: 596.
41- شيخ محمد عبده(1849-1905م): سياسي مصري. من علماء المسلمين الداعين إلى التجديد و الإصلاح. ولد في شنرا من قرى الغربية بمصر و توفي بالإسكندرية. حرر جريدة « الوقائع المصرية» فاشتغل بالتدريس و التأليف. من مؤلفاته « رسالة التوحيد »، «شرح مقامات البديع الهمذاني» ، « شرح نهج البلاغة» و مجموع مقالاته. أنظر م.ن.، ص: 454.
42- جمال الدين الأفغاني(1839-1897م) أول زعيم من زعماء الحركات الإسلامية، دعا إلى الوحدة الإسلامية و التعاون بين الزعماء الدينيين و السياسيين. أنظر ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ص:149.
[17] - ـ أمين الريحاني، القوميات، 2/347.
[18] - أمين الريحاني، م.ن.، 2/347.
[22] - أمين الريحاني، م.ن.، 2\348.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: مريم هاشمي
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 5
الفكر الإجتماعي عند أمين الريحاني
تعتبر ترجمة حياة أمين الريحاني و ظروف عصره و واقع مجتمعه المدخل الأساسي لفهم أفكاره الإجتماعية، و هو لا بدّ له كأي مفكّر آخر من إتخاذ أنموذج نظري عند تحليله و بحثه و طرح أفكاره، و لغرض معرفة الأصول و الأطر التي يؤطّر آراءه، من الضروري معرفة النظرية أو الأنموذج التي تستند إليها أفكاره و نظرياته الإجتماعية الهامة في المصدرين الأساسين من كتاباته هما الريحانيات و شذرات من عهد الصبا.
يشرح الريحاني القضايا الإجتماعية بصدق و شجاعة من دون تكلّف عن الواقع و المجتمع، مشبعا كلماته آماله و تطلّعاته بأسلوب أدبي مشوب بالنقد اللاذع للعادات و التقاليد المتحكّمة بأواصر الشعوب؛ إذ إستطاع من خلال كتاباته و أفكاره التي تميّزت بالجدّ من جهة، و العمق و الشمول من جهة أخرى، أن يمهّد السبيل للأمة و يشقّ لها الطريق نحو نهضة فكرية عربية شاملة بالتضامن و التعاون، و توزيع الأعمال و تنسيقها.[1]
الريحاني رسول إجتماعي قبل أية صفة ثانية، فحتى الطبيعة التي هام بها لم تشغله لحظة واحدة عن قضايا الإنسان و المجتمع. بل كان يهتم بمبادئ الإصلاح بين ثنايا التأمل و التفكير العميق. هو فتح حياته الأدبية، و طرق باب الشهرة بخطبته [التساهل الديني][2] و بقصّته [المحالفة الثلاثية] و هما من أدبه الإجتماعي.
رسالة الريحاني الإجتماعية ليست في وجوهها المتعددة إلاّ خواطر كاتب عاش بين الطبيعة و الوطن و المهجر و الكتب: و في الطبيعة جمال فطرة و في الوطن روحانية الشرق و في المهجر نور الحضارة و ظلمتها، أمّا في الكتب ففيها صراع المذاهب الإجتماعية و الآراء الفلسفية. و لهذا تنوّعت وجوه دعوته الإجتماعية تنوعاً كبيراً و كان أهمّها:
أولاً: التربية الحقّة و التهذيب الصحيح: الريحاني خطيب و كاتب، صريح لا يهاب و يحمل رسالته التهذيبية و الروحية، بجرأة في كلّ مكان. و يدعو إلى العلم و الفضائل الخلقية و الثورة على الجمود و التقاليد و السير مع مواكب الأمم الراقية.
و يعتقد أنّه لا يمكن أن تزال الأوحال و الغبار عن الآداب و السياسات الخاطئة إلاّ بالتربية الحقة و التهذيب الصحيح، تربية أساسها الشجاعة و الصدق و النظافة، و تهذيب أساسه حبّ العدل و الوطن و لا تسود الحريّة الجوهريّة الكاملة إلاّ بواسطة العلم الصحيح و التهذيب الصحيح.
عندما تسرّبت هذه الفضائل بين الرعاة و الرعية تصطلح شؤون المجتمع و تستقيم جادّات الأدب و الدين و السياسة و حينما تصلح هذه الأمور تصلح الحكومة و المجتمع حيث تؤدّي إلى الحياة الحقيقية التي تجمع فيها قوّة الجسد و العقل و الروح معاً، إذاً يعتبر هذه الحياة كنزاً من كنوز الوجود و أنّ قيمتها لا تقدّر ولا تُحَد بينما يعتقد أنّ الحياة اليومية هي ناقصة و فاسدة و لا إخلاص فيها و لاعقل مسيطر على أعمالها. و برأيه أنّ الحياة الحقّة تعني الجمع بين محاسن فلسفة الروحيين و فلسفة المادّيين، وهي التي تعظم فيها قوّة عمل الجسد و قوّة العقل وقوّة الروح معاً.
و يعتقد أنّ الحضارة التي تجبر أبناءها على العمل في المصانع بدل أن تبعثهم إلى المدرسة هي حضارة عقيمة و فاسقة و أنّ النظام الإجتماعي الذي يحرّم العلم على أبناء الفقراء و يرعي مصالح الأغنياء و يهمل في حقوق بقية الشعب لهو نظام فاشل حقاً وإنّ هذا النظام يحتاج إلى قيادات مخلصة كي يطبّق قانوناً صارماً وعادلاً يدافع عن حقوق هؤلاء الناس و تطالب بحقوقهم صيانة أمام ما يتعرضون لهم من غزو فكري ومبدئي.[3]
ثانياً: منهج الدين و التساهل الديني: يرى الريحاني أن الإنسان خلق إنساناً قبل أية صبغة ثانية فيقول: [لم يخلق الإنسان كاهناً أو أميراً أو سلطاناً، و ما خلق مسيحياً أو مسلماً أو بوذياً أو مجوسياً] بل أنّ الشرائع والأديان تفرّق بين الناس.
و يصرّح قائلاً «على الكاهن في جيلنا هذا أن يقرِّع الأشرار و يندّد بالإنذال و يقبح بالرذيلة على اختلاف أنواعها و درجاتها. عليه أن يحرّض رعيته على عمل الخير المجرد عن الغايات الدنيئة. عليه أن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر.»[4]
أن الريحاني بإقراره، بأصل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر يعترض على الشعب الذي تكون أعمالهم و تحرّكاتهم خارج البرنامج العام الذي وضعه الله لهم و يواصل كلامه أن العبادة الحقيقية تعني الخضوع للّه تماماً و يأتي بمثال « أنّ التطيّب و التزيّن و التخضّب و التبرّج كلّها إحتجاجات خفية على صنعة الخالق والإعتراض على كلام ينسب إلى الله يعدّ تجديفاً ... المرأة التي تزّين وجهها و تخضّبه تعترض على عمل الله و كأنّها تقول بنفسها أنت يا ربّي لا تعرف شيئاً عن الجمال. أنا أقدر أن أعلّمك و أصلح لك عملك هذا.»[5]
ثم يبادر إلى أن الوسيلة الوحيدة التي تصلح هذه الأمور الفاسدة هي أن نعظهم بكلّ الهدى وبالكلام الرفق واللين ونترك الضغط وشدّة اللهجة عليهم لأنها لا تصلح شئياً قطّ. و على «الكاهن أن ينتقد العادات والأخلاق من أن يبث الشقاق والبغض بين الطوائف في المواعظ اللاهوتية الحماسية والمباحث الدينية العويصة التي لا يفهمها واحد بالمئة من سامعيه.»[6]
و الريحاني يقصد من تعبير [جادة الرؤيا]، الطموح الرئيسي للوصول إلى الدين الذي هو خال من الشوائب النفعية و الماديّة و المساوئ الأخلاقية التي عصفت في وجدان الشعوب و تركت آثاراً سلبيةً على منهجهم الفكري. و هذه الجادّة التي يقصد بسلكها هي تقرّب النفس إلى الكمال الروحانية.
فيما يتعلّق بالتساهل الديني لابدّ من القول أن التساهل الديني هو عنوان خطبتة الأولى التي ألقاها في نيويورك في الرابعة والعشرين من عمره على مسامع الجالية المارونية. و كان يهتمّ بالتساهل إهتماماً كبيراً لأنّه يعتبره من المواضيع ذات أهمية بعيدة الأثر في المجتمع الإنساني حيث يختلف الناس فيه عبر القرون و الأعصار، و يدافع العلماء و الفلاسفة و الأحرار و محبّو البشر عنه.
و يتعرض لتعريف التساهل أنّ له معنيين: المعنى العامّ و المعني الخاصّ. من الجهة العامّة، التساهل يتلخّص في التسامح ومن الجهة الخاصّة فهو إجازة العقائد والطقوس التي يتآلفها الناس.
وكان يعتقد أنّ التساهل نشأ أوّلاً عن التعصب و هاتان الكلمتان ضدّان مثل النور، و الظلمة، والخير، والعدل، فلو لم يكن أحدهما ما كان الآخر. يخلق التعصب التساهل والتساهل السلام والسلام النجاح والنجاح السعادة. التساهل هو الابن والتعصب هو الأب يحاربان معاً عبر التاريخ في القرون الوسطى، و كان الفوز أحياناً لهذا أم لذاك حتى انتصر التساهل على التعصّب في القرن التاسع عشر و أخذ التعصب يموت و لكن التعصب غرق في السياسة و الدولة. والحروب التي تخوضها الدول الأوروبية على الشعوب الضعيفة والصغيرة ما كانت إلاّ نتيجة التعصب الدولي حيث إنكلترا تعتبر نفسها أصلح من فرنسا وفرنسا أصلح من ألمانيا و ألمانيا أحسن من كليهما. والتعصب الدولي هوالإضطهادات التي كانت تمارسها الدول الأوروبية المسيحية بعضها ضد بعض وأيضاً تمارسها ضد « البرابرة».[7]
ثالثاً: العلم و الأخلاق: يفرض الريحاني أنّ العلم هو دعامة من دعامات الحياة، و أن أساس الإصلاح، قائم على تحرير العقول من الأضاليل التي تفسدها وتضعفها ولا يكون ذلك إلاّ بالعلم.[8]
و يقسّم الكتّاب إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول، قلمهم من الذهب و تسُرُّ نفوسهم عند الإعتكاف على القراءة و يختصر سعيهم على أن يكونوا نافعين للحياة و يحبّون الحصول على ثمرة أعمالهم وهم في معرض تحسين الناس وتكريمهم ويدفع الناس إلى حمل لواء الأكثرية لهم. و القسم الثاني قلمهم من القصب ويعلّمون الناس علماً حسناً ويختصر سعيهم على شؤون الحياة ويدفعون الناس إلى حمل لواء الأقلية لهم والقسم الأخير قلمهم من ريش القنفذ ويعلّمون الناس شيئاً كذنب الطاووس يبهر العيون لكنه غير نافع، كلام مرصّع ومنمّق لا جدوى فيه وهؤلاء الذين من هذه الطبقة لا يتوجّهون إلا لأنفسهم. ويزيّفون الكلام لمقاصد و نوايا، وما كان لواؤهم إلاّ لواء القصائد المنمّقة والمسجّعة.[9]
ثمّ أنّه يشير إلى مدى إيمانه بدور العلم في رقّي المجتمع و نهضته التي تصوغ شخصية الإنسان طبقاً لما تهدف إليه برامج العلم والتعليم، إذ يقول أنّ التعليم [ أساس العمران وسياج الوطن وركن من أركان الإستقلال] ويلخّص أسباب الرقيّ والعمران في أربعة أمور:
- نزعة شديدة إلى العلوم
- الطموح إلى فتح ذروات النجاح والولع إلى الإطلاع على العلوم المفيدة
- الشوق والنشاط للإطلاع على الأمور في هذه الدنيا
- كشف أسرار الطبيعة للعثور على القوى الكامنة فيها
و هذه كلّها تؤدّي إلى الرقيّ والعمران وهكذا يثبت أنّه لافضل لأمّة على أخرى إلاّ بما إكتسبته من الأمور الهامّة في مضمار الفكر والبحث والعمل في سبيل الإنسانية وهذه السجايا في كلّ الأمم إنّما هي نتيجة الأخلاق السامية.[10]
بناء على ذلك يقسم الريحاني الأمم إلى قسمين: الأمم التي لا تاريخ لها وأنّ ماضيها و حاضرها ومستقبلها سواء والأمم ذات التاريخ. ويواصل حديثه أن أسباب العمران و الإزدهار تختصر في العلم بماضي الأمة و تاريخها و ثقافتها مجرداً عن التزلّف و الشبهة، العلم الذي يعلّم ترك التجرّد و الجمود و الجهل.[11]
الريحاني بعد تأكيده على ضرورة وأهمية العلم الذي يحيي القلوب يشجّع أبناء وطنه عليه و يشيد بمقام المعلم الذي يهدي إلى النور وهو دليل العقل في الحياة ونبراس الفكر و التأمل في الأمور الصعبة التي لا تفهم ولا تدرك بسهولة بل يحتاج إلى تفكّر عميق.
و يضيف أيضاً أن المعلم الحقيقي هو الذي يتعهّد أبناء أمّته ويرعاهم جيلاً وراء جيل حتى يصبحوا شباباً قادرين على أن يخوضوا في معركة الحياة بالشجاعة والإقدام. ويشيد بمقام الذين يستشهدون في طريق العلم والحرية و العبودية « رأينا أناس يفادون بأنفسهم من أجل مبدأ علمي، أو تعليم إجتماعي أو مسألة طيبة».[12]
فيما يختص بالأخلاق يؤمن الريحاني أنّها جمع كلمة خُلق وهو السجية، والعادة، و الطبع، ويردّها البعض إلى ملكة أوحسّ تصدرعن النفس بسهولة من غير تقدّم فكر ورويّة و تكلّف.[13]
و يعتقد أنّ الأخلاق السليمة السامية تسبّب التقدّم وتعدّ من أهم أركان الرقيّ و العمران. ويعتبرها نور العدل والإنصاف في البلاد ونور الإيمان في الدين والشريعة ونور الصدق والإخلاص في العلوم حيث يقول موضحاً: « إن الأخلاق قوى كامنة في النفس، تؤثر فيها الحوادث والأشياء، ولها مزايا راسخة في النفس، تظهر في مظاهر شتّى لغاية روحية هي إرضاء النفس وإرتياحها وإطمئنانها».[14]
رابعاً: التمدّن[15] الحديث: وهو من أنماط و ديناميات التفاعل الإجتماعي الإنساني عند الريحاني و يعتبره وسيلة و غاية في آن واحد، وسيلة من حيث أنّه يرتقي بالعلاقات الإنسانية في مظاهرها المختلفة و في أسمى مراحلها، و غاية من حيث أنّه الهدف الذي يسمى لتحقيقه من تطوّر و ارتقاء تلك العلاقات بين الناس.
يرى الريحاني بعداً شاسعاً بين التمدن الغربي والتمدن الشرقي حيث ينقل قول المؤرخ الإنكليزي غيبن[16] « مدنيّتنا الحاضرة ثابتة الدعائم، راسخة الأقدام و ليس في العالم اليوم من القبائل الهمجية ما يكفي لغزو بلادنا وهدم ما شيّدناه في قرون». و لكن التمدن الشرقي متخلّف والأمور التي أدّت إلى تخلّفه تتلخّص في الأمور التالية:
- تميز الشرائع بين القوي والضعيف والغني والفقير
- فساد المحاكم وتعلّق القضاة بإدخارالمال أكثر من إنجاز العمل
- إحتكار الأموال والثروات من قبل الشركات التجارية لأجل تخزينها وتضاعف أثمانها
- التشريع الذي لا يطبّق إلاّ بقوّة السلاح.
- زيادة الضرائب من قبل الحكومة على أيدي الجنود الإحتياطيين.
- الجهل الذي لا يزال يحارب الحرية بآلة الخرافة و الخزعبلات.
- ترجيح الرياء على الصدق وتقدّم الشعوذة على الذكاء والسياسة على العلم والزيف على الحقيقة والمال على العدل.
- الأجهزة والأدوات الحربية التي تزيد يوماً بعد يوم.
- الصحفيون الذين يكتبون في الجرائد والمجلاّت الفصول الطويلة حول الشرّ و الرذيلة علانيةً في عيون القراء وإظهار التصاوير البشعة مصورة فيها أفظع الجرائم و الآثام.
يَعُدُّ الريحاني كلّ هذه الأمور من عواميد تمدّن الغرب التي أسّست على الماّدة و الطمع و الإستئثار، معلناً أنّ هذا التمدن ينشر روح الخباثة و الأنانية في كلّ دوائره الإجتماعية و الدينية والأدبية لأجل الوصول إلى التجارة العالمية في بلاد الشرق، فالغربيون مع تشييد مدارسهم للتجارة يتعاملون مع الشرقيين بالنفاق والتملّق وفي النهاية تؤدّي هذه المعاملة إلى إعلان الحروب الدامية على الأمم الضعيفة.[17]
خامساً: الوحدة: كان الريحاني قد ترك الأهل والديار في سبيل وحدة الدول العربية متحمّلاً الجهد وأنفق أموالاً طائلة. «إنّي من دعاة الوحدة العربية ومن أنصارها وإنّي من المؤمنين بصحّتها كعقيدة سياسية وكفكرة إجتماعية، إنّي من دعاتها وأنصارها لا لأنّي عربيّ فقط بل لأنّي عربيّ محبّ للعرب أجمعين].[18]
و كان يرى أن الأمم العربية اليوم مصابة بإنهيارات كبيرة في نفسيّتها و ثقافتها و تكوينها الإجتماعي، و الإقتصادي، و السياسي، و يحتاج إلى تضافر المساعي في سبيل إزالة الحواجز و الموانع حتى تعمّ الوحدة بين أبنائها جميعاً. « الوحدة العربية ممكنة بل محققة... لأنّها مظهر من مظاهر التجدّد و الرقيّ و درجة من درجات التطور القومي في كلّ مكان.»
يواصل الريحاني كلامه موضحا إلى أنّ من أهمّ العقبات التي تعتري طريق وحدة الأمم العربية:
أولاً: الجهل بالدين موجود بشكل فظيع بين الأمم حتى بين أكثرية المتدينين. الجهل الذي إمّا يشوّه صورة الدين في الأذهان وإمّا يضعه في إطار ضيّق قائم لا يتجاوز حدود بعض العبادات والعادات والتقاليد حيث تنتهي إلى نشوب النزاعات بين الأمم العربية حول مسائل موهومة فرعية لا وزن لها في معيار الدين والمذهب.
ثانياً: جهل أتباع المذاهب الذين يتقاذفون أنواع التهم التي لا أساس لها أصلاً.
ثالثاً: ترك زمام أمور السياسة بيد الساسة المنحرفين يسيرون في طريق تحقيق مصالحهم الذاتية و شهواتهم و استمرار تسلّطهم حيث يخشون من وحدة الأمم و إجتماع كلمتها، لأنّهم يعرفون أنّه لو توحّدت عزّت، و لو عزّت ما استكانت للظلم والظالمين وأخيراً وهذا يؤدي إلى تمزيق الوحدة بين الأمم العربية؛ بينما يتحمّل المخلصون الداعون إلى وحدة العرب مسؤوليات كبيرة في تعميق روح العروبة ، والتحذير من كل ألوان التفرقة.
رابعاً: غياب الروح الجامعة بين الأمم حيث نشبت الخلافات بسبب المستعمرين وعملهم علىتفرقتهم للأمم وبث النعرات القومية و الوطنية لتمزّق شملها، و لتجعلها متنازعة فيما بينها بعد أن كانت أمة واحدة.
يعتقد الريحاني أنّ الإختلاف غير الخلاف وأنّه طبيعي وموجود بين أبناء البشر بل بين أبناء الأسرة الواحدة و لكن المهم هو أنّ هذا الإختلاف لا يؤدّي إلى نزاع و شقاق بين أبناء الأمم العربية بل جدير هو أن يؤدّي إلي التعارف وتبادل التجارب والتعاون في مسير استكمال الحضارة بينهم. ويحذّر من أية عصبية قومية أو فئوية أو حزبية، فوجود هذه العصبيات لا ينسجم مع الوحدة العربية. ونهى أيضاً عن أيّ تفرّق و تنازع واهتمّ بروح الوحدة على صعيد المشاعر والقلوب قدر إهتمامه بغرس كلمة [التوحيد] في الأفكار والعقول. وآمن بالعروبة والوحدة العربية، وسعى إلى التعاون والتعاضد والإتحاد بين البلدان العربية. وكانت غايته من رحلاته إلى البلدان العربية، أن يعرّف ملوك العرب بعضهم ببعض ليحصل التفاهم بينهم على النزاع عبر المناقشة، و بذلك قد قدّم لهم خدمة كبيرة.[19]
سادساً: القومية العربية: القومية تعبير سياسي، تعني شعور الناس جميعاً بالإنتماء إلى أمّة واحدة، و يشمل هذا الشعور كذلك الإحساس بالولاء للأمة والإعتزاز بثقافتها وتاريخها والإستقلال الوطني.[20] والريحاني آمن بالقومية العربية ودعا إليها، حيث نرى جرأة و إقداماً و تفتّحاً في دعوته للقومية العربية ووعياً لمشاكل الوطن العربي. نادى بالقومية العربية جامعة لا دينية ولا عنصرية، ونادى بالتضامن العربي للخلاص من الإستعباد والظلم من حكم أجنبي. ولقد ثار ضدّ الإنتداب الفرنسي وألقى خطابة سنة 1933 في حفلة جمعية التضامن مقارناً فيها بين الإحتلال التركي والإنتداب الفرنسي إذ قال: [ لقد إنتقلنا من عهد عبد الحميد العثماني إلى عهد عبيد البعل، من ظلم ظاهر إلى ظلم خفي، من ظلم مختل إلى ظلم منظم].د.أ.د
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د.فضل طلال العامري
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 3
وعي المثقف
د.فضل طلال العامري
إن المثقف هو الإنسان الذي يتجاوز دائرة ذاته نحو المجتمع بأكمله، وهو القادر على أن يجعل مشاكل الآخرين هموماً شخصيةً له، وبذلك فهو يكون ضمير عصره سواء في إدراك أخطار الحاضر أو الحلم بالمستقبل، يرصد ويحلل، يتوقع ويتصور، ولا يضيع في التفاصيل وإن تابعها، إنه بإختصار مفكر حقيقي.
قد يعتقد البعض أن هناك مبالغة في شمولية كلية كهذه، لكننا نراه كذلك، أو يفترض به أن يكون كذلك، ضمير الأمة المتصل بكل آمالها وآلامها، لأن وظيفة المثقف ليست الإسهام والمشاركة فحسب، وإنما القيادة والتوجيه، والتقييم والتقويم لمسيرة المجتمعات، ولأنه مصدر الوعي وداعية حقيقي للبناء والنهضة ، فهو الصحفي في جلاء الحقيقة، والمعلم في تمكين المعرفة، والقانوني في بسط العدالة، والسياسي الساعي لتحقيق الديمقراطية.
هناك أخطاء شائعة أصبحت جزءاً من مدركات العامة، فعندما تذكر كلمة مثقف يقفز الى الذهن أنه الإنسان الذي يحمل الشهادة.. الجامعي أو الأكاديمي، وأننا لا ننكر هذا على أصحاب الشهادات، لكن في الحقيقة لا أعتقد بوجود كثيرين يختلفون معي، في أن المثقف هو إنسان يتملكه الإحساس بمن حوله، ويستطيع بملكته أن يعبر عن ذلك الإحساس بطرق مختلفة، وليس لذلك علاقة بالشهادات والدرجات العلمية، فالمثقف قد يكون إنسانا بسيطا مبدعا، يحس بمعانات ألآخرين، يحمل آمالهم ويعيش قضاياهم وليس بالضرورة أن يكون اكاديمياً، وأن الجمع بين الصفتين قد كان رافداً مهماً للعطاء الإنساني.
المثقف يشكل وعياً عميقاً بمجتمعه، لأن الإبداع لاينفصل عن الإحساس بالحياة وتنوع اتجاهاتها، لأنه يمتلك رؤية للحياة والتعبير عن نبض الشارع الثقافي ... فهو يشهر قلمه في وجه الواقع المتخلف رافضاً وداعياً للتطور من منطلق إدراكه بأن الأفكار تسهم في صناعة التاريخ إذا تحولت إلى فعل.
إن أي توقف في عملية تطوير الثقافة والفكر يعد استثناءً تاريخيا، وهو يؤدي إلى انحراف في مسار عملية البناء الاجتماعي. لذلك لابد من الدقة في تفسير معنى المثقف لأن الخطأ في التفسير، سيؤدي حتما إلى خطأ في تفسير دور الثقافة وعندها يبدأ الغموض في تحديد الدور التاريخي والحضاري.
والسؤال هنا ما هو دور المثقف ؟
المثقف بكل الوصف الذي سبق أن قلنا، يمكن أن يلعب دوراً محورياً في عملية التطور الحضاري، لكنه يبقى ابن بيئته، ويخضع لما تخضع له من قيود، فأحيانا يكون قادرا على الرؤية والتصور والتحليل، وفي أحيان أخرى وهي كثيرة يكون غير قادر على التواصل، وبالتالي فإنه سيقف قاصراً عن المعالجة، إذ أن الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتاريخية وعملية التكوين الفكري والنفسي من العوامل التي لها الأثر الكبير في دور وموقف المثقف.
الحقيقة أن الهدف من تناول هذا الموضوع، هو التأكيد على ضرورة أن تتعامل قطاعات المثقفين بإيجابية كبيرة مع قضايا المجتمع، وذلك لأهمية دورهم في التنمية الاجتماعية ...
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د.فضل طلال العامري
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 5
القيم النبيلة
د.فضل طلال العامري
استطاعت الحضارة العربية والإسلامية أن ترسي دعائم جملة من القيم والمثل عبر تاريخها الطويل ومن ابرز تلك القيم ما يتصل بالبعد الإنساني وهو التكافل والتعاون، وقد جاء معنى التعاون الايجابي في قول الله تعالى(وتعاونوا علي البر وألتقوي ولا تعاونوا علي الإثم والعدوان ) كما جاء في قول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم( إن أحب الأعمال إلي الله بعد أداء الفرائض إدخال السرور علي قلب المسلم، تكشف عنه أو تقضي عنه دينا أو تدفع عنه جوعاً ) ومن هنا فان الدعوة للتواصل الإنساني في التكافل والتعاون الاجتماعي إنما ترتقي الى قمة المشاعر الإنسانية النبيلة .
وقد رسم الفارابي في مدينته الفاضلة أبعاد التعاون بين أبناء المجتمع، لأنه أدرك أن التعاون ضرورة للوجود والحياة. ومن هنا جاء تأكيده على أن الأمة الفاضلة هي التي يتعاون أبناؤها فيما بينهم، كما تتعاون هي مع الأمم الأخرى.
ومما قيل في دروس وعبر الماضي عن ايجابيات التعاون وسلبيات التخلي عنه، أن مجاعة حدثت في احد البلدان.... وفي محاولة من الوالي لمواجهة خطر القحط والجوع، اخبر أهل البلاد بأنه سيضع قِدرًا كبيرًا في وسط المدينة، وعلى كل رجل وامرأة أن يضع في القِدر كوباً من اللبن، واشترط عليهم بان يضع كل واحد منهم كوب اللبن في القدر دون أن يشاهده أحد .
وامتثالاً لأمر الوالي هرع الناس متخفين ليلاًً، وسكب كل منهم المقدار الذي طلبه الوالي في القدر من غير أن يشاهده احد. وفي صباح اليوم التالي فتح الوالي القدر وتفاجأ مما رأى!!! لقد وجد القدر وقد امتلأ بالماء وليس باللبن كما طلب.
السؤال هنا ..... لماذا وضع أهل البلدة الماء بدلاً من اللبن؟
الحقيقة إن كل واحد منهم قال في نفسه ، لماذا أفرط باللبن ، سأضع كوباً من الماء وهو في النهاية سوف لن يؤثر في كمية اللبن التي سيضعها أهل البلاد في القدر، وبهذا فقد اعتمد كل منهم على غيره، وفكر بذات الطريقة التي فكربها غيره، وهو يعتقد أنه الوحيد الذي سكب ماءً بدلا ًمن اللبن.
ماذا كانت النتيجة؟ استحوذ الجوع على البلدة، وأكثر من فيها لم يجد من يعينه في هذه الأزمة.
الحقيقة إن رمزية هذه الرواية، وان كانت لا تمت للواقعية بشيء، كون اللبن لا يدوم صالحاً للاستخدام فترة طويلة، تصلح درساً يعتبر في ترسيخ القيم النبيلة في المجتمع. وعلينا جميعاً أن نكون صادقين مع أنفسنا أولاً، وأن نبادر دائما نحو ملأ الأكواب باللبن، لاسيما في الأوقات التي يحتاجنا فيها أخواننا في القومية والدين والإنسانية، ولله درك يا دولة قطر أميراً وشعباً في كل مبادرة لمعونة أخوان لنا هم في اشد العون لها، ولسنا هنا في تعداد هذه المبادرات، فمد يد العون لمحاصري غزة خير مثال واقرب.
حينما لا نبادر لنصرة أخواننا بما تستطيع، ونحن نتلذذ بطعامنا وشرابنا مع أسرنا الآمنة، فإننا نضع أكواباً من الماء في القدر الكبير. وعندما لا نتقن عملنا، معتقدين أن ما نقوم به من خلل سوف لن يظهر وسط ما يقوم به الآخرين من الأعمال الجليلة، فأننا نملأ القدر بأكواب من الماء بدل اللبن. وعندما نضيّع وقتنا، ولا ننجز واجباتنا، من اجل أن نساهم في بناء هذا الوطن، فأننا نسكب أكواباً من الماء.
هل تعلمون إننا إذا رضينا بنعمتنا وشكرنا الله، وقمنا بالدعاء بان يعم السلام في الأرض فإننا نسكب أكواباً من اللبن في القدر، وهذا اضعف الإيمان.
إن المجتمع الإنساني وبفعل التأثيرات السلبية للتطور المادي، يعاني اليوم من وجود شرائح على هامش الحياة لاسيما في منطقتنا، وقد انقطعت عنهم جسور التراحم والتكافل، الأمر الذي يزيد من معاناتهم يوما بعد يوم، وقد أضحت الحاجة ماسة وضرورية من اجل هؤلاء لتعزيز التعاون والتكافل الإنساني.وإن مواصلة العطاء نحوهم يقدم صورة مشرقة للتكافل ويعكس الدور الإنساني والحضاري للدول ويجسد الدور الأخلاقي للشعوب .