القصة والرواية
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمود الابطح
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5
انكمشت على نفسها كطفل خائفٍ في ليلةٍ عاصفةٍ هوجاءَ....نظرت إلى أعلى بعينين تتراقصان بوهج من نور تسلل بخفة عبر ثقوب جدران أضافت إلى وحشة الليل وحشةً .. فكانت سدا يمنع حتى وصول ضوء القمر الباهت إليها.....
كان السكون يلف المكان.......سكون لايخرقه سوى صدى آهات مخنوقه لفتاة أثقلها الوهن..كانت تشد على صدرها بعنف......
ولكن ولما لم يسعفها صمودها انهالت راكعة على الأرض مع أنها.....ظلت تنظر الى أعلى
يامن يوجد في كل مكان....
يامن يلهف اليه كل إنسان......
يامن لايحيطه وقت ولا زمان.....
يالطيف ياقدير
الطف بي وساعدني بمشيئتك........
وأخفضت رأسها .. انكمشت على نفسها مجددا .. كان التعب قد شلها شلا, ولكنها أبت الاستسلام , فرفعت رأسها بصعوبة جعلتها ترجف كورقة في مهب الريح
إلهي ياعالما بالأحوال كلها........
ياعالما بحال من تأكلهاأافكار الماضي .. من أغرقتها الهموم بزوايا ظلمتها
وصاغت منها الحزن أنشودة
ورنمها الوجع لحنا
فكان نومها مسهدا وليلها الشديد سرمدا
زفرت زفرة طويلة ثم أكملت ........
إلهي يامن كان مرشد دربي
يامن كان مزيل كربي
الخلاص ياإلهي
لم يكن ماتشده بعنف الى صدرها سوى جرح قد نحتته الحياة في قلبها نحت المحترفين .. جرح ماكان في استطاعة أحد ان يعالجه... كان الجرح ينزف , وكانت قطراته تختلط مع قطرات من نوع آخر.......نزف عينيها اللتين لم تبخلا عليها بمشاركتها الموقف
_________________
أنت الامل ليت الامل فيك ماخاب
خنت العمر مابين يوم وليله
محال أحبك دام جرح الهوى طاب
طيفك في بالي غاب وأعلن رحيله
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حيدر هبر
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 3
رصيف الموت
حيدر هبر
اعتادت ان تجلس أمامي بشكل غريب فلقد كانت تضع مؤخرتها على حافة المقعد وتضع قدميها على المنضدة باتجاهي ولم اعلم حتى هذه اللحظة ان كانت تستفزني ام تثيرني.. لم يكن لدي الوقت الكافي لكي أسألها.. عام واحد لا يكفي لمعرفة انسان عادي فكيف استطيع معرفتها وهي مميزة الى حد بعيد.. لقد كانت شيئا خارقا لم تستطع الحياة احتماله فتخلصت منها.. منذ اليوم الاول لفراقها وانا ابحث عن طريقة للاتصال بها حتى أني وقعت بيد بعض الدجالين بل اصبحت أضحوكة عند البعض الآخر حتى تأكدت بأنه لا يمكن الاتصال بالأموات، وعندها شعرت بيأس شديد وفكرت بالانتحار ولكن كان الامر صعبا جدا حيث اني شربت الخمر كي اهون الأمر على نفسي وقد اسرفت حتى الثمالة وبعد ان خرجت من الدار لم أستطع المشي الى الشارع فقعدت على الرصيف وأسندت ظهري على إحدى المحلات التجارية حيث سيطر علي الغثيان وبدأت اشعر بالاختناق ولقد ساعد الليل على ذلك ولم يسعفني البرد الشديد للشعور بالهواء وهو يداعب أنفي حيث كنت دافئا بسبب نوعية الخمر الذي احتسيته.. لقد كنت كسولا جدا وعاجزا عن فعل اي شيء حتى اني لم أكن أقوى على الانتحار ذاته خصوصا أنني لم أفكر بطريقة معينة.. لم أعرف فراغ الفكر يوما ولكن في تلك اللحظات لم يكن في بالي شيء لقد كان رأسي فارغا ومعتما فقط صورتها كانت تظهر بين لحظة واخرى بالذات عندما كانت تطفئ سيجارتها وتسحقها(ما العمل الآن..؟) لم تكن لدي فكرة عما سأفعله, حيث بقيت على هذا الحال يتناوبني الغثيان والليل وصورتها حتى سمعت احدهم يقول : (هل تنتظر احداً...؟)
إلتفت الى مصدر الصوت فوجدته متسولا مستلقيا بجانبي وقد أحاطته الاوساخ وكان يبدو وكأن دهرا مر عليه في هذا المكان ولكن الغريب اني لم أشاهده عند مجيئي إلى هنا والأغرب من ذلك هو أنني قلت له (نعم … انتظر زوجتي!)
- هه.. عليك أن تنتظر قليلا فلن تمر الآن
-ماالذي تقوله انها ميتة..؟!
عندما سمع مني ذلك بدأ بالضحك حتى أخذ يسعل بعدها ثم قال:
- بالطبع ميتة والا لما جئت الى هنا لرؤيتها.
- ماذا تقصد...؟
- ألا تعرف انك تجلس على رصيف الموت!
شعرت بالقشعريرة عندما قال ذلك خصوصا اني شممت حينها رائحة رطبة اشبه بسرداب في المقابر فقلت له:
- ولكني لا أومن بالاتصال بالاوراح
- أنا لست عرافا وأنت حر إذا صدقت أو لا..انظر هذه أول دفعة من الاموات قادمة!
لا أعرف ما الذي أنتابني حينها لقد كنت مرعوبا ومشتتا ولكني نظرت حيث أشار وإذا هم رجال ونساء واطفال يسيرون على الرصيف وكأنهم في حالة تسوّق وكانوا يمرون بجانبي وينظرون الي باستهجان وفجأة سقطت قربي كرة صغيرة تبعها طفل شاحب الوجه لياخذها فسالته(هل انت ميت؟) فضحك وقال (هه.. وانت؟!) لقد امسكت يده وكانت باردة جداً .. ولكن سرعان ما هرب مني .. نعم لقد كانوا امواتا وحينها نهضت لابحث عن زوجتي وقضيت وقتا طويلا ومزعجا وانا اتفحص الوجوه الشاحبة ولكن بدأ الحشد يقل شيئا فشيئا دون ان اراها فاستوقفت امرأة شاحبة ايضا وسألتها عن زوجتي ووصفتها لها فقالت (هناك مطعم في بداية الرصيف يجلس فيه المنتظرون!) وتركتني بعد ذلك دون ان تفسر لي معنى المنتظرين ولكني لم اضيع الوقت فقد ذهبت مباشرة الى هناك وبحثت بكل اركان المطعم ولكني لم اجدها وانتابني حينها شعور بالعجز فجلست على احد المقاعد وفجأة ظهرت في المطعم بسروالها القصير وشعرها المهمل وهي تنفث دخان السيجارة وكما هي عادتها جلست على مقعد ووضعت قدميها على الطاولة باتجاهي وسحقت عقب سيجارتها ولكن بعنف هذه المرة ونظرت الي وكان في عينيها حزن شديد وأسئلة كثيرة ثم قالت (لِمَ فعلت هذا..؟!).
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد بدر بن محمد
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5
قصة قصيرة...؟ رحلة حلم ...!
جالس في وحدتي ..في سريري المزركش بألوان الحياة ..المغطى بمكعبات بنية كالجذوع ..صفراء كحياتي..سكرية كوجهي..
والشبّاك يمنحني صقيع الثلج في الخارج.., وبخار الماء المتكاثف على الزجاج يسيل على خدّه كدموع تحفر خطوطا كشلالات الشَّعر المتسربلة على وجه تلك الفتاة الطفو لي , بصورتها المسبلة على حائطٍ يضاء بلمبة جانبية زهرية النور...
الى جانبي شرابي الذي يؤانسني في هذه الوحدة التي اعتدتُ عليها منذ زمن..
وموسيقاي المتنوعة الهادئة تغمرني كلحافٍ ..أتكوّر به بعدما فتحت نافذتي قليلا على امتداد يدي لألمح السماء ..
كتبي المبعثرة على طاولة الأشياء , ودفاتري التي تُجنبني ضجر الصمت, وتحملني الى عوالم الحياة , بعيدا عن رتابة التقوقع الغارق في الألم.. في الحزن .. خلف حجا بات النظر...
أمي المنهمكة في محرابها الأبدي تحضّر الطعام ...تتنقل كدوري الشجر بين آلات الاوركسترا الخاصة بها لتعزف لنا لحن البقاء..,
أحسُّ بها في كلّ ضجة تحدثها في مطبخها وكأنها تحدثني عن قربها بجانبي في كل وقت كي تعالج الصمت في فضاءات أذني,,,
كما إنها لا تجد بدّأ من فتح باب غرفتي لمشاهدتي وبثّ رسالة حنان منها بابتسامة متدفقة كينبوع حسنٍ ., كغيمةٍ بيضاء تخترقها أشعة وجهها , وجديلة شعرها الجانبية التي تتدلّى من تحت شالها الحريري المشدود الى الخلف بتقنية الخبرة العتيدة..,
تبثّ فيَّ أمانا .. تسائلني عن حاجتي ,ترتب طاولتي من دون أذن , تغطيني من غير حاجة, تلامس خدّي بيدها ,تعانقني وتقبلني كوردة عاطرة في خريف الغرفة..
أردد ابتسامة مثقلة , عاجزة عن التحليق في فضاءات حزنها , تحملني أفكاري الى مسافات بعيدة من التجوّل ,
وأشرد في حلمٍ يكرر نفسه...!!
يزورني كصديق ,يبلل ذّاكرتي بندى الجمال , وبشعلة الحياة يغمرني,يحملني لصباح جديد,
عاهدت نفسي به أن أبتسم وأمنح جسدي للريح , أغرّد ككنار..أتراقص كفراشة في دروب البراري , أطبع قبلاتي على جبين الشجر ..على الحجر.. على أرصفة الحدائق ..وأعمدة الإنارة على وجوه المارّة ..أنحني أمامهم رافعا قبعتي بحركة نبيلة أشاهدها دائما في حلقات السيرك العالمي..بتواضع ومحبة أقبل الأيادي .. أضمُّ الوجوه الى صدري أقدِّم تحياتي بفرح طفولي يتسامى .. يبعثني في ألق السعادة كنجمة... ينثرني كعبير على وجوه الحيارى والتائهين .. وأمسح بنسيمي دمعة الدامعين...
أسير كملاك تجدَّدَ في صباح أبدي وأفتح صدري . ينبعث النور مني كاشراقات الفجر ..عصاي السحرية تنقلني بين البيوت أرشرش محبتي رسالتي بكاسات من فرح وتتدفق السعادة في كل الأماكن..
فيملأني الحبور وأبتسم ابتسامة رضا خفيفة..؟!
يوقظني صوت غريب ..ولطمة خفيفة متكررة...
ألمح وجه أمي مرتجفا ودموعها تشقُّ باقة الورد..أغمض عيني بتثاقل كبير قليلا وأفيق..؟
فأراها مبتسمة كعادتها تحمد الله وتشكر ذاك الغريب الذي يبشّرها بزوال شيئا ما يسمى حمى...
يغادرون ..
وأغمض عيني كي أكمل مشواري ..تدخل أمي من جديد.. مهللة متلألئة كبدر مكتمل ..,
تمطرني قبلاتها كشتاء كانون ..
تسألني لتزيل بشكوكها عن حالتي؟ من أين أتيت بهذه الابتسامة ؟؟!
_كنت فراشة وزرت الحقول..,
تبسمت وقبلتني ودعتني للنوم و... بجزع مخفي ..
لكن لا تبتعد كثيرا...؟؟!!!
وخرجت ..وأحسستُ بدمعة حارقة على خدِّها حاولت التقاطها ..تحولت الى فراشة ..وذابت..!
أردت اللحاق بها ... فذكّرتْني أنني مقعد.......!!!!؟
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد دلومي
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5
لما أفقت من نومي كانت الحرارة قد بلغت حدا لا يطاق وغمامة كثيفة من دخان أسود أخذت تتسرب إلى غرفتي , قفزت من سريري مثل المجنونة , فتحت الباب باحثة عن منفذ للهروب لكن ألسنة النيران الممتدة عبر الباب مثل الأذرع التي تريد اختطافي جعلتني أضرب الباب بعنف , كان الفندق يحترق وكنت آخر من يعلم , أذرع الغرفة جيئة وذهابا, أُولول مثل المجنونة, أركض من ركن إلى ركن , لا أعرف كيف أتصرف في وسط هذا الحريق الذي يزيد استعارا , السنة النيران تمتد إلى الطابق السابع ’ محدثة صوت أشبه بالدوي , أسمع صوت الزجاج الذي يتحطم بفعل الحرارة فيخيل إلي أن الفندق يتهاوى , النيران تحاصرني وتضرب علي طوقا من كل الجهات , ها أنا وجها لوجه مع الموت , يمد إلي ذراعيه , أسال نفسي , تراه كيف يكون الموت ؟؟ أيأتينا بوجه بشري , أو بوجه غير الوجوه التي ألفناها في الحياة الدنيا , لم أعد أرى شيئا من كثافة الدخان الذي بدأ يغزو الغرفة بجنون ’ أشعر بالاختناق , تنتابني نوبة من سعال حاد لم أعد استطيع التنفس كأن يدا تريد كتم أنفاسي , أصوات النيران التي تزأر أقوى من أصوات البشر الذين يصرخون في الشارع , بل أقوى من صفارات إنذار سيارات الإسعاف , أنفاسي تضيق وكلما ضاقت اشتدت ضربات قلبي , إنه الموت فاغرا فيه يريد ابتلاعي ,أبتهل إلى الله أتوسله رحمة , أقف في وسط الغرفة ذليلة كسيرة أستجدي الله رحمته ولطفه , اليوم أتذكر الله وقدرته , في وقت المحن وعندما يكاد الموت يعانق أرواحنا ننسى كل شيء إلا الله , شعرت بالخجل وأنا بقميص نوم شفاف وقصير مفتوح في أعلى الصدر ويتوقف امتداده عند منتصف الفخذين .
لم أعد اقدر على الوقوف , نبض قلبي يتسارع , نوبات السعال الحاد تهجم علي ؛ حتى خيل إلي أن قفصي الصدري يقتلع مني اقتلاعا , جسدي بتصبب عرقا مثل السيل المنهمر يلتصق بقميص النوم الشفاف مبرزا تفاصيله وتضاريسه التي تغزل بها كثير من الرجال , هاهو هذا القد الممشوق قاب قوسين او ادني من أن يصير رمادا , لا أعرف كيف يشعر الذين تفصل اللحظات والثواني بينهم وبين الموت وهاهي اللحظات والدقائق تفصلني عن الموت ولم أعد أقوى حتى على حمل نفسي , تراها سكرات الموت ..؟ أكاد أتهاوى من خوفي ومن ضعفي وانعدام حيلتي ’ زجاج النافذة يتحطم ويتناثر في أرجاء الغرفة احمل نفسي حملا لهارب إلى وسط الغرفة , أترنح يمينا , أترنح شمالا مثل التائهة في صحراء أو مثل ثملة أثقلها السكر
حلقي جف من الظمأ ’ تمتد إلي يد الشخص الذي دخل من النافذة محطما زجاجها ويناولني ماءا ’ أشرب بغير انتظام يتسرب الماء من فمي , أبلل جسدي , أنظر إلى الرجل محاولة أن أتبين تفاصيل وجهه فلا أستطيع إلى ذلك سبيلا , ينزع من على وجهه قناع التنفس يضعه على وجهي , أتنفس هواء نقيا , أريد أكثر أريد المزيد , أشعر أن رئتاي تطلبان المزيد ’ أشهق و ازفر , يهمس صوت الرجل الذي لم أتبين منه إلا خيالا طالبا مني ستر جسدي , ويحه أيعتقد إني استحي منه والموت يمد إلي ذراعيه , لم أشعر بالحياء فالموقف اكبر من أن يجعلني أحس بالخجل ’ فتحت حقيبتي وتناولت أول قطعة من لباس صادفتها أناملي ولبستها على عجل .
أتوسل الرجل الذي لم أتبين ملامحه بعد إنقاذي وقبل ان انزع قناع التنفس كي أتكلم معه واطلب منه ذلك وجدته يمد إلي يده بحنان ويلتقطني بلطف مثل طفلة صغيرة ليحملني على ظهره ويشدني إليه بأحزمة متينة , يقفز من النافذة متمسكا بحبل , يقفز من طابق إلى طابق مثل الرجل العنكبوت , أصرخ في رعب لكنه يطلب مني السكون وعدم الحراك كي لا أفقده توازنه , في كلامه ثقة كبيرة بالنفس , كلامه فيه حياة وعذوبة وسط الموت يضحك وفي ضحكته رنة جميلة تشبه الموسيقى الحالمة .
سقط مني القناع فجأة ونحن نتداول استعماله مرة بمرة , صرخت جزعة , لكن الرجل الذي يلتصق صدري بظهره ولم اعد أرى منه إلا قفاه يمدني بجرعات من أمل , كان يضحك من الموت ويتحداه في عجب حتى شعرت بصغر الموت أمام ضحكاته الحالمة التي تصل إلى القلب وتعانق سويدائه , كنا نتدلى من الحبل مثل عرجون تمر أثقله النضج , كان يقول لي أننا لن نموت لو فكرنا في الحياة و لو فكرنا في الموت سنموت إذا علينا ان نفكر في الحياة , كان راسخ القناعة بالنجاة , أما أنا فتتأرجح مشاعري المضطربة بين إعجاب برجل لا أعرف له شكلا ولا اسما ولا عنوانا , يعبث ويضحك من الموت وبين موت يريد نزعي ِ من الحياة . ولم يتوقف كلامه عند الموت والحياة والرجاء والأمل
بل رحل بي إلى حقب التاريخ الآفل وطلب مني أن أغمض عيناي واضع راسي على ظهره وأنصت وأتخيل , ليسرد علي بعدها عن قارة اطلنطس التي اختفت في عرض المحيط , والتي كتب عنها أفلاطون وعن تقاليد شعبها وحضارتهم بل رحت أتخيل نفسي أطوف شوارعها وادخل معابدها وارى و أتبضع من أسواقها , وأجول في حدائقها الساحرة , وعمرانها البديع كانت حضارة ا لم تعرف لها الأرض مثيلا , وقبل أن أصحوا من حلم أطلنطس طار بي إلى حضارة " الأنكى والمايا" عند الهنود الحمر وأدخلني معابدهم وغطست في أنهارهم المليئة بالذهب والأحجار الكريمة , وتجولت في غاباتهم الحالمة , لم يكن الرجل عاديا كان حلما , كان ساحرا , أنساني الموت الذي يطاردني ويتربص بي الدوائر , هذا الرجل المشدودة إلى ظهره ولا أعرف له شكلا ولا أرى له وجها والذي أراه من قفاه , بدا لي كفارس قادم من أعماق التاريخ الغابر , بدا لي حكاية جميلة وهبتها الحياة لي دون نساء الدنيا , شعرت بمشاعر غريبة وأنا أضم صدري إلى ظهره , أحتضنه في حنان غريب وتمنيت أن تتسرب روحي إلى روحه لنصبح روحا واحدة تمنيت ان أكون نبض قلبه الذي أحس بخفقه وأنا أضع راحة يدي على صدره وأتشبث به بكل قوة ’ هذا الرجل الحلم الذي بدد أحاسيس الخوف عندي وصنع منها مشاعر أخرى غريبة لم أشعر بها طيلة حياتي رغم تجارب الحب التي مررت بها , إلا أن هذه المرة الشعور يختلف , يختلف بمقدار دقات قلبه التي ترقص على راحة يدي وبمقدار الخطر الذي يواجهه من أجل إنقاذي وبمقدار الحكايات التي يحكيها لي وضحكاته الجميلة , كل شيء فيه يختلف , كل شيء فيه مميز حتى خفق قلبه , كنت أتمنى أن انظر إلى وجهه وأطبع على جبينه قبلة وأخرى على خده وأخرى على أنامله , امتدت أناملي دون شعور مني إلى جبينه , تحسسته واسعا جميلا ومسحت على وجهه بلطف أرسم له صورة في خيالي , أتحسس شاربه الخفيف . لحيته المعقوفة الصغيرة , تضاريس وجهه كانت تغسلها الدماء التي تنزف من جبينه وأنفه جراء الزجاج المتحطم واصطدامه بالأسوار , لقد تحسست دمه بيدي , نظرت الى يدي كانت حمراء لم اشعر بالخوف من الدم بل تخيلت يدي الحمراء وردة حمراء بلون الدم القاني , شعرت بإشفاق غريب عليه بل لم يكن إشفاقا , لا أعرف كيف اسمي هذا الشعور فقد كان إحساسا غريبا مزيجا بمشاعر الأمومة التي تخاف على طفلها الوحيد والأخت والحبيبة والصديقة والإنسان , كانت مشاعر مختلفة تتضارب بداخلي جعلت قلبي ينبض بعنف حتى تخيلت انه سيخترق ظهر الرجل ويستقر مع قلبه في صدر واحد , هل تراه الحب يدق قلبي وأنا معلقة بين السماء والأرض ..أتأرجح بين الموت والحياة ؟؟ هل تراه الحب يطرق باب قلبي ؟
كنت أريد أن أساله عن معنى الحب عنده , هل هو وليد لحظة آنية , أم تراكم لأحداث جميلة ام هو غير هذا كله ؟؟ .
في الوقت الذي نسيت فيه أني أمام خطر داهم و كانت روحي في عالم آخر لا تعبا بالخطر ولا بالموت التي تنتظر خطأ بسيط لتنقض علينا , كانت الأيادي تفك الأحزمة التي تربطني بظهر الرجل وتختطفني خطفا , وراح الرجل يبتعد عني تمنيت لو يستدير لأرى وجهه تمنيت ان اقبل يده ان امسح دمه , حاولت ان اصرخ وأنادي عليه لكن الذين من حولي حملوني الى سيارة الإسعاف فتحوا بابها وضعوني في الخلف , ومن سريرها رحت أتأمل الرجل وأنظر إلى قفاه وهو يبتعد عني , كان يمشي بهدوء وثقة ’ انطلقت بي سيارة الإسعاف بصفيرها الحاد مرت بجانبه , خفق قلبي ’ تسربت روحي من بين جنبي , وفي الوقت الذي استقمت محاولة رؤيته كان قد اختفى بين الجموع في الشارع , وكان مثل حلم جميل تسرب من بين أناملي ’ لقد أنقذني وسرق قلبي .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حنان الزريعي
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 7
دفء ثلجك
بقلم / حنان الزريعي
استيقظت هلعة حين تململت ظلمة الغرفة لوميض البرق ، نظرت حيث يرقد زوجها بجوارها .. " ما أجمل هدوء استكانتك للنوم .. لو بإمكاني الاختباء تحت جفنيك المغمضين " ، اتكأت على يدها تنظر إليه بشغـــف وألــم .. " هل يشعر بأنني أنظر إليه ؟ .. لا أظـن .. لمْ أعدْ أمتلك ذلك السحر الذي طـالما قـــال بأنني أمتلكـه " .
انكسرت ظلمة الغرفة مرة أخرى بومضة نور سريعة .. شديدة .. تعلن مسبقاً قوة الرعد الآتي ، ومن شدة خوفها أغمضت عينيها بقوة ؛ واضعة يديها على أذنيها كي لا تسمع صوت تصافح الغيوم .. مرّ الرعد بعيداً وكأنه أعلن الهدنة مؤقتاً مع خوفها . مالت برأسها على كتفها وعينيها ما زالتا تحيكان وشـاح شغف تغطي به مــن أحبته .. " حتى هزيم الرعد لمْ يوقظك ؟ " ، توقعتْ استيقاظه أو على الأقل تململه .
جلست معتدلة متعمدة أن لا تُحدثَ أية حركة ؛ تسللت من تحت الغطاء ليلف البرد دفء جسدها ويلبسه ثوبه ، اتجهـت حيث النافذة ، أزاحــت الستارة قليلاً .. لترى الليل والشتاء وقد أعدّا حفلتهما .
نظرت حيث زوجها الراقد بسلام .. " أيعقل أنه لم يتذكر !؟ " .. غصّة احتمت بحلقها ، ولم تشعر إلا ودمعة ساخنة تنحدر على خدها .. وبدأت حفلتها هي الأخرى ، رائحة التراب المبلل بدموع السماء ، ندف الثلج المتطايرة والمتراكمة تباعاً على أرضية الحديقة، تراقص الشجيرات معانقة أغصانها أجساد الرياح الراقصة .. جميعها جلبت الحزن لها .
بسبابتهـا داعبت بلور النافذة المغطى بالبخـــار .. لاهـيــة .. لـتكتب دون أن تشعــر .. " أحبك " ، نزلت بإصبعها تحت كلمتها الأولى – والتي خطتها قبل قليل – لتخط على البخار المتكاثف .. " 4 يناير " .. وبحركة غاضبة بكفها .. أزالت ما كتبته .
لِمَ عليّ أن أحبّ بهذا القدر ؟ .. لِمَ عليّ التألم لحبي لـه ؟ .. لـو كنت باردة المشاعر مثله ؛ لما رخّص العشق دموعي ، ولكنتُ نائمة الآن بقلب أصمّ المشاعر .
كمْ انتظرَتْ هذا اليوم بشوق ، أعدّت له كل شيء ، حتى هديتها له خبّأتها عنه في الخزانة ، وفي النهاية جاءها متأخراً على غير عادته .. ظنته قاصداً ما فعله ليفاجئها ؛ على أنه برّر تأخيره بعطل أصاب سيارته عند عودته للمنزل .. " ربما هي خدعة جميلة منه كي يفاجئني فيما بعد " ، لمْ يعلّق حتّى على العشاء الذي أعدّته عن عمد فاخراً .. هي كلمة مجاملة لا تدري إن قالها لعلمه أم لا .. " شو حلو هالفستان اللي لابــسـتـيـه " ، ابتسمــت لحظتهــا .. إذن فـهو يـذكـر ومـا هي إلا لـحـظـات إلاّ و ... ، " حبيبتي .. ما قادر اجمّع بالمرّة .. طول اليوم شغل .. وبكرة عندي شغل من الصبح بكيّر " ، نهض من على المائدة ليقبلّها ويهمس لها .. " تصبحي على خير حياتي " .. غرقت الصور أمامها ، مــوجة ألـم أزالت خطوط أمـل ، رُسمت على رمال انتظارها هذه الليلة .. بالذات .
أسدلتْ الستارة والتفتت إليه .. آه لو بإمكاني إعلان الحرب على نومه الآن .. أخاف أن أكرهه بقدر حبي له ، لا البرق أزعج بوميضه عينيه المغمضتين ، ولا الرعد بقادر على إيقاظه ، فكيف سيشعر بالأرق الذي سببه لي وبالألم الذي تركه بداخلي . ألا يذكّره هذا الجو العاصف وهذه الليلة بالذات بشيء .. فبسبب اختياره لهذا اليوم - قبل سنة - تبللتُ بالمطر ، حتى تسريحة شعري وزينتي وفستاني ؛ والتي أخذتْ من وقت مصففة الشعر خمس ساعات كاملة .. قد فسدت يومها .. ألا يذكرْ !؟ ..
أنيرت الغرفة بنور أبيض مشعّ ؛ صرخت على إثره سهام ، راكضة نحو سريرها لتختبئ تحت غطائها ؛ من الرعد الذي تخافه ..
وصلها هزيم الرعد رغم إحكام وضع يديها على أذنيها ؛ فإذا بزوجها يهــزّها من كتفيها ، أبعدت يديها وفتحت عينيها ؛ لتجد زوجها ممسكاً بها ، وعينيه نصف مغمضتين .. " سهام .. شو حبي .. ! "
" أقلقٌ عليّ .. أم أزعَجَته صرختي ؟ " ، حدّثت نفسها ، نهضت من سريرها لتتجه حيث الباب ؛ باحثة عن مفتاح الإنارة ، فأضاءت الغرفة .. ألفت زوجها مستغرباً وقد اتكأ على ذراعيه .
ستعلن له الليلة بأنها لم تعدْ تحبه .. نعم .. فبرودته وقسوة تجاهله لها لم تعدْ تحتملهما .. وليكن ما يكن .. قاطع صوته مؤامرتها و نفسها ..
" شو سهام .. ليه صاحية لهلا .. " ، تابع مبتسماً بسخرية عهدتها منه وأحبتها أيضاً فيه .. " ولا الرعد رعبِك " .
" يوسف .. " قالت بحدّة واضعة يديها على خصرها ، وكأنها تنوي العراك .
- مالك معصبة .. شو هو أنا اللي صحيتك ..
- إيه أنتَ .. ولا كأنو عندك خبر .. طبعاً المهم ...
قاطعها يوسف صارخاً .. " لا إله إلا الله .. هو أنا إجيت جنبك .. ولا بدّك تتمشكلي معي والسلام " .
نظرت إليه وقد تمنت الآن .. أن تشعل ناراً بقلبه ، وأخرى قالت نيابة عنها .. " ما عدت أحبك .. "
لم تشعر كيف انزلقت هذه الكلمة منها ، رغم أنها قالتها عن عمد ، خافت من نظراته والتي صوّبها نحوها بصمت قاتل ؛ فإذا بها لحظات ليضحك مقهقهاً ، جُنت أكثر واتجهت غاضبة نحوه .. " وعم تضحــك ! .. شايف قديش أنت بارد .. "
- لأنو مو من قلبك هالحكي .. طلعت هالكلمة منك وصوتك بيرجف وبدو يبكي .. فهمتي .
نظرت إليه بصمت ، ماذا تقول .. " ومغرور أيضاً ! " ، نهضت باتجاه الخزانة ، فتحتها لتخرج منها علبة صغيرة ؛ ملفوفة بعناية بورق احمر لامع ، اتجهت نحو زوجها ؛ حيث لا يـزال متكئاً على ذراعيـه ، وضعت الهديــة بجواره قائلـة بغضب .. " خُذْ .. " ، نظر إليها مستغرباً .. " شو هاد .. ! "
صرخت بيأس .. " وكمان لسه ما فهمت شي .. " ، أجاب بصوت ناعس فاركاً مقدمة شعر رأسه .. " والله حبيبتي مو فاكر .. شو عيد ميلادي ؟ .. لا .. لا .. إحنا شتا .. أنا بالصيف ولـدت .. "
نهضت غاضبة .. " أنت ما عدت تحبني .. خلص .. تزوجتني هيك .. المهم تلاقي مين يطبخـلك ويـنـظفـلك البيت .. ويـربيـلك الأولاد .. مـع أني بحمد الله أنو لـسه ما في أولاد .. و .. "
قاطعها وقد ضرب جبينه بكفّ يده .. " آه حبيبتي .. يا عمري .. أسف كتير حبي .. ذكرى زواجنا .. والله هلا لابـتـديت أجمّع .. لك يلعن أبو النسيان شو لئيم .. والله يا عمري الشغل واخذ كل وقتي .. وإلك بكرة أحلى هدية .. "
شعرت بالإهانة من كلمته الأخيرة .. " هدية ؟ " .. أهذا ما كانت تنتظره منه .. يكفي أن يقول لها كلمة جميلة ويتذكران سوية يوم زفافهما ، هربت منها دمعة حاولت أن تتوسل لها أن تختبئ حتى تختلي بنفسها ؛ لكنها أبت ، لِمَ لا تخجل السماء دمعها أمام الأرض .. الوديــان .. البحر .. النهر .. ؟ لِمَ لا تخجــل مــن دمعها أمامهم جميــعاً .. ؟ أ لأنهم يبادلونها عشقاَ بعشق ؟ .. دفئاً بدفء ؟ ، كيف للخجل الجنوح نحوها فدموعها أيضاً ملك لعشقها له ، أما هو فبارد كذاك الثلج المتراكم في الخارج .. لا بل الثلج يذوب أمام مداعبة الشمس لردائه .. ولم تعدْ تشعر ببرد الغرفة ولا بالبرق والرعد المتناوبين .. كان يكفي أن يضمّها إليه لتشعر بأنها الوحيدة في حياتـه .. وهــذا كل شيء .
"سهومة .. بتعرفي .. " ، اعتدل في جلسته وقد أشعل سيجارته ، وقد بان عليه التأثر ، لا يضايقه أمر سوى رؤيتها حزينة باكية .. ماذا عليه أن يفعل .. هو هكذا .. لا تفارقه الجدية حتى في علاقاته الحميمة .. لكنه يعشقها .. بطريقته .. مضت ثوان شعرت بأنها ساعات .. " ما الذي عليها أن تعرفه ؟ " .. نظرت إليه .. إلي دخان سيجارته ..
" أنتي بتمتلكي سلاح محظور دولياً .. والله يذكروا بالخير كوفي عنان ، لو عرف بوجودو .. ما بضمن شو بصير .. " ، ابتسم متابعاً بنظراته دخان سيجارته .
" أيسخر مني .. " ، ظنت أنه سيقول كلمة .. أي كلمة .. لكن أن يسخر ..
نظر لعينيها وكمن يفكر بصوت عال ، قال : " حياتي .. أوعي الوسواس .. لأنو سر الدمار .. الوسواس حبي سلاح دمار شامل .. وبعدين يا مجنونة أنا بعشقك .. " .
- أنا مجنونة ؟
ضحك قائلاً .. " لسببين .. الأول إنك حساسة زيادة عن اللزوم .. وعواطفك متل نهر جارف .. والثاني إنك عشقتي هالعبد لله .. واللي ما تذكر أروع يوم بحياتو " .
نظرت إليه .. أهو من قالت له أنها لا تحبه ، أهو من أرادت إعــلان الحـرب على نومه ، بسبب تجاهله اللامقصود لذكرى زواجهما ، أليس مرور عام على زواجهما بدون مشاكل معلنة ؛ بكاف أن تعتبره أجمل هدية .. أليس هو هدية القدر لقلبها ..
أنيرت الغرفة بقوة مع أنها مضاءة ، خجلت من أن تسدّ أذنيها خوف الرعد ، وإذا بهزيم الرعد قوياً هذه المرة ، وعلى إثره انقطع التيار الكهربائي ، اختبأت بسرعة تحت غطائها .. فجاءها صوت ضحكات زوجها من خوفها .