القصة والرواية
- التفاصيل
- كتب بواسطة: بلال الحراق
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5
وكانت البداية
كان الوقت ظهرا.ً الجو مزيج من ألوان الضجر . والشمس في كبد السماء تُلقي بلهيبها على السّحنات و الأجساد الفائرة ، من خَلَل السحاب تتململ وتتمطّى . و على طول الرصيف تصطفّ أشجار النخيل في خُيلاء , تتحاذى وتتنافر . بين جدائلها ابتنت الطيور أعشاشها , فهي تؤُمّها بين الحين والآخر زرافات ووحداناً , وتملأ المكان بزقزقاتها التي تضيع مع هدير المحركات وإيقاعات الأبواق المتسارعة المتباطئة..
في وسط الطريق وقف (حُّدو) يلوّح بقنينة خمر فارغة. يعترض سبيل السيارات فتغير اتجاهها, تنفر منه دون أن تتوقف, تنجو سيارتا تاكسي من اصطدام وشيك , فيمطره سائقاها بسيل الشتائم و اللعنات.لايأبه لهما كما لايأبه بالألم الذي ينبعث من جرح في إحدى قدميه الحافيتين. كان يسير بخطوات مترنحة, يعدُّ خطاه. وُتجلجل ضحكته بين الحين والآخر حين يلتفت وراءه, قافلة السيارات من خلفه تقتفي خطاه, لا يأبه لأبواقها, يلتفت ويُقهقه .. كان يتوسط الطريق , يتوقف يحكّ شعر صدره الكثيف , فتتوقف من وراءه القافلة وأبواقها لا تنقطع. يحسّ بالزهو, وتغلي الخمرة في رأسه. بالقنينة الفارغة يهّدد أحد المارة. قدمه المدمية تلتصق بالإسفلت. القافلة من وراءه تعدُّ خطاه. يحطم القنينة في (نصب) أعدّ للإشهار بجانب الطريق. تتشظّى القنينة ويتشقق زجاج (النصب). يُديم النظرفي ملصق الدعاية, تلوِّح له من الصورة فتاة حسناء انحسر عن نهديها رداء شفاف , تبتسم له وتدعوه , بجانبها شاب وسيم يمسك بكلتا يديه صندوق هدايا. (شركة " لاغلاء على مسكين " تتمنى لكم سنة سعيدة) . راح يفكُّ حروف الدعاية, حروف كالألغام, تتشظى في رأسه, العبارة تنجرف في جوفه مع الريق، يحسّ لها طُعم الدماء. فتاة (النصب) تدعوه"حدُّو حُّدو" لكنه لا يعبأ لندائها. ينصرف عنها ويعود للطريق. في خطّ المنتصف يقعد, من أمامه تمر السيارات ببطء . تمر ولا تمر.. يعدُّها كما يعدّ الراعي قطيعه"واحد,جوج, تلاثة.. سبعة"
- أمّك ضبعة . يخاطب صاحب دراجة نارية.
دسّ يده في جيب سرواله, الكارطة في يده الآن. يخلطها في مهارة المتمِّرس , يقرصها.. يُعيد جمع جزئيها إلى بعضهما , يخرج من بين الأوراق الأربعين "الترِّيس", يخاطب صاحب سيارة "رونو" مقبلة نحوه:
- سكايري..
تُجلجُل ضحكته , وتخرج من بين الأوراق"السُّوطة" , يُخاطب صاحب شاحنة تمرُقُ إلى جانبه:
- لعبت بك شي مسخُوطة, رُد بالك آ الشَّايب.
يُطلُّ "الراي" برأسه المزهُو من بين الأوراق:
- أنت راي عليهم, وإن كثُر الرأي رأيك فوق كل رأي . ُيوجه كلامه إلى مُمتطي دراجة هوائية.
يحس أن اللعبةبدأت تفتُر, بدأت تفقد حرارتها, يلُمُّ الأوراق الأربعين ويعيدها إلى جيبه , ينتصب واقفاً فيصبقه ظّله للإنتصاب. لم يعُد هناك داع لبقائه وسط الطريق . فقطيع السيارات ما عاد ينقاد له.
* * *
في الرصيف يمشي وهو يتعثّر في جلبابه, جلبابه ولدت فيه "مسعودة" القطة ذات صباح, في جلبابه يلعب البرغوث غُمّيضة.. والقمل في رأسه يتسكّع.. رأسه غابة , الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود..
تُسلمُه قدماه لرأس "العقبة", في ناصية الطريق وقف شيخ ضرير ينقُر بعكّازه الأرض, يمد يده الراعشة إلى كفٍّ وهمية ستعبر به الطريق.., يتجه إلى الشيخ , تتشابك أيديهما, وتنفرج شفتا الشيخ عن عبارات الشكر. يرتفع صرير مزعج لسيارة حديثة الطراز, تتوقف على بعد يسير منهم ا لتتيح لهما العبور إلى الضفة الأخرى من الطريق . يصدح الشارع بأنغام أغنية إسبانية شهيرة تنبعث من السيارة, سائقها الشاب يُميل رأسه ذات اليمين وذات الشمال في تجاوب تام مع الأغنية.
عند الرّصيف يترك الشيخ ينجرف مع تيارالمارة.. ويتابع السير, يُحس بدوار يهاجم رأسه فيلقي بجسده عند أول مكان يلوح له صالحاً للنوم, ويغط ُّ في نوم عميق..
لم يدركم نام ؟,أساعة؟أم بعض أشواط الساعة, المهم أنه قد استفاق, استفاق على هزّات بدأت في أول الأمر خفيفة لينة, ثم تحولت بعد ذلك إلى هز عنيف. في نومه القصير رأى "رحيمو" تقبل نحوه بلباس نوم شفاف, بين يديها كانت تحمل وليداً, تُقبل نحوه وهي تخطو في الفراغ. تدنو منه وتضع الوليد بين أحضانه , تبتعد وصدى صوتها يُرجعه الفراغ :
- ولدك ذاك, احرص عليه.
يتكلم ولا يتكلم , لسانه شُد إلى حلقه بسلسلة ثقيلة كالصمت.. "رحيمو" غيّبها عن ناظريه سديم العدم. و الوليد بين يديه يصرخ, وهو لازال يتكلم دون أن تفارق الكلمات شفتيه..
- حميدو!! ما هذه الحالة؟!! وتنام في الطريق؟؟!
- لاحول ولا قوّة إلاّ بالله.
- حميدو أنائم أنت؟؟
تتسلّل هذه الأصوات إلى أّذنه المستفيقة الغافية. و الهزّات تُخرجه من حلمه المُبهم. يفتح جفنيه في تثاقل, فيبصر أمامه شابا سامق القامة. يتحدّث إليه الشاب:
- حميدو ألا تتذكرني, أنا " ربيع" صهرك؟.
- حميدو ما هذه الحالة؟.
- أين غبرت كل هذه المدة؟
يقع حدو في لبس من أمره، من هذا الشاب الذي يناديه ب(حميدو)؟. أيُعقل أن يكون صهره حقاً؟. وهل لديه أخت حتى يكون له صهر؟؟.
يفرك جفنيه، ويتطلّع بنظرة ملؤها استغراب إلى الشاب المنتصب أمامه.
- حميدو أيعقل حقا ألا تتذكرني.
يقول بصوت كالهدير:
- أنا لست حميدو، أنت غالط.
- أنا حدو الأحمق.
- أنا أحمق، فهمت!!.
يقول الشاب وهو يلطِم يدا بيد :
- لا حول ولا قوة إلا بالله. وجننت أيضا!!.
- حميدو أرجوك حاول أن تتذكرني.
- أنسيت العشرة؟ وليالي السهر في بيت الغريس؟ والدّربوكة التي كانت تنطق بين يديك ؟ نسيتني يا حميدو؟؟.
يقول حدو وقد وقع في حيرة من أمره :
- قلت لك أنا حدو. حدو الأحمق.
- وحميدو هذا اذهب للبحث عنه عند غيري.
- أنا أحمق. ألا تفهم العربية؟!!.
يُصرّ الشاب على موقفه، ينحني ليواجه حدو الجاثي على ركبتيه ويقول :
- حميدو عد إلى رشدك.
تصادف أنفه رائحة خمر مزكمة تنبعث من فم حدو، يقول مستنكرا :
- وتشرب الخمر يا حميدو، عفى الله عنك.
- حميدو أمك قد انتقلت إلى دار الحق. البقية في حياتك.
- المسكينة ماتت مفقوسة لاختفائك المفاجئ. ماتت وهي تردد اسمك.
- زوجتك سيطلقها القاضي إن لم تعد إليها.
- وأمها باعت نصيبها في مقهاكما المشترك.
- ألم يكن سبب اختفائك هو ما شجر بينكما من نزاع حول إيراد هذا المقهى اللعين.
- إذن كن قرير النفس فسبب البلوى قد زال.
- حميدو لماذا لا تتكلم؟.
يتطلّع إليه حدو حائراً. يُردف الشاب :
- ستأتي معي ، زوجتك بالكاد ستجنّ.
- هذه خمسة سنوات قد مرت منذ اختفائك. لم نترك مكانا إلا وبحثنا فيه عنك.
- أين كنت تبيت؟
يجيبه حدو :
- في كل مكان، مرة عند رؤوس الأموات في المقبرة. ومرة عند أبواب العمارات. وأغلب المرات في الخربة.
يسأله الشاب وهو يتطلع إلى لحيته المسترسلة :
- ما هذه الحالة آحميدو، صرت كغول.
- أوف ، رائحتك خانزة.
- الظاهر أنك قد أصبت بخبل في ذاكرتك، حاول أن تتذكر كيف تردّيت إلى هذا الحال.
يجيبه حدو :
نعم، سأحاول.
(.. كان ممدداً غارقا في بركة واسعة من دمائه. تتراءى لعينيه عناقيد الرؤوس تتدلى من قامات سامقات انتصبت فوقه كأشجار النخيل، تطلُّ من عيونها نظرات إشفاق، تتحسّر :
- مسكين، داسته سيارة رونو.
- سيارة تهريب.
- محال أن يعيش.
الأصوات يسمعها كالصّليل في أذنه. عيناه تسبح في الدم. وفي أذنه يتردّد بوق سيارة الإسعاف التي تقترب.. وتقترب، وصوت البوق يخفت .. ويخفت.
رأسه ينفصل رويدا رويدا عن جسده. يتدحرج..يغدو كرة مطاطية. ورائها يتراكظ الأطفال. لكن دون أن يظفروا بر كلها.. رأسه يحلق، يطير بدون أن يرفَّ له جناح..
تنتهي رحلته عند سرير. كان ممدداً عليه وفوقه مُدّ لحاف شفاف. رأسه ملفوف بالضماد . يبصر بعين واحدة فلا يبصر . العين الأخرى غطاها الضماد. كل شيء حوله يهتزّ. والكل مبلّط باللون الأبيض . بجانبه شخص ما يتوجع.. ويشخر، يتوجع ويشخر بلا انقطاع. أصوات صخب المدينة تتناهى خافتة إلى مسمعه. أضواء الغرفة شاحبة. وانتحاب امرأة يصله من الغرفة المجاورة . شخص ما يموت..)
* * *
- حميدو انهض، الساعة الآن الحادية عشرة وأنت لا زلت نائماً.
- انهض وكفاك كسلاً.
تنتزعه زعقات زوجته من الحلم/ اللّغز. تنزع عنه الغطاء فيُجيبها صارخا وهو لازال شبه نائم :
- قلت لك أنا حدو، حدو الأحمق.
حينما تسأله زوجته عمّن يكون حدو الأحمق هذا ، يقعُد على طرف الفراش وينخرط في ضحك هستيري..
تترُكه وعلى وجهها تراقصت آي الإستغراب. تتّجه لفتح الباب الذي كاد يُكسر من جراء الطّرق العنيف المُتتالي.
- شكُون من .
يصلها صوت أمها صارخاً :
- أنا، افتحي الباب.
من الصالة يتناهى إلى مسمع حميدو صراخ (نسيبته)، وفي أذنه تتردّد عبارتها كرجع الصدى :
- أين نصيبي من إيراد المقهى؟ هذه خمسة أيام منذ أن انصَرم الشّهر!!..
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ريم أبو عيد
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 8
أحلام مؤجلة (قصة قصيرة)
الأديبة و الكاتبة / ريم أبو عيد
مصر
كانت تعلم و هي تعد حقائبها للرحيل أن الجميع سيقف ضدها هكذا اعتادت منهم جميعاً و لكنها اتخذت القرار الذي كان يجب أن تتخذه منذ زمن طويل و تركت الجميع في عاصفة الغضب التي اعترتهم تركت خلفها أصواتاً تتعالى باللعنات و لم تبالي بما حدث كان كل همها أن تذهب إليه بعد انتظار عامين تجرعت فيهما كل أنواع العذاب و ها هي اليوم تحطم كل القيود التي منعتها من أن تكون معه. ركبت سيارة أجرة و انطلقت إلى محطة القطار بعد أن أرسلت له رسالة قصيرة أنها في الطريق إليه حتى يكون في استقبالها و وصلت إلى المحطة و استقلت القطار و ألقت بنفسها على الكرسي و شعرت كأنها تتنفس لأول مرة هواء حريتها التي سُلبت منها زمناً طويلاً و أغمضت عينيها و ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتيها تعلن عن سعادة حقيقية نابعة من قلبها الذي طالما عانى من القسوة و الظلم حتى قابلـته و التقت به هذا الرجل المفعم بكل معنى حقيقي للرجولة الذي أخذها من أيامها و كل حياتها البائسة ليعيد إليها السعادة التي كانت نسيت معناها و يعيدها مرة أخرى للحياة بعد أن كانت تعيش جسداً بلا روح. عاشت عمرها كله تحلم برجل مثله تجد معه كل المشاعر التي حُرمت منها طوال حياتها لكنها كانت تظن أن مثل ذلك الرجل يحيا فقط في خيالها و يسكن فقط بداخلها و ليس له وجود على أرض الواقع حتى التقت به ذات يوم و كأنه خرج من أعماقهــا و تجسد واقعاً أمامها و للمرة الأولى تحدث إليها أحست بصوته الدافئ يحتويها و يضمها إليه كطفلة صغيرة ليهدىء من روعهـا و يمنحها كل الحنان. أحبته بكل كيانها و هي التي لم تكن تؤمن أن هناك من يستطيع أن يحب أو يعطي في هذه الحياة. لكنه غير كل تلك القناعات لديها حينما منحها حباً صادقاً و أعطاها كل الاهتمام و الرعاية. و منحته هي كل الحب الذي كانت توصد عليه باب قلبها منذ سنين. أحست بالقطار بدا يبطئ من سرعته فتحت عيناها و نظرت من نافذة القطار الزجاجية و رأت محطة الوصول تقترب خفق قلبها بشدة و كأن نبضاته تتراقص بين ضلوعها من شدة الفرح و رأته من بعيد ينتظرها هناك على رصيف المحطة. توقف القطار حملت حقيبتها قفزت كطفلة صغيرة إلى الرصيف تركض نحوه وصلت إليه تلقاها بابتسامة حانية وادعة و في عينيه ترتسم فرحة غامرة و أطال النظر إليها و كأنه لا يصدق أنها أمامه هنا بعد عامين كانا يحلمان بتلك اللحظة معاً و ضحكت هي بكل براءة و ألقت حقيبتها على الأرض و ألقت بنفسها بين ذراعيه كقطة صغيرة تبحث عن الدفء و انطلقا معاً ليبدأا تحقيق حلمهما الذي كان مؤجلاً.
الرياض – الأحد 26 مارس 2005 م
- التفاصيل
- كتب بواسطة: يحيي هاشم
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 7
حــــــــــــــرية
وقف مهتزا كورقة شجر فى خريف غاضب
- لاتخف .. قل ماعندك
- أخشى أن تسمع ياسيدى ما يثير غضبك .
- لاتخشى شيئا .. تكلم ولاتخف .
نظر إليه بعين الشك , ولكن إبتسامة عذبة جعلته يلملم شجاعته المبعثرة بين جدران سجن الصمت .
- يا سيدى كل ما أحلم به هو أن أعيش لا أخشى الغد والمستقبل , لا أشكوا من برد الخوف أو مرارة الظلم .
أحلم ألا أحتاج لأحد , أن يدخل أطفالى المدرسة ليتعلموا لا ليزدادوا جهلا ,
الأحلام كثيرة ياسيدى
ولكن كى لا أطيل عليك أنا أحلم بحريتى !
دوى صوت رصاصة إخترقت رأسه .
ضحك بصوت عال :
- الآن نلت حريتك
يحيي هاشم
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ماهر نصرت
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6
ها أنذا عدت ثانية بصحبة دموعي لأقف أمام صورتك المشرقة أتأملك بعد سنوات من ظروف قاسية أبعدتني عنك مرغمة ، ها أنذا مرة أخرى أسيرة حبك الذي حفظته كأسمى ومقدساتي ، ها أنذا أسيرة سراب عبـيرك فهو كنسيم الرابية في فجر الربيع ، كنت أشعرك في أحلامي ويقظتي ، لم أنس أبدا" ذاك المساء الساحر الذي ضمنا سوية " خلف الأشجار نغازل القمر ، رائعا" كنت… مازالت حرارة شفتيك تداعب شفتي ، لمسات يدك الجريئة كانت تشدني إليك وأنا أرتجف ، أحاول أن ألتصق بك أكثر ، ألتحم مع جسدك الأشقر في لحظات جنون تنقلني وشفتيك الى عالم اللاوعي… عالم لم تطأه قدما إنسان من قبل … نتسلق قمـة … نطفو فوق نسمة … نختلي في زورق نجوب به آماد البحر وندع الأمواج تقذفـه حيثما تشاء … نغور في أعماق صدفة مهجورة نمتلك فيها بعضنا ونجعلها مملكتنا الأبدية ، يا لجنوني العذب ، يا لروعة انطلاقي وشرودي …
عدت ثانية أنهض كل صباح مبكرا" ، أقبّل أزهار حديقتي التي قدستها من أجلك ، أنظر هناك … تلك الفراشات عادت تحلّق متموجة ببهجة وسرور ، تتغازل فيما بينها تقف كل واحدة منهن أمام الأخرى فخورة ، متكبرة ، تغيض صاحبتها بجمالها .. ما أروع ألوانها .. ما أروع الحب ..
ومضيت أتأملك ……
أتأمل ليلتنا الساحرة خلف الأشجار وأتذكر وقاحة أناملك الدافئة ، أشعر أنك بجانبي الآن .. كأن دفء كفيك يرفعني نحو سماء من سراب .. نطوف الاثنان معا" على بحار لاشواطىء لها .. نسابق الطيور المهاجرة ونخترق أروقـة السحاب .. نحلّق عاليا" فوق سماء الشرق كطيرين عاشقين يهجران الدنيا .. لا نلتفت ورائنا .. نبحث عن بلاج جزيرة مهجورة نستلقي فوق الرمال ونستسلم للشمس .. للمشاعر.. للرغبات ..
أصحيح يا حازم أحببت غيري ؟ لاأصدق ، لو كان ذلك حقا" فأنك تحطمني وتقذف بي صوب الفناء ، لم أقترف ذنبا" أستحق به لوعتي هذه سوى أني أحببتك مخـلصة وما زلت ، حازم تكلم ، أتوسل إليك .. كانت نظراتك صادقة يوم التقينا ، أحسست أن نبرات صوتك المرتجفة وقتها لا تكذب ، أنك تحبني أليس كذلك ؟ أخذت لمسات يديك الساحرتين خلف سور المنـزل في تلك الليلة المقمرة تفجر في جسدي بركان من الرغبة ، لم أشعر بعدها ما حصل لشفـتّي . مازالت حرارتهما غامضة ، أحسست لحظتها أنك تسرق سنين عمري في جنون ارتشافك المتوحش لهما ، كنت وكأنك تشحن برضابي بطاريتك الروحية ، وعندما تغلغلت يدك متسللة إلي شعري ، روحي أغمي عليها .. جسدي سقط صريع لمساتك الساحرة .. أذكر وقتها أنك تضمني بعنف ، تريد أن ! .. أنك مجنون .. مجنون …
حازم ، لماذا لانرحل عن المدينة إلى ما وراء الطبيعة والشمس ، وراء الصوت والصدى ، لاندري إلى أين ولا نريد أن ندري ، ندعو موجة صماّء تحملنا بعيدا" حيث الشهب الهاربة والنجوم المتألقة ، نتحول إلى نيزكين ، إلى ذئبين ، إلى عصفورين ، نصنع حضارة بأيدينا ، حضارة عذراء لاتلوثها ثرثرة منافق أو غدر حاقد ، حازم أنتظر ، أتوسل إليك ، أسمعني قبل أن ترحل ، لن أدع تلك المرأة التي أسمها أنوار أن تخطفك مني ، أليس يا حازم أسم عذراء أجمل من أنوار ؟ سأقتلها ، سأقتلك معها ! أنتما أعدائي ! سأقتل العشاق جميعا" ، سأقتل الفراشات الكاذبة ، سأمزق الزهور المزيفة ، حازم أرجوك .. أني متعبــة .. أني …. .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد إبراهيم محروس
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6
حـادثة
بقلم : محمد إبراهيم محروس
راحت أمي تسحبني بيدها وتسوقني خلفها تجاه محطة القطار.. كنت وقتها في الخامسة من عمري، ولكنني أعي كل ما يدور حولي..
كانت فيّ ذاكرة فوتوغرافية قادرة على التقاط أدق الصور وتخزينها، كنت فرحاً بالجلباب الأبيض والطاقية الجديدة ويزداد شوقي لمعرفة كل شيء.. رحت أنقل بصري بين جوانب المحطة وروادها الكثيرين.. وأوقفتني أمي بجوارها وهي تدفع ثمن التذكرة.. لم أكن أعرف سبب السفر لكنني كنت مسروراً أنني سأركب القطار الذي لم أركبه من قبل..
جاء القطار كمارد هائل يسحق كل من يقف في طريقه، ثم توقف في صوت مزعج.. اشتد زحام الناس وتدافعهم للركوب.. بدأت أمي تسرع الخطى, وتشدني من يدي ,وتثب بي للداخل.. كان الزحام رهيباً وأصوات الباعة المتجولين صاخبة مزعجة تدوي كصوت آلاف المقارع تدق الرؤوس.. طال وقوفي بجوار أمي حتى لاحظ أحد الرجال تململها وانحناء ظهرها من كثرة الوقوف, وهي تحاول أن تتجنب أيدي الباعة وأرجل الواقفين قبل أن يقول: "رايحة فين يا ست؟"
لم تعره انتباهها ولكن عندما كرر سؤاله أجابته في لامبالاة. "السيد البدوي يا خويا"..
"شي لله يا سيد يا بدوي.. شي لله يابو فّراج".
وقام مفسحاً مكانه لأمي وهو يقول: "اتفضلي يا ست الطريق لسه طويل"..
جلست أمي وأخذتني في حجرها ,وراحت تداعب رأسي بيدها ,كأنها تحاول أن تبث فيها أفكاراً ورؤى جديدة.. لم أكن أهتم بكل ما يحدث.. كنت أهتم أكثر بفرحتي بالسفر، وأخذت أتابع بعيني أعمدة التلغراف وقضبان السكك الحديدية وهي تمر أمامي بسرعة مدهشة، وأحاول أن أعدها.. كنت وكأنني أحلم وصوت الباعة راح يزداد صخباً، أخذتني غفوة لذيذة ورحت في النوم.. صحوت على صوت أمي وهي تهزني قائلة: "يلاّ قوم.. وصلنا"..
أخذنا نتحرك بقوة الدفع الذاتي تجاه باب القطار وقفزنا.. وقفنا على رصيف المحطة وسط زحام شديد وخانق ,وراحت أمي تلتقط أنفاسها بصعوبة قبل أن تأمرني بالتحرك..
خرجنا إلى الشارع.. كان الزحام هناك مختلفاً وأشد ضراوة حتى تظن أننا في يوم الحشر العصيب.. صرنا جزءاً من الزحام المتحرك بعنف، واشتد ضغط أصابع أمي على يدي الصغيرة ,وأنا مسوق خلفها, أوقفتنا إحدى النسوة وتطلعت إلينا قبل أن تسأل: "ماتعرفيش ياختي سكة السيد البدوي منين؟!"
أجابتها أمي: "أدينا هنسأل.. وربنا يسهل.."
تابعت المرأة قائلة: "أمال إنتِ منين يا حبيبتي؟!"
ردت أمي في اقتضاب وهي تسرع السير, والمرأة خلفها تحاول ملاحقتها: "من القنال.."
كنا نخترق الزحام وأنا أعي ما يدور والمرأة مستمرة في ملاحقة أمي بأسئلتها العجيبة هاتفة: "القنال دي اللي كان في الحرب؟!"
قالت أمي وهي تسرع خطواتها وأنا خلفها مجرور ولست محمولاً: "أيوه.. اللي كان فيه الحرب!"..
"قالت احنا كسبنا الحرب دي؟"
أجابتها أمي مزحة: "بيقولوا!!"..
و"رجعتم تاني لبيوتكم يا حبيبتي؟!"
أجابت أمي وهي تحاول الهرب من تلك المرأة المصرة على ملاحقتنا ,وترمقها من حين لآخر بنظرات غيظ قائلة: "الحمد لله رجعنا بعد الهجرة والعملية هديت"..
وتستمر أسئلة المرأة متتابعة كأنها وكيل نيابة محترف يستجوب مجرماً عتيق الإجرام. "وإنتِ جاية هنا ليه؟! مش بلدكم بعيدة عن هنا كتير؟!"..
"أيوه بعيدة.. بس أنا جاية عشان..."
وقطعت أمي كلامها وهي تحدق فيّ كأنها ستفشي سراً حربياً يجب ألا يعرفه أحد, ثم همست للمرأة بكلمات لم أسمعها.. ضحكت المرأة بعدها ,وراحت ترمقني بعينيها قبل أن تقول: "ربنا يخليه ليك، ويطرح فيه البركة".
انشغلت المرأة اللحوح عنا بالنظر إلى أحد محلات القماش.. وانتهزتها أمي فرصة وولت بالفرار.. جلسنا على الرصيف نلتقط أنفاسنا وعندما هدأت أمي قليلاً أخذتني وسارت وكنت هذه المرة محمولاً ولست مجروراً، وظهرت لنا قبة السيد البدوي وأقبلت ناحيتنا روائح بخور عطرة، أنزلتني أمي من على كتفيها وبدأت تسير نحو المسجد كأنها تؤدي عملاً رسمياً وهي تكرر كل فترة: "مدد يا شيخ العرب.. مدد يابو فراج.. مدد".. زعيق الباعة والمارة كان يتصاعد من حولنا والمولد على أوجه.. بين بائع ومشترٍ ولص.. زعيق وزياط وأصوات المجاذيب تزاداد صخباً.. واسترعى انتباهي مجذوب بعينه.. كان يرتدي ملابس تجمع بين الطربوش وسروال جيش وجلباب ممزق وقبقاب قديم يطقطق به في مشيته, كأنه يحمل بين أسماله البالية تاريخ مصر كلها.. ويخرج من بين شفتيه كلام ملأه الحزن والقلق والترقب ويصرخ فى الناس: "أنا قلت له: ما تروحشي.. هيضحكوا عليك.. برضه راح.. بس لمّا ييجي وحياة أمي لأوريه.. مدد يا شيخ العرب.. مدااااد.. حي"..
وتدفقت دماء الحيوية في وجه أمي بعد أن غادرنا المقام.. رأتنا المرأة اللحوح مرة ثانية, قأقبلت مسرعة هاتفة: "إيه؟! لّسه ما حصلش؟!"..
"لسه ياختي أديني أهو مستنية الفرج"..
أطلقت المرأة ضحكة صافية وهي تقول: "قومي معايا.. إنتِ باين عليكِ خايبة.. أمال حرب إيه اللي إنتم حاربتوها بس؟!"
وأطلقت المرأة ضحكة أكثر صفاء.. ما بين قيام وقعود.. هرولة وهرجلة.. تحيات.. أسئلة وأجوبة.. ولقمة أمضغها.. ابتهالات وتواشيح.. وحلوى ألوكها بين أسناني.. احتكاكات.. اختلاط الحابل بالنابل.. لت وعجن.. ومدد يا شيخ العرب مداااد, وبطريقة ما أصبحنا داخل ذلك السرادق الضخم الممتلئ بالناس من كل شكل ولون شيوخ وشحاذين.. حواة ونساء.. وحلقات ذكر صاخبة الحركة..
وأنا أقف في متعة ونشوة لا مثيل لها.. اقترب منا رجل ضخم الجثة.. في عينيه حول واضح وخطواته ثابتة تدق الأرض وكلما زاد اقترابه، لمحت نظرة مصحوبة بالخوف والترقب والراحة في وجه أمي.. قال الرجل في غلظة وهو يشير لي: "جايباه عشان الـ.......
" قاطعته أمي قائلة: "أيوه......"..
"طب هاتيه".
تعلقت أمي بي ثم تركتني بين يدي الرجل وهي ترتجف، وكنت هذه المرة مقلوباً ولست محمولاً أو مجروراً ورحت أتابع أمي بنظراتي, وهي ترتجف وتبكي والمرأة اللحوح تحاول تهدئتها وأنا في حالة من اللاوعي وناولني الرجل لامرأة تظهر ملامح القسوة واضحة على وجهها..
وجدت نفسي في غرفة تمتلئ بالروائح الكريهة ,وظننت أن المرأة سوف تسلقني وتقدمني لذلك الغول على العشاء.. شرعت أبكي.. تأملتني المرأة قليلاً, ثم حملتني بين ذراعيها, وأجلستني على مقعد خشبي, وأخذت أبكي وأسب وأبصق, وهي لا تهتم, كأنها معتادة على تلك التصرفات.. كتفني الرجل في بساطة, وباعد بين ساقيّ, واقتربت مني المرأة ,وبيدها شفرة قد غمستها في سائل أحمر, وأنا أصرخ وألعن وأزعق وأبصق ولا فائدة.. غرقت ملابسي بالدماء ولفت على يدي قطعة شاش بداخلها بقايا آدمية.. وأخرجتني المرأة القاسية لأمي.. عندما رأتني تهلل وجها وزغردت.. وأطلقت المرأة اللحوح زغرودة أشد قسوة وسرسعة والألم كالنار يسري في جسدي, ولا أستطيع تحمله, وأصرخ, وأصرخ ,وأتألم, وأشتم وبالطبع أبصق.. ودعت المرأة اللحوح وهي تقول: "خلّي بالك منه".. هوّ احنا صحيح كسبنا الحرب؟!
أومأت أمي برأسها قائلة: "أيوه.. وحياة شيخ العرب كسبناها"..
وزغردت المرأة مرة أخرى.. ولمحت المجذوب إياه على باب المحطة وسمعت صوت عالياً مجلجلاً: "وحياة أمي لأوّريه.. أنا هاعرف ازاي أمسك البلد دي.. أنا قلت له مايروحش.. بس لما ييجي.. مدد يا شيخ العرب مدد.. مدد يابو فرّاج مدد.. مداااد".