مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

القصة والرواية

من السماء إلى الأرض

التفاصيل
كتب بواسطة: التجاني بولعوالي
المجموعة: القصة والرواية
انشأ بتاريخ: 15 نوفمبر 2000
الزيارات: 6

 

من السماء إلى الأرض

 

بقلم: التجاني بولعوالي

شاعر وكاتب مغربي مقيم بهولندا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

- 1-

يهامسني هذا المساء الخريفي القارس في دلال، ينفخ في شراييني الكلمى نفثاته الساحرة، أنتشي كما أني تجرعت نخب المدام، وأمتطي صهوة الخيال بعيدا عن خزرات تمزق نسيج الفراغ، بعيدا عن كيان يشتهي السكون حورية هي الحسن الزاحف من فردوس الكلمات..

 

إني انزويت في ركن وضيع من الحافلة المدرسية الهرمة، التي تقلنا كل يوم أربع مرات، من البيت إلى المدرسة، ومن المدرسة إلى البيت! وهي تحرق تحت وطأة عجلاتها المشحوذة في كل مرة أكثر من 16 كيلومتر، في صمت.. وضعت رأسي على زجاج الشرفة، لأعلن انفصالي عن رحم الكينونة، صوفي المزاج.. يدق أوتاد خبائه في الذاكرة، يبذر حبات تطرفه في خفاء، ويردد أني لا أعرف عدا أشياء لا تُعرف!

 

إني أسبر ثنايا هذا الدجى الخريفي الفسيح، والحافلة تشق بنا طريقها نحو نقطة البدء، التي تنطلق منها كل يوم، باستثناء أيام العطل التي كلما تكاثرت، اعترى وجوهنا الشاحبة ما يشبه الانشراح، أقلد كل الطيور، أرقص رقصتي في النوى، كي لا يراني أحد، فأضحك من سذاجتي البيضاء، وأتهم ذاتي بالغباء، وابتسم إخفاء لامتعاضي الممتد.

 

غيرت ردائي لألج جبة الحلاج، غير متأله، بل شاعرا تكتسح فوهات الشداه أغواره، وينقر التشاؤم أجداثه المهجورة، فوار يخيم على جدران الفراغ، أنات حروف تصرخ، تتحدى، زمن للتحدي هذا، أنا هبة الرجاء، فمن أين أروي خلاياي الظمأى، متى تطفق سيمفونيتي، فالجمهور يترقب، وأنا... في ذاتي تشتهي جراثيم الفضول قد الانتحار، وهو يغتسل من جنابة الموت، يرتدي فستانه الوردي، يمسك خنجر الخليل، يقصد فنائي في غرور، أنتفض، أصيح في ارتياع، وصناجات الذعر تدوي بين أعطافي المنهوكة، فينعكس صداها عبر أجرافي الرمادية، أصرخ، لم أصغ لصراخي، ولا لصيحات طفل كان يلهو في حقولي، وينظم من زهر الأقاحي شكل الدعابة.

 

أموس تذوي، هالني رسمها المهتري، كأطمار معتوه يفترش مهملات الأثرياء، وأنا أعد.. أستعرض شذرات من تاريخي المنحول، وشطآن ذاتي يتحسس لذتها موج أبيقوري، تيأس من بحرها الأزرق، تلعنه في السر، وألعن في الجهر صمتي، انزياحي عن أنثى، ترسم على قسماتها الأرجوانية جغرافيا الشبق العربي، تبعث من مؤقيها النجلاوين لمحات هي الرجاء، والرجاء هي، أسطر البداية، أستوحي من "جميل" خطوطا، لأحيك جسري إليها، وأقول أني بدأت، فيردد صوت جدتي المبحوح: الأخ يغدر، والدهر يقهر.. والحب يكبر، يكبر في الذوات فتضيق، وفي الملامح فيذهب البريق.

 

على سطح زجاج الشرفة أنا.. بشكلي المتهدل، بشحوب صوفي يغرم نفسه.. ويحب الله، وأحب (؟) ولا آبه بهدير الحافلة التي تمزق سكينة الليل، ولا بأجساد التلاميذ المتهالكة، التي تملأ فضاءها المزدحم، وقد أضناها يوم حافل، بخشونة المقاعد، وثقل المحافظ والكتب، وواجبات المدرسين التي تشبه أوامر رجال الشرطة!

 

 

- 2 -

عبر زجاج الشرفة، فضاء متألق يستهويني لجلوس أريحي تحت البدر السارح في قصيدة عنوانها السماء، أخلد امتداد السكون العنيد، الذي تنغصه من فينة لأخرى، قهقهات التلاميذ المشبعة برائحة المراهقة المرهقة، والوجد المثخن بالجراح تهزني صواعقه إليك، أنت الجالسة قبالتي، وهي تهب على أهداب جفنيك الساحرين، تغبرين عن حاسة مني، كلما باغتني الليل وهو محفوف بالاغتراب، أو غرد الحزن في مملكتي مواله العتيق، فاعتزل الصخب، وأزاول صمتي.

 

أستفيق من أوهامي، عقلي حروف استفهام، على ذاتي ينسج عنكبوت الاغتراب، وفوق نطقي تكتظ أجناس من الكلمات، وفي غفوتي أبصر "لونجا" تروي عربيدا ريفيا من لعابها، وأضيق.. فأزمع على طعنه باحتجاجي، لكن يد أمي تمتد إلى عاتقي، فألتفت وأنا أرمق سماء البيت، أرى صورة شيخ وهو يرتدي جلبابا أبيض، يجلله بالمهابة، فأدرك أنه جدي، أرى أشياء عديدة، كل واحد منها يحمل ذكرى مخزونة في سراديب اللاوعي، أرى كتبا، أرى... أفكر ولا تفسير، أحرك رواسبي الجاثية، فأعي حينئذ أنه طيف وما بعده الصحو..

 

برودة المقعد الخشبي تسري في دمي، تغازل كياني النحيل، ونظري يشق بجناحيه بكارة الفضاء اللا متناهي، هذه نجوم مترامية.. هذه سحب تتسابق.. هذه تضاريس "تمسمان" الشامخة شموخ الريف.. هذه شناخيب تتمايل وإيقاع ذاتي.. أنسى وجودي على حافة الكتمان، أزيغ، أجري مجرى آخر، يقذفني الآن نحو قاع المجهول، أكاد أغرق، وبأعجوبة، أنقذ قلبي من مخالب الافتراس، فأقول أني جربت، فأنا ذو تجربة!

 

إني أتيت، فأوراق الليل تساقطت على أرجائي، تحدثني لا أفقه ما أنفث، إنني افتقدت كل اللهجات، بحثت عن لساني إذ هو، هو.. تلمست خفقات ذهني إذ هي، هي.. تساءلت في انطواء عما جرى، إني أنساني انبثاقها الأنثوي أنا، لغتي امحت، وحتى الحروف انهوت من أغصان الأبجدية، فتمزق ستر الشوق في أليافي.

 

تخطو أمامي، ألاحقها في ظمأ أخرس، تسحبني من حيزي، أستلذها رغيفا من شهوة، وأنشد لو أني أحل في بسمتها الوردية، أو تغمرني عبرتها الممزوجة بملح الشبق، ألتفت، صاحبي "سيزيف" يربت على كتفي الأيسر، أستاء وأكرر ما قالته الشمس وهي تغطس في عرض البحر، وأمشي تارة منصتا، وأخرى هاذيا!

 

نورس يغادرني، وأبي يغادر الفردوس، أمي بجواره تمسح رسوم الانشراح التي لم تستمر، تجفف خيبتها المرة، تتمزق كوامني من هول النكسة، تضطرم حشائشي الخفية، نار في الأحداق، وشرارة في الأعماق.. يا مهجتي، نبالي فتتها صرف الدهر، "لونجا" تستخدم المسدس، أتوارى خلف الكلمات، كلما طفقت فوهة أو صاحت فوهات.

 

 

- 3-

بالدموع الخفية ودعتك يا وطني، وحتى الهموم جمعتها في حقيبتي، وشطبت اسمي من كل الجدران، إني فضلت أن أنوء، ألا أرى من حياني، وألا يعلم أحد أني اخترت الجفاء عنوانا، وأن قاتلتي أنثى من صنف بشر.

 

ما فتئت أنخرط في فضاء الحافلة، أمل هذا الليل الذي كلما آنت لحظة الرواح، في انجذاباته أضيع، وبين سطوره يغني شرودي، فأغيب عن جثماني، وأتيه في خواء الخواء، ألمح "لونجا" من جديد، وهي ترفل في مرقص الكلمات، تعكسها المرايا حرفا عذريا، تهتز أشياؤها في خشوع، فتتدلى من شرفاتي أعلاق الرغبة، تتمايل في غنج حلو، ترشف ولا تثمل، أفارق دمي، أنسلخ، و... ما يزال هدير الحافلة يتسلق أنحائي، تعاتب بمقلتيها الثملتين شخصي، الذي ينزاح عنها، تغتالني لأفيق من سهوي المزمن، أفتح ذاتي المذبلة، أرمقها أمامي، خلفي.. تتفاقم في خيالي الهواجس والاستفهامات، ها.. ها الآن ينطبق عليك فكا الشراك، لتغدو سجين رؤاها، وتختم أجواءك بالشمع الأحمر، لتحاصر أديرتك غربان الشؤم، ولا خلاص مما أنت فيه، فالكون ينهار إذا ما أماطت الأنثى عن عريها أو سرها، والكل يخلد الليالي الحمراء، وحتى الخطيب في عهدنا تناسى الحقيقة!

-         عاهتي أنني لا أرفل.

-         وأنا عاهتي أنني أرفل، وبهذا الفعل أحقق قسما من وجودي.

-         عذرا، فالأذواق تختلف..

-         لكن، الحقيقة لا تختلف، حتى أن الإنسان في حقيقته واحد.

-         غير أنه في تصوره متعدد.

-         وإن تعدد التصور، توحد في ماهيته.

-         ....................................

 

يا نوارس الصمت التي ترين على كبدي المعنى، خففي الوطء، وبددي لحنك الحزين، فنار الشجن تلتهم كهوف ذاتي، وعرافة القرية ذات الخصلات المطلية بالحناء، تجلدني كل ليلة بأمحوضة لا تنسى، وما يعرفه الصحاب عني، ليس ما تمليه مشعوذتي من دروس عشقية، أو ما يساورني وأنا ثملان، يا نوارس الصمت، لا تخطي في محضر الغيب سيرتي المشؤومة، وتقولي لشيخ الحومة، أني المعتوه الذي فتن نساء القبيلة، أني المخاتل الذي اختطف بنت السلطان من مزبلة القصر!

-         دعيني أمضي لحالي..

-         وماهية حالك يا صغيري؟

-         أمي تدعو كل فجر، ليبارك الله في فلذة كبدها، ويحفظه من ويلاتك!

-         ماذا..؟

 

أجل، يا عبرتي الخجلة من التدلي، يا مهجتي التي يقتصها لحن الهزار من جذور الجذور، صرت صغيرا في زعمها، تصارحه بخدعة من نار، وتقول أنها فاكهة من أشجانه، ولا تدري أنها محرمة، وأن قافلة الدهر استقتها إلى رحابه، فشيدت خيمتها بجواره معتقدة أنه الجدير بها.

-         إني ما اعتقدتك هكذا، تطلبين الطموح طلابا.

-         إني اكتمل ذوباني فيك.

-         والطامة الكبرى أني لم أحس بعد!

-         أنت في كآبتك يسقط الملايين، أنت شيطان إنسي!

-         إنسي شيطاني!

-         إن الصروح التي أسرفت في بنائها قسطا من عمري، تتهاوى الآن.

-         ولا أراها.

-         إني أراها وحدي.

-         وأين هي؟

-         إنها في ذاتي.

-         نرجسية أنت، تلفظين كلاما فلسفيا، وفي الحين لست فيلسوفة!

-         بل فيلسوفة نفسي!

 

 

- 4 -

تهاتفني من خلف القناع ولا أراها، تتجول رفقة الدجى، تسامر جنوني حين أتطرف، وأتقلد خطى أفلاطون في سموه، وتقول، فيحسبها الجالس جنبي موجا ليليا.. بين تضاريس الوجود أدرك هويتها، وفي تجاويف السماء ألمح قدها الفاتن، فتسحرني، وتخلبني نكهته فأترنح، وأذوب على زجاج النافذة، الذي هو متكأ رأسي منذ حين، لأراها تتراقص في بؤبؤي عيني، وفوق أنوار "تفرسيت" المتموجة..

-         فيم تتأمل؟

-         في ذاتي في هذا الخلق المنظوم.

 

الكينونة في تقلب زئبقي، توفق في صورتها بين ألوان قوس قزح، فيظهر على ثراها من هو راض، ومن هو مثلي يسند قلبه بعد تمرد وإجهاد، إلى جدار الصمت، ليردف الكائنات أعلى.. أسفل.. أ..

 

تنتصب "لونجا"، يذكرني قوامها الممشوق بصيف الشاطئ، تتسلل نحو أحشائي لتحل في، أنحتها تمثالا، وأرجو لمس راحتها البضة في الخفاء، حتى لا تراني أو أراها! إن لفحة من لفحات الخريف تفيض على مبسمها الفواح، فأحدج فيها وجهي العبوس، وهو يبسم، وطموحي المشروخ، وهو يتألق، ثم تختفي وراء أسوار المبنى، فينهار طموحي، وألتقطه بسرعة، فأكتشف أني الهائم من دون دليل.. فأزجر شخصي المذهول وأبكته.

 

يلتفت من إغفاءته المعهودة، أتطلع نحو الفوق، رؤوس تمتد، عيون تسترق النظرات في نهم، يحضرني "الحجاج"، وهو يستل من الغمد منجلا فضيا، ويشرع في .. أتطلع ثانية.. أنجذب لوجه أنثوي يحدجني، ينخرني شيء ما من الداخل، فتذوي أعشاب الرغبة في عمقي، ويفتر شغفي شيئا فشيئا، أتقوقع حول سري، وأهيم في فلاة الكتمان، مثل صوفي يطلق لذاذات النفس اللوامة، ليتخذ الخربة النائية صومعة له، أو مثل عاجز لا يطيق على اقتطاف فاكهة العشق، من كرمة تظلل سائر القلوب، ويردد ما قاله الذئب العجوز؛ أن نكهتها مرة!

 

 

- 5 -

ما انفك الليل يضاجع أشيائي المقرورة، ويشحن سكونه البارد في دمائي، تأتي "لونجا" من غير أن أدري، تشدو في متاهتي الموشومة باليتم أهزوجتها السارية، تعزف على حفيف الأوراق، أضع نبضات قلبي على لحنها الشجي، وأفيض نشاطا، ويكون صحو، ويكون تماس، ويكون حلول.

 

إنك تمشقين في كل لحظة نفسي، أجنح إليك، ألاحق في مجازفة سحرك الوهاج، وأرسم قدك المتراقص وفق إيقاع ذاتي، فوق زجاج الحافلة، وفي عيني.

 

من شمالك، يأتيني هزال هذا الشوق، فيفقدني حتى ما ورثته من وعي، أحرق الخريطة، وما عليها من مدن، بجمرة كالتي في أعماقي، وأرشف قهوتي من قدح فارغ، ويثملني لونك القزحي، وفاكهة فيك تتجسد..

 

أنت، حين يتلاشى وجودك في الخفاء، أكسر قيثارتي التي بها أنحتك لحنا خالدا، وأمزق فواصل السمفونية، فألقي بذاتي في عين الصمت، لأعلن عزلتي أو أهجرك.

 

ترصدني عيون الليل في تحير، ينهار فراغي، ويغيض الأسى، فأخجل من نفسي، فيتمرآى وجهي على الزجاج، ثم ابتسم.. لما أدرك أن الرحلة قد انتهت، وأننا على مشارف الوصول إلى بيوتنا الدافئة، أنتصب، فأحذو حذو النازلين من الحافلة، نازلا من السماء إلى الأرض!

 

 

(*) استمرت هذه الرحلة الواقعية والنفسية سبع سنوات كاملة!

 

السيف المغبر

التفاصيل
كتب بواسطة: سمير جمول
المجموعة: القصة والرواية
انشأ بتاريخ: 02 نوفمبر 2000
الزيارات: 5

 

 

                          الســـــــــــيف المغبر

 

دخل مسرعا ووجهه يقطر غضبا , امتشق سيفا قديما  كان معلقا على الجدار  وقد ( اعتلاه ) الغبار صعد على مقعد خشبي  قبالة التلفاز الذي كان مايزال يذيع نشرة الأخبار  والتعليق ... والتعليق على التعليق منذ زمن  ولو استطاع الغبار ان  ( يعتليه ) ايضا لفعل .

ضحكت زوجته بسخرية قائلة: ماذا تفعل يا( أخو)...العرب                       

-          سأحارب .. وسأسترد  كل ما أخذ وبالقوة

وبنفس انبرة الساخرة  .....انز يا أخو ...... العــــ....لقد سبقوك تاركين لك وهما تعافوا منه  وأعتقد بل أجزم انهم يبحثون عن ند لهم  فلم تعد منافسهم .

نظر حوله بعد أن نبا سيفه  وغادرته النخوة بائسة  وانتحر الضميرعلى عتبة خطاباته  .. أيعيدهذا السيف الى مكانه فقد أقلق راحته بعد سنين طويلة من الرقاد ؟؟؟؟؟؟؟ ام يحاول ثانية ربمايقبلون به في  ساحةالوغى  ....؟؟؟؟؟

لم  يطل  به  التردد , طلب  من زوجته  ان تعيده الى  مكانه  فقد  انعكست صورة الزمن الهرم  بتجاعيده  على يديه وتكاثفت خيطان العناكب على ذلك الرأس الذي انحنى  وفارقته نشوة الشموخ  ولم ..ولن ...يقو على الصراخ فما قد كان...., كان كثيرا على أن يستعاد والمسافة بينه وبين الآخرين لم تعد تقاس .

تكور على نفسه فوق ذلك المقعد الخشبي  ناسيا و متناسيا صوت المذياع الاخباري وتاه في مجاهل اللامكان واللازمان  فما عاد شيء يفك رموز احجيته  سوى المعجزة .

سمير جمول- سلمية     

كليكل

التفاصيل
كتب بواسطة: ستار نوري
المجموعة: القصة والرواية
انشأ بتاريخ: 31 أكتوبر 2000
الزيارات: 6

ترامى وجهه الاسمر و صوته الابح وهجا في الشوارع والساحات التي مر عندها طويلا . واكتست اغنياته ورقصاته الطريفة وسما مميزا لسخرية ممزوجة باللامبالاة ، ضج لها الناس كثيرا ، وتركت ظلا كثيفا لاينسى من المرح ، مازال صداه يتردد في ذاكرة المدينة ، اجيالا .. حتى رأيته مصادفة ، في مملكة الموتى ، وهو يناجي طللا شاخصا ، ابى ان يرد عليه ، بعد ان غفا في سبات ابدي ..

 

    بدت لي صورته عن قرب ، على هذه الشاكلة . فكنت بين مصدق ومكذب . وهجست لنفسي سرا ، انه لا يمكن ان يكون قاسم كليكل ، الرجل الذي لا يحفل بشيىء او بشخص قط .  لعله شخص آخر قريب الشبه منه . على مهل دنوت ، حين فرغت من هم نازعني الوصول اليــه ..لكنه تلاشى كالبرق بين اطلال متزاحمة ، مخلفا طيوفا طاردت خيالي ، وهو يمتع جمهورا واسعا من اناس اكتظوا حوله طربا مساء كل خميس ، وقد انتشى ببضع رشفات عرق ، مفتاح عقدته السرية ، لتعمر مزاجه الدافق بالفرح . فيما تهيأ مريدوه لاستقباله مترنحا باغنية جديدة اطلقها بنشوة غامرة ..

    لا ادري، ربما استمتع البعض باغنياته حقا ، كما استمتعت بها ، لكن متابعيه يقولون انهم يشعرون بالمتعة التي يضفيها على اماسيهم بفضل طريقته الساخرة . حتى بات مولعا بتغيير  العديد من نصوص الاغاني المعروفة بشكل يناسب امزجة محبيه ، وكأنه

ادرك بالضبط ما خالج نفوسهم من هواجس بقدر او باخر . وذلك ما كان يعنيهم او يمتعهم بشكل خاص ، على ما اظـن . لكنه لا يتوقف عند هذا الحد ، انما يتلاعب بالالحان الغنائية المعروفة ايضا ، فيغني احدى الاغاني الشهيرة لام كلثوم ، او عبد الحليم حافظ ، بطور داخل حسن مثلا، وهذا ما حصل بالفعل عدة مرات ، لكن احدا لم يستغرب او يستنكر ذلك . بل على العكس ، ربما وجد فيها البعض فرصة للتندر واثارة التعليقات المضحكة من جانبهم ..

      استقر في عيون الكثريين ، كطيف جميل، قبل ان يظهر نجم (مجيد راضي) الذي اسماه قاسم تحببا (إمجيّد) ، و شاركه ذات الشهرة عندما انضم اليه فيما بعد  فكوّنا ثنائيا لاقى قبولا واسعا من الجمهور . مارس قاسم دور المطرب والشاعر ،بينما برز  مجيد باتقان العزف الشفاهي المنفرد على جميع الآلات الموسيقية . لكن ذلك لم يكن عرفا ثابتا لديهما ، فقد يحصل العكس ، فيقوم مجيد بدور المطرب ، بينما يؤدي قاسم دور العازف

بدلا عن مجيد ، وقد تراهما يغنيان ويرقصان معا ، وفقا لمزاجهما ..

     استغرقت اللعبة زهاء السنتين او اكثر ، قبل ان تاتي الحرب المجنونة مع ايران .. فالتحق مجيد باحدى القطعات العسكرية في القاطع الجنوبي من الجبهة ، فيما راحت مفارز الجيش الشعبي تطارد قاسم كليكل اينما حل على الرغم من كبر سنه ، مما اضطره  إلى الاختفاء عن الساحة والظهور في احوال نادرة ..حتى جاء خبر استشهاد مجيد في احدى المعارك الطاحنة التي حصدت ارواح الكثرين معه .. فاقصى قاسم نفسه من الظهور ثانية بدون مجيد ..

                                         

                                                    *  *  *   

       مثل صوت صفارة انذار مزعج ، اطلق نعيقه في سماء صيفية صافية عند الغروب ، مما حمل زميلي وصديقي حمزة الحلاوي على التشاؤم ونحن باتجاه السوق الكبير  مرددا القول بقلق وانزعاج :

  ــ اغراب اسود ؟!  ياستار يالله .. ياستار يالله .. توددت اليه محاولا التخفيف عن ازمته المنبعثة عن دواخله بعمق. لكن نبوءته صدقت هذه المرة ، حين اطل على شاشة التلفزيون وبشكل مفاجئ ، مذيع البيانات العاصفة، مقداد مراد ، بصوته المدوي لينقل الاخبار الواردة من الجبهة ، معلنا عن تجدد المعارك الضارية في القاطع

الجنوبي .. ودعني الحلاوي بقلق،وهو يروم الالتحاق بوحدته ثانية قائلا  :

ــ  أ لم اقل لك ، انه اغراب البين ؟ ثم اردف:

ــ هذه المرة ، ما راح اتعدي سلامات !!.. قلت محاولا تهدئته :

* لاتبالغ في تشاؤمك يا اخي ، انها مجرد صدفة ، وهذه خرافات قديمة .. ستعود بالسلامة ، بعد ان تنتهي المعركة ، كسابقاتها ، ونلتقي ثانية،ان شاء الله . قاطعني بالقول :

ــ مو كل مرة تسلم الجرة ،كما يقولون..اخوي اريد احملك امانة ، اذا وصلك خبر استشهادي ، او اسري . ارجوك تتصل بامي بالحلة وتطلب منها ان تسامحني ، بعد ان تحملت من اجلي المزيد .. قالها بحسرة وألم وكأنه على يقين ان شيئا ما سيحصل له ..!!     بعد يومين على التحاقه بوحدته العسكرية في الحبهة،  وصلني خبر  اصابته في المعركة ، وجرى نقله الى المستشفى الجمهوري ، الذي تحول إلى مستشفى شبه عسكري فصار يستتقبل جرحى و مصابيّ الحرب في معظم الاحيان بدلا عن المرضى .. وخلال تجوالي في ممرات المستشفى وانا بصدد البحث عن صديقي الحلاوي ، لمحت بوضوح من خلف زجاج غرفة العناية المركزة ، قاسم كليكل ، بعد غياب طويل ، رقد مريضا ..!! و بعد الاطمئنان على سلامة صديقي .. رحت استفسر عن المرض الذي كان يعانيه كليكل ، من احد الجرحى الراقدين في ذات الردهة . بادرني زميلي الحلاوي الحديث عنه باعجاب وألم قائلا :

ــ انه يعاني مرضا في القلب .. ولكنه انسان عجيب !!. 

* وما سر العجب فيه ؟

ــ تصور يا اخي ، انه يعاني من انسداد في شرايين القلب ، ومع ذلك اصر على التبرع بالدم للجرحى .. متجاوزا نصيحة الاطباء ، واحتمالات الخطر المحدق بحياته

فيما لو استمر على هذا النحو ،  وعندما منعه الاطباء ، تحايل على الجميع لينفذ مافي رأسه ويتبرع لجندي

مصاب كان في حالة خطرة ، في وقت خلا فيه مصرف الدم من رصيده !!

* ولكن كيف استطاع ان يتسلل من غرفة العناية المركزة وهو في حالته تلك ؟! الا تجد في ذلك مبالغـة ؟

ــ لا .. لا  لم يكن في حالته هذه ، قبل هذا الحادث ..الا ان حالته اخذت في التردي وساءت كثيرا فيما بعد .. والغريب في هذا الرجل الشهم ، انه قام بخدمة الجرحى

على الدوام ، على الرغم من عدم موافقة الاطبــاء والمرضى . ومع اصراره وتوسلاته اليهم جعلتهم مضطرين لتحقيق رغبته على مضض .. فهو يحرجك كثيرا وانت ترى دموع رجل بهذا السن ،تسيل على خديه راجيا منك قبول خدمته ..و هذا ما حصل معي،حين جيء بيّ إلى هنا ..

    تمنيت لو يشفى تلك اللحظة كي اعرف منه حقيقة الرجل الذي صادفته من قبل . الا ان الفرصة جاءت على عجل وباسرع مما توقعت ، وانا اودع عزيزا رافقته إلى تلك المملكة الموحشة قبل هطول الظلام  بقليل . وحين ادركت المكان ثانية ، ساقتني الرغبة مجددا للتعرف الى صاحب الطلل الذي وقف عنده الرجل الشبيه بقاسم متضرعا إلى قبره ، سائلا قبول اعتـذاره ، وكأني اسمع صدا صوته يتردد بوضوح في آذني تلك اللحظة ،كما كان

يناديه اول مرة قائلا:خوية ارجوك اتسامحني ..خوية مقصر بحقك..وقفت أقرأ لوحة كتب علـيها  (( الفاتحة على روح الشهيد البطل مجيد راضي نابت البــــــيضاني

استشهد في معركة الشيب في قاطع ميسان بتاريخ  16 / 2 / 1983 .. )) شعرت بالحزن الذي خالطة شيء من الفرح و التفاؤل و انا اتذكر وفاء وصدق ذلك الرجل العليل ..

 

 

 

 

 

 

سكرتيرة

التفاصيل
كتب بواسطة: م. علي ناصر
المجموعة: القصة والرواية
انشأ بتاريخ: 25 أكتوبر 2000
الزيارات: 5

 

" يا للرشاقة و الخفة ، قد ممشوق نضر كالسوسن ، خصر دقيق كعود الرمان ، و شفاه كأوراق شقائق النعمان ، هيفاء ، غصن بان ، عينا مها وغرة قبرة تقفز   ..  "                                    

 

أوصاف رائعة تراود خيال الأستاذ عبد الستار ، كلما خطرت أمامه السكرتيرة الجديدة الفاتنة .    

 تساؤلات أخرى اخترقت  تفكيره و قلقه ، لعل مدير الحسابات الخبيث أحد مصادرها  :       

" وجدت لك سكرتيرة تعيد الشباب لمن نسي عمره!  "                     

 

 ماذا قصد مدير الحسابات و لماذا لم يحتفظ بها لنفسه ؟!                   

 

" في الحقيقة أنت تستحق كل خير يا سيادة المدير العام ، لا تسيء الظن ، تعلم أن شقيق زوجتي يعمل لدي ، و جواسيسها كثيرون هنا ، أما أنت ما شاء الله ، لن يجرؤ أحد على التفوه بكلمة واحدة ، الورد جميل يا أستاذ ، واشتهيت لك  وردة  معطرة " 

 

   -- أستاذ ! تفضل ا لبريد العاجل ، يوجد فيه فاكس من فرنسا ، يرحبون

 

بزيارتكم على حسابهم للإطلاع على المصانع الجديدة .                                                                           

شفتان قرمزيتان تعزفان على أوتار القلب ، النبض يسرع ، ما زال التغريد يصدح.

 

لم تطرب أذناه لموسيقى من قبل كهذه ، آه ، بلى ، تذكر صوت هند "زوجته " عند لقائهما الأول ،

 

 

تجهم وجهه قليلاً، ثم شابته ابتسامة صفراء ، تذكر الأيام الخالية قبل بضع عشرة سنة ، وتساءل :

" لماذا تغيب موسيقى الحب بعد سني الزواج الأولى ؟ "   

 

     توقفت الشفاه عن الحركة ، لم يحر جواب  .     

      نظر في العينين الواسعتين ، كانتا صافيتين ، ليلاً مقمراً فيه نجمتين مذعورتين ، هاربتين منه ، إليه .                                                                                           

 

-- عفواً أستاذ هل أخطأت ؟                                                                                     

 --لا يا ابنتي ..                                                                                               

    لكنها ليست ابنته ، كيف خرجت هذه الكلمة من بين شفتيه الآثمتين! ابنتي !

 تساءل :

" شعور الأب هذا أم شعور العمر؟! "  

 إنه أب لابنة تصغر هذه بقليل ، ما يزال في الأربعينات ، فلماذا تخرج كلمة (ابنتي) من فمه ! 

  أليس إعجابه بها إعجاب رجل بامرأة؟ وهذا الشغف والانجذاب أليس حباً و عشقاً !                                                                                      

    "  لا ،لا يمكن " 

 

  خاطب نفسه مقاضياً إياها على تهورها :

 "  أنا من أحب هند حب قيس لليلى فكيف لي ترك منى أحلام شبابي وهي تحت سقفي ، وفي قلبي حبها مكنون "        

            

  الحب ثانية يدخل المخيلة بعد نسيان ، فقد أصبحت باهتة كلمة الحرفين المعجزة ( الحب )

 

عاد إلى حساباته المنسية :  لماذا أصرت هند الزوجة على استخدام امرأة للطهي و التنظيف و إعداد قهوتهما الخاصة ، بعد أن أعلنت أيام الخطوبة أن لن تلمس شفتاه غير ما تعد هي في  المطبخ !   

 

  تنهد بعمق و هو يحاول تذكر آخر فنجان قهوة حضّرته هند الحبيبة فلم يفلح . 

 

ربما كان ذلك قبل مجيء الأولاد ، وبالتأكيد قبل أن يصبح مديراً عاماً .                             

   احتساء القهوة من يدي أم أحمد البسيطة كاحتساء مرق دجاج بارد ، وربما أخذ شهية احتذاء زوج أحذية قديمة لضرورة حفر تراب الحديقة ! 

 

     رائحة البن المعطر بالهال تسرح فيه ....

 

 هند القديمة تظهر من خلال السكرتيرة متواضعة ،                     

 

عطرها يصارع ليجد مكانا لأنفه الحساس ،

 صراخ عميق يصدر عن صدر شهي .. 

                

 " تفضل القهوة يا أستاذ "                                                   

 

  "    ماذا تريد يا سيادة المدير العام ؟

 القهوة أم الصدر الرحب ؟

أم عطره.....

 أم الأنوثة بكل ما فيها من مستنقعات ضحلة وعميقة!

 أنت المدير العام أم عبد الستار ؟ وهي هند أم السكرتيرة ؟ ماذا تريد ؟ الحب ، الناطور ، العنب، الحنان!  ربما ! نعم ، بعض حنان أيها الكهل الحزين ..."

 

أغمض عينيه متحاشياً النظر نحو فخي النهدين الفتيين الثائرين على ضيق المكان.   لكن الإغماض حبسهما تحت الجفنين الآثمين بمرأى الفاحشة ،كما تحتفظ الشمس بفضتها فقاعات من إشعاع  بعد لمحها ، كانت قطرات المطر تنساب عن أسمرين منتفخين ، أسمرين أم ..

 

التفت يميناً و فتح عينيه ، ما زالا يتحديان الكهولة و الرجولة و الصرامة ، والمديرية !  أحس بلعابه يملأ رئتيه ، فسعل سعالاً حاداً .                                                                       

طفرت  الدموع   من عينيه  .. أحس  بالاختناق   و  الخيانة  ..بحث عن منديل ورقي على طاولته دون هدى ، فارتطمت يده بفنجان القهوة ، انسكب بعضه .

-- " فداك يا أستاذ "

 أحس بالحنان، إنها هند القديمة ..        

" تفضل اشرب بعض الماء "  

  شرب  

--  " فيها الهناء و الشفاء " ..

حمد الله ، و لعن الشيطان . عطر القهوة الممزوج بأحلام يقظة شبابيةقديمة استعاشها ثانية مستذكراً لقاءه الأول مع حبيبة الشباب زوجة الحاضر.. بقايا صورة من خيال كاد يشيخ..

عطر البن بقي يملأ منخريه و صدره ، فأحس من جديد بانتعاش    ..

 

رشف قليلا من القهوة الباقية  قي الفنجان .. وأبى  في البداية ابتلاعها ..حاول تذوقها  في فمه أطول وقت ممكن..

" عفوا أستاذ .. سأعد ّ فنجان قهوة  آخر، ثوان فقط"

 

و اتجه الغزال نحو الباب..

 تسمرت  العينان  في مقبض الباب ...

 إلى الأسفل فتح الباب  ..خرجت  ,

 أرتفع   إلى الأعلى  ..

 إلى أسفل ، فتح الباب ثانية ,  صينية  القهوة .. بخار البن و العطور ، القد  والجمال، دخلوا جميعاً مع الحياة النابضة بروح الشباب الجديد.                                           

في صباح اليوم التالي ، كان قد طلب  من  هند  فنجان  قهوة .

قالت: "ولماذا الخادمة إذا ..هيا ..   الأستاذ ينتظر  القهوة يا أم أحمد "

 

وجاءت القهوة بعد ربع ساعة .. رشف منها رشفة واحدة أحرقت لسانه ، ملأت فمه بالثمالة ، فنهض مدّعياً وجوب  الإسراع  إلى العمل ومتجنبا مناقشة عديمة الجدوى حول الحب والزواج والقهوة مع هند ..                                                   

--جاءت على خير يا أستاذ، سكبُ القهوة دليلُ خير.. ولم تتأذ ّ أي من الأضابير ..هاك الفنجان الجديد ..إنّه أسخن وألذ ..أرجو أن تعجبك  قهوتي يا أستاذ..                                           

 

-إنّها ألذّ قهوة ارتشفتها منذ مدّة بعيدة ، كيف تحضّرينها يا.. ما اسمك ؟   --     اسمي هند يا أستاذ                                       

--  ماذا ؟                                                                        -- هند

-- هند ؟!                                                                        -- نعم جميل! "                                                              

-- " قهوتك لذيذة يا هنـ ..د .. كيف تحضّرينها ؟ "                        

-- " سر المهنة يا أستاذ "                                                     وضحكت بغنج و دلال ، فظهر اللؤلؤ المتناسق ، أسنان من ثلج ناصع ، متراصة كفرقة رقص ، كتف إلى كتف، و ضواحك ! يا لها من ساحرة ! تعطر الضحكة عمق القلب ، والثغر رقّة و نعومة .     

   " سر المهنة ! "  عبارة هند الزوجة قبل أن تصبح كذلك !  كانت ترددها دوماً عندما يسألها عن سر إعجابه بها ، و إعجابها به  ، أو قوة حبهما . 

   كانت تقول : " الله سبحانه صانع الحب ، ونحن جزء من حب ، إنها إرادة علوية ، فلا نهاية إذن لهذا الحب الإلهي ، حب مصنوع بطريقة ٍ سرية لا يعلمها إلاّ معلّمها الأكبر ، إنه سر المهنة! سر المهنة !  "        

   إنها قهوة هند القديمة ، هل عادت إليه هند الحبيبة ؟ هند ما قبل خمس عشرة سنة ! هل عادت نضرة كقرص عبّاد شمس ! و لماذا لا تكون هي ؟  فالقهوة قهوتها ، و الثغر ثغرها ، والرشاقة لها  وكذا سحر الجمال والفتنة!

 و السرّ ؟ سرّ الحب ، ينكشف الآن ، فالقلب عاد شابّاً يخفق بعد سبات طويل ...

 و الابتسامة تشقّ طريقها بين الصخور الناتئة و ركام الأيام ، الأعوام .            

الكاهل المثقل بغبار القنوط يشعر بالراحة ، ينتفض ، كما اتسع الصدر

 و رحب ، صار حراً كجناحي عصفور دوري شقي !

" أي سر فيك يا هند الصغيرة !  لا، لا ، لست صغيرة و لست كبيراً،  قهوتك  المعتقة أزالت قطران الهموم من صدري ، نظفت رئتيّ  من  سموم  الإرهاق  و       الكدر ، حتى الاسم مسح عنيّ الكهولة الشائخة"  --" هند"  

--" نعم أستاذ عبد الستار ! "                                                      

 لا زالت موجودة إذن .. 

 أحس أنّه كان يحلم والحلم يغدو حقيقة :                       --  عفواً ! لا...لاشيء ، لا شيء

--أستاذ ! أشعر أنّك لست على ما يرام ، تفضل اجلس علىالأريكة ، ستشعر براحة أكبر ، لن أدخل عليك أحد قبل أن تنال قسطاً من الراحة ، اتفقنا؟            

 

"  أين أنت يا هند الزوجة ، تعالي وتذكّري هند القديمة !

 ما الذي يفقد المرح و الحب؟

 الأولاد أم الزواج؟

 أم العمر و الانشغال في العمل ؟

 بل هذه الوظيفة التعيسة ، مظاهر ، و نفاق و مجاملات.

 

******

 

استيقظ صباحاً على ضجيج أبنائه اليومي المزعج ، كم يكره الاستيقاظ على صراخها و بكائهم !

و بدأت السيمفونية اليومية ، بدأت المواعظ والتأنيب اليومي لتأخرهم بالاستيقاظ المبكر .     

     تململ في فراشه وقد ازداد الصداع كرة ثلج  سوداء ثقيلة تحتل مركز رأسه الخلفي ، ارتمى رأسه على الوسادة ، فرك عينيه ،  وهج واحمرار و بالونات تلمع في الفضاء ، تذكر لبرهة بكره لحظات إيقاظها القديمة إياه ورائحة البن تملأ جو الغرفة " هيا إلى الشرفة قبل أن تبرد القهوة !"

    و عندما كان يتكاسل تأتيه أنوثتها معطرة بقبلة الصباح الدافئة ، تسبق برودة الفجر المتسللة من شق الباب ، زقزقة العصافير تصبّحه أيضاً بخير جديد .                   

  هل كان ذلك نفاق بداية الزواج أم أن الزواج قاتل حب متمرس ؟!       

 

   نهض بتثاقل  وهمس لزوجته بلطف :

-- يا حبيبتي أرجوك لا ترفعي صوتك عند إيقاظ الأولاد ..                           

  قاطعته بعصبية و صوت عال :   "  أنا دوماً المذنبة في هذا المنزل !! الأولاد من جهة و أنت من أخرى ، حضرتك تسهر في مكتبك حتى وقت متأخر وتأتي والكل نيام ، نم باكراً تصح باكراً ، فلا تزعج نفسك و لا تزعجني "                                                                       -- ما هذا الكلام يا هند؟ أنت من يتكلم هكذا ؟                                -- نعم أنا ، أريد أن أموت كي ترتاح و أولادك من هند .                  

-- لماذا تقولين هذا الكلام ؟ و ما الداعي له ؟                                                

--طبعا لا تعرف ، البيت مسؤوليتي وحدي  و ليس مسؤوليتك ! تذهب صباحاً و لا تعود قبل المساء ، من يربي الأولاد ؟  أنت لم تعد عبد الستار الذي كنت أعرف ، شغلتك الوظيفة عني و عن بيتك .      

  -- على رسلك يا حبيبتي ، تروّي قليلاً و نناقش كلّ شيء .                                                           

-- لا أريد المناقشة ، فكل شيء انتهى .                                   --  حبيبتي  !                                                          

-- أي حب تنادي به ؟  كان و مات . لن أصدق حبك بعد الآن .. لم أسمع كلمة حب منك منذ سنوات .....                                                                                      

--...........

-- حبة أسبرين أستاذ !  وهذا كأس ماء بارد .                                 رفع رأسه ببطء  "  لا ، شكراً ، هات البريد ! "                            -- إنّه أمامك يا أستاذ ...                                                                                            

   كابوس جميل يخيم عليه ، يحيط به ، يحط على رأسه ،  لم تستطع عيناه الارتفاع بالنظر إليها ، قلّب أوراق المناقصة الأخيرة مع الشركة الفرنسية ، داعبت أصابعه فاكس الدعوة المجانية له و لمن يصطحب لزيارة باريس لمدة أسبوع واحد.                                    

         مضت فترة طويلة مذ زار باريس مع زوجته هند قبل سنوات ، هل ستكون معه هذه المرة أيضاً؟  لقد أقسم ألاّ يصطحبها ثانية إلى أوروبا ، كيلا تباهي زملاءه بجليل اقتراحاتها التي جلبت لزوجها المدير العام  والوطن أفضل العقود، " ألست خريجة كلية التجارة  والاقتصاد والأولى على دفعتي !  "                                                                 " هل أصطحب هند الصغيرة! لا، لا ، لن أكرر أفعال الآخرين "           -- لم لا تصطحبني معك إلى باريس يا أستاذ، فأنا أتكلم الفرنسية بطلاقة.                             

    رفع رأسه إليها ، مزهرية ورد جوري ، اسمها هند ،

 

-- لماذا أسماك أبوك هند ؟    

 

 

      دارت إلى جانب المكتب، أسندت ساعديها على زجاجه، و هتفت " ربما كان يعشق هند ما قبل أمي!  "                                                                                                     

    جرأة كبيرة ، أحاديث خاصة ، دخول مباشر في التفاصيل ، حواجز كثيرة تخترقها  هذه الهند في اليوم الأول من عملها لديه كسكرتيرة. 

  تجربة الحب من أول نظرة تتكرر معها  ، مراهقة و فتوة وعنفوان

 و الحب الأول مع هند ."  لا أيها المدير العام ، أراها تأكل منذ اللحظة هيبتك و  وقارك .   ماذا لو حضر أحد الحسودين و رأى  الفتنة في وجهك تملأ كيانك ! "

 

  اعتدل المدير العام عبد الستار في مقعده ، فارتدت هند للوراء

 و انتصبت عود بان :  " هل تأمر بشيء يا أستاذ ! "                  

 

                     

--لا مع السلامة

 

   تنفس الصعداء ، لم يضطر لصرفها ، في الواقع لم يجرؤ على ذلك ، يا لها من فتاة ذكية ! فهمت مراده و طلبت الانصراف قبل تفوهه بالأمر ،  قرأت أفكاره المنصبية ، فانسحبت على الفور قرب الخط الأحمر الذي رسمه مدير الحسابات أو فطنتها أو إحساس المرأة  فيها .            

   رفع سماعة الهاتف ، شكر مدير الحسابات على اختياره الذكي ، ولكن لن يقبلها فقد تسحب نظر و قلوب الضيوف المستثمرين ،و تعطل نجاح الشركة ، في حين يحافظ هدوء أبي سمعان مدير أعماله وسكرتيرته على وجودهم .                                                                      

   أعاد عبد الستار السماعة وهو يقول في نفسه :

 " تكفيني هند واحدة ! "                                                                       

معنى الوطن

التفاصيل
كتب بواسطة: سمير جمول
المجموعة: القصة والرواية
انشأ بتاريخ: 22 أكتوبر 2000
الزيارات: 5

 

لسان وسلم

 

 

عبارات حفظها تعود ان ينثرها في كل الأنحاء فقد كانت سلسة بحيث تستطيع عبور كل الآذان مرورا بالدماغ الى القلب اوبالعكس لاأدري ..؟؟ المهم أنه عندما صعد ليرى تلك الآذان تحطمت الدرجات وسقط السلم متداعيا ..فقد عجزالسلم عن ان يكون مطيته  ..لقد صمم لمن يملك ايد  وارجل  لاكتل من اللحم الرجراج...... و(لسان)

 

معنى كلمة الوطن

لقد كبر وأصبح شابا  , وتزوج وهاهو يصبح ابا  لعدد من الأطفال , لكنه لم يسمع  يوما أمه  تدعوه لحب الوطن ولم تقل له ان تراب الوطن أغلى من الروح  أو استشهد في سبيل ارضك  لا بل بكت عندما دعي لخدمة العلم  .

لقد علمته الكثير  عن الصدق والشجاعة  والعمل الشريف والخير والشر هذا كل مايتذكره هذا كل ماعلق في ذهنه  وهذا كل ما مر في ذاكرته عندما سأله  ابنه  ماذا يعني الوطن ؟  وبدون أن يدري أو يفكر  انطلقت من فمه كلمة واحدة ( الأم)

  1. جداريات الماهـ(ـو)ة
  2. امرأة متورمة القدمين
  3. الحب والوطن
  4. صافرة القطار الأخيرة

الصفحة 151 من 166

  • 146
  • 147
  • 148
  • 149
  • 150
  • 151
  • 152
  • 153
  • 154
  • 155

المتواجدون الآن

63 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك