القصة والرواية
- التفاصيل
- كتب بواسطة: خالد ساحلي
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6
أيها المسافر في بحر التناقض: الأسى يملأ مركبك للأمواج العاتية القوية ، قوة التجديد للمد و الجزر ، أحاسيسك هي تلك الأمواج ، تنتهي دائما إلى شاطئ صغير سواحله، تشعر بها هي أعظم من تلك الشواطئ المنتظرة لصوت الماء ، لصوت الحياة ، تلك الشواطئ لا تعرف إلا الأخذ ، ما منحت يوما سرا من الأسرار أعرف أن الصخر يعلم لغتك ، يعرف رموزها ، يتقن فهم إيحائتك ، يعايش شعورك كأنه هو ، و الرمل على الشاطئ كان صخرا ، صار حبات رمال به ما بك ، الشاطئ يحب العبث بتلك الرمال ، لذا يحملها ، لا يطيق العيش إلا بما تعانيه تلك الأمواج بما يحمله الرمل من إيحاء يكابره، للموج و الرمل أكثر من معنى ، معنى الإستمرار ومعنى الزمن ، و أنت أيها المسافر في بحرالتنافر الحزن أقوى من سيفك ، و ترسه أقوى من ترسك ، كلك إستسلاما له ، الكل يرفضك ، كل كائن حي يرفضك ، كل الأشياء تمقتك ، التي لها معنى أو بغير معنى ، كل الأمكنة تضايقك حتى العذاب ، حتى الحرقة ، أفكارك لا ترسو كما ترسو سفينة نوح عليه السلام ، شبيهة هي في بعض أوقاتها ، لكن لا أحد يحب الركوب ، ممقوت أنت ، مكروه إلا بصحوة الضمير فيك ، لله درك ، كم خطأ تعده دفنا و موتا ، إن الخطيئة ترتكب عليك في اليوم ألف مرة و بالنظر فيما ملكته وما لم تملكه تموت كذلك ألف مرة ، هل تدري قاتلك و لا يدري به غيرك ، كما تدري انك تطّهر ذاك المنزل ذاك البيت ذو اللون الأسود بما فيه ،لله درك أيها المسافر في بحر التوازي ، الحب زاد الضعيف و الفضيلة لا تغني من الزاد و لا الإخلاص يدخل ميدان الشرف ، أجدك الغزالي الذي ربط الفرع بالأصل ؟ أم ابن خلدون ابن جدك ؟ من تكون بغير ذاك الزاد ، للعصبية أبواب و نوافذ ، للوازع مداخل ومخارج ، والملك يغري و أنت المستنجد ، هل ينفعك أن تحب كل الأشياء ، آدمية حيوانية ، ، جماد ، هل يجعلك التصوف و التفلسف مقبولا في هذا الإنشطار ؟ أنت المرفوض إلا برنين الدرهم ، الوقت قال : الرجل بالدرهم رجلا ، كان الرجل يمتحن بالدرهم ، أنت أيها المسافر هذا ما سمعناه عنك فقلناه ، فأحكي لنا قصتك ، سأحكي : أنا المسافر الغريب ، سفري لا ينقطع و غربتي لا تنتهي ، سفر من الهروب و إبحار في قلب غربتي أكاد لا أتحرك لكنني كالسندباد ، كالدرويش المهاجر ، كل الأشياء شبيهة ببعضها لا تعرفني ، تنكرني تضايقني ، كل الشوارع تطردني لا أدري أكل رفض ضاع من صاحبه يلحقني فيرفضني ؟ أود أن تعرفوا أن رغبتي في الدخول من أبواب البيوت لا تستهوي أحدا ، للقلب إختياره ، كما اللون و الإحساس للرفض طعم الإنهيار هكذا الحقيقة أحببتها لها وجهان ، كما التي أهوى لها وجهان :وجه القرابة ووجه العفة و الإيمان ، ربما لا أسموا إلى ماهو عليه الحال ، و الحال في بلدي هذا يسير الصباح مع شفق الغروب و البدر يخالط فلق الصبح ،اختلاط النقيض هذا الحال ، أنا المسافر الغريب لا مركب لا ربان أنا المركب أنا الربان ، أنا الحب أنا الإحساس ، أنا الإنسان ، أنا النفس و الهوى و الضمير و اللوم و التوبة ، أنا الندم
و الكره ، كل ذي الأشياء ترافقني ، أنا ابن آدم أهواها و لا أهواها ، أنا المسافر الغريب رقصة الوجه المليح لإبن آدم ، أحكيمة هي القصة ، أحكيمة هي ؟ الحكمة من العقل تأخذ و أنا أهوى ذاك الإشتقاق الجميل قصة الرفض ، ما قلت سوى كلمات بسيطة قليلة عن شعور كالبركان ، يتدفق، المكبوت لا بد له من فيضان ، الرفض كان أكبر ، ما قلت شيئا ، ما قلت شيئا .
خالد ساحلي
كتبت سنة 1996
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالجواد خفاجى
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 4
قصـة قصـيرة :
عبد الجواد خفاجى
المُتَّهَم
كانوا قد قفشونى فيما يبدوا وأنا نائم ، واقتادونى إلى هذه الغرفة المظلمة التى لا يشاركنى فيها أحد .. التفاصيل لا أتذكرها .. حقيقة أرانى كوافدٍ لتوِّه إلى الحياة ، بلا ماضى يمكن أن يتذكره .. لقد فتحت عينىَّ كأي إنسان يفتح عينيه بعد نوم طويل ، تلفتُّ فى الظلام فلم أعثر على شئ أراه سوى السواد ؛ فاعتدلت .. أدرت رأسى يمنةً ويسرةً ، أعلى وأسفل ، حتى عثَرت عيناى على فتحتين صغيرتين مضيئتين بضوء شمس ، كانتا أعلى الجدار الذى يقبع السرير أسفله .. أطلت النظر إلى الضوء ، ثم استدرت ببصرى إلى أركان الغرفة ، وعدت إلى محاولة استكشاف الموقع .
الجدران شاهقة ، وشبه سوداء ، وثمة باب حديدى كالح فى الجدار المقابل ، مغلق بإحكام ، حتى لأنه بدا كما لو كان جزءًا من الحائط ، له فتحة فى حجم رأس الإنسان ، مشغولة بأربعة قضبان متقاطعة ومتعامدة ، لا تسمح بنفاذ الرأس أو اليد منها ، يتراسل منها ضوء نهارٍ ، وإن لم أرَ أشعة ، فهمت أن ثمة حوائط أخرى فى الخارج تصد أشعة الشمس المباشرة ، وكان علىَّ أن أتأكد إنْ كنت أعايش هذه اللحظة على وجه الحقيقة ، أم أننى فى لحظة حلم ؛ فحركت يدىَّ على جسدى ، ورحت أضغط على لحم وركىَّ النحيلتين ، وأشد بعض الشعيرات الناتئة فى الجلد ورفعت يدى إلى رأسي .. فحركت عينىَّ ، وشددت شعر رأسى ، حتى تأكدت تمامًا أننى واعٍ .. لماذا إذن أتوا بى إلى هنا .. هل فعلت شيئًا مخلاًّ بالواجب ، أو الضمير ، أو القانون ؟! .. ربما .. فتشت فى رأسى ، وصدرى جيدًا ، وانتهيت إلى لا شئ ؛ فلست متذكرًا لفعل ما يستوجب أسْرِى ، غير أنى شعرت بالخوف ، وثمة هاجس بدأ يناوشنى باتهامات ، وذنوب غير محدودة ، وانحرافاتٍ جسيمةٍ استوجبت نبذى .. هكذا كان الهاجس يذكرنى بأننى مذنب ، أو على الأقل أستحق النبذ .. ربما حبسونى لمجرد تأكيد النبذ ، ربما أنها ليست عقوبة ، وربما أننى كأي ابن معتوه اضطر والده إلى عزله فى إحدى غرف البيت ، حتى يتلافيا فضائحه .. ربما .. المهم أننى فى هذه اللحظة أشعر بأننى – وإلى حد كبير – غير صالح لممارسة الحياة الاعتيادية مع بشر اعتياديين ، وإلا .. لماذا حبسونى ؟ .. استلقيت أخيرًا على السرير ، ورحتُ أحدّق فى الظلام تارة ، وتارة فى الفتحتين العلويتين المضيئتين ، ودون أن أفكر فى شكل الحياة خلف هذه الجدران ، ومن دون أن أكون معنيًّا بالتنصت على ما يمكن أن يكون ، أغمضت عينىَّ واستسلمت للنوم .. ذلك الممكن الوحيد الجميل فى هذه الحياة وإن كان محفوفًا بالكوابيس ، مهما يكن فهو يتيح لي – على الأقل – براحًا متسعًا ، والحياة فيه ليست – هكذا – دائمًا مظلمة ، غير أننى أشعر أننى هنالك موجود ، ربما لأنني أكون دائمًا طرفًا فى صراع ، أمارس فيه حريتى ، صحيح أن ثمة قوى متجبرة شرسة ومخيفة أحيانًا تترصدنى فى أحلامى ، تهزمنى ، فأصحو مفزوعًا ؛ ألتقط أنفاسًا متلاحقة متقطعة ، وأشرب ماءً دافئًا ، وأغير وضع جسدى ، وأتابع النوم . أشياء من هذا القبيل بدأت أتذكرها الآن ، وغير ذلك أتذكر أحلامًا سعيدة كثيرة أدخل فيها فى صراع لذيذ مع الحياة ، كهذه الرؤيا التى رأيتها مؤخرًا : كنت على وشك أن أُرَسِّم العلاقة تمامًا مع واحدة من نجمات السينما الشابات ، كنت مستسلمًا للمسير معها ، فيما كنت أستشعر رغبةً لديها لأن أكون صديقها الجديد ، قالت إننى ودود ، وبرئ ، ووديع ، وإن كنت ذكرًا ، ما زلت أتذكر كلماتها الهادئة التى تشع رغبة جميلة فى التواصل الحميم معى : " رغم وعيك الواسع بالحياة ، وثقافتك الرفيعة ، إلا أنني لا أرى فيك خُبثًا مفترضًا فى من هُم مثلك ، غير أن طباعك تختلف عن بقية الرجال المتوحشين الحيوانين الذين يتعاملون مع المرأة الجميلة كأسُودٍ تطارد غزلانًا .. " وقالت كذلك : إننى أتمتع ببراءة تند عن طبع الرجال .. " كنت – ولاشك – أستهجن منها اتهامها لكل الرجال ، إلا أنها عدَّلت وجهة نظرها قليلاً عندما استشعرت اعتراضًا مكظومًا لدىَّ ، بدا فى صورة انكماش بسيط لعضلات وجهى .
على أية حالة قالت : لا أقصد أن الرجال خبثاء على الإطلاق ، وإنما قصدت أنهم خبثاء عندما يتعاملون مع أنثى جميلة ، أما أنت فتبدو مختلفًا ، وأتذكر أنها مسحت بيديها الناعمتين على رأسى وتأملت عينىَّ طويلاً وقالت : أنا لا أقصد أن الرجال خبثاء على الإطلاق ، وإنما قصدت انهم خبثاء عندما يتعاملون مع أنثى جميلة .. أما أنت فتبدو مختلفًا ، وأتتذكر أنها مسحت بيديها الناعمتين على رأسى وتأملت عينىَّ طويلاً وقالت : سنتجه الآن إلى حديقة تخلو غالبًا من البشر فى مثل هذا الوقت .. سنجلس تحت إحدى الأشجار على سندس أخضر ، نستاف الأريج ، وربما فتحت لك صدري .
كنت أتابع المسير ، ولم أكن معنيًّا إلا بالاستسلام الجميل لصوتها العذب وهى تسترسل فى الحديث الذي لم أكن معنيًّا بدلالته .. كان الذي يسيطر على رأسى تمامًا هى اللحظة التى ستأتى ، عندما تجلس تحت الشجرة ، وتفتح لى صدرها .. فيما أتذكر كانت ترتدى قميصًا أبيض يشف عن ثديين رائعين ، يبدوان كرمانتين كبيرتين نافرتين على جانبى صدرها ، وكان بينهما فراغًا يكفى لأن أضع فيه وجهى عندما أضغطهما بيدى من الجانبين .. هكذا كنت مستسلمًا لخيالاتٍ لذيذةٍ من هذا النوع وهى تتابع حديثها .
اللحظة الحرجة كانت عندما سمعت طرقًا عنيفًا على الباب الحديدي ؛ اعتدلت مفزوعًا ، وفيما كنت أحس بتثاقل ودوار خفيف اتجهت نحو الباب ، ولم أكن قد استعدت إفاقتى كاملة عندما لمحت من النافذة الشبكيَّة شابًا عفيًّا كبغل ، متورد الوجنتين ، وفيما رحت أتأمل صدغية الضخمين وشعر رأسه الكثيف الفاحم وعينيه اللَّتين بدتا شاردتين ومنكسرتين ، وفيما فيما كان نهجه يتلاحق وحبيبات العرق تطفر على جبينه قال : يجب أن تساعدنى .
قال كلمته وتركنى فى حيرة من الأمر ، وإن كنت قد شعرت بزهو عظيم مرَّ سريعًا ، وأنا أسائل نفسى : إن كنت قادرًا بالفعل – وأنا المأسور – على مساعدة بغلٍ آدمىٍّ عفىٍّ فى الخارج . وفيما رحت أسقط نظرى إلى أسفل وأنا أشبُّ بقامتى على أطراف أصابعى ، لمحت أوراقًا وملفًا يضمها إلى جنبه بيده اليسرى، وكانت فى يده اليمنى مفاتيح ..ظننت أنه سيفتح هذه الزنزانة ، وسيخرجنى إلى البراح لأساعده ، لكنه فاجأنى بأننى ربما سأظلُّ طويلاً داخل هذا الظلام لو لم أساعده ، وفيما أبديت استعدادي لمساعدته قال إنه محامٍ . وطالبنى بالكلام وأضاف : الصمت ليس فى صالحك . وأخبرنى أنه ربما سيأتى فى الغد لعلي أكون قد عدلت عن رغبتى فى الصمت ، وقال وهو ينصرف : يجب ألا تنسى أنك متهم .. وأكد : متهم . قالها وانصرف ، وانصرفت أنا إلى السرير ؛ لأتابع نومى ، وإن كان شيئًا فى كلامه قد استوقفنى : أنت متهم . حاولت أن أتذكر شيئًا عن التهمة : الجريمة .. الزمن .. الناس .. أنا .. هم .. هن . ولَمَّا لم تسعفنى الذاكرة استسلمت للنوم .
لا أتذكر كم يومًا أو شهرًا أو عامًا قضيت في هذه الغرفة .. كل ما أتذكره أن زمانًا طويلاً مضى علي فى الظلام مع النظام اليومى الرتيب : بعض وجوه كالحة خشنة ، وطباع فظة متوحشة ، وأيادٍ عفيَّة متجبرة ، ونظرات اتهام شنيعة ، وتعالٍ وغطرسة ، وسخرية واستهانة . وما إلى ذلك ، وثلاث وجبات ، واحدة طرية وباردة ونتنه ، والأخريين كانتا جافتين لهما طعم قابض ، وبعض الشلاليت ، ومسح الغرفة ، والخروج إلى الفَسَحة لفترة قصيرة أطالع فيها الآخرين البؤساء قبل العودة إلى الزنزانة .. لماذا حبسونى .. لماذا أخرجونى .. لماذا ولماذا ؟؟ . لست أدرى .. كل ما أدريه أننى ومذ أخرجونى وأنا مقيم فى غرفة قيل إنها ميراثى من أبى .. كانت أشبه بالزنزانة ، ولم تكن لها نوافذ .. كانت تقريبًا فى حارة مسدودة ورطبة لا تدخلها الأرجل إلا نهارًا ، وقد سألت السيدة التى تحضر الزاد إلىََّ : إن كان آخرون يعيشون فى هذه الحارة ، فقالت إن المبانى هنا قديمة ومتهالكة ، وكلها تستخدم كمخازن . ها إننى هنا هرُّ شائخ ، أقيم مع بضائع مكدسة وكراكيب ، وكراتين مقفلة , تمرح حولى الصراصير والفئران وأنواع السوائم الأخرى . سألَتنى مرة : إن كنت أريد شيًا آخر للتسلية غير الطعام ؛ فشكرتها ، وطلبت منها أن يكون مجيؤها فى ساعة محددة من النهار ، سأكون فى انتظارها خلف الباب ، وسألتنى إن كنت قد استثقلت مجيأها ، فنفيت ذلك ، وبررت لها طلبى بأن أىَّ طَرْقٍ على الباب يصيبنى بالفزع ، وأحيانًا يقطع علىَّ نومى ، لا أدري من كلف هذه السيدة السوداء بأن تحضر لى أشياء لم يتغير شكلها أو لونها أو طعمها : الخبز ، الجبن القريش ، الشاي ، السكر ، السجائر ، التمر ، وأعواد الثقاب . سألتها مرة :- من كلفك بإحضار هذه الأشياء ؟ ، فتلفتتْ إلىَّ باستغراب وأجابت : أنت . وسألتها : من يعطيك ثمن هذه الأشياء ؟ فأجابت بنفس الطريقة : أنت .
أنا .. أنا .. طالما أنها قالت ذلك .. ولم أشأ أن أسألها عن شىء بعد ذلك ؛ حتى لا تقذفنى بمثل هذه النظرة المستهجنة وتقول : أنت . ولكن فيما يبدو أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش دون أن يتورط فى الفضول ؛ فقد سألتها ذات مرة : من يعطيك أجرًا نظير خدمتك لى على هذا النحو ، فتابعتنى بنفس النظرات المستهجنة وقالت : أنت . أنا ، أنا .. ربما أننى أفعل أشياء كثيرة لا أتذكرها ، إلا أن المحيَّر فى الأمر أننى لست مالكًا لأية أموال من أى نوع ، لكنها هكذا قالت ، وربما أنها صادقة ، وربما أننى صادق أيضًا ، وقد نكون نحن الاثنين كاذبين ، وقد يكون واحدًا منا يكذب على الآخر . كل الاحتمالات تبقى مفتوحة ، مادامت الذاكرة مقفلة .
شكوت لها مرة من الخوف الذي يلازمنى ليل نهار ، ومن الهواجس الكثيرة التى تنتابنى ، ومن الرعب الذى يستولى علىَّ .. لقد أمست الحوائط مخيفة ، وثمة هاجس فى كل لحظة يهتف فى رأسى بأنهم سيقبضون علىَّ .. سيأتون مرة أخرى .. سيكسرون هذا الباب ، وسيعيدوننى إلى هناك .. رأيتها تمط شفتيها باستغراب وهى تقول لا تفرق كثيرًا الغرفة التى تعيش فيها الآن عن الغـرفة التى سيعيدونك إليها ، لو حدث ما تتوقع ! . هكذا كانت صدمتى ، ولم أعد لأقصَّ عليها هواجسى ومخاوفى .. إلا أن الأمر استفحل عندى .. أضحت حركة الصراصير والفئران فى الغرفة مخيفة ، وأضحت طرقات المرأة على الباب – رغم انتظارى لها – مرعبة ، وقد حدث اليوم قبل مجيئها ما هو مفزع بالفعل . كنت قد استيقظت لتوى ، وذهبت لأغتسل ، عندما سمعت طَرْقًا عنيفًا على الباب .. كان بالباب ثقب أو ثقبان ، وبإمكانى أن أخرج من الحمَّام لأنظر منهما إلى الخارج ، ولكن من أدرانى ؟ ربما أنهم ينظرون إلى الداخل وسيدركوننى ، وستكون المصيبة .. سيقبضون علىَّ ، و ... تتابع الطَرْقُ ، ثم تـلاه صوتٌ ناعم :- افتح . وبفعل لا إرادى ، أو ربما بدافع الخوف فتحت ، وأنا أدارى جسدى خلف الباب ، حتى أتانى الصوت : " حملة تطعيم ... هات الأطفال " .. تنفست قليلاً من الراحة وأخرجت رأسي .. كانا رَجُلاً وديعًا وفتاة جميلة يرتديان البياض ويحملان حقيبة زرقاء ناصعة ... ابتسما فى وجهى ، وابتسمت فى وجهيهما ، وقلت : " ليس لدينا أطفال ".. انصرفا صامتين ، وربما أنهما امتعضا ، لست أدرى ، غير أنهما نظرا إلىّ نظرات فاترة مستفسرة ، وكان علىَّ بعد ذلك أن أكتب لافتة صغيرة لأضعها على الباب ، كتبت فيها " لقد رحل المغفورله ، ولا يوجد أحد بالداخل ، ممنوع الطرق لأية أسباب " .. علقت اللافتة على الباب ، وأغلقته جيدًا وانصرفت إلى الحمَّام .
لن تستمر الحياة دون خطأ ، أو ربما أنها الرغبة فى الخروج من هذا الفزع المقيم معى فى الغرفة : الحوائط .. الفئران .. الصراصير .. الباب ، كلها أشياء مفزعة .. كيف أتحملها ليل نهار ؟! ربما لهذا خرجت .
كانت المرة الأولى التى أخرج فيها من الغرفة ، وربما أنها كانت الخطأ الوحيد ، وقد تكون رغبتى فى اجتياز الفزع هى جريمتى الوحيدة فى تلك الليلة .. خرجت إلى الحارة ، وكان الوقت ليـلاً ، لذا لم أرَ نفرًا آدميًا ، وكان الطقس صافيًا ، وإن كانت نتانة الحارة أشد من نتانة الغرفة التى أقبع فيها .. مشيت وسط أشياء كثيرة تسد الطريق.. تأملت للحظة الأبواب الخشبية والحديدية القديمة الموصدة ، وكان علىَّ أن أجتاز أحجارًا كبيرة ، وأقفاصًا فارغةً ، وأكداسَ قمامة ، وعربات كارو مقلوبة .. أعجبنى كثيرًا الهدوء والصمت والظلام ، وأن كان الفراغ لا يزال يطاردنى ، وقد زاد الطين بلة أننى أسير وسط حشد من الأحياء السائمة التى لم يمنعها شئ من نهش جسدى فى أية لحظة لو أرادت . كانت حركة الفئران والقطط والكلاب السابلة مزعجة ، وربما كانت محَّفزة على الهرولة .. حتى وصلت إلى أول الحارة ، أتجهتٌ يميناً مع شارع متعرج شبة مظلم ، ومشيتٌ .. كانت رائحة النتانة تضمَحِل كلما تباعدت عن الحارة ، وكأن الهواء يدخل لصدري للمرة الأولى .. أحسست أن سرسوبًا بارداً ومنعشاً يدخل صدرى ببطء ، وفيما كنت أحس بالدماء تسرى فى رجلَىَّ ، وتحثنى على المسير ، وفيما بدأتُ أرفع رأسى إلى السماء ، إلى لمعة النجوم المتلألئة فى الأفق ، وفيما كنت صامتًا متأملاً بدأ الرعب يتلاشى من صدرى ، وشعرت أنْ بإمكانى أن أتذكر من أنا .. من أكون .. ما الذى أتى بى إلى هذى الحياة ،. كان بإمكانى – فيما أظن – أن أتذكر تاريخًا يخصنى . لقد شعرت فى لحظة ما أننى سأنطق باسمى الثلاثى ، وبلدى وتاريخ مولدى .. أقسم أننى كنت على وشك أن أتذكر كل هذا لولا أن سيارة سوداء مرقت بجانبى ، فأفزعتنى وبددت ذاكرتى مرة أخرى .. للأسف – لم تكمل مروقها بل توقفت على بعد خطوات بعد أن اجتازنى . كان صوت الفرملة ممطوطًا وشنيعًا ، وشممت رائحة كاوتش ينصهر مع أسفلت الطريق ، تعبأ الجو فجأة بالقرف .. كان بإمكانى أن أجرى ، ولكن .. هل تعجز السيارة عن اللحاق بى ؟ من المنـطق إذن أن أتصنع بعض اللامبالاة ، وأن أمضى كشخص واثق من نفسه .. لقد كنت جَدّ مكابرًا ، وأنا أسير بهدوء بجوار السيارة التى هبط من فتحتيها الخلفية رهط من البشر ، بعضهم يرتدى جلاليب تعلوها المعاطف الكاكى ، وبعضهم بأزياء عسكرية وبرانيط ، كانوا بعصّيَّهم متحفزين لفعل شئ ما خطير ، وهنالك أدركت أننى فى خطر .. طوقونى تمامًا وهم يتابعوننى بنظرات ودودة .. هكذا ظننتها ودودة ، إلى أن قال :- " اركب يا ابن الوسخة . " .. ركبت السيارة من الخلف مع الراكبين ، وحال بينى وبين رؤية الطريق أجساد الراكبين والمعصوبين والمقيدين ، وهكذا حدث ما كنت أتوقع .
نفس الغرفة .. يا إلهى .. نفس المصير .. نفس الحياة .. نفس الخطوات الاعتيادية لدبيب الحياة فى جسدى .. نفس الأحلام والكوابيس .. لم يتغير شئ ، حتى السجانين .. حتى هذا الرجل الذى جاء يطرق مرة أخرى الباب ، وكان منهكًا يتصبب عرقًا ، وكان لاهجًا بالقول : - أريدك أن تساعدنى .
ها هو مرة أخرى يطلب المساعدة ، غير أنه أضاف هذة المرة : - " أنت وديع ، ودود ، مسالم ." وأقاويل كثيرة أخرى أعادت إلىَّ صورة الممثلة الجميلة التى رأيتها فى الحلم ، والتى قالت إنها تريد أن تفتح لى صدرها .. الغريب فى الأمر أنه قال أريد أن تفتح لى صدرك .. كانت تقول : سأفتح لك صدرى ، وهذا يقول : افتح لى صدرك . لقد تذكرت الآن أنها لم تكن تقصد فتح قميصها كما كنت قد ظننت ، يالك من محامٍ أشد قسوة علىَّ من هؤلاء السجانين المتسلطين ، لقد أفقتينى من لذة كنت أستشعرها بداخلى ، وأنا أدغدغ نهدىَّ فتاة شابة رائعة الجمال ، وأعدت إلىَّ فهمًا جديدًا لمقولتها الجميلة .. أظنها انتخبتنى من بين رجال الأرض لتعطينى بعض أسرارها التى لم تبحْ بها لأحد قبلى ، أو ربما ستبوح لى بمشاعر جديدة لم تشعر بها من قبل .. كنت مَحْظيَها فى تلك الأثناء ، وربما أن ما كنت أريده سيحدث عندما تسلمنى قلبها ، وأفتح من ثم قميصها بيدى . سمعته يكرر : افتح لى صدرك .. الصمت لن يفيدك .
سألته : من وكلَّك عنى ؟! ورأيته يخدجنى ويقول : أنت .
أنا ، أنا .. يالها من صدفةٍ غريبةٍ ، ثمة أشياء من قبيل الصدفة تحدث ، وعلينا أن نكون جادين فى تصديق أنها بالفعل تخصنا وحدنا .. ألم يكن صدفة أن أخرج من الغرفة تلك الليلة ، للمرة الأولى منذ دخلتها ، ألم يكن صدفة أن يصادفنى هؤلاء السجانون ، لماذا إذن استهجن صدفةً أخرى كهذة .. ربما أننى صدفة وكلته بالفعل ، للدفاع عنى .. ربما أننى كنت سأتورط مرة بعد مرة ، صدفة وراء صدفة .
الإشكالية الآن أنني لم أعد متذكرًا لشئ كهذا ، غير أن التذكر نفسه لم يعد بذى فائدة . كان صوته هذه المرة حادًا ، وينم عن تبرمه وغيظه ، وهو يقول :- ثمة أشياء كثيرة مؤسفة مرَّت ، أنا أعلم هذا ، ولكن ليس معنى هذا أن تفقد ذاكرتك هكذا .. لتكن رجلاً إذن .. أنت برئ برئ برئ ، وربما أن هذه تهمتك .
أنهى كلامه وهو يتهيأ للانصراف ، وكان علىَّ أن أعده بأننى سأحاول أن أكون – كما قال – رجلاً ، وأتذكر ، وسأقول كل شئ ، كل شئ .
كان هذا هو اللقاء الأخير بهذا الرجل .. لم أره ثانية ، وإن كنت قد رأيته منذ لحظات فى المنام .. هو نفسه بصدغيه الكبيرين ، وشعره الفاحم ، وجبهته الناصعة العريضة ، يتصبب عرقًا ، يرتدى روب المحامين ، واقفًا أمام منصَّةٍ كبيرة تطل من فوقها بعض رؤوس لها وجوه متجهمة ، وكان مجهدًا ومنهكًا ، وهو يلوك الكلماتِ تلو الكلماتِ .. سمعته وهو يهتف ، رافعًا زراعه ، مشيرًا نحوى فى الظلام :- إن إن هذا الماثل أمامكم برئ .. برئ .. برئ .
لم يستمر المشهد حتى نهاية الجلسة ، لأستمع إلى منطوق الحكم . كنت أنتوى أن أبقى مستمتعًا بسماع المرافعات والداولات حتى أعرف تهمتى ، وكيف سيبرئ هذا الولد العفىُّ سـاحتى .. كنت ، لولا أنه غاب ، رويدًا بدأ يتلاشى عن ناظرىَّ ، وقد وجدتنى فى جنازةٍ كبيرة وحدى أواجه الجنازة .. كانوا قادمين نحوى آلافاً مؤلَّفة أزياؤهم موحَّدة ، وأجسادهم متساوية ، نظراتهم ثابتة ، يمشون مشية عسكرية .. تتقدم الميسرة ثم تليها الميمنة ، بحركة عسكرية غريبة يحركون أذرعهم حركة واحدة ثابتة من الشـمال إلى اليمين ، حتى بدا الواحد منهم كجسم آلىٍّ يتحرك وسط أجساد آليةٍ تشبهه . قال واحد أظنه مشرفًا عامًا على الجنازة : المتأخرون يدخلون إلى الجنازة من الخلف .. أمرنى بالبكاء ، فى الوقت الذى كان على أن أنتحى جانبًا بعيدًا عن حركة المتقدمين ، أظننى كنت تائهًا ، وأنا أحاول فهم ما يدور .. رأيتنى وقد تبدل لون ثيابى إلى السواد عندما حملنى اثنان إلى مؤخرة الجنازة ، وكان علىَّ ان أنهنط ، وأجْهَشَ مثلهم بالبـكاء . وهكذا رأيتنى أرفع ذيل جلبابى إلى مستوى عينىَّ و أمسح دموعًا غزيرة بدأت تنهمر .. اختلط النشيج بالموسيقى .. كان العازفون قد بدأوا فجأة عزف لحن جنائزىٍّ غريب ، ولأننى حقيقة لم أكن أرى نعشًا تفلَّتُّ إلى يمين الساحة ، وتساءلت مع واحد شارد مثلى :- من مات ؟ فقال : لا أدرى ، وسألت آخر : هل نحن فى جنازة عسكرية ؟ فقال : لا أدرى .
تساءلت مع ثالث : هل نحن نصارى ؟ فقال : لا أدرى .. عاودت السـؤال لرابع فقال : لا .. إذن نحن فى جنازة مسلمين ؟ فأجاب :لا .. يا إلهى .. إذن نحن فى جنازة يهود ؟ فأجاب : لا .. احترت كثيرًا ، كثيرًا ، وأنا أتساءل ، وأنا أتابع النظر إلى الجموع المتراصة المتحركة ؛ علَّنى أرى نعشًا . ولمَّا لم أرَ نعشًا ، ولم أعد فاهمًا لشئ ، ولمَّا كان اللحن صاخبًا ومنفرَّاً قررت الخروج إلى البراح . حاولت أن أتسلل خارجًا من بين الأجساد المتزاحمة .. حاولت ، ولكنهم كانوا على حدود الجنازة جاهزين .. قفشونى مرة أخري ، وكان النعش جاهزًا .
تمت
الجمعة 10 /12 /2004م
الواحدة بعد منتصف الليل
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالجواد خفاجى
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5
قصة قصيرة :
عبد الجواد خفاجى
واحدة من فضائحه
استفتح عمى " العتقى " ليلته بأن أغلق المزلقان ، وأشعل الفانوس ، وعلقه عند منتصف العمود، ووضع يده فى جيب صديريته الأيمن وأخرج زجاجة " الكينا " .. فتحها على عجل ، ودلقها فى جوفه على ثلاث دفعات ، انقبضت بعدها عضلات وجهه ، وقد استبدت بحلقه مرارة الكينا .. حدف الزجاجة الفارغة بكل عزم إلى الأمام ؛ فاجتازت الشريط الحديدى ، وغيط برسيم صغير أسفل الشريط ، واستلقت أخيرًا فى ترعة الرىّ المحاذية للشريط ، وضع بعدها يده فى جيب صديريته الأيسر ، وأخرج قطعة جبن مالحة قديمة ، كانت ملفوفة بورقة كتاب مدرسىّ.. التهمها سريعًا ، وفرك الورقة بين أصابعه ، وألقى بها فى الهواء وكان فى حلٍّ بعدها من سرواله الذى يزم وسطه؛ فخلعه .. ألقى به فى جوف " التاية " المظلمة، واستدار إلى خلفها .. أفرغ بوله فى الخلاء ، وعاد إلى المصطبة التى تمتد أسفل حائط التاية .. انسدح فوقها ، ثم خلع نعليه ، وضعهما أسفل وسادة صغيرة من ليف النخيل ، تكسوها قطعة قماش بالية ، تجشأ بعدها جشأتين ، وضغط على بطنه بكلتا يديه ؛ فأخرجت ضراطًا ممطوطًا ، تمدد بعدها بجسده فوق المصطبة ، وقد ارتاحت رأسه فوق الوسادة وراح يحدق فى السماء ، ولم يمضِ كثير وقت حتى بدأ جسده ينزف عرقًا غزيرًا ، أحس بعدها بسخونة تنبعث من جوفه ، ودفئًا يسرى فى جسده ممزوجًا بخدر لذيذ ، وفيما هو كذلك بدأت الدنيا تدور ، ورأسه يتثاقل ، ومن ثم انسدل جفناه ، وبدأ الغطيط ينبعث من خيشومه ، غطيطًا متصلاً أجش كان يختلط بصرير الجنادب ، ونقيق الضفادع طوال الليل .
كان فى نيته أن يصحو بعد أن يأخذ تعسيلة ، كعادته ، ليذهب إلى دوار العمدة ، حيث سهرة العمدة مع ضيوفه .. يشارك الحضور السمر وشرب الشاى والدخان ، وفى آخر السهرة يشارك العمدة تدخين الحشيش فى إحدى غرف المندرة . يخرج بعدها من المندرة إلى درب ضيق رطب مظلم .. يسير مسافة مائتي متر فى الهواء الرطب قبل أن يطرق الباب ، لتفتح " رد الروح " التى غالبا ما كانت تنام بجوار الباب حتى موعد حضوره ليدق الباب .. يقوم مع رد الروح بواجبات الزوج عندما يختلي بزوجته ، ويعود إلى المزلقان لينام فوق المصطبة حتى مطلع الشمس .
شاءت الظروف هذه الليلة أن يتغير مسار الأحداث المعتادة ، وكثيرًا ما يتغير هذا المسار ، فقد سبق أن قلت إنه كان ما أن يغلق المزلقين ويفرغ زجاجة الكينا فى جوفه ، حتى يذهب مسعورًا إلى شجرة النبق التى خلف المحطة ، ليعود وفي يده الفلوص ، ومن ثم فليس من داعٍ لأن يذهب إلى بيته فى مثل هاتيك الليالي.. هذه الليلة وما أن استغرق العتقى فى النوم حتى فاجأته يد تلكزه فى جنبه ، وصوت يوقظه :
- قوم يا حلوف
تململ العتقى ، وفرك عينيه بيده ، وفتح نصف عين ، وكان الصوت لا يزال يوقظه :
- قوم يا حلوف ، يا بتاع الفلوص .
فتح العتقى كلتا عينيه ، وتأكد من صاحب الصوت :
- احترم نفسك يا غفير الغبرا لما تكلم أسيادك
- طيب قوم يا كبير الهوارة .. جاتك داهية .
جلس العتقى ، وتناول بلاَّصًا صغيرًا ، بجوار رأسه ، كرع منه كرعتين ، وأخرج من جيب صديريته علبة الدخان ، وانهمك فى لف سيجارة ، وأشار إلى محدثه أن يجلس .
- لف أتنين يا حلوف .
قال جملته ووضع هو الآخر يده فى جيب صديريته ، وأخرج ورقة " قصدير " .. فردها ، واستخرج منها قطعة حشيش .. وضعها فى يد العتقى قائلاً :
- الصنف دا معتبر .
تناولها العتقى ، وقرَّبها من أنفه ، ثم فركها فى الدخان وسأل غير مبالٍ :
- وبعد ما تحشش يا دهشان ؟
- هانغير زيت يا حلوف المزلقان .
توقف العتقى عن فرك الحشيش فى الدخان للحظة ، ونظر إلى الدهشان نظرة استفسار ، وعاد يسأل :
- هانغير الزيت ؟ !
- أيوه
- ولد ؟
- لأ ..حورية .
- حورية ؟! .. يخرب بيتك .. فين ؟!
- فى التاية يا جحش .
أغلق العتقى علبة الدخان ونهض بعجلة إلى التاية .. نظر فيها دون أن يدخلها .. كان ثمة شيء أسود متكوم فى أحد الأركان المظلمة .
- الله يخرب بيتك .. جبتها من فين دى؟!
- من الجنة
التقط العتقى الفانوس المعلق بعمود المزلقان ، ودلف سريعًا إلى جوف التاية ، ودلف خلفه الدهشان. كان الدهشان الخفير قد تفتق ذهنه فى هذه الليلة عن فكرة راودت رأسه فاستجاب لها .. وكان قد أنهى ورديته النهارية فى دوار العمدة ، وقام إلى بيته ، نام ساعة وصحا ، تناول بعدها عشاءه ، وأحس أنه مخنوق .. شيء ثقيل يطبق على نَفَسه بلا مبرر ، يدعوه إلى الخروج بعيدًا عن داره الكئيبة .. نظر إلى زوجته نظرة ازدراء ، ومضى خارجًا ، مشى ناحية الكوبري الذى يصل بيوت البلدة بالغطيان .. توقف قليلاً فوق الكوبري ، وتنسم نسمات هواء رطب ، وألقى بصره على صفحة الماء أسفل الكوبري ، ترامى إلى سمعه صوت المياه الهادرة ، وتراءت له خيالات النجوم ترعى فوق سطح الماء ، وكان كل شىء يبدو مقلوبًا فى رأسه ، لكأن السماء التى فوق ترامت أسفل الكوبري .. " عزيزة " الممرضة بجمالها الأخاذ ، وسحر عينيها ، وبياضها الضارب إلى الحمرة ، خدودها الوردية .. ضحكتها الوامضة بالبِشْر ، أسنانها البيضاء المنضدة ، ملاحتها ، ظرفها .. كل شيء .. كل شيء تراءى له على صفحة الماء ضاحكًا يناديه ، وقد استلقت عزيزة على ظهرها ، وكل جسدها قد تعرى .
هل يقفز إلى الماء ؟ .. حاول أن يفعل شيئًا خطرًا ، يربطه فورًا بما يتوهمه ..عزيزة تومض صورتها بين النجوم على صفحة الماء .. هى إذن بين النجوم .. رفع رأسه لأعلى .. كانت صفحة السماء واسعة سوداء ، وكثير من النجوم السيارة تشق بنورها الظلام ، وثمة ما هو متلألئ بين بقية النجوم ، لعله وجه عزيزة الضاحك .
قرفص فوق الكوبري ، وألقى برأسه فوق ركبتيه ، ولف ذراعيه حولهما ، واستشعر أن شيئًا طريًّا ينضغط بين ذراعيه .. لا بد أنها عزيزة .. تطارده فى نومه ويقظته ، فى حركاته وسكناته منذ رآها أول مرة فى المستشفى : " عزيزة بنت بحراوية هابطة لتوها من الجنة .. حورية نزلت خطأ إلى أرض الصعيد .. كيف يعيش الواحد محرومًا من الجنة وبينه وبينها فركة كعب ؟.. الله الله يا عزيزة يا أخت البدر .. يا بندرية .. ياأم الشَّعْر الحرير ، والخدود التفاح .. إحنا مش بشر .. نسوانا ذكور، المَرَة عندنا ما ينقصها غير تقول : هَعْ مَعْ.. لو تكشف رأس الواحدة منهن تظهر لك قرونها ، وأسنانها مصدية من كثرة النشوق والشاي .. آه لو ربنا يجيب لي عيا ، آه لو أقع عيان .. أرقد شهر أو شهرين فى المستشفى .. تطببني بأديها الحلوين .. آه لو ... هافضل أتمنى ، وبيني وبينها فركه كعب ؟! فَتِّح مخك يا دهشان ، يا دهشان .. يا..."
نهض الدهشان على عجل ، وقد تفتق ذهنه عن فكرة رائعة : سيغافل زوجته التى ربما تكون نائمة يأخذ بعض ثيابها ، وبردتها وطرحتها .. سيعبر الكوبري إلى الزراعات المجاورة ، هناك يبدل ثيابه الرجالي ، ويتحول إلى امرأة .. يذهب بعدها إلى استراحة الممرضات .. عزيزة كثيرًا ما تذهب إلى البيوت لتولد النساء .. معروفة لكل الناس.. الخطة جاهزة .. " تعالى يا حبيبتي بنتي فيها الوجع .. الحقينى يا حبة عينى .. " بعض تعبيرات نسائية ، وصوت ناعم ، والمشكلة ستنحل بأذن الله ، وربنا يسَهِّل .
لف نفسه فوق تحت بثياب زوجته وطرحتها ، وتوارى داخل بردتها ، وخرجت معه عزيزة تحمل حقيبة أدواتها .. كانت المستشفى معزولة عن البيوت ، واستراحة الممرضات ملاصقة لها ، تحيط بها الزراعات .. شَكَتْ عزيزة وعورة الطريق والظلام والبعوض ، والخطوة الواسعة لرفيقتها التى تسحبها بغلظة ، وقبل الكوبري بخطوات لَفَّ ذراعيه حول جسدها .. طوقها من الخلف واضعًا كفيه فوق فمها ، ورفعها كالقضاء المستعجل إلى الزراعات .. ربط يديها ورجليها، وعصب فمها وحزَّمها كما يحزم حمل البرسيم .. استعاد ملابسه الرجاليه ، ولف عزيزة بملابس زوجته ، وحملها على كتفه وخرج من الزراعات .. الله الله يا عزيزة يا طريَّة يا بنت المهلبيَّة .. اجتاز الكوبري ومضى محاذيًا الترعة ، يستره الظلام ، حتى وصل المزلقان .. دلف إلى التاية .. أراحها فى أحد أركانها ، وخرج ليوقظ عمى العتقى .
مكثا معها داخل التاية بعض الوقت . يقول عمى العتقى إنهما بعد أن فرغا منها لم يجدا فيها نَفَسًا ، فقال للدهشان : " ارمِ الداهية دى فى الزرع " حملها الدهشان وخرج بها من التاية مثلما أتى بها ، ثم اتجه يسارًا ، وسار حتى وصل إلى الساقية القديمة ، ورماها فى غيط " كحلاوى أبو عامر " وفى الصباح وجدها أولاد كحلاوى .. لايزال جسدها ينبض ، وكان فمها مفتوحًا يقف عليه الذباب والبعوض ، وثوبها مشلوحًا عن ساقيها ، وثمة أثار دماء على وركيها .
كان زملاؤها فى الاستراحة والمستشفى قد اكتشفوا غيابها ، ومن ثم قد أبلغوا مأمور المركز شخصيًا ، وكانت فضيحة .. تجمع البوليس والعمدة وخفراؤه ، وكثير من الزُّرَّاع والعيال فى غيط كحلاوى ، وجميعهم شاهدوها على حالها ... حملوها على ما فيها من بقايا حياة إلى المستشفى، وبعد ثلاثة أيام كان كلب بوليسى يقود أحد العسكر إلى التاية .. نبح الكلب بشدة ، ودخل التاية ، وأخرج سروال عزيزة من تحت حصيرة الحلفا التى تغطى أرضيتها .
هذه واحدة من فضائح العتقى وقد وصلت الحكومة ، وحكم عليه فيها بثلاث سنوات سجنًا ، والمؤبد على الدهشان .أما ما لم تسمع عنه الحكومة أو تشمّ خبره من فضائح عمى العتقى فهو كثير كثير ، يشيب لهوله ـ كما يقولون ـ الولدان وربما رويته عليكم فى مرات قادمة بإذن الله .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: يحيي هاشم
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6
أإله مع اللــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه ؟ )
يقف وسط صف طويـل ممتد إلى مالانهاية .
لايرى من على يمناه أو يسراه , ولكنه يشعر بهم .
يتردد فى المكان صوت قوى يأتى من حيث لايعلم.
يسمع أنين من حوله ولكنه لايدرى سببه أو مصدره .
يعلو الصوت الغير معلوم المصدر.
- ( أإله مع اللــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه ؟ )
يعلو النحيب .
يسطع ضوء أبيض عن يمناه .
يختفى كل من يقف بيمينه .
يكمل الصوت القوى المخترق القلوب .
يعلو النحيب المكتوم من حوله .
يتحول النحيب إلى بكاء يهزه بعنف , لكن لايبكيه .
يبحث عن سبب لبكائهم .
يحاول أن يبكى , ولكن تأبى عينه القاسية أن تطيعه .
- ( أإله مع اللــــــــــــــــــــــــــــــــــه ؟ )
يسطع الضوء مرة ثانية , يحاول أن يعلوببصره ليراه .
شيىء ما يمنعه .
يختفى كل من على يسراه .
يقف وحيدا , يشعر ببرودة تسري فى جسده اللاهى .
ينصت قليلا .
لم يأتيه الصوت القوى الرخيم .
ينظر يمينا , ويسارا , لم يتبقى غيره .
يرفع رأسه , يلمح الضوء الأبيض يختفى فى الأفق شيئا فشيئا .
يتلاشى الضوء فى الأفق البعيد ,
من بعيد يلمحه يأتيه سريعا .
يصرخ عاليا أمهلنى قليلا , أمهلنى قليلا .
ولكنه يقترب بلا هوادة .
ضوء الغرفة يجعله لايرى شيئا .
ينظر فى ساعته المشنوقة أمامه .
يدرك أن اليوم الجمعة , وأن الميعاد قارب على النهاية !
ينهض مسرعا , محاولا اللحاق بها بأى طريقة .
يقابله المصلون عائدون بإبتسامة رضا , ونور أبيض يزين الوجوه .
ينظر نحوهم فى حزن , يعود إلى منزله , والضوء الأبيض يبتعد عنه شيئا فشيئا .
يحيي هاشم
- التفاصيل
- كتب بواسطة: نجيب كعواشي
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6
أبـوة مـؤقـتـة
موظفو الحجرة الأخرى أكثر عددا وحجرتهم أصغر مساحة. هواؤها لطيف والشمس لا تسلط عليها أشعتها الحارقة, بينما حجرتنا تصطلي بها من شروقها إلى غروبها, وعندما تصبح في كبد السماء تصبح جحيما لانعدام التكييف, ولكن في الشتاء تصبح حجرتنا دافئة والحجرة الأخرى قطعة من جليد, تتجمد لها الدماء في الركب. يهجم علينا موظفوها لينعموا بالدفء والحرارة..
بين الحجرتين لاحظت أن مكان الشاوش أرحم. تهاويت على كرسي الشاوش (خرج لأمر إداري) وأغمضت عيني وسبحت في بحر التأمل.. أخرجني منه طفل يذرع الممر الفاصل بين الحجرتين. لا يتواني عن دخولهما مالئا أرجاءهما بقهقهات طفولية ذكرتني بقهقهات طفل في أغنية قديمة كان أبي يشغل أسطوانتها الدائرية ليهدهدنا بها قبل النوم.. أركنت هذه الأشياء البعيدة جانبا وتتبعت حركاته: على رأسه قبعة شمسية رياضية ويلبس بذلة الأرجنتين بإسم الأسطورة والرقم السحري 10. قدماه ترفلان في حذاء رياضي من نفس الماركة التي كان الأسطورة ينتعلها أيام كان ملك الكرة. عندما كان يصول ويجول.. كان الموظفون والموظفات ينادون عليه ويتوددون إليه ليحضنوه ويقبلوه. لكنه كان ينفرط من بين أيديهم كما كان ينفرط الأسطورة من خصومه. ناديته باسم الأسطورة فجاء إلي وكأن أمه نادت عليه. مددت ذراعي لأضعهما تحت إبطيه لأحمله فاستجاب. ضغطت برفق على رأسه فانسابت أصابعي في شعره الأسيل. مال برأسه ووضع خده على عنقي. ربتت على كتفه فنام (كلما حملت طفلا إلى صدري, أختبر مدى ارتياحه في أحضاني. لا أتفاجأ عندما يرفض النزول). يسهل أن يتلقفه أبوه دون أن يحس. لكن لما لمسه أفاق ويداه تطوقان رقبتي ويلتصق بي بقوة. أخذ يجذب ياقة قميصي بكل قواه الصغيرة ويبكي, وكأنني أنا أبوه الحقيقي, والآخر غريب عنه, ولا قرابة بينهما. لكنها كانت أبوة مؤقتة منحني شرفها مزاج طفل بريء. أحرجني أنني تسببت لأبيه, عن غير قصد, ببعض التأخير والنرفزة. لأتدارك الأمر, توددت للطفل أن ينزل ويطيع أباه الذي لم يكف عن إعطاءه الوعود لإقناعه بالتخلي عن حضني, لكنه أصر على الالتصاق بي وقال لأبيه والدموع الساخنة تنهمر من عينيه كالشلال, إنه سيبقى معي.. فكرت أن الأب, وإن لم يبد أمارات الاستياء, فإنه بدون شك يمطرني باللعنات في داخله ويلعن اللحظة التي جاء فيها مصحوبا بابنه.. كان يمكن أن أقطع دابر هذا الحرج وأنقله دون شفقة بدموعه, إلى حضن أبيه, ولكن عز علي هذا الفراق الدامع. رجوت الأب أن يتركه معي ويكمل باقي مشاويره, لعل أعصابه تهدأ, وربما سيشتاق إلى أبيه, ويطالب بحضوره, وقلت له ألا يقلق.. لم يكترث الطفل لغياب أبيه. لفت انتباهه الحاسوب وقرأت أفكاره, وشغلت له برنامجا للألعاب شريطة أن يرافق أباه عندما يعود, وقلت له إن الأطفال الشاطرين يوفون بوعودهم ولا يخلفونها. رد بالإيجاب دون أن ينزل عينيه من على شاشة الحاسوب وغاب في اللعب بمفاتيحه. عاد الأب ونادى عليه فطار الطفل إلى حضن أبيه هاتفا:- بابا جا. بابا جا.. قلت لنفسي: لو جاءت قوة خرافية الآن, فإنها لن تستطيع أن تفرق بين الطفل وأبيه أو تهز قطرة واحدة من شلال هذه العاطفة العظيمة.. كانت الفرصة سانحة وهو معي لأساله عن اسمه وعن أشياء أخرى في عالمه, ولم أفعل..
توادعنا عند باب المصلحة وعدت أجر الخطوات لأواجه الحرارة والروتين. تذكرت أن في درج من أدراج مكتبي قرص مدمج للألعاب الالكترونية. هرعت لأعطيه إياه, لكن لما عدت كانا قد غابا عن أنظاري..
نجيب كعواشي.