القصة والرواية
- التفاصيل
- كتب بواسطة: نبيل عودة
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5
الفجر يولد من جديد
قصة بقلم : نبيل عودة
نكبت حارتنا بامرأة حل لطف الله عليها , تخرج كل ليلة صارخة شاتمة متوعدة , واهل الحارة في نومهم العميق .. لا تبقى ولا توفر احدا , توجة اقذع الشتائم , وتقذف التهديدات بأن " تفعل وتترك " بنساء الحارة ورجالها , ويتطاير الزبد من شفتيها في نوباتها الليلية العصبية .. وكثيرا ما تلوح بسكين مطبخها متوعدة مزمجرة . مما ترك توجسا في نفوسنا , بان ترتكب حماقة على حين غفلة . والحق يقال , ان اهل حارتنا يؤذيهم حالها البائس , ويريدون للطف الله ان يطولها مرة اخرى بمؤسسة ترعاها , علها تعود الى كامل وعيها وتصبح واحدة منا وفينا , تغرق مثلنا في النوم حين يحين زمنة السلطاني , وتستيقظ ليومها الجديد , بنشاط وأمل , وتبادلنا ونبادلها التحيات والاحاديث والعلاقات الطيبة المرجوة بين الجيران . وسننسى ايامها السوداء التي أطارت النوم من عيوننا وعيون اطفالنا , بصراخها المؤذي وبشتائمها المدوية في سكون الليل , وبعربدتها المنفلتة على رجال الحارة ونسائها , لانهم يتنفسون نفس الهواء الذي يصلها , ويلاطفهم نفس النسيم الذي يرطب قيظ الصيف في بيوت الجميع , او يرى الله بها امره رحمة لها ولنا , فهو الرحيم وهو السميع .
تلك المرأة والمتلطف بها , كما يفكر البعض .. ولا اقول هذا على ذمتي او مسؤوليتي , حتى لا اتحمل وزر الخطيئة , انما انقل ما يدور وليس في ذلك ما يدل على اشتراكي بما يفكرون .. بان الله يحمل اثم تصرفاتها المنفلتة , اذ اختصها بلطفة وبتنا عاجزين عن فهم وتعليل ألطافة التي كثرت واتسعت مع تزايد شتائم جارتنا وصرخاتها المدوية في منتصف الليل , فهمنا انها تتهمنا بتنظيم اعتداء عليها , واننا نجمع القمامة ونفرغها امام منزلها , واننا نصطاد الذباب والهسهس ونجمعة ونطلقة في محيط بيتها , واننا نمارس السحر لتبقى الدنيا سوداء في وجهها , ونتآمر لنسرق الورود التي لا تألو جهدا , رغم لطف الله بها .. على رعايتها بحنو واكثارها .
وكثيرا ما اصابتنا الحيرة من عقلها الشائط في علاقاتة مع اهل الحارة والجيران الاقربين خاصة .. وقدرتها العجيبة في رعاية الورود, تخصيبها واكثارها .
والحقيقة , لولا عقلها المصاب بلطفة , دام مجدة في عليائة , لما تردد احد في التقرب والتعلم والاستفادة من خبرة جارتنا في تنمية الورود , بل ودعوتها اهلا وعلى الرحب والسعة في بيوتنا , بعد ان يعود عقلها الى مخدعة , ويتستر لسانها بمأمنة.
وللتاريخ اقول ان جارتنا نزلت علينا في يوم غائم ... ولا يدري احد كيف تم هبوطها ومن اين مصادرها لامتلاك بيتها الكبير ذي الساحات والمشارف والاحواض , وقد قارن البعض هبوطها بالهبوط الناجح على القمر . غير ان هبوط القمر له مصمموه ومطلقو آلاتة , اما هبوطها فلم يعرف اصلة ووسائلة , ولا مبتدأه ولا خبره , انما اضحى حقيقة نعايشها بقبول وتوجس بالا تكون وراء جارتنا سيرة لا تطمئن البال ولا تضيف لبيوت الحارة كرامة وصونا للشرف , وكان واضحا ان هبوطها في حارتنا هو شوكة تزداد انغراسا مع الايام , ورغم الورود المنماة في الاحواض والشرفات , الا ان الاحساس يحمل توجسا لا تفسير ظاهر له وقلقا من آت مجهول , قد لا يتناسب مع حارتنا واخلاقنا وقيمنا وحسن سيرتنا , وقد تواصل ازعاجها وزعيقها المؤذي , وحرماننا من النوم الهانيء ,واقلاق راحة بالنا , ومثولها امامنا ببشاعة لم ينتظرها احد من الخالق في خلقة الذي قيل لنا في صغرنا , بان صناعتة في منتهى الكمال والجمال والاتقان , فهل كانوا يكذبون علينا ؟! وماذا يستفدون من اخفاء الحقيقة ؟! او هي محاولة لتجربتنا في ايماننا بقدرتة ومشيئتة سبحانة في عليائة؟! . وكيف نرى الجمال في كل ما نرى ؟ وهل ابقت جارتنا شيئا من دلالات جمالها ؟! ترى ما الذي يمسخ سحنتها في عز الليل , ويحيلها شرسة تأخذ راحتنا ونومنا الهنيء , لتصلية على نار كلماتها النابية والمؤذية ؟ كنا نتأمل ونتعجب ونناشدة سبحانة .. ان يحل بنا مزيدا من الصبر والتقوى وان لا يجربنا بجارتنا , ونقيم لة الدعوات ان يبرد غيظها غير المبرر , ويطفئ حدتها الملتهبة ويخفف انذاراتها لنا بالثبور والدمار , وازاحة الغشاء عن عينيها علها تبصر نوايانا الطيبة ويرتد لها عقلها , ويطمئن بالها ويزول كربها وزعيقها , فننعم بغفوة آمنة اشتقنا لها وافتقدناها منذ ابتلينا بها .
سبحانك في علاك , لا يتم امر الابمشيئتك , ولا يرى النور انس او جان الا باذنك , رحمتك يا قدير , حنانك يا غفور .
طال انتظارنا للطف آخر , يضاف على لطف الخالق الاول الذي انعم به على جارتنا , فيعدل ما بار في خلقها , فتزول حيرتنا من حديث بعض ضعاف النفوس وقليلي الايمان من اهل حارانا , انة في عليائة ( المغفرة ثم المغفرة ) لة جولاتة وصولاتة , بعضها لأمر في نفسة او خارج عن ارادتة كما يدعون .. لا يكتمل تجلية , ولا تنتظم صنعتة , ويبقى منتقصا وعديم الفائدة للبشر , وان الامر يشبة سكة الانتاج , يخرج منها الصالح تماما والصالح اقل والباير كجارتنا .. ولكن حيرتنا بقدرتها , رغم لطفة النازل عليها .. على تنمية الورود ورعايتها بحب جلى واضح معظم ساعات النهار , اما ساعات الليل فتكرسها لشتمنا وقذفنا بسافل الكلام وبأشد التهديدات قساوة وجنونا , فكيف يتساوى الورد مع الجنون ؟!
بعض الشباب تواقحوا واعلنوا ان جنونها من جوع فرجها ,وان اشباع فرجها يضمن صمتها في الليالي التي احالتها الى معاناة طويلة لاهل حارتنا , ولكن هل هناك من يجرؤ على تطبيق هذة النظرية ؟!.
بعض الشيوخ ايقظت فيهم نظرية الشباب الفرجية , ذكريات ايامهم الغابرة , فتنافسوا في قص غزواتهم وعنترياتهم , فاضحكوا اهل الحارة , ومسكها عليهم الشباب وتساءلوا بخبث وهزء , ان كان من المعقول ان يكون شيوخا , الذين يدبون على عصيهم واحيانا على عصيين , ويقحون ويبصقون ويضرطون كل ساعات يومهم , لهم مثل هذا السجل الذي لا يخجل بة اكبر " دون جوان " عرفتة غرف النوم ؟ وان كان شيوخنا الافاضل بمثل هذه القدرة التاريخية على حرث الفرج , فكيف تحول هبوط جارتنا في حارتنا بمثل هذا الاشكال وبمثل هذة الضراوة , بمثل هذا التعطش للاذى ,وبمثل تلك الدلالات البارزة لجوع فرجها ؟! والبعض سأل ما لا جواب له , لماذا يا حضرات الرواد البواسل لم تتطوعوا لاشباع جوع جارتنا قبل أن يمسها لطفة ؟!
والواقع ان الشيوخ كالشباب , استطابوا حديث الفروج , حتى زجرهم عقلاء الحي وانذروهم بالويل والثبور والحرق بنار جهنم اذا واصلوا الخوض في المحرمات والاعراض, فالجارة , حتى الغريبة عن الحارة , والدخلية على بيوتها , لها حرمتها , فنحن العرب استثنانا الله من الرذيلة ,ووهبنا الفحولة لنستثمرها في العمل الصالح والمشروع , بالاكثار من نسلنا , وتعزيز جيوش المؤمنين الصالحين , وان الدلالة لمصيبة حارتنا بجارتنا هي مئات التجارب التي لا بد لنا ان نقف فيها بثبات وايمان , حتى لا نسقط بالتجربة الربانية ونتحول الى عبدة الشيطان لعنة الله علية , وان لا ننسى ان لسبحانة في عليائة شؤون في خلقة , ليس لنا ان نخوض فيها حتى لا نقع بالمحظور , وانه تبارك اسمة , لا ينتظر اقتراحتنا , ولا ينقصة صواب الرأي وحسن التدبير , وانه لو شاء للطف لسانها او اخرسها , وانه لو شاء لبعث اليها فحلا يضمها الى حريمة بدل وحدتها القاسية .. ويروضها ويشبعها فما وفرجا , فتطيب حالها وتستقر نفسها , ولكن مشيئتة لم تكن كذلك , فالحذار من الخوض في شؤونة ..
قال شاب يلوح البريق في عينية , ان عقلاءنا زجرونا عن حديث الفروج بتهديدنا بالويل والثبور ونار جهنم , وفتحوا حديث الفحول , اي اننا عدنا لنفس المنطقة المحظورة , نتداول فيها لحل اشكالاتنا , ولكن لم يثبت حتى اليوم ان امة تحررت بقدرة فحولها على حرث فروج الغزاة , او ان اشكالياتنا حلت بقدرتنا الفحولية .. فهذا يعيد الحديث الى اصلة , والى نفس المناطق المحظورة التي منعنا عنها عقلاء حارتنا , وهو يثبت اننا شبابا وشيوخا حرث الزمن في عقلهم وعقلنا , مصابون بنفس الداء .. وان العقل في هذة المنطقة , يخرج في اجازة .. ويبدو ان اجازتة طالت وهي بسبب ما نعانية من الهبوط الغريب لجارتنا في حارتنا ..
اشتدت قوه صراخ جارتنا واستمرت لزمن اطول , وصرنا نسمع عويل الذئاب بين صرخاتها وكأنها تتحول الى امرأة ذئب , وقد ارتعد الرجال قبل النساء .. والتصق الاطفال يامهاتهم رعبا , ولم يجرؤ احد منهم على عبور الشارع بقرب بيتها الا ركضا سريعا ومن الجهة البعيدة , وتساءل البعض ان كانت جارتنا حقا امرأة , ام هي فحل بثياب تمويهية بقصد الفتك بحرمات الحارة ؟ واشتعلت الاضواء الحمراء , واحس اهل الحارة بالخطر المحدق ,وقال البعض لعل المخفي اعظم , وغرقنا في حيرتنا .
ربنا هبنا من لدنك رحمة , وعزز ايماننا واحفظ لنا كرامتنا .
استقر رأي حارتنا بعد ان اعياها الحال ,وتكاثرت الوساوس والهواجس , ان يستنجدوا بالحارات الاخرى , فالمصيبة قد تلحق بهم ان لم نتدارك الامر ونوقف الشر المتزايد .. حقا لا يمكن انكار نخوة ابناء الحارات وهمتهم المباركة , فتوافدوا جماعات جماعات لمد يد العون ودعمنا من الآفة المستفحلة .. وبعضهم اكتفى مشكورا بالدعوات الحارة , لخالق الارض والسموات , ان ينصر المؤمنين الصامدين على الشر والاشرار , فاقيمت الموالد في حارتنا , ترحيبا بالامدادات من اصلب الرجال .. وذبحنا الذبائح ,واكلنا ودبكنا ولوحنا بسيوفنا امام شرفتها .. ومع ذلك لا يبدو ان جارتنا فهمت ان هذة الجحافل والسيوف هي لوقف استفحال شراستها وعدوانها , بل استمرت بصراخها الليلي المؤذي مما ارهق رجال الحارات وحرمهم من الخلود للنوم والراحة , ومع ذلك لم يتخلوا عنا الا بعد ان نفذ مخزوننا من الارز والخراف , فرجع كل الى حارتة معلنين بصلابة انهم على استعداد دائم , اذا ما تواصل استفحال الامر , ان يعودا من جديد لدعم صمودنا وتقوية شكيمتنا , ودعوا لنا بالخير والوفاق , فشكرناهم على نخوتهم , وودعناهم بمثل ما لاقيناهم من ترحاب .
ويبدو ان جارتنا انتظرت هذة اللحظة ... بعودة الطوابير الداعمة الى احيائها , فازداد جنونها.. وبدأت تخرج لشوارع الحارة وازقتها في ساعات الليل والنهار , تعترض النساء والاطفال , صارخة شاتمة ملوحة بقبضتها , فلم يجد البعض حلا الا مغادرة الحارة , خوفا ورعبا من اذاها , بعد ان بات واضحا اننا لا نملك ما نطعم بة طوابير الدعم من الحارات الاخرى .
حقا , اهل الحارة لم يكونوا قاصرين عن "فلخ نيعها" اما ما زجرهم فهو اباؤهم عن تلويث رجولتهم بالتشاطر على امرأة مصابة بلطف اللة .
اسودت دنيانا ولم يعد لحياتنا معنى , ولم ندر كيف وصلنا لهذه الحال ومن اين ابتلينا بهذا المأزق؟
حال الجارة تزداد سوءا وعدوانا وباتت البيوت التي تركها اصحابها مرتعا خصبا لانفلاتها , كانت بلا اهل ليردوها عن غيها.
لا نعرف من اين هبطت علينا , وهل لها زوج , ام انة كان ونفق بعد ان رأى حالها ؟ وكيف تصير حال كرامتنا اذا مددنا ايدينا عليها ؟!
بعض الشباب . تنظموا وتسلحوا بالعصى لردع انفلاتها , الا ان كبارنا زجروهم وافهموهم ان للجار مهما استجار حرمتة , فكيف والحال مع امرأة وحيدة ومصابة بلطف الله .. ؟! ادعوا لها بالرحمة ؟؟
ولكن الله , سبحانة في علاه , لة كما يظهر رأي مختلف , طرقة ليست دائما مفهومة لخليقتة , فها هي الجارة تذهلنا وتحيرنا بوضعها مولودة في كل بيت مهجور .. ترى من اقتحمها ؟؟ وهل كان اقتحامها ميسرا ؟
وهل مقتحمها انس مثلنا او جن من المتحررين من اسر سليمان الملك . وكيف لم يلحظ أحد من اهل الحارة تغير حالها وشكلها بانتفاخ بطنها ؟! والمذهل وضعها عددا من المولودات من غير المعقول ان يحمل بة بطن وحيد , فهل هي امرأة كما فهمنا حتى اليوم .. ام جنية متمردة من اسر سليمان الملك ؟! وهل يصاب الجن بلطف الله كالبشر ؟! وهل يمكن ان يشبع انس جوع فرج جنية ؟! وكيف يمكن الجماع بين انس وجنية ؟!وهل يسمح الشرع بهذا الجماع ؟!ومن اين لهذة الجارة هذا الخصب غير المحدود , وبهذة الكثرة المستحيلة على بني البشر ؟! فهل نحن امام عجيبة دنيوية لم يسمع بها احد من قبل ؟
والمرعب اكثر ان المولودات شديدات الصراخ كأمهن , فهل انتقل لهن لطف الله بالوراثة ؟! وما الحل امامنا ؟ هل نحمل عصانا ونرحل ؟!
وبدأت تدور قصص تشابة الخيال , بان بنات جارتنا , رغم صغرهن ... يتجولن في الحارات الاخرى مطلقات صراخا ذئبيا مرعبا .. والمذهل انها لم تلد اي مولود ذكر !! بلغ الذل مداه .. وبدأ تمرد الشباب على حكم الشيوخ , واتهامهم بالمسؤولية عن التقاعس ولجم الانفلات الارعن لجارتنا في وقته , واعطاؤها المجال الحيوي للتكاثر الغريب والمذهل وبدون الاخصاب من ذكر , وقال الشباب انة بلغ السيل الزبى ,وانهم ليسوا على استعداد ليكونوا نسخة طبق الاصل عن اهلهم , وان ما يجري هو تجاوز لكل مفاهيم التجارب الالهية ببني البشر , التي يذكرها علماؤنا ويلوحون بها لزجر الشباب عن غية كما يقولون , وقد اعلن معظم الشباب انة حتى الكفر اكثر عزة من الذل والمهانة لكل العمر , وان الاصطلاء بنار جهنم اكثر رحمة من الاصطلاء بشراستها واهاناتها وبالحرمان من الراحة والنوم المتواصل , وبالتزام عدم الرد , جرت نقاشات حادة , ولكن الاجيال اختلفت طرقها وقناعتها حتى الاولاد انصتوا لحجج الطرفين وكأنهم يفهمون ما يجري.
وفي فجر هادئ عليل النسيم , رائق الاشراق , وقع المحظور , كان من الرعب التفكير فية , ويبدو انة بين الرعب والجرأة شعرة معاوية , وقد انقطعت .
لطفك ايها الخالق , مدد من قدرتك , مدد من رحمتك .
كان الاولاد, الذين لا يفهمون كما آمن الكبار .. في طريقهم لمدارسهم , كما في كل يوم .. وكل منهم يحمل اثقالة من الكتب والدفاتر والاقلام , وزوادة اليوم , وكالعادة بنات جارتنا يضججن ويعتدين على الاولاد , غير ان الاولاد هذة المرة لم يفزعوا , تسمرت انظار الحارة ولم يدروا ما يحصل .. وما هي الا لحظات حتى كانت شنطاتهم بكتبهم ودفاترهم ملقاة على قارعة الطريق , وفي يد كل ولد حجر , وبيدة الاخرى يرسم شارة النصر ..كان الفجر هادئا , ولكن حجارة الاولاد المنطلقة بتصميم جعلتة فجرا داميا.
نبيل عودة – كاتب , ناقد وصحفي فلسطيني – الناصرة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ابراهيم عثمان
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5
البحث عن شوق آخر
بقلم : ابراهيم عثمان
في تلك الغرفة المجاورة لغرفتها.. جلس أحمد الاندلسي وحيدا، ليتأمل ما وضع هناك.كانت الساعة تشير الى تمام الواحدة بعد الزوال عندمادلف الى غرفة الدرس..أخرج من درج مكتبه قطعة طباشير بيضاء ودون موضوع الامتحان.
وقبل أن يسأل المدير عن الشخص المفترض الذي وضع هذا الشيء في غرفته، أو عن تلك الأسباب المثيرة للحيرة والجدل.. أدرك بحدسه الصوفي أن أنثى ما قد اقتحمت محرابه، ووضعت هذا الشيء لينوبها عن ساعات الانتظار التي ستقضيها في هذه الغرفة التي تعج بالكتب والاشرطة والأقراص المدمجة.. لم تدرك في بداية الامرانها أمام رجل قادم من مملكة تتجاذبها الالوان والالحان..رجل تسكن رأسه فلسفات وفلسفات..
وتتصارع في خلجاته باقات من الشعر والألحان.. وتورق في وجدانه ينابيع الحكمة والحب والحنان والفن والجمال.
كانت الحيرة قد دفعت به الى القول: ان الحياة لن تستمر دون حب.
أشرقت هذه الفكرة دفعة واحدة في ذهنه..راح يبحث عن بعض الأقاليم في خريطة صغيرة كان يحملها معه باستمرار..بحث عن مكان ما يسافر إليه.
كان يريد أن يقضي عطلة الشتاء خارج الديار..لم يجد أحسن من تونس..ربما لأن له فيها عشيقات وصديقات كثيرات تعرف عليهن خلال تلك العطل التي كان يقضيها في مدن تونس الساحلية متسكعا.
كانت تريد أن تكون هناك، لتراه وهو يعود مع طلوع الفجر مرهقا يدندن بأغنية شجية تمنحه سلطة واسعة على هذه الصخور التي تفترش الساحات العمومية والأرصفة.
دفع بنظراته الى زوايا الغرفة..تحسس جدرانها واثاثها.. اقترب من ذلك الشيء وراح يتشمم رائحته..تيقن بأنها لأنثى تجيد غسل يديها بمياه الثلج الباردة المخزنة على شكل ينابيع متفجرة من أعماق الصخور.
تدعم حدسه أكثر عندما رأى على الجدار المقابل لوحة زيتية لامرأة ريفية تحمل على ظهرها قلة ماء، وهي تغادر الغدير ممسكة بطرف فستانها الأزرق.كانت قد أهدتها له فتاة من مدينة صفاقس..عندمارحل الى هناك باحثا عن مساحة لشوق آخر..مساحة تأخذه بعيدا عن وثنية حب عنيد، ظل يطارده من مدينة الى أخرى.كانت وجهته الى الجريد هذه المرة أين يرقد أبو القاسم الشابي..كان يريد أن يستمع الى شبابته وهي تشدو بمعسول النشيد وسط هذه الصحاري المترامية الاطراف.
أدهشه أن يموت شاعر بهذه السرعة وهو قي ريعان الشباب..فتحرم البشرية من أغانيه وصلواته.
وعند عودته التقى بها صحبة صديقتين..غمزها فاستجابت بسرعة.
سألته عن مجيئه الى صفاقص فقال:
- جئت حاجا الى ضريحه.
-أنت مجنون!.
- أعرف أني كذلك.
-أبدا أنت لست كذلك..أنت تغري بالاكتشاف!.
- ان عمراني خرب أيتها المجنونة!.
- دعني اكتشف معك هذا الجنون وهذا العمران !
تقافزت الى ذاكرته في تلك اللحظة صورة ياسمين، وهي تبكي بين يديه..
في ذلك اليوم قرر أن يعيد لها أشياءها ورسائلها ويرحل بعيدا لكي ينسى.
وتذكر والدته التي غادرت الحياة منذ سنوات..يومها وجدوه يهيم على وجهه في سهول وأودية الدرعان، وهو يدندن بأغنية من كلماته ولحنه:
أماه ليس من عادتي البكاء ولا العويل
فكيف أبكيك اليوم؟. وكيف أطيل؟
وقد رحلوا بك وتركوا دمعي يسيل
ولي في هواك طويل طويل
وتذكر نهاد..تذكر يوم أن دفع لها بتلك القصيدة التي فاضت من بين ضلوعه..وقبل أن تتم قراءتها دخلت عليه دون أن تدق باب حجرته..
كانت دموعها تفضي بشوق دفين عمره سنتين، وصرخت فيه:لماذا تريدني أن أمزق شرايين جنانك، وأسكت تلك النبضات الحنون المتسارعة؟.
يومها قفزت روحه واستقرت هناك في عليين..تنادته أصوات مسكونة بالحب والجمال والجنون..وتراكضت نحوه أخرى..واستقرت في قلبه بالخبر اليقين.
اشتهته أشجار الصفصاف والزيتون، وغنت له البلابل والحساسين..وطوقته سعاد بذراعيها ومشت تجوب به شوارع المدينة وأسواقها....
أخذته الى الميناء واكترت قاربا لصياد مسن، وابحرت به وسط الأمواج المتلاطمة.. غنت له أغنية لعلي الرياحي، وغنى لها أغنية عبقة بالحب والحنين..ازدادت التصاقا به..أحس بخيولها العربية الاصيلة تركض في دمائه وتقف منتصبة فوق مفاصله.. اندفع يشق أمواج البحر على خببهاوعدوها. ارتفع ضبحها. تمردت عليه حيتان القرش..أخذت تعانقه..
عناقا حارا.. كانت لاجسامها الانسيابية نكهة أخرى.
بكت سعاد عندما رحل عنها ذات صباح شتوي مشمس، تاركا أيها
على الرصيف كنخلة يتيمة تواجه هجير الصحراء بمفردها.
وعندما صفر القطار راحت تتابعه في صمت بعينيها الواسعتين اللتين يحتفل بهما جمال تلك المنطقة ببريقه الساحر الذي يأخذ العقول والالباب. لوحت له بيدها التي كانت قبل قليل تغترف من مياهه العذبة، لكي تروي عطشا تفشى في أوصالها وعروقها.
ود في تلك اللحظة لو يوقف الزمن ويوقف معه ذلك القطار الذي سينقله بعيدا عنها..ثم يعود لها من جديد لكي يستريح على شواطئها الأسطورية التي توغل بعيدا في سحرية الشرق وصوفيته العاشقة.
كانت هذه المرة رحلته للتأمل والنسيان، لكن بعض الهواجس والافكار ظلت تطارده من مكان الى مكان..خيانة الاصدقاء وعشق النساء..حرية الجسد وحرية المعتقد..ثقافة الجد وثقافة الزرد..ديمقراطية الموز و تعددية الحروز..أمن البلاد وسقوط بغداد..حقوق الانسان التي لم يحلم بها الانسان..انتشار الأوبئة وعودة الطاعون والرمد..تناقضات كثيرة وسمت هذه العشرية الحمراء بعار يصعب نسيانه..عرافة الحي قالت:"ان الفيضانات ستجرف عاصمتها البيضاء..وقبل أن بلتئم جرحها وينسى سكانها بشاعة المنظر ومأساويته، سيضربها الزلزال من جديد..سيضرب مبانيها ويسقط أمانيها ويتركها في حداد..وفي آخر المطاف ستبعث من بين الانقاض كالعنقاء" سالمة معافية.
عاشقة كانت ترعى حروفه عندما كانت تشرف على احدى الصفحات الأدبية، فقدت وفقدت معها رسائل كثيرة.كان قد بعثها من غرفته المنزوية في حي شعبي، انتصبت عماراته الفقيرة في فوضى.كانت هذه الرسائل كما يشاع عنها هنا وهناك نعبر عن حيرة كبيرة وتصور في ايجاز مطلق تلك التصدعات والتشوهات التي لحقت بقيم هذا المجتمع، وهذه الحضارات التي ستفتك بها رياح العولمة.
دعاة الرداءة احتكروا كل شيء لأنفسهم..منعوها من الظهور.. أحدهم وهو كاتب كبير كما يزعم ادعى بأنه أمضى شهادة وفاته..وفي جلسة حميمية مع عشاق المهرجانات التي كان يدعى لها صرح قائلا:
"ان فلان قد أصبح أميرا يقود مجموعة إرهابية ويفتي باباحة أعراض الناس وسفك الدماء".
انتفض مذعورا عندما سمع هذا الخبر..حاول أن يدافع عن نفسه وعن تلك القيم التي آمن بها..فلاسفة الاغريق وشعراؤه يقيمون هنا معه في هذه الغرفة الضيقة..أباطرة روما وفقهاؤها القانونيون، رفعوا جلستهم الاولى وانصرفوا الى جواريهم الحسان بعد أن شربوا وغنوا ورقصوا طويلا.
فقهاء المذاهب الاربعة قسموا الغرفة الى غريفات..انقسموا بدورهم الى ملل ونحل عديدة..ضاقت بهم الغرفة.. أفتوا بجواز الاقامة بها..أجمعوا على أن تاركها كالقائم بها..زنادقة العصور الأولى توافدوا منذ عشرين عاما على غرفته..صاحبهم وصحبوه..ابن رشد كان يقول له كلما التقى به: ان رشد البشرية سيظل غائبا مادام الناس مازالوا يفكرون
بغرائزهم..فلاسفة الغرب المتأخرين كانوا يجدون فيه مشروعا هائلا لحداثتهم..كولن ولسن هذا المنظر العملاق صنفه من بين كبار اللامنتميين الآبقين من غثيان سارتر وعبثية كامي ووجودية كيركوغارد..هربرت ماركيوز فتح له أبواب الماركسية على مصراعيها..أطلعه على أوكار المخابرات ومخابرها التي تحتضن الدجاج لتحوله بعد شهرين من الاحتضان الى جيل من القادة والفلاسفة والانبياء..جيل بعده واحد ورهطه واحد وفكره واحد.
أغليكسمان هذا الطفل الذي القت به أحداث مايو 68 الى شوارع المعرفة، مازالت أفكاره تستهويه الى درجة جعلته ينظر الى الأشياء نظرته الى بوكاسا هذا الامبراطور الافريقي الذي تفرد في تاريخ الانسانية بأكل لحم البشر..تسمعه عندما نزل ضيفا على احدى القنوات الفرنسية ليتحدث عن آخر كتاب صدر له..استوقفه موضوع الارهاب طويلا..
راح يشرحه بمبضعه الفلسفي. نسبه الى الدين الاسلامي، وبرأ منه ساحة الاديان الأخرى..كانت كلماته خالية من أية حكمة شأنه في ذلك شأن العديد من الفلاسفة والمنظرين الذين تخلت عنهم الحكمة..كتب أشياء وتفوه بأشياء أخرى..ردد أغاليط كثيرة عن الديكتاتورية في العراق جاعلا منها مرجعية لكل الشرور القادمة..قال أن صدام حسين أعظم ديكتاتور عرفه تاريخنا المعاصر..وقال أيضا أنه كان يزهق أكثر من أربعمئة روح في اليوم الواحد..قال أشياء وأشياء..لكنه لم يقل للتاريخ كلمة واحدة عن ارهاب الدولة الذي يمارسه شارون على شعب جائع وأعزل تخلت عنه الآلهة وتخلى عنه دعاة الانظمة المتحضرة..تخلى عنه الاعراب والاعاجم..لم يقل شيئا، وهو ذلك الفيلسوف العارف الذي أفتتن في وقت سابق بتلك الفلسفة التي ظلت تتغذى على أفكار لينين قبل أن تهاجر الى ماو في الصين.
كان قد صادفه في احدى مكتبات العاصمة عندما كان يتجول رفقة فتاة تعرف عليها بالصدفة..قالت له عندما رأته يهجم على موسوعة معروضة في احدى الواجهات:
- أظنك تحب قراءة الكتب الفلسفية..أليس كذلك ؟
16
- أذكر جيدا أن أول كتاب وقع بين يدي هو كتاب لأفلاطون وأظنه جمهوريته.
- سآخذك إذا الى مكتبة لا تبيع الا الكتب الفلسفية!.
- هل هي قريبة من هنا؟.
- لما هذه العجلة يا سيدي؟!.
-أريد أن أصل بسرعة الى هناك..هيا لنستقل سيارة أجرة حتى لا نتأخر.
- أريد أن أذهب ماشية..واذا أردت أن تستقل سيارة أجرة فاذهب بمفرك.
- لكني لا أعرف هذه المكتبة التي تتحدثين عنها؟..ولا الشارع الذي توجد فيه؟.
-هذا لا يهمني!..هل تريد أن أوقف لك سيارة أجرة..هذا ما أستطيع فعله ما دمت لا ترغب في الذهاب معي.
ارتبك قليلا..أحس بأن شوارع هذه المدينة التي تطل على البحرالابيض المتوسط سترتمي بعيدا عنه وتتركه في هذا الخلاء الموحش وحيدا..سارع الى الاعتذار.
- تقولين أنك ستوقفين لي سيارة !؟.
- اتبعني اذا وانس موضوع السيارة.
بدأت الخطوات تتتابع..وبدأت الايدي تتشابك ..وبدأت الاكتاف تتلامس..وشرعت لغة الفلاسفة تبدع لغة أخرى للتأمل الميتاحبي.
عندئذ توافدت الافكار قادمة من كل صوب وحدب.. تصاعدت الشوارع والازقة.. وتمايلت الاشجار على حافة الطرقات..وتسارعت الحركة صاعدة نازلة..وتحركت الجبال الراسيات..ومادت الموانئ المحملة بالسلع والبضائع..وظهرت في الافق طيور النورس القادمة من بعيد لتروي
18
قصة رحلتها مع كل مسافر..وأشرقت الشمس كاشفة عن أقاليم لها تضاريسها المتنوعة وأقاليمها الشاسعة..ولاحت في الافق تباشير يوم ليس كبقية الايام الاخرى..أمطاره غزيرة وشمسه حارة..وعواصفه مزمجرة.. ورعوده مدوية..وبروقه متلاحقة..وأمطاره متهاطلة.. متهاطلة..ورياحه منعشة.
كم كان رائعا ذلك اليوم الذي قضيته صحبة هذه الفتاة المنحوتة من من عسل النحل ولبن العصفور..أطلعتك على فلاسفتها وأطلعتها بدورك على رجال طوح بهم الشوق بعيدا، فانتشوا تحت مظلة التصوف رغم ابتعادهم عن الشهوات والمسرات..لم تصدق في بداية الامر أن رجلا في مثل سنك سيكون قادرا على الفوز بهذا المنصب الروحي العظيم، لذلك علقت قائلة:
- ان الحكمة من الفلسفة أن لا تكون فيلسوفا !.
رد ضاحكاك
- ان الحكمة من التصوف أن لا تكتفي بالتجلي والتحلي والتخلي بل يجب أن تسيح في الارض بحثا عن كوكب آخر تكون فيه القطب والمريد والرب.
وعندما قفل عائدا الى مدينته الصغيرة استقبله سيبوس على طرفها مهللا، ولوحت له هوارة ضاحكة ورحبت به غرفته باكية..عندئذ فقط اكتشفت كم كان صادقا ومخلصا في أشواقه وجنونه، فكتبت له أول رسالة:"عد أيها المجنون فالحارات التي ركضنا في شوارعها ذات يوم قداحتلها رجال مات في قلوبهم الشوق والتأمل..عد فغرفتك مازالت كما تركتها..تزينها المجلدات والمنمنمات وبعض من جنونك ودموعك..
عد قبل أن تحتلها الدواب وتفسد ديكورها بروثها وبولها.. عد أيها الرائع لاكتشف معك مساحات أخرى لاشواق أخرى وجنون آخر.
الرسالة الثانية:
هذا الصباح حاولت أن أنهض باكرة لأواصل رحلتي مع الحلاج..كانت أشواقه أشبه ببراكين متأججة..ذهلت في بداية الامر..صرخت من أعماقي عندما رأيتك تسبح في فضاء هذه الاشواق..حاولت أن التحق بك لكي أكون قريبة منك، لكني لم استطع..بكيت ساعتها..بكيت حزنا على تلك السنوات التي قضيتها طالبة على مدارج الجامعة أبحث عن شيء لا يمكن الاهتداء إليه الا عن طريق العقل.
هكذا قالوا لنا.. أو هكذا اختزلوا الحقيقة حتى لا تراها عيوننا.
الرسالة الثالثة:
كنت نائمة عندما دق باب حجرتي..وبعد لحظات جاءني صوت أمي صارخا كعادتها.
-هل تريدينني أن أكسر الباب وأدخل..ألا تشبعين من النوم..هيا قومي بسرعة.. ان موزع البريد ينتظرك لتوقعي على استلام طرد.
هرولت الى الباب وفتحته.. مسكت الطرد بعد أن وقعت على استلامه.. لم يخطر ببالي اطلاقا انك مازلت تصر على أن أكون رفيقتك في هذه الرحلة الصوفية.
لكن اليوم فقط عرفت كم أني كنت حمقاء، لاني كنت أشك في نيتك تجاهي..عرفتها من خلال هذا الطرد الذي حمل الي رسائل ابن عربي
دفعة واحدة ..ضحكت وقلت في نفسي وهل لمجانين الفن غير الكتب ليقدموها هدايا الى عشيقاتهم..دعني أكون صريحة أكثر معك أيها الباحث عن لذة شوق.. دعني اقول لك مالم أجرؤ على قوله لاي رجل من قبل..ألست أنت القائل أيها الرائع:
وتلك كانت تهمتي..
في أرض لا تعرف معنى الحب،
ولا معنى أن يولد من الحب أنبياء.
أدهشتني المفاجأة وعقدت لساني الى درجة لم أجد ما أقابل به هذا الصمت الذي لم تعد تقدر على تحمله الأمكنة..هذه الامكنة التي مازالت ها هنا تحتفظ برائحتك..كنت أجدها مكومة أمامي على الصخور والاتربة.. استنشقها وأبكي..أتملى فيها طعم شفتيك الملتهبتين وأنت تزرعهما شوقا، لكي يتأجج في جسدي.
كانت المفاجأة كبيرة جدا.عندما فتحت الطرد وقعت عيناي على كتاب التجليات.. حاولت في بداية الامر أن أتفلسف لعلني أصل الى سر هذه التسمية.. لكن صوتك نهرني..طلب مني أن أركب موجة الشوق إذا ما أردت أن أعرف سر هذه التسمية..ازددت شوقا وأنا أقرأ هذا التجلي:" من صحت معرفته صح توحيده ومن صح توحيده صحت محبته فالمعرفة لك والتوحيد له والمحبة علاقة بينك وبينه بها تقع المنازلة بين العبد والرب".
إذا هل هي تلك المنازلة التي تريدني أن أخوضها، وأنا عارية الا من وحدتي وجسدي.
الرسالة الرابعة:
وأخيرا تجلت لي حكمتك أيها العاشق!. ترى بأي عين أراك وبأي أذن سأسمعك؟.وبأي لغة أقرأ مشاعرك؟ وبأي لغة ستفهم عني؟.وأي لغة هذه اللغة التي ستكون قادرة على ترجمة هذه الاشواق القادمة من هناك.
هذه اللغة القادمة من تلك الجبال وتلك الاودية والسهول التي تمدك بهذه الطاقة الروحية المعبرة.أي لغة هذه اللغة التي لا تعترف بسلطة تمارسهاهذه الامكنة على رجل اختار العيش بعيدا عن الاضواء ليكون حرا؟.
وأي رجل هذا الرجل الذي بعيش في حجرة أشبه بزنزانة منفردة؟.
عندما يئست أيها العزيز أخذت أمرغ وجهي بين أوراق كتاب التجليات وأبكي.. لعلني أتطهر من هذا الحب الذي انتقل لي عن طريق العدوى يوم التقيتك في تلك المكتبة.. هل كان علي أن ألتقي بك ؟..وهل كان علي أن أجيبك عندما سألتني عن الكتاب الذي كان معي؟..وهل كان علي
أن اصطحبك الى تلك المكتبة لكي تشتري منها تلك الحزمة من الكتب التي ألفها رجال يطلقون على أنفسهم موجة الفلاسفة الجدد؟.
الرسالة الخامسة:
اليوم فقط وصلتني رسالتك الأولى منذ ان افترقنا..كنت خائفة عندما طلبتني على الهاتف لكي أرافقك الى المطار.أمي لاحظت حيرتي وترددي حاولت أن تجرني لكي أعترف لها، لكني تظاهرت بالتعب والمرض ونمت.
لا أدري ان كانت قد سمعتني عندما انخرطت في البكاء..كنت أسمعها تتحرك داخل المطبخ..ربما كانت تسب.وربما كانت حزينة من أجلي.
عاود رنين الهاتف من جديد.. رفعت السماعة وأعدتها الى مكانهاخوفا من أن يأتيني صوتك من بعيد معاتبا..حاولت وأنا داخل الفراش أن أختلق لنفسي الأعاذير والمبررات.عاتبتها على هذا التصرف الجبان . انكشفت لي حقيقتها..صعقت عندما عرفت أني وقعت في حبك بهذه السرعة..كنت أظن انها مجرد نزوة وسأتخلص منها بمجرد أن ترحل.. معتمدة على منهجي الفلسفي وعلى فلاسفتي الذين استنفرتهم واحدا واحدا، لكي اقضي على غرورك وكبريائك واطحن اقطابك الذين بدأوا يتسللون الى مخيلتي ثم الى ذاكرتي.
كنت أحسهم يجوبون ليلا نهارا شراييني وأوردتي ..يحتلون مملكتي التي رسم خريطتها أرسطو وابن رشد وطوما الاكخويني ونيتشه وسيمون دي بوفوار وجورج بطاي وجاك ديريدا وفوكو.
وها أنت قد رحلت دون أن أودعك، أو أتركك تضمني وتقبلني قبلة الوداع، مع أني كنت أدرك جيدا بأنه ليس من السهل نسيانك، أو الهروب من حبك. أتعرف لماذا كنت خائفة أيها الصوفي المجنون؟..آه ليتك تعرف كم أني أحبك، وكم أني أخافك في نفس الوقت أيها العاشق الذي لا تنضب أشواقه أبدا !..لذلك فلا تلمني على فعلتي عندما تركتك ترحل
دون أن أحضر الى المطار لكي أودعك وأبكي على صدرك مثلما فعلت سعاد وأخريات. أتعرف لماذا تصرفت على هذا النحو؟..كنت خائفة أن لا أكون ذلك النموذج من النساء القادرات على احداث معجزة التغيير في حياة رجل يقف مرابطا على حافة الجنون..لقد قلت لي عندما كنا نتمشى على شاطئ البحر:
- ان المرأة التي لا تحول الرجل الى قطعة وجد ملتهبة لهي امرأة فاشلة وليست جديرة لا بالحب ولا بالاحترام.
قلت هذه الكلمات وأنت تحدق في البحر..كانت هناك بعض النوارس تملأ عرض البحر بخفقان أجنحتها.. حاولت أن أستجير بها لعلني أجد عندها ما يوضح لي هذه الألغاز التي ترمي بها في طريقي..كيف لي أن أحولك الى قطعة وجد، لكي استمتع معك بهذه اللحظات؟..كيف لي أن أجعلك تهيم بي وحدي دون نساء هذه الارض؟.كيف لي أن أجعلك تبكي وتشرب حتى تسكر؟. ثم تقوم لترقص وتغني وسط الحانة هاتفا باسمي وبتلك اللحظات الجميلة التي قضيتها بين أحضانك أتأمل الطبيعة.
كيف أجعلك تحتضن طيفي وتسافر..تهرب من نفسك ومن محيطك..تحتمي بالبراري والفيافي..تفترش الارض وتلتحف السماء وتناجي الكواكب والسفن المهاجرة..كيف السبيل الى ذلك ؟. ومتى تحين هذه الفرصة لكي أجعلك تبدع ما يخلد عذابي ودموعي..تكتب عن آلامي وأحزاني. تكتب عن تلك الدموع التي ذرفتها شوقا الى روحك العاشقة.
تكتب عن الانقلاب المورفولوجي الذي أحدثه لقائي بك..هل ستكون وفيا بالقدر الذي أريد، وهل ستكتب عني بقوة الاعاصير والامواج.. تكتب عني بقوة البراكين والزلازل..تكتب عني القصص والقصائد التي تخلد ذكراي في العالمين..تكتب عني ما لم يكتبه قاص أو شاعر من قبل.. أريدك أن تعيد من خلالي سير الشعراء العذريين الذين انقرضت أخبارهم، وتعيد للحب ألقه الذي يرفض تجزئة المرأة... يرفض أن ينظر لها من حيث تبول فقط، ويتجاهل تلك المساحات الانسانية التي لا تحدها حدود.. يتجاهل توثبها الروحي والفكري..يتجاهل أشواقها وأحلامها. يتجاهل أنوثتها المتفجرة أودية وأنهارا وبحيرات..أريدك أن تروي للناس قصتي كما عشتها معي..تقول لهم بعنفوان كبريائك وشموخك أنك أحببتني الى درجة الجنون..تقول لهم أنك همت بي كما لم تهم بأية امرأة من قبل..ترى هل ستفعل وتريحني ؟..هل ستكون لك الشجاعة، لكي تقول ذلك وفي حضور كل النساء اللواتي أحببتهن من قبل؟..أعرف أنك لست من الرجال الذين تحرجهم دموع النساء.. ولا من الرجال الذين تبهرهم المفاتن والبسمات.. أعرف أنك رجل له طقوسه الخاصة..
رجل له مناخاته وتضاريسه.. رجل يحسن رسم خرائط نسائه بالالوان الطبيعية والكلمات الشعرية المتوهجة التي لا تشبه خرائط الرجال الذين التقيت بهم في الماضي..لقد كنت طوال هذه الرحلة من العمر أبحث عن رجل أعيش معه جنون الحب. وعندما التقيت بك خفت في بداية الامر.خفت أن لا تكون ذلك الرجل الذي حدثتني عنه لمساتك المجنونة وباحت لي به عيناك الملتهبتان شوقا الى عيون تشرق منهما الشمس وتغرب فيهما..آه أيها العاشق الموغل في شرايين الخيانة ..هل كنت في كامل وعي عندما تركتك تأخذني بعيدا..كنت تسبح دون أن أدري على أي الشواطئ سترسو بي سفنك.. لست أدري لماذا أنت هكذا؟.
هل لأنك عاشق وشاعر، أم لأنك اختزلت تجارب العشاق جميعا من شعراء وفلاسفة ومتصوفين في تجاربك الروحية، لذلك فاني لن أنتظر طويلا، لكي أعلن عليك الحرب، وأجعلك تعترف بحبي أمام تلك المرأة التي أخذتك عندما نفيت من قريتك ظلما..يبدو أن لعنة النفي ستظل
تطاردك أينما ذهبت..وأن غيرة الرجال ومؤامراتهم ستظل تلاحقك من مؤسسة الى مؤسسة..ولا أظن أنك في حاجة لكي أقسم لك بالايمان الغليظة، كي تصدقني بأنني بقيت أفكر دون أكل لمدة أسبوع كامل في أحداث تلك القصة الغرامية التي رويتها لي في آخر يوم من لقائنا..لقد قلت أن نهاد فهي المرأة الوحيدة التي استطاعت أن تعتقك من جنونك لتدفع بك الى جنون آخر لم ترتاده من قبل..كيف حدث ذلك وأنت ذلك العاشق المجنون الذي يختزن في روحه تراث العشاق وحكمتهم المنبوذة..وبماذا تميزت هذه المرأة عن بقية النساء اللواتي عرفتهن؟..وأين موقعي على هذه الخريطة؟. هذا هو السر الذي ظل يشدني الى نهاد.
كنت أغتاض كثيرا عندما أسمعك تتحدث عنها وكأنك تشرح درسا، أوتشرح جثة في غرفة العمليات أمام طلابك.
لقد قلت لي وأنت تروي قصتها بشئ من القداسة والجنون انها امرأة اقتطعت من وسط هذه التضاريس المحصنة بهضاب وجبال وسهول و أودية.. انها امرأة تشتعل حبا وشوقا وجنونا أشبه بحب وشوق وجنون رابعة العدوية..
أنا متعبة بقصصك وغرامياتك الى درجة كبيرة..هل كتب علي أن أحبك وأحب قصصك أيضا؟.ربما.. لكن لماذا أجدني مصرة على المضي في هذا الطريق المحفوف بالمخاطر؟.
الكاتب: ابراهيم عثمان
عضو باتحاد الكتاب الجزائريين سابقا.
حائز لى جائزتين أدبينين في مجال الابداع القصصي.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد سنجر
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6
دق الباب
ذهبت في اتجاه الباب العتيق واهنة الخطى ، تتسربل في جلبابها الشاحب فوق الكتفين ، هزيلة هي ، تحمل فوق عاتقها آلام تثقل الجبال ،
أهذه هي ؟
أين من كانت تمشي تتهادى الأرض طواعية تحت أقدامها ؟
أين من كانت تتمايل الأشجار طربا إذا ما تمتمت بأنشودتها الصباحية؟
ورقصت العصافير على استحياء حولها فرحة برحيق ابتسامتها البريئة؟
وهي تحمل جرتها في اتجاه النهر
أين من كانت تتهافت المياه لملء جرتها وتلامس يديها خلسة و لتنعم بحملها على رأسها ، ترافقها في رحلة العودة إلى دارها القابعة بين الحقول ؟
أهذه هي ؟
جالس أنا في زاوية الدار
أرقبها ذاهبة نحو الباب العتيق
تتقاذفني شكوك الخوف
أعتقد أنه هو
أحاول طمأنة نفسي
ليس هذا موعد عودته
اعتدت أن يعود بعدما أندس في سريري مدعيا الدخول في ثبات عميق
مدت أناملها الرقيقة نحو الباب تفض الصمت المسدول عليه منذ سنين
تساءلت بصوتها الرقيق : من؟
سرت بجسدينا قشعريرة رعب عندما أتانا صوت أجش من وراء الباب
: من؟
ترددت في فض الباب العتيق لكنها أيقنت باستحالة التراجع
نظرت نحوي
اندفعت من عينيها تجاهي نظرة المغلوب على أمره
لم أقوى على الحراك فارا بنفسي من نظراته
هرعت داخل نفسي أختبئ كي لا يراني
دسست وجهي الهالع بين ركبتي
انفض الباب
غمرني سيل الضوء المندفع بين مصراعيه
وأراني أدور
تسحبني لأسفل دوامات الرعب الجاثم على صدري
حجب الضوء ظلام حالك
أختلس النظرة من بين يداي المتشابكة حول ركبتاي
وأراه
ليثا ينقض على فريسته الثكلى
تجمدت أطرافها خوفا
وجاء زئيره مزلزلا الأرض من تحتي
: ألم أحذرك من ارتداء السواد
سمعت اصطكاك ركبتيها وهي تحاول الإفلات من قبضته
قالت متحشرجة :
حاضر ياخويا حاضر
قالتها وانطلقت كالريح تتوارى خلف باب غرفتها
انطلق خلفها ، فهدا يلاحق فريسته الفارة
اندفع الباب خلفهما ، فارتجت جنبات الدار
لا أدري من أين جاءت المسكينة بكل هذه القوة
سمعت زئيره يدوي يلاحقه صمت
تسللت إلى غرفتي تتحسس أصابع قدمي الطريق
بالكاد وصلت
أغلقت الباب خلفي خلسة
رميت بنفسي فوق سريري الحديدي
أدس وجهي السلبي بين وسائده القطنية
تتساقط أمطار دموعي تغرقها
أتمتم :
حتى السواد ؟ حتى السواد
تتوغل إلى شعري أنامل حنان
يتسلل داخلي صوتها الحاني
: علي ؟ علي
أحاول منع اشتياقي لحضنها الآمن كي أتلذذ بنبراتها ، لا أقدر
تضمني لصدرها
:علي ؟ البكاء حيلة النساء
ألف وجهي باتجاهها
: حتى السواد يا أمي ؟ حتى السواد ؟
أليس الذي مات هذا ابنه ؟
منعك من العويل ،
منعنا من البكاء ،
لكن ، حتى ارتداء ملابس الحداد يمنعك منه ؟
ليس أبا هذا
أهذا الذي ينبض بصدره قطعة من حجر أم ماذا ؟
: يا بني الحزن في القلب
ليس الحزن بارتداء السواد
: نعم يا أمي نعم ، ولكن
: علي ، أباكم يخاف عليكم من الحزن
:وهل السواد يا أمي
: علي أنت لم تعرف أباك بعد
: أنت دائما هكذا يا أمي
: في يوم من الأيام سأبرهن لك ، والله إنه ليقبع على صدره حزن الكون
هيا يا علي ، هيا ، فلقد تأخر نومك
أسدلت فوقي الغطاء وراحت تربت على صدري
لم أشعر بعدها بشيء
وأثناء الليل
شعرت بأناملها تهزني ،
أتى همسها إلى مسامعي :
علي ؟ علي؟
: نعم يا أمي ، ماذا هناك ؟
: قم ، تعال معي
: خيرا يا أمي ، خيرا ، هل حدث مكروه لا سمح الله ؟
: لا تنزعج يا بني ، ألم أقل لك أنك لم تعرف أباك بعد ؟
: وهل توقظينني يا أمي لتقولين لي هذا ؟
: نعم تعال معي
قمت معها ، أخذتني من يدي و اتجهت إلى غرفة أبي
: حذار أن يحس بنا
فتحت برفق باب الغرفة
وجدته جالسا في ضوء المصباح الشاحب مفتوحا بين يديه كتاب الله
وصلت إلى مسامعي حشرجة مكتومة
: والله إنا لفراقك يا محمود لمحزونون
انهمرت من عينيه سيول الدمع المتفجر بعد محاولاته المضنية لكبتها
وانطلقت أنا لغرفتي أحاول أن أكتم حزنا جاش بصدري
لا أدري ، أهذا أبي ؟
أيعقل أن هذا الجبل الصلد يحمل داخله كل هذا الحنان ؟
أيعقل أن هذا الجبروت الجامح يحمل بين صدره هذا القلب الحاني ؟
واحسر تاه على هذه السنين التي ضاعت دون علمي بهذه الحقيقة
واحسر تاه على هذا الحنان الضائع أدراج الرياح
كيف يا أبي استطعت أن تخدعنا كل هذه السنين ؟
و الله إن الحق كل الحق معك يا أمي
نعم أنا لم أعرف أبي بعد
نعم فحزنه على محمود يكفي العالم أجمع
أحمد الله أنني الآن عرفت أبي ، عرفت الآن و الآن فقط هذا القلب النابض بالرحمة
شق الصمت صوت ارتطام بالأرض تبعتها صرخة مدوية
إنها صرخة أمي ، نعم هذه أمي
انطلقت إلى غرفة أبي
دفعت الباب الواقف في وجهي
توقف قلبي رعبا عندما بصرت أمي تهز جسد أبي الممدد فوق الأرض
تدور الغرفة من حولي
وأراني أقترب رعبا
تترقرق الصورة بعيني ، أراه ممددا حاملا فوق القلب كتاب الله
يرحمك الله يا قلبا لم أعرفه
( قلبا لم أعرفه )
قصة من تأليف : محمد عبد المحسن سنجر
السن :40 عاما
بلد الإقامة : الكويت
الجنسية : مصري
بكالوريوس الفنون الجميلة – جامعة حلوان
المهنة : فنان تشكيلي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد طاهر العليو
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6
"بيت جدي "
قصَّـــــة قصيرة
أحمد طاهر العليو
**********
أسيرُ بين السكك الترابية الضيقة والملتوية ،بعد سنين قليلة من الهجران نحو بيت جدي الطيني " الفريج الشمالي "* القديم الذي كان يضم عائلات ، لم يكن بيتاً يضم في داخله أجساداً بل هو أيدٍ حانية على الفقراء والأيتام والأرامل ، وهو لي شجرة وارفة تحميني من أخطبوط الحياة بتواضع مرسوم على وجه بابه .
شهادة المدرسة بين أصابعي الصغيرة فيها دائراتان حمراوان ، فرأيتُ عصا أبي القاسية ترتسم في الشهادة ، أبي توعدني بصوته الذي يخرج من كهف مظلم ، حين يلبسه الغضب ...تجحظ عيناه ...ويرتفع حاجباه بأعلى جبينه ، يلوح بعصاه كأنها أخرجت من جهنم ، يهوي بها على أي مكان من جسدي ،ولا يبتعد حتى يضج جسده بأنفاسه ، يكرمني في آخر الأمر ببصقة من فمه .
أخترقُ الساحة الواسعة القابعة قبل البيت ، الاكفهرار بارز على ترابها ، تبصق على آبار النفط ، تشتاق إلى ذلك الصخب وحفلات الأعراس وضجيج الأطفال ، تلك الأزقة والساحات كانت تضج بالحركة لسنين غارقة في القدم ، والآن افترسها السكون ولم يبق منهم سوى من لازالت جيوبهم خاوية .
توقفتُ خارج المدرسة ، قدماي لا تريدان السير ... فكرت في اعتذارات كي أتقي عصا
أبي ، رسمت أفكاراً لكنها لن تجدي نفعاً ، وفي تلك اللحظات توقف صاحبي في
المدرسة ، أخبرته بخوفي .
ـ " ليش ما تروح إلى بيت جدك ليحميك ؟"
تأملتُ كلامه ، استحضرت ذاكرتي ، قصة روتها أمي ..
" كاد الدم يسيل إلى الركب " .... " لو لا أن أشير إلى الأخوة بالذهاب إلى من يحكم بينهم ، جلسوا عند جدك ، كأنهم بحضرة ملك ، تحدث الواحد بعد الآخر ، حكمَ فخرجوا والشفاه تدعو لجدك ."
استحسنتُ الفكرة وأخذت أسرع الخطى حتى وصلت إلى الباب الأخضر ... فتح جدي الباب ونظر إليّ بعينيه الرحيمتين ، وجدني كتلة من الخوف ، عندها أطلقت بكاء أشبه ببكاء ثكلى، ارتميت على جسده .
أشعرُ بشيء مفقود ، أرفع رأسي أرى السماء ، غربة المكان تلفني ، أدور كرجل ضائع ، أرى أكواما ً من الحجارة والتراب ، يسقط شيء من جسدي ، الجدران عابسة ، أرى الزقاق أمامي يرتفع شيئا ً فشيئا ً ، الباب الأخضر متمايل على وجهه، أطيل النظر فيه كرجل آثار يفحص قطعة أثرية . ابتلع جدي حنقا ً ... احتضنني ...
ـ " إشفيك يا وليدي ؟ ليش تبكي ؟! "
أدخلني غرفته " المربعة " ... بعد أن علم بحكايتي ، فتح صندوقا ً صغيرا ً ، ناولني بيده الكريمة حلوى بعد أن سكّن اضطرابي وارتجافي ، أمرني بأن أخرج نحو " الحوي " ، رأيت الطيور تحط حيث شاءت مطمئنة ، جلست على الدرج ، تابعتها واضعا ً ذقني على كفي ، أتى أبي وأخذني وقد غُللت عصاه ويداه . أتمتمُ " هذا بيت جدي " ... أمواج الألم تصطك في أعماقي ... يغلي الدم في كياني ... لم يقع الباب ، سكنت في أحشائه روح شامخة تأبى الانكسار ... أشاهد بقايا " المربعة " ... شوك يغرز في قلبي ... صعدت فوق ركام الحجارة ... إنه " الحوي " ، يمتلئ بالتراب والحجارة وركام الفضلات ... الحجارة تعانق الحجارة بألم وصمت شجي ... بقايا الجدران تنظر إلى بعضها والدموع تسيل على سطحها ... تتدحرج دمعة على خدي فتحرقه ... فتمتزج بتراب الأرض ... " لماذا تركوك هكذا ؟!، أرهقوك شبابا ، وتركوك يصرعك الموت حين هرمت ؟!" .
أفتحُ صدر ثوبي ... أضيقُ بأنفاس الهواء ... أريدُ هواء بحجم الكون ... رعشة تسلبني هدوئي واتزاني ... صراخ وقهر ينزفان ... أخذتُ أحملُ الفضلات بعيداً عن البيت ... أنقلُ الحجارة ... أزيحُ التراب .
" تمَـــــــــــــــــــــــــــت "
_____________________________________
* حي قديم يقع في منطقة الهفوف في مدينة الأحساء السعودية .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ياسمينة
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 7
السلام عليكم
أريد مشاركة في مجلة الرائدة