القصة والرواية
- التفاصيل
- كتب بواسطة: صدقي موسى
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6
طقم الاسنان صدقي موسي صراخ الطفل داخل غرفة طبيب الأسنان الذي يعالجه يصم أذني، أحس به، فقد كنت في مثل سنه أرى طبيب الأسنان وكرسيه الجامدة تنينا خرافيا، له رهبة في صدري تتعدى تصوراتي للموت. أخذت أتامل غرفة الانتظار، التي أجلس فيها، محاولا اشغال نفسي عن ذلك الصراخ المتذبذب بين علو وخفوت. أنا وحدي في هذه الغرفة، إلا من طفل يجلس على كرسي محني الظهر، يدق برأس حذائه الأرض، حاولت تخمين ما يفكر به. اللوحة التي على الحائط أمامي لأسنان مشوهة، ومنخورة دفعتني للتركيز في غيرها، أزحت بصري بإشمئزاز. على الجدران الأخرى، علقت لوحات مشابهة، هنالك لوحة تمثل القط "توم" مع الفأر "جيري"، توم يعاني من وجع في أضراسه، جيري يهديه فرشاة أسنان، ويحذره من أكل الحلوى، ابتسمت، وأنا أتذكر أفلام الكرتون التي كنت متعلقا بها في صغري. نهضت من مكاني، جلست بجوار الطفل، ابتسمت له. بادرته التحية، رفع رأسه، نظر إلي بعينيه العسليتين متفحصا، ملامحه تدل على أنه لم يتجاوز الخامسة عشر من عمره، بادلني التحية، رائحة السجائر النفاثة تنبعث من ملابسه. _قلت له: ما اسمك؟ _أجابني وعيناه المشاكستان ترمقني: علي. -قلت: اسم جميل، في أي صف أنت؟ _خفتت حدة نظراته وهو يقول: إنني أعمل. _قلت: تعمل! _.......... تنهد بحرارة، كشفت ابتسامته الحائرة عن أسنان صفراء نخرها السوس، هم بقول شيء، إلا أن الممرضة خرجت يتبعها رجل يصحب طفلا أثار الدمع لم تجف عن صفحة خده، وقد انتفخ جانب فمه، مسحت الممرضة رأسه بحنان، وبلهجة الناصح قالت له: لا تأكل الشوكلاته كثيرا، وبعد الأكل فرش أسنانك بالفرشاة والمعجون. هز الطفل رأسه هزات خفيفة، بينما شكرها والده قبل أن يتوارى خارجا. التفتت الممرضة إلى الطفل الذي بجواري، وقالت له: لقد جاء دورك. نهض "علي" بخطوات سريعة، دون أن يلتفت لي، لتبتلعه "غرفة التنيين". ترى لماذا خرج من المدرسة؟ ...ربما الفقر أخرجه.... قد... أو أنه طرد... يجوز....أو..أو... في هذه الأثناء، دخلت عجوز لم أنتبه لها للوهلة الأولى، بخطواط متقاربة، وظهر أحناه الزمن، سارت حتى جلست على مقربة مني، بعد أن دونت اسمها لدى الممرضة، مظهرها يدلل على النبل، في يدها حقيبة صغيرة، جميلة، على رأسها غطاء مزركش، وقد ارتدت ثوبا طويلا، فضفاضا، لا تنقصه النظافة، كانت في حدود السبعين. _ترى لماذا حضرت وحيدة ؟... لماذا لم يأت معها أحد أولادها؟ وبيدين بانت عروقهما أخرجت من حقيبتها الصغيرة منديلا ملفوفا بعناية، نظرت إليه بفضول، وبينما كانت تكشف عن ذك الشيء، انتابني الاشمئزاز لدى رؤيتي لطقم أسنان اختلطت فيه ألوان لم أرها من قبل، ومن طرف عيني لمحت العجوز تمسح الطقم بعناية، بيديها اللتين أنهكهما الزمن كأنه طفلها، عيناها تنظر إليه بحنو واضح، شفتاها مطبقتان، وقد دخلتا قليلا في فمها، أخذت تمرر المنديل على الأسنان التي كسر بعضها، أثار الزمن بادية عليه. كم سنة عمر هذا الطقم ؟... لا شك بأنه عزيز على قلبها. تزاحم الأسئلة في عقلي يدفعني لبحث طريقة للحصول على جواب قبل دخولي تلك الغرفة، تحسست بلساني ضرسي الذي نخره السوس واستوطنه، لا أدري كيف أبدأ كلامي معها، تنحنحت، أجلت بصري بالسقف وقلت لها بعد أن كتمت نفسي: _عفوا يا حجة، هل تسمحي لي بمحرمة؟ _وبدون تردد ناولتني من حقيبتها مجموعة من المحارم، شكرتها وقلت: يمكنك أخذ دوري. _ردت بفم خال من الأسنان: الله يرضى عليك غير مستعجلة. _سألتها وأنا أشير إلى الطقم: يبدو أنه قديم! كم عمره؟ _نظرت إلي بعينين لم يخل الحزن منهما، وقالت: (25) سنة. _أطلقت من بين شفتي صفيرا وأنا أقول: (25) سنة! _هزت رأسها مؤكدة كلامها، ثم أردفت قائلة: لقد عملته عند الدكتور عبد الله بـ(150) دينار أو يزيد، واليوم أتيت لتغييره. _ابتسمت وأنا أقول لها: لاشك بأنك كنت تحبين أكل الحلوى كثيرا. _قلبت كفيها وتنهدت، وبصوت مختلج قالت: لا يا ولدي، لم أحب أكل الحلوى كثيرا، ل... صمتت صمتا رهيبا، وقد غشي الدمع عينيها، حتى انسلت من مقلتيها، تناولت محرمة تجفيف دموعها، وحدقت أمامها بعينين محمرتين، الحق يقال بأني بهت، لم أتوقع أن أسبب بسؤالي هذه الدموع لهذه العجوز. -قلت محاولا استرداد زمام الموقف المنفلت: معذرة لما سببته لك من حزن، أرجو أن تسامحيني. -................ -حجة هل أنت بخير؟! _أجابت بصوت حاولت أن يكون متماسكا: لا عليك يا ولدي، تنهدت بحرارة، قبل (25) سنة جائني خبر استشهاد ولدي البكر محمود في لبنان، وأنا حامل بولدي محمد، لم أستطع تحمل الصدمة، التي نزلت علي كالصاعقة، فقد كان ولدي الوحيد، ومناي في هذه الحياة، ومن هول الصدمة أخذت ألطم على فمي، وكلما تذكرت ذلك، حتى تخلخلت أسناني الأمامية. بدأت الدموع تنساب من محجر عينيها، وبدأ صوتها يضعف، وتابعت: كان لابد من خلعها، فذهب بعرواها باقي الأضراس والطواحين. لم أجد كلمة أواسي بها العجوز إلا بقولي: كان الله بعونك، والحمد لله الذي عوضك خيرا بولدك محمد. شبح ابتسامة ظهر كومضة برق ثم اختفى، كانت ممزوجة بألم ودموع وقالت: آه، ماذا أقول لك، الحمد لله على كل شيء، ولدي محمد استشهد قبل شهرين. مسحت دموعها بغطاء رأسها، حتى ظَننت أن المحارم لم تكف لهذه العبرات، ومن داخل محفظتها أخرجت صورتين في غلاف متواضع، لشابين متشابهين حتى في تلك الابتسامة التي ملأت وجهيهما حيوية وإشراقا، أحدهما أصغر من الآخر، نظرت إليهما العجوز وشفتاها ترتجفان مع يديها كعصفور مبلل. _وجدت نفسي أقول لها: كم أنا أحمق، فتحت عليك الجروح التي لم تندمل بعد، أرجو منك العفو. _وبصوت دهشت لثباته: يا ولدي، هذا قدرنا في هذه الأرض، فقبل (25) سنة لطمت الخد وشققت الجيب، ولكنني قبل شهرين زغردت. هذه المرة نظرت إلى الطقم بلا تقزز أو اشمئزاز. خ . ج |
- التفاصيل
- كتب بواسطة: بوراوي سعيدانة
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 7
أبو الفضائل يقدّم استقالته
لم يُحدّثني " أبو الفضائل" بل حدّثني على لسانه " أبو الرّذائل" قال:
ـ لم أجد متّسعا من الوقت لأُقنع أبا الفضائل بالعدول عن تقديم استقالته من المُواطنة العربيّة..
قال لي جادّا:
ـ قال لي جادّا:
ـ إلى من أُقدّم استقالتي
أجبته مازحا:
ـ إلى جامعة الدّول العربية طبعا..
أكّد لي أنّه سيُقدّم استقالته على شبر يسلخه من جلدته يكتبها بدمه ويضعها في ظرف بريدي مسجّل ويرسلها إلى الجهات المختصّة بالموضوع أو يُرسلها بواسطة الفاكس أو الانترنت وربّما هذا أفضل..
لم أمار أبا الفضائل في مسعاه بل ألححت في إقناعه بالابتعاد عن مُبتغاه ولمّا يئست منه لجأت إلى المُخادنة والمُخادعة..
قلت له:
ـ ألست من أصدقائك الخُلصاء ؟ لماذا لا تُصارحني بالأسباب والمسبّبات التي دفعتك إلى ارتكاب جُرم لن يغفره لك التّاريخ أبدا ؟
سكت أبو الفضائل وتأكّدت من استقالته من مُواطنته العٌروبيّة والعربيّة تُعدّ خسارة فادحة للأمّة من محيطها إلى خليجها وأوّل الخاسرين أنا صديقه أبو الرّذائل .. فلا رذيلة بدون فضيلة ولا فضيلة بدون رذيلة..
أدبر أبو الفضائل متقوقعا على نفسه منهارا ذابلا متهالكا , يائسا مُتطيّرا .. ولم يقدر على تحرير استقالته لغياب صيغة قانونية شرعيّة أو جهة رسميّة لها حقّ النّظر في مثل هذه المسائل التي لا عهد للجامعة العربيّة بها.
****
ماذا يعني ـ لا فضّ الله أفواهكم ـ أن يستقيل أبو الفضائل من مُواطنته العربيّة, أيعني هذا أن لا يقوم بواجباته الوطنيّة من أجل وطنه العربيّ الممتدّ شرقا وغربا فيرفض التّجنيد والتّسخير ولا يدفع الضّرائب والأتاوات , ولا يُشارك في التّجمعات والجمعيّات والانتخابات . ولا ينتمي إلى أحزاب وطنه ولا يدرس في مدارسه أو في معاهده أو في جامعاته ولا يذهب إلى مستوصفاته ومستشفياته ولا يُلقّح ضدّ أمراضه ولا يُشاهد برامج تلفزاته ولا يسمع إذاعاته ولا يقرأ جرائده أو مجلاّته أو كتبه ولا يُصلّي في مساجده أو كنائسه أو أديرته أو معابده.ولا يسير في طُرقاته ولا يتسكّع في أنهجه وأزقّته ولا يشرب من مياهه ولا يتنفّس هواءه ولا يأكل زرعه أو نباته أو ثماره ولا يشرب جعته أو خمرته ولا يطأ مومساته ولا يحتفل باحتفالاته الوطنية والدينيّة ولا يُعيد أعياده؟
قال صاحب الاستقالة :
ـ أأخوض مع الخائضين وأهرُج مع المُهرّجين ثمّ أتدبّر أمري..
تساءلت بدوري عن السّبب أو الأسباب التي دعت أبا الفضائل إلى التّفكير في تقديم استقالته من مواطنته العربيّة ولكن ما هي المُواطنة البديلة الّتي سيتحصّل عليها وتساءلت أيضا عمّن سيتكفّل به بعد قبول استقالته ـ لا سمح الله ـ خاصّة وأنّه عربيّ مائة بالمائة؟
قلت : لعلّ أبا الفضائل يئس من وطنه ومُواطنيه فقلّ عدد أصحابه وأترابه وخلاّنه وهُجرت مجالسه وضُربت مفاهيمه فبقي وحيدا مُنزويا عن عامّة النّاس وخاصّتهم فصعُبت عليه الحياة وعسُرت وعوض أن يلجأ إلى الانتحار ـ مثلما يفعل المثقّفون الغربيّون ـ لجأ إلى طلب الاستقالة من مواطنته وعلى الدنيا السّلام ..
****
واصل أبو الرّذائل حديثه عن أبي الفضائل قال:
حاشا أن لا يحبّ أبو الفضائل وطنه ومواطنيه بدون تخصيص أو تمييز , فعروبته غير مشكوك فيها وشهامته تفوق كلّ الشّهامات وكرمه يفوق كلّ المكرمات وفضله تجاوز كلّ الفضائل.. إلاّ أنّه فقد عنصرا هامّا من عناصر وجوده وبقائه ألا هو الصّبر.. لم يعُد أبو الفضائل ذاك الرّجل الّذي يقدر على الصّبر وعلى تحمّل الأذى والخضوع والخنوع والسّكوت على المنكرات والرّذائل إذ تحوّلت مفاخر العرب من تفاخر بالأمجاد إلى تفاخر بالأفخاذ.. وغدا العرب يترافسون ويتداهسون ويتقاتلون ويقتلون أطفالهم ونساءهم وشُبّانهم ومُخالفيهم في الرّأي ويقولون هذا من فعل الزّنادقة الخارجين عن الدّين والملّة .. وأصبح أشرارهم أخيارا وأخيارهم أشرارا فتداخلت المفاهيم لدى أبي الفضائل ولم يعُد يُميّز بين الأبيض والأسود ..
وأحالني أبو الفضائل إلى فصول كتاب " مزالق المهالك " الّذي تعدّدت فيه المسالك والممالك والمتاعب والمصاعب والمضاجع والمراقد والمؤاجرات والمؤاجرون واللاّعقات واللاّحسون والوُشاة والمُرتشون والانتهازيّون والوصوليّون والنكّادات والنكّادون والّذي كثر فيه تصوير عبدة الأوثان وآلهة الإغريق واليونان وتلوّنت فيه المُفارقات والانقلابات وتضاربت الاتّجاهات..
ذكّر أبو الرّذائل صاحبه أبو الفضائل بالأمن والاستقرار الّذين كان ينعم بهما في موطنه ضاربا له مثل السكّير الّذي يعود من الخمّارات في الهزيع الأخير من اللّيل سالما مُعافى..
قال أبو الفضائل:
ـ أليس هذا دأبكم منذ أن عرفت الخمرة طريقها إليكم بدءا بالصّعاليك مرورا بأبي نوّاس ثمّ من عهد العُثمانيّين إلى الانتداب البريطاني فالحماية الفرنسيّة وصولا إلى عهد الاستقلال انتهاء إلى ما بعد الاستقلال والتغيير ؟
ولكن أيكون آمنا من خالف هذا المسلك؟
قال أبو الرّذائل :
ـ لو وضّحت لي ذلك ؟
قال أبو الفضائل:
ـ لا وضوح في السّياسة ؟
****
حدّثني أبو النّقائص وبالنّيابة عن زميله أبو الرّذائل قال:
سمعت عن أحد الصّائدين في الماء العكر أنّ أبا الفضائل تعمّد الإساءة إلى موطنه متحدّيا أصوله وشرائعه , إذ أطال لحيته فتجاوزت طول قامته وترك العنان لشعر رأسه فكسا كامل جسده وكذلك شعر العانة والإبطين فتداخل الشّعر بالشّعر ولم يعُد النّاظر إليه قادرا على أن يّميّز بين الشّعر وإلى أيّ الجهات ينتمي ؟
وبذلك تخلّص أبو الفضائل من الإزار والدّثار ومن بطاقة الهُويّة الوطنيّة والقوميّة..
ودخل ذات يوم أحد النّزل الفخمة حاملا معه سطلا من القطران وفرشاة كبيرة وأخذ يُغطّي اللاّفتات الإشهاريّة وأفخاذ السّياح المُنتشرة حول أحواض السّباحة والنّهود المكشوفة الّتي تتدفّأ بأشعّة شمس وطنه الأمر الّذي أفزع السّياح وأربك الحاضرين مُحدثا بلبلة وفوضى في النّزل , فاستنجد صاحب النّزل بأصحاب الأمن الّذين حلقوا كامل شعر أبي الفضائل وشدّوا وثاقه إلى ظهر دابّة عرجاء وطافوا به البلاد نكالة به وبأمثاله..
وعن أبي الشّمائل قال محدّثا في رواية مخالفة لما رواه أبو النّقائص:
يبدو أنّ الرّاوي اختلطت عليه السّبل فلم يعُد يُميّز بين الشّعر والكساء فظنّ أنّ الكساء شعر والشّعر كساء والحال أنّ أبا الفضائل تورّع وتزهّد في عيشه فلم يعُد يرتد من الثّياب إلاّ ما قلّ ثمنُه وخشُن ملبسه فابتعد عن المُجابهات والمُهاترات وقد يكون ترك العنان لشعر اللّحية هذا صحيح أمّا ما دون ذلك فإنّه باطل وزيف ولم يُعرف عن أبي الفضائل ارتياده النّزل الفخمة منها أو الأقل أو اهتمامه بالأفخاذ والنّهود ما ظهر منها وما بطن , وإنّما هناك من رأى الرّجل يتوضّأ في مُتوضّإ المسجد ثمّ دخل إليه لأداء صلاة العصر ومن يومها لم يخرج من المسجد ولم يره النّاس في الشّوارع والأسواق..
****
حدّثني أبو الفضائل في مستهلّ حديثه عن آداب التّعامل واللّباقة حديثا كان نقله عن أبي الرّذائل:
أخبرني أنّ أبا الفضائل أصرّ إصرار المستوطنين اليهود على تقديم استقالته من مُواطنته العربيّة ولم يكن من النّادمين أو المُتحسّرين واعتذر لأبي الرّذائل عن مُفارقته إيّاه وتركه وحيدا يصول ويجول في الوطن العربيّ من مشرقه إلى مغربه ..
وخشي أبو الرّذائل على نفسه من الفراق ومن خطر الانشقاق ولم يتمكّن من معرفة مضمون استقالة أبي الفضائل أو الجهة الّتي ينوي تقديمها إليها..؟
توضيح
لم أشاهد أبا الفضائل ولم أتمكّن من مُحادثته مباشرة وإنّما بواسطة, إذ نقل لي حديثه صديقه بالتّناقض والمُفارقة أبو الرّذائل أرذل الله عمره ويسّر نفيه وعسّر نهايته آمين..
خ . ج
- التفاصيل
- كتب بواسطة: هشام محمد علي
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6
قصص سياسية ساخرة
هشام محمد علي العراق
ثقافة الفئران وحضارة القطط...!
أراد قطٌ أن يصبح صديقاً للفئران، فأصطاد احدهم وعلقه من ذيله دلالةً على انه اصبح من \"مُناهضي اكل الفئران\".
وصلت فعلةُ القطِ مسامع كبير الفئران، فتقدم بورقةٍ إلى مجلس امن الحيوانات
مفادها انه يشجب فعلة القط، موضحاً مايلاقيه الفأرُ من عذاب، فأستنكر المجلس تصرف القط ليعود كبير الفئران متفاخراً أن عهده الوحيد الذي شهد استنكاراً لفعلةٍ من أفعال القط الذي اظطَرَ الرضوخَ تحت وطأةِ الضغط الدولي، فأنهى عذاب الفأر في ان انزله في القِدر، لتعود المياه إلى مجاريها.
لايزال السلطان يشير إلى صكوك الغفران
تخاصم ضِباعٌ وثعالب على فضلةٍ من بقايا طعام الأسد، فوصل الخلاف إلى ان
يُجَنِدَ كلٌ منهم مايستطيع من حيوانات الغابة إستعداداً لحربٍ ستدوم طويلاً.
حشدوا الجيوش وبداءت معارك عاتية، زُهِقت الأنفس وتطايرت الروؤس، وبعد حينٍ من الدماء، قرروا التفاوض، فتوصلوا إلى أتفاقيةٍ تم من خلالها إعلاءُ شأن الطرفين كُلٌ حَسبَ مَفهومه، فتَشَكلَت لِجنةٌ من مجموعة حيوانات لإحصاء عدد القتلى والأسرى، فوجدوا ان ضحايا الفريقين من الأرانب.
مقهى أكابر الحيوانات الأليفة
دارَ نِِقاشٌ حاد تحت قبة جامعة الجواري بين الحيوانات الأليفة حول مسألة إخفاء الحمامة الجريحة عن أعين الحيوانات المفترسة، فأرتفع صوتٌ فوق بقية الأصوات سائلاً: ومن سيخفيها؟...
عَمَ المجلس الصمت وتبادل الأعضاء النظرات، حتى اقتحم السيد الحمار البدين
بصوته الجهوري المعتاد قائلاً: تاريخنا مشرقٌ ولا احد يستطيعُ سد الشمسِ
بغربال، فضجت القاعة بالتصفيق حتى أستأنف حديثَهُ بهدوءٍ هذه المرة، قائلاً:
رغم ذلك، لا أستطيع إيواء الزميلة، لأن ذلك يخلُ بأتفاقيتي مع سيادة الدب.
فتشجع الغزال وقال: انا ايضاً على عهدٍ مع النمر، والحمامة عبئٌ فوق طاقتي.
نهضت الدجاجة والدمعة تكاد تسيل من على خدها حزناً، وقالت: رَحَلَ زوجي إلى
ديار الثعالب لإبرام أتفاقيةٍ معهم، ومساعدتي للغالية سيؤثر سلباً على صفقتنا، كان صوتها يسير تنازلياً نحو النبرة الأحزن حتى انتهت قائلة: \"أُناشِدُ كُلَ شُرَفاء العالم ان يساعدوا حمامتنا الغالية وزوجي المسكين\".
عاد الصمتُ ليسود الحضور من جديد، حتى قال الخروف: زملائي العِظام، كلنا نعلم العهد الذي بيني وبين صديقنا الذئب، أي انني لست افضلَ منكم حالاً، لِذا اقتَرِحُ عليكم تسليم الزميلة حمامة كعهدةٍ عند السيد الأسد، بذلك نضمن لها مسكناً لايقربه احدٌ ابدا. فصوت الحضور بالإجماع على انها فكرة عبقرية.
(4)
فلسفة الحياة عند الكلاب
هاجمت قبيلة زؤام بزعامة الكلب الأسود على قبيلة سأم في حين غرة فقتلوا من ذكورهم كل من طال سيوفهم وسبوا كل اللواتي دخلن انفسهم، هاجت ثورة القبائل التي لم تطل من غنائم الأسود سوى الوصف فقرروا الثأر لبني سأم، وإستناداً على نظرية افطر به قبل ان يتغدى بي، هاجم الأسود وقبيلته على القبائل وفعلوا بهم أشد مافعلوه ببني سأم إذ ذبحوا وسبوا إلا من أعلن انه اصبح منهم.
مازاد من حدةِ غرور الأسود وقبيلته بأن اوهمتهم مخيلتهم أنهم قادرين على إزاحة الفيلة وحكم الغابة، وفي أجتماع اعضاء مجلس الحرب، اقترح عجوز الكلاب ان يباغتوا الفيلة ليلاً كما تعودوا ان يفعلوا باترابهم، عرضوا الفكرة على التصويت فلاقت الإجماع.
بداؤا التحضير حتى جاءت ليلة الحسم التي جرت فيها اشتباكات لم تشهد الغابةُ لها مثيلاً من قبل حتى أنتهت بصراخِ جنديٍ من الكلاب \"قُتِلَ الأسود، قُتِلَ الأسود\".
عادوا بخيبةِ املٍ دون جثة الأسود وزملائه الذين اهدتهم الفيلة للتماسيح، عادوا إلى هجاء التماسيح وسط عويل الثكلى، وبعد انتشار خبر مقتل الأسود أعلنت القبائل الكلبية جميعها الحداد على روحه وقرروا ان لن يكفوا حتى يثأروا لدمه او ان تدفع الفيلة والتماسيحُ ديته.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ركاطة حميد
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 4
الأطفال ضحايا كارثة أنفكو( خنيفرة )
أزهار في مهب العاصفة
وهي تغلق باب فصلها أنشأت معلمة الدوار كعادتها ،تعيد على تلامذتها الذين كانوا لا يزالون متحلقين حولها وهم يحركون هاماتهم الصغيرة بالإيجاب .وكلماتها الصارمة تطرق آذانهم " لا تنسوا إنجاز تمارين الرياضيات ص36 وقراءة النص القرائي الجديد ثلاث مرات"
انفضوا من حولها وعبروا النهر باتجاه الدوار وهم يتناقشون تارة وأخرى يلعبون على جنبات الطريق .وما كادت تبدوا لهم البيوت الأولى في أعلى الهضبة ،حتى هرولوا باتجاهها في تنافس حاد .وحدها "يطو" ظلت تسير في إيقاع عادي غير آبهة بما يحدث حولها .كانت تحس بأن نفسها منقبضة بعض الشيء ،وتشعر بنوع من الفتور والملل .كان يخالجها شعور غريب بأن مكروها ينتظرها بالبيت .
في المساء تحلقت الصغيرة مع بقية أفراد أسرتها حول مائدة صغيرة ،وأنوار الشموع المتلألئة تتلاعب بها هبات برد قارس يكاد يطفئ شريط النور الواهي ،وهي تحتسي كأس شاي ، وتأكل من صحن صغير به سائل" شحم مذاب " هائمة في عالمها الصغير العجيب غير حافلة بما يدور من حديث حولها .
كان الأب "رحو " كعادته يحكي لهم عن مشاكله اليومية ،يتحسر عما آلت اليه ظروف العيش بالدوار ،من قلة الموارد وصراعه الدائم مع حارس الغاب الجديد الذي أمطرهم بالدعائر ،فلا القطعان صارت منتجة ،ولا الغابة درت مدا خيلها كسالف الأيام . مر وقت طويل بين حنقه وقلقه ،إلتفت إلى زوجته مقترحا عليها الرحيل نحو منطقة "إملشيل " معللا قراره بكون المنطقة بها مركز حضاري يتوفر على كل الضروريات ،كما ان فرص الشغل بها متوفرة .
نظرت اليه في جزع وقد احتقنت وجنتاها غضبا أحست بالقهر واليأس ،فأشاحت بوجهها نحو أبنائها ،حملقت فيهم جزعة ،كانت تحس أن الوقت يمر برتابة ،تملت وجوههم فشعرت بالرعب في عيونهم .
طرقت فكرة الرحيل باتجاه مكان آخر أذن الصغيرة ،فدفنت رأسها بين ذراعيها وساقيها ، وأخذت وأخذت تجوب أعماقها . لقد أحبت دوارها رغم قسوة العيش فيه ، تحفظ ربوعه شبرا شبرا ولا تتصور أن هناك مكان آخر في الدنيا أجمل منه .لما أوت إلى الفراش استلقت بين أخواتها ،أحست بالانزواء وبالبرد والسهاد كان شيأ ما يؤرقها يشعرها بالخوف ،وزفير الرياح التي اشتدت وطأتها ،ونباح الكلاب غير المعتاد ،وثغاء القطيع المفزع يزيد من روعها وقلقها ،وتذمرها بشكل كبير .
بدأ الثلج يتساقط ،فأيقظت "حادة " زوجها وخرجا معا لتفقد الماشية وتحويل أكوام الحطب نحو مكان آمن ،ثم سرعان ما عادت إلى الغرفة وأوقدت النار في الموقد" القصديري"بعدما ارتفع سعال أطفالها ،لتعود إلى النوم .
وماكاد الصبح يبزغ حتى سمع نحيب بالبيت المجاور ،خرجت "حادة" غير لاوية على شيء ، وغير حافلة بالبرد ولسعاته ،دلفت الباب الذي كان مشرعا ،فوجدت عائشة وزوجها علي وبعض الجيران متحلقين حول جثثي توأمين "ايزة وكثو" وهم ينتحبون .
لم تمض سوى بضعة دقائق على الحادث حتى سمع النحيب في مختلف أرجاء الدوار ،فعادت "حادة" أدراجها نحو بيتها لتوقظ أطفالها وتخبرهم بالحدث ،ففوجئت بموت ابنتها "يطو" هي الأخرى ،فأطلقت صرخات مريرة ومدوية وقد إربد وجهها بالكآبة والحنق والإحساس بالقهر .
صار الأطفال يتساقطون الواحد بعد الآخر ، والدوار أضحى محاصرا بالثلج والطرقات مقطوعة ،وهول الفاجعة تعاظم مع مرور الوقت . عند الزوال تطوع مجموعة من الشباب لإزاحة الثلج عن أرض المقبرة ،وثم دفن الموتى .
دخل الناس في مع الحصار والموت والعزلة "والحكرة" يقاومون في صمت وألم شديدين .
بعد مرور العاصفة بأيام قليلة حزمت الأسرة أمتعها وغادرت الدوار حزينة في رحلة نحو المجهول بحثا عن مكان آمن من الوباء والثلج ، ومن ذكرياتها المريرة .وفرارا من مكان أضحى فيه الموت يحصد أزهارا صغيرة ويطمرها تحث التراب دون هوادة أو رحمة .
التفت "رحو" وراءه فبدا له موكب من سيارات "الكات كات" قادما من بعيد ، فأحسه في حالة شرود وأشعره بالإهانة .تجلت له القرية كإمراة جميلة تشده الى حضنها بقوة كطفل صغير ،ولحظة طفا وجه صغيرته "يطو" كان رائعا وبشوشا .استدار نحو إلى الأمام وأكمل طريقه وهو ينصت الى وقع حوافر الدواب على الأرض الصخرية ،وصداها يتردد بين الفجاج كأغنية حزينة تنهد بقوة وضرب بغلته محثا إياها على السير بسرعة آملا في الوصول إلى "إملشيل قبيل الغروب.
ركاطة حميد خنيفرة - المغرب
خ . ج
- التفاصيل
- كتب بواسطة: فاطمة المزروعي
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6
وجوه أخرى للموت
فاطمة المزروعي
لم تبك.. لم تصرخ.. بل حتى لم يصدر عن وجودها كله أية نأمة يستطيع أحد أن يرصدها،.. لكن نظراتها كانت تغطي المكان.. تسيطر عليه، على تفاصيله، على دواخله أيضاً. هذا ما حدث لها عندما قالوا على مسمعها: ماتت ، لقد ماتت.... ، لم تفهم ، أو أنها لم تتمكن من الاستيعاب ، لكنها خلصت في الأخير إلى أنها أدركت بكيانها مذاقا جديدا، مذاقا مالحا من الفقد والحنين !.
اقتربت من الجسد المسجى أمامها فشعرت ولأول مرة في حياتها بما يعنيه الصمت والبرود في اللقاء بين شخصين .. ثم أنها أيضا ولأول مرة في حياتها لم تسمع صوت الاحتفاء ونغمات الفرحة التي كانت تسمعها دوما عند عودتها من مدرستها ظهر كل يوم، ففسرت ذلك على أنه أحد الأعياد الجديدة المضافة لقائمة الأعياد الرسمية.
اقتربت من الجسد المسجى أمامها فشاهدت العينين مغمضتين، فلطالما كانت تلك العينين تسهر؛ لا تنام، مخففة عنها وطأة كوابيس الليل كما الحياة.
انتهى بها الأمر إلى غرفتها، تجلس تتطلع إلى الجدار بنظرة تضاهي نظرات الجدار إذا كانت له أعين، ومن ثم النهوض بتجميع قصاصات من أوراق مبعثرة في أرجاء غرفتها، رتبتها بتمهل وروية ، ثم أنها ابتسمت بسعادة بالغة بعد أن أنهت ترتيبها .... ترسم أشكالاً مختلفة ومتعددة لهذه الأم المزعومة، وقد تجد خطاً صغيرا في ورقة يدل من خلالها على أمها – كما تقول - وهي تمشي في السوق مثلاً، وبدأ يظهر بجانب تلك الأم رسوما أخرى لجدها ثم جدتها فأبيها ...، وقطة الجيران التي اختفت، وبعض الأنبياء المحببين إلى قلبها، ......... وصار واضحا أن القائمة لا نهاية لها.
" أنت في منتهى الجنون "، .. قالتها شقيقتها بتوتر وعصبية.
لقد ماتت، ماتت أمنا يا شمسه، استيقظي من هذه الهلوسة! ، كيف تعيشين وسط هذا الاجترار غير المفهوم لأيام وأشياء لا يمكن أن تعود ؟ وما هذه الخربشات التي على الورق ، هذا ليس وجه أمنا كما تدعين، وكيف أصلا تحدثك وهي ميتة، أتظهر لك تاركة إياي وحدي؟!!
ألقت شمسة بكلام منهكٍ على مسامع أختها، لكنه كامل كارتداء عروس ملابسها وزينتها يوم عرسها:
- لا لم تمت ، أنت واهية ، لا يمكن أن تموت وتتركني، .. لقد طلبت مني أن أرسم ما أحب وما أتخيل ..... إنني أراها، وتلمس بيديها وجهي، ثم أنها تحكي لي كل ليلة حكايتها المعتادة قبل نومي