مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

كاثوليك خارجون عن القانون

التفاصيل
كتب بواسطة: رحيم العراقي
نشر بتاريخ: 26 مايو 2001
انشأ بتاريخ: 26 مايو 2001
الزيارات: 8

 

مؤلف هذا الكتاب هو الباحث والصحافي الفرنسي جان سيفيليا صاحب الكتب المعروفة والكاتب في عدة جرائد ومجلات فرنسية، وكان قد أصدر سابقاً كتاباً بعنوان: «الإرهاب الثقافي». وقد هاجم فيه المثقفين الفرنسيين الذين يرفضون الرأي الآخر ويفرضون رأيهم على الجميع بنوع من الهيمنة التي تصل الى حد القمع للآخرين.
 
والواقع ان اليسار الثقافي أو حتى اليسار المتطرف كان قد فرض نفسه على الساحة الفرنسية طيلة الخمسين سنة الماضية تقريباً، فالسياسة كانت عموماً لليمين، والثقافة لليسار ولذلك ظهرت مؤخراً عملية رد فعل ضده، وهي عملية مشروعة بشرط ألا تتجاوز الحدود المعقولة في نقد الحداثة والتنوير.
 
وفي هذا الكتاب الجديد يحاول المؤلف ان يدافع عن التيار الكاثوليكي المسيحي الذي حاربته الثورة الفرنسية والجمهورية الوليدة. فهو يقول مثلاً إن الحكومة العلمانية الفرنسية سنت العديد من القوانين المضادة للكاثوليكيين بين عام 1901 ـ 1904، وهي قوانين منعت رجال الدين من ممارسة التعليم في المدارس الفرنسية، كما صادرت أملاك الجمعيات الرهبانية وطردت ما لا يقل عن ثلاثين ألف راهب وراهبة، فاضطروا للذهاب إلى الخارج والعيش في المنفى.
 
وفي أثناء الفترة نفسها أغلقت الحكومة العلمانية الفرنسية أربعة عشر ألف مدرسة دينية كاثوليكية، كما ضاعفت من الاعتداءات على طبقة الاكليروس أو رجال الدين المسيحي. ثم عاقبت الضباط الذين يذهبون الى الكنيسة يوم الأحد لاداء القداس باعتبار انهم رجعيون! وأخرت من ترفيعهم في الرتب العسكرية.
 
ولكن الشيء الذي لا يقوله المؤلف هو ان الكنيسة الكاثوليكية مارست القمع الفكري على الناس طيلة العهد القديم السابق على الثورة الفرنسية وكانت تسيطر على نظام التعليم سيطرة كاملة وتمنع حرية الفكر والضمير وتضطهد أتباع المذهب البروتستانتي وتقتلهم وتشردهم في شتى أنحاء العالم أو تجعلهم يعيشون غرباء وهم في وطنهم. هذا الشيء ينساه الكاتب اليميني أو يتناساه.
 
كما ينسى محاكم التفتيش السيئة الذكر حيث لاحقت الكنيسة الكاثوليكية العلماء والمفكرين بل وحتى الناس العاديين وقتلت منهم الكثير أو حرقتهم حرقاً، ويقدر عددهم بعشرات أو مئات الألوف. كما حرمت تداول كتب الفلاسفة من أمثال ديكارت. وغاليليو، ومالبرانش، وسبينوزا، واعتبرتها مهرطقة، وكفرت العلماء والمثقفين وأطلقت الفتاوى في حقهم وأباحت دماءهم. كل هذا ينساه المؤلف أو يمر عليه مرور الكرام.
 
وبالتالي فلا ينبغي ان نستغرب رد الفعل على الكنيسة الكاثوليكية بعد اندلاع الثورة الفرنسية وانتصار نظام الحداثة الجمهوري. فهذا الشيء كان متوقعاً بعد مرور قرون عديدة على تحكم رجال الدين برقاب الناس وضمائرهم.
 
كل هذا لا يذكره المؤلف إلا بشكل عابر وسريع لكي يكرس جهده كله في نقد أعداء الكنيسة الكاثوليكية، فهو يقول مثلاً إن فرنسا تحتفل هذا العام بمرور مئة سنة على تأسيس النظام العلماني وفصل الكنيسة عن الدولة «1905 ـ 2005»، وهذا صحيح، وهو يستغل هذه المناسبة لتصفية حساباته مع مؤسسي هذا النظام الجديد الذي حل محل النظام الكاثوليكي القديم الذي كان قد سيطر على فرنسا طيلة ثمانية عشر قرناً.
 
فهو يقول مثلاً إن الأحزاب السياسية التي حكمت فرنسا بين عامي 1879 ـ 1914 كانت معادية لرجال الدين، وقد أزاحت الكاثوليكيين عن المراكز الرئيسية للسلطة، وقد فرضت قانون العلمنة فرضاً على الشعب الفرنسي دون أي تفاوض أو استشارة سابقة مع الكنيسة الكاثوليكية التي تشكل أغلبية سكان البلاد.
 
والواقع ان العلمانيين كانوا يريدون القضاء على المسيحية في البلاد، وقد نجحوا في مشروعهم الى حد كبير ولكن المؤلف يعترف بايجابيات قانون العلمنة أو فصل الكنيسة عن الدولة على الرغم من كل ذلك، فقد ترسخ في فرنسا ولم يعد احد يفكر في التراجع عنه، ولكن هذا لا يعني ان المناقشة انتهت أو أغلقت كلياً. فالقيم المسيحية ليست كلها خطأ في نظر المؤلف وقد آن الأوان لإعادة النظر فيها أو تبني بعضها من جديد.
 
الكتاب مؤلف من سبعة فصول مع مقدمة وخاتمة، المقدمة تحمل العنوان التالي: عندما يتسلط سيف السلطة على الكنيسة المسيحية ورجال الدين أما الفصل الأول فيتحدث عن موقف ليون غامبيتا مؤسس النظام الجمهوري الفرنسي من رجال الدين، وغامبيتا (1838 ـ 1882) هو الذي رسخ هذا النظام عام 1870 عندما انتصر على الحزب الكاثوليكي اليميني والرجعي المرتبط بالنظام القديم الذي أطاحت به الثورة الفرنسية.
 
أما الفصل الثاني من الكتاب فيتحدث عن انجازات شخصية أخرى مهمة هي: جول فيري مؤسس المدرسة العلمانية والمجانية في فرنسا في الفترة نفسها. ومعلوم أن جول فيري (1832 ـ 1893) كان رئيساً للوزراء أكثر من مرة، وقد ساهم في محاربة الكنيسة والكهنة والخوارنة والمطارنة.

وفي الفصل الثالث من الكتاب يتحدث المؤلف عن محاربة رئيس الوزراء فالديك روسو للرهبان في تلك الفترة أيضاً. أما الفصل الرابع فيتحدث عن الجهود التي بذلها رئيس الوزراء اميل كومب لمحاربة الاكليروس المسيحي وكيف انه حول هذه المحاربة إلى نوع من الايديولوجيا الرسمية للدولة.
 
أما الفصل الخامس من الكتاب فمكرس لدراسة الدور الذي لعبه أرستيد بريان في الفصل بين الكنيسة والدولة. وفي الفصل السادس يتحدث المؤلف عن دعم البابا بيوس العاشر للكاثوليكيين في محنتهم آنذاك.
 
أما الفصل السابع فيتحدث عن نهاية الصراع بين الكنيسة الكاثوليكية والدولة الجمهورية العلمانية، وكيف توصلتا إلى تسوية مقبولة من الطرفين. أما الخاتمة فيكرسها المؤلف للموضوع التالي: ضرورة مراجعة العلمانية لكي نفهمها بشكل جديد: أي بشكل غير معاد للدين وإنما متصالح معه.
 
وهنا يقول المؤلف ما معناه: ما بين عام 1905 و2005 مرت مئة سنة شهدت فيها فرنسا انقلاباً فكرياً واجتماعياً وسياسياً منقطع النظير. فقبل مئة سنة كانت فرنسا لا تزال مسيحية كاثوليكية في معظمها، وكانت الكنيسة تمارس عليها تأثيراً كبيراً، بل وحتى عام 1943 عندما ألف سارتر كتابه الشهير «الوجود والعدم» صرخ يقول: نحن جميعاً كاثوليك! ولم يكن يقصد بذلك انه يؤمن بالمسيحية على طريقة المذهب الكاثوليكي. فهذا آخر ما يمكن أن يخطر على بال سارتر وإنما كان يقصد بأن الثقافة الكاثوليكية تطبع فرنسا بطابعها.
 
ولكن لو عاش حتى الآن ماذا كان سيقول؟ هل كان سيؤكد على الحقيقة نفسها؟ هذا أمر مشكوك فيه فرنسا شهدت بعد عام 1965 انحساراً كبيراً للكنيسة المسيحية وتأثيرها لا ريب في أن غير المؤمنين بالمسيحية كان عددهم كبيراً حتى عام 1960. ولكن مجمل السكان كانوا يعيشون في ظل مجتمع مسيحي.
 
أما اليوم فقد اختلف الوضع تماماً فالذين يمارسون الطقوس والشعائر أو يحضرون قداس يوم الأحد كانت نسبتهم 37% عام 1948، و25% عام 1968، و13% عام 1988 أما اليوم فلم تعد نسبتهم أكثر من 8%!.. وهذا يعني أنه لم يعد أحد يذهب إلى الكنيسة اللهم إلا المحافظون والعجائز.
 
وأما رجال الدين فكان عددهم 13 ألفاً وخمسمئة عام 2004، و42 ألفاً عام 1960وهذا يعني أنهم تناقصوا بنسبة الثلث خلال أربعين سنة، وفي عام 2014 لن يكون هناك في فرنسا أكثر من 4 آلاف وخمسمئة خوري أو رجل دين، وبالتالي فالدين سوف ينقرض تماماً في بلاد فولتير إذا ما استمرت الحالة على هذا النحو.
 
ثم يردف المؤلف قائلاً: وبحسب أحد استطلاعات الرأي العام الأوروبي فإن 90% من الايرلنديين يقولون بأنهم يؤمنون بالله، و87% من الايطاليين، و86% من البرتغاليين، و77% من النمساويين، و68% من الاسبانيين، و54% من البلجيكيين، و53 % من الألمان، و52% من الانجليز.. ولكن فقط 47% من الفرنسيين يقولون بأنهم يؤمنون بالله و45% من الهولنديين.
 
وهذا يعني أن العامل الروحي لا يجيّش الجماهير في فرنسا وإنما فقط حياة الاستهلاك والمتع المادية والجنسية هي التي تعنيها وتحركها ينبغي العلم أن البرامج المكرسة للدين على التلفزيون لا تتجاوز1% من مجمل البرامج الأخرى المكرسة للسياسة واللهو والمنوعات وبقية المواضيع.
 
ونلاحظ ان الايمان كقيمة عليا بحد ذاتها لم يعد له أي وجود بالنسبة للشبيبة الفرنسية. ونلاحظ ايضاً أن مسؤولي البرامج التلفزيونية لا يدعون المثقفين الكاثوليك إلى المشاركة في البرامج، وإذا ما دعوهم فإنهم يهاجمونهم أو يتخذونهم ككبش فداء. وعندما تعلن احدى القنوات أنها ستتحدث عن الدين فإن ذلك يعني أنها تريد مهاجمة الدين واللاهوت المسيحيين بتهمة الرجعية. ولا تسمح للمثقفين الكاثوليك بالرد على هذا الهجوم.
 
وهناك برامج ساخرة عديدة لا تتردد عن الاستهزاء بالبابا والعقائد المسيحية على هواها. ولكنها لا تتجرأ على أن تفعل الشيء نفسه مع الأديان الأخرى كالإسلام واليهودية مثلاً..
 
وأصبح الجهل بالثقافة المسيحية عاماً شاملاً في فرنسا. فطالب الثانوية يمكن ان ينال البكالوريا دون أن يعرف شيئاً عن الإنجيل أو عن يسوع المسيح أو عن دين آبائه وأجداده.
 

 


 

تفسير الأحلام وتفسير الواقع : هيكل والشعراوي : ماالفرق

التفاصيل
كتب بواسطة: محمود الزهيري
نشر بتاريخ: 25 مايو 2001
انشأ بتاريخ: 25 مايو 2001
الزيارات: 7

تفسير الأحلام وتفسير الواقع : هيكل والشعراوي : ماالفرق ؟

محمود الزهيري

 تفسير الأحلام وتفسير الواقع : هيكل والشعراوي : ماالفرق ؟
الشيخ والسياسي , الخطيب والصحافي , المفسر والمحلل , كل له منطقته وأسلوبه الذي يمتاز به في الأداء التليفزيوني , وفي البراعة السردية , وقراءة الماضي وتفسير التاريخ ,وإستحضار شخوصه المؤثرة , وصناعة التاريخ حرفة لدي البعض وهواية لدي آخرين والمهم هو فيمن يعطي الفرصة في إستجلاب المواد الخام والمون المطلوبة لهذه الصناعة , وفي ظني أن قراءة التاريخ والربط بين أحداثه لإستخلاص العبر والعظات التاريخية لابد لها من محلل لديه جميع الروابط السياسية / الإجتماعية , العسكرية / الإقتصادية , وربط العديد من الروابط بعضها ببعض , وأعتقد أن الشعراوي ومحمد حسنين هيكل قد أجادا في ذلك وأحسنا في أداء كل منهما في دوره حسب المجال الذي يلعب فيه والمنطقة التي يتحرك منها , والأدوات التي يستخدمها , وأعتقد أن الشيخ الشعراوي ومحمد حسنين هيكل قد إشتركا في حالة من حالات إذكاء وإشعال التاريخ وجعله عبارة عن مجموعة من الأحداث التي نتمني أن نعيش في مرحلة من المراحل التاريخية ونكره العيش في مراحل أخري , وفي تعرضهما للتاريخ ودراستهم له كأنهما يقومان بمهمة إبن سيرين مفسر الأحلام الذي هوس الناس علي مدار التاريخ والأزمان بتفسيراته للأحلام واللعب علي مشاعر الناس المكبوتة التي هي في الغالب نتاج صراعات سياسية / إجتماعية لتحقيق الغلبة الإقتصادية, أدت لظهور حالات فساد متتالية من حكام فاسدين إستبدوا بالحكم والسلطة , وسلبوا ونهبوا الشعوب , وبددوا خيرات الأوطان من أجل مصالحهم الشخصية ومصالح أهل الثقة المقربين منهم , وإستبعاد أهل الخبره لأنهم هم الصداع في رأس سلطة الفساد علي مر العصور والأزمان , وكان لتفسيرات الشعراوي و محمد حسنيين هيكل ماكان لإبن سيرين مفسر الأحلام التي هي كانت تاريخ ولو منذ فترة قصيرة , دون التعرض للواقع المعاش بكل همومه وآلامه وأحزانه , بكل تعسف في إستخدام السلطة والميل بها لمصلحة الحكام والطبقات المترفة المقربة من مؤسسات صنع القرار , ودون التعرض لكافة الإشكاليات التي تقف حجر عثرة أمام نهوض الشعوب والأمم المستعبدة من الداخل علي أيدي حكامها الذين هم جلادوهم وساجنوهم وهاتكي أعراضهم للوصول بهم بحالة من حالات التركيع والخضوع والخنوع والمذلة للسكوت عن سرقاتهم للشعوب والأوطان وتبديد مقدرات وثروات الشعوب والأوطان , ومن ثم يتأتي الإستعباد من الخارج علي أيدي دول فتية قوية عرفت طريق القوة والحضارة والعلم والثقافة والنهضة فسارت في هذا الطريق بإرادة الحكام التي هي في الأصل خاضعة لإرادة الشعوب وجماهير الشعب , لأن إرادة الحاكم غير منفصلة عن إرادة الشعب , والشعب هو الذي يأتي بالحاكم وهو الذي ينحيه ويعزله وفي القاموس السياسي يسقطه ويسقط حكومته .
فالشيخ الشعراوي كان يستجلب النصوص المقدسة من بين دفات الكتب ويستعرضها علي جمهوره ومحبيه ويمنيهم بالبطولات والزعامات الدينية في أحلك المواقف التاريخية , وتظهر البطولة ويبرز البطل الملتصق بالموقف , والموقف صنيعة البطل , والكل يتمني أن يكون البطل , وفي المواقف التاريخية التي تبرز فيها دور المعصية والخسة والندالة الكل يتمتم ويتصعب علي الأمر ويلعن صاحب الموقف الخسيس وتتم حالات التمتمة والتبسم الممسوح بمسحة التألم والحزن , وينتهي الشعراوي من درسه وينتهي الناس من السماع ويعودوا لعجلة الحياة بما فيها من مشاكل ومحازن , وهموم وأتراح إلي أن يأتي الدرس القادم الذي لم يتم تفعيل درسه الأول في الحياة الذي يصطدم به في الحياة وتنتصر مشاكل الحياة علي النموذج التاريخي والديني لوجود خلل في المنظومة الإجتماعية / الإقتصادية / السياسية .
وهكذا الأستاذ محمد حسنيين هيكل مثله في ذلك مثل الشعراوي لايختلفان في شئ سوي أن الشعراوي يستجلب من التاريخ النماذج الدينية ذات البطولات الدينية والبعد الروحي الملتصق بأمور العبادة والطاعة والحساب والعقاب والجنة والنار , فهو يستطرد ويسترسل في حكاوي التاريخ الذي يغمسه في الجغرافيا لإضفاء الحبكة التاريخية علي الأحداث التاريخية التي تشد إنتباه المستمع أو القارئ وحالياً في قناة الجزيرة الفضائية المشاهد , وكأنه يفسر أحلام بمفهموم إبن سيرين , دون التعرض لتفسير الواقع المؤلم الحزين , الواقع السئ الذي يعيشه المواطن ويتنفسه بين ضلوعه ألماً وحزناً وكمداُ ونكداً وقهراً وفساداً وإستبداداً وسرقةً وسلباً ونهباً وخيانةً وعاراً ومذلةً وهواناً من واقع الأمة العربية الذي أصبح غير واقع فالأمة العربية تخرج من التاريخ خروجاً مزرياً مهيناً علي أيدي فساد الحكام وركوعهم للأجنبي , ويريدون تركيع شعوبهم معهم حينما يأمرونهم بالركوع , فالأمة العربية لن تعود للتاريخ قبل فترة زمنية طويلة مرهونة بتخليص الشعوب من الحكام الخونة العملاء سارقي الأوطان وبائعي شرف الشعوب والمتاجرين بكرامة الأمم , فهذا هو الرهان فقط الذي من خلاله يمكن للعرب أن يبدأوا في دخول التاريخ من خلال أول الخطوات بتخليصهم من حكامهم .
فبماذا يختلف هيكل عن الشعراوي ؟
فالشعراوي قال لمبارك : إن كنت قدرنا أعاننا الله عليك , وإن كنا قدرك أعانك الله علينا .جملة قيلت في لقاء جمع بين الشعراوي ومبارك في جمع وجمهرة من علماء الدين ورجال المؤسسة الدينية الرسمية , فماذا كانت تعني هذه الجملة سوي التسليم بالأمر الواقع والإنقياد له دون مواجهة بأخطاء , أو طلب تصحيح لأوضاع خاطئة , أونقد بناء , أو طلب تصحيح مسار خاطئ , أو المطالبة بجملة من المطالب التي تساعد في رفع يد الظلم ومحاربة الفساد علي جميع جبهاته أو حتي مطالبة مبارك بترك الحكم والسلطة والبدء في حياة ديمقراطية سليمة ينعم فيها المواطن ويستقل من خلالها الوطن . فهل قال الشعراوي ذلك ؟
االشعراوي مات , وبقيت كلماته حية نرددها حتي الآن ونرفض مقولته هذه بل وفي أحيان نمقتها ومن حقنا أن نمقتها لأن الشعراوي لم يعاني مما عاني منه الشعب والجماهير المطحونة , فهو لم يستقل أوتوبيس عام ولم يقف أمام مخبز بلدي , ولم يشتري القماش الكستور أو الزفير , ولم يلعن الفقر بسبب عدم مقدرته علي شراء زجاجة زيت أو كيلو سكر وباكو شاي وعلبة دخان معسل أو سجائر لف أو غيرها من السلع .
وكذلك هيكل أخذ يفسر الأحلام التاريخية والكوابيس التاريخية وفي إنتظاره لنا أن نتعلم العبرة والعظة من التاريخ وللأسف لم نتعلم نحن ولم يتعلم الأستاذ هيكل لأنه مازال مصراً علي تفسير الأحلام وتفسير الكوابيس معها دون رغبة منه في تفسير الواقع وتحليله وإعطائنا الخريطة التي يتوجب علينا السير بها في الخروج من الكهف المظلم الذي أدخلنا فيه القرار السياسي الفاسد الملازم للقرار الإقتصادي اللص السارق لآمال وأحلام شعب مطحون ومعجون في الفقر والمرض والذل والمهانة والعار علي مستوي الأفراد وعلي المستوي الوطني , ومصيبة فلسطين ولبنان ومن قبلهما العراق شاخصة بأبصارها لنا قائلة المصيبة هاهنا في فلسطين ولبنان والعراق مستنجدة بالعروبة والمسيحية والإسلام قائلة أنا مصيبة عربية من دم عربي ومن لحم عربي ومن إحساس وشعور عربيين أرجوكم خلصوني من المزلة والعار والهوان وإلا سيلتصق بكم قبلي , ونحن نرفض ونأبي إلا الإصرار علي المذلة والعار والهوان والفضيحة في صورة حكام خذلوا العروبة وأهانوا الشعوب . وهيكل كالشعراوي أيضاً لم يركب أوتوبيس عام ولم يقف أمام مخبز بلدي ولم يلعن الفقر بسبب علبة سجائر لأن بمقدرته أن يشتري علب السيجار الكوبي الهافاني الرائع المصنوع علي أفخاذ الحسناوات العذاري من الكوبيات من أقارب صديقه فيدل كاسترو المناضل الثوري. فهل سيصر هيكل علي تفسير الأحلام والكوابيس ويتجاهل ويتناسي عن عمد تفسير الواقع شأنه في ذلك شأن الشعراوي ؟؟!! أقول له إن الشعراوي قد مات !

مدخل إلى نظرية الرواية

التفاصيل
كتب بواسطة: د. جميل حمداوي
نشر بتاريخ: 24 مايو 2001
انشأ بتاريخ: 24 مايو 2001
الزيارات: 23

 مدخل إلى نظرية الرواية

 

 

الدكتور جميل حمداوي
أ‌- مفهوم الرواية:

تعد الرواية من أهم الأجناس الأدبية التي حاولت تصوير الذات والواقع  وتشخيص ذاتها  إما بطريقة مباشرة وإما بطريقة غير مباشرة  قائمة على التماثل والانعكاس غير الآلي. كما أنها استوعبت جميع الخطابات واللغات والأساليب والمنظورات والأنواع والأجناس الأدبية والفنية الصغرى والكبرى إلى أن  صارت الرواية جنسا أدبيا منفتحا وغير مكتمل قابلا لاستيعاب كل المواضيع و الأشكال والأبنية الجمالية.

ب‌- نشأة الرواية:

كانت الرواية في أوربا جنسا أدبيا مغمورا ومهمشا وخطابا سرديا منحطا لاقيمة له يقبل عليه الشباب من أجل الاستمتاع والترفية بعيدا عن حياة الجد والصرامة التي كانت تفرضها الأسر الغربية على أولادها؛ حيث كانت تحذرهم من قراءة الروايات، ناهيك عن موقف الكنيسة المعروف من كل ماهو مدنس وسفلي. لأن الرواية ارتبطت باللهو والمجون والغرام والتسلية والفكاهة بالمقارنة مع الأجناس الأدبية السامية والنبيلة كالشعر والملحمة والدراما. و قد ساد هذا التصور السلبي إلى غاية القرن الثامن عشر. ولكن  الرواية ستنتعش في القرن التاسع عشر، وستصبح  مع بلزاك وزولا وفلوبير وتولوستوي ودويستفسكي الشكل الأدبي الوحيد القادر على استكناه الذات والواقع واستقراء المجتمع والتاريخ بصدق موضوعي موثق وتخييل فني يوهم بالواقع. وعدت الرواية عند منظريها ملحمة بورجوازية وأداة للصراع الاجتماعي ضد قوى الإقطاع والاستغلال والقهر ، وسلاحا شعبيا خطيرا لمناهضة الظلم والاستبداد وإدانة الواقع المتردي، و تسفيه قيمه المنحطة والتغني بالقيم الأصيلة ، ونشدان واقع إنساني مثالي أفضل تعم فيه السعادة والعدالة والفضيلة والحرية والحب، حيث يعيش فيه الجميع  بسلام وأمان. أما عصرنا الحديث، فقد أصبح عصر الرواية بامتياز؛ لأن الرواية كانت وما تزال الجنس الأدبي الأكثر انفتاحا على التقاط مشاكل الذات والواقع ، والقادرة على استيعاب جميع الأجناس و الأنواع والخطابات الأخرى،  كما أنها الجنس الأدبي المهيمن والمفضل لدى الكثير من القراء والمثقفين بالمقارنة مع الشعر والمسرح.

 

 
ج- نظريات الرواية:

1- هيجــــــل:

يعد الفيلسوف الألماني هيجل  أول من قدم نظرية للرواية في الغرب من خلال رؤية فلسفية جمالية مثالية مطلقة . ويذهب هيجل إلى وجود قرابة كبيرة بين الرواية والملحمة ، إلا أن الفن الملحمي باعتباره شعرا لقد ازدهر إبان الفترة اليونانية، ومن ثم يعبر عن تلاحم الذات والموضوع في إطار انسجام متكامل ومتناغم يعبر عن شعرية القلب. أما الفن الثاني، فهو الفن الروائي  الذي يتخذ السرد النثري وسيلة للتعبير عن انفصال الذات والواقع، أو تشخيص الهوة التراجيدية  الموجودة بين الأنا والعالم. وبالتالي، فهو يؤكد نثرية العلاقات الإنسانية في المجتمع الحديث، ويجسد السقوط والقطيعة الموجودة بين الإنسان والواقع و تشخيص الوحدة المفقودة  بين الذات والموضوع، ونشدان التكامل المأمول بينهما، والسعادة الكلية المطلقة المعهودة في الملحمة اليونانية . وقد أقر هيجل بأن الرواية ملحمة بورجوازية أو ملحمة عالم بدون آلهة أفرزتها تناقضات المجتمع الرأسمالي. ويبدو من خلال ما كتبه هيجل أنه يفضل الملحمة على الرواية، والشعر على النثر، والقلب على الواقع.

2- جورج لوكاش:

لقد انطلق  الباحث المجري جورج لوكاش من تصورات أستاذه هيجل، ولكن ليس من منطلق مثالي،  بل اعتمد في تصوراته على المادية الجدلية الماركسية في فهم المجتمع الرأسمالي وتفسير تناقضاته . ولقد ألح على غرار هيجل على القرابة الموجودة بين الملحمة والرواية، واعتبر الرواية ملحمة بورجوازية تراجيدية يتصارع فيها البطل مع الواقع بأشكال مختلفة  نتج عنها مايسمى بالبطل الإشكالي الذي يتردد بين الذات والواقع من أجل تثبيت القيم الأصيلة التي يؤمن به.
بيد أن البديل  الذي يقترحه لوكاش موجود في روايات تولستوي الروسي الذي قدم بطلا إيجابيا ملحميا على غرار الملحمة اليونانية؛ إذ كان "تولوستوي - حسب لوكاش- هو المؤهل لخلق هذا الشكل من الرواية. مانحا إياه أعظم سورة لتجاوز ذاته نحو الملحمة. إن فن تولستوي عظيم، وملحمي بصورة واقعية، بعيد جدا عن الجنس الروائي، وهو يسعى ، بوصفه كذلك، نحو تمثيل حياة مؤسسة على تشارك المشاعر بين البشر البسطاء المرتبطين ارتباطا حميما بالطبيعة، هذا التشارك الذي يتلاءم مع إيقاع الطبيعة الكبير، ويتحرك وفقا لحركتها المضبوطة بالولادة والموت، والذي يقصي كل ما يكون في الأشكال الغريبة عن الطبيعة، من صغار، وانفصال، وتفسخ، وتصلب."1
ومن المعلوم، أن لوكاش يرجع بدايات الرواية إلى ظهور المجتمع الرأسمالي من خلال شواهد نصية عاصرت تلك الفترة ( ظهور رواية دون كيشوت لسيريفانتيس، وروايات الكاتب الفرنسي الساخر رابليRABELAIS). وقد أثبت أن الروائيين قد ناضلوا نضالا مريرا ضد استعباد الإنسان في القرون الوسطى، وتمثل الروحية الفردية لهم المثل الأعلى. وقد خاضوا صراعين: الأول ضد عبودية الإنسان في المجتمع الإقطاعي. والثاني ضد تدهور الإنسان في المجتمع الجديد. أما الأسلوب، فقد اتسم بالفانتازيا الواقعية ، واحتفظت الرواية بالحقيقة الاجتماعية.
ويبدو لنا من خلال الطرح اللوكاشي، أن الرواية الغربية  كان أصلها بورجوازيا ساميا ، ويعني هذا أن  الطبقة البورجوازية هي التي اتخذت الرواية أداة تعبيرية في صراعها مع الطبقات المناوئة ولاسيما طبقة الإقطاع ورجال الكنيسة والطبقة البروليتاريا.  ومن ثم، فالرواية كانت تتغنى بالتاريخ، وتمجد مجموعة من القيم كالحرية والملكية الخاصة والبطولة الفردية.
هذا ، وقد أثبت لوكاش  جدلية الرواية عندما اعتبرها شكلا توفيقيا يجمع بين خصائص الملحمة والتراجيديا.أي إذا كانت الملحمة تعبر عن الوحدة الكلية بين الذات والموضوع أو بين الأنا والعالم ، والتراجيديا تعبر عن القطيعة بين الذات والموضوع، فإن الرواية تتميز بطابع الوحدة والقطيعة لأنها تجمع بين ماهو ملحمي وماهو تراجيدي، ومن ثم، تصبح الرواية  شكلا ذا طابع جدلي قائم على الصراع والتغير والدينامية والنفي والتجاوز.
إن اهتمامات لوكاش بالأخلاق وأحلامه  بالمطلق والشمولية والانسجام بين الأخلاق وعلم الجمال، ساعد على خلق عالم خيالي مثالي وطوباوي عندما فضل الملحمة  عن باقي الأجناس الأدبية الأخرى ؛لأنه كان يعتقد أن الملحمة اليونانية إنما كانت تترجم الوحدة بين الذات والموضوع واكتمال اللحمة بينهما في عالم منسجم يخلو من الصراع الواقعي النثري ، ناهيك عن عدم ظهور الآفاق التي يمكن للوكاش أن يحقق فيها مختلف مفهوماته للمطلق مع رفضه لقيم العالم البورجوازي المتدهورة.2
 ويرى الباحث الجزائري محمد ساري أن" الرفض الرأسمالي للرأسمالية والبعد الصوفي الديني الذي اكتشفه لوكاش في مؤلفات دويستفسكي ساعدته على إصباغ المرحلة الهوميرية بالعصر الذهبي... من ثم اكتشف الانسجام الكلي بين الفرد والمجتمع في الملحمة"3.
و في إطار مقاربة تاريخية جدلية ، حصر لوكاش في كتابه( نظرية الرواية) ثلاثة أنماط روائية حسب بطلها الإشكالي الذي يتردد بين الذات والواقع، وهي:
أولا- رواية المثالية المجردة: بطلها مثالي ساذج، حيث يبدو فيها الواقع أكبر من الذات، ويمثلها سيرفانتيس في روايته(دونكيشوت)؛
ثانيا- الرواية السيكولوجية أو رومانسية الأوهام: بطلها رومانسي ينطوي على ذاته، ويتجاوز الواقع المتردي. وبالتالي، فالذات تبدو أكبر من الواقع على مستوى المعرفة والمعايشة، وخير من يمثل هذه المرحلة الروائية فلوبير في روايته (التربية العاطفية)؛
ثالثا- الرواية التعليمية أو الرواية التربوية: بطلها متصالح مع الواقع ومتكيف مع الموضوع، وهنا الذات تساوي الواقع ، وتمثلها رواية : سنوات تعلم فلهلم مايستر" لجوته.4

3- لوسيان گولدمان:

تعتبر الرواية عند لوسيان گولدمان عبارة عن " قصة بحث عن قيم أصيلة في عالم منحط يقوم به فرد منحط"5. والقيم الأصيلة هنا لم تعد تلك الكلمة الخلقية العامة، وإنما أصبحت عند گولدمان قيم الاستعمال التي تحترم الشيء لذاته، في مقابل القيم المنحطة ، أي قيم التبادل التي لا تقدر الشيء إلا بما يساويه من مال. وهذه القيم هي التي يقوم عليها المجتمع الرأسمالي حيث قانون السوق والعرض والطلب. ففي هذه القيم الأخيرة يقوم المال بالدور الرئيسي الوسيط بين الإنسان والسلع، بل بين الإنسان ونفسه مما يؤدي إلى الاغتراب والتشيؤ والاستلاب.
وينطلق لوسيان گولدمان في دراسته السوسيولوجية للرواية من تصور بنيوي تكويني في مقاربة الرواية الغربية التي أفرزتها البورجوازية الأوربية، مستفيدا من تصورات هيجل وماركس ولوكاش وفرويد وجان بياجيه. وقد  حاول دراسة مسيرة هذه الرواية فهما وتفسيرا من خلال مفاهيم  أساسية، وهي:التشيؤ والبطل الإشكالي  والتماثل والبنية الدالة والرؤية للعالم  ونمط الوعي. فاستخلص بأن الرواية البيوغرافية في القرن التاسع عشر كانت تعبيرا عن الرأسمالية الفردية. أما في بداية القرن العشرين، فقد كانت الرواية المنولوجية أو رواية تيار الوعي تجسيدا لرأسمالية الشركات. أما الرواية الجديدة مع نتالي ساروت وكلود سيمون وآلان روب گرييه وجان ريكاردو وميشيل بوتور... فكانت تعبيرا عن المجتمع التقني الآلي.6

4- ميخائيل باختين:

إذا كانت الرواية ملحمة بورجوازية، و النوع الأدبي النموذجي الذي يعبر عن نثرية المجتمع البورجوازي الفردي كما يرى كل من هيجل ولوكاش وكولدمان ، فإن الرواية عند ميخائيل باختين الروسي أدب شعبي و جنس سفلي ومتخلل( genre intercalaire)  نابع من الأجناس الأدبية الدنيا. وهي  كذلك تعبيبر عن الأوساط الشعبية والفئات البروليتارية الكادحة . ويرى في الوقت نفسه أن الرواية هي " التنوع الاجتماعي للغات، وأحيانا للغات والأصوات الفردية، تنوعا منظما أدبيا، أي إن الرواية تستند إلى تعدد الملفوظات الحوارية والتناصية".7 يعني هذا أن باختين يفضل الرواية على الملحمة لطابعها التعددي اللفظي والاجتماعي( البوليفوني) الذي يتمظهر في تعدد أساليبها ولغاتها ولهجاتها وخطاباتها ومنظوراتها، بينما الملحمة تستند إلى منولوجية رتيبة لوجود أحادية الإيقاع والأسلوب والتخاطب.

4- مارت روبير:

 إذا كان  هيجل ولوكاش وگولدمان ينطلقون من الأصول الاجتماعية في تحديد الرواية، فإن مارت روبيرMARTHE ROBERT8  تنطلق من أصول نفسية وجودية( أنطولوجية)، وذلك بالاستفادة من التحليل السيكولوجي الفرويدي  حول الدين والفن. وقد أرجعت مارت روبير الرواية إلى أصول الإنسان الطفولية والحلمية ، ورغباته الدفينة المكبوتة وصراعاته الأوديبية التي تترجم ثنائية الجريمة والعقاب التي تلف حولها  الكثير من الروايات. كما تعبر عن حنين الإنسان إلى عالم الطفولة حيث التوازن والانسجام والوحدة الكلية المتناغمة بيد الذات والموضوع.. أي إن الرواية حسب مارت روبير تعبير عن حياة الكاتب الشخصية أو الحياة الأسرية، وبحث عن الزمن المفقود والحياة السعيدة الضائعة.  لأن كل روائي يعكس سيرته الذاتية وتاريخه الشخصي، وطفولته المثالية، وفضاءه الأسري الذي يعيش فيه.
 هذا ، وتؤسس" مارت روبير- حسب الناقد الروائي فيصل دراج- نظريتها ، في الرواية، على "الرواية الأسرية"، موحدة بين عقدة أوديب وولادة الرواية، إذ الجسد محور العالم، وإذ الانتهاكات كلها تتم باسم الجسد. و ما الكتابة الروائية إلا تصعيد للرغبات وصد لعنف الغرائز العدوانية، كما لو كان الإنسان يكتب رواية الجريمة كي يعصم نفسه عن اقترافها. رواية قديمة مكتوبة قبل كتابتها، ترمي عليها التحولات الاجتماعية- التاريخية بأقنعة متغايرة ... فالرواية  أثر مرضي من آثار طفولة قديمة، لاتنحرف عن البديهة إلا قليلا، لأن كل طفل، صاغ في صمت حلمه، رواية لم تهجره أبدا. يصوغ كل إنسان، وعلى نحو شعوري في طفولته، رواية، وينساها أو يكبتها، حين يفرض وعيه عليه أن يلقي بها في ثنايا النسيان، كي يعود إليها، لاحقا، إن عثر على شروط تعيد كتابة ما بدا، يوما، منسيا وغارقا في النسيان."9
إذاً، فالرواية تعبير عن حنين طفولي منسي، وتجسيد للمنازع الذاتية النفسية في صراعها الوجودي والنفسي الشعوري واللاشعوري، وعلاج لكل خلل داخلي يتسم باللاتوازن، قد يعاني منه الإنسان الكاتب أوالمبدع.

خاتمة:

وعلى الرغم من المحاولات الجادة لتقعيد الرواية، وتحديد خصائصها البنيوية والوظيفية وتجنيسها، إلا أن الباحثين" لم يتوصلوا إلى تحديد أي سمة ثابتة ومستقرة للرواية، دون إبداء تحفظات تقضي على هذه السمة بالإعدام".10 فالرواية إذاً جنس أدبي مفتوح، وهي بالتالي" النوع الأدبي الوحيد الذي لايزال في طور التكوين، والنوع الوحيد الذي لم يكتمل بعد.. "11
وهكذا نصل إلى أن الرواية جنس أدبي منفتح وغير مكتمل، تتخلله عدة أجناس أدبية كبرى وصغرى. وتتسم كذلك بالطابع الدينامي والتشعب والتوسيع الخيالي والتعدد اللغوي والصوتي والأسلوبي، بالإضافة إلى كونها مرآة لتشخيص الذات و الواقع و طرائق انكتابها وصياغتها. كما أن الرواية صراع جدلي بين الذات والموضوع، وتعبير عن اغتراب الإنسان في مجتمع منحط يفتقد القيم الأصيلة والمبادئ الكيفية. فهي في الأخير تصوير لنثرية المجتمع المعاصر الذي تنخره الماديات وتنهشه الغرائز الكمية.

     الهوامش:

1- جورج لوكاش: نظرية الرواية، ترجمة: الحسين سحبان، منشورات التل، ، الرباط ، المغرب، ط1 ، 1988،ص:141-142؛
2 - محمد ساري: البحث عن النقد الأدبي الجديد، دار الحداثة، بيروت ، لبنان، ط1 ، 1984، ص: 20؛
3- محمد ساري: المرجع السابق، ص: 17؛
4 - جورج لوكاش: نظرية الرواية، ترجمة: الحسين سحبان. منشورات التل، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1، 1988؛
5 - سيد البحراوي: علم اجتماع الأدب، الشركة المصرية العالمية للنشر، القاهرة، مصر، ط1 ، 1992، ص: 26؛
6 - لوسيان گولدمان وآخرون: الرواية والواقع، ترجمة: رشيد بنحدو، عيون المقالات، الدار البيضاء، المغرب، ط1 ، 1988، صص:36-61؛
7 - ميخائيل باختين: الخطاب الروائي، ترجمة : محمد برادة، دار الأمان، الرباط، ط2 ، 1987، ص:11؛
8 - مارت روبير: رواية الأصول و أصول الرواية، ترجمة: وجيه أسعد،منشورات اتحاد كتاب العرب ، سوريا، ط1 ، 1987
9 - د.فيصل دراج: نظرية الرواية والرواية العربية، المركز الثقافي الغربي، الدار البيضاء، المغرب،ط 1، 1999،صص:96.
10 - ميخائيل باختين: الملحمة والرواية، ترجمة جمال شحيد، دار الإنماء العربي، ط 1982، ص:26؛
11 - ميخائيل باختين: نفس المرجع السابق، ص: 19؛

 

كتاب الأصولية..

التفاصيل
كتب بواسطة: رحيم العراقي
نشر بتاريخ: 18 مايو 2001
انشأ بتاريخ: 18 مايو 2001
الزيارات: 10

مؤلفة هذا الكتاب أو بالأحرى المشرفة عليه هي الباحثة الانكليزية بريندا ي. براشير المختصة بالعلوم الدينية والحركات الأصولية المعاصرة. وهي هنا تقدم موسوعة كاملة عن هذه الحركات التي ازدهرت مؤخرا في مختلف مناطق العالم: من الولايات المتحدة، إلى أوروبا، إلى العالم العربي والإسلامي، إلى العالم الهندوسي، الخ.
وهي تركز على عدة موضوعات منها: الموقف السلبي جدا للأصوليين من المرأة، معاداة الأصوليين المتزمتين للعالم الحديث وقيمه العقلانية الليبرالية المتسامحة، ميلهم إلى العنف لفرض أفكارهم على الناس بالقوة لا بالحجة والإقناع، إشعالهم للحروب الأهلية وكذلك حرب الحضارات بين الشرق والغرب، الخ.
وهي تقول منذ البداية ما معناه: كلمة أصولية انتشرت في الولايات المتحدة منذ أواخر القرن التاسع عشر للدلالة على ذلك التيار المتزمت الذي يرفض التطور ويريد أن يعود بالمجتمع إلى الوراء.
وهم ـ أي الأصوليون ـ يطبقون التفسير الحرفي على التوارة والإنجيل. فكل ما ورد فيهما عن خلق العالم والظواهر الطبيعية والمضامين الجغرافية والتاريخية يأخذونه على حرفيته ويرفضون التفسير المجازي له، أي يرفضون أن يأخذوه على سبيل التصوير الرمزي والمجاز.
وبالتالي فحتى لو تعارضت المعلومات الواردة في الكتاب المقدس مع حقائق علم الفيزياء والرياضيات والأحياء الحديث فإنهم يفضلون اتباع الكتاب المقدس وليس العلم وبراهينه اليقينية. أما التيار الليبرالي في المسيحية فيأخذ هذه المعلومات على سبيل الرمز والمجاز ويتحاشى بذلك صدامها مع اكتشافات العلم الحديث.
ثم تردف المؤلفة قائلة:
يضاف إلى ذلك أن الأصوليين الأميركان يرفضون نظرية التطور لداروين ويحاولون منع تدريسها في المدارس وبخاصة في الولايات الجنوبية لأميركا حيث تبلغ شعبيتهم ذروتها. فهذه النظرية التي اكتشفها داروين في القرن التاسع عشر تتعارض مع ما ورد في التوراة عن خلق الإنسان والعالم الطبيعي بشكل عام وبالتالي فهي خاطئة كليا وينبغي تحريمها بحسب وجهة نظرهم.
وقد حصلت مصادمات بين الدولة وهؤلاء الأصوليين بسبب هذه المسألة. ولا تزال المشكلة مطروحة حتى الآن وتلهب العواطف وتقسم الناس إلى قسمين متصارعين.
يضاف إلى ذلك أن الأصولي يحمد الله يوميا على أنه لم يخلقه امرأة! وهو بذلك يحمل صورة سلبية عن المرأة بصفتها كائنا أدنى مرتبة من الرجل. ولذلك فإن الأصوليين يراقبون المرأة كثيرا ويشتبهون بها ويحاولون منعها من ممارسة بعض الوظائف والأعمال. كما ويتصدون لها فيما يخص مسألة الإجهاض.
وكثيرا ما يهجمون على العيادات الطبية التي تمارس عمليات الإجهاض لكي يحطموها أو يدمروها تدميرا. وبشكل عام فإن الأصوليين الأميركان يريدون العودة بالمرأة الأميركية إلى الوراء، أي إلى الحياة التقليدية التي كانت سائدة في الولايات المتحدة قبل الستينات من القرن العشرين. ومعلوم أنه حصلت ثورة جنسية تحررية في أميركا عندئذ، وعمت هذه الثورة بلدان أوروبا أيضا.
وأصبحت العلاقات بين الجنسين مختلفة كليا عما كانت عليه في السابق. وظهرت حركات تحرر المرأة التي قضت على هيمنة الرجل عليها. والأصوليون يكفّرون خصومهم السياسيين عادة ويعتبرونهم رجسا من عمل الشيطان. وأحيانا يصدرون فتوى شرعية باغتيالهم. وبالتالي فهم ميالون إلى العنف والضرب.
وهم يعتقدون بأنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة وكل الآخرين في الخطأ والضلال. وبالتالي فهم لا يناقشونك لأن النقاش ممنوع عندهم عادة.وهم رجعيون من الناحية السياسية. وكثيرا ما يتحالفون مع اليمين المتطرف من أجل المحافظة على القيم التقليدية «الخالدة» للأمة الأميركية أو الفرنسية أو الإسبانية، الخ.
وهم يفسرون كل شيء على ضوء عقائدهم الغيبية وأحيانا الخرافية. فمثلا عندما حصلت ضربة 11 سبتمبر عام 2001 قالوا بأن الله أرادها كعقاب لأميركا التي ابتعدت عن الدين. هذا ما صرحت به ابنة المبشر البروتستانتي الأميركي الشهير: بيلي غراهام. وهو أحد كبار القادة الأصوليين في الولايات المتحدة. فعندما سألتها إحدى الصحفيات عن رأيها بهذا الحادث الذي هزّ أميركا أجابت قائلة:
أعتقد أن الله حزين جدا مثلنا كلنا لأن هذه الضربة حصلت.
ولكن منذ سنوات عديدة ونحن نحارب الله والدين. ومنذ سنوات طويلة ونحن نطرد الدين من مدارسنا، وحكومتنا، ومؤسساتنا، وحياتنا. لقد أصبحنا ماديين بشكل محض. لقد تخلينا عن الله فتخلى الله عنا. ثم تهاجم السيدة غراهام العلمانيين الأميركان وتقول: لقد طالبوا بمنع الصلاة المسيحية في المدارس واستجابت الحكومة بمطالبهم. ثم طالبوا بمنع قراءة الكتاب المقدس في المدارس أيضا، ونفذت الدولة مطالبهم.
ثم طالبوا بإعطاء بناتنا حق الإجهاض إذا كن لا يردن الاحتفاظ بالجنين واستجابت الحكومة لمطالبهم. ثم طالبوا بالحرية الجنسية بين الشباب والبنات ونالوا ما يطلبون. وهكذا خرجوا على شرع الله فعاقبنا الله بضربة 11 سبتمبر التي نستحقها لأننا تخلينا عن ديننا وإيماننا.
وهذا التفسير ل11 سبتمبر يشبه التفسير الذي قدمه الأصوليون الإسلاميون لهزيمة خمسة حزيران. فقد قالوا نفس الشيء تقريبا: لقد تخلينا عن الله فتخلى الله عنا وجعل إسرائيل تنتصر علينا. لقد أصبحنا قوميين، ماركسيين، شيوعيين، إلحاديين فعاقبنا الله بهذه الهزيمة الساحقة الماحقة. بل ووصل الأمر بالشيخ الشعراوي إلى حد شكر الله على هذه الهزيمة الذي أدت إلى تضعضع معسكر الكفر في مصر والعالم العربي. فهزيمة عبد الناصر بالنسبة له كانت تعني خيرا وبركة.
ثم تردف المؤلف قائلة ما معناه: وعلى الرغم من اختلاف الأصوليين فيما بينهم وعلى الرغم من كرههم لبعضهم البعض إلا أنهم جميعا يتوحدون ضد العالم الحديث وحرياته وقيمه الإنسانية والديمقراطية. ويكفي أن تقرأ تصريحات الأصوليين اليهود، أو المسيحيين، أو المسلمين لكي نتأكد من ذلك.ففي رأيهم أن العلمانية كفر، والديمقراطية كفر، والليبرالية كفر، الخ. وهم جميعا ضد تحديد النسل عن طريق الإجهاض أو أي طريقة أخرى. كما أنهم ضد المساواة بين الرجل والمرأة، ويفضلون أن تبقى المرأة في البيت على أن تشتغل خارج البيت.
وجميع الأصوليين يطالبون بزيادة المواد الدينية في المدارس. وبما أن العلمانية سائدة في أوروبا وأميركا، فإن تعليم الدين ممنوع أو مقلّص جدا. وهذا يزعج كثيرا الأصوليين البروتستانتيين الذين يطالبون علنا بإعادة تدريس الدين المسيحي في المدارس الأميركية.
كما ويطالبون بإعادة الصلاة أيضا وعدم الاختلاط بين الجنسين. بل ويطالبون بإعادة العمل بالقوانين العنصرية التي تفرق بين الأسود والأبيض. فهم يفضلون عدم اختلاط البيض «النظيفين» بالسود «القذرين» في المدارس، والجامعات، والباصات، والمطاعم، والمقاهي، الخ. وهذا أكبر دليل على مدى رجعيتهم وكرههم للحياة الأميركية الحديثة التي أصبحت لا تفرق بين السود والبيض كما كان يحصل سابقا.
وبالتالي فالأصوليون الأميركان يريدون العودة إلى الوراء، إلى أيام التمييز العنصري واحتقار البيض للسود. إنهم يريدون التراجع عن كل مكتسبات السنوات الأخيرة في هذا المجال. ومعلوم أن حركة النضال من أجل نيل الحقوق المدنية من قبل السود ابتدأت منذ الخمسينات أو الستينات في القرن الماضي. وكان من كبار قادتها مارتن لوثر كنغ الذي اغتيل في نهاية المطاف.
لقد دفع حياته ثمنا لأفكاره ومبادئه الإنسانية الرفيعة. ثم انتصرت هذه الأفكار في نهاية المطاف وأصبحت حقيقة واقعة. والآن يريد الأصوليون التراجع عنها! وهذا يعني أنهم رجعيون بالمعنى الحرفي للكلمة. إنهم رجعيون سياسيا، ودينيا، واجتماعيا، وكل شيء.
ثم تختتم المؤلفة كلامها قائلة: ولكن المشكلة هي أن ضربة 11 سبتمبر أعطتهم دفعا أو زخماً جديداً ما كانوا يحلمون به سابقا. وهكذا أصبحت لهم تلفزيوناتهم وإذاعاتهم التي تجذب ملايين البشر. وأصبح دعاتهم يملأون الشاشات والفضائيات بكلامهم المعسول الذي يدعو أميركا للعودة إلى طريق الرشاد، أي إلى القيم الأصولية المسيحية التي تخلت عنها بعد ثورة الستينات وأدارت ظهرها لها.

 

قراءة فى فلم " باحب السيما " الجزء الثانى

التفاصيل
كتب بواسطة: محمود الأزهرى
نشر بتاريخ: 13 مايو 2001
انشأ بتاريخ: 13 مايو 2001
الزيارات: 9

قراءة فى فلم " باحب السيما " الجزء الثانى

محمود الأزهرى
مصر
------------

قضية التزمت والتعصب الدينى والتمسك الحرفى بالشرائع هى أمر موجود عند المسلمين كما هى موجودة عند المسيحين وبنفس الكيفية التى عرضها الفيلم وبنفس آليات التفكير فبطل الفيلم - محمود حميده - يتمنى في قرارة نفسه فعل السيئات ولكنه لا يفعلها خوفاً من النار وخوفاً من الموت فهو لو ضمن مغفرة الله له لفعل السيئات وكذلك لو عرف ميعاد موته لفعل السيئات كذلك ، لأنه سيفعلها وقبل أن يأتى موعد موته يتوب إلى الله ويعترف بخطاياه ويندم عليها وبالتالى فانه يكون قد حقق لنفسه السعادة في الدنيا بفعل كل ما تشتهيه نفسه والسعادة في الآخرة بالنجاة من النار ومن ثم دخوله الجنة؛! ومن الطبيعى ان يكون شخص كهذا ناقماً على أشخاص يفعلون
الخطايا ثم يتوبون في آخر حياتهم، وهذه الفكرة مناقشة وموجودة في الفكر الاسلامى ونصوصه فهناك حديث للرسول صلى الله عليه وسلم يقول فيه (( إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا مقدار ذراع فيعمل بعمل أهل النار فيموت فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا مقدار ذراع فيعمل بعمل أهل الجنة فيموت فيدخلها" وتجلت هذه الفكرة في الأثر الموجز (( العاقبة بالخواتيم )) بل ويكثر خطباء المساجد من ترديد الحكمة التالية وهى: ان هناك من يؤمن و يعبد الله خوفاً من النار فهذا ايمان العبيد وهناك من يؤمن بالله طمعا في الجنة فهذا إيمان التجار وهناك من يؤمن بالله لأنه المستحق للعبودية دون نظر لجنة او نار ودون ان يكون هؤلاء طامعين في الجنة أو خائفين من النار فهذا إيمان الأحرار بل إن بعض الكتب تنسب هذه الحكمة إلى السيد المسيح عليه السلام وبالتالى فإن ما عرضه الفيلم بالنسبة لهذه القضية ليس غريباً عن فكرنا الدينى ولا عن ممارستنا الحياتية فيما يخص مسألة التدين … ، وكنت وأنا أتابع الفيلم كأنى أشاهد امامى اشخاصاً مسلمين وأفكارا إسلامية رأيتها بل وعشت بعضها …، وأما مسألة الخروج عن المألوف
والشتائم التى تبادلتها الاسرتان في الفرح في الكنيسة او ما حدث في الكنيسة عند وفاة " ابو نعيم" فليس معنى كون الشىء ضد الدين أنه لا يمكن وقوعه اذن فهذه الاشياء يمكن حدوثها ووقوعها في الحياة ، وليس معنى الواقعية هو ما وقع وحدث بالفعل - بالنسبة لى ودون نظر لمفهوم المصطلح تاريخيا - بل إن معنى الواقعية هو ما يمكن حدوثه و وقوعه في الحياة بنفس مفرداتها ولغتها المتعارف عليها ثم إن وظيفة الفن ليست هى ان يصور آليا ماتراه العين بل أن يبرز الخافى والمضمر والباطن في هذه الحياة ليكون هو والظاهر سواء ………. وتصور لو ان الناس كانوا في الكنيسة بكامل احترامهم وتقديرهم للمكان المقدس ولكنهم كانوا يفكرون في هذه الشتائم ويرددونها داخلهم وتشتمل عليها قلوبهم فهل يدل هذا على الايمان الزائد على الحد لدى هؤلاء ثم ان الخروج عن التقاليد المرعية والاداب والسلوكيات الدينية المتعارف عليها اجتماعياً هى امر مشاهد على جدران
وأبواب المساجد والمعاهد والمراكز الإسلامية وعلى حوائط الكنائس والأديرة-  وأنا نفسى شاهدت على حائط
إحدى الكنائس من الداخل كتابات وسهاماً وقلوباً متحررة - وعكفت على قراءة الجدران الأمر الذى لفت انتباه القمص الذى توجه لى قائلاً : انهم شباب ونحن نقوم بتوجيههم ثم رجع ليشرح لنا مسألة وجود المذبح في الكنيسة ومكان التراتيل والعلاقة بينه وبين المنبر في المسجد .

وأما مسألة العلاقة الزجية بين ليلى علوى ومحمود حميدة او مناقشة قضية الفن او ظاهرة البخل لدى عايدة عبد العزيز - أو مشاكل التعليم أو اجتراءات الحب واختراقاته فهى كلها مسائل اجتماعية وتمت مناقشتها وعرضها في الفيلم انطلاقا من هذا المنظور وفى الغالب فإن موقف الدين الاسلامى والدين المسيحى واحد بالنسبة لكل او مجمل تلك القضايا.! ولقد أجاد أبطال الفيلم ونجومه أداء أدوارهم - واكرر حتى الثانوية والهامشية منها - لقد كان النجم محمود حميدة مدهشاً بصفاته الجسمانية و بارعاً بأدائه الفنى العالى ومتميزاً لادائه شخصية جديدة بالنسبة له تضاف إلى رصيدة الفنى، ولقد كانت بارعة في ادائها كذلك النجمة ليلى علوى وان كانت الشخصية ليست جديدة عليها وكونها زوجة مسيحية لا يمثل جدة في حد ذاته - إنها زوجة تعانى متناقضات في ذاتها بين عشقها للحرية باطناً - والتزامها الظاهرى المفروض عليها في البيت من قبل الزوج وفى المدرسة من قبل النظام التربوى والتعليمى الذى يجب ان تحافظ عليه بحكم انها ناظرة المدرسة وكذلك فإن الفيلم نجح في اكتشاف موهبة جميلة لها حضور جذاب و ابتسامة ساحرة ، وقبول لدى الناس - كما لاحظت - هو الطفل يوسف عثمان … لقد ادهشنى وهو يقول لأمه التى أمرته بعدم فعل شىء حتى لا يغضب الله :- "انه - الرب - هو كده كده زعلان !! وكذلك وهو يعقد اتفاقاً بينه وبين الله عز وجل بمقتضى هذا الاتفاق يسمح له الله بمشاهدة فيلم ثم يتوب ويمتنع نعيم بعدها عن مشاهدة السينما هذه الصفقة التى تمتد في ذهن نعيم لتنص على ان يسمح الله له بمشاهدة فيلمين ثم تتصاعد الاتفاقية لتكون خاصة بثلاثة افلام ثم اداء نعيم وهو محموم يهلوس ورغبته في مشاهدة افلام : الملتقى ونصف دستة اشرار وفيلم اخر لعله: شباب امرأه " او رصيف نمرة خمسة او القاهرة 30 !! دعك من المشاهد المشهورة في الكنيسة او في السينما او في عيادة الطبيب او مع امه في الحمام .

لقد ذكرت في البداية ان فيلم (( يحب السينما )) جيد ولكن هذه الجودة صحيحة بالنسبة إلى الافلام المصرية المعروضة في السنوات الاخيرة …… وتبقى لى ملاحظات حول الفيلم منها :
 1- ان هناك تماساً وتناصاً بين دور محمود حميدة في بحب السيما وبين الراهب أو القسيس في "أ حدب
نوتردام " فتقريباً الفيلم يعرض نفس الفكرة : خلاص الجسد وتطهير النفس الا انها في احدب نوتردام وقد شاهدته منذ سنوات وارجو ان يكون حكمى صائباً ولم تخنى الذاكرة - خاصة براهب وقسيس اما في بحب السيما فهى خاصة بزوج متحرك في الحياه ليست له صفة دينية رسمية وان كان متلبسا بها بحكم ان الشخصية المصرية متدينة بشكل غريب ، وكذلك فإن هناك تماساً وتقاطعاً بين دور الطفل نعيم في بحب السيما وفيلم ( Home Alon ) "وحدى في المنزل" فكلاهما حريص على ان يجعل من هذا الطفل نجم الفيلم والنقطة المركزية للحياه ، نجح الفيلم الاجنبى في هذا ولكن " بحب السيما خرجت المركزية من الطفل نعيم " ورغم براعة أدائه لتتحول إلى افكار وصراعات مجردة حيناً وحيناً تتحول المركزية إلى حميدة وليلى علوى بسبب تاريخهما الفنى الصارخ وتعلق الجمهور نفسياً بهما … واهتمام الجمهور بالمسائل الاجتماعية الحادة لدى الكبار ….. واستمرار الاتجاه في مجتماعتنا لتهميش دور الصغار حتى في تلقى اعمالهم .
 2- بدأ الفيلم بنعيم الذى يحكى الاحداث التى مرت به منذ اربعين او خمسين سنة ولم نر نعيم وهو كبير وهذه التقنية العودة للخلف ليس لها ما يبررها فنياً وليس لها اى دور موظف فنياً داخل الفيلم اللهم الا الدور السياسى والذى تلعبه خارج الفيلم حين يتهم الفيلم بأنه يسىء للمسيحيين فيرد عليهم بأن هذا كان في سنوات ماضية وأما الآن فكل شىء تمام
 3- تحية لهذا الفيلم ولابطاله ولمؤلفه ولمخرجه وللجمهور الذى لم يدهشنى حين سمعت في قاعة العرض بعض الجمهور يحفظ خطاب التنحى لجمال عبد الناصر فيردد كلمات الخطاب قبل ان ينطق بها الرئيس .


 

الكتابة : متعة المعاناة في البوح والإمتاع !!

التفاصيل
كتب بواسطة: بشير خلف
نشر بتاريخ: 06 مايو 2001
انشأ بتاريخ: 06 مايو 2001
الزيارات: 7

                  الكتابة : متعة المعاناة في البوح والإمتاع !!
                                                                          بشير خلف
               الكتابة رسالة حضارية نبيلة .أنْ تبدعَ فأنت فنانٌ ..أن تكتبَ فأنت تؤدي رسالة سامية وتمارس وجودك بوعي ، وتتجاوز ذاتك لتلتحم بالآخر أفقيا وعموديا وزمكانيا .الكتابة فعل إنساني قيْمي يمارسه المثقف ،الكاتب الحر، الناقد لمسيرة مجتمعه ،نقْدٌ صادقٌ بنّاء غايته التغيير إلى ما هو أصلح ..الكتابة الحرّة تنقد الخطأ باعتباره سلوكا مُضرّا بالذات والغير كيفما كان الخطأ ومهما كانت قيمة ومرتبة فاعله ..الكتابة الحرة تبشر بالخير وتزرع الفرح والمحبة ، وتفضح الظلم والتحيّز والقهر والعدوان .
الكتابة وفق ما سبق تتجلّى أهميتها في ضبط وتنسيق الإنتاج الفكري ، ليكون سندا ودعامة في التنوير ورفع مستوى الوعي والفكري للإنسان ، والسموّ بالتذوق الجمالي والإحساس به في كل الكائنات ، والإحساس بالمسؤولية ، وتحريك إمكانات الفرد والجماعة لممارسة المسؤولية التي كلف بها الله سبحانه وتعالى الإنسان واستخلفه في الأرض من أجْل أدائها .إن الإنسان يحي داخل المجتمع وبواسطته بما يوفره له من شعور بالوجود ، إذ الإنسان مدني بطبعه حسب مقولة العلاّمة ابن خلدون ؛ وبما يتيحه له من ممارسة حياته وتوظيف إمكاناته وطاقاته ،وبما يوفره له من أسباب العيش.
                               الكتابة فعل إنساني واعٍ              
الكتابة فعْل واعٍ ..فاعل وفعّال من وعن حالات المجتمع ، وترجمة لأفراحه وآلامه، وكشْفٌ لانتصاراته وهزائمه،وإضاءة لمستقبله وتوثيق فكري للآتين .
وكلما كانت الكتابة واقعية ، لا بمعنى التسليم للواقع أو التقاطه صورة طبق الأصل ، بل بالمعالجة الواقعية ، ومحاولة إعطاء شحنة مقوية لإعادة الإنسان إلى وعيه المتوازن ، بأسلوب فني راقٍ كلما ازداد شفافية ، كان أدْخلَ إلى القلب وأفْعلَ في النفس .
  إن الكتابة هي قضية الإنسان الواعي الذي يعايش قضايا عصره لا كمتفرج ولكن كفاعل ، لأن الكتابة سلطة تمارس وظيفتها في التنوير وفي التوجيه آنيا وتستشفّ الآتي فتنير له الدرب ، يقول أحد الكتّاب 1:
(( الكتابة وعْيٌ بالمستقبل بوصْفه قضية إنسانية ؛ لأن المستقبل هو جزْء من كينونة الإنسان التي تتحرّك دوما بين قطبيْن : الماضي وما به من خِبْرات توجّه الأنا ، وتشكل ملامحها الأساسية ، والمستقبل وهو الأفق الذي تتجه إليه اللحظة الراهنة )) .
                            متعة الكاتب في معاناته
والكتابة ليست بالأمر السهل ، بل هي نشاط فكري مُضْنٍ يتطلّب الكثير من الجهد والتوتر العصبي والأرق والبحث الدؤوب المتواصل ، من أجل العثور على الفكرة وتنظيم العبارة وتكوين النصّ كيفما كان جنسه ، وصبّ ذلك في قالب أخّاذ يستهوي المتلقّي ويمتعه ويبعث في نفسه الراحة والأمل .ولا يتصوّرنّ أحدٌ أن الكتابة مطواعةٌ تنصاع في كل لحظة ، وبالإمكان الإمساك بها كلما رغبنا ،  وتنقاد لأيّ مخربش بيسْرٍ .وقد قال الجاحظ قديما :
(( ...المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدويّ والقرويّ و.....)) لكن مَنْ يلتقطها ويقدمها لنا ثمرة ناضجة يانعة ؟
يقول في هذا الشأن أحد الكتاب المبدعين2:
" الكتابة مغامرة مُلْتَبسَةٌ بطبيعتها وأبعدُ ما تكون عن المهنة ( المضمونة ) التي يمكن أن تكون مجالا للاختيار الإرادي المحض ، عبْر دروبٍ متعرّجة ومتشابكة ، نصل إلى الاقتناع بضرورة ( اللجوء ) إلى الكتابة عندما نتبيّن أننا لا نستطيع أن نغيّر العالم ، كما كان يقول جان جونيه " .
                               الكتابة الصادقة سلطة
لمّا نقول إن الكتابة سلطةٌ تفرض نفوذها وتأثيرها على الأمم والأفراد ، فإننا لا نبالغ في ذلك ؛ هاهو شيخ الأدباء والكُتّاب في عصره الجاحظ يقول :
(( ... ولولا الكتب المُدوّنة والأخبار المُخلّدة والحكم المخطوطة لبطُل اكثرُ العلم ولغلب سلطان النسيان ، ولما كان للناس مَفْزعٌ إلى موضع استذكار ..ولوْ تمّ ذلك لحُرمْنا أكثر النفع "
ويقول الجاحظ في موضع آخر :
(( ... ولولا الخطوط لبطُلت العهود والشروط والسجلاّت والصكاك ، وكل اقطاع ، وكل إنفاق ، وكل أمان ، وكل عهد ، وكل جوار وحلف .ولتعظيم ذلك والثقة به والاستناد إليه كانوا يدعون في الجاهلية مَنْ يكتب لهم ذكْر الحلف والهدنة ، تعظيما للأمْر وتبْعيدا عن النسيان .
وليس في الأرض أمة لها طرقٌ ومسْــكةٌ ...ولا جِـيلَ لهم قبْضٌ وبسْطٌ إلاّ ولهم خــــطٌّ ...فأمّا أصحاب المُلْك والسلطان والجِباية والديانة والعبادة ، فهناك الكِــــتابُ المُتْقن والحساب المُحْكم . ))
ولمّا كانت الكتابة تحتل هذه المكانة قديما وازدادت حديثا وصارت هي قِوامُ الحضارة المعاصرة ، ثم هي وسيلة التدوين والتواصل الزمكاني وملْء الكتب والدفاتر والوثائق بالعلوم والمعارف وشتى مناحي الفكر والبحوث ، وهي وسيلة حفْظ الوثائق والأسرار وسجلات العمل في التجارة والمعاملات والوظائف وسيْر الإدارات وطلب العلم في المدارس والمعاهد والجامعات ..فإن حياتنا لا تستقيم ولا تتيسّر أمورها بدون هذه الوسيلة الحضارية .فقد جاء في القرآن الكريم على سبيل التكريم والتقدير ، حيث نسب الله سبحانه وتعالى الكتابة إلى ملائكته المُكرّمين إذْ قال : ( وَإِنُّ عَلَيْكُمْ لَحَـــافِظِينَ.كِرَامـًا كَاتِـــبِينَ .1(
                                    الكتابة الصحيحة موقف
لا يمكن للمرء الذي يدرك ماهية الثقافة ووظيفتها ، تصوّر ثقافة مكتوبة إلاّ منحازة لموقف ما ومدافعة عنه وتحمل لواءه حتى النهاية ، كيفما كان هذا الموقف .فالكتابة كسلطة في هذا الفعل الثقافي شكْلٌ من أشْكال الجَهْر وتصوّرٌ للوجود الإنساني ، وأداةٌ للتغيير دوما نحْو الأفْضل ..هي أداة الذات وإثباتها ..هي أداة تواصل راقية ونبيلة ماضيا وآنيا ومسْتقبليا.
       الكتابة تعبير عن الذات في السعي نحو تحقّقها الكينوني في العالم .الكتابة محاولة جادّة وواعية للفهم من أجْل تفسير ما يحيط بنا وما يتداخل معنا من ثقافات وهويات وعوالم مختلفة ..والكاتب هو الواسطة الذكية بين هذه العوالم وتلكم الهويات والثقافات .تقول الأديبة والكاتبة الجزائرية زهور ونيسي :
(( ظروف الكتابة لا يمكن فصلها عن وضْع الثقافة في الوطن ، بل وعن الوضع العام في الوطن ، إذْ كلّ شيء يتأثّر بغيره من المواضيع أو المجالات المختلفة .))
      إن اكتمال ثقافة الكاتب ومستوى وعْيه لِمَا يجري حوله اجتماعيا وسياسيا وثقافيا  ، لا كطرف حيادي راصد فقط لما يجري إنما كعنصر فعّال وفاعل ، ومدى اقترابه من الفهم الصحيح للعلاقات والصراعات والمشاكل المعاصرة له محليا وإقليميا ودوليا ، وتأثيرات العولمة التي تغلغلت في شتى مجالات حياتنا ..ومدى استفادته - أي الكاتب - من التراكم المعرفي الذي استعصى على أي مثقف اليوم ملاحقة ما يُبثّ وما يُذاع وما يُنشر ..هي كلها عوامل من الأهمية بمكان تدفع المثقف الكاتب ، بجعل كتابته ذات قيمة وذات تأثير ، إذْ كيف أكتب عن مجتمع دون الغوص في أعماقه ومعايشة انشغالاته ، ودون تفهّم لمشاكله.
     إن الكاتب الحق والغير المزيف دوما مستشْعرٌ روح المسؤولية فيما يكتب لأنه لا يكتب لنفسه فقط ، ممّا يستوجب منه أن يكون على قدْرٍ كبير من الأخلاق السامية والسلوك الإنساني الراقي والذوق الرفيع والحس النبيل حتى تكون كتابته ذات مصداقية وأفكاره ذات وقٌعٍ في القارئ المتلقّي ، بل وحتى السامع منتوج الكاتب الحق محكومة بمسلّمات المنطق والعقل والفكر السليم المتداول في المجتمع ، وفي معالجة الإشكاليات التي يعالجها الكاتب لا تطغى الأساليب الجمالية والأنماط الجديدة كي يدوس كما أسلفنا أعلاه على القيم الأخلاقية السائدة .
        فالكتابة الناجحة المؤثرة هي تلك النابعة من القلب والوجدان ن وهي التي تصمد أمام الزمن وعواديه ومنعرجاته ..وهي التي تخلد وتنهل منها كل الأجيال وترتوي عبر الحِقب التاريخية المتتالية ، ويظل أثرها منسابا في النفوس والقلوب كنهر رقراق يبعث الحياة دوْما :(( ... فالمعيار الثابت الذي يزيد كتابة الكاتب جمالا وقوة هو الصدق ، والأمانة في النقل والتصوير ، واحترام أذواق ومشاعر الناس ، عن طريق الوفاء لقضاياهم وعيْش همومهم ومشكلاتهم ن والمعالجة الموضوعية النزيهة لتلك الهموم والمشكلات 1)).
          وفي ذلك يقول الكاتب الأديب أنيس منصور :((... فالكاتب يتعذب ويكتوي ويتلوّى ويتأوّه ن ولكن إذا واجه الناس عليه أن يقول ما يُريح الناس ويفيدهم في حياتهم ويهديهم إلى ما هو أفضل ..فالذي يقدم طعاما للناس لا يعرض عليهم أدوات المطبخ ولا يأتي بالفرْن بينهم ..فليس هذا من شأنهم ، إنهم يريدون أن يأكلوا ..ولكن الكاتب يريد أحيانا أن يعرض على الناس صُورا من عذابه ، ومن براعته في التخلص من العذاب لعلهم يفعلون مثله ...))
          رسالة الكاتب بقدر ما هي عذاب واكتواء وحرقة ، فإنها رسالة ممتعة وشيقة ..ولا يتأتّى للكاتب أداؤها إلاّ إذا كان عاشقا للمعرفة ومستزيدا منها وناهلا من مصادرها المختلفة ، ومشرئبا باستمرار لمعرفة الأفكار والتصوّرات الجديدة والمتجدّدة في شتى حقول الفكر والثقافة والعلوم ، والسعي نحو تطوير تقنيات الكتابة ومواصفاتها الفنية ..بعيدا عن الغموض والإبهام المُخِلّيْن بالفكرة والعائقيْن أمام المتلقّي للتفاعل مع النص والتمتع به.
                                 عندما يتجاوز الكاتب نقطة البداية
         الكاتب الذي يراوح مكانه ولا يتجاوز نقطة انطلاقه معرفيا ووعيا بما يحيط به وغير قادر على تشخيص الحالات والإشكالات المجتمعية ، وغير مستفيد من أساليب العصرنة في المسك باللغة وتطويعها وتوظيفها في أسلوبٍ فني راقٍ ، ليصدق فيه قوْل الكاتب الأديب : مارك توين :(( ...إذا كنتَ تُؤدي عملكَ بنفس الأسلوب أو بنفس الطريقة التي بدأْتَ منها منذ عشر سنوات ، فاعلمْ أنكَ لم تَعُدْ تصلح لهذا العمل ، وابحثْ لنفْسكَ عن عملٍ آخر ... ))
        إذن الكتابة هي هبةٌ من الله ميّز الله بها الإنسانَ عن سائر المخلوقات ، وهي عملية دقيقة تخضع لموازين تجعل منها همّا إنسانيا ، ترتفع بالإنسان كاتبا وقارئا ودارسا وتضيف تجارب أخرى إلى تجاربه .


1  - الدكتور رمضان بسطاويسي  .

2  - الدكتور المغربي  محمد برادة .
1  - سورة الانفطار . الآيتان : 10 ، 11
1  - ابراهيم نويري .صحيفة النور الجديد .العدد 12 الخميس : 26 أفريل 2001

اللغة في الخطاب الروائي العربي

التفاصيل
كتب بواسطة: د. جميل حمداوي
نشر بتاريخ: 24 أبريل 2001
انشأ بتاريخ: 24 أبريل 2001
الزيارات: 7

اللغة في الخطاب الروائي العربي

الدكتور جميل حمداوي
إلى أستاذنا الفاضل عبد الحميد عقار

 

تعد اللغة من أهم مكونات الخطاب الروائي إلى جانب الرؤية السردية والبنية الزمنية والفضاء والشخصيات والوصف والأحداث، لكن تبقى اللغة هي المميز الحقيقي للرواية عن باقي الأجناس الأدبية الأخرى. كما أنها المادة الشكلية التعبيرية التي تنبني عليها الرسالة الإبداعية التي يرسلها الكاتب إلى القارئ عبر جمل متنوعة : سردية ووصفية ومشهدية وبلاغية وحرفية. لذلك يتم التركيز عليها كثيرا مادامت شفرة وسيطة بين المبدع والمتلقي لأنها تحمل نوايا المؤلف وأطروحاته المباشرة وغير المباشرة من خلال استعمال تعابير مسكوكة أو مستنسخات تناصية أوتعابير تقريرية أو أساليب إيحائية انزياحية و رمزية . و من ثم،فأي روائي لا يملك ناصية اللغة وقواميسها الحرفية والمجازية ولا يحسن توظيفها توظيفا أدبيا ساميا ويستثمرها في سياقات تواصلية وتداولية ذات مقاصد تداولية فنية وتعبيرية في قمة البلاغة والجمال والروعة الفنية فإنه لن يستطيع أن يكون كاتبا روائيا ناجحا ومتميزا. ومن ثم يمكن القول: إن الرواية هي تشخيص اللغة وتصوير الذات والواقع اعتمادا على التشكيل اللغوي. إذاً، ماهو سياق الاهتمام باللغة الروائية؟ وما أنواع الرواية من خلال التشكيل اللغوي؟ وهل يمكن تحديد محطات أساسية للتطور الروائي من خلال التصوير اللغوي؟ وما هي الكيفية التي نعالج بها إشكالية الفصحى والعامية؟ هذه هي الأسئلة التي سوف نحاول عرضها في هذا المقال المتواضع هذا.

1- اللغة الروائية والمقاربات النقدية:

لقد تعامل الكثير من النقاد والدارسين مع اللغة الروائية باعتبارها مادة تعبيرية وحاملة للفكر ومضامين النص وأبعاده المرجعية. إلا أن هناك من كان يدرسها من خلال مقاربة بلاغية تقليدية تركز على الصور الشعرية من تشبيه ومجاز واستعارة وكناية ورصد للمحسنات البديعية ومواصفات اللغة كالرصانة والجزالة والسلاسة والليونة ....وكانت هذه المقاربة البلاغية تسقط مفاهيم البلاغة الشعرية على الرواية  دون مراعاة خصائصها النوعية والتجنيسية وبنائها التعبيري المعقد وطاقته البلاغية واللغوية والتركيبية. وحاولت المقاربات المرجعية سواء الاجتماعية منها أم النفسية ربط اللغة بمفاهيم التحليل النفسي والوعي واللاوعي وعلاقتها بذات المبدع أو ربط اللغة بماهو اجتماعي وطبقي ومدى تعبيرها عن الصراع الاجتماعي بين الفئات الاجتماعية وجنوحها نحو الواقعية والتصوير الموضوعي المحايد بعيدا عن الإنشائية ولغة الاستعارات. ويعني هذا أن الرواية ظلت " ردحا طويلا من الزمن موضع دراسة إيديولوجية مجردة وتقويم اجتماعي دعائي فقط. كانت المسائل المشخصة لأسلوبيتها تهمل إهمالا تاما أو تدرس عرضا وبلا مبدئية: كانت الكلمة النثرية الفنية تفهم كما تفهم الكلمة الشعرية بالمعنى الضيق للكلمة. وبالتالي، كانت تطبق عليها تطبيقا غير انتقادي مقولات الأسلوبية التقليدية(وأساسها المجاز)، أو كان يكتفى بتقويمها بأوصاف فارغة من تلك التي تطلق على اللغة كالتعبيرية والتصويرية والجزالة والبيان وما إلى ذلك دون تضمين هذه المفاهيم أي معنى أسلوبي محدد ومدروس".1 وبعد ذلك أتت اللسانيات لدراسة اللغة دراسة علمية بتفكيك المستويات الصوتية والصرفية والتركيبية والبلاغية والدلالية وتركيبها بواسطة تحليل بنيوي محايث قائم على مجموعة من الثنائيات، ولاسيما ثنائية الدال والمدلول، وثنائية اللغة والكلام، وثنائية المحور التركيبي والمحور الاستبدالي، مهملة بذلك بلاغة اللغة الروائية ومستويات التشخيص فيها. وهذا ما كان يشير إليه  المنظر الروسي ميخائيل باختين بقوله:"إن وحدة الرواية، والقضايا النوعية المتعلقة ببنائها، انطلاقا من عناصر متعددة اللغات، ومتعددة الأصوات، ومتعددة الأساليب- وهي غالبا عناصر متعلقة بلغات مختلفة- كل هذه الأشياء تقع خارج حدود مثل هذه الأبحاث اللسانية التقليدية".2... لكن اللغة الروائية ستعرف انتعاشها مع البلاغة الجديدة أو أسلوبية الرواية التي ظهرت في العقد الثاني من القرن العشرين مع الشكلانيين الروس ولاسيما ميخائيل باختين في كتابيه:(جمالية الرواية ونظريتها)، و( شعرية دوستفسكي)،  حيث أعاد للصورة الروائية واللغوية قيمتها التعبيرية ومكانتها التجنيسية ودراستها بمفاهيم النوع الروائي بعيدا عن معايير الشعر ومفاهيمه البلاغية التقليدية التي تنحصر في ثنائية المشابهة والمجاورة. ويعني هذا أن أسلوبية الرواية قد تخلصت إلى حد ما من أدوات البلاغة التقليدية أو طعمتها بمفاهيم جديدة تراعي خصوصية الرواية من ناحية الجنس والنوع. وأصبحت للأسلوبية مصطلحاتها التقنية والمفاهيمية التي تكون غالبا مستنبطة من الخطاب الروائي نفسه. وقد نتج عن هذا الاهتمام الأسلوبي الباختيني أن أخذت " الكلمة الروائية النثرية تحتل مكانها في الأسلوبية، فمن جهة ظهرت مجموعة من التحليلات الأسلوبية المشخصة للنثر الروائي، وقامت، من جهة أخرى، محاولات مبدئية لإدراك أصالة النثر الفني بالنسبة إلى الشعر ورسم ملامح هذه الأصالة"3. وقد طرح باختين في هذين الكتابين مفاهيم أسلوبية جديدة في دراسة اللغة الروائية مثل: التهجين والباروديا والمحاكاة الساخرة والتهجين والأسلبة والتنويع والصورة الروائية والحوار والتناص والمنولوجية والبوليفونية... وصارت كتابات باختين فيما بعد مرجعا أساسيا للدراسات البويطيقية والسيميائية  وجمالية التلقي في التفاعل مع النصوص وتلقيها وتأويلها. وقد حاول باختين أن يجمع في دراساته بين التحليلين: الشكلاني والمادي وقد تأثرت به جوليا كريستيفا كثيرا في مقارباتها السيميائية في دراسة الشعر والرواية.
هذا، وإن اللغة الروائية عند باختين تتجاوز الكلمات القاموسية والألفاظ المفردة إلى بناء النص الروائي الذي يستند إلى تعدد الأصوات والمنظورات السردية والأجناس وتداخل الخطابات والأساليب اللغوية . ومن هنا يميز باختين بين الرواية المنولوجية والرواية البوليفونية. إذاً، فما خصائصهما الشكلية والدلالية؟

2- الرواية المنولوجية والرواية البوليفونية:

إذا كانت الرواية المنولوجية هي الرواية التي تتكئ على تصور إيديولوجي أحادي وتشكيل سردي مبني على أحادية السارد المطلق العارف بكل شيء، وهيمنة السرد على الخطاب المعروض، وعدم تنويع اللغة، والاكتفاء بسجل لغوي واحد يتسم بالرتابة والتكرار والمعاودة والفرادة الأسلوبية. أما الرواية البوليفونية أو الرواية الحوارية التي يفضلها باختين على الرواية المنولوجية فهي التي تمتاز بالأصوات المتعددة واللغات المختلفة والأجناس المتنوعة وتعدد الخطابات التناصية والمستنسخات النصية وتنوع السجلات اللغوية واختلاف المنظورات السردية والتصورات الإيديولوجية حيث يترك للقارئ اختيار الموقف الذي يلائمه والشخصية التي توافق تطلعاته الفكرية والذهنية والعقدية. ويعني هذا أن الرواية المنولوجية ذات صوت واحد ولغة مفردة وإيديولوجية مطلقة أحادية الجانب حيث يتحكم الكاتب في شخصيات المتن الحكائي كيفما يشاء يوجه مصائرها بطريقة علنية مسبقة. أما الرواية البوليفونية فتحرص على تنويع الخطاب باستعمال أساليب لغوية وبلاغية مختلفة تتراوح بين الحوار الداخلي(المناجاة) والوصف والحوار الخالص والرسالة والسرد بكل أنواعه، واستعمال اللهجات المحلية وسجلات مختلف الشرائح والفئات الاجتماعية في إطار تواصل تداولي سياقي، فضلا عن توظيف المؤشرات التناصية والمتناصية ذات مرجعيات تفاعلية تاريخية وفنية وأدبية وفلسفية وإعلامية ودينية...إنها باختصار رواية متعددة الأبنية والأصوات والأجناس ، كما أنها مرجعيا هي رواية ديمقراطية في الطرح الإيديولوجي والتشكيل النصي واللغوي تركز على صراع الشخصيات وتناقض مواقفها ولغاته الخاصة التي تجعلها تنتمي لجماعة لغوية معينة تتجلى لنا بكل وضوح في الخطاب الروائي.4. ولكن يلاحظ أن باختين  لا يشير إلى الرواية المنولوجية أو مايسمى بتيار الوعي كما عند جيمس جويس وكافكا وهمنغواي وفيرجينيا وولف ودون باسوس؛ لأن هذه الرواية قمة في العطاء اللغوي وانزياح ملحوظ في الأسلبة والتذويت( نسبة إلى الذات) وإنجاز جديد في مجال التصوير اللغوي، وعظمتها الأسلوبية ليست بأقل من عظمة الرواية البوليفونية التي نجدها عند دويستيفسكي. لذلك، لايقصد باختين بالرواية المنولوجية تلك الروايات التي ذكرناها آنفا، بل يقصد الرواية العادية ذات الصوت الواحد خاصة في روسيا الاتحادية.
ومن أهم النماذج الروائية العربية التي تمثل الرواية البوليفونية كما نظر لها ميخائيل باختين رواية لعبة النسيان للكاتب المغربي محمد برادة حتى إنه حاول أن ينجز رواية طبق فيها وصفة باختين تطبيقا حرفيا أمينا، ولاسيما أنه من السباقين إلى ترجمة الفكر الباختيني في العالم العربي. ولا ننسى كذلك الروايات التجريبية الجديدة التي نوعت تشكيلها اللغوي كما لدى عبد الله العروي في أوراق وبنسالم حميش في مجنون الحكم والعلامة وأحمد المديني وصنع الله إبراهيم وآخرين كثيرين.... أما معظم الروايات العربية الأخرى وخاصة الروايات الواقعية والرومانسية فتبقى روايات منولوجية أحادية الأسلوب والمنظور والراوي والإيقاع، وهذا ما كان يشير إليه عبد الله العروي بقوله:" لقد كانت رواية القرن 19 الكبرى الموضوعية تتطلب على الأقل ثلاث لغات: واحدة تؤسس الموضوعية، وهي وسيلة الاتصال. والثانية تحدد أسلوب الكاتب. وأخيرا اللغة أو عدة لغات تستخدم لإعطاء خصائص الشخصيات. ونادرا ما تحتوي رواية عربية أكثر من لغتين، وفي أكثر الأحيان، لاتكون الثانية سوى لغة متقطعة...".5
ويبين لنا هذا القول مدى أحادية لغة الرواية العربية ومدى منولوجيتها التصويرية وانعدام التنوع اللغوي والتعددية في هذه الرواية إلا في حالات قليلة، وحتى إن اللغة الثانية قد أصيبت بالركاكة والاختلال ورداءة التركيب ونقص خاصية الأسلبة والتعددية اللغوية.

3- أنواع التشكيل اللغوي على ضوء التطور الروائي:

إذا تأملنا الخطاب الروائي في تطوراته الأسلوبية واللغوية فإننا نجد أنماطا من التصوير اللغوي على الشكل التالي:
أ‌- لغة التصوير المباشرة كما عند الرواية الواقعية والرواية الطبيعية والرواية الجديدة.
ب‌- لغة التصوير التراثية كما لدى مدرسة التأصيل الروائي أومايسمى بالرواية التراثية..
ت‌- لغة التصوير الشعرية المجازية كما في رواية المحكي الشاعري.


* لغة التصوير المباشرة:

كانت اللغة التصويرية عند الواقعيين كبلزاك وفلوبير وتولستوي وستندال وعند الطبيعيين كإميل زولا تتسم بالموضوعية المباشرة الرصينة والمفاهيم التقنية والريبورتاج الواقعي التوثيقي القائم على محاكاة الواقع وتصويره تصويرا تقريريا حرفيا جافا خاليا من التصوير البياني والوظيفة الجمالية الإيحائية والانزياج الفني ، وكان الغرض من كل ذلك هو إضفاء الواقعية والإيهام بصدق الواقع والفضاء التخييلي الذي تنقله الرواية. كما كانت الرواية الجديدة مع نتالي ساروت وآلان روب گـرييه وريكاردو تحارب النعوت والانزياحات والمجازات وتهتم برصد الأشياء أو عالم الأشياء. وكل هذه الخصائص اللغوية تنطبق على الرواية العربية وخصوصا روايات نجيب محفوظ الواقعية( بداية ونهاية- الثلاثية-....)، وروايات عبد الرحمن الشرقاوي ( الأرض- الفلاح...)، وعبد الكريم غلاب( دفنا الماضي- المعلم علي....)، ومبارك ربيع( الريح الشتوية...)، وما كتبه الروائيون العرب الجدد مثل صنع الله إبراهيم ومحمد شكري وعبد الرحمن مجيد الربيعي وغسان كنفاني ومحمد عزالدين التازي و شغموم الميلودي ومحمد الأشعري ومحمد برادة...

* لغة التصوير التراثية:

تستند الرواية التراثية إلى لغة التخييل والإسقاط التاريخي واللغة البيانية المسكوكة الطافحة بالمستنسخات النصية ذات الطاقة الإحالية التفاعلية كما تعمل على تعتيق اللغة وتأصيل الأسلوب وتضمينه بعبارات تراثية وترهينه بأجواء التراث على الرغم من إيحاءاته المعاصرة. كما تتميز هذه اللغة بالمفارقة والترميز والأسلبة والتهجين وتداخل اللغات ( العتيقة والمعاصرة، الفصحى والعامية)، وتعدد الأصوات، كما يلاحظ التماهي الأسلوبي والتاريخي بين زمن المغايرة وزمن الثبات أو الماضي والحاضر.
وعليه، فاللغة في الرواية التراثية هي لغة المفارقة الساخرة والباروديا والمقتبسات النصية والتضمين والمحاكاة، وتحمل اللغة في طياتها إيديولوجية العصر، أي إن اللغة ليست بريئة في حمولاتها الفنية، والرمز في هذه الرواية" يتشعب في عدد لانهائي من الانطلاقات الدلالية".6
وتتمظهر هذه اللغة التراثية عند روائيين حاولوا تأصيل الكتابة الروائية العربية لخلق حداثة تتواصل مع السرد العربي القديم وتتجاوب مع خصوصيات القارئ أو الإنسان العربي. ومن أهم هؤلاء الروائيين: محمود المسعدي ( حدث أبو هريرة قال...)، وجمال الغيطاني( الزيني بركات والتجليات وكتاب الليالي...)، وبنسالم حميش( مجنون الحكم والعلامة ومحن الفتى زين شامة)، وأحمد توفيق( جارات أبي موسى)، ورضوى عاشور( ثلاثية غرناطة)، ومبارك ربيع( بدر زمانه)، ونجيب محفوظ( ليالي ألف ليلة)، وإميل حبيبي(الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس)، الخ...

* لغة التصوير المجازية:

تعتمد هذه اللغة على التصوير الاستعاري و الكنائي والترميز وتفجير اللغة والشاعرية والمفارقة فضلا عن المزاوجة بين المحكي السردي والمحكي الشاعري كما نظر له جان إيف تادييه J.Y.V.Tadié7. ويعني هذا أن اللغة في هذا الخطاب خليط من الغنائية والسردية الدرامية وتكثيف للصور الشعرية والنثرية واستخدام كبير للرموز والألفاظ الموحية المعبرة وتأنيث القاموس وتليينه باللغة الشعرية النابضة بإيقاع التذويت والتلوين البياني والبديعي واستخدام الكلمات المتعددة الدلالات  واستثمار اللغة الشاعرية الانزياحية والإيحائية قصد خلق الوظيفة الشعرية والجمالية الخارقة.  ومن أهم الروائيين الذين ارتكنوا إلى هذا الخطاب السردي الشاعري نذكر على سبيل المثال: حميدة نعنع في روايتها( الوطن في العينين) التي قال عنها الدكتور حميد لحمداني:" وإذا كانت لهذه الرواية قيمة جمالية ودلالية معينة، فهي ليست صادرة أبدا عن الحوارية، ولكن عن جوانب أخرى كاستغلال المعطيات التاريخية المرجعية ثم استخدام الأساليب الشعرية على مستوى العبارات بحيث يتم إغراق ماهو تاريخي فيما هو شعوري، يضاف إلى ذلك استغلال المفارقة الفنية بين زمن الأحداث وزمن السرد".8
وهناك روايات شاعرية أخرى كحجر الضحك لهدى بركات ورامة والتنين لإدوار الخراط وأوراق لعبد الله العروي وسوانح الصمت والسراب لجلول قاسمي....


4- إشكالية الفصحى والعامية في الخطاب الروائي العربي:

وهناك قضية شائكة أخرى مرتبطة بلغة الخطاب الروائي العربي تتعلق بالعامية أو اللهجات المحلية، وتتمثل في الصيغة التالية: هل سنكتب بالفصحى أم بالعامية المصرية أو بالعاميات الأخرى أم نزاوج بينها مثلما فعل توفيق الحكيم ونجيب محفوظ؛ لأن هذه المزاوجة تضفي على النص الروائي نوعا من الواقعية والصدق الفني؟!
هناك ردود مختلفة للجواب عن هذه القضية العويصة، فهناك من يدعو إلى توظيف العامية فقط كما فعل عبد الرحمن الشرقاوي في روايته(الأرض)، وهناك من يدعو إلى تفصيح الرواية كما يدعو إلى ذلك الدكتور عبد الملك مرتاض في قوله:" ينبغي أن نكتب الحوار باللغة العربية الفصحى وأن نكتب لكل مستوى مقامي باللغة المناسبة، فالقراء هم طلبة جامعيون فلماذا لانكتب لهم بالعربية؟ فمن يفهم العامية الجزائرية/المصرية/ الأردنية/ المغربية. إذاً، لابد من تفصيح اللغة الحوارية أو سردنة الحوار بلغة شعرية جميلة. ولايعني أن الكتابة بالعامية هي كتابة واقعية تعبر عن مستوى المتكلم الاجتماعي والثقافي.
إن هذه الظاهرة المزعجة عرفت في بعض الكتابات الأدبية الأخرى حيث كاد بلزاكBalzac وهيجوVictor Hugo وسواهما ينادون بالويل والثبور، وعظائم الأمور، مماقد يلحق الأدب الفرنسي من مصائب العاميات المحلية الفرنسية، إلى أن جاء مارسيل بروست فحاول أن يقيس اللغة على مقدار الوضع الاجتماعي للشخصية في كتاباته الروائية".9 وهناك من يتبنى المزاوجة والتعددية اللغوية لمراعاة الفوارق الطبقية والاجتماعية واستخلاص الأبعاد الإيديولوجية من خلال صراع اللغات وتعدد الأساليب كما نجد ذلك في روايات توفيق الحكيم( يوميات نائب في الأرياف...)، ومحمد برادة( لعبة النسيان على سبيل الخصوص...).
وفي رأيي ، من الأفضل أن نقوم بتفصيح الرواية وجميع الفنون والأجناس الأدبية وخاصة السينما. وذلك لأننا لانفهم مايقوله العراقيون ولا الكويتيون ولا الأردنيون ولا التونسيون. فكم من مسرحيات هادفة وجادة لاتحقق التواصل بين المغاربة والمشارقة! والسبب يعود إلى كثرة العاميات واختلافها من بيئة إلى أخرى. لذلك لابد من استخدام اللغة العربية في جميع المقامات التخاطبية لنحقق التواصل بين المرسل والمتلقي، ونرفع من مستوى الثقافة والتواصل الأدبي والفني في عالمنا العربي. وينبغي كذلك أن تكون اللغة الروائية خاضعة لقواعد  البيان العربي وقابلة لتفجيرها انزياحا وإبداعا واشتقاقا وتوليدا لخلق حداثة فنية. ويقول عبد الملك مرتاض:" إنا نطالب بتبني لغة شعرية في الرواية، ولكن ليست كالشعر، ولغة عالمية المستوى، ولكن ليست بالمقدار الذي تصبح فيه تقعرا وتفيهقا... غير أن عدم علوها لايعني إسفافها وفسادها وهزالتها وركاكتها..., ذلك على أساس أن أي عمل إبداعي حداثي هو عمل باللغة قبل كل شيء".10
وبناء على ماسبق، ستبقى اللغة أهم مكون جمالي وإبداعي في عملية الخلق الروائي بعد أن استغنى الروائي المعاصر عن عدة مكونات سردية مثلك الشخصية والحدث والفضاء، ولكنه لايمكن له أن يستغني عن اللغة في التصوير والتشكيل وسرد الأحداث. وبالتالي، على الروائي أن يكون قادرا على توليدها واستثمارها واستعمالها في أحسن الصيغ الاستعارية والمجازية: تقريرا أو تفجيرا أو إيحاء أو تعيينا. ولابد أن تكون اللغة تناصية خاضعة للتعدد الحواري والأسلبة والتهجين الأسلوبي، ولكن في إطار مراعاة اللغة العربية الفصحى بقواعدها المعيارية وأبعادها البلاغية والجمالية. ولقد صدق عبد الملك مرتاض حينما قال:" اللغة هي أساس الجمال في العمل الإبداعي من  حيث هو؛ ومن ذلك، الرواية التي ينهض تشكيلها على اللغة بعد أن فقدت الشخصية(PERSONNAGE) كثيرا من الامتيازات الفنية، التي كانت تتمتع بها طوال القرن التاسع عشر، وطوال النصف الأول من القرن العشرين أيضا... إنه لم يبق للرواية شيء آخر غير جمال لغتها، وأناقة نسجها".11
وأخيرا، ننبه نقادنا- خاصة نقاد الخطاب الروائي- إلى الاهتمام باللغة الروائية، وأن يحاولوا دراستها اعتمادا على مفاهيم اللسانيات النصية المعاصرة والأسلوبية الحديثة لا بمفاهيم البلاغة القديمة، وأن يوسعوا من مفاهيم ماورثناه عن البلاغة القديمة ، وأن يحللوا المقاطع اللغوية في إطار الوحدة الكلية للرواية، مراعيا تنوع أسلوبها وخطابها النوعي والأجناسي. وألا نسقط مفاهيم الشعر على الرواية إلا إذا أفرغناها من محتوياتها الضيقة، وشحّناها بطاقات أكثر اتساعا وإحاطة لفهم الرواية وتذوق جمالياتها.

ملاحظة:
جميل حمداوي( عمرو)،JAMIL HAMDAOUI AMAR، ص.ب: 5021 اولاد ميمون ، الناظور 62002ن المغرب.


1 - الهوامش:
1- ميخائيل باختين: الكلمة في الرواية، ترجمة: يوسف حلاق، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، سوريا، ط 1 ،1988 ، ص:7؛
2 - M.BAKHTINE : ESTHETIQUE ET THEORIE DU ROMAN. Traduit du russe par Daria Olivier. GALLIMARD.1978.P :90 ;
3 - ميخائيل باختين: الكلمة في الرواية، ترجمة: يوسف حلاق، منشورات وزارة الثقافة ، دمشق، سوريا، ط1، 1988، ص:9؛
4-M.BAKHTINE : le roman polyphonique, in : la Poétique de Dostoïevski, SEUIL 1970, p : 31 ;
5 - د. عبد اللع العروي: الإيديولوجية العربية المعاصرة، تحقيق محمد عيتاني، دار الحقيقة، بيروت، لبنان،ط6،1970،ص:253؛
6 - د. سيزا قاسم: روايات عربية- قراءة مقارنة- شركة الرابطة، ط1، 1977، ص:64؛
7 - A regarder : J.Y.Tadié : Le récit poétique.Edition PUF.1978 ;
8 - د. حميد لحمداني:أسلوبية الرواية، منشورات دراسات سال، ط1، 1989، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، ص:72؛
9 - د. عبد الماك مرتاض: في نظرية الرواية، عالم المعرفة، عدد:240، ط1، 1998، ص:119-120؛
10 - عبد الملك مرتاض: نفسه، ص: 126؛
11 - نفسه، ص: 116.

 

 

عن رواية أبجدية الموت حباً

التفاصيل
كتب بواسطة: جمال حضري
نشر بتاريخ: 14 أبريل 2001
انشأ بتاريخ: 14 أبريل 2001
الزيارات: 8

عن رواية أبجدية الموت حبا ...

 د. جمال حضري. الجزائر

عتبات العنوان وظلال المسارات يبدأ خطاب رواية (أبجدية الموت حبا) للروائي العراقي جاسم الرصيف، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط2، 2000 بعنوان متعدد المستويات، ففي مستوى التواصل نحن إزاء مرسلة يمكن تفكيكها ليصبح تركيبها هو: كيف تتعلم الموت حبا؟ ومن هنا يبدأ البحث عن باث الرسالة المفترض وعن متلقيها المقصود. وحين يكون العنوان وظيفيا بهذه الصورة فإنه ينطوي على سر النص ومفتاحه أو على وجهته ومقصده، وهو بالفعل ما يحدث لرواية "أبجدية الموت حبا" التي تصلح أن تكون وثيقة تؤرخ لفصول من الفداء والوفاء للوطن. لكن ألا يكون العنوان قد جمع ما لا يجمع من خلال تنميته لصورة متضادة الأطراف بأن ألحق الحب بالموت وجعل لهذا الموت سبيلا يتعلم ويتدرج في تحصيل فقهه ودروسه؟ لو كان العنوان: أبجدية الحب حتى الموت، أو أبجدية حب الموت أكان ذلك يلحق بعتبات النص أضرارا تؤثر على مسارات السرد وبرامج شخوصه ومصائرهم؟ ههنا إذا تتطلب القراءة وقفة للتحليل الدلالي والتأويل، لأن العنوان في الرواية المعاصرة لم يعد قبعة إضافية ولا زينة ملحقة بجسم مكتمل قد يستغني عن الزوائد بل إنه يمثل جزءا حيويا من النص إلى درجة تمثيل صلب الدلالة وكأنه دال ومدلوله باقي النص أو بالعكس مدلول يفسر دال النص كله، فإلى أي حد نجد عنوان متننا المدروس قد اجتمعت أوصاله بنصه وفي أي صورة أظهر هذا التواشج والتلاقي؟ شظايا المقومات وكيمياء التركيب يتضمن العنوان إذا ثلاث وحدات معجمية: أبجدية، الموت، حبا: حين نحلل كلا منها نجد مايلي: - أبجدية: تطلق على مجموعة الحروف العربية، وهي تتضمن معاني التعليم والبدايات والاستهلال والتدرج والمعلومات الضرورية... إلخ - الموت: حالة الفناء والنهاية والافتراق والوحدة والغاية ونهاية المقاصد والسعي... إلخ - الحب: عاطفة إيجابية بالميل نحو الخالق أو الإنسان أو الأشياء أو القيم... إلخ فما النواة الدلالية المنماة من خلال هذا المثلث المعجمي ذي الأضلاع المتضادة؟ ما الذي جمع مفردة تنطوي على التعليم والاستهلال والاتجاه المتنامي وهي الأبجدية مع مفردة تنطوي على الانتهاء والتفرق والوحشة ألا وهي الموت مع ثالثة هي عاطفة تتضمن الميل والاتصال والأنس والاجتماع والخصب والإثمار؟ إن سياق التركيب يفعل فعله ويعتصر من افتراضات المعجم رحيقا مضافا ودلالة مولدة ويستثمر من مؤجلات المعاني ومعلقاتها ما يمكن أن يند عن العقل المحصي والنظر المدقق. فما الذي حينه النص السردي وجهز به أجواء التأليف ومجاريه حتى التأمت هذه المتنازعات؟ لننظر ما الذي يتولد عن ضم الأبجدية إلى الموت: ليس غريبا ولا بعيدا كون الموت حالة تثير رعب السامع وكل حي، كيف لا وظلالها كافية لتنهي إلى متلقيها حالة حبس الزمن عن الجريان وتوقف كل المرادات والنوايا، أما وأن المفردة تنضم إلى الأبجدية فإنها تنصبغ ببعض مقوماتها، فيصبح للموت قواعد تتعلم وحروفا وأصواتا تتلقى وتحفظ وتؤدى وفق تلك القواعد ليحكم لمستعملها بالصواب أو الحيدة. هو إذا موت غير الموت، ونهاية غير النهاية بل لنقل هو موت لتبدأ الحياة، الحياة الحقيقية، ونهاية غير النهاية الجسدية المعلومة المكرورة، بل هي نهاية لحياة حقها النهاية لتبدأ حياة أخرى حقها أن تبدأ على أنقاض الأولى، ولذلك سرعان ما نجد هذا المنحى يتأكد حين ينضاف المركب إلى ما يميزه ويوضحه وهو "حبا". نعم هنا نجد المقومات تتضام بصورة أجود وتسوغ هذا اللقاء الصعب والمجاورة المستغربة للوهلة الأولى، فإذا بنا نتفهم كل الفهم ونتشرب بملء الفم والوجدان أن "للموت حبا" طريق على سالكيه معرفة مسالكه ومساربه، لأنه موت يولد الحياة ونهاية تؤسس لبداية وفناء ينتفض من رفاته البقاء، وموت بهذا الخطر يتطلب بالفعل معرفة فنه وسبله، إنه فن الموت لصناعة الحياة وهنا تتضافر بكل سلاسة مقومات: التعلم / الفناء / الإثمار، لأنها مقومات ضرورية لفرد واحد في هذا الوجود والكون الذي شيده نص الرواية إنه: المقاوم. النص يستكمل عتبات عنوانه لا نستعجل النص كي يعطينا ثماره قبل أن نبذل في سبيل القطاف ما يطلبه الثمر الطيب، لأن السؤال الذي نحن في مواجهته الآن هو: نتعلم الموت حبا في سبيل ماذا؟ وهنا بالضبط تلوح لنا الإجابة عن العلاقة العضوية والوظيفية بين العنوان كعتبة للنص ومتن النص كامتداد ما لعتباته، فهاهو العنوان في صياغته اللغوية غير مكتمل فـ (أبجدية الموت حبا) تركيب لا يفي بالمطلوب ولا يحسن السكوت عليه كما يقول النحاة حتى يوردنا مقصده وفائدته، ولم نر من المتلفظين بالحب مفصولا عن لواحقه إلا ما تجيزه أعراف العشاق والشعراء، لأن ذكر الحب مع متعلقه هو من الحشو عندهم وتحصيل الحاصل أن تضاف للحب إضافة لأنه أصبح من كثرة استعماله دالا على مضافه عرفا وتداولا وسابقة، أما هنا في مسار السرد فلن نعمم القاعدة ولن نجري عرف العشاق والشعراء فيه، حتى وإن وجدنا في متن النص السردي هذا أجواء العشق غامرة وسوقه عامرة. وليس هذا التأبي والامتناع إلا لأن التركيب جعل من الحب تمييزا للموت الذي كما رأينا ينمي تيمة الفناء والفراق، فالعتبات إذا تدفعنا راغمين نحو استنطاق النص بل نحو استثماره لاستكمال تركيب العتبات ونفهم المسار الذي تدفع باتجاهه هذه المقومات المسرودة في حديد العنوان وقالبه. المسارات المتضادة وتوليد الكفاءة في النص مساران سرديان، مسار الذاكرة ومسار الحاضر، مساران بسيطان من حيث الكثافة السردية، فليس فيه عوالم متداخلة رغم تباعد المسارين زمنيا، فهناك مسار للسارد بضمير "أنا" وهو صوت الحاضر، أو هو صوت المأساة في وجهها الحاضر، ومسار للسارد الثاني بضمير "هي" ولكنه يسرد بضمير "أنا" أيضا فالسارد واحد ولكن بضمير "أنا" الرجل في الحاضر و"أنا" المرأة في الماضي وإن انزلق السارد الحقيقي وأسماها "هي" ليكشف لنا ربما من غير أن يقصد أنه لا سارد إلا واحدا في الحالين، ورغم ذلك فصورة السرد المزدوج قد تحققت وفتحت لنا منفذا للتساؤل عن سر التاريخ المؤنث والذاكرة اللطيفة وعن سر الحاضر المذكر والآن الخشن؟ تأنيث الذاكرة ألا يؤدي تأنيث الذاكرة إلى تعقيم المخصب كما يؤدي تذكير الحاضر إلى نضوب المستقبل؟ لو كان صوت الأنثى للحاضر وصوت المذكر للماضي ألم يكن ذلك متماشيا مع موت مولد للحياة وفناء ينبثق عنه البدء والولادة؟ لنغلق هذا المنفذ الآن لندلف إلى المسارين ونحاول أن نربط البدايات بالنهايات والمآلات ونصل إلى استكمال تركيب العتبات. المسار الأول يقوده السارد البطل بصوت "أنا"، صورة شاب وصف نفسه بضعف الذاكرة التي كانت سبب فشله الدراسي، وحين نقول الذاكرة نقول الفشل في التعلم، لأن لكل معرفة أبجديات تحفظ وتلقن، لكن صاحبنا يعزو فشله السابق بهذه الذاكرة العليلة ويربط بها فشلا متوقعا على صعيد العسكرية أيضا. من المنظور السيميائي يسمى مثل هذا النقص خللا في الكفاءة اللازمة للقيام بالبرنامج المؤدي إلى الاتصال بالموضوع المرغوب. نعم هذا بالفعل ما وصل إليه السارد نفسه، فهو يتوقع الفشل في المهام التي تنتظره بناء على نقص القدرة على تذكر القوانين وطرق استعمال السلاح... إلخ. في مقابل هذا المسار المليء بالتوقعات السلبية لدينا مسار آخر يتموقع زمنيا في الماضي ولكنه مرتبط فضائيا بالمسار الأول لأنه يتناول الحيز ذاته أي شبه جزيرة الفاو التي كانت مسرحا لمعارك طاحنة بين العراق وإيران، إذا فالمبرر الذي يجمع المسارين واضح على الأقل في تيمة الحرب التي يواجهها الساردان وكذا فضاء إنجاز مهمتيهما. لكن المسارين متمايزان إلى حد التضاد، وسنرى قيمة التضاد في توليد المعنى وحتى توليد المسارات السردية في النظرية السيميائية التي تشكل بقدر ما خلفية هذا التحليل. يتمايز مسار "هي" بأنه مسار الرغبة ومسار "أنا" هو مسار الجبر، وهذا مهم جدا في تشكيل كفاءة من يتصدى لإنجاز المهمة، فقد وجدنا السارد يتوقع الفشل في مهمته، فقد دفع إليها دفعا ثم هو منقوص من آلة التحصيل والتعلم، أما "هي" فتحركها رغبة متوارثة منذ عشرات السنين في المسير إلى جبهات القتال كلما تحركت أوصال العراق بالشكوى من معتد أو غاز، ثم هي تتنازع الخروج إلى الجبهة مع والدها في رغبة جامحة إلى السبق بالفداء، بينما نجد مسار "أنا" يظهر الخروج إلى العسكرية ومن ثم إلى الجبهة باعتباره خبرا مفزعا ينتظره الكل كأمر لا مفر منه ومن ثم يوصي الأب ابنه بالصبر والرجولة مظنة أن تظهر على الفتى آثار التردد. ومع أن الوالد ذو خلفية عسكرية فإن هذا الأمر لم يصب في تكوين كفاءة السارد، بل وسعت من نطاق التناقض بين الواقع والمطلوب، خلاصة الأمر أن مسارين متضادين لبرنامج واحد يشق أحدهما طريقه بين فجاج الذاكرة والتاريخ والثاني يتلوى بصعوبة بين مسامات الحاضر. لكن لنؤكد أن البرنامج هو نفسه: برنامج القتال أو التحرير أو رد المعتدي، ثم تأتي مرحلة الإنجاز الفعلي والقيام بالمهمة، وعلى التوازي بين المسارين ينتقل "أنا" في لحظة مفاجئة غير منتظرة إلى الجبهة، كما انتقلت على المسار الآخر "هي" إلى الجبهة ولكن عن وعي وإصرار وترصد للعدو وتحين لكل ما يترتب على الأمر من تكاليف وأثمان. الإنجاز وأبجدية الفداء وفي الجبهة يجري ما لم يكن في الحسبان، فعلى مسار "أنا" يتم استدراك ما كان ينقص الكفاءة من مواصفات، يستوعب السارد البطل أبجدية الموت في الميدان وهو يرى رجال المقاومة يتساقطون والراية تنتقل من ساعد إلى ساعد ولعلعة الرصاص فوق الرؤوس لا تزيدهم إلا إصرارا على بلوغ حدود الجبهة وإرغام العدو على التراجع إلى حيث بدأ عدوانه. يتعلم أبجدية إطلاق الرصاص واستعمال السلاح والصبر على السير في الأوحال وتحت ضرب المدافع، ولنقل إن استكمال الكفاءة جاء في أسرع وقت لأن الدوافع والحوافز كانت من الحدة وشدة التوتر ما جعل حساب الزمن غير ذي معنى، ولنربط كل هذا بالمسار الآخر مسار "هي" التي تقف على الجبهة ذاتها في عدوان مماثل وكأن صوت التاريخ وصورته اللذان تجسدا في "هي" لتشكيل الدرس الذي تم استيعابه على الأرض، درس التاريخ ودرس الذاكرة، درسها "هي" لأنها هي: الأرض. هكذا إذا، الأرض وحدها حركت الذاكرة لتتعلم الدرس، وحركت التاريخ حتى لا تتكرر إلا المسارات المقاومة. وهنا نفهم إبداع التوليفة بين المسارين ولماذا سارا متضادين، بكل بساطة لأن في التضاد يكمن الغرض السردي ذاته، لأن مسار "أنا" يتعلم من مسار "هي"، أي إن مسار الفداء يأخذ من مسار الأرض، فيتولد عنهما المقاوم الكفء القادر على دفع المعتدين. بقي الآن استكمال عتبات العنوان: فقد رأينا برنامج المقاومة يصل مقاصده، وتولد من درس التاريخ استحياء الهمة والروح، فانقلب الموات حيوية وحماسة واندفاعا، واستدرك تعلم أبجدية القتال الذي كان محل المساءلة والاستنكاف إلى وسيلة الأمن والحياة، لقد فهم الفتى أن في الموت سر الحياة وفي القتال سر الأمن والبقاء فلا مندوحة من مجابهة الظالم إذا أراد المسالم أن يعيش في أمان. إنها أبجدية الموت حبا للأرض... كيف تم تعلم كل ذلك؟ لقد تم ذلك بفضل ذاكرة الأرض والوطن، نعم الأرض استنهضت في أهلها نخوتهم وعلمتهم كيف يموتون لتحيا أجيال، والتاريخ مليء بالنماذج وهنا بالضبط يقع معنى توالد الحياة من الموت والبقاء من الفناء ونفهم ألا سبيل إلى تلك العتبات فيكون للموت حبا أبجدية لا تتعلم إلا بأن يكون الحب للأرض. .

إمتصّ " المخّاخ " عقلي و هذا ما بقى منه ...

التفاصيل
كتب بواسطة: نبيل درغوث
نشر بتاريخ: 09 أبريل 2001
انشأ بتاريخ: 09 أبريل 2001
الزيارات: 7
 

 

إمتصّ " المخّاخ " عقلي و هذا ما بقى منه ...

*  قراءة في مشرط كمال الرياحي  *

 

بقلم  : نبيل درغوث

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

"في البدء كانت الكلمة و كان الجرح، ستظل الكتابة الإبداعية جريحة تنزف… "

( محمد الجويلي )

"إن العمل الإبداعي خلق و إنشاء أو لا يكون "

( أمال البجاوي )

" إن النثر هو لغة استقصاء الواقع "

( إينر روشتلس )

" الأدب الخصب يحدثكم عن أنفسكم "

( محمود المسعدي )

 

ما زالت تفاجئنا رواية " المشرط " لكمال الرياحي عن دار الجنوب للنشر بتونس ضمن سلسلة عيون المعاصرة التي يشرف عليها الناقد الكبير الأستاذ توفيق بكّار بصعود مبيعاتها يوما بعد يوم  و هذا ما يلفت الانتباه لأنّ الرواية التونسية تشكو من غياب القرّاء (  نقصد الدائرة الكبرى بعيدا عن أصدقاء الروائي الذين يعدّون على الأصابع ). فكمال الرياحي عرفناه محاورا فذّا أمتعنا بـ"حواراته النهرية" و الدراسات النقدية الرصينة. هو كائن موهوب ,شعلة نشاط متّقدة يحمل أكثر من موهبة يجمع بين الشعر و الأقصوصة و الرواية و الرسم و النقد الأدبي مبدع متعدّد,  مفرد في صيغة الجمع.

أمّا رواية "المشرط" فكانت اسما على مسمى. كالمشرط الذي فتق عقدة خصاء الرواية التونسية. خرجت هذه الرواية الحدث عن سرب السرد التونسي في عزف منفرد. و ذكر لنا الناقد توفيق بكّار أن المشرط ستكون  هذه الرواية علامة في السرد العربي.  و تحدّث أيضا عن " المخّاخ " هذه الشخصية العجائبية و هي نتاج جماع بين رجل و بغلة . أنتج مسخا في صورة طائر بشع برأس بغل يعشق امتصاص العقول البشرية و خاصة منها عقول الأطفال.

فقال توفيق بكّار إن المخّاخ شخصية مبتكرة ، تونسية صرفة لا تذكّرك بأيّة شخصية في الرواية العربية ، لأن السرد العربي المعاصر أصبحت فيه الشخصيات الروائية متشابهة على شاكلة : مصطفى سعيد " في موسم الهجرة إلى الشمال لطيب صالح و " أبو هريرة " في حدّث أبو هريرة قال ... لمحمود المسعدي و "سعيد مهران" في اللص و الكلاب لنجيب محفوظ و " زكريا المرسنلي " في الياطر لحنّا مينه و" سعيد أبي النّحس" في المتشائل لأميل حبيبي"  كل هذه الشخصيات يعاد استنساخها بطرق مختلفة.

و لئن كانت شخصية المخّاخ مسخا فهي واقعية موجودة  داخل كل إنسان منّا . فلفرط وجودها و انتشارها أصبحت  لا تدرك بالبصر بل بالبصيرة و إن كانت رؤيانا عمياء! كلّنا يعلم أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان. و لكنّ الرياحي زادنا علما آخر بأنّ الإنسان مخّاخ  لأخيه الإنسان . فكلّ منّا ينام بداخله مخّاخ . كلمّا استيقظ في غفلة منّا نجده امتصّ عقول الآخرين . فشخصية المخّاخ التي أشاد بها الأستاذ الكبير توفيق بكّار و اعتبرها شخصية سردية نموذجية بأبعادها الرمزية و الأسطورية . و وقع تأويلها تأويلات  شتىّ .فذهب بعضهم إلى صورة الدكتاتور و بعضهم ارجعها إلى الفكر الأصولي الديني ...

"المشرط " رواية جريئة جدّا تعالج هموم و شواغل الواقع التونسي هذا الواقع الفظيع الذي يعجز العقل عن فهمه فيصبح الواقع متمظهرا  في العجائبي و الأسطوري  الرواية تعالج ألوانا من المسكوت عنه بحدّة نادرة و طرح صادم، " واقعية تصدم الذائقة ، و تناول فجّ لأحداث الحياة اليومية يرنو إلى إحداث صدمة قاسية ، وتخييب الانتظار {...} ينبع ذلك من شخوص الرواية... فمنها التاريخي و منها النصي الذي يعيدنا إلى عالم الرسم، و منها الأدبي، و منها الواقعي الذي لا شاهد على وجوده إلا الكاتب... فضلا عن قرائن بعينها من واقع عاصمتنا و مقاهيها و حاناتها و بعض الأماكن المخصوصة فيها. من الشخصيات ... المخّاخ ، و الغرّافة، و الرجل المحموم و الضرس و الزوجة و النيقرو و بولحية و السلطان شوّرب و هندة وسليم النادل و سيدة الروتند و الروتاند و شارع بورقيبة و ابن الحجّاج و الشهلاء الحمراء ...." هذا ما قاله عن المشرط الروائي و الجامعي الدكتور صلاح الدين  بوجاه .  فكلّ ما ذكره بوجاه يتضافر على إنتاج النص زاجا به ( النص ) في الواقع اليومي حتى ولو كان النص شيئا مطبوعا صامتا بل هو إنتاج يبقي النص كواقع و ليس كتجريد . نص يعكس الوضع الانسانيّ بفواجعه و احزانه و افراحه و نشواته .

إن الواقع يبدو في الفن حسب الناقد عبد المنعم تليمة " أكثر غنى من حقيقته الواقعة  لأن الفن لا يقف عند الواقع في معطياته الخارجية المباشرة ، إنما يتخطّى هذه

المعطيات إلى إدراك جديد لها فيبدو الواقع في صورة جديدة له : صورته الفنية "  .

حيث يلتبس الأمر فلا يكون بالأمكان تمييز الواقع من الخيال اد يندغم الواقعي بالخيالي .

رواية الرياحي ستمثّل حتما نقلة نوعية في السرد التونسي لتميّزها أسلوبا و موضوعا و رؤية. و لا سيّما أن الرواية التونسية عانت منذ سنوات من التحليق البارد في اللغة. بعيدا عن الواقع المنسي و المهمّشين .فالأدب لصيق الحياة ، و هو تعبير عن الحياة الإنسانية في تمظهراتها  المختلفة " فالحياة و الأدب توأمان لا ينفصلان" ." المشرط " رواية محتفلة بالهامش و المختلف ، رواية القاع و الوجع و كاتبها مسكون بالاختراق ، ملتبس بعنف اللحظة و شراستها فصحّ فيه قول بروست " من عمق أي آلام أخذ قوة الإله هذه و القدرة اللامتناهية على الخلق" .

بدّع كمال الرياحي بإبداعه " المشرط " و إلتماعه على خدود " الخدائج " ( جمع خديجة )  بجرأة تونسية نادرة في تشكيل روائي مستحدث و جماليات كتابة جديدة تعكس ثقافة و تجربة كاتبها . كتابة "مشرطيّة" " اخذت تنقّب عن المواقع الاكثر سريّة و تقلّب وجهات النظر ... " على حدّ عبارة الناقد الجزائري جمال الدّين بن الشّيخ.

فكان خلق شخوص روايته على غير صورة و لا مثال مسبق.

رواية الرياحي رواية خطيرة لم يتعوّد عليها القارئ التونسي. كل الدلائل تؤكد أنه سيكون لها كبير الأثر في المتلقي العربي ناقدا أو قارئا. و هذا ما أهّلها لتكون ضمن أهم سلسلة روايات عربية تنشرها دار الجنوب و التي سبق و أن نشرت ضمن نفس السلسلة لحنّا مينه و محمود المسعدي و أميل حبيبي و البشير خريف و محمود درويش و صلاح الدين بوجاه و عروسيه نالوتي  وفرج لحوار و صبري موسى و جمال الغيطاني و الطيب صالح و إبراهيم الكوني.

رواية "المشرط" أعملت المشرط في متن السرد التونسي محاولة منها  لاستئصال عقمه الطويل.

ماي 2006                                                

 

 

 

 نبيل درغوث

                         * كاتب و صحفي ثقافي من تونس *

قراءة في كتاب صدر

التفاصيل
كتب بواسطة: حسيب الكوش
نشر بتاريخ: 28 مارس 2001
انشأ بتاريخ: 28 مارس 2001
الزيارات: 8

دينامية الخيال:

المعرفة، الصورة وبناء الجملة النظرية.

حسيب الكوش

 

" إذا كان العقل منشئا للمفاهيم الكلية، فإن الخيال عامل تفريد وتذييت وخصوصية واختلاف، على أن وظيفة الخيال الأساس، تتجسد في تحقيق المعرفة، عبر توثيق الاتصال بين الإنسان والعقل".

                                                                   عبد الباسط لكراري

(دينامية الخيال – ص: 84)

       

تعرف سيرورة النص النقدي بالمغرب انقطاعات Catastrophes دالة تؤسس لإبدالات جديدة على مستوى التصور والمفهوم والممارسة. ويشكل كتاب الأستاذ الباحث عبد الباسط لكراري " دينامية  الخيال، مفاهيم وآليات الاشتغال "[1] مساهمة نوعية لاجتراح نمذجة تستوعب المحصلات النظرية لاجتهادات النظار العرب والباحثين الغربيين (ذوات معرفية ومؤسساتية) بخصوص المسألة الخيالية عبر القبض على نقط تقاطع الأزمنة المعرفية وإعادة سبكها من خلال توليف Combinaison يستند إلى النماذج الدينامية المستلهمة لنظرية الكوارث ومدشنا بذلك لإبستيميته الخاصة، فما هي خاصيات الجملة النظرية في النص النقدي عند عبد الباسط لكراري ؟ وما هي مرتكزات النمذجة في تصوره المعرفي ؟

1- الأطر المنهجية والتوتر الابستمولوجي:

        إن مجابهة إشكال معقد، في مقام الخيال، يفترض بالضرورة تناولا معقدا[2]. من ثم، فالجملة النظرية في " دينامية الخيال " مكثفة إحاليا ومفهوميا وتنصهر داخلها مسارات إبدالية تتخذ أبعادا أفقية وعمودية ودورية. وذلك وفق مقولات ثلاث للتحليل:

1- المراقبة الابستمولوجية لسيرورات التنظير للخيال منذ النمذجة الأرسطية إلى النمدجة الفينومينولوجية المعرفية، وهو مسعى تأطيري للمفاهيم.

2- إبراز إحداثيات الفضاء المعرفي للخيال من خلال التركيز على التشكيل الهندسي لبنياته وقوانين نموه، وهو مسعى لتحديد الآليات.

3- ثم عمليات لحم الضميمة الأولى والثانية من خلال مقترحات نظرية الكوارث عبر طروحات روني طوم وجان بتيتو وحلقة الديناميين البنيويين، وهو مطلب نمذجة دينامية للخيال.

 

إن النمذجة داخل العلوم الفنية[3] تظل متوترة بين مطلب الموضوعية الدنيا (على أقل تقدير) فيما يرتبط بإجرائية التحليل من جهة، وهو ما يحقق خاصية العلمية. والمطلب الجمالي الفني المبرز لإبداعية النص وشرط وجوده من جهة أخرى، وهو ما يحقق خصوصية الإنتاج والتلقي. من ثم نفهم مغزى " فلسفة التناول العلمي والإبستمولوجي " (ص:9) في " دينامية الخيال ". فـ " هدفنا الأسمى هو البرهنة على أن المعرفة النقدية الأدبية قابلة للتطور في ظل نظرية صلبة تدعم جهازها المفاهيمي وحركة خطابها ومفرداتها " (ص:175).

التوتر الابستمولوجي[4] بين الشرط الفلسفي للإشكال والشرط العلمي للمقاربة يعكس الوعي بالأطر المنهجية والقائم على المطالب النسقية عوض السرد التاريخي من خلال اقتراح نمذجة قائمة (من حيث البناء العلمي) على : الملائمة، الانسجام، وقابلية النقض[5]، فـ " نقد النماذج يستلزم بالضرورة امتلاك نموذج " (ص:9).

إذن، بقدر ما يستند البناء النظري في " دينامية الخيال " إلى مقولات تشكل طريقا ضروريا لمسارات النمذجة بقدر ما تتبلور إبداعية الجملة النظرية في تصويب وجهات نظر من أجل مفردات جديدة لمقاربة الخيال. فما هي مفاصل هذه المسارات المعرفية ؟

2- الفنطاسيا: الضوء والمعنى.

إن الامتلاء النظري الذي حققته النمذجة الأرسطية بخصوص الخيال يشكل مجالا للتناظر وإعادة البناء بالقدر نفسه الذي يحتفظ فيه بعناصر الثبات والمرجعية، فما هي الاستلزامات الابستمولوجية التي تؤسسها علاقة الفنطاسيا بالإدراك البصري ؟ (ص:25).

السؤال / المفتاح السالف يجد في " دينامية الخيال " مدخلين متكاملين، يتعلق الأول، وهو الظاهر، بتفكيكه إلى عناصر التشكيل الطبيعي : الضوء، المادة، وما هو حسي – بصري. ويتعلق المدخل الثاني، وهو الباطن، بالحمولة المعرفية للأشكال والمتمثلة في تداخل علوم الفزياء والبيولوجيا والرياضيات والعلوم المعرفية والنقد الأدبي في اكتناه ظاهرة الخيال[6]، تترابط المادة بما هي معطى للحواس مع قدرات تسعى لصياغة تمثيلات عنها Représentation. فبأي معنى نتحدث عن البعد المعرفي للفنطاسيا ؟

نعم، يمكن القول مع أرسطو أن الصور البصرية تظهر حتى وإن كانت الأعين مغمضة. وهو قول يؤشر على أن الصورة باعتبارها عصب الفنطاسيا ليست آلية للانعكاس ولكنها آلية للإبداع وممارسة التعقل. فـ " أعقد العمليات الذهنية المجردة كاستعمال المفاهيم وممارسة الاستدلال وأشكال البرهنة الرياضية تظل جميعها مرتكزة على اشتغال الفنطاسيا، بل إن " أصالة التصور الأرسطي تكمن في أن خاصية الإزدواجية ( أو الطابع الوسطي) تعكس، على مستوى الوظيفة المعرفية Cognitive للفنطاسيا، تجاوزا للتلقي السلبي المحض ( أو التلقي من الدرجة الثانية كما يسميه ) إلى الإتصاف بالتلقائية الذاتية الخاصة والفاعلية شبه خاصة " (ص:29)، وحيث يغدو الاختلاف ( هنا البعد الأفقي للجملة النظريـة) بين منظور أرسطو ومنظور أفلاطون اختلافا معرفيا (ص:24) وتصبح الفنطاسيـا ( وهنا البعد العمودي للجملة النظرية ) موجها تكويناModalité génétique  للخطاب (ص:37). فما هي حيثيات الهجرة المعرفية لهذه الإشكالات إلى السياق العربي – الإسلامي – اليهودي ؟

لقد عالج الباحث التفاعل المعرفي بين الأنساق الثقافية اليونانية والعربية الإسلامية – اليهودية من خلال نمذجات فلسفية أربعة: ابن سينا، ابن باجة، ابن رشد وابن ميمون ونمذجة أدبية من خلال مقترحات " منهاج البلغاء " لحازم القرطاجني. وقد علل اختيار هذه النماذج وفق ما ترتضيه الأسس الابستمولوجية لاستراتيجية البحث. فبالإضافة إلى طبيعة قراءتهم لإشكالية الخيال وما يحف من أسئلتها من تعقيدات فزيائية وبيولوجية وسيكولوجية وقيمتها الانتقادية للنموذج الأرسطي، هناك السياق المعرفي لهذه النماذج، والذي غذاها من خلال مباحث التشريح، والديناميكا الفيزيائية مما كان له أثره الواضح على الخطاب الواصف عند ابن باجة على الخصوص. و " ما حفزنا بخاصة على اختيار هذه النماذج هو فضيلة الحوار العلمي والجدل الفكري في صميم هذه النماذج المعرفية ذاتها، مما ساعد على تطور نظرية الخيال لغة وخطابا ونسقا، بصورة نوعية ملحوظة امتدت آثارها إلى بنية الثقافة العربية الإسلامية، وحقول المعرفة الإنسانية قاطبة " (ص:69).

ولئن كان التواجه المعرفي بين الثقافات يتم أساسا على مستوى الخطاطات الذهنية – وهنا نقتبس مفردات التوصيف من روني طوم – فإن اللغة باعتبارها مجالا لهذا التفاعل تجلي إشكالات النقل والترجمة. وهو ما توقف عنده الباحث من خلال تصويبات ومقارنات وتعديل للنقول العربية عن أصولها، وكان صنيعه مثيل ما قومه من ترجمات حديثة لنصوص غير عربية. ويندرج هذا الإشكال بمحصلاته ضمن الترتيب المعرفي لإبدالات التنظير للخيال؛ فالانتقال من لغة إلى لغة أخرى يعني الانتقال من نسق معرفي إلى نسق معرفي آخر. غير أن الأمر الدال هو اللحمة الدينامية لتصورات الأرسطيين العرب واليهود؛ فإخطار الصورة – على سبيل التوضيح – من منظور ابن الصائغ معدلا وفق المطلب الدينامي لنظرية الكوارث، تحدده الترسخات البيولوجية وما يلائمها من الصور الطبيعية الصادقة، وهو ممارسة انتقائية للصور الذهنية تشترطها العوامل الطبيعية والبيولوجية والنفسية (ص:83).

رغم صرامة الأطر المنهجية للنمذجات السالفة فإن الفنطاسيا سيتم عزلها عن وظيفتها المعرفية (ص:106) مع الآباء الأغريق والآباء اللاتين ومحاولة تكريس طابع الدنس والخطيئة بها قياسا إلى تمجيد العقل. غير أن الإبدال الكبير في التنظير للخيال سيتحقق مع خيال العرفان من خلال نموذجي ابن عربي والملاصدرا الشيرازي. فما هي القيمة المعرفية لهذا الإبدال ؟

3- الصورة الصوفية والمسح المعرفي:

الخطاب الصوفي هو خطاب الصورة بامتياز. من ثم، يعيد الأستاذ عبد الباسط لكراري التشديد على تنبيه جلبير ديران والذي يحدد فيه ثلاث لحظات قسرية تعرضت لها الصورة:

1-   الاختزال الوضعاني للصورة إلى علامة.

2-   الاختزال الميتافيزيقي للصورة إلى مفهوم.

3- الاختزال الديني / التيولوجي للصورة إلى مسالك من التسويغ الوعظي وأنواع من العبودية الزمانية والحتميات التاريخية (ص:136).

هل يمكن الحديث عن ترتيب معرفي بين خيال العرفان والنمذجات الأرسطية ؟ لقد فطن الباحث إلى كون هذا الترتيب يفتقد نسقية ابستيمية. وهو ما حذا به إلى إعادة توليف النص النظري لابن عربي من خلال تحديد البنيات الكارثية في التصوف الأكبري. فالملفوظ النظري لابن عربي بخصوص العلاقة بين الوهم والعقل ينحل من خلال مفردات القراءة الدينامية إلى إشكال التعالق بين الصورة والمعنى؛ فالصورة يحركها الترسخ الطبيعي Prégnance Naturelle والمعنى يحركه الترسخ النفساني Psychique (ص:122).

كما أن المسح Scaning ( بالمعنى المعلوماتي ) المعرفي الذي مارسه الباحث على الخطاب الصوفي جعل من تراتبية الأعلى والأسفل في معجم صاحب الفتوحات تقسيما قائما على التفضية المعرفية (ص: 161)، وأصبح السفر عند الشيرازي سفرا معرفيا (ص:146) من خلال طرق ضرورية Chrèodes (ص:159). وبالنظر إلى سمات الصورنة والترييض في الاقتراب الدينامي – المعرفي من جهة، وطبيعة النسق الصوفي من جهة أخرى، فإن الجملة الواصفة كان لها أثرها على اجتراح نمذجة وصفية تتجاوز خاصيات الصورة الصوفية؛ فـ " الصورة ليست علامة ولا مفهوما مجردا، هي نسج لفيض وجدان ولإشارات برزخية، هي كيمياء ذوقية. والمعنى فيها حالة وجود " (ص:137). فهل نحن بصدد الخطاب الصوفي أم الممارسة الصوفية ؟ إن مفهوم الخطاب، من المنظور السيميائي الحديث، يتحدد باعتباره ممارسة ( اجتماعية ثقافية ) Discours en acte، ممارسة فعل المعرفة، ومعرفة الفعل. لا باعتباره خطابا صوريا يتم تمثله وفق خطاطة مرمزة تلغي الذات المعرفية للفاعل الإنساني[7]، وقد كان لهذا التحول في مفهوم الخطاب أثره على مسارات النمذجة في كتاب " دينامية الخيال " من زاويتين. أولا، إعادة موضعة الإنسان باعتباره ذاتا متلفظة في زمان ومكان متجذرين وجوديا وتصبح التجربة الصوفية تبعا لذلك تجربة معرفية Cognitive. وهو استنتاج ثقافي – معرفي. وثانيا، فتمرحل فصل " خيال العرفان " بين النمذجات الأرسطية والنمذجات الظاهراتية – المعرفية والدينامية مكن من خلق تواصل إشكالي في بنية النسيج النظري للكتاب. حيث انطلاقا من كانط ومرورا بهوسرل ووصولا إلى نظرية الكوارث والأطر التصورية للبيان المعرفي ستتم عملية إعادة الاعتبار للتذوات بين العالم والذهن، بين الطبيعة والمعنى قصد كتابة تاريخ جديد لمفهوم الخيال وانبثاق Emergence المعرفة. وهو استنتاج منهجي. فما هي أهم سمات هذا التحول النظري ؟

4- الطبيعة والمعنى : انبثاق المعرفة.

نحن الآن متكلمون عن جوهر التوتر الابستمولوجي في كتاب " دينامية الخيال ". فإذا كانت الجملة النظرية في الباب الأول تميزت بتداخل المستويين الأفقي والعمودي من أجل إعادة ترتيب الأزمنة المعرفية للمفاهيم فإنها في الباب الثاني والقسم الأول من الباب الثالث اتخذت طابعا دوريا، منفتحا وكونيا. حيث أن النموذج الاستبدالي لنظرية الكوارث سيعرف خلخلة لأصوله الرياضية والكانطية والفينومولوجية وهو ما فرض تعديل مفرداته، وبالآلية نفسها عدل الباحث تصورات البيان المعرفي وخصوصا التصور الإدماجي للفضاءات عند ماك تورنر. وهكذا، فاقتراحات مهندس السيميائيات المعرفية بيير ويلي والدينامي المحنك بيير آج برانت وابن البناء والسجلماسي وجاكندوف ولايكوف وتورنر... تتموقع بشكل استبدالي قد توحي مورفولوجيته بعدم ترتيب معرفي مسبق ولكنه في العمق مؤشر على انقطاع نظري مفاده استقلالية المنهج وبداية تجسد النمذجة المقترحة من طرف الباحث.

ينطلق هذا التجسد من الرصد المنهجي لمسارات الاستراتيجية المعرفية عند كانط (ص:185). فالمخيلة في الإبدال الكانطي ملكة تقوم ببناء الصورة الفضائية للموضوع داخل الحدس المجرد. وهنا يؤكد الباحث – الفرق الجوهري عن الثنائية الحدية في التراث اليوناني، والبذرة الأولى للوصل بين الطبيعة والمعنى، بين النظام المورفولوجي المتعلق بالشكل والنظام السيميائي المتعلق بالمعنى (ص:189): إننا بصدد فزياء المعنى. ولئن كان للتصور الكانطي الميسم التأصيلي في النموذج الكارثي فإن اقتراحات بييرآج برانت فيما يخص " التبادل الإدراكي " تتناسب إلى حد بعيد مع محصلات النماذج الدينامية في دراسة الوشائج والروابط العضوية بين الشكل والإدراك والتمثيل المعرفي (ص:225). وهو ميسم التعديل الذي يحقق في البناء النظري لـ " دينامية الخيال " البعد الاستبدالي لنمذجة جديدة. فالباحث لا يكتفي بعرض الدرس الدينامي – وهو مطلب دقق فيه العبارة والإشارة عبر بلاغة ديداكتيكية مضبوطة[8] – ولكن يشدد على مفاصل القوة في بعض المفاهيم ( مفهوم الشيء ) ويقوي شدة مفاهيم أخرى ( مفهوم الترسيمة )[9]. كيف تتحدد، إذن، السيرورة المعرفية من المنظور الدينامي ؟

يضطلـع الجهـاز الحسـي الفطـري – والقـول للأستـاذ لكـراري – ببنينـة التجربـة  Structing of exprience على مستويين: المستوى الطبيعي – الفيزيائي، ومستوى ترسيمة الصورة. وكلاهما يتأتى إدراكه وتصوره عبر عملية " بنينة " التجربة. فالطاقات والقدرات – يتابع الباحث – الخيالية الفطرية بما ينطوي تحتها من ترسيمات ومقولات واستعارات إلخ. تخصص المفاهيم المجردة من خلال وصلها بمفاهيم " ترسيمة الصورة "، ومفاهيم الإطار الطبيعي وغيرها. ولهذا الهدف – يستنتج الباحث – ظهرت نماذج علم النفس المعرفي أصلا، وبوحي من سيرورات إنتاج المعرفة وفهم آلياتها تأسست ونمت فروع الذكاء الاصطناعي بأجياله الحديثة (ص:227)، ثمة، إذن، مبدآن جوهريان ينتظمان تحويل الطبيعة إلى معرفة: الانبثاق المزدوج والتنظيم المزدوج؛ فمكونات البنية التصورية تتعاضد مع عناصر الفضاء الطبيعي لتأسيس فضاءات الدلالة (ص:231). ولتوسيع الإطار الإشكالي لهذا التصور نؤكد على أن التعالق طبيعة / معرفة، فزياء / معنى (والمختصر في إشكالية الانبثاق) يؤول مبدئيا إلى صيغة بيوفزيائية، لكنه في العمق إشكال بيومعرفي. ذلك أن المعلومة الجينية باعتبارها المحصل النهائي للترابط بين الذات المعرفية والعالم تتخذ تسنينا رقميا وفق علاقات كيميائية، تحسيبية التنظيم ولكن تسمح بقصدية التصرف السيميائي: فلا حياة من دون معرفة ولا معرفة من دون حياة[10]. بهذا المعنى نفهم حضور الجسد في الفينومولوجيا ( ميرلوبونتي على الخصوص ) والعلوم المعرفية ( فاريلا، روتش وآخرين )[11]، والنموذج التوتري في السيميائيات الفرنسية الحديثة[12].

في أوج هذا التعقيد النظري يذكر الباحث وهو على أهبة تفعيل النمذجة المقترحة على نص    " كتاب الحب " للشاعر محمد بنيس بأن الذي يستأثر بالإهتمام في الأثر الأدبي هو الصورة وكيمياء تشكيلها (ص:388). ولكن، حين نتحدث عن الصورة فنحن نشدد على ثقل رمزي ولغوي أيضا يفجر الكتلة الحسية الجامدة وينسج كوكبة من الصور (ص:288). وبتعبير أب الفينومنولوجيا يظل " الواقع " الذي تبرزه الصورة هو دائما على شاكلة " كما لو "، إذ تتموج الصورة، وتطفو أمام أنظارنا على نحو إدراكي (ص:293)[13].

وبالنظر إلى القيمة الرمزية للمتخيل تتبع الباحث الأصول البيوثقافية للخيال الرمزي عند كاسيرر، يونغ، وباشلار من أجل صياغة القواعد البيولوجية للرمزية في النسق الديراني (نسبة إلى جلبير ديران) وتوضيح الأفق النظري الموسع في تصورات ستيفان لوباسكو.

إن التمرحل المنهجي الذي اعتمده الباحث والذي ينطلق من الأطر الطبيعية فالمعرفية ثم الخيالية – الرمزية تمرحل مشفوع بسياقات تشكل السيرورة المعرفية لآليات إنتاج الخيال. فالمسعى الإجرائي يستهدف كثلة نصية ( كتاب الحب )، وبالتالي، فالصورة النصية لم تعد حبيسة قوانين البيان اللفظي الذي يعزلها عن مداراتها البيومعرفية والثقافية. فـ "الدال لا يصنع الصورة حتى متحددا بمدلوله، لأن الصورة أعمق غورا من مجرد اقتران محسوس بمدرك ذهني، بل لا بد من وصلة بحركة النفس ومدارات الخيال والتمثل " (ص:387) من هذا المنطلق سيسعى الباحث إلى قراءة دينامية لنظريات البيان وخصوصا مبحث الاستعارة. ذلك أنه سيقع إدماج البيان اللغوي ضمن استراتيجية شاملة من البيان المعرفي (ص:396).

أمام فرط الخطاب البلاغي العربي في التقنين ووأد فعالية تنظير الصورة وانطولوجيتها – يقرر الأستاذ لكراري – برز الإبدال القرطاجني (ص:366) الذي حقق من خلال موضعه جديدة للصورة داخل الذهن تحولا معرفيا هاما داخل التفكير البياني. بالإضافة إلى الميسم الرياضي والمنطقي لصنيع ابن البناء والسجلماسي. ويعود ذلك إلى كون مفعول الصورة – يقول الباحث – يسترشد بما يعرف في النظريات المعرفية ونماذج الذكاء الاصطناعي بالأطر والخطاطات والمدونات والمعرفة بالعالم في فهم طبيعة واشتغال الصورة في اللغة. فالصورة البلاغية، يوضح الباحث تنزع أولا – بتموضع أداة وسيطة، بين إرادة القول والقول ذاته، إلى تعتيم اللغة، كي تسلط عليها لاحقا، مزيدا من الأضواء. وينجم عن ذلك إعادة تنظيم مفاجئ لفضائنا الذهني، مما يشكل بحق حدثا معرفيا هاما (ص:400). فوفق هذا التصور حدد الباحث الاقتضاءات الشارطة لاستعارة الصورة داخل النماذج التصورية سواء في بداياتها مع جورج لايكوف ومارك جونسون أو في أبعادها الإدماجية للفضاءات مع فوكونيه وماك تورنر مستعينا بديناميات الأطر الكارثية.

إن التعالق المفهومي بين الأطر الطبيعية والمعرفية سيتحقق إجرائيا من خلال ما سماه الباحث " متخيل الأثر " في " كتاب الحب ". ففي فضاء الحب يتقاطع الواقعي والخيالي تقاطعا دالا ومنتجا للسيرورات الدينامية. ويمكن الارتكاز على نظرية " الترسخ والتمدد " المتفرعة من الصيغة الحديثة لنظرية الكوارث لاستخلاص عدة إجرائية قادرة على توصيف هذه البنية المفتوحة في متخيل الأثر (ص:465). كما أن تشبع تجربة الحب بقيم التفاعل الفزيائي والثقافي والاجتماعي في العالم المحيط بها جعل منها نسقا انتربوسيميائيا متنوع التجليات تخترقه منظومات رمزية وبلاغية وأنواع من الاستعارات التصورية (ص:473). وهو ما عزز آليات الترسخ والتمدد بالآليات التصورية. وقد ركز الباحث على الاستعارة التصورية " الحب حرب " بالنظر إلى قيمتها الخطابية Discursive في التراث الشعري. بالإضافة إلى آلية مورفولوجية التراسل بين الحواس والمستثمرة للأنساق التواصلية وآلية شكل الطية والبنيات السيميائية الدورية المعضدة بثنائية صراعية: الحب – اللاحب والمرتهنة إلى إجراء المربع السيميائي[14].

 

 

5- رحيق المعرفة :

        كل نمذجة، في المحصلة، هي نمذجة ثقافية تتداخل فيها حقول معرفية متعددة، من ثم، فكتـاب " دينامية الخيال " رحلة في فضاءات تنظيرية متجاذبة. وهو ما انعكس على بناء الجملة النظرية، سواء من حيث المفاهيم، إذ عمل الباحث على إعادة الترتيب الأفقي للنمذجات العربية وغير العربية من خلال القوة الاستبدالية للاقتراحات الدينامية، أو من حيث الآليات، والتي تجشم الباحث عناء تعديل مرتكزاتها حتى تتلائم إجرائيا مع مسوغات التحليل وانفتاحية النص.

        ونحن نعول على الباحث عبد الباسط لكراري بالدفع بآفاق نمذجته نحو الصورة البصرية       ( خصوصا و " كتاب الحب " فيه قسم مشعور وآخر مرسوم ) والخيال الوسائطي ( الصورة الافتراضية والمعلوماتية ) والخيال التربوي ( الاستثمار البيداغوجي لآليات الخيال ) من أجل خيال معرفي موسع.

        وبعد، لا أجدني إلا مذكرا بمثال للشيخ توماس سيبيوك يبرز فيه مسالك المعرفة. حيث حدد مسلكين. مسلك حيوان الخلد الذي لا يمل من الحفر بأنفه بحثا عن جحر أعمق في الأرض، وحتما رغم تعمقه سيظل أنفه ممرغا بالتراب. وهو نموذج الباحث الذي يسيج مجال بحثه حيث لا يتكلم إلا لغة علمية مفردة. وهناك مسلك النحلة التي تأخذ من الزهور أغلى ما فيها وهو رحيقها، وتنتقل به من حقل إلى آخر عاملة على تلقيح النباتات المتنوعة الأصناف. ولتنتج في المحصلة عسلها الخاص، وهو مثال الباحث الذي ينفتح على مجالات معرفية متعددة يأخذ زبدة مفاهيمها، ويعمل على خلق التفاعل بينها، ليتم في الأخير توليد نمذجته الخاصة. وكتاب " دينامية الخيال " شهد من صنيع نحلة مغربية برونق ديناميات الألوان في لوحة الغلاف للفنان عبد الله الحريري. بهذا، فاختيار نظرية الكوارث هو اختيار مسلك في فن العيش والبحث عن البعد الرابع في حياتنا اليومية.

 



[1] - عبد الباسط لكراري (2004) : دينامية الخيال – مفاهيم وآليات الاشتغال – منشورات اتحاد كتاب المغرب، الرباط، ط1. وأرقام الصفحات تحيل إليه.

[2] - إن سمة التعقيد Complexity كخاصية نسقية انبثقت داخل البيولوجيا ثم انتقلت إلى باقي العلوم، وهي تتعلق من حيث الظاهرة، بتعدد العناصر والعلاقات، ومن حيث المنهج، بتعدد إمكانات الوصف، بنظر إلى الدراسة / المدخل الجامعة: EMMECHE (C) (1997): Aspects of Complexity in Life and Science. Philosophica.Vol.59.N.1

[3] - ترتبط العلوم الفنية بالنص / النصوص. وبالنظر إلى المسعى التحديدي للمعنى، والبعد التأويلي للدلالة، يصبح التحليل رهين استراتيجيتين: الوصف الدقيق للمعنى دون السقوط في التأويل، والتأويل الأرجح دون التقيد بشكلانية فارغة. للتقريب:

RASTIER, F (2001) : Arts et sciences du texte, PUF, Paris                                                                  

[4] - يتلخص مفهوم التوتر الابستمولوجي في سؤال توماس كون: " كيف يمكن أن ينسجم التوجه نحو تقليد بعينه مع ممارسة الضوابط الضرورية للإنتاج المتواصل لأفكار وتقنيات جديدة ؟" عن: سالم يفوت (2003) : التقليد والابتكار في العلم، وجهة نظر تومس كون، ضمن: التقليد والتجديد في الفكر العلمي، تنسيق بناصر البعزاتي سلسلة ندوات ومناظرات (رقم106)، منشورات كلية الآداب بالرباط.

[5] - تحقق الملائمة استقلالية الموضوع العلمي في العلوم الإنسانية (اللسانيات والسيميائيات على الخصوص)، ويرتبط الإنسجام بالصوغ المنطقي للاستدلالات، بينما قابلية النقض – حسب كارل بوير – تشكل عملية الخطاب العلمي، وهذا نموذج للتكثيف الإحالي في الجملة النظرية (Theory – Zapping).

[6] - للتوسع في الأبعاد الطبيعية والسيمائية للضوء وعلاقتها بالنصوص الفنية، يمكن العودة إلى :

- FONTANILLE, J (1995): Sémiotique du visible, des mondes de lumière, PUF. Paris                         

[7] - كل خطاب يحدد " شكل حياة " Lebensform)). وقد كان لفلسفة فيتعنشتين الثانية دورا مركزيا في هذا التحول المفهومي داخل السيميائيات.

[8] - للإطلاع الجامع على مفردات النظرية الدينامية نحيل إلى:

Gaétan, D(1998): Dynamique du sens : autour des thèses sémiotiques de Jean Petito, villencure d'ascq, P.V. de septentrion.                                                                                                                    

[9] - " ليست الترسيمة Schème صورة، ولكنها القدرة على تشكيل الصور وبناء النماذج "، " فنحن حين نرسم خمس نقط متوالية، فنحن هنا نعطي صورة عن العدد " خمسة "، أما حين نمارس التفكير في رقم معين بصورة مجردة، فنحن إنما ننتهج هذا الضرب من التفكير لتمثيل صورة ما طبقا لمفهوم معين، وتسمى تلك الصورة ترسيمة خاصة بهذا المفهوم " (ص:244-245).

[10] - أليست الدينامية هي الحياة ؟ أليست الحياة هي السيميوزيس (Sémiosis) ( في معناها الموسع لا في تحديدها الضيق عند بورس )؟ ونحيل، للتناظر، إلى :

HOFFMEYER, J (1996): Signs of meaning in the universe. Trans.on. B.J. Laolland Blomington. Indiana university press.                                                                                                               

MERRELL, F (1996). Signs Grow : semiosis and life processes.

حق القارئ

التفاصيل
كتب بواسطة: علي بخوش
نشر بتاريخ: 25 مارس 2001
انشأ بتاريخ: 25 مارس 2001
الزيارات: 8
 

حق القارئ

علي بخوش

 

كثيراً ما نسمع عن برامج تخصص لطلبات المشاهدين عما يحبونه من أعمال فنية متعددة؛ كالمسلسلات والأفلام والأغاني ...وغير ذلك، فتلبي تلك البرامج مبتغى المشاهدين وأمانيهم.
ولا يتوقع أن ينحو الأدب هذا المنحى، فالأديب ( الشاعر ، الروائي، القاص، الكاتب...الخ) مبدع ينطلق دون قيد أو شرط ودون أن يجعل من اهتمامه إرضاء القارئ وتحقيق أحلامه.
ومع ذلك، فالقارئ له حق يجب أن يراعيه المبدع في كل الظروف؛ فمن حق القارئ أن يتواصل مع النص الأدبي، ومن حقه أن يتذوق ويحس بالجمال والمتعة والفائدة، ومن حقه أن يشارك المبدع في انطلاقته وسباحته وتحليقه، في فضاء النص. فالمبدع إنما يكتب للقارئ وعليه أن يحقق شرطا مهما وهو التواصل، ذلك إن بعض المبدعين ـ بدعوى الحداثة والتجريد والتغريب ...ـ يكتبون نصوصاً أدبية من النوع  يوناني فلا يقرأ". وفي هذه الحالة لا يمكن أن يتهم القارئ بعجزه وضعف خبرته الجمالية، فالمبدع نفسه هارب من التواصل والفهم. فإذا كان من حق المبدع أن يحلق ويبدع ويسبح ويعبر بطريقته الخاصة وإذا كان من حقه أيضا ألا يرضي المتلقي، فليس من حقه على الإطلاق أن يهدم كل جسور التواصل بينه وبين القارئ. فالقارئ ينشد المتعة الجمالية والتجربة الروحية ومعايشة أجواء القصيدة ووجدانها، فكيف يتسنى له ذلك إن كان النص يكتب بلغة أخرى غير اللغة التي يفترض أن تكتب بها.
ولا أدعو في هذا المقام أن ينزل الشعر والأدب إلى جمهور القراء باختلاف طبقاتهم ومستوياتهم، بل أدعو أن يرفق المبدعون بالقراء بعض الرفق، وذلك بأن يؤمنوا أن لهم رسالة ومسؤولية من خلال ما يبدعون، ولهذا عليهم أن يتواصلوا أولا مع القراء وبعد ذلك من حقهم أن يطلبوا من القراء صبراً وتأنياً وعمقاً في القراءة.

فلا أحد يطلب من المبدع أن يكتب ما يريده القارئ، ولا أحد يستطيع أن يجبر المبدع على ذلك، بل لا أحد ينكر ما تشكله هذه الدعوات من خطر على الإبداع والفن.
فمن حق الشاعر، بل من واجبه، أن يلخص تجربته في الوجود ورؤيته الخاصة الفريدة والمميزة لهذا الكون بطريقة فنية، ويملك الشاعر لوحده حرية التصرف والانطلاق في رسم هذه الرؤى والمواقف والتصورات والخلاصات دون أن يحق لأي ناقد أن يوقفه أو يعترض عليه.
لكن من حق الناقد ـ أو على القارئ العادي ـ أن يعترض على الشاعر حين يقرأ قصائد مبهمة لا تعبر عن أي شيء ، يبذل القارئ جهدا غير يسير لكي يلج القصيدة ، لكي يلمس محيط القصيدة فحسب، لكي يمسك بخيط واحد ـ على الأقل ـ من خيوط القصيدة ، لكي يعبر القصيدة خجلا وباحتشام، ولكن بعض هذه القصائد المبهمة لا تحقق له ذلك ، إنما تمارس نوعا من الإرهاب القرائي ـ إن صح التعبير ـ على القارئ؛ فالقارئ متلق حداثي ليبرالي إن هو أحسن التواصل مع هذه القصائد، لكنه يتحول إلى متخلف إرهابي ورجعي بدائي إن هو لم يهلل لها لأنه ببساطة لم يستطع التواصل معها.
وليت الأمر مقتصر على بعض القصائد لبعض الشعراء ، لكن الأمر يتعلق بموجة أو نزعة شائعة قوية تميل إلى الغموض المتطرف والتجريد القاتل الذي يهدم جسور الاتصال والتواصل.
ما يريده القارئ الواقعي هو ألا ينساه الشاعر فحسب، وأن يتذكره ، في لحظة الابداع.. الإبداع مسؤولية وقدرة؛ مسؤولية حين يدرك الشاعر ـ مثلاً ـ أنه مثقف الأمة والمدافع الروحي عنها وأن يدرك ذلك بصدق وايمان وتجسيد..
لست أكشف سراً حين أقول إن القارئ قد فر إلى ميادين فنية اخرى غير الشعر ـ ولو أن المبدع ليس هو المتهم الوحيد ـ فعلى سبيل المثال يعرف المرء بعض الذين يحبون تتبع منابع الجمال الأدبي قد نفروا من الشعر الحداثي وحين نسالهم يقولون بعض ما يكتب أصبح كالرياضيات.
صحيح ان هذه الفئة من القراء لا تمثل كل القراء لكنها تمثل جانبا منهم على الشعراء الحداثيين أن يراعوهم

ويفر كثير من القراء ـ بنسب مختلفة ـ من مجال الشعر إلى مجال النثر، فهم يجدون في الرواية والقصة وأي مقطع نثري آخر ما لا يجدون في المقطع الشعري ـ أو على الأقل هذا ما يدعيه بعضهم ـ والحق أن في مثل هذا الكلام جانب من الصواب؛ ذلك إن النثر مجال خصب ليفجر فيه المبدع فيه إمكانياته، ويشبه الأمر الملعب الكبير الذي يتيح للاعبي كرة القدم تفجير طاقاتهم فيه ، في حين أن الملعب الضيق أو الصغير لا يسمح بذلك، وهذا حال الشعر والنثر، فالشعر يحتاج إلى قدرة رهيبة وتمكن تام ومعرفة عميقة بخفاياه، دون أن يكون هذا مانعا من الإبداع وفق شروط معينة يحددها النظام الشعري. وهذا ما جعل البعض ـ وليس الكل ـ من المبدعين يهجرون هذا المجال ويلتحقون بمجال النثر، ولعل هذه الهجرة ولدت هجرة قرائية إلى مجال النثر بدورها.
وهذا لا يعني على الاطلاق ان النثر اسهل ركوبا واخفض درجة من الشعر ، إنما يعني ان الشعر ـ أو بعض هذا الشعر على الأقل وكما بدأ يحذر بعض النقاد ـ قد بدأ يفقد تواصله مع القراء والمتلقين، مما جعل بعض هذا الشعر لا يقرأ إلا من لدن اصحابه.

ينجح المبدع ـ عند بعض النقاد ـ عندما يبرع في التواصل الكلي مع القارئ، والوصول إلى دواخل نفسه، ومخاطبة أعماقه مخاطبة لين ورفق حينا وشدة وقسوة حينا آخر، لكنها مخاطبة لا تعدم التواصل الجمالي. ومع ذلك فهذا المبدع لا يسيء إلى فنه أو يحط من قدره؛ إذ لا يعني الاهتمام بالمتلقي أن تكون غاية الشاعر ـ مثلا ـ هو أن ينزل بشعره الى مستويات قد تضر بالعملية الفنية في حد ذاتها ، إرضاء للقارئ ومحاولة للتقرب منه. فمهمة المبدع هي نقل رؤيته الخاصة وتجربته الخاصة عن الكون والوجود والحياة بشكل فني وجمالي الى القارئ، مع شرط بسيط جدا هو أن يضع المبدع في ذهنه أي قارئ يخاطب؛ فإن كان القارئ غريبا ، احسن التواصل معه، وإن كان القارئ عربيا اجاد التواصل معه ، وإن كان غير ذلك هيأ لكل مقام مقال كما يقال.
وقد يقول قائل إن التجربة الانسانية والشعورية واحدة، وهذا أمر صحيح ، لكن مستويات القراء مختلفة ، ومرجعيات القارء مختلفة؛ فالقارئ الشيوعي ليس هو القارئ الرأسمالي والقارئ اليهودي ليس هو القارئ المسيحي، والمبدع هو من يحسن مخاطبة الجميع دون ان يفقد فنه مميزاته الخاصة.

وما دام القراء ـ على أرض الواقع ـ لا يشكلون كتلة واحدة، فإن هذا يقودنا إلى سؤال هام ألا وهو : أي قارئ يفترضه المبدع حين يؤلف عمله الإبداعي ؟
ربما من الصعب أن يجيب المرء عن هذا السؤال إجابة قاطعة حاسمة، لأن ذلك يستوجب علينا العودة إلى المبدعين وسؤالهم وهذا أمر صعب من الناحية العملية، بيد أنه من الممكن أن يستنتج الناقد بعد الدراسة والتحليل للأعمال الادبية نوع القارئ الذي ضمنه المبدع في عمله.
فبعض المبدعين يفترضون قراء مثاليين ينجز لهم العمل الفني؛ فيولد هذا العمل وهو يتضمن قارئه المثالي المحترف، وليس في هذا أي نقيصة أو عيب كما قد يظن بعض المبدعين الذين قد يشعرون بان افتراض قارئ معين اثناء الإبداع مساس بقدسية التاليف أو مس باللحظة الحاسمة في الابداع...على الإطلاق ، فإن افتراض المبدع لقارئ ماهر مثالي قد يجعله اكثر شعورا بالمسؤولية الإبداعية فنراه يجتهد ويشقى ويتعب حتى يخرج هذا العمل صادقا كل الصدق مع تجربته الفنية ، ذلك أنه يشعر دوما بثقل المهمة الملقاة على عاتقه بسبب ذلك الافتراض القرائي.
ولكن قد يميل العمل الفني الى السطحية والابتذال حين يقصر المبدع جل غايته في ارضاء ذوق القارئ ـ وقد يكون هذا الذوق غير مقبول بحكم الظروف الثقافية مثلا ـ ويفترض بذلك قارئا على درجة من السذاجة والسطحية ، فيكون عمله سطحيا ساذجا لا يسبر أغوار النفس البشرية ويكتفي بظواهر الامور. وبدل أن يعمل المبدع على رفع الذائقة الجمالية للقارئ ، نجد غاية ارضاء القارئ ودور النشر والامور التجارية عوامل تزيد من انحطاط مستوى الأعمال ودرجتها.
والحق أن القارئ سيكون شاكرا كل الشكر للمبدع الذي يجعله يشارك في بناء معنى العمل والاجتهاد على ملأ فجواته وإعادة قراءة العمل قراءة تنسجم مع تجربة القارئ نفسه، فيكون المبدع قد ضرب عصفورين بحجر واحد؛ فهو قد أرضى حاجة الفن والجمال ولم يخضع لضغوطات جماهير القراء من جهة، ولم يهدم جسور التواصل الكلية بينه وبين القراء حين يجعلهم أطرافا مشاركة في هذه الأعمال .
حين يقول أحد ما بأن المتلقي قد أصبح غريبا عن القصيدة الحديثة ، فهو لا يجانب الصواب ، إنما لا يعد أن يقول الحقيقة الفعلية، وليس أدل على ذلك اقرار كثير من المبدعين والأدباء بالأزمة التي خلقتها القصيدة الحرة الغامضة؛ فقد طغت اشكالية غموض القصيدة الحديثة وما يوصف بغربتها عن المتلقي وموضوع الشكل والمضمون على مناقشات الشعراء الذين يشاركون في مهرجان الشعر العربي والفرنسي الذي أقيم في معهد العالم العربي في باريس .
فالشاعر التونسي محمد احمد القابسي الذي ادلى بشهادته حول هذا الموضوع وصف القصيدة الحديثة التي يكثر فيها الرمز والغموض بأنها لا معنى لها وهي تكتب لذاتها وليس للمتلقي وقيمة هذه القصيدة انها تكتب للشاعر نفسه ولا يفهمها احد غيره وذهب الشاعر القابسي ابعد من ذلك لكي يقول ان هذه القصيدة (لا رسالة لها) وهي بعيدة عن جمهور المتلقين واذا كانت لهذه القصيدة جمالية معينة فانها تعني كاتبها فقط.
وتساءل الشاعر عن حرية الشاعر في ان يخرج عن المألوف لينسف به الشكل السائد للقصيدة من حيث اللغة والرؤية وما هي الشروط والاسس التي يجب ان توضع لتنظيم هذه المسألة وقال يتنزل سؤال تلقي القصيدة العربية الحديثة في جوهر الحداثة الشعرية ذاتها ولعلني اراه سؤالا اساسيا يجيب الزاما على مجمل الاسئلة الكبرى المتشابكة التي تشكل سياقات القصيدة الحديثة ومنها شروط الخروج عن المألوف والسائد الى ما هو تغييري وجديد وهادم لبنى السائد التقليدي لغة ورؤية وحساسية وغير ذلك.
وقال هنالك سؤال هام يرتبط ارتباطا عضويا بسؤال التلقي ونقصد قدرة القصيدة الحديثة على الاتصال والتواصل وهنا تثار اشكالية غموض هذه القصيدة كصفة الزامية تتنزل بين المعاضلة والابهام. في حين عارض البعض هذا الرأي.
وهذا يعني أن الذي يدعي بأن القارئ قد أصبح في حيرة من أمره تجاه ما يرى من أمر هذه القصيدة الحديثة فهو لا يبالغ كثيرا ولا يجاوز الحق، وإذا كان رأي بعض الشعراء كما عرضناه، فإن بعض كبار النقاد قد دقوا ناقوس الخطر؛ فهاهو الناقد الكبير الدكتور صلاح فضل يقول إن أبرز ظاهرة خطيرة في مسار الحركة الشعرية خلال القرن العشرين تمثلت في سرعة الإيقاع بصورة جعلت المناهج الدراسية عاجزة عن متابعتها، كما قعدت بمتذوقي الشعر عن متابعة ما ينتجه الشعراء.
وهذا ما جاء ذلك في كتاب جديد لصلاح فضل عنوانه "تحولات الشعرية العربية" صدر عن دار الآداب في بيروت وجاء في 167 صفحة من القطع المتوسط.
وأشار فضل ـ في كتابه ـ إلى أربع ثورات شعرية متتالية في مسافات قصيرة تاريخيا قصرت الملاحقة التعليمية في مناهج الدراسة عن متابعتها ولم تستطع اللحاق بها ملمحا خصوصا إلى خطورة كثرة اختراقات النماذج الأجنبية للشعر العربي.
ويلفت الانتباه إلى العامل "الذي يسهم في الشعور بدوار السرعة المتلاحقة وتداخل الفترات الزمنية إلى حد تجاوز العصور والأزمنة وبروز الجيوب الجانبية المتضخمة" وهو يعني بذلك ما أسماه كثرة اختراقات النماذج الأجنبية للشعر العربي بما يتجاوز قدرة القارئ على التمثل الناضج لشعره القومي أو الربط المنسجم بين حلقاته حتى لتبدو بعض النصوص الشعرية الأخيرة وكأنها ترجمات ركيكة قادمة من قارات أخرى وثقافات مضادة. (من مصدر http://www.aljazeera.net/art_culture/2002/1/1-16-4.htm)
فإذا كان الحال كذلك ، فإن المبدعين مطالبون بالفهم العميق ليس لإبداعاتهم وأعمالهم الفنية فحسب، ولكن مطالبون بالوعي العميق لجمهور قرائهم ثقافته وايديولوجيته وآلامه الداخالية والنفسية ...ليس هذا أمر يطبق ، بل هو رجاء القارئ وأمنيته في أن يقرأ شعرا أو رواية أو أي عمل آخر ..فيحس أنه يقرأ عملا يحدثه هو بلغته ، لا بلغات الآخرين .

 

تسالي

التفاصيل
كتب بواسطة: نبيل عودة
نشر بتاريخ: 15 مارس 2001
انشأ بتاريخ: 15 مارس 2001
الزيارات: 7
 

تسالي

 

بقلم : نبيل عودة

 

تنتشر في السنوات الأخيرة, في الثقافة العربية داخل اسرائيل, ظاهرة أدبية لا أظن أن لها رديف في آداب أخرى, لا أقصد إبداع نوع أدبي جديد, إنما أقصد أدباء بدؤوا يمارسون ما يقع مجازاً تحت صيغة الأدب, بعد تفرغهم وخروجهم للتقاعد, وبالأساس تقاعدهم من سلك التعليم .

السؤال الذي يطرح نفسه هنا تلقائياً: هل يفعلون ذلك كنوع من التسلية ؟ هل صمتهم كان خوفاً من فقدان وظائفهم ؟.. أو تقدمهم في مراتب الوظائف .. فزجروا شيطان الأدب في نفوسهم, وربما اقتلعوه ؟ وهل ما يطرحوه اليوم من شعارات قومية فضفاضة يعبر حقا عن مشاعرهم, أم هي صحوة متأخرة  بعد أن استقر أمن معيشتهم ؟

أنا لا أقرر بالحق الانساني المشروع بأن يساهم المرء بالإبداع الأدبي, او المشاركة بالحياة السياسية والاجتماعة, بأي جيل كان ومتى رأى في نفسه القدرة على العطاء. الأدب والحياة الثقافية ليست احتكارا على أحد, والمساهة بالحياة السياسية لا يتطلب إذناً من أحد, واختيار الموقف القومي والفكر القومي أو أي فكر آخر يساري أو ديني هو اختيار حر. والجيل ولحظة القرار في المساهمة الثقافية أو السياسية هي مسألة ذاتية تفرضها ظروف الانسان ومستوى وعيه وقدراته على العطاء والبذل .

المشكلة التي تطرحها هذه الظاهرة, ليست في اكتشاف البعض لمواهبهم في هذا الجيل المتأخر... ولكن من متابعتي لما ينشرونه من كتابات مختلفة, وفي ظل واقع أدبي مأزوم لأسباب عدة, لست الآن في باب طرحها, لم أجد أية موهبة تذكر, إنما أعمال فجة, وكتابات ركيكة المضمون ومهتزة الفكر, بلا رؤية ثقافية واضحة, وبلا مضمون اجتماعي بسيط, وغني عن القول أنها تفتقد للعناصر الجمالية البديهية التي يفترض أن تشملها الكتابات الأدبية, وتفتقد حتى للانشاء البسيط .. الخطاب الأدبي شبه غائب ومن الصعب الاشارة الى الخطاب التاريخي .. إلا إذا اعتبرنا التلويح بالشعارات القومية الجوفاء والمفردات التراثية أو السياسية ابداع بحد ذاته .. الذي أعنيه بوضوح أكبر, نفتقد في أعمال أصحابنا المتقاعدين للعناصر الأساسية في الأدب.  ثرثرتهم  وشعاراتهم القومية التي يحشون فيها كتاباتهم, في التلخيص الأخير هي بلا أي مضمون انساني وجمالي بسيط, والتفسير الوحيد لها أنهم يريدون التعويض لأنفسهم عن فترة "الخوف السياسي"... الآن تقاعدوا وتلقوا تعويضاتهم وأصبحوا "أحرارا" في التعبير عن خلجات نفوسهم التي زجروها أثناء عملهم وزجروا طلابهم من أي تعبير عن مشاعرهم  أو القيام بنشاطات يشتم منها رائحة الانتماء الوطني أو الثقافي, رغم ان مساحة الحرية التي تتمتع فيها مدارسنا اليوم .. ومنذ عقدين على الأقل .. تفتح أبوابا واسعة للنشاطات السياسية والثقافية الوطنية داخل المدارس .. وللأسف بعض "قوميي" اليوم ظلوا على خوفهم ومنعهم لأي نشاط توعيي ثقافي, واليوم جاؤوا يتاجرون ببضاعتهم التي فات موعد تسويقها .

لا أعتقد بأن أدبنا ستزداد مكانته بمثل أولئك " الأدباء" , كانوا وسيبقون هامشيين, حتى لو بلغ صراخهم القومي في كتاباتهم التافهة اعلى مراتب الزعيق والصراخ. ليس بهذا الشكل نفهم الانتماء للأرض والوطن, وليس بهذا الشكل يبدع الأدب .. حتى لو أصبحت الصفحات "الأدبية " في صحافتنا المحلية المحروسة وقفا على ثرثراتهم العبقرية. للأسف الصحافة اليوم  تلعب دورا سلبيا في الحياة الثقافية للعرب في اسرائيل بشكل عام, حتى الصحف التي كان لها دورها الكبير في إعلاء شأن الأدب الفلسطيني للعرب في اسرائيل تتخلى عن طليعيتها ويفقد الأدب مكانته كسلاح ثقافي ساهم في صيانة وتقوية هويتنا الوطنية والثقافية ولغتنا , وصيانة ترابطنا الاجتماعي والسياسي, وهو موضوع يستحق وقفة خاصة .

بالطبع أصحابنا لا يكتبون فقط شعارات قومية .. إنما شعارات عشق ووله, بعد أن لم يعد ينفعهم عشقهم في الممارسة, تماما كما في السياسة .

المميز في هذه الظاهرة ( غير الأدبية ) هو كونها اضافة مقلقة للرداءة الأدبية, وتحويل الإبداع الأدبي الى ممارسات تسلية. ربما يعتقدون أنهم يلحقون انفسهم ويصطفون الى جانب شعبهم , لذلك صارت الشعارات القومية, شعرا ونثرامميزا للتفاهات التي تتراكم تحت صيغة الادب أو السياسة ...كما قلت صحافتنا المسكينة ملومة وتتحمل مسؤولية هذا الاسفاف وهذه الرداءة. ولكن هل توجد لدينا صحافة مسؤولة اليوم ؟وهل من صحيفة تعطي للمواد الأدبية حقها ؟ ما ألاحظه هو السباق على نشر نصوص رديئة, حتى في الصحف التي سمت محررا أدبيا لها ..أم لم تفعل ذلك, الأمر سيان, اكتبوا ما تشاؤون, واياكم أن يكون مفهوما حتى لكم ..وأنا اضمن ان تنشر تفاهاتكم, وأن   "تشتهروا" بسرعة البرق ( وقد جربت ذلك باسماء مستعارة وفي عدة صحف  ).

أما  "الأدباء" بعد طيرت العشوش فراخها..فأنصحهم بالراحة, التي قضوا زهرة عمرهم تحت خيمتها, خوفا وانكفاء .سيظلون مجرد تافهين فيما ينشرون, فلم يبق من العمر قدر ما مضى, فهل يطمعون بتجديد شبابهم بعد أن اكتشفوا " فجأة" أنهم أدباء ؟

 

 

الصفحة 22 من 28

  • 17
  • 18
  • 19
  • 20
  • 21
  • 22
  • 23
  • 24
  • 25
  • 26

المتواجدون الآن

144 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

مهارات حياتية

  • الثقة بحكمك الخاص حين يكون الدليل غير مكتمل
  • لماذا لا يعني الأمان النفسي أن تكون مرتاحاً
  • طرح قلق حول نبرة شخص دون أن يصبح الأمر شخصياً
  • تطوير وعي ذاتي حول كيفية تأثير مزاجك على فريقك
  • التعرف على متى تُسقِط مشاعرك الخاصة على الآخرين
  • حين تشعر مبادرة الرفاهية بأنها استعراضية لا حقيقية
  • حين يتشابه الإنجاز العالي والإرهاق
  • إعادة بناء الثقافة بعد فترة نمو سريع ومربك
  • حين يبالغ عضو فريق في الوعود ويقصّر في التنفيذ باستمرار
  • إدارة الطاقة، لا الوقت فقط

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك