- التفاصيل
- كتب بواسطة: ايهاب أبو العون
- الزيارات: 10
غلاء المهور والتجارة المربحة
إيهاب أبوالعون
حدد الدين الاسلامي طبيعة العلاقات بين البشر , ومن هذه العلاقات ما يربط المرأة بالرجل من أجل التناسل وقف عقد شرعي يحدد الطريقة التي تربط بين الطرفين . ويقول الله تعالى : " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" . وعند التدبر نرى ان المودة و الرحمة هي نتاج هذا الارتباط المقدس بين الجنسين .
وهنا أتطرق الى الرحمة , الرحمة يا أمة على أبناء المسلمين , فعندما يهُُم اي شخص بالزواج اول ما يتطرق إلى ذهنه المهر الذي يشكل عبئا كبيرا أمام تاسيس عائلة و لا سيما ان المقبلين على الزواج تكون خطاهم قد بدأت للتو بالانتاج , ولكن للأسف صار المهر مسالة برجوازية ومفهموم مغلوط لدى الناس . ولا نُخفي حقيقة ان بعض ولاة أمر النساء يتصرفون بهذا المهر إن لم يكن كله فغالبيته , ولا تحظى المرأة الا بالقليل من ذلك , فصارت هذه المسألة يُتاجر بها واصبحت تجارة مربحة لدى الكثيرين .
هنا أطرح تساؤلا هاما , هل يتم تثمين بنات المسلمين وفقا للمهر وقيمته ؟؟ هل بنت فلان اذا طلبت مهرا اضعاف مهر بنت أخرى تكون أعز منها مقام و مقدرة ؟؟ فهل أصبحت المرأة سلعة يتجر بها منها البضاعة الكاسدة التي يطلب من أجلها القليل , ومنها بضاعة أصلية أخذت شهادة المواصفات الآيزو لكي تُلبس من رأسها الى أخمص قدميها بالذهب و الحرير ؟؟
سمعت مرة تفسير تافه لهذه المسالة وهو أن المهر يعبر عن عادات عريقة تعكس احترام الطرف الآخر أمام ألسن الناس , فالجارة الفلانية للعروس ستبدأ بتحريك اللسان ونشر قيمة المهر المطلوب , وهذا هام جدا من أجل حفظ سمعة عائلة العروس الحبيبة , ويرفع من قدر العريس أيضا في عين الحما و الحماة .
مسخرة ما بعدها مسخرة , متى صارت سمعة الانسان تُقاس وفقا للمجاملات التافهة و الألوف بل عشرات الألوف من الدنانير التي تُغدق بها العروس ؟
وهنا نقطة بالغة الاهمية , عندما يتشرط أهل العروس على العريس بشقة مفروجة و أثاث مــُفتخر و مهر مقدمه و مأجله الالوفات و ذهب وغير ذلك , هل نسيوا ان هذا الرجل سيعيش مع ابنتهم المصونة وفق رزق الله تعالى و توفيقه ؟؟ فالله يقلب الاحوال , يوم لك ويوم عليك , فربما ولعل تمر أيام عجاف على هذا الرجل لا يستطيع توفير ما تشتهيه النفس , وأيضا لعلها تمر ايام رزق وفير توفر له و لأسرته حياة كريمة .
الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " أقلكن مهرا أكثركن بركة " فأين تطبيق المسلمين لحكم الرسول الذي هو أسوة للمسلمين من رجال و نساء ؟؟ حديث واضح وصريح ان المرأة لا تكون مباركة بكثرة المهر . بل العكس هو المفهوم قطعا , فهل هذا يجوز يا ابناء المسلمين ؟؟؟
الألفة و المحبة لا تُشترى بالنقود و المادة , بل هي علاقة تربط طرفين جعلت من روح المرأة و الرجل جزءا واحدا, وتسكن انفاسهم سكن الطمأنينة و المحبة على أساس الألفة والمودة لا الذهب والفضة . وقد حث الدين الاسلامي على من يخاف الله وذات الدين من النساء و الذين يتقون النساء من الرجال .
ولا أظن أن الرفق بالقوارير يكون وفق المال و الذهب و الألماس , بل هو الرفق بالقوارير بطبيعتهم الانسانية, الرفق عند الخطا, وخفض جناح الرحمة, وتفهم الطرف الآخر, بذلك هذه القارورة لن تُكسر أبدا , بل ستكسر لا محالة اذا كان البيت يغرق بالذهب والاموال ولكن يفتقر للمحبة المتبادلة.
أذكر مرة أن رجلا جاء بصحبة ابنته الى عيادتي , وتبين أن ابنته تعاني من التهابات في عصب الاسنان في أكثر من سن , ولكنها كانت تعاني من التهاب شديد في سن هو الذي حملها على الحضور . وقلت لأبيها ان من الضروري معالجة كل أسنانها بدون انتظار , فهي لم تبلغ من العمر الخامسة عشرة , واذا لم يتم معالجة الاسنان سيؤدي ذلك الى آلام حادة كل أسبوع , وستعاني من ضعف جسدي بسبب الالتهابات التي ستتكرر دوريا كل أسبوع , ولكن جاءني جوابه كصاعقة مؤلمة حيث قال : " أنا مــُش مجبور باسنانها , لما ييجيها العريس يساويلها اسنانها "
يعني أتساءل هنا : ما هي طبيعة علاقة هذه البنت بأبيها ؟؟ أين الحب الفطري الأبوي الذي يجب ان يكون مزروعا في قلبها وفق حنان الاب و رعايته ؟؟
المهم تجرعت هذه الكلمة , وبدأت فورا بعلاج أسنانها كلها , ولاحظ الاب ان الوقت يمر ولكني لم أنتهي بعد , بعد أن انتهيت قلت له : " قمت بمعالجة جميع الاسنان التي تعاني منها , وأجري على الله لن أطالبك بشيء بدون نفس , ولكن ما تخلفوا و تزتوا" , طبعا توقعت أن يثور الرجل في وجهي غضبا , ولكني دائما أقول ما يدور في خلدي إن كان حقا ومحبوسا بمرارة , ولكنه صمت ولم يعلق , وبعد يومين أتتني ابنته تدفع كلفة العلاج كاملة .
هذه الحادثة تدل على مفاهيم مغلوطة وناقصة لدى البعض بأن البنت عبارة عن بضاعة غير مربحة وغير منتجة لأنها ستخرج الى بيت غير البيت الذي وُلدت فيه , ولكن مع ذلك يتم تسعير هذه البنت عند الحديث عن المهر , فتصبح هذه البنت " حبيبة أبوها و غالية ومهرها غالي , والغالي بسوا غالي " نفاق و العياذ بالله .
هنا أختم قائلا : الرحمة بأبناء المسلمين , ويجب ان نتقي الله في بناتنا , و أن لا نجعل منهم سلعة نُتاجر بها , ولكن هذا لا يعني عدم إكرام المرأة و إلباس المرأة الجميل من الثياب و الذهب و إسكانها مُسكنا يُريحها ويجعل منه ملاذ الراحة و بيت زوجية يحفظ مكانتها , ولكن الرأفة مطلوبة , والصحبة الطيبة لا تُقاس بكثرة الذهب و المال , بل بالمحبة و العشرة الطيبة .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: صادق مجبل الموسوي
- الزيارات: 8
جدلية الصراع بَيْنَ الإنسان وقوى الطبيعة الغامضة رواية العجوز والبحر انموذجاً
صادق مجبل الموسوي
كاتب من مدينة الرفاعي / العراق
البَحر ذلكَ العالمُ الساحر، وتلكَ الميتافيزيقيا الزرقاء الرائعة وهو يغدو بوسعه اللامتناهي والممتد بمثابة الرفاه الروحي مِن كُل القلق والتوترات الأرضية حيثَ تستقرُ المشاعرُ وتَهيج بسماع هدير الماء وطالما تخاطب البحر لتحكي همومها وترسمُ أحلامها عله ينقلها إلى أماكن أخرى وصورت عدة نصوص أدبية ولوحات فنية البحر حتى صار ما يعرف الآن بـ( أدب البحر) واشتهر به الروائي الأمريكي هرما ملفل ،(1819-1891) في راويته "موبي ديك " التي جسد فيها صراع الإنسان مع قوى الطبيعة الغامضة في المطاردة الناشبة بين سفينة (الباقوطة) وجماعات حيتان العنبر المتراصة في صفوف المناطق الاستوائية الدافئة .كما اشتهر مواطنه الآخر ارنست همنغواي في ملحمته الشهيرة العجوز والبحر التي سنقف على عدة أشياء منها في ما يأتي خصوصا تلك التي تدور حول الصراع الدائر بَيْنَ العجوز واسماك القرش والسمكة الجبارة والأدب بصفته متعة وضرورة فانه يجمع بين العذوبة والفائدة كما يعتبر سلاحا إضافياً عظيما في الكفاح ضد قوى الطبيعة الغامضة وتعتبر رواية الأديب الأمريكي والروائي العالمي الشهير ارنست همنغواي من اعظم الأعمال الروائية في القرن الماضي وقد حاز همنجواي على أثرها على جائزة نوبل عام 1954 وهو الروائي الأمريكي المولود سنة 1899 وقد كان من طراز فذ ومن الكتاب العملاقة الذين عشقوا الحياة والطبيعة وتمرسوا بالنضال الإنساني على اتساعه وشموله .والروائي يحث على الكتابة المباشرة والتصوير الغني والواقعي وهو يقول " يجب أن يكون أسلوب الكاتب مباشرا وشخصيا، وتصويره وتشبيهه ووصفه غنيا وواقعيا، وكلماته بسيطة وحية.
العجوز والبحر الملحمة الروائية التي حاز بفضلها على جائزة نوبل للآداب وجائزة بوليتز الأمريكية " لأستاذيته في فن الرواية الحديثة ولقوة اسلوبة كما يظهر ذلك بوضوح في قصته الأخيرة العجوز والبحر" كما جاء في تقرير لجنة نوبل.
الرواية تعتبر من اعظم الروايات وثاني اعظم رواية في دب البحر التي صورت الصراع بين الإنسان وقوى الطبيعة وجسده في بطلها العجوز " سنتاجو" مع اسماك القرش المتوحشة والسمكة الكبيرة الجبارة.
فحين قراءتك للرواية التي تميزت بخبرات واقعية بعالم البحر .يضهر لك قوة الإنسان وتصميمه وعزمة على نيل أهدافه والوصول الى ما يصبوا إليه وامكانية انتصاره على قوى الشر والطبيعة وفقا لمقولته المشهورة " الإنسان يمكن هزيمته، لكن لا يمكن قهره " فانّهُ عشب الخليج الأصفر ، الذي ينشرُ على وجه الماء إشعاعات فوسفوريّة في الظلام .
و راحَ العجوزُ يحدّث السمَكة :
أيّتها السمَكة ، أنى أحبّك واحترمك كثيراً ، ولكنّي سأصرعُك حتّى الموت قبل أن ينتهي هذا اليوم
قالَ في حديثهِ :
لنتعلّقَ بهذا الأمل ..
و أقبلَ طائرٌ صغير من الطيور المُغرّدة ، قادماً من الشمال ، وحلّقَ على مقربةٍ من سطح الماء ، فأدركُ العجوزُ انّ الطائرَ قد بلغَ آيةَ العناء .واستراحَ الطائرُ على صدرِ الزورق ، مستقرّاً عليه . ثم لم يلبث أن طار مطوفاً حول رأس العجوز .
ثمّ راقَ لهُ أن يقفَ على الحبل .و سألهُ العجوز :
ما عمرك ؟ .. أو هذه رحلتك الأولى ؟
و ظلّ الطائرُ يتطلّعُ لهُ اذ هو يتكلّم ، ثمّ راحَ يقبض بقدميه الرقيقتين على الحبل ، فقالَ لهُ العجوز :
انّه ثابتٌ كلّ الثبات . وما كان لك أيّها العزيز ان تتجشم كلّ هذا العناء في ليلةٍ كهذه ، بلا ريح .. ولكن حدّثني .. لماذا تأتي الطيورُ الى هُنا ؟
وحدّث العجوزُ نفسه :
ان الصقور تفدُ الى البحر لتلتقي بمثل هذا الطائر .
و لكنّه لم يقُل هذا الطائرُ شيئاً ، لأنّ الطائر لا يفهمُ لغته ، و لا بدّ ان يعرف قصة الصقور يوماً ما .ثم قالَ للطائر :
خذ نصيبك من الرّاحة أيّها الطائر الصغير . ثمّ اذهب الى موعدك مع القدَر ، كأيّ انسان ، او أيّ طائر ، أو أيّة سمَكة و راقَ للعجوز أن يثرثر ، لأنّ ظهره كانَ قد تصلّب و اشتد به الألم اثناء الليل .
و عادَ يقولُ للطائر :
اغرب عن مأواي إذا شئت . و يؤسفني انني لا استطيع نشر الشراع لآخذك فيه مع هذه النسمة الخفيفة التي بدأت تهفو . على انّي أحسّ الآن أن معي صديقاً .."
كان الظلامُ قد ارخى سدله . إذ أنّ الظلامُ يهبطُ سريعاً بعد الغروب في شهر سبتمبر .
و مالَ العجوزُ الى الأمام فاستلقى على لوحةِ حنيّة الزورق قدرَ ما استطاع . وطلعت النجومُ الأولى في السماء .
ولمحَ العجوزُ بينها نجماً لا يعرفُ اسمه ، و ان كان يعرفُ من امره ما يُشير الى انّ هذه الوحدة تقتربُ من نهايتها ، ولن يلبثَ ان يجدَ نفسه بين أصحابهِ النائمين .
و قال العجوز :
هذه السمكة صاحبتي هي الأخرى . انني لم أرَ أو أسمع بمثلها في حياتي .. ولكن ، لا بدّ لي من قتلها .
من حُسْن الحظ اننا لا نحاولُ قتلَ النجوم . و جعلَ يُفكّرُ محدّثاً نفسه :
تصوّر .. لو حاولَ الناسُ كلَّ يوم ان يقتلوا القمر ! انّ القمرَ يستطيعُ أن يهربَ و يلوذُ بالنجاة و لكن .. تصوّر ، لو بذلَ انسانٌ جهدَ يومه ليقتلَ الشمس .. من حُسن الطالع أنّنا ولدنا هكذا .
ثمّ عاودهُ الرثاءُ للسمكةِ التي لم تُطعم شيئاً . على أنّ رثائه لم يُخفّف من حدّة شوقه الى قتلها .و همْهمَ قائلاً :
كم من أفواه النّاس سيأكلُ من لحم هذه السمَكة ؟ و لكن ، أهذهِ الأفواه أهل لأكلها ؟ .. لا . طبعاً لا ..انّ هذهِ السَمَكة بعظمَتها و براعة تصرّفها لا تجدُ من هو أهل لأكلها .. انّني لا أحسنُ فهمَ هذه الأمور . ولكن من حسن الطالع أن لا ينبغي لنا أن نحاولَ قتل الشمس والقمر والنجوم. حسبُنا أن نعيشَ على الماءِ و نقتل أخوَتنا الصادقين في الودّ " هكذا يصور همنغواي بتركيز شديد على بطله وموضوعه وهو معبر عن مفهومه العميق للبحر وعالمه وقواه الطبيعية ومجسدا لصراعات الإنسان مع قوى الطبيعة البحرية وتأكيد لقوة الانسان العقلية الكامنة والمتمثلة في روح المقاومة والإمكانية الإنسانية التي ميزته عن باقي المخلوقات .
فهذا معنى حقيقي يعبر عن قوة الإنسان وصموده ومقاومته وإصراره .فهنالك ايحاء يوميه همنجواي من وراء عرضه لانموذج بطله او بطل الرواية ذلك العجوز القوي الذي تحدى هزائمه وفشله وتحدى كشبر سنة وابا الا ان يصرع تلك القوى التي دارت حوله ، وذات الشيء هذا ينطبق على كاتب الرواية همنغواي الذي خارت قواه
الروحية وفقد قوة تصميمه ووجد عمره يتقدم وحياته في الكبر دون ابداع بلا معنى فانهى همنجواي هذا منتحرا برصاصة قاتلة بعد آلام عقلية ومعاناة روحية وفكرية عظيمة.
ففي الرواية عندما ينجح " سنتاجو" في اصطياد سمكته الضخمة تبدأ المعركة المحورية بين ارادة الإنسان وروحه المقاومة وبين قوى الطبيعة الجبارة ..فلكل مصمم على احراز النصر وانها المعركة بمهارة وذكاء قوة إرادة التي تحدت صورها في مشاهد واقعية متتالية تنقل صور الصراع بين الصياد والسمكة وقوة تصميمه على مواصلة النضال حتى الموت صائحاً في السمكة : "ايتها السمكة .. سأظل معك حتى أموت. "..ففي المعركة لا تقتصر مقاومة العجوز السمكة وقوى الطبيعة فحسب ، بَلْ ويقاوم أيضا جروحه وضعفة وكِبر سنة ووحدته في ذلك البحر العظيم ومتحملا لكل آلام الظهر التي تسببها له السمكة في معركة شد الحبل بينهما "معركة الحياة
والموت"ويجمع سنتاجو كل قواه وتاريخة البحري ويطعن بحربته السمكة طعنة الموت محققا الانتصار في معركة رهيبة حاولت فيها السمكة ان تصرعه وهي تلفظ انفاسها الاخيرة وتغمر بدمائها الحمراء القانية مياه البحر الزرقاء الداكنة.لا ينتهي الصراع الانساني مع قوى الطبيعة بانتصار سنتاجو على سمكته الكبيرة بل يتجدد مع اسماك القرش المتوحشة التي تجمعت حول دماء السمكة النازفة واخذت في مطاردة السمكة المشدودة الموثقة الى الزورق .
فتنهش اسماك القرش المتوحشة في لحم السمكة وتهدد مصير الزورق والعجوز ايضا. الذي يظل صفاء ذهنه ويبتكر آخر أسلحته بان يثبت السكين على المجاف ويصنع منه حربة يسددها الى جسم القرش وراسه في ضربات متتالية حتى يحطمه .ولكنْ بعدان مزق السمكة وانسابت دماؤها من جديد مجمعة حولها المزيد من اسماك القرش ، ولم يعد لدى العجوز مايصلح لسلاح سوى عصا ومجدافين وقضيب الدفة وهراوة راح يضرب بها رؤوس اسماك القرش اثنا انتزاعهما للحم من السمكة فاصابها لكنه لم يقض عليها .
وتجمعت جحافل القرش لتنبش بقية لحم السمكة غير مبالية بضربات العجوز حتى لقد التهمت هراوته فاستعان بالقضيب الحديدي واخذ يضرب به القرش حتى تحطم ولم يبق الا طرفه الحاد فسدده للقرش مجبرا اياه للفرار ولكن السمكة كانت قد انتهت تماما بين انياب القرش الحادة . وهنا عانى العجوز مرارة الهزيمة وجدف صوب
الشاطيء بقاربه وقد تعلق به الهيكل العظمي للسمكة واتجه صوب كوخه وقد حل به التعب واوهن حتى انكفا على وجهه اكثر من خمس مرات في الطريق .في الكوخ حنا عليه الصبي وتركه نائما حتى استرد بعض قوته وقرر انه أخيراً هزم السمكة ويقول له الصبي بان السمكة لم تهزمه فيوافق العجوز قائلا : لا .. بل جاءت الهزيمة فيما بعد" ويتفقان على معاودة الابحار من جديد بتشجيع من الصبي رمز الإنسانية المتجددة ، ويستخلص الصياد العجوز الدروس من تجربته الاخيرة مع القرش والبحر لتعينه في صراعه المقبل الدائم مع الأسماك وقوى البحر . لقد هزم الصياد العجوز "سنتياجو" بعد صراع مجيد مع قوى البحر سحب اغلب جولاته وخسر الجولة الاخيرة . ولكنه لم يهلك ولم يقهر بل صمم على مواصلة الكفاح والنضال والمقاومة . وهذا هو المغزى العميق للحياة الانسانية الذي يوميء اليه همنجواي من خلال تصويره للصراع الدائم المتجدد بين الانسان وقوى الطبيعة والاصرار على الاستمرار وتحقيق الانتصارات ودفع عجلة التقدم الانساني وهكذا يبقى الامل الانساني المستمر رغم كل الصعوبات والهزائم والفشل فقد اكدت الرواية بحزم ان الرجال لم يخلقوا للهزيمة .. وقد يهلك الرجل دون ان يهزم فلذا يقول العجوز عن خبراته وقوة عقلة ينبغي لي ان افكر لان التفكير هو كل مايقي لي القوة .. فلا مكان للياس انها لحماقه ان يستولي الياس على الانسان كما اني اعتقد بان الياس خطيئة .وهنا لك القارئ العزيز بعضا من حياة الروائي هنمغوايتمكن إرنست همنغواي من الإبداع في أعماله لتتبعه طريقة فريدة في الكتابة لقت استحسانا كبيرا من لدن النقاد، وسنتطرق بكل تفصيل لهذا الأسلوب الرائع بعد أن نتعرف على الكاتب وبعض أعماله.
ولد إرنست همنغواي في 21 يوليو سنة 1899 ببلدة أوك بولاية إلينوا من أم تُدرس الموسيقى ومحبة للأدب "الرفيع" وأب طبيب يحب الصيد ومساعدة زوجته في أشغال البيت. بعد انتهائه من الدراسة الثانوية، قرر همنغواي أن يبحث عن طريقه في الحياة، فرفض الالتحاق بالجامعة وحصل على عمل كمراسل صحافي ناشئ بجريدة "الكانساس سيتي ستار.
عندما دخلت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب سنة 1917، كانت أمنية إرنست همنغواي الوحيدة هي أن يذهب إلى الجبهة ليشارك في الحرب، لكن خلال الفحص الطبي تم رفض طلبه للالتحاق بالجيش بسبب مشكلة في عينيه، ومع ذلك لم يمنعه الأمر من الالتحاق بكتيبة سيارات الإسعاف.بعد ثلاثة أسابيع من العمل مع فرق الإسعاف أصيب همنغواي بجروح من جراء شظايا قنبلة بإحدى المدن الإيطالية سنة 1918، فقضى ستة أشهر في المستشفى قبل أن تستقبله بلدته استقبال الأبطال، بعد أن عرف الجميع أنه أنقذ صديقا له أصيب بجروح بليغة خلال إحدى المعارك.
لكن رجوع همنغواي إلى بلدته لم يمكنه من الاستقرار والاندماج مرة ثانية في الحياة الاجتماعية بهذه البلدة الصغيرة، وبعد بضع سنوات، مرض والده فانتحر، فوبخ إرنست أمه وحملها موت أبيه.وفي سنة 1920 تزوج همنغواي من سيدة تدعى هادلي ريتشاردسون ثم رحل إلى باريس حيث عاش من بعض مالها ومن إيراداته من المقالات التي كان يبيع للجرائد، وهناك بدأت مسيرته لكي يصبح كاتبا وروائيا، فتعرف على مشاهير الأدب والثقافة كجيرترود ستين، وشروود أندرسون، وإزرا باوند، وسكوت فيتزجيرالد وغيرهم من الأدباء والفنانين الأمريكيين المقيمين بفرنسا، وقد وجد لديهم كل مساندة وتشجيع وتقدير لكتاباته مما جعل أندرسون وفيتزجيرالد يساعدانه على نشر مجموعته القصصية "في وقتنا" بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1925، لكن في سنة 1926 نشر روايته "الشمس تسطع أيضا" وبرز همنغواي كأحد الروائيين المتميزين بأسلوب رائع جميل.بعد ذلك استمرت كتبه في التألق والانتشار ولقت قصصه القصيرة حفاوة أكثر من رواياته، وقد كان السبب، حسب بعض النقاد، تأثر قصصه بتقنية الأسلوب الصحافي المتميز بالوصف المباشر والحوار بأقل ما يمكن من تعليق القاص على الأحداث وتفسيره لها. وفي سنة 1929 ظهرت رواية "وداعا للسلاح" وهي رواية تظهر أن نسيج الحياة هو في الحقيقة مزيج من الموت والعنف أكثر مما تمثله تهديدات الحرب في هذه الحياة.
سافر همنغواي كثيرا بعد نجاح روايته الأولى وعمل كمراسل حرب في إسبانيا خلال الحرب الأهلية وكذلك على الجبهة خلال الحرب العالمية الثانية، وقد كان يكتب لعدة مجلات واسعة الانتشار، وبدأ يتطرق إلى قضية جديدة، وهي قضية كاتب يحاول الحفاظ على موهبته ضد تهديدات \"الحياة\" كالنجاح والمال والشهرة، وقد طبعت هذه القضية أعماله خلال الثلاثينات، ولعل أعظم مثال على ذلك روايته "ثلوج كيليمانجارو" التي نشرت سنة 1936، كما ظهرت نفس القضية في روايته الشهيرة "العجوز والبحر" التي نشرت سنة 1952 في مجلة لايف الواسعة الانتشار وحصل بها على جائزة بوليتزر سنة 1953.لكن حب همنغواي لإسبانيا وتعاطفه مع أهل الريف كانت القضية التي تبناها قبل وفاته وكانت موضوع روايته "لمن تدق الأجراس" التي نشرها سنة 1940. ثم تابع أسفاره إلى أن وقعت له حادثة بسبب سقوط طائرة خفيفة كان على متنها، فأدخل إلى المستشفى عدة مرات للمعالجة إلى أن وضع حدا لنفسه في ظروف غامضة سنة 1961.لقد بقيت شهرة همنغواي التي حققها في العشرينات من هذا القرن حية طول حياته بل وحتى بعد مماته، ويجمع العديد من النقاد والباحثين الذين درسوا أعمال همنغواي على أن أجمل ما كتب همنغواي كان في بداية حياته الأدبية، وأن إضافاته إلى الإبداع الأدبي كانت بدون أي شك قصصه القصيرة، لكن روايته "العجوز والبحر" تعتبر من أنجح ما عرفته الساحة الأدبية خلال القرن العشرين والتي حصل بها على جائزة نوبل للآداب سنة 1954. وتعتبر أعمال همنغواي من أبرز الأعمال الأدبية الأمريكية في ذلك العهد.
وقد كتب الكثير عن الأسلوب المتميز والفريد لإرنست همنغواي، الذي كان بسيطا وواضح المعالم بعيدا عن التنميق و"الزخرفة"، حيث كان يحكي قصصه بأسلوب صحافي مباشر.
كان عمر همنغواي متوسطا عندما نشر رواياته الأولى، لكن مع السنين تمكن من إتقان أدواته التعبيرية مما جعله يدخل على كتاباته بعض التحسينات، وقد اعتبر بمثابة قوة جديدة في الآداب المكتوب باللغة الإنجليزية، وطبعا لم يخيب ظن نقاده حيث امتدحه تقرير جائزة نوبل التي حصل عليها سنة 1954 في الكلمة التالية: "تحكمه القوي في الأسلوب القصصي الحديث".
لم يكن أسلوب همنغواي عفويا، بل كان نتيجة الممارسة الطويلة للكتابة الصحافية، حيث تعلم كيف يكتب تقارير عن أحداث حديثة، ثم يقوم بصقلها من تراكمات ما علق بذهنه من قراءاته المكثفة للرواد من الأدباء ودراسة أسلوبهم، بعد ذلك كان يعيد كتابة ما خططه عدة مرات حتى يقتنع أنه كتب حقا عملا جيدا.ويكون من المفيد أن نترك الكلمة لإرنست همنغواي ليعطينا بنفسه فكرة عن أسلوبه وطريقته في الكتابة، كما جاء في أحد المقالات التي نشرت له في إحدى المجلات الأمريكية.
يقول همنغواي: "أهيئ أغلب أعمالي في ذهني، ولا أبدأ أبدا في الكتابة قبل أن تكون أفكاري منظمة. وكثيرا ما أقوم بتلاوة نصوص من الحوار بالطريقة التي ستكون عليه عند كتابتها، إني أومن بأن الأذن هي أحسن مراقب وحكم. ولا أكتب أي جملة على الورق قبل أن أتيقن بأن الطريقة التي تم التعبير عنها ستكون مفهومة وواضحة تمام الوضوح للجميع".
هذا باختصار هو إرنست همنغواي، وهذه هي طريقته في الكتابة، وهذا هو أسلوبه الفريد الذي اكتسبه من خبرته في الصحافة، والذي كان له أكبر الأثر في الأدب القصصي الأمريكي وأكسبه شهرة عالمية تعدت حدود جميع القارات، فهكذا هو الكاتب الحقيقي الذي تمنحه كتابته الشهرة وليس يبحث عن الشهرة لا سباب حبها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر :-
• احمد محمد عطية ( أدب البحر) ، مجلة الأقلام العراقية السنة الثانية العدد الثاني تشرين الثاني 1977 .
• ارنست همنغواي ، العجوز والبحر ترجمة د. زياد زكريا ,
• خالد ترمانيني .ارنست همنجواي .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد الخميسي
- الزيارات: 9
" جندي أمريكي في العراق "
من الأدب الروسي الساخر !
أحمد الخميسي
لا أدري كيف هي الحال في بلدان أوروبا الأخرى ، لكن فن " المونولوج " الذي عرفته مصر منذ العشرينات ، خرج في روسيا من عباءة اللحن والموسيقى ليصبح قطعة أدبية ساخرة يكتبها كبار الأدباء هناك ثم يتركون إلقاءها على منصة المسرح لفنان محترف ، أو يقومون هم بأنفسهم بإلقائها إذا توفرت لديهم موهبة الأداء والحضور المسرحي أمام الجمهور . وعادة فإن أولئك الكتاب يقومون فيما بعد بجمع تلك اللوحات الأدبية الساخرة في كتب تمتع القراء بنوع خاص من الأدب الساخر ، ليس قصة ، ولا مسرحية ، لكنه مونولوج ، أي كلام مرسل من طرف واحد ، يسخر فيه مؤلفه من ظاهرة اجتماعية ، أو سلوك إنساني ، أو يوجه من خلاله سهام النقد إلي النظام السياسي . ويعتبر " ميخائيل زادورنوف " أحد أشهر الكتاب الروس الذين يتولون إلقاء تلك المونولوجات في أشهر المسارح بالعاصمة الروسية . ويتمتع " زادورنوف " بشعبية وحب كبيرين . وقد أصدر ذلك الكاتب الممثل الساخر مؤخرا كتابا بعنوان " عالم مجنون مجنون " ضمنه قطعة بعنوان " رسائل جندي أمريكي في العراق " ، كتبها في شكل رسائل يبعث بها جندي أمريكي إلي زوجته . وسيجد القارئ – جنبا إلي جنب مع متعة الأدب الساخر – أن ذلك المونولوج يبين موقف الشعب الروسي من الغزو الأمريكي للعراق . وقد اقتصر دوري هنا على ترجمة تلك القطعة الأدبية من الكتاب الصادر في موسكو هذا العام عن دار نشر " ترانزيت كنيجا " .
د . أحمد الخميسي
رسائل جندي أمريكي في العراق
(1)
تحياتي أيتها العزيزة . اليوم عندنا في القاعدة العسكرية عيد . سنطير إلي العراق عما قريب . هذه بلد بعيدة جدا . الزملاء يقولون إنها أبعد من المكسيك . وقد نبهتنا القيادة إلي أن الحرب ستكون صعبة جدا لأن الحرارة هناك كما يقولون مرتفعة للغاية . وقد أكد لنا السرجانت أن العراق توجد في جنوب أفريقيا ، بينما يجزم العقيد الذي كان مدرسا للجغرافيا فيما سبق أن كلام السرجانت غير صحيح ، وأن العراق يوجد ليس في جنوب أفريقيا لكن في شمال الهند . وقد خاطبنا صباح اليوم الرئيس الأمريكي ، وأوضح لنا أن القائد العراقي صدام حسين لا يريد أن يتقاسم معنا نفط بلاده ، وأن معنى ذلك أن الرئيس العراقي ضد الديمقراطية . والآن فإن واجب أمريكا الأساسي إدخال الديمقراطية إلي العراق ، بما أننا – نحن الشعب الأمريكي – الموزع المعتمد للديمقراطية في العالم . وقد أشار العقيد إلي أن رئيسنا الأمريكي زعيم جريء حقا ، لأنه استجمع شجاعته وقرر إعلان الحرب على بلد أصغر من بلده بعشرين مرة . أيتها العزيزة .. نحن جميعا واثقون من النصر السريع ، لأن لدينا رئيسا مباركا ، وأحدث الأسلحة بما في ذلك " البامبرز " المضادة للمشاة ، وألغام بطعم تفاح الغابات . لكن هناك شيئا لا نستطيع فهمه : كيف يمكن أن ننطق الاسم صحيحا: عراق، أم عيران ؟
هناك خبر آخر جميل لك . بدءا من الآن سيكون في وسعك مشاهدتي في أوقات كثيرة على شاشة التلفزيون الذي سينقل المعركة على الهواء مباشرة فترات الاستراحة ما بين عرض مسلسل" الموت بفرشاة الأسنان " و البرنامج الاستعراضي " تأثير العواصف الشمسية على غشاء الذكورة لدي ضفادع كاليفورنيا " .
أيتها العزيزة .. لا تقلقي علي ، فقد أخذت معي كريم لحماية بشرتي من الشمس .
(2)
تحياتي أيتها العزيزة . لقد وصلنا إلي العراق . بالفعل الجو حار جدا هنا . وحكما بما نراه من حولنا ، فإن هذه البلد ليست الهند ، لأن السكان هنا لا يشبهون الهنود على الإطلاق . المهم أن العقيد أكد لنا أن النطق الصحيح لاسم هذا البلد هو " عراق " ، أما " إيران" فقد اتضح أنه اسم مواد مشعة " إيران – 238 " . أما السرجانت فأعلن لنا أن المعارك الحربية ستبدأ غدا حسب ما تناهي لسمعه من الراديو والإذاعة . وقال أيضا إن الإنجليز والبولنديين والأسبان سيحاربون هم أيضا .. لكنه لم يوضح مع من سيحاربون . ولكن القيادة أفزعتنا حين أخبرتنا أن ثمن الحرب سيكون كبيرا ، ومن ذلك أن الخنادق خالية من أجهزة التكييف والحمامات ، لكننا نحن الأمريكيين أبطال ، وسنتحمل كل شئ ، حتى لو لم يوزعوا علينا الكوكاكولا المثلجة أثناء المعارك .
(3)
اليوم قمنا – لأول مرة – بشغل مواقعنا . وتبين لنا أن أولئك العراقيين متوحشون فعلا ، فقد أطلقوا أول أمس نيرانهم على طائرة مسالمة تابعة لنا كانت تقصف مدنهم . وقد أنذرتنا القيادة ألا يقع أحد منا في الأسر ، لأن العراقيين يعذبون العسكريين الأمريكيين ، ويحرمونهم من " الفشار " ولا يسمحون لهم بوضع ساق على ساق على الموائد . إلا أن الأمر المرعب حقا هو تلك الأقنعة الواقية من الغازات السامة التي تم توزيعها علينا . فقد صنعت في أكرانيا ، وتنبعث منها طيلة الوقت رائحة ثوم وشحم خنازير حتى أننا قررنا أنه من الأفضل لنا أن نستنشق الغازات السامة عن وضع تلك الأقنعة . ولكننا على أية حال نشعر بأنفسنا أبطالا . بلغي ابني أن " بابا " حتما سيعود إليه حيا إذا لم يرغموني على وضع ذلك القناع على وجهي .
(4)
أيتها العزيزة .. مع كل يوم يمر يصبح الوضع أصعب فأصعب ، وقد مر علينا الآن شهر بكامله ونحن نستنشق رائحة الثوم ، ونشعر أن ثمة فيلقا أكرانيا بجوارنا في مكان ما . وإذا لم تبدل الرياح وجهتها في الأيام القادمة فإن نهايتنا ستكون سريعة ! أما العراقيون فقد تبين لنا أنهم برابرة بكل معنى الكلمة . إنهم لا يعرفون أننا الأقوى في العالم ، ومن ثم يواصلون هجماتهم علينا دون توقف ! أما أجهزة الليزر التي نصوب بها على الأهداف فإنها لا تعمل ، فقد اتضح أن أولئك المتوحشين ليس عندهم حتى تلسكوب لنتعقبه بالليزر ! الأسبوع الماضي جاءتنا طائرات مروحية حديثة ، تحلق على مستوى منخفض بحيث لا يستطيع أحد رصدها ، لكن فلاحا عراقيا عطلته إحدى الطائرات عن زرع حقله أسقط الطائرة بفأس قديمة . وقد رفع البنتاجون ضده قضية لاستخدامه سلاحا لم تقره الأمم المتحدة
(5)
عزيزتي .. اليوم هو أصعب الأيام التي مرت بنا . فقد ضلت طريقها في مكان ما مكنة الفشار المتنقلة، وكذلك مطبخ " ماكدونالد " الذي يرافق جنودنا . أيضا فقد توقفت دباباتنا عن التقدم لأن إشارة المرور عند حدود بغداد كانت حمراء . فيما بعد تبين لنا أن إشارات المرور عند أولئك العراقيين المتوحشين كلها تالفة ، بينما ظللنا نحن واقفين بدباباتنا أمام الإشارة حتى دخل الليل علينا . وأكد لنا السرجانت أنه لو لم يكن هناك عراقيون لانتصرنا عليهم من زمن بعيد .
وقد طلب الصحفيون منا عند دخولنا بغداد أن نغرقها في النابالم لكي يتوفر لهم الضوء الكافي لالتقاط الصور . وقد نبهت القيادة علينا بعدم قصف شمال بغداد بالقنابل ، لأن مجموعة من هوليود تصور هناك فيلما جنسيا عن اعتقال صدام حسين بعنوان " غرام مع صدام في مدينة الأحلام " . في البداية كان المرشح للقيام بدور صدام النجم اللامع أرنولد شفيزنيجر ، أو توم كروز ، أو جوليا روبرتس ، لكن لأن الأجر عن التمثيل كان كبيرا جدا فقد وافق صدام حسين ذاته على القيام بالدور!
أحسست بالقنوط لأن الحرب أوشكت على الانتهاء ، بينما لم أظهر ولا مرة على شاشة التلفزيون، ولذلك أخذت أرفع ذراعيي الاثنتين عاليا وألوح بهما أمام الكاميرات لعل وعسى . وفي نهاية المطاف لاحظ الصحفيون وجودي ، وظهرت صورتي على الشاشة مصحوبة بتعليق يقول : " الجنود الأمريكيون يستسلمون ببطولة عند مشارف بغداد ". يا إلهي ، لك الحمد ، فقد أصبحت نجما تلفزيونيا أخيرا .
(6)
حبيبتي .. اقتربنا من مشارف بغداد . وصادفنا في الطريق أشجارا كثيرة جرداء ، التوت فروعها وجفت أوراقها ، وشاهدنا طيورا كثيرة ، وحشرات ، وثعابين ميتة . إذن فقد مرت الفرقة العسكرية الأوكرانية من هنا ! وأنقذتنا بمرورها ، لأن القوات العراقية لم تتحمل رائحة البصل وهربت كلها تاركة المدينة خلفها . وبعد ذلك دخلت قواتنا الأمريكية البطلة إلي المدينة .
(7)
عزيزتي .. أشتاق إليك كثيرا . يمكنك الآن أن تباركي لنا ، فقد استطعنا بفضل ذكاء السيرجانت أن نلقي القبض على أربعة وثلاثين صدام حسين ، أي أكثر بأحد عشرة صدام حسين مما اعتقلته الفرقة العسكرية المجاورة لنا . الأكرانيون ألقوا القبض فقط على ثمانية صدام حسين ، من بينهم طفلتان وقطة ! وقد أرسلت القيادة كل الحسينيين المعتقلين لإجراء فحص " الكود الجيني " لشواربهم . الشئ الجميل أن أحد الحسينيين الذين ألقت فرقتنا القبض عليهم شغل المرتبة الأولى بقرار لجنة التحكيم في المسابقة . وقد تأكد للجنة أنه هو .. الآن يجمعون المعلومات : من هو ؟ . والمهم أن الرئيس أرسل إلينا برقية تهنئة بانتهاء العمليات بشكل ناجح ، وأكد في برقيته أننا دولة محبة للسلام ، ولهذا لا نستطيع أن نترك السلام في حاله ! الأرجح أننا عما قريب سننقل هذا " السلام" إلي كوريا الشمالية ، وهي على حد قول السرجانت جزيرة تقع في المحيط الهادئ .
ملحوظة : ( مساء نفس اليوم )
بدأت في بغداد عمليات نهب واسعة النطاق . فقد قام الفيلق الأوكراني بالهجوم علينا فجأة بأقنعته الواقية من الغاز ، وحاول بمختلف الطرق أن ينتزع منا كل ما نهبناه من العراقيين . واتضح أن الأكرانيين لا يتلقون رواتبا مثل بقية الجنود ، وأن القيادة عندهم قالت لهم : " كل ما ستحصلون عليه في العراق ملك لكم " ! ولهذا كانت العمليات القتالية بيننا وبينهم من أعنف المعارك التي لم تشهد لها الحرب مثيلا !
عزيزتي .. إذا لم أرجع إليك ، فبلغي ابني أن والده كان أمريكيا حقيقيا ، وموزعا بطوليا للديمقراطية في العالم !
- التفاصيل
- كتب بواسطة: يوسف الديك
- الزيارات: 9
وفيما يلي ردّ رأيت أهميته بقدر أهمية المقال .. ذاته .. مقدراً للكاتبة جهدها المتميّز من خلال ما تكتب وما تنشر على الشبكة ..
ابتدءاً يبدو جلياً أن الكاتبة ذهبت بعيداً في قياسات خاطئة حول ما يتعلق بأحاديث الرجل حول المرأة في الصالونات والسهرات .. وأحاديث المرأة حول الرجل ، ففي الوقت الذي حاولت به تبرئة ساحة المرأة ، جاء حديثها مغايراً فيما يتعلّق بالرجل ، وتناولت النموذج الأسوأ للرجل العربي والذي لا يمثّل سوى ذاته لتجعل منه حالة عامّة بشكل مغاير للواقع تماماً ، وبطريقة توحي للمتلقي بشكل واضح أن الرجل دائماً هو الجاني سيء النيّة .. قاصر الفهم .. وأن المرأة دوماً وفي كلّ مرّة هي الضحية البريئة ، وفي الوقت الذي أستغرب فيه مثل هذه الإستنتاجات المبنية على قصدية مسبقة عبر فقرات المقال فإنني أؤكد للكاتبة والقاريء في آن معاً ان لا علاقة بمضمون المقالة النقدية ل ( حنان بديع ) بالحب من قريب ولا من بعيد ، فالحب شيء وما تناولته في مقالتها شيء آخر يختلف تماماً
فالمقالة جملة وتفصيلاً تناولت حالات من المحتمل أن تكون فرديّة أولاً .. ومن المؤكد أنها لا تصلح كنموذج لعلاقة سامية منذ الأزل اسمها ( الحب ) بل إن ما ذهبت إليه الكاتبة يؤكد أحد امرين ..أولهما تناول تجربة فردية شخصية كانت أم محيطة ، والثاني أن الكاتبة لم تصل بعد إلى فهم شامل لحقيقة أسمى علاقات الكون ( الحب ) ، ولا أنصّب من نفسي مدافعاً عن الرجل أو محاولاً إدانة المرأة .. ولكن ما احتواه المقال من افكار يشكّل من وجهة نظري ظلماً للمرأة .. وتحريضاً لفهم خاطيء بحقيقة ما نحتاجه جميعاً .. " الحب " أجمل اختراعات السماء .
فالحب يا سيدتي لم يكن ولن يكون كما تفضلت ( عملية نصب ) واحتيال .. ولكنه حاجة وضرورة حياتية للبشر جميعاً .. وإذ أجدني متفقاً معك في أن الكثير من العلاقات التي تنشأ تحت مسمى الحب تقوم على فكرة النصب وسوء النية المسبقة .. فإن هذا الإتفاق سيبقيني في موقف المدافع بشراسة عن قدسية الحب حتى لو بقيت حالة واحدة لحب صادق واحد .. فإنها تستحق ان نخوض من أجلها معركة بهدف ترسيخها وتكرارها كأنموذج ,, وليس تقويضها بسبب خساراتنا الشخصية في تجاربنا أو مشاهداتنا الضيقة والمحدودة . سيبقى الحب سيدي .. هكذا قال الراحل نزار قبّاني ...وإن كان ليس نموذجي الشعري .. لكنها عبارة أجدني اتمثّلها في موقف كهذا عن غير سابق قصد ولكن بإصرار بالغ
بقي ان أشكر الأقلام .. وزاوية القلم النقدي .. والكاتبة الفاضلة .. حنان بديع ،
مودتي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حنان بديع
- الزيارات: 10
الحب عملية نصب !
حنان بديع
قد تشكو المرأة الرجل أو تتحاشى الحديث عنه في جلساتها النسائية ولكن هل يفعل هو في جلساته الذكورية وكيف يستغيب الرجل المرأة بطريقته الخاصة؟
ثم ما الفرق بين كلام الرجال وثرثرة النساء في الأحاديث والجلسات الخاصة التي تدور بينهم سواء في الحلقات والتجمعات النسائية أو الرجالية ؟
صحيح أن الرجال والنساء أصناف وأجناس .. إلا أن الأحاديث هي انعكاس لتفكير وثقافة شعب وتجسيد لمثله الأخلاقية وقيمه الاجتماعية، فهل يخطر ببال المرأة مثلاً أن جلسات الرجال تغوص في الحديث عنها أو يصعب عليها التفكير في الأمور التي قد تدور حولها تلك الأحاديث ؟
وهل تظلمه أيضاً إذا اعتقدت أو توقعت أن الرجال يتحدثون عن المرأة في مجالسهم بأسلوب غير أخلاقي لا يوحي باحترام أو تقدير أو يقارنون بينها وبين فتاة الأمس بحسرة أو سخرية أو تندر؟
الإجابة جاءت صريحة في إحدى التحقيقات الجريئة ولم تختلف كثيراً بين رجل ورجل بحسب شخصيته ومستواه الثقافي والمادي حول ما يدور من أحاديث في الجلسات الذكورية المغلقة فماذا قالوا ؟
قالوا أن ...المتزوجون يتحدثون عن النساء بأسلوب كوميدي مضحك يصفون به علاقتهم بزوجاتهم وبيوتهم التي تحولت الى سجون
وقالوا أن .. العزاب تتحول أحاديثهم الى مغامرات صيد وبطولة
وأيضا قالوا أن ..معظم الأحاديث الأخرى خارج الزواج وقصص البطولات العاطفية تدور في الصالونات والمجالس الرجاليه على مستوى العبارات الرخيصة والبذيئة في حق المرأة، إذ يندر الحديث بإيجابية وتهذيب عن هذه الأنثى خصوصاً عند الدخول في المواضيع الجنسية والعلاقات الحميمة وحكايات الغزل والإعجاب حيث يتخطى الرجال غالباً حدود الياقة فيستعيرون كلامهم من الشارع وتغدو الإجتماعات الشبابية مكرسة للإعترافات بتغرير الفتيات فيتباهى كل منهم بطريقته الناجحة والفاعلة في الإغراء!
وإذ يبدو الحديث عن النساء لا ينتهي ، فإن هذه السهرات الشبابية تأتي مرضية لغرور الرجولة وتنتهي بأن تفيد بأن المرأة مخلوق ضعيف وطيب وتصدق الكلام المعسول بسهولة فتنسى نفسها وتتحول الى ضحية.
فهل هي كذلك ؟ أم أنها ثقافة الرجل الشرقي التي بموجبها تدخل علاقة الرجل والمرأة في لعبة الغالب والمغلوب أو الجاني والضحية؟
وما دوافع الرجل النفسية للحديث عن مغامراته ومهاراته في صيد الأنثى من بحور يغرق فيها سواه ووضعها في إطار البطولة ؟
الطبيعي أن تكون العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة مشتركة فلماذا يلذ للرجل أن يشعر بالفخر والانتصار فيما يحلو للمرأة أن تشعر بالذنب والعار ؟
قد أغرتنا اللعبة حتى تأصلت في جذور ثقافتنا ونظرتنا المشبوهة لعلاقة الحب على اعتبار أن هناك من يضحك على الآخر أو أن هناك جاني ومجني عليه وكأن الحب عملية نصب لا أخلاقية ليس إلا.
السؤال الأخطر ..كيف يربط الرجل وبطريقة غير منطقيه مغامراته وفتوحاته العاطفية بالرجولة ؟
في حين أن الرجولة صفات نتغنى بها نحن النساء حتى بتنا نحلم بها ونبحث عنها في شرقنا دون جدوى. ترى هل يدرك الرجل أو يتذكر بأنه أغنى قيمه بكثير من كونه ذكراً ؟
إن أنثى سرطان البحر من أصعب إناث الأرض إرضاء لأنها عندما تقرر اختيار شريك حياتها فإنها تنتقيه من بين مئة ذكر يستبسلون في الاستعراض للفوز بقلبها اذ لا يكفي أن يكون هذا الحيوان ذكراً ليحصل على رضاها ..
أنثى الإنسان أيضاً تبدو محظوظة في عدد الذكور الذين يطرقون باب قلبها.. مستعرضين فتوحاتهم ومواهبهم ليس طمعاً في الحصول على رضاها طبعاً .. لكن لصيدها والتغرير بها !! هل يبدو الفرق كبيراً ؟ نعم يبدو كذلك.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد شاويش
- الزيارات: 11
التشكيلات الدلالية وتحليل الالتباس
محمد شاويش
يتكون التشكيل الدلالي من إشارة ومعنى، أي من "دال" و"مدلول"، وقد تقترن مجموعة من الدوال في تشكيل هو التشكيل الدال، ومجموعة من المدلولات في تشكيل هو التشكيل المدلول.
تحليل عام للالتباس:
لنأخذ البيت العربي القديم المشهور:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل
بالنسبة للعربي المعاصر لا يوجد ما هو غريب في كلمات هذا البيت فهي كلها كلمات مستعملة في عربية زماننا، غير أنني أزعم مع ذلك أن البيت غير مفهوم لأغلب العرب. لماذا؟ مع أن الكلمات كلها "مفهومة"؟ السبب هو وجود تركيبات "غير معقولة" من الألفاظ: "يدنس"، "اللؤم"، "العرض" فحين قال الشاعر إن "العرض يدنس من اللؤم" بدا الأمر للعربي المعاصر تجميعا لكلمات متنافرة لا يمكن أن تعطي معا معنى معقولا كما لو أن أحدا قال مثلا"الماء يشرب الطاولة" ووضعت بين أقواس الكلمات لأنني سأقول فورا إن العربي غير المتمرس في اللغة يظن أنه يعرف هذه الكلمات على حين أنه لا يعرفها. لماذا؟ لأن معناها تغير منذ زمن الشاعر، حصل تغير دلالي كما نقول. فلكلمة "اللؤم" معنى قديم ومعنى جديد مختلف وكذلك كلمة "العرض".
فالتركيب "العرض يدنس من اللؤم" كان معقولا حين كانت المعاني الخاصة بالكلمات الأساسية "العرض"، "اللؤم" مختلفة (على الهامش أقول إن "اللؤم" كان يتضمن معنى "دناءة النسب" وفق مفاهيم ذلك العصر، ولها امتداد حتى عصرنا، وكان ينعكس عن هذا المعنى صفات مرتبطة من الأخلاق الدونية كالبخل وغيره، و "العرض" كان يتضمن معنى السمعة والاحترام الاجتماعي، ومن المفيد أن نلاحظ أن المعنى بأسره قد يختفي مع التغير الاجتماعي فلا يقتصر التغيير على بقاء المعنى وتغير التركيب اللفظي المعبر عنه وقد يبقى اللفظ ويأخذ معنى جديدا مسببا مشكلة في الفهم مثل هذه التي نناقشها الآن).
ولنعد إلى موضوعنا: لقد حصل "التباس" عند القارئ المعاصر ناتج عن اختلاف "المدلول" فالدال الواحد (الكلمة) لها مدلولان واحد قديم وواحد جديد والالتباس يحصل حين يظن المتلقي أنه يعرف المدلول وهو في الحقيقة لا يعرفه.
و "سوء الفهم" أسوأ من "عدم الفهم" من ناحية عملية و نعني بعدم الفهم عدم وجود مدلولات في الذهن لدال معين و أما سوء الفهم فنعني به وجود مدلول خاطئ للدال، و عدم الفهم أحسن لأنه يدفع السامع لمحاولة الفهم بينما سوء الفهم يخدع صاحبه و يجعله مطمئنا لفهمه الخاطئ . و ما ينطبق على التشكيل اللغوي كحالة خاصة من التشكيلات الدلالية ينطبق على جميع هذه التشكيلات و سأضرب لهذا مثلا توضيحيا: إشارات المرور الموجودة عندنا تتضمن تشكيلا دالا: أخضر –أصفر- أحمر و تشكيلا – مدلولا: مر- استعد- قف. لنفرض الآن أننا سافرنا إلى بلد فيه التشكيل الدال (إشارات المرور) يتألف من علامات أخرى غير الألوان عندها سنكون في واحد من وضعين رئيسيين أو "موقفين رئيسيين تجاه الدال" كما يمكن أن نقول: الوضع الأول :عدم الانتباه إلى وجود دال. عندها أما أن نبحث عن إشارات المرور و نكتشف وجودها في هذا التشكيل الدال الغريب، الوضع الثاني: الانتباه إلى وجود تشكيل دال غريب لا نفهمه و بهذه الحالة نحاول أن نفهمه، و نحن إذا في حالة "عدم الفهم"، و هذه الحالة أقل سوءا من الحالة التي يكون فيها التشكيل الدال "إشارات المرور" يتألف من نفس إشارات المرور التي نعرفها و لكن الأحمر مدلوله "مر" و الأخضر مدلوله "قف" فحين نرى هذه الإشارات دون أن تكون لنا فكرة مسبقة عن اختلاف معناها عما نعرفه نكون معرضين إلى سلوك خطأ خطير العاقبة ناتج عن سوء الفهم: اعتقادنا أننا نفهم! .
إن التشكيلات الدلالية في الوعي لها دور عملي أكثر بكثير مما يخطر على البال للوهلة الأولى و لذلك فإن الالتباس (سوء الفهم) الرفيق الملازم لهذه التشكيلات، هو أيضا أكثر تواترا في تجربة الفرد و الجماعة مما يخطر لنا.
و إزالة الالتباس تتضمن بالضرورة خطوتين لا بد منهما: الأولى إعادة "سوء الفهم" إلى وضع "عدم الفهم" (أي تجريد الدالات من مدلولاتها الخاطئة) و الثانية "الفهم" (أي ربط الدالات بالمدلولات الصائبة).
و نقول إذا في تحليلنا العام للالتباس إن الدالات عموما نوعان (بالنسبة إلى شخص مدرك معين "م"): دالات مرتبطة بمدلول و دالات غير مرتبطة بمدلول. موضوع سوء الفهم هو الدالات من النوع الأول. و نلاحظ أن كلا من "عدم الفهم " و "سوء الفهم" يتعلقان بحالة وجود دالات مؤكدة الصفة (أنها دالة) في "سوء الفهم" تكون الدالة موجودة و لكننا نربطها بمدلول خطأ و في "عدم الفهم" تكون الدالة موجودة و لكننا لا نعرف مدلولها فلا نربطها بأي مدلول لا خاطئ و لا صحيح و في الحالتين نحن منتبهون إلى وجود الدال و الدال موجود حقا و لا نتوهمه . ثمة حالتان أخريان الأولى هي وجود الدال مع عدم الانتباه إلى صفته كدال مثلا بعض النجوم دوال لفصل المطر عند الأعراب المتمرسين و يسمونها "الأنواء" بينما هذه الدوال غير معروفة الصفة عند غير المتمرس.الحالة الثانية و نعبر عنها بالقول إنها "حالة توهم وجود الدال" و هو ربط مدلولات بدالات خطأ (أي أن هذه المواضيع اعتبرت دوالا للمدلولات المعنية دون أن تكون كذلك) مثلا النظريات التي تربط صفات نفسية خطأ بصفات جسدية، الاعتقاد مثلا أن العيون الزرق تدل على الخبث.
و نشير فقط هنا إلى أن العلاقة بين الدال و المدلول قد تكون طبيعية يكتشفها الإنسان و لا يد له في صنعها و قد تكون صنعية .و المزيد حول هذه النقطة يحتاج إلى توسع لسنا الآن في صدده .
و لنعد إلى موضوع "سوء الفهم" و لنسمه من الآن فصاعدا حتى نهاية المقال "الالتباس" و لنسأل عن أسبابه المتواترة.
خذ مثلا: الالتباس اللغوي: ثمة أسباب لتغير مدلولات الألفاظ في الزمان (و في المكان أيضا فثمة كلمات عربية تعني في المشرق شيئا و في المغرب شيئا آخر، أي قد تختلف مدلولات الكلمة بين مدينتين متجاورتين) يدرسها المختصون في هذا الفرع من علم اللغة، و الموضوع هنا يتعلق باستمرار الدال و تغير المدلول لأسباب خاصة بسنة التغير الدلالي.
استمرار الدال و تغير المدلول سبب للالتباس اللغوي.
ثمة سبب آخر لهذا الالتباس ناتج عن كون الأصوات في اللغة محدودة العدد مما يجعل احتمال تكرار تشكيل صوتي معين كبيرا لحد كاف مع مدلولات مختلفة (قد تكون الكلمة الواحدة موجودة في لغتين مختلفتين بمدلولين مختلفين إما بالمصادفة التي ذكرنا للتو سببها و إما لأسباب أخرى كاستعارة الكلمات من لغة إلى لغة). و سنتكلم بعد قليل عن السبب المتعلق بمحدودية "الأحجار الأولية" التي ينبني منها الدال (أو العلامة).
حالات الالتباس في درجتي تعقيد مختلفتين:
أبسط حالات الالتباس هي الحالة التي يكون فيها الدال واحدا و يحصل الاختلاف في المدلول، و هذه درجة التعقيد الأدنى و فيها يمكن للمدرك أن يصحح الالتباس باستبدال المدلول – يضع المدلول الصحيح مكان المدلول الخاطئ.
درجة التعقيد الأعلى هي حين يسلك المدلول المفترض أنه صحيح سلوكا غريبا نعبر عنه أنه خارج السيطرة في علاقته بالدال.
خذ مثلا على هذه الحالة العربي الذي يضع كلمة Survive مرادفا لكلمة "نجا" العربية.
لكن العربي يلاحظ أن العلاقة بين الدال و المدلول المفترض لهذه الكلمة "يسلك سلوكا غريبا":
حين يرى العربي أن كلمتي "بيت" و "منزل" لهما نفس المدلول فهذا يعني أنهما يسلكان نفس السلوك اللغوي مقابلان تماما للتبادل ففي الجملة "س" يسكن في البيت يمكن أن نضع "المنزل"بدلا من البيت فلا يختلف شيء في سلوك الدال الجديد اللغوي في علاقاته مع الدوال (الكلمات) الأخرى فنحن نقول "س" يسكن في المنزل.
العلاقة بين Survive و "نجا" لا تسلك نفس السلوك المعتاد للكلمات المتحدة في المدلول لأن "نجا" ترتبط ارتباطا لازما بحرف الجر من بينما تتعدى Survive مباشرة.
نقول: "نجا من الحادث" و He survived the accident و بوجه عام نقول إن الالتباس من الدرجة الثانية من التعقيد حين لا نفلح في وضع المدلول المفروض أنه ملائم للدال في سياق مقبول لنا ينسجم مع القواعد المحددة للعلاقات الداخلية بين التشكيل الدال و التشكيل المدلول.
و نحن نفترض أن الالتباس من الدرجة الثانية من التعقيد يكثر ظهوره حين يتعلق الأمر بمحاولة "ترجمة" ظواهر ثقافية معقدة تميز حضارة معينة إلى مفاهيم حضارة ثانية. مثلا قول الطيار المصري بالعربية "توكلت على الله" قبل سقوط طائرة "مصر للطيران" في هذا العام 1999 و التخيلات الأمريكية عن معنى هذه العبارة.
إذا أطلقنا على العملية التي يقوم بها الوعي بالربط بين الدالات و المدلولات الاسم العام الاصطلاحي "الترجمة"، فسوف نرى أن الوعي في حالة "ترجمة مستمرة" و هذه الترجمة لها هدفان هما بعدا الترجمة: الفهم و إزالة الالتباس.
و الالتباس متواتر أكثر مما نتوقع، فكثير جدا مما نظنه فهما هو في حقيقته التباس، و كثير جدا من مسلماتنا عن الواقع أخطاء لا تطلق إشارات حمراء لأنها لم تتناقض بعد مع التجربة تناقضا جادا.
و حين يقرأ أناس من ثقافة معينة نصا من ثقافة ثانية فإنهم يصادرون على أنهم "فهموا". لقد ترجم الأمريكان ما قال الطيار المصري و فهموه "فهما أمريكيا".
لا غرابة في ذلك إذ أن مصلحتهم تتناسب مع هذا الفهم الغرابة هي في عدم انتباه المصريين إلى أنهم هم لا الأمريكان المؤهلون لفهم هذا القول و عدم اعتراضهم عائد لأسباب عديدة واحد منها فقط مفهومهم السطحي المبالغ فيه عن إمكانيات الترجمة الدقيقة الأسباب الأخرى تتعلق بحسن الظن العربي المعتاد عموما و حسن الظن "بالأصدقاء الأمريكان" خصوصا تماما كما أن الخطأ الأمريكي لا يعود فقط إلى الأسباب العامة للالتباس التي نحن بصدد مناقشتها فعلاوة على المصلحة و الإسقاط النفسي للعدوانية على الآخرين هناك سوء النية إزاء كل تعبير ديني ينطق به مسلم فثمة تصور أنه يعني بالضرورة الشروع في عمل عنيف و هو في حالة الطيار انتحار و قتل جماعي في الوقت نفسه.
و حين صار الموضوع: الترجمة يتعلق بالسمعة التجارية لشركة الطيران المصرية و بخسارة مئات الملايين من الدولارات "أطلق الخطأ الإشارات الحمراء" إذ بالصدمة نكتشف الالتباس و الصدمات هي أحسن مصحح للترجمات!
من الأحسن و الأدق علميا و الأسلم أيضا اعتبار الترجمات باعثا على سوء الفهم كما هي باعث على الفهم و هذا الحكم العام مفيد جدا للذين يخوضون غمار "الحوار بين الحضارات" الذي هو بحق شعار عصرنا.
الالتباس في التشكيلات الدالة بين الحضارات:
إن العناصر الأولية للتشكيل الدال، "أحجار البناء" للدال محدودة، فهذا الكون واحد للجميع، و الجسم البشري واحد في تفاصيله الهامة، و ثمة عناصر مادية كثيرة مشتركة بين الحضارات المختلفة. كل هذا يسبب ظاهرة التداخل في الدوال، و بالتالي يسبب بصورة حتمية ظاهرة الالتباس الذي نعرفه بأنه ربط الدال بمدلول خاطئ أخذ من مجموعة مدلولات موجودة للدال. هز الرأس إلى أسفل و أعلى يعادل في بلغاريا قولك: لا و عندنا يعادل: نعم، و هز الرأس جانبيا إلى اليمين واليسار يعني عندهم: نعم و عندنا:لا و كما يرى القارئ اللبيب الدال الواحد له مدلولان مختلفان مما يسبب الالتباس بصورة حتمية لكل فرد من الشعبين يتعامل مع هذه العلامة التي ينفذها واحد من الشعب الآخر لأول مرة.
سبب وحدة الدال هنا هو الاشتراك في ظاهرة وجود رأس عندنا و عندهم! و الإنسان عموما يميل لاستعمال أعضاء جسمه للإشارة و "أحجار بناء الإشارة" هذه محدودة العدد، و التشكيلات الناتجة عن تكرارها بنظام معين محدودة العدد أيضا بينما المعاني المطلوب التعبير عنها كثيرة عند كل الشعوب و حيث أن الارتباط بين الدال و المدلول اعتباطي عموما فإن نفس التشكيل الإشاري يمكن أن يرتبط بمدلولات مختلفة عند شعوب مختلفة.
و هذا هو الحال في النظام الأهم للدلالات، التشكيل الدلالي الأساسي للإنسان الذي هو اللغة. فالدالات (التي هي الألفاظ) تتكون من عدد محدود من الأصوات هو كل ما يسمح به التركيب الفيزيولوجي للفم و اللسان و الحنجرة، و من هنا كانت ظاهرة الاشتراك اللغوي (لفظ واحد لمعاني مختلفة) ظاهرة لا بد منها.
و إذا عرفنا "الدال" بأنه شيء يدل على شيء آخر، فما أكثر الدوال! إن السلوك نفسه يكون تشكيلا دالا، فهذا السلوك يدل هنا على شيء و يدل هناك على شيء آخر، و ظاهرة الاشتراك هذه، المعتادة هنا كما هي معتادة في كافة التشكيلات الدلالية الأخرى تسبب هنا مثلما تسبب هناك ظاهرة الالتباس (يبدو أن اللجوء إلى الله عند الأمريكان سلوك يدل على نية الانتحار أو القتل أما عند المصريين فلا! و إلا فليتقدم لنا المحققون الأمريكان بتفسير آخر لسوء فهمهم للجوء الطيار المصري إلى الله).
و أمثلة محدودية "أحجار بناء الدال" كسبب "للاشتراك" الذي هو بدوره سبب للالتباس كثيرة: و يمكن أن نعد منها إلى ما لانهاية مثلا: الألوان محدودة و بالتالي فلابد أن اللون الفلاني في المكان الفلاني له معنى آخر في مكان آخر (و لو كانت الألوان لانهائية العدد أو أكثر مما هي عليه بكثير لقل احتمال الالتباس، و إذا أعطينا الشعوب اللونين الأبيض و الأسود و قلنا لهم اعملوا من هذين اللونيين مع الحزن و الفرح تشكيلا دلاليا فسنجد لا محالة أن من الشعوب من يعد الأبيض علامة فرح و الأسود علامة حزن و منها من يعد الأبيض علامة حزن و الأسود علامة فرح).
و كما يرى القارئ فإن إفهام الاختصاصيين الأمريكان ما تعنيه "توكلت على الله "المصرية يحتاج إلى جهد خارق قد لا ترى البراغماتية الأمريكية ضرورة لبذله فهو غير مربح و لا يمتلك "جدوى اقتصادية".
إن النظام الدلالي لشعب ما يهم الشعوب الأخرى بقدر أهمية هذا الشعب، و لو كنا مهمين لاضطر الأمريكان إلى تعلم إشاراتنا و معاني أقوالنا
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ثريا حمدون
- الزيارات: 8
قراءة نقدية في قصيدة
ثريا حمدون
يستهل الشاعر عبد السلام العطاري قصيدته "ما زلت هنا ...أحمل قبسا من الذكريات" بتوجيه خطابه إلى شخص ما، قد يبدو للوهلة الأولى خطابا محايدا، لأنه لا يميز فيه بين الذكر والأنثى، إنه الضمير المحايد الذي نجده يقف كالحارس على باب القصيدة، كي يمنحنا تأشيرة الولوج إلى أسرارها وسبر أغوارها.
فيقول: "إليكـ" لينتقل مباشرة إلى تحديد جغرافية مكانه، إنه منعزل عن العالم، عن الناس، في غار عزلته، كأنه نبي ينتظر وحيا ما؛ ينتظر رسالة تحملها الريح إلى الضفة الأخرى، من هنا حيث يوجد الشاعر إلى هناك، وكأنهما منفصلان انفصال الروح عن الجسد.
يستمر الشاعر في التحديد، وكأننا نحمل بوصلة حروفه التي تقودنا إليه، يصير الزمان شخصا يرتدي معطفا كي يقيه برد الشتاء.
لكن مع ذلك، نجد الشاعر يستعمل قاموسا يكسر به البرد، والصقيع، ولون البياض، فيقول :
وأزهار الربيع
تشقه بصمت
وأقحوانة حمراء
تتسلل، تلون
وهج البياض
يجمل الشاعر هذا الكون، ويدفئ قسوة برده بحروفه، فينتقي ألوانا متعددة: كلون الربيع الأخضر، ولون الأقحوانة الحمراء، وبياض الثلج.
تمتزج الألوان لتقدم لنا لوحة فنية، يشكل اللون الأبيض الأساس، وأزهار تشقه بصمت، أما الأقحوانة الحمراء، فتخرج كي تدخل خفية إلى هذا الأبيض.
في مساء ما يضيق الكون، ليس هناك إلا نافذة يطل منها القمر، ليرسل بنوره ويضئ عتمته .
وقمر يضيء ما تبقى من فسحة الكون
يتقلص حجم العالم / الكون بكل امتـداده، فيصير الشاعـر هـو الكـون، "ينطوي فيه العالم الأكبر"، يحمل مزيجا من الطاقات، والذبذبات، والألوان، إنه خليفة الله في الأرض، بذرة النور التي تحتاج إلى النور كي ترتوي، وتكبر، وتنشر أشعتها كالشمس على هذا الكون، مادام قد حمل أمانة على عاتقه يقول الله عز وجل: ((إنّا عَرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبينَ أنْ يحمِلنَها، وحمَلهَا الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً)).
فيقول:
مازلت هنا
أتساءل: لماذا لم يغير الشاعر مكانه، وماذا يحمل في جعبته؟
يجيبنا الشاعر بأنه مازال هنا، إنها هذه الكلمة: "مازال" التي تتكرر أربع مرات في القصيدة، مرة في العنوان، ومرتين في الوسط، وأخرى في النهاية، ليؤكد بها الشاعر استمرار وجوده، خط متصل إلى ما لا نهاية، مثل الجذور المختبئة في الثلج، لا تموت رغم قسوة الطقس.
يحمل قبسا من الضياء /النور، وقبسا آخر من نار.
مازلت هنا
أحمل قبسا من الضياء
من النور
وقبسا من نار
يطرز الشاعر بين ثنائية النور والنار، هل يختبئ داخل النور كي يحمل لنا النار؟ أم داخل النار كي يحضر لنا النور؟.
كلاهما جائز، لأنه يجمعهما من أنفاسها في ليلة عاشقة، وهنا يحدد لنا الشاعر جنس المخاطب:
إنها الأنثى، الأرض، المرأة .
يكرر الشاعر أنه مازال هنا، استمرار الوجود والمكان الذي اختاره بمحض إرادته، يحمل قبسا من الذكريات يعطرها بثنائية النور والنار.
فلسفة الحزن عند عبد السلام العطاري:
من نافل القول أن الحزن يشكل المادة الخام التي ينهل منها الشعراء الطاقة التي تنكتب بها القصيدة، لكننا نجد الشاعر له رؤية خاصة، فيشير إلى الأبعاد الثلاثية للحزن، لنتساءل معه: من هو هذا الحزين ؟
1 - الحزين هو الذي من لا تملك قلبه حبيبة.
2 - الحزين من لا يملك قلب حبيبته.
3 - الحزين من يعيش بقلب، ولا يحيا في قلبها.
يبدو لنا من خلال هذا التعريف، أن الفرح والحزن مشروط بوجود أو انعدام الحب.
فالحزين هو الذي انفصلت روحه عن جسده، لا الروح صعدت إلى السماء، ولا الجسد وارينا سوأته في الثرى.
إنه انفصال الذكر عن الأنثى، انفصال السماء عن الأرض، فينعدم السلام الداخلي، ويشع الحزن، ينشر حبالا سوداء تشنق فضاء الذات، فيتلاشى الفرح ثم ينتحر ببطء.
لا وجود إلا للشاعر، الذي يحمل رسالة أو أمانة إلى كل الكائنات، مازال في هذا المكان يقول الشاعر:
ما
زلت
هنا
والأرض والثلج
وجبال يكسوها الألم
وربيع يقترب
من تلال الصيف الجميل
صورة أخرى تنتقض مع البداية، أو يِؤِكد فيها الشاعر هذا التناقض الجلي في الواقع، فينفي حضور الربيع، وكأنه يقول لنا: كان وهما، عندما لون لوحة الثلج /الروتين بالربيع، الذي يرمز إلى الحياة، والأقحوانة الحمراء التي تمثل طاقتها، يؤكد قولنا هذا، فعل "اشتاق" الذي يأتي مباشرة:
وحضرموت
تشتاق لعفراء الصحراء
ولقيس وجميل بثنيه
من يُجمّل الكلمات ؟؟
من يشكّل الحروف
لم يعد (أبو الأسود)
ولا (سيبويه).
نلاحظ أن تكرار فعل "اشتاق" يكون حلقة اتصال وانفصال في آن واحد، من خلال ربطه بالكلمات السابقة واللاحقة، وهو بذلك يملك مفتاح القصيدة، إنه حلم الشاعر الذي يوقظه من كابوس الواقع فيطرح سؤالا تلو الآخر:
من يقوم بمهمة تجميل الكلمات بالحب؟ كحب قيس لليلى، وحب جميل لبثينة، ذلك الحب الطاهر النقي.
من يشكل الحروف بعد أبي الأسود وسيبويه؟
إنهما سؤالان ينهلان من فعل الاشتياق حضورهما، وهما في ذات الوقت يؤكدان موت هؤلاء الأشخاص ليمنحا الحياة والوجود القوي للشاعر.
فهو الذي سيجمل الكلمات، ويشكل الحروف، إنه كل الأشخاص في واحد.
يقول الشاعر :
لم أعجز بعد
فأنت القصيدة
وشطر البيت، وعجزه
وأنت الحرف
وجمع الكلمة
وأنت المفردة
والمحصلة ...هي أنت
ندرك منذ بداية القصيدة أن الشاعر ينفي عجزه، ويتحدى كل شيء، لأنه قوي، وأنثاه القصيدة ينقشها بحروفه كيفما شاء، يخلق فيها عوالمه الممكنة وغير الممكنة، بعيدا عن الرقابة، إنها شطر البيت وعجزه، لا تستوي القصيدة دونهما، (بالرغم من أن الشعر الحديث يستغني عنهما(.
هل هو فتح باب الشك أمام القصيدة كي يترك لنا مجالا للتفكير، أم هي مجرد فكرة عابرة ينوي الشاعر ترسيخها في أذهاننا ؟
إنها الحرف الذي يتنفسه كالهواء؛
وهي الجمع والمفردة عندما يغيب الجميع؛
وهي المفردة المنفردة حينما لا يتحمل أحد حزنه.
إنه قدر الإنسان أن يكون شاعرا، خلق كي يسعد الناس، يحزن لأحزانهم، ولا أحد يبادله شعوره، وكأنها لعنة الحزن تنزل لتخيم على أرواح الشعراء ؟ وهي المحصلة، إنها الغائبة الحاضرة في وجدان الشاعر ليختم قصيدته بقوله:
فأنا... مازلت.... هنا.... سيدتي
يقوم الشاعر عبد السلام العطاري بتقطيع هذه (الجملة الخاتمة) إلى كلمات، تبدأ بضمير منفصل" أنا"، يليه الفعل الناسخ "مازال"، وكأنه ينسخ وجوده، ولأن الفعل "مازال" ناقص أيضا، لا يتحقق فعله إلا في هذا المكان القريب "هنا" حيث تكون هي: "سيدتي".
وبهذا الانتقاء الجميل لخاتمة النص، يفتح لنا الشاعر مرة أخرى الشهية للقراءة، ونبدأ من حيث ينتهي.
الخاتمة
يبدو جليا أن الشاعر لم ينه كلامه بعد؛ مما يجعلني أسلط الضوء على التقنيات التي يستعملها، فالكلمة التي استهل بها قصيدته "إليك"، وهي بؤرة الكلام، تتوهج، لكنها سرعان ما تنطفئ، لأن الشاعر ينتقل إلى ذكر المكان والزمان، وينسى ما أراد قوله: هل هو حضوره المكثف من أول فونيم في القصيدة إلى آخرها هو ما يمنح لهذا الغياب ثقله وجوهره؟
قد يكون الشاعر تعمد تغييب الكلام، وكأنه يؤكد قول سارتر"SARTRE":
" إن العمل الفني مهما بدا منتهيا، فهو ليس كذلك، بل يحتاج دوما إلى من يكمله، وهو في أثناء هذه العملية لا يمل من الاستزادة "[1][1].
ربما تكون الجملة: "مازلت هنا" هي بيت القصيد، وجواب "إليك" التي طالما بحثت عنها وأنا أسبر أغوار القصيدة.
- استحضار التراث القديم: فيصير المكان مقدسا، نستشف ذلك من خلال كلمة "الغار" الذي يذكرنا بغار حراء، والعزلة التي يلجأ إليها المتأملون والمتألمون في هذا الكون .
- تناغم الحروف: حيث تؤلف سمنفونية جميلة يلحنها المعنى، وترقص على نغماتها الكلمات.
- إيحاءات اللون: يستعمل الشاعر عبد السلام العطاري إشارات الألوان:
فالأحمر، يشير إلى غياب الحرية التي تحاول أن تتسلل إلى هذا الواقع والنظام الجديدين.
أما الأخضر، فقد أجمع الباحثون على أنه يسبب الشعور بالأمان والرقة، إنها الحياة التي تشق هذا الأبيض بصمت.
- اختيار واع لكل مفردة في القصيدة، بحيث لا يمكن وضع كلمة مكان أخرى.
- اعتماد القاموس اللغوي الذي ينتقي مادته من الطبيعة: الغار، الجبال، الثلج، الأزهار (الأقحوانة)، القمر (النور - الضياء)، الأرض (التلال)، الصيف، ثم الصحراء .
التوقيع: ثريا حمدون
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد الخميسي
- الزيارات: 10
علاء الأسواني وروايته التي أثارت ضجة
أحمد الخميسي
حين صدرت رواية " عمارة يعقوبيان " لعلاء الأسواني ، لم أكن قد تعرفت به شخصيا . لكن الرواية أثارت في نفسي ما أثارته في نفوس الكثيرين من ذهول وإعجاب بقدرة الكاتب الفنية ، وعودته بالرواية المصرية إلي اتجاهها الاجتماعي الذي ازدهرت بفضله . وقد كتبت عن الرواية عند صدورها ، إلا أن إعادة طبع الرواية للمرة الثامنة ( وهي حالة نادرة ) ، ثم ذلك النقاش الذي ما زال يدور بشأنها هنا وهناك يوحي بضرورة الكتابة من جديد ، ليس بسبب الرواج الذي لاقته ولكن لأن الأسئلة التي طرحت عند ظهور الرواية ، سرعان ما اختلفت وتغيرت ، بحيث وجدنا أنفسنا في مواجهة قضايا أخرى في أمس الحاجة للنقاش . في البداية كان السؤال: ما هي هذه الرواية ؟ وحين صادفت الرواية ذلك النجاح أصبح السؤال : لماذا هذه الرواية ؟ في البداية كان السؤال يتعلق بماهية الطبيعة الفنية للعمل ، والهموم الاجتماعية والإنسانية التي يحملها ، وشكله الأدبي ، ولغته ، ثم أصبح : ما هي الأسباب التي جعلت الكثيرين – من مختلف مستويات التلقي والتذوق- يتلقفون هذا العمل تحديدا بكل ذلك الإعجاب والحماس ؟ . هل أقول إن رائحة الغيرة الأدبية كانت تنبعث هنا وهناك من هذا السؤال ؟ ربما ، لكننا إذا تجاوزنا هذه الغيرة التي لا يخلو منها تاريخ الأدب أوروبيا أو شرقيا ، سنجد أن المسألة تنطوي على سؤال أشمل : ما الذي يجعل العمل الأدبي ناجحا ؟ ولماذا ينجح عمل ويفشل آخر ؟ وبالتالي فإن الموضوع يمس في واقع الأمر شروط العمل الإبداعي وعلاقته بالمجتمع بشكل مباشر .
وكان أسخف ما تردد في تفسير نجاح " عمارة يعقوبيان " القول بأن كاتبها علاء الأسواني يتقن فن الترويج لعمله بفضل علاقاته العامة الطيبة ! لكن أليس هذا هو علاء الأسواني نفسه الذي نشر من قبل مجموعتين قصصيتين فلم تحدثا أية ضجة ؟ أم أن قدرات الأسواني وتأثير علاقاته العامة لا يتجلى إلا في عالم الرواية ؟! ولنقل أيضا إن هناك عشرات الكتاب ممن يشغلون مواقع هامة في هيئات ثقافية رسمية ولهم جميعا قدرات مذهلة على نسج العلاقات من الهواء ، لكن أعمالهم لم تثر تلك الضجة ؟ بل إن الأسواني – خلافا لأولئك – ينتمي بقلمه إلي معسكر المعارضة الثقافية والسياسية التي تضيق الدولة الخناق عليها ؟ وقد قفز الأسواني بروايته - بالرغم من وضعه وليس بفضله - إلي أوسع دائرة من الضوء والقراء .
علينا إذن أن نبحث عن أسباب نجاح الرواية في منطقة أخرى تتصل بطبيعة العمل الأدبي ، وإمكانيات الكاتب الإبداعية ، والظروف الاجتماعية التي صدر فيها العمل ، وموضوع " العلاقة بين الأدب والمجتمع " عامة .
وبداية لابد من الإشارة إلي أن " عمارة يعقوبيان " ظهرت في مواجهة تيار أدبي وفكري واسع الانتشار ، يعتمد على منظومة فكرية وفلسفية متكاملة تعتبر أولا أن حرية الإنسان هي حرية فردية لا تشتبك في مصيرها بحرية الآخرين ، وأن دور الأديب هو التعبير عن " الذات " ، وأن الشكل هو في أغلب الأحوال حالة منشودة بحد ذاتها ، وأن تحويل الأدب والفن إلي وسيلة لبلوغ أهداف أخرى امتهان للإبداع وأن عصر " القضايا الكبرى " قد ولى وغرب سواء أكانت تلك القضايا هي حرية الوطن ، أو هموم الجموع الغفيرة من أبنائه ، أما الشخصية الإنسانية والواقع فإنه مجرد حالة من التشظى لا يجمعها قانون عام ، وخلال ذلك لم يعد الواقع الاجتماعي موضوعا مغريا بالمعالجة الروائية . وقد أدى هذا كما يقول الكاتب الأمريكي فيليب روث إلي : " خسارة أو فقدان الموضوع ، وبمعنى آخر الانسحاب التطوعي للروائي من الاهتمام بالظواهر الاجتماعية والسياسية الكبرى في عصرنا " ، وبلغ الأمر مداه حينما أصبح الشكل والأسلوب في أحيان كثيرة مجرد محاولة لبلبلة القارئ ، ووضعه عند حده في مواجهة كاتب لا يجد غضاضة في التصريح بأنه يكتب للقلة المختارة ! وخلال ذلك ، ظهرت فجأة عمارة يعقوبيان ، في لحظة كانت الرواية المصرية فيها قد تشبعت بالشخصيات التي تنجرف دون أية مقاومة إلي تيار الحياة دون مشروع اجتماعي أو فكري ، وأحيانا من دون حتى مجرد الاحتجاج الباطني ، أو الغضب ، أو الأمل في تفسير الواقع وتجاوزه . شخصيات معزولة ، وهامشية ، فاعليتها الوحيدة – على أكثر تقدير –هي الرصد السلبي لما يدور حولها بنظرة مستسلمة ، من دون اشتباك مع الواقع ، اللهم إلا بالخيال فحسب . ظهرت رواية الأسواني بعد أن غابت عن الرواية الشخصيات التي تكثف عمليات الصراع الاجتماعي ، كما هي الحال في شخصية " محجوب عبد الدايم " في رائعة نجيب محفوظ " القاهرة الجديدة " ، أو في شخصية " إسماعيل " في قنديل أم هاشم ليحيي حقي ، وغيرها . ظهرت " يعقوبيان " بعد أن اعتبرت غالبية الروائيين أن مهمتهم الأولى هي " تجديد الشكل الفني " واستخدام أقصى ما لديهم من وسائل لإدهاش القارئ ، ونسخ مختلف حيل الرواية الفنية الحديثة ، دون أن ينتبهوا إلي أن الحقيقة هي أكثر الأشياء قدرة على الإبهار ، الحقيقة بمختلف جوانبها الاجتماعية والسياسية والإنسانية ، ولا إلي أن البحث عن أشكال جديدة لابد أن يكون استجابة لظهور مواضيع جديدة وعلاقات جديدة ، وليس مجرد نسخ للحيل الفنية في روايات ظهرت في مجتمعات وظروف مختلفة . وأصبح اللهاث وراء الشكل ، والتركيز على الشكل ، تعبيرا عن تنافر عميق مع البيئة الاجتماعية وليس تعبيرا عن حقيقة تمس حياة الناس بشكل جوهري . ظهرت عمارة يعقوبيان لتعيد طرح حياة صغار الناس في العمارة التي أصبحت رمزا للحراك الاجتماعي في مصر منذ الملك مرورا بعبد الناصر وانتهاء بعصرنا من منظور العلاقة بين قمم جبال الثروة وسفوح البؤس الاجتماعي ، هناك العلاقة المتوحشة بين الحاج عزام المليونير وبين سعاد جابر التي يتم إجبارها على الإجهاض ، وهناك بثينة الفقيرة التي تبيع نفسها بعشرة جنيهات ، وهناك زكي الدسوقي الذي يجد نفسه في مواجهة جشع أخته الوحيدة ، وهناك أيضا عذاب طه الشاذلي الذي لم يمنحه المجتمع فرصة لاستكمال تعليمه ، وهناك إدانة واضحة لكل أشكال الفساد السياسي والاقتصادي والظلم الاجتماعي ، وثمة شوق مستمر إلي العدل بين أشجار تلك الغابة المتوحشة وظلمتها . وبكل ذلك أيقظت الرواية الرابطة الحية بين الأدب والمجتمع ، الرابطة التي كان لها الفضل دائما في حياة الأدب الطويلة . لكن البعض اعتبر أن الرواية " كتبت بشكل كلاسيكي ، وبأسلوب بسيط ". وهنا نجد أنفسنا مرة أخرى في مواجهة قضية " الاهتمام بالشكل " ، علما بأن الأشكال الروائية متعددة ، وعلما بأن : " الوقائع المختلفة التي تعالجها الروايات تستلزم أشكالا مختلفة من السرد الروائي " على حد قول الروائي الفرنسي ميشيل بوتور . وقد استلزم موضوع الرواية ذلك الشكل ، ولم يكن لها أن تكتب بشكل آخر . السؤال هنا هو : هل نجحت الرواية بشكلها ذلك في الكشف عن الواقع أم لا ؟ هل قامت بشكلها ذلك بدورها المعرفي والجمالي أم لا ؟ . فالصراع هنا يدور في واقع الأمر بين نظرتين مختلفتين للفن والأدب ، نظرة تعتبر أن دور الأدب هو التقاط الطرائف والغرائب وعرضها بشكل غير تقليدي ، أو الغوص في العوالم الذاتية ، ونظرة تعتبر أن دور الأدب هو عرض حياة الناس وكشف الواقع والوصول إلي الناس ، والانطلاق من العالم الموضوعي . إن الذين تحدثوا عن الرواية باعتبارها رواية كتبت " بشكل كلاسيكي " ، و " بأسلوب بسيط " كانوا يقصدون التهوين من شأن الرواية فنيا ، دون أن يدركوا أن الأشكال التي تستجيب لاحتياجات واقعنا قد تكون مختلفة ، وأحيانا كلاسيكية ، أما عن " الأسلوب البسيط " فلست أفهم المقصود من تلك العبارة ، إلا إن كان نقيضها هو " الأسلوب المعقد " ! .
السؤال الآخر الذي يطرح نفسه هو : هل يمكن أن يروج عمل فني من دون أن يكون عملا فنيا في المقام الأول ؟ أي : هل يمكن أن يروج عمل لمجرد أنه يتبنى هموم الناس ؟ . الإجابة : كلا . فهناك في الأدب المصري عشرات ، إن لم يكن مئات الأعمال المكتوبة بنية حسنة ، لكنها ليست فنية ، ومن ثم طواها النسيان . لقد شغلت رواية " عمارة يعقوبيان " مكانها بفضل المقدرة الأدبية لعلاء الأسواني كاتبا ومبدعا ، وبفضل قدرة الأسواني على رصد الحياة الاجتماعية ، وتتبعها ، ورسم الشخصيات ، والوصف ، وأولا وقبل كل شئ : إدراك جوهر ما يجري في الواقع بشكل صحيح . لقد عاد الأسواني بالرواية إلي مجالها الحقيقي ، أي الحياة الاجتماعية ، وذكر بأن للأدب رسالة ، وقام بذلك معتمدا على موهبته الأدبية التي تعتز بها الرواية المصرية .
لم يكن ذلك كله دفاعا عن الأسواني ، لكنه على الأرجح دفاع عن حاجتنا إلي علاء الأسواني ، وإلي أكثر من علاء أسواني واحد ، يكتب وعينه على حياة الناس أولا وقبل كل شئ ، فإذا فعل كتب بحيث يفهمه الناس ، فيتلقفون رواياته بحماس وتقدير .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمود ابراهيم ابو حية
- الزيارات: 8
حقوق المرأة .. هزيمة الانسانية كانت تعجبني اصداء كلمة حقوق المرأة , وعندما كان يمرني عبارة حقوق المرأة اثناء التحويل بين محطات التلفاز او حتى اثناء قراءة مقال ما كنت اتوقف عندها طالباً المزيد من الاصوات المنادية بذلك . كل ما كان يجول بخاطري في تلك اللحظات ان هناك ظلماً واقعا على المرأة من المجتمعات وينادي المصلحون لمساعدتها للخروج من دوامة هذا الظلم .. ولكن بعد النظر ملياً في وضع المرأة العربية التي ينادون بتحريرها وبحقوقها وجدت بطلان هذا الادعاء , فقد كفل الله لها كافة حقوقها وفصلها في كتابه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلننظر الى عصر ما قبل الاسلام كانت المرأة لا رأي لها ولا قيمة , كانت جارية وكانها مخلوقة لامتاع الرجل , وكان من يستبشر من الرجال ببنت اسود وجهه وفضل وأدها على تربيتها. جاء الاسلام فكرمها ورفع شانها وساواها بالرجل فلها حقوق ولها واجبات وجعل الجنة تحت اقدام الامهات. اذن ماذا تريد هذه المرأة؟ وماذا تريد هذه الاصوات المنادية بما يسمى حقوق المرأة من هذه المرأة؟ ولمن هذه الاصوات وتتبع لمن؟ وهل هنالك ظلم على المرأة كما نسمع ؟ ظهرت بعض الاجابات بعد تحقيق بعض ما تصبو اليه الاصوات المنادية بذلك , فقد تحقق جزء من مطالب المرأة التي ينادون بها , فها هي المرأة المظلومة تخرج متبرجة متفننه في الالوان ومواد الدهان , متميزة للغاية في اختيار ملابس عظيمة على آخر موضة متفننة في اظهار مناطق حساسة من جسدها , ها هي تخرج من بيتها ولا تريد ان يقول لها ابوها او اخوها او حتى امها الى أين , تريد ان تمشي في شارع عام بكل هذه الزينة وهذا العري وتشعر بالنشوة لانها تجذب انظار المارين على يمينها ويسارها وان كانت تظهر العكس . اما عن ردود الفعل فهي منقسمة بانقسام شرائح المجتمع وتعدد اتجاهاته واغراضه. بعضهم ينظر الى هذا على انه عصرية فلكل زمان (نساء) , وبعضهم مسرور لذلك فهذا يسهل عليه ما يريده من فجور او اغراض فكرية اخرى وآخرون منزعجون بسبب او من غير سبب . اما رجال الدين المسلمين الذين يريدون صلاح الدنيا يقفون امام هذه الظاهرة وهم يعلمون ان الحل في الاسلام , فلا يوجد جور او ظلم لاي فئة في ظل الدين الاسلامي الحنيف , ولكن كيف يتم توصيل هذه الرسالة وخاصة لمن لا يريد ان يسمعها وهم معنيون بذلك . مثال المرأة العصرية كاملة الحقوق هي المرأة الامريكية , فهي تنفصل عن اهلها عن سن السادسة عشر ان ارادت , وتستطيع ان تجلب عشيقها الى بيتها وان حدث وتكلم احد افراد الاسرة نادت الشرطة ليزجوا به في السجن و ليتعهد بتركها وعدم التدخل في (امورها الشخصية) , وتلبس ما تشاء وتعمل ما تشاء وتقول ما تشاء فهي ليست بمؤمنه , وتحمي نفسها ب(حقوق المرأة). اذا ماذا تكون لدينا , امرأة ساقطة لا دين لها ولا اخلاق , ولا تقف عند حدود , تمشي كالحيوان تغذي شهوتها في اي وقت بدون حدود ولا ميزان . فهل ينفع ان يكون هذا المثال موجود في مجتمعنا المسلم؟ انت يا منادي بما يسمى بحقوق المرأة.. هل هذا ما تريد؟ وانت ايتها المرأة.. هل هذا ما تريدين؟ اخوتي لا تنجروا وراء هذا التيار المدمر الذي يريد القضاء علينا وعلى ديننا واخلاقننا والذين ينادون بهذه التفاهات فهذا حق يراد به باطل وينادي به من يريدون ان نتبعهم على باطل , من اراد حقوقه فالحل في الاسلام واي شيء يخرج عن الاسلام لا يكون حلاً .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: فؤاد العطار
- الزيارات: 10
لم تستفد طائفة من تقصير الإعلام العربي بشأنها مثل استفادة الجماعة الأحمدية (المشهورة بالقاديانية) التي أسسها ميرزا غلام أحمد القادياني عام 1889م. فمع أن الإعلام الإسلامي العربي قد شنع على هذه الطائفة و حذر منها إلا أنه في أغلب الأحيان ارتكب أخطاء جسيمة عندما لم يلتزم الدقة و بالغ فيما يتعلق بأفكار و تاريخ هذه الجماعة. لكن الجماعة الأحمدية استغلت هذه الأخطاء لتوهم أفرادها و المتأثرين ببعض آرائها بأن هناك حملة شعواء حول هذه الجماعة تهدف إلى تشويهها، و بأن كل التهم التي يكيلها الإعلام للجماعة إنما هي افتراءات بل كذب محض بدليل وجود أدلة قوية على كذب بعض تلك الإتهامات. بل إن بعض قادة هذه الجماعة و المنظرين لها تمادوا أكثر فادعوا بأنه ليست لجماعتهم أي صلة بما يطلق عليه الناس اسم "الطائفة القاديانية"، و أن هذه الطائفة هي جماعة وهمية من اختراع الناس و إعلامهم الكاذب !! و لو أنك بحثت مثلاً في الإنترنت عن هذه الجماعة (القاديانية) لوجدت آلاف المواضيع المنسوخة عن بعضها في الغالب، لكن القليل من تلك المواضيع هو الذي يوضح حقيقة هذه الجماعة. و أعطيك هنا بعض المعلومات الخاطئة الشائعة التي تنتشر في الكتب و المواقع الإلكترونية حول هذه الجماعة: -المعلومة الخاطئة (1) : يعتقدون أن كتابهم منزل واسمه الكتاب المبين وهو غير القرآن الكريم -بينما المعلومة الصحيحة هي: يؤمنون بالقرآن الكريم، لكنهم يؤمنون أيضاً بنزول الوحي على نبيهم المزعوم (ميرزا غلام أحمد القادياني)، يقول ميرزا غلام أحمد القادياني ((أقسم بالله تعالى أنني أؤمن بهذا الوحي النازل عليّ كما أؤمن بالقرآن الشريف و بكتب الله الأخرى، و أني أعتبره قطعياً و يقينياً كما أعتبر القرآن قطعياً و يقينياً))- الخزائن الروحانية "مجموعة كتب الميرزا" جزء 22 صفحة 220. و قد جمع أتباعه ذلك الوحي بعد موته في كتاب أسموه (تذكرة). لذلك فالقاديانيون يحاولون خداع عامة الناس بتكذيب وجود "الكتاب المبين" الذي يحاول الكثيرون أن ينسبوه إليهم، بينما لا يذكرون بأن وحيهم المقدس موجود في كتاب (تذكرة) الذي جمعوه هم بعد موت إمامهم. - المعلومة الخاطئة (2) : يعتقدون أن قاديان كالمدينة المنورة ومكة المكرمة بل وأفضل منهما وأرضها حرم وهي قبلتهم وإليها حجهم -بينما المعلومة الصحيحة هي: قبلة القاديانيين و حجهم إلى مكة المكرمة، لكنهم يعتقدون بقدسية قاديان أيضاً و بأن المسجد الأقصى هو مسجد الميرزا في قاديان و ليس الذي في بيت المقدس. - المعلومة الخاطئة (3) : يبيحون الخمر والأفيون والمخدرات - بينما المعلومة الصحيحة هي : لقد ثبت أن الميرزا كان يشرب الخمر و الأفيون بحجة العلاج من الأمراض، لكن هذا لا يعني أن كل القاديانيين يتعاطون المسكرات أو أنهم يبيحونها. الأمثلة أعلاه تبيّن أن الإعلام الإسلامي العربي مقصر كل التقصير في تبيين الحقائق عن الجماعة الأحمدية، و هو أمر يساعد هذه الجماعة على المضي قدماً في تجهيل الناس بحقيقة دعوتها و معتقداتها، و بهذا يساعد هؤلاء على انتشار أفكار هذه الجماعة دون قصد. و لا أدري سبب لجوء الكثيرين إلى الكذب و التضخيم ، فالحقائق عن القاديانية كافية لإظهار سوء معتقداتها و انحراف منهجها بدون الحاجة إلى إضافة البهارات هنا و هناك. فطريق الكذب يؤدي إلى الفجور، و هو طريق أمرنا الإسلام أن نبتعد عنه و حذرنا من الكذب أو نشر الكذب. و من ناحية أخرى فإن بعض الدارسين لأفكار الجماعة الأحمدية يلجؤون إلى كتابات منظريها الجدد، مع أن كثيراً من كتابات هؤلاء لا تمثل إلا المسائل الفرعية التي تتبناها الجماعة الأحمدية. و بعض تلك المسائل لم يشر إليها مؤسس الجماعة و لم تخطر على باله بل هي من اختراعات المنظرين اللاحقين في الجماعة. و هي في معظمها تنتسب إلى أفكار سيد أحمد خان الهندي و ليس إلى الميرزا القادياني نفسه. فقد قلد الخلفاء القاديانيون و قادة اللاهوريين ما جاء به سيد أحمد خان، و الذي تتبع بدوره منهج بعض الدارسين العصرانيين النصارى. و قد لاحظت أن كثيراً من منظري الأحمدية أنفسهم يجهلون الكثير من الوحي المقدس عندهم. أنظروا إن شئتمً إلى الكتب و المقالات المنشورة في مواقعهم على الإنترنت. فستدهشون عندما تعرفون مثلاً أن الخليفة القادياني الرابع يجهل أو يتجاهل الوحي الذي ادعاه جده الميرزا غلام أحمد القادياني و الذي يشير فيه إلى حديث مدح أهل فارس. بينما لو راجعتم الوحي المقدس للميرزا لوجدتم جزءاً من الحديث موجوداً في ذلك الوحي. و الأدهى من ذلك أن الخليفة القادياني الرابع شنع على المسلمين الذين يدعون ذلك !! و إذا نظرتم مثلاً إلى العقائد المنشورة في الموقع العربي للجماعة، فستجدون أنهم يذكرون الملائكة الثمانية الذين يحملون العرش. مع أن الميرزا القادياني يقول بأنهم أربعة ملائكة فقط! و عندما يتحدثون في الموقع عن إسراء الرسول صلى الله عليه و سلم تجدونهم يذكرون بيت المقدس، بينما يقول نبيهم المزعوم بأن الإسراء كان إلى المسجد الأقصى الذي هو مسجد الميرزا في قاديان !!. و هكذا .. **** ملخص سريع لبعض الأحداث الهامة في تاريخ مؤسس الجماعة الأحمدية: - في سنة 1839 أو1840م ولد الميرزا غلام أحمد في بلدة قاديان الهندية. - في سنة 1846م بدأ بدراسة القرآن و علوم الدين على يد معلم فارسي هو المولوي فضل إلهي - في سنة 1850م عين له والده مدرساً للغة العربية اسمه فضل أحمد - في سنة 1857م عين له والده مدرساً آخر يدعى "جل علي شاه" لتعليمه قواعد اللغة العربية أيضاً. - في سنة 1857م قامت الثورة الهندية ضد الإستعمار البريطاني الذي قضى على السلطنة الإسلامية في الهند و غيرها من الدويلات الأخرى داخل الهند، و هنا وقفت عائلة الميرزا مع الإنجليز و أمدتهم بالمال و الرجال و السلاح لقمع الثورة. - في سنة 1864م تم تعيين الميرزا غلام موظفاً في المحكمة البريطانية - في سنة 1868م تقدم الميرزا لامتحان القانون لكنه فشل - في سنة 1879م ادعى بأن الله عينه ليبين الإسلام الحقيقي - في سنة 1879م أيضاً بدأ بجمع المال لنشر خمسين مجلداً باسم "براهين أحمدية" - بين سنة 1879م و سنة 1884م نشر 4 أجزاء من "براهين أحمدية" - في سنة 1884م تزوج زواجه الثاني من شاهجيهان بيجوم - في سنة 1884م أيضاً ادعى أنه مجدد القرن الرابع عشر الهجري،. - في سنة 1888م طلب يد قريبته "محمدي بيجوم" لكن أهلها رفضوه - في سنة 1888م أعلن الميرزا نبوءته بأن الفتاة ستلاقي مصيراً مأساوياً إن لم تتزوجه. - في سنة 1889م أسس الجماعة الإسلامية الأحمدية - في سنة 1891م ادعى أنه "مثيل المسيح" و رفض أن يكون هو نفسه المسيح الموعود - ثم ادعى في سنة 1891م أيضاً أن الله جعله مريم عليها السلام بصورة استعارية - ثم ادعى في سنة 1891م أيضاً أن الله جعله حاملاً بصورة استعارية ثم أنه تحول إلى عيسى عليه السلام (بصورة استعارية) بعد مكوثه حوالي 10 أشهر في بطن مريم (الميرزا نفسه) بصورة استعارية. - ثم ادعى في النهاية سنة 1891م أنه هو المسيح الموعود - في سنة 1892م تزوجت الفتاة محمدي بيجوم ابنة ال 20 عاماً من قريبها رغم تهديدات الميرزا - في سنة 1892م قام بتطليق زوجته الأولى و أرغم ابنه على تطليق زوجته و حرم ابنه الآخر من الميراث لأنهم لم يساندوه في تحقيق زواجه بالفتاة محمدي بيجوم - في سنة 1893م الميرزا يعلن أن الله هنأه بأنه سيهلك زوج محمدي بيجوم و بأن الفتاة سترجع إليه و بأن الله قد زوجه إياها. - في منتصف سنة 1893م أعلن نبوءته بأن النصراني "اثام" سيموت خلال 15 شهراً إن لم يرجع إلى الحق - في منتصف سنة 1894م "اثام" يشكو من عدة محاولات لاغتياله - في نهاية سنة 1894م "اثام" لا يزال حياً و يعلن في الصحيفة أنه لم يتب و أنه لا يزال على عقيدته الأولى، و النصارى يحتفلون بالنتيجة. - في سنة 1897م يكتب الميرزا شعراً للملكة فكتوريا امبراطورة بريطانيا و الهند بمناسبة يوبيلها الفضي - في سنة 1897م دعوى قضائية ضد الميرزا بعد أن اعترف شاب بأن الميرزا طلب منه اغتيال النصراني بنديت ليخرام الذي تنبأ الميرزا بموته. - في سنة 1899م يعلن القاضي البريطاني براءة الميرزا من تهمة محاولة الإغتيال لعدم كفاية الأدلة و يفرج عنه بكفالة مالية و تعهد بعدم إعلان نبوءة موت لأحد و عدم شتم أحد بألفاظ بذيئة. - في سنة 1900م ادعى الميرزا النبوة، و أعلن أن الذي لا يقبله و لا يصدقه ليس مسلماً وهو من أصحاب الجحيم. - في سنة 1901م الميرزا يؤكد بأن نبوءته بالزواج من محمدي بيجوم ستتحقق لكنها ستتأجل قليلاً - في سنة 1902م يبدأ الطاعون بالإنتشار في الهند، و يعلن الميرزا أن الله أنبأه بالطاعون قبل عشرين عاماً حين قال له (إنه أوى القرية !!)، لكن الميرزا لم يفهم هذا الوحي إلا بعد أن جاء الطاعون - في سنة 1902م أيضاً يعلن الميرزا بأن الطاعون عقاب إلهي للذين كذبوه و بأن الطاعون سيبقى في الهند إلى سبعين عاماً و لن يزول حتى يصدقه أعداؤه. و يقول بأن الطاعون هو "دابة الأرض التي تكلم الناس" المذكورة في القرآن و بأنه هو النار التي تحشر الناس (من علامات الساعة). - في سنة 1902م أيضاً يعلن الميرزا أن قاديان هي سفينة النجاة من الطاعون و أن الطاعون لن يدخل قاديان لأنها قرية الميرزا. - في سنة 1903م أمر ببناء "منارة المسيح" في قاديان لتكون مصداقاً لحديث نزول المسيح عند منارة دمشق - في سنة 1903م يعلن الميرزا بأن الله بشره بأنه سيحييه ثمانين سنة أو أكثر - في سنة 1904م يتم إغلاق المدرسة الأحمدية في قرية قاديان بسبب انتشار الطاعون في القرية. - في سنة 1904م الميرزا يدعي بأنه النزول الثاني للنبي كريشنا الإله المقدس عند الهندوس - في سنة 1905م أسس مقبرة الجنة في قاديان، و هي مقبرة يدخل صاحبها الجنة إن اشترى قبراً فيها. - في سنة 1907م ادعى أيضاً أن الله أيده بثلاثة مائة ألف (300,000) آية و معجزة ليثبت نبوته. - في سنة 1907م ادعى أيضاً أن الله قد ذكره في القرآن في الكثير من الآيات، و ادعى بأنه هو ذو القرنين المذكور في القرآن، كما و ادعى أن آية الإسراء تشير إلى اسراء النبي محمد (ص) إلى المسجد الأقصى الذي هو مسجد الميرزا في قاديان. - في سنة 1907م ادعى أيضاً أن الله سماه بكل أسماء الأنبياء من آدم عليه السلام إلى محمد (ص). - في سنة 1907م ينشر إعلاناً في الصحيفة بخصوص خصمه الشيخ ثناء الله، و يدعو الله في الإعلان أن يهلك الكاذب في حياة الصادق. - في سنة 1907م أيضاً يعلن الميرزا بأن الله بشره بأنه سيحييه بين 75 و 85 عاماً. - في سنة 1908م ينشر الجزء الخامس و الأخير من "براهين أحمدية" و يقول بأن الفرق بين الخمسين و الخمسة هو صفر، فهو بذلك يكون قد أوفى بوعده السابق أن ينشر خمسين جزءاً من هذا الكتاب. - في سنة 1908م أيضاً يؤكد الميرزا بأن مؤسس طائفة السيخ "بابا ناناك" - المولود سنة 1469م - هو في الحقيقة ولي صالح أرسله الله إلى الهندوس و أيده بالكثير من المعجزات. - في سنة 1908م أيضاً يموت الميرزا في بيته بالكوليرا (على رأي والد زوجته) أو بالإسهال (على رأي ابنه مؤلف سيرة المهدي) في حوالي السبعين من عمره. - في سنة 1908م و بعد موت الميرزا ينتخب الأحمديون حكيم نور الدين خليفة أولاً للميرزا - في سنة 1914م يموت حكيم نور الدين بعد أن يسقط عن ظهر حصانه، و ينتخب الأحمديون بشير الدين محمود ابن ميرزا غلام أحمد القادياني خليفة ثانياً للميرزا. - في سنة 1914م تنقسم الجماعة الأحمدية إلى فرقتين تحت نفس الإسم، الأولى شعبة ربوة (المشهورة بالقاديانية – بزعامة بشير الدين محمود ابن ميرزا غلام، و تؤمن بنبوة الميرزا ) و الثانية شعبة لاهور (المشهورة باللاهورية – بزعامة محمد علي اللاهوري أحد أصحاب ميرزا غلام، و تؤمن بأن الميرزا هو المسيح و المهدي لكنه ليس نبياً) و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد شاويش
- الزيارات: 10
بيرم يعود إلى الوطن
محمد شاويش
كان بيرم التونسي أديباً موهوباً جمع مهارات شعراء الفصحى و شعراء العامية،ذا لسان سليط أين منه لسان الحطيئة الذي قال فيه: "تالله ما يسرني به مِقوَل بين بصرى و عمان " أي لا يبادله بلسان في الجزيرة العربية، ميالاً إلى الهجاء، وهذا الميل هو هبة من الله عبثاً يبحث علماء النفس عن تفسير له، وبيرم هجا كثيراً من يستحق الهجاء وهجا كثيراً من لايستحق، وهذا طبع ثابت عند الهجائين، فقد تعذر ابن الرومي رحمه الله على هجائه للوزراء والولاة في عصره ولكنك لا تعذره على هجائه للأحدب المسكين، ومثله كان الحطيئة الذي قالوا إنه هجا نفسه حين لم يجد من يهجوه. نفي من مصر فعاد متخفياً ثم أعيد نفيه فعاد أيضاً وظل في المنفى عشرين سنة وقد عاد في المرة الثانية حين مرت السفينة التي كانت في طريقها إلى فرنسا ببور سعيد فتسلل منها بمساعدة أحد العاملين على السفينة وعاد إلى الوطن لتبدأ رحلة طويلة من التخفي حتى استطاع أصدقاؤه استصدار عفو من الملك فاروق (وكان أبوه الملك فؤاد هو الذي نفاه) وقد وصف حادثة تسلله من بور سعيد في قصيدة جميلة (كتبها وقتها على علبة السجائر) أولها:
غُلُبت أقطع تذاكر وشبعت يا رب غربه
بين الشطوط والبواخر وبين بلادنا وأوروبه
وفيها يصف حادثة تسلله إلى وطنه(وكيف "يتسلل"المرء إلىوطنه؟ هذه "صارت"لاحقاً مع بعض الفلسطينيين!) ومشاعره الأولى حين رأى وطنه من جديد:
في بور سعيد السفينه وقفت تفرغ وتملا
والبياعين حوطونا بكارت بوستال وعمله
لكن بوليس المدينه ما تفوتش من جنبه نمله
يا بور سعيد والله حسره ولسه يا اسكندريه
هتف بي هاتف وقال لي إنزل ومن غير عزومه
إنزل دي ساعة تجلي فيها الشياطين في نومه
إنزل ده ربك تملي فوقك وفوق الحكومه
نطيت في ستر المهيمن عالبر يا حكمداريه
واقول لكم بالصراحه اللي ف بلادنا قليله
عشرين سنة في السياحه بشوف مناظر جميله
ما شفت يا قلبي راحه في دي السنين الطويله
إلا اما شفت البراقع واللبده والجلابيه
قلت:
لو قرأتم الهجاء اللاذع لكل ما في مصر من براقع وجلابيات الذي كتبه بيرم في مؤلفات كتبها في مصر (مثل المقامات و"السيدومراته في مصر") وأخرى كتبها في المنفى مثل "السيد ومراته في باريس"لعجبتم من هذا القول:
ما شفت يا قلبي راحه في دي السنين الطويله
إلا اما شفت البراقع واللبدة والجلابيه!
و كنت ذات يوم نشرت مقالاً عن "السيد ومراته في باريس"
عذلت فيها بيرم عذلاً شديداً على هذا الانحياز المطلق لأوروبا وما فيها على حساب مصر الشعبية وما فيها من لغة وتقاليد و"نحلة عيش" (هذاالتعبير لابن خلدون تذكرته الآن وفيه حكمة لا تخفى على اللبيب) وهو انحياز لم آخذ فقط عليه أنه غير عادل بل أخذت عليه أنه غير دقيق أيضاً فإن باريس "مثلنت" (كما
نترجم الآن اسم المفعول الإنجليزي idealized) على قاعدة "صورة نيجاتيف" لمصر، فكأن كل ما رآه بيرم مساوئ مصرية أبدله بصورة أوتوماتيكية بإيجابيات فرنسا -عن صواب أو عن توهم- وما فعله بيرم بالمناسبة في هذا الكتاب يفعله العرب لحد الآن ولا سيما أنصار "الحداثة" وخصوم التقليد، فإن كنت تريد أن تأخذ فكرة عن "صورة الغرب عند الحداثيين" كان لا بد لك أن تعرف تصور هؤلاء للواقع العربي، وتصحيحاتهم المتمناة عليه، وبتعريف بسيط: هذا الواقع العربي مصححاً (بفتح الحاء الأولى وتشديدها) هو صورة الغرب عند الحداثي العربي.
فإن كان الأمر هكذا، توقعنا عن صواب أن العربي صاحب هذه الرؤية سيرى في الغرب"عالم الأحلام" وسيتمنى أن يتخلص من كل السمات المميزة للهوية العربية وأن يمتلك كل السمات المميزة للهوية الغربية فهي عملية نبذ العربي داخلنا (أو المصري إلى آخره....بحسب تعريف المرء لهويته) والخروج من جلدنا للتماهي مع الغربي والدخول في جلده. وهذه العملية النفسية هي كما يرى القارئ مبنية منذ البداية على قاعدة هشة لأن تصور العربي للذات الغربية هو تصور غير دقيق (فهو كما قلت صورة "نيجاتيف"للمجتمع العربي لا يظهر فيها إلا مجتمع عربي "مصلح" رغم أن أصحاب التصور يؤمنون أنه يمثل حقاً المجتمع الغربي ) وهذه العملية المتطابقة مع الآليات التي وصفتها منذ سنين في تحليلي لعاطفة الحب لا يمكن أن تنجح، ببساطة لأنها مبنية على الأماني لا على الواقع الموضوعي.
كنت في التحليل المذكور أعلاه لعاطفة الحب قد وصفت العملية النفسية التي تبدأ ب"اندلاع الحب" وتنتهي بإنتهائه وسميتها"جدل الحب" وذكرها يفيد- فيما أرى- هذا التحليل للعلاقة مع هذا الغرب - الحبيب لنرى الأواليات النفسية المتعلقة بالموضوع العام للتيار التأصيلي الذي أعد نفسي من كتابه :العودة إلى الهوية.
ثمة ترابط وثيق بين عاطفتي "الحب" و"الاحتقار"، فاحتقار الذات الحقيقية (التي نسقطها على ذات خارجية ما، لنقل هنا: مجتمعنا) يتكامل مع حب الذات الأخرى فنحن نريد أن ننبذ ذاتنا الحقيقية ونريد أن نتماهى مع الذات الاستلابية - المرجع-، وهذه - وفقاً لتحليلي الذي أعدت نشره في كتاب مشترك مع الأخ د.حسين شاويش ("حول الحب والاستلاب" - دار الكنوز الأدبية - بيروت- 1995) هي ماهية عاطفة الحب وهذه الماهية تفسر المصائر اللاحقة لهذه العاطفة.
حين نطبق تحليلنا لهذه العاطفة ذات الوجه المزدوج: الحب - الاحتقار على علاقة الانسان مع وطنه نجد أن الاستلاب لحسن الحظ قلّما يكون شاملاً تام النجاح، والدليل على ذلك هو الحنين الذي يحس به أغلب المهاجرين الذين كانوا في الأصل "يتمنون من أعماق قلبهم" أن يناموا ثم يصحوا فيجدوا وطنهم قد تلاشى وحلّ بدلا عنه بلد آخر (هو البديل -"النيجاتيف" الذي وصفناه). إن الحنين دليل على أن في "أعماق قلبهم" شيئاً آخر غير احتقار الوطن، وعلى هذا "الشيء الآخر" نراهن نحن، أصحاب التيار التأصيلي (مهما سمّينا أنفسنا). في نقطة معينة من خط تطور الخصام مع الوطن تظهر الذات الحقيقية لا كشيء يجب نبذه بل كشيء لا يستغنى عنه.
وكأن الانسان، حين يكون واقعا تحت تأثير هذه العاطفة المزدوجة: الحب- الاحتقار، يغفل مؤقتا عن حقيقة أن هذه الذات الحقيقية هي أكبر وأعمق من أن يؤثر فيها هذا الانفعال العارض الذي يصور له أنه ما من شيء في هذه الذات يستحق البقاء!
الذات الحقيقية هي مفهوم حركي (أو كما يقولون "ديناميكي") فهي واقع الشخص المادي (الجسدي، النفسي، الاجتماعي) وهي أيضا نمط السلوك الناتج عن الخبرة وعن التعلم وعن الموروث الثقافي وجزء صغير من هذه الذات هو المقصود حقيقة نبذه في هذه الحالة الانفعالية التي أسميناها "الحب- الاحتقار" وإن كان الواقع تحت تأثير هذه الحالة يحس أنه يريد التخلص من هذه الذات بأسرها، ولكن هذه الذات عند الممارسة تدافع عن نفسها حيال التحدي، وحين يشتد التحدي الخارجي يكتشف المرء أنه حقا لا يريد عن ذاته الحقيقية بديلا وهذه هي حال المهاجر العربي الذي يواجه في الغرب التهجمات العنصرية على المجتمع العربي والحضارة العربية، وكاتب هذه السطور مر بهذا التحول الذي قاده منذ عام 1990الى نبذ كل نزعة تغريبية، والشعراء عبروا عن مثل هذه الحالة في مثل قول المتنبي:
خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
وفي غمار حالة متوجهة تأصيليا قال المتنبي:
حسن الحضارة مجلوب بتطرية وفي البداوة حسن غير مجلوب
وهذا هو الذي قاد بيرم إلى تجاوز انفعاله العارض بالمناظر الجميلة التي رآها في سياحته التي دامت عشرين عاما وإلى أن يقر لنفسه أخيرا أنه ما رأى راحة إلا حين رأى "البراقع واللبدة والجلابية" وهذه العودة إلى الهوية الحقيقية ليست وهمية ولا تخيلية لأن الفرد هنا يعود إلى أصل حقيقي لا شيء أكثر منه حقيقية! وفقط بهذه العودة يستطيع العرب حقيقة أن يتعاملوا بتوازن وبلا عقد نقص مع الحضارات الأخرى، ويستطيعون حقا أن يختاروا ما يرونه مناسبا لهم، ويستطيعون على أساس هذه العودة إلى الذات الحقيقية، وفقط على هذا الأساس، أن يصلحوا ما يرونه محتاجا وقابلا للإصلاح من جزئيات البنية الاجتماعية العربية. لقد شاب النزعة الاصلاحية العربية منذ "عصر النهضة" شائب الانبهار بالغرب والتخبط في محاولة محمومة للتخلص من كل ما نراه مميزا لنا عن الغرب (حتى الأحرف اللاتينية فكر كثير من المثقفين العرب بإحلالها محل الأحرف العربية) وفقط حين ننطلق من قناعة بذاتنا الحقيقية ومن إيمان بمشروعية التعددية الحضارية على مستوى العالم (وعلى مستوى ذاتنا أيضا التي تحتوي مكونات عديدة دينية ولغوية وثقافية) نستطيع أن نرى ما هو عرضي وما هو أساسي في "التقدم" الغربي (وأستعمل هذه الكلمة "تقدم" بكل حذر وبمعنى محدد) وما هو عرضي وما هو أساسي في "التخلف" العربي (واستعمالي لكلمة "تخلف" يخضع لنفس الحذر ونفس المحدودية).
هذه العودة السوية الى الهوية، الذات الحقيقية، هي ما كنت ادعوه أيام الصبا "الإزالة الثورية للاستلاب". إن التأصيلية هي نزعة للدفاع عن الذات الحقيقية وجعل هذه الذات "تنطق" لان عقدة النقص يمكن تعريفها هكذا: هي حالة الذات حين تفتقد "الحجة" التي تبرر بها وجودها فتسكت وتترك للذات المعادية الكلام بالنيابة عنها مثلا هذا هو حال الشغيلة حين لا يقولون أنهم يبنون الحياة لهم ولغيرهم بل يرددون قول من يقول أنهم شريحة دونية. ووظيفة "مثقف عضوي" تأصيلي في هذه الحالة هي جعل الذات الحقيقية للشغيل تنطق لتقول: أنا موجود ولا غنى عني. التأصيلي هو الذي يوجه نشيده على اتجاه الشاعر (ليته في الواقع منسجم مع الحالة التي يعبر عنها شعره):
ليدين من حجر وزعتر
هذا النشيد.......
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد شاويش
- الزيارات: 10
الاستلاب والعودة إلى الهوية في" قنديل أم هاشم"
محمد شاويش
1-تمهيد:
من بين الأعمال القصصية والروائية العربية العديدة التي تناولت موضوع العلاقة بين "المجتمع التقليدي" العربي والحداثة الوافدة تستوقفنا قصة يحيى حقي "قنديل أم هاشم ، إذ بدا لي أن حقي في هذه الرواية تنبه لجوانب عميقة في الموضوع لم يتنبه لها أغلب الكتاب الآخرون الذين كتبوا فيه.
وكل الذين مروا مثلي بمقرر الشهادة الثانوية في سوريا يعرفون المقطع الذي يعود فيه ابن الأسرة إسماعيل من أوروبا حيث درس طب العيون فيجد أمه تقطر في عين ابنة عمه الرمداء زيتا مباركا من قنديل مقام السيدة زينب فينظر: "وفحص عينيها فوجد رمدا قد أتلف الجفنين وأضر بالمقلة فلو وجد العلاج المهدئ المسكن لتماثلت للشفاء، ولكنها تسوء بالزيت الحار الكاوي .
فصرخ في أمه بصوت يكاد يمزق حلقه:- حرام عليك الأذية . حرام عليك. أنت مؤمنة تصلين ، فكيف تقبلين أمثال هذه الخرافات والأوهام؟".
هذا المقطع استشهد به في مقرر" الأدب العربي الحديث" وهو في سياق النقد الاجتماعي للخرافات والتخلف الذي قام به الأدباء ، والشخص الذي استشهد بهذا الصدام بين الطبيب وأمه يبدو أنه لم يكمل الرواية إلى أخرها وتركها مع طلاب الشهادة الثانوية لاعنا مع إسماعيل هذا الجهل والتخلف، ولعل أجيالاً من الطلاب كرروا قول إسماعيل الذي جاء بعد هذا المقطع ، مع أن المقرر لم يستشهد به:" أنا لا أعرف أم هاشم ولا أم عفريت" أي أن معلومات معد المقرر والطلاب عن المرحلة التي وصل إليها تطور وعي البطل ، أو" تطور جدل التقليد والحداثة" في هذه الحالة العيانية من الوعي (كما قد يقول الفلاسفة) توقفت عند مرحلة النفي المطلق للتقليد ولن يكون ثمة مانع عند هذا المعد (أو عند الطالب النجيب النموذجي الواعي) أن يذهب إلى القنديل ويكسره إن استطاع معرضاً نفسه إلي خطر القتل على أيدي" الجماهير الجاهلة".
ولو أن هذه المرحلة كانت فعلاً نهاية المطاف في مسار تغير وعي البطل لأرحنا أنفسنا والقارئ إذ أن هجاء المجتمع التقليدي و"أساطيره وأوهامه" عمل معتاد مكرر لا داعي للانتباه إليه ولهدر الوقت في الحديث عنه . ميزة قصة حقي هذه أن الأمر لم يكن كذلك كما سوف نرى بعد قليل.
كتاب كثيرون تناولوا موضوع الهجرة إلى الغرب وانعكاس القيم الغربية التي تعرف عليها البطل المهاجر على بنيته العقلية والنفسية نذكر من هؤلاء توفيق الحكيم بسطحيته التي هي السمة الفكرية الغالبة عليه وبانبهاره غير المحدود بالمجتمع الفرنسي (مثلا كتبه"زهرة العمر"، "سجن العمر"، "مصر بين عهدين"، وغيرها لا تختلف منذ أن كلف الآثاري الفرنسي في "عودة الروح" بالدفاع عن الفلاح المصري) ونذكر أيضا الطيب صالح بعصابيته ومبالغاته الفاقعة في "موسم الهجرة إلى الشمال".ويلفت انتباهنا أن هؤلاء الكتاب لم يهتموا "بالقصة الكاملة" (كما قد ندعوها) لهذه المغامرة الكبرى لأبطالهم، فهم يذكرون ما جرى للبطل في أوروبا، لكنهم لا يذكرون ما جرى له بعد ذلك ، ولا ما قد يكون جرى له قبل ذلك من الممهدات للصدام الكبير مع هذا الآخر، وبطل الطيب صالح مثلاً لم نجد له لا سابقاً على مرحلة الهجرة ولا لاحقاً أي بعد عودته أية علاقة مع مجتمعه تذكر، بل تبقى التجربة مع الغرب سراً مخفياً لا يكشف عنه إلا في مذكرات يقرؤها الراوي بعد موته.
في قصة حقي نقرأ "القصة كاملة". فهو يخبرنا عن طبيعة علاقة البطل بالهوية (الممثلة بأهله وسكان حيه) قبل الهجرة وبعدها. وفي هذا المقال أنوي قراءة هذه القصة مع القارئ و تحليلها مذكراً بملاحظة مهمة: إني حين أقرأ رواية ما أحاول أن لا أقع في فخ معتاد يقع فيه النقاد وهو تصديق الكاتب في كل شيء فهم لا ينفكون يستخلصون عبراً من الأحداث الصغيرة والكبيرة وكأنهم يصدقونها جميعا! أما أنا فأحاول أن لا أغفل عما يبدو لي صادقاً و عما يبدو غير صادق في رواية الكتاب للأحداث، و هذا "كما أرى" هو الأسلوب الوحيد الذي يقودنا إلى منهج القراءة التأويلية غير المضللة (بفتح اللام الأولى و تشديدها) وهو المنهج الوحيد المناسب للذين يقرؤون الأدب كشهادة على الواقع الاجتماعي والفكري والنفسي الموصوف فيه.
جميع الاستشهادات من"قنديل أم هاشم" مأخوذة من: يحيى حقي، قنديل أم هاشم، دار المعارف، القاهرة، سلسلة اقرأ-18، الطبعة السابعة، 1994.
2-الرؤية العامة للقصة: من الأصل إلى التأصيل:
القصة في رأيي تشبه قطعة موسيقية ثلاثية البنية (قل مثلا:"سماعي"!) سأسميها على التوالي وفقاً للزمن: الأصل، الانخلاع، العودة إلى الأصل. و لو كنت مغرماً باستعارة مفردات الفلسفة الأوروبية "لأتحفت" القراء بمصطلحات الثلاثية الهيغلية الشهيرة ولكنني سأريح القراء من هذه البهلوانيات المفعمة بعقدة النقص السائدة في الثقافة العربية.
أ-الأصل:
البطل، إسماعيل، وهو عم الراوي، فرع من شجرة لها جذور ممتدة، أما الشجرة فهي العائلة، وأما الجذور فهي المجتمع. هو في وقت واحد ابن الأسرة التي جاورت السيدة وفتحت متجراً "بورك لجدي فيه- وهذا من كرامات أم هاشم"، وهو ابن ميدان السيدة وناسه: بائع للفول أو الحلويات أو غيرهما، "طرشجي " وخراط وبائع دقة أعمى لا يبيعك إلا إذا بدأته السلام وأقرأك وراءه الصيغة الشرعية للبيع والشراء وقهاو وحشاشين وشحاذين رجال ونساء وأطفال. وكل هؤلاء لهم مركز روحي يدورون حوله يحيهم ويشفيهم وينظم حركتهم: مقام السيدة زينب المضاء بقنديله. وعلاقة البطل بالجماهير تصفها القصة هكذا:"هو خبير بكل ركن وشبر وحجر، لا يفاجئه نداء بائع، ولا ينبههم عليه مكانه. تلفه الجموع فيلتف معها كقطرة المطر يلقمها المحيط. صور متكررة متشابهة اعتادها فلا تجد في روحه أقل مجاوبة. لا يتطلع ولا يمل، لا يعرف الرضا ولا الغضب، إنه ليس منفصلاً عن الجمع حتى تتبينه عينه" والقصة تستطرد هنا استطراداً ذا دلالة تحليلية مهمة:"من يقول له إن كل ما يسمعه ولا يفطن له من الأصوات ، وكل ما تقع عليه عينه ولا يراه من الأشباح لها كلها مقدرة عجيبة على التسلل إلى القلب والنفوذ إليه خفية ، والاستقرار فيه، والرسوب في أعماقه، فتصبح في يوم قوامه. أما الآن فلا تمتاز نظرته بأية حياة …نظرة سليمة كل عملها أن تبصر"- ص4
هذه الهوية منغرسة انغراساً طبيعياً مثل اللغة الأم. إن البطل في هذه المرحلة لا يكتشف المجموعة التي هو منها، لا يكتشف مكوناتها ولا يميزها، بل نستطيع أن نقول: إنه لا يكتشف حتى مجرد وجودها – بمعنى الإدراك الواعي – تماماً كما لا يحلل الإنسان مقومات لغته الأم، بل لا يكاد يكون "مكتشفا"-بالمعنى الذي ذكرناه للتو- لوجود هذه المقومات. هذه الهوية منسجمة مع نفسها، لا أزمة فيها بعد. وهذا التصوير نراه صادقاً (وقد قلت أنني لا أصدق كل ما قد يقوله مؤلفوا القصص أو الروايات غير أنني إن لم أذكر في هذا النص أنني أشك في الصدق فهذا يعني الموافقة الإجمالية على صدق المعلومات في هذا الموضع المعني).
وهو جزء من عائلة "عاشت في ركاب الست وفي حماها: أعياد الست أعيادنا، ومواسمها مواسمنا، ومؤذن المسجد ساعتنا "- ص6.
وابنة عمه فاطمة النبوية فتاة بسيطة لا تتميز عن الأم والأب في شيء، ونظرتها إلى إسماعيل هي نظرة الأبوين عينها، والوعد القديم بتزويجها من إسماعيل صورة من صور استمرار إسماعيل جزءاً من هذه الأسرة بلا انشقاق (أو انخلاع) أو قل: إنه رمز وتأكيد لهذا الاستمرار .
ب-الانخلاع:
منذ أن دخل إسماعيل "المدرسة الأميرية" (وليس الأزهر) وتفوق فيها بدأت تظهر التمهيدات الأولية لحدث الانخلاع. والمسؤول عن هذه التمهيدات كان الأسرة نفسها غير أننا لا يفوتنا أن نذكر هنا نقطة الانقلاب الاجتماعي الهامة التي يمثلها احتقار المؤسسة العلمية الأهلية التقليدية: الأزهر(ممثلاً في ملاحقة صبية الميدان للفتيان المعممين بهتافات احتقارية).
ونجابته في مدرسة"الأفندية" هذه جعلت أسرته تعلق آمالها به وتعامله معاملة خاصة تمييزية:" أصبح وهو لم يزل صبياً لا ينادى إلا بـ (سي إسماعيل) أو إسماعيل أفندي، ولا يعامل إلا معاملة الرجال. له أطيب ما في الطعام والفاكهة. إذا جلس للمذاكرة خفت صوت الأب، وهو يتلو أوراده، إلى همس يكاد يكون ذوب حنان مرتعش، ومشت الأم على أطراف أصابعها، وحتى فاطمة النبوية- بنت عمه، اليتيمة أباً وأماً- تعلمت كيف تكف عن ثرثرتها وتسكن أمامه في جلستها صامتة كأنها أمة وهو سيدها، تعودت أن تسهر معه كأن الدرس درسها (…)- قومي نامي يا فاطمة- لسه بدري ما جاليش نوم. بين حين وآخر تحيل دمعة مترقرقة شخصه إلى شبح مبهم. فتمسحها بطرف كمها وتعود إلى تطلعها. الحكمة عندها تتمثل في كلامه إذا نطق "- ص8
هذا الإخلاص المؤثر في القلب لم يؤثر على ما يبدو في قلب إسماعيل وعلى العكس:"وكلما كبر في عينها انكمشت أمامه وتضاءلت"- ص8
والراوي يخبرنا أن الأب حين وافق على سفر ابنه إلى أوروبا على ما في ذلك من إرهاق مادي له إنما كان مدفوعاً بدوافع طبيعية وليست استلابية "بلاد بره! ينطق بها الأب كأنها إحسان من كافر لا مفر من قبوله، لا عن ذلة، بل للتزود بنفس السلاح."- ص20
وهو يوصي ابنه بالمحافظة على دينه وفرائضه وحيث أن النساء موضوع لابد من طرحه فهو يقول:"وإياك أن تغرك نساء أوروبا فهن لسن لك و أنت لست لهن.."- ص21
و للتأكيد على أهمية موضوع النساء في تقرير بقاء الهوية أو زوالها يصر الشيخ على أن يقرأ ابنه الفاتحة معه إعلاناً رسمياً لخطبته على ابنة عمه.
موقف الأب هذا هل هو واقعي حقاً لم يخترعه الكاتب بلا منطق يفرضه الوضع الاجتماعي الموصوف!
أقول: نعم. فهذه الشريحة الاجتماعية كانت لم تحتك بأوروبا (خلافا لبعض الشرائح المصرية العميلة التي كان الالتحاق بأوروبا- انكلترا تحديداً- أقصى ما تتمناه).
اختار الكاتب أن يجعل البطل يودع ميدان السيدة قبل أن يسافر ليجعلنا نرى بحركة مرتبة مسبقاً الفتاة المسكينة نعيمة تنذر للسيدة زينب خمسين شمعة إذا تمكنت أن تعود إلى الحياة الشريفة، وسنرى في الوقت الذي يناسب المخطط أن هذه الفتاة يتوب الله عليها وتفي بنذرها. والمشهد مصطنع بلا شك، والكاتب (خلافاً لعادته في الحقيقة) يجعل الفتاة تنطق بلغة غير لغتها الممكنة.
تصف الرواية مجريات الانخلاع عن الهوية في انكلترا، وقد قامت بدور رئيسي في تحقيق هذا الانخلاع ماري زميلته في الدراسة، وسنذكر في البداية تلخيص الراوي للانقلاب الذي جلبته انكلترا لحياة البطل:"سبع سنوات قضاها في انكلترا قلبت حياته رأساً على عقب. كان عفا فغوى، صاحياً فسكر، راقص الفتيات وفسق.هذا الهبوط يكافئه صعود لا يقل عنه جدة وطرافة، تعلم كيف يتذوق جمال الطبيعة، ويتمتع بغروب الشمس- كأن لم يكن في وطنه غروب لا يقل جمالاً- و يلتذ بلسعة برد الشمال"- ص28-29.
باختصار، في جدول الخسائر والأرباح هذا، هبط من حيث الأخلاق الإسلامية المتعارف عليها عند أهله، وصعد في ماذا..؟ في تذوق جمال الطبيعة!. تمتع بغروب الشمس والتذ بالبرد (وهذه اللذة خاصة به إذ أن أهل أوروبا يلتذون على العكس بدفء الشمس كما هو معلوم). و الجملة المعترضة "كأن لم.." تستوقفنا قليلا: أهي احتجاج من الراوي، ومن ورائه الكاتب؟ أم هي نقد ذاتي لاحق وجهه البطل لنفسه؟
"ماري" فتحت له آفاقاً يجهلها من الجمال: في الفن، في الموسيقى، في الطبيعة، بل في الروح الإنسانية أيضا. فضت براءته العذراء ونفضت نمطه السلوكي نفضا يعبر عنه أحد الاثنين: إما الراوي وإما البطل فالمقطع يحتمل كونه سرداً للراوي أو"مونولوجاً داخلياً" للبطل، كما يقال: "أخرجته من الوخم والخمول إلى النشاط والوثوق"- ص29.
وتكفي هذه التعابير المتقابلة: وخم، خمول- نشاط، وثوق لنرى كيف حكمت الذات على نفسها، فالشخصية الأصلية "وخمة خاملة" والشخصية الجديدة البديلة المتناسبة مع معيار ماري الإنكليزي نشيطة واثقة.
أين كان "الوخم والخمول" يتجليان؟ على رأي ماري أو البطل تجلياً عنده في الإستناد إلى هدف وبرنامج ثابت وفي التمسك بشيء "خارج نفسه": الدين والعبادة والتربية، أما "النشاط والوثوق" فيتجليان في رفض الدين و"العواطف الشرقية غير العملية وغير المنتجة"، وفي انعدام الاندماج بالناس وفي الانفصال عن الجموع ومواجهتها، وكانت النتيجة بعد أزمة روحية سببت له المرض أن "شفي" على يد ماري وخرج من الأزمة "بنفس جديدة مستقرة، ثابتة واثقة. إن اطرحت الاعتقاد في الدين، فإنها استبدلت إيماناً (كذا في الأصل) أشد وأقوى بالعلم، لا يفكر في جمال الجنة ونعيمها، بل في بهاء الطبيعة و أسرارها"- ص32.
بعد هذا التحول هيأ إسماعيل نفسه للعودة إلى مصر التي يحبها وإلى المصريين ليصارعهم ويصارع "خرافاتهم وأوهامهم وعاداتهم". تقرأ في القصة "كلما قوي حبه لمصر زاد ضجره من المصريين"– ص34 واستعمال "الضجر" هنا استعمال غير محدد المعنى، يحس الذي يقرأ أن هذه الكلمة قابلة للاستبدال بكلمات أخرى أدق مثل: احتقار، امتعاض، وفي النهاية القصوى: تبرؤ! وسوف نرى مصداق هذا في المجريات اللاحقة لعودته إلى مصر وسوف نرى الكره أيضا يواجه به البطل مجتمعه ومعتقداته.
عاد إسماعيل إذن معتداً بذاته الفردية نابذاً "لعواطف الضعف الشرقية" كافراً بالدين مؤمناً بالعلم، ترك عالم الروح وعالم الغيب وصب كل اهتمامه على الطبيعة "ببهائها وأسرارها".
عاد إسماعيل فواجه من البداية، والقطار يسير، باعة في ثياب ممزقة، قذارة وذباب، وفقر وخراب، "فانقبضت نفسه وزاد لهيب الثورة وزاد التحفز "- ص26
يدخل إسماعيل البيت فتكاد أمه يغمى عليها وهي تضمه وتقبله وتبكي فيخطر لإسماعيل خاطر: "ليس لها من الشخصية نصيب ! ليست إلا كتلة طيبة سلبية!" وأضيف أنا، من عندي: ليست إلا كتلة من "عواطف الضعف الشرقية". أما الأب فيستقبل ابنه بهدوء وقوة، هذا الأب ضحى بكل رفاهية ولم يتأخر عن موعد إرسال النقود لابنه. الابن يرى المعيشة البسيطة فلا يملك نفسه أن يتساءل "كيف يستطيع أن يعيش بينهم؟ وكيف سيجد راحته في هذه الدار؟" أما فاطمة النيوية بقرويتها، بضفيرتها وأساورها الزجاجية الرخيصة فقد علم منذ رآها أنه سيخون وعده ولن يتزوجها.
وفي هذا الموضع سألاحظ أن انخلاع البطل لم يتم إذن على أرضية مبدئية ما، بأي مقياس للمبادئ، فهو لم يختلف فكرياً مع مجتمعه، لم يحاول الإصلاح فيحبط الأهالي محاولته فينكفئ قائلا: "لا نبي في وطنه"! فها هو ذا يحتقرهم حتى قبل أن يبدأ ثورته المنوية وها هو ذا يضمر الخيانة منذ البداية، بلا تبرير، وبلا انطلاق من أية قاعدة نبيلة: لقد انطلق من قاعدة الرؤية الفوقية لأهله، وناهيك بها من انطلاقة لا تدلك إلا على أن إسماعيل تماهى بالمعتدي الذي هو الانكليز محققا بهذا أقصى درجات العمالة التطوعية للمحتل: العمالة الروحية. سيبقى كثير من مثقفي "عصر النهضة" العرب في هذا الموقع، أمثال سلامة موسى وحسين فوزي وغيرهم كثير أما البطل فقد تغير في الصراع المرير لحسن الحظ.
وينتقل انخلاع البطل بصورة فورية من المرحلة السلبية إلى المرحلة الإيجابية: مرحلة الفعل فما إن يرى أمه تضع الزيت في عين فاطمة حتى يصرخ فيها ويرمي الزجاجة فيكسرها ثم يتناول عصى أبيه بعد أن أخبرهم أنه "لا يعرف أم هاشم ولا أم عفريت" فيأتيه توبيخ أبيه (ونخن نرى أن الأب ظل ممثلا قوياً للهوية ولم ينهر تحت وطأة الاستلاب) قائلا:"هل هذا كل ما تعلمته في بلاد بره؟ كل ما كسبناه منك أن تعود إلينا كافرا؟"
ويمضي إسماعيل مسرعاً إلى المقام وفي الميدان ينقل لنا المؤلف نظرة البطل السلبية إلى الجموع : صخب حيواني وأكل وضيع تلتهمه الأفواه.."لم ينطق له وجه واحد بمعنى إنساني"
هؤلاء المصريون: جنس سمج ثرثار، أقرع أرمد، عار حاف.. جمود يقتل كل تقدم- ص44.
و القارئ يلاحظ فوراً الإعادة الحرفية للأطروحات العنصرية الاستعمارية على يد هذا الابن المنشق للمجتمع الأهلي، غير أنني أريد أن أركز على نقطة مهمة ذكرها المؤلف (على لسان الراوي) تدل على موهبة تحليلية خاصة عند حقي. في هذه المرحلة من تطور وعي البطل، مرحلة الانخلاع، لم تنطق الوجوه بمعنى إنساني. كأن جميع الحاضرين في الميدان صرعى أفيون أو كأنهم مستغرقون في النوم، هذه النظرة إلى المجتمع من الخارج، النظرة التي تريد هدمه حجراً حجراً لا تستطيع أن ترى معنى لسلوكيات هذا المجتمع، إذ "المعنى" إذا اعتقدنا بوجوده يقودنا إلى ارتباطات غير مرغوب بها عندنا إن كنا ننوي هدم بنية معينة، فالمعنى قد يقودنا إلى تفسير أو تبرير أو تحذير بأن عملنا الهدمي سيقود إلى تفاعلات ضارة بنا أو بأحد ما، والمعنى قد يعطي احتراماً للخصم نحن لا نريده فمن المريح للفاتحين – من طراز كولومبوس أو رودوس أو جنكيز خان- أن يعدوا لغة شعب الأرض المفتوحة مجرد "بربرة" و صراخ بلا معنى. إن إنكار المعنى على البنى الثقافية للآخرين هي مكون بنيوي من مكونات كل أيديولوجيا عنصرية.
و يصل الفعل الإيجابي للانخلاع إلى ذروته: إن إسماعيل يصل إلى القنديل ويكسره فتهاجمه الجموع وتكاد تقتله لولا نجدة خادم المقام صديقه القديم منذ الطفولة: الشيخ درديري.
ويعود إسماعيل ويمر بأيام لا يغادر فيها الفراش ويندم على أنه رفض عرض الجامعة الانكليزية عليه أن يبقى ويعمل في إنكلترا:"إنه كالطير قد وقع في فخ، وأدخلوه القفص، فهل له من مخرج؟ يشعر بجسمه وقد شد إلى هذه الدار التي لا يطيقها، وربط إلى هذا الميدان الذي يكره، فمهما حاول فلن يستطيع فكاكا"- ص48
ولاشك أن الأصل يبقى مكبوتاً في اللاشعور (بدون حاجة إلى أي تأويل فرويدي لمصطلحي "الكبت" و "اللاشعور" هنا) إذ أنه في المواجهة مع الذات الحقيقية، مع الأهل والوطن، لا يظهر إلى السطح إلا ما نختلف فيه مع هذه الذات، وما "نحقد عليها" لأجله، غير أن الذات الحقيقية أوسع من ذلك بكثير، تماما كما أن ذات الآخر التي نريد في السيرورة الاستلابية أن نتبناها هي أوسع بكثير من السطح البراق: الصفات الجميلة التي نريد اكتسابها. فالذات الحقيقية المترسخة في لاوعي إسماعيل هي أوسع و أعمق من الذباب والقذارة والباعة ممزقي الثياب. ومع ذلك فإن هذه الحقيقة: أن الذات الحقيقية هي الأرسخ لا تعني أن الاستلاب هو دوماً مرحلة مؤقتة يعود بعدها المستلب بصورة حتمية إلى الهوية (أي ما نسميه مرحلة التأصيل) إذ أن إيقاف مفعول الاستلاب يتطلب شروطاً خارجية قد تكون هي التوازنات الاجتماعية- السياسية في المجتمع المعني. وفي هذه الحالة الخاصة وصل البطل حقا إلى مرحلة التأصيل مدفوعاً على الأغلب بقوة جذوره وبمزاجه العصبي الخاص وأخيراً وصل إلى هذه المرحلة بفضل خيبة أمله بما كان يعده أقوى مكونات ذات الآخر: العلم الطبيعي، ذلك أن إسماعيل واثقاً من علمه يوقف علاج القنديل ويبدأ علاجه العلمي الذي تعلمه في جامعة لندن وتستسلم فاطمة النبوية لهذا العلاج ولكنه يقودها إلى العمى التام. وهنا يصدم إسماعيل صدمته الشافية لتبدأ المرحلة الثالثة: مرحلة التأصيل.
ج-التأصيل:
يهرب إسماعيل من البيت بعد وصول علاجه لفاطمة إلى تلك النهاية الفاجعة لا يلوي على شيء ويسكن ببنسيون ويجوب الشوارع أغلب الوقت ويستعيد ذكرياته في أوروبا ويتذكر من الاحتكاك اليومي ما يعرفه من سلوكيات شعبه ويتردد فكره بين النقائض: "تسائل إسماعيل: هل في أوروبا كلها ميدان كالسيدة زينب؟ هناك أبنية ضخمة جميلة، وفن راق، وأناس وحيدون فرادى، وقتال بالأظافر والأنياب، وطعن من الخلف، واستغلال بكل الوسائل. مكان الشفقة والمحبة عندهم بعد العمل وانتهاء النهار. يروحون بها عن أنفسهم كما يروحون عنها بالسينما والتياترو.
ولكن.لا. لا.لو أسلم نفسه لهذا المنطق لأنكر عقله وعلمه. من يستطيع أن ينكر حضارة أوروبا وتقدمها، وذل الشرق وجهله ومرضه وفقره؟ لقد حكم التاريخ ولامرد لحكمه، ولا سبيل إلى أن ننكر أننا شجرة أينعت وأثمرت زمناً ثم ذوت وهيهات أن تدب الحياة فيها من جديد"- ص51.
وهكذا: ساعة يفكر في الهروب إلى أوروبا وساعة يجد نفسه مدفوعاً إلى الميدان. ويعود و يحدث نفسه: "لماذا خاب؟ لقد عاد من أوروبا بجعبة كبيرة محشوة بالعلم، عندما يتطلع فيها الآن يجدها فارغة، ليس لديها على سؤاله جواب" –ص52
وتعود العلاقات مع المكبوت من خلال أشياء بسيطة ولكنها تحمل معها شعوراً بوجود "المعنى" الذي كان ينكره على ثقافته الأصلية، مثلاً من خلال النكات التي كان يسمعها فيبتسم لها. ويأخذ بالإحساس أن هذا الشعب عريق حقاً. "ابن البلد يمر أمامه كأنه خارج من صفحات الجبرتي". اطمأنت نفسه وهو يحس بأرض صلبة تحت أقدامه: "ليس أمامه جموع من أشخاص فرادى، بل شعب يربطه رباط واحد، هو نوع من الإيمان، ثمرة مصاحبة الزمان، والنضج الطويل على ناره. وعندئذ بدأت تنطق له الوجوه بمعان لم يكن يراها من قبل. (التشديد لنا دوما) هنا وصول فيه طمأنينة وسكينة، والسلاح مغمد، وهناك نشاط في قلق وحيرة، وجلاد لا يزال على أشده، والسلاح مسنون" – ص53.
لقد وصل إسماعيل إلى المرحلة الأخيرة في هذه السيرورة: الأصل- الانخلاع- التأصيل. لقد ذهب الزبد جفاء وبقي في الأرض الأصل النافع، وبانت الذات الحقيقية كذات متجذرة غنية ذات معنى تقف على قدم المساواة مع الذات الآخرى التي ظهرت بوجوه قوتها وضعفها، وليس بوجوه قوتها وحسب- كما في مرحلة الانخلاع التي هي مرحلة الاستلاب.
وفي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر والتي تربى إسماعيل على الإيمان بفضائلها وبمنزلتها يدخل إسماعيل إلى مقام السيدة ويشاء الكاتب أن يجعل الفتاة نعيمة تفي بنذرها بعد أن تاب الله عليها وعادت إلى جادة الهدى في نفس الليلة.
ويأخذ إسماعيل زيت القنديل وهو يقول في نفسه للميدان وأهله: "أنتم مني وأنا منكم. أنا ابن هذا الحي، أنا ابن هذا الميدان" ويدخل الدار وينادي فاطمة "تعالي يا فاطمة! لا تيأسي من الشفاء. أم هاشم ستجلي عنك الداء، وتزيح الأذى، وترد إليك بصرك فإذا هو حديد" وعاد إلى علمه وطبه يسنده الإيمان وتتقدم فاطمة في الشفاء وتتعافى. ويفتتح عيادة بسيطة تستند إلى أساس من العلم دون المبالغة في الآلات والوسائل مستندة إلى قاعدة من الإيمان، هذا العمود الذي تستند إليه حضارة شعبه، وتشتهر العيادة بين الفلاحين أكثر من اشتهارها بين سكان القاهرة نفسها ويتزوج فاطمة.
3-من الأصل إلى التأصيل:
بعد هذه التجربة الثقافية- النفسية المريرة عاد إسماعيل إلى الانتماء إلى الأصل، لقد توقف عن محاولة قتل المجتمع الأهلي وأبعد من ذلك: لقد أصبح جزءاً من هذا المجتمع الأهلي. لقد أصبح مدافعاً عنه. غير أننا يجب أن نفرق بين الحالين: "الأصل" ويمثله الأب و "التأصيل" ويمثله الابن. فالتأصيل تحول نفسي- اجتماعي- ثقافي يقوم به المثقف بعد عملية صراع وجدال طويل مع الثقافة المحلية بكل عناصرها: الغازية والأصلية. وفي مجتمعنا العربي القائم لا نجد "مثقفاً أصلياً" فقد تكفلت بالقضاء عليه لا عمليات التغريب فقط بل عمليات "الإصلاح" أيضا، والمراهنة الآن إنما هي على خلق شريحة ثقافية متماسكة من المثقفين التأصيليين، هؤلاء الذين خاضوا تجربة مماثلة لتجربة إسماعيل واستخلصوا نتائجها. والذي أراه أن مجتمعنا يحتوي شروطا قابلة للمقارنة مع الشروط التي أنتجت التحول الذي أنتج إسماعيل في طوره الأخير. لقد فشلت تجربة التحديث على الوصفات الحرفية المنقولة من الغرب، ونحن نرى بالفعل في الساحة الثقافية العربية بشائر بظهور مثل هذه الشريحة، بشائر ببدء مرحلة التأصيل في الثقافة العربية، هذه المرحلة التي تكرس بدء حقبة جديدة بعد قرن ونصف من الاستلاب.