- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. ابراهيم عوض
- الزيارات: 9
احتفالا بالذكرى الخامسة لرحيل هذا الكاتب الموسوعى:
أنور الجندى والمعارك الأدبية فى مصر
د. إبراهيم عوض
http://ibrahimawad.net.tf
http://ibrawa.coconia.net/index.htm
فى ندوة تلفازية كنت مشاركا فيها منذ عدة أعوام حول كتاب ظهر وقتذاك يدعو فيه صاحبه إلى تطوير اللغة العربية، تطرَّق الحديث إلى الضعف اللغوى الملاحَظ فى أساليب الكتابة حتى بين المتعلمين، وكان من رأى الطرف الآخر صاحب الكتاب أن ذلك راجع إلى صعوبة لسان العرب نحوا وصرفا، أما أنا فكان لى رأى مختلف، إذ أرجعت ذلك إلى اللامبالاة التى تعيشها الأمة، لا فى تعلم اللغة العربية فقط ولا حتى فى التعلم بوجه عام فحسب، بل فى كل مناحى الحياة. وكان دليلى هو أننا متخلفون فى كل شىء حتى فى نظافة الشوارع، ولا علاقة لنظافة الشوارع بطبيعة الحال باللغة العربية، بل هى حالة عامة تعكس تخلفنا الحضارى الشامل. ثم قلت إن على من يخطئون فى لغتهم ولا يحسنونها كما ينبغى أن يأخذوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون"، فانتابت الطرفَ الآخرَ الذى كان ينادى بتطوير اللغة العربية عن طريق إلغاء التأنيث والمثنَّى والإعراب وما إلى ذلك دهشةٌ بسبب استشهادى بهذا الحديث ظنا منه أن مجاله الأخلاق وأننى حشرته فى ميدان التعلم والتعليم دونما أدنى مسوغ. فكان جوابى هو أن الحديث مطلقٌ يَصْدُق على التعليم كما يصدق على الأخلاق، بل يصدق على كل شىء يعترى الإنسانَ فيه خطأٌ ينبغى تصحيحه. لكن لم يبد على محدّثى أنه قد اقتنع بما قلت. والواقع أننى لم أكن أقل منه دهشة واستغرابا من فهمه هذا، إذ الرسول لم يقيد الخطأ بأنه الخطأ الأخلاقى، ولو كان صلى الله عليه وسلم يريد هذا لما سكت، بل لكان قد وضّحه توضيحا. ثم من قال إن لغة العرب إذا استعملت كلمة "الخطأ" لم تقصد إلا الخطأ الأخلاقى؟ ومن يستطيع الزعم بأن رسول الله عليه السلام لم يأت إلا برسالة خلقية؟ إن الأخلاق هى عمادٌ هامّ من عُمُد الحياة، كما أن الرسول، حسبما قال فى أحد أحاديثه، قد جاء ليتمم مكارم الأخلاق، بيد أن الأخلاق ليست كل شىء فى دنيانا، بل هى شىء واحد رغم كل أهميتها العظيمة. فهناك العلم والأدب والفن والتجارة والزراعة والصناعة والسباكة والطِّبَابة والتمريض والبناء وتمهيد الطرق وتنظيف الشوارع... إلخ. وكل نشاط من هذه النشاطات إذا أخطأ فيه ممارسه فعليه أن يتوب من خطئه ويعود إلى الصواب، بمعنى أن عليه دراسة وجه الغلط والتقصير وكيفية التخلص منه وتصحيح مسار العمل، وإلا فهل المخطئ فى غير ميدان الخلق لا حرج عليه ولا يطالَب بالتوبة، التى تعنى العودة عن الخطإ إلى الصواب؟ لا أظن عاقلا يقول بهذا.
لكن لماذا بدأتُ كلمتى هنا بهذه الحكاية؟ لقد بدأتها على هذا النحو لأبين أن فهمنا لديننا ونصوصه فهمٌ ضيقٌ فى كثير من الأحيان، وهو ما يقتضينا مراجعة تصورنا لهذا الدين العبقرى العظيم، فضلا عن العمل بمقتضى تلك النصوص حتى لا نحرم من خير كثير. ومن هنا سأبدأ كلامى فى الموضوع الذى أنا بصَدَده (وهو علاقة كتابات المرحوم أنور الجندى بما وضعتُ من مؤلفات) بالاستشهاد بقول الرسول الكريم: "مَثَل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمَثَل الغيث الكثير أصاب أرضا: فكان منها نَقِيّة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادبُ أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسَقَوْا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قِيعَانٌ لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مَثَل من فَقِه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعَلِم وعَلَّم، ومَثَل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هَدْي الله الذي أُرْسِلْتُ به"، وكذلك قوله عليه السلام: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم يُنْتَفَع به، وولد صالح يدعو له". ذلك أن ما كتبه أنور الجندى، وينطبق هذا بطبيعة الحال على كل كتابات الكتّاب وكل أعمال العاملين، لا ينتهى عند ظهوره للناس، بل يستمر تأثيره وصداه إلى أبد الآبدين حتى لو ضاع هذا الذى كتبه كله ولم يبق منه حرف واحد، إذ فى هذه الحالة يتأثر من لم يقرأوه بمن قرأوه وتأثروا به. فهم إذن يتأثرون به، ولكن على نحو غير مباشر.
وسوف يكون مدخلى إلى هذا الموضوع هو كتابه: "المعارك الأدبية فى مصر منذ سنة 1914 إلى 1939"، الذى يشكل جزءا من "موسوعة معالم الأدب العربي المعاصر" بمجلداتها التالية: "النثر العربي: تطوره وأعلامه"، و"الأدب العربي الحديث في معركة المقاومة والتجمع"، و"المعارك الأدبية"، و"الفكر العربي المعاصر في معركة التغريب والثقافة"، و"الصحافة السياسية في مصر"، و"الشعر العربي المعاصر: تطوره وأعلامه"، و"القصة العربية المعاصرة: تطورها وأعلامها"، و"اللغة العربية بين خصومها وأنصارها"، و"أدب المرأة العربية: تطوره وأعلامه"، و"معالم الأدب العربي المعاصر في النقد والفنون المختلفة". وهذه الموسوعة هى مجرد موسوعة واحدة من عدة موسوعات، إلى جانب عدد كبير من الكتب الأخرى فى مختلف الموضوعات الصحفية والأدبية والإسلامية.
وكتاب "المعارك الأدبية فى مصر منذ سنة 1914 إلى 1939" عمل فى منتهى الأهمية، إذ يقتضى من يريد أن يتصدى لإنجازه جهدا هائلا يضن ببذله الناس عندنا عادة، وصبرا عظيما لا يتوفر إلا للندرة من البشر، وبخاصة فى بلادنا حيث لا صبر على شىء ولا نفس طويل ولا اهتمام بالثقافة بوجه عام، ولا عائد مادى يجزى الجهد المبذول فى ميدانها ويشجع الرجال على مواصلة طريقها. ويا ليت هذا الجهد يُبْذَل فى طريق معبَّد، بل على صاحبه أن يَرُود سبيلا غير مطروقة لا يفكر فى السير فيها إلا الأفذاذ، ألا وهى سبيل المجلات والصحف القديمة التى صدرت منذ عشرات السنين ولم يعد الحصول عليها سهلا، بل لا بد لمن يريدها أن يذهب إلى دار الكتب ويقضى الأيام بعد الأيام فيها متعاملا مع العمال والموظفين ومحاولا التفاهم معهم. وما أدراك ما التعامل مع الموظفين المختصين بهذا الجانب من نشاط دارٍ كدار الكتب؟ ولكى أعطى القارئ فكرة بسيطة عن العنت الذى يمكن أن يلقاه الإنسان فى سبيل الحصول على صحيفة أو مجلة قديمة أذكر أننى طلبت من أستاذ صحفى بالأهرام من تلامذتى القدامى الذين لا يزال لهم نوع ارتباط بى أن يمدنى بصورة من مقالين منشورين فى جريدة الأهرام فى أغسطس 1931م كتبهما الأستاذ محمد عبد الله عنان وسميكة باشا مدير المتحف القومى حول ما تزعمه بعض الخرافات الكنسية من تنصر المعز لدين الله الفاطمى إثر مشاهدته معجزة نصرانية على يد إسكاف نصرانى، إذ تحرك جبل المقطم بتأثير صلاة هذا الرجل بجموع النصارى وأخذ يعلو بمن عليه من حشود ويهبط، فما كان من المعز إلا أن تنصر وترك الخلافة ولجأ إلى أحد الأديرة حيث قضى بقية حياته راهبا مترهبا. وقد استغرق الحصول على هذين المقالين من جريدة الأهرام عن طريق الأستاذ الصحفى المذكور، وهو ممن لا يضنون بأى جهد لمساعدتى، شهورا طوالا يئستُ خلالها من موافاته إياى بهما مما جعلنى أنشر الدراسة التى كنت عاكفا عليها آنذاك دون الاستشهاد بما ورد فى المقالين، إلى أن فاجأنى بعد نشر الدراسة المذكورة بشهور طوال بإرسالهما لى فى رسالة مشباكية. فما بالك بمن لا يشتغل فى الأهرام لو أراد الحصول على مثل هذين المقالين؟
وكنت، وأنا أذهب إلى دار الكتب فى أوائل السبعينات من القرن الفائت، أسمع أن الأستاذ أنور الجندى يتردد دائما على الدار فى تبتل وانقطاع، وكأنه راهب من رهبان الزمن القديم، لا يغيب عنها يوما، ولا يتركها طول النهار. ولا أذكر الآن بعد كل تلك الأعوام هل رأيت الأستاذ الجندى هناك أو لا، وأغلب الظن أنى رأيته، إذ كانت قاعة المطالعة فى المبنى الذى فى باب الخلق صغيرة تستطيع بنظرة واحدة أن ترى كل من فيها. ولهذا أرجح أننى قد رأيته، وإن كنت موقنا أنه لم يتم كلام بيننا، فقد كنت آنذاك شابا فى مقتبل العمر، ولم أكن تنبهت إلى أهمية الدور الذى يضطلع به رحمه الله. وأغلب الظن كذلك أن وعيى بالكتاب الذى بين أيدينا يرجع إلى تلك الفترة، لكن متى بالضبط؟ لا أدرى. فقد أكون قرأته فى دار الكتب، وقد أكون استعرته من مكتبة آداب عين شمس حيث تسلمت عملى معيدا بها آنذاك. المهم أننى قرأت ذلك الكتاب واستمتعت به، إذ وجدته يقدم لى رؤية محيطة (أو "بانورامية" كما يقال هذه الأيام) للصراع الفكرى والأدبى فى العصر الذى حدده، وعرّفنى بأسماءٍ بعضُها لم أكن سمعت به قبلا، وبعضُها لم يكن يشد انتباهى، مثل أسماء محمد مسعود ومنصور فهمى ومحمد لطفى جمعة ومحمود عزمى ومحمد صبرى السوربونى وفيلكس فارس ومحمد أحمد الغمراوى وعبد الله عفيفى والسباعى بيومى. كما فتح الكتاب عينى على القضايا المهمة التى شغلت كتّاب تلك الفترة، وبخاصة الفطاحل منهم، ثم شغلتنى أنا بدورى عندما حان الوقت وأصبحت كاتبا أعالج هذه القضايا، وأضحيت ذا رأى فيها، وأنتقد هذا الكاتب وأعضّد ذاك.
ومن بين تلك القضايا قضية الرسالة العلمية التى أحرز بها منصور فهمى من فرنسا درجة الدكتوريّة عن المرأة العربية وأحوالها قبل الإسلام وبعده، وقضية الشعر الجاهلى التى أثارها طه حسين وقال فى حق القرآن فيها ما قال، وقضية الهوية المصرية والنزاع حولها وهل هى عربية أو أوربية؟ وقضية خروج زكى مبارك من الجامعة على يد طه حسين، مما دفعنى من يومها إلى التعاطف مع الدكاترة زكى مبارك بناء على الوجه الكالح القبيح الذى طالعنى به طه حسين فى تلك الأزمة. ويمكن القول بوجه عام إن موقفى من تلك الشخصيات وما أثارته من قضايا لم يتغير تغيُّرًا يُذْكَر منذ كونت فكرتى عنهم إثر مطالعتى للنصوص التى استشهد بها لهم أنور الجندى فى كتابه هذا وما يشبهه من كتب.
وعَوْدًا إلى الأحاديث النبوية التى افتتحتُ بها هذه الدراسة نقول إن أنور الجندى قدم للمكتبة العربية بهذا الكتاب وأمثاله من الكتب التى يؤرِّخ بها للفكر والثقافة العربية والإسلامية فى مصر وغيرها من بلاد العرب ويضعنا فى معمعانها مباشرة دون أن يقيم من نفسه وآرائه حاجزا بيننا وبينها، خدمة جليلة تزيد فى نظرى عما قدمه من خلال الكتب التى ألفها وعرض فيها رأيه ورؤيته فى قضية من القضايا أو شخصية من الشخصيات. وقد مات أنور الجندى، لكن أعماله لم تمت، بل ما زالت وستظل مبعث إلهام للكتاب والمفكرين والدارسين والباحثين على مر الأعوام والدهور، وستظل بمشيئة الله ذخرا له ينعم بأثرها الحسن فى قبره وفى الآخرة، وسيظل طلاب العلم يُؤْجَرون على مطالعتها والرجوع إليها والإفادة منها لا ينقص من أجورهم ما يكتبه الله له من الأجر العميم بمشيئته تعالى ومَنّه وكرمه، إذ خزائن الله لا تنفد، بل تتسع لمن فى السماوات ومن فى الأرضين، ثم تبقى مع ذلك كله وبعد ذلك كله كاملة لم تُمَسّ. وهذا يذكّرنا بقوله صلى الله عليه وسلم الذى سقته قبل قليل: "مَثَل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمَثَل الغيث الكثير أصاب أرضا: فكان منها نَقِيّة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير"، فكُتُب الرجل بهذه الطريقة تشبه المطر الذى يهطل على الأرض الخصبة الجاهزة للزراعة، إذ إن الباحثين الذين يقرأون تلك الأعمال يستفيدون منها ويؤلفون من خلال الاستعانة بها وبغيرها من أعمال المؤلفين الآخرين كتبا أخرى. وقد يبقى هذا الكتاب أو ذاك من كتبه مهملا أو خاملا على رف إحدى المكتبات حتى يقيض الله له من يكون بحاجة إلى قراءته والبحث فيه، وحينئذ يصدق عليه قول الرسول فى تتمة الحديث السابق: "وكانت منها أجادبُ أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا وسَقَوْا وزرعوا".
فالرفوف هى تلك الأجادب، وهذه الرفوف قد تكون رفوف مكتبة عامة أو خاصة، وقد تكون رفوف دكان لبيع الكتب، حيث يبقى الكتاب زمنا يطول أو يقصر حسب الظروف إلى أن يأتى صاحب نصيبه كما نقول، وهو ما حدث لى الآن، فقد بحثت فى مكتبتى الخاصة عن كتابه الذى أنا بصدده، وكنت (كما قلت من قبل) قد قرأته منذ عشرات السنين، وربما قلبت بعض فصوله وصفحاته أثناء ذلك بين الحين والحين البعيد، فأعدت مرة أخرى التقليب فيه وقراءة ما أنا محتاج لقراءته لكتابة هذه الدراسة. ولولا هذه الأجادب التى احتفظت لى بالكتاب لحين الحاجة إليه ترى ماذا كنت فاعلا؟ بل إن عقلى يدخل أيضا فى تلك الأجادب، إذ ظل يحتفظ بما قرأته فى الكتاب منذ أوائل السبعينات، حتى إذا تحولتُ من مجرد قارئ فقط إلى قارئ وكاتب وانبعثت عندى موهبة التأليف واحتجت إلى مراجعة ما قرأتُ ذهبتُ فاستخرجتُ الكتاب من مكمنه وأعدت النظر والقراءة فيه، فكأن عقلى الأرض الصخرية التى خزنت فى باطنها ماء السماء إلى أن أتى من استنبطه وشربه وسقى منه حيوانه وأرضه. أو فلنقل بعد تحوير الصورة الواردة فى الحديث قليلا: كأنى أنا الأرض النقيّة المستعدة لقبول الماء وإنبات الكلإ والعشب الكثير، لولا أن المطر لم يكن قد هطل بعد، فظلت البذرة التى ألقاها كتاب الأستاذ الجندى فى باطنها تنتظر هطول الماء كى تنبت وتتحول إلى شجرة باسقة. ويلاحظ القارئ أننى قد وسّعت زاوية النظر إلى الحديث الكريم، إذ لم أقصر معناه على ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، بل قِسْتُ عليه كل علم أتانا به المؤلفون. ونحن نعرف أن العلماء هم ورثة الأنبياء، والعلم فى الإسلام واسع أشد السعة بحيث يشمل كل لون من ألوان المعرفة ولا يقتصر، كما قد يظن بعض ذوى النظرة الضيقة، على ما اصْطُلِح على تسميته بـــ"العلوم الدينية"، إذ العلم فى القرآن والحديث مطلق غير مقيد، فلا ينبغى من ثم قصره على لون بعينه من ألوانه. والمؤلفون هم جزء من العلماء. وقد ربطت هنا بين الأحاديث النبوية وكتاب أنور الجندى رغبة منى فى أن أستفز أذهان المسلمين للقراءة والتفكير بعد أن صدئت هذه الأذهان إلى حد بعيد وأضحى الكتاب يسبب للغالبية العظمى منا حساسية نفسية وعقلية، ولا يطيق الجمهور أن يفتح كتابا، بله أن يصبر على لأواء مطالعته والتمعن فيه والتفكير فيما يثيره من موضوعات. وهى قضية خطيرة أشد الخطر، فما من أمة تستطيع أن تبنى حضارة أو تصنع تقدما أو تحرز قوة إلا من خلال العلم، ومعنى هذا أن بلادنا قد يكون مكتوبا عليها ألا تبارح موقفها المتخلف إلا بعد أزمان وأزمان حين يقتنع الناس بخطإ موقفهم وشُنْع كراهيتهم للكتاب والعلم وتقاعسهم عن تحصيل الثقافة، ويُقْبِل كل فرد على حقول المعرفة يشتار من رحيقها ما تحتاجه حياته وتتحول البلاد إلى خلية نحل، فيعكف الناس على الكتب والبحوث والدراسات، وتنشط المعامل، وينطلق العقل المسلم مرة أخرى يبدع ويكتشف ويخترع ويضيف للمنجزات الإنسانية فى مجال المعرفة وتطبيقاتها الكثير والكثير إلى ما تم إنجازه على أيدى الأمم الأخرى مما يعيروننا به، ولهم الحق كل الحق، لأننا لا نشارك فيه منذ قرون، بل نكتفى بالاستهلاك ونظل فاعرى الفم طوال الوقت، صُنْعَ البُلْه المعوَّقين ذهنيا! ويا ليت استهلاكنا للأشياء بعد هذا كله كان استهلاكا عاقلا، بل هو بكلّ أسفٍ استهلاك غبى مسرف يقوم فى كثير من جوانبه على التباهى بشىء ليس لنا فضل فى إنتاجه.
وعودة مرة أخرى إلى كتاب المرحوم أنور الجندى نقول إن نَفَسه فى هذا الكتاب نَفَسٌ طويل، إذ يقع فى أكثر من سبعمائة صفحة، ويغطى المعارك الفكرية والأدبية على مدار خمس وعشرين سنة كان عليه أن يتتبع كل الصراعات المهمة التى ثارت خلالها ويعطينا صورة صحيحة ودقيقة لها بحيث يزود القارئ برؤية محيطة، أو بتعبير هذه الأيام: رؤية بانورامية. وخمس وعشرون سنة ليست بالزمن القصير بأى حال، وبخاصة أنها ليست أية خمس وعشرين سنة، بل هى خمس وعشرون سنة من أخطر فترات التاريخ المصرى، إذ تبدأ مع انطلاق الحرب العالمية الأولى بعد أن كان الاحتلال البريطانى قد استتبّ فى أرض الكنانة وظنّ هو ومشايعوه أن الدنيا قد دانت له وأن مصر لن تعود كرة أخرى عربية مسلمة، وتنتهى مع بداية الحرب العالمية الثانية، التى تغيرت مع نهايتها المنطقة تغيرا حادا. ومن هنا رأينا أنور الجندى فى هذا الكتاب الخطير يرصد عددا من المعارك التى كان أحد طرفيها يهاجم الإسلام أو العروبة أو يشكك فى قدراتنا وماضينا أو يدعو إلى الالتحاق بالغرب والذوبان فيه دون شرط... إلخ. وهذا الطرف الذى كان يقوم بهذا الدور الهَدْمِىّ لم يكن يشتغل مستقلا أو معبرا عن اقتناعه هو وحده، وذلك إن كان مقتنعا فعلا بما يكتب ويدعو إليه، وإنما كانت هناك قوى الاستعمار والاستشراق والتبشير التى تلتقى أهدافها مع أهدافه وتتغيا نفس ما يتغياه إن كان هذا الذى يكتب داعيا إليه يمثل حقا غاياته النابعة من عقله وقلبه عن اقتناع وإيمان، ومن هنا كان التعضيد الذى يلقاه هؤلاء بكل السبل المتصوَّرة وغير المتصوَّرة من قوى الشر تلك. لقد كانت غايات هذا الفريق تلتقى وغايات القوى الغربية التى تحتل بلاد المسلمين وتعمل على تحطيم قوى المناعة فى بنيتهم الفكرية والعقيدية وتنشر اليأس فى نفوسهم، فوَجَدَتْ فى هؤلاء المهاجمين لتاريخنا وديننا ولغتنا وعروبتنا خير سلاح يوجهونه إلى عقولنا وقلوبنا لقتلنا ذلك القتل المعنوى الذى هو أخطر من القتل المادى. ذلك أن القتل المادى يمكن تعويضه بالأجيال الجديدة، أما القتل المعنوى فلا أدرى كيف يمكنك تعويضه، وأنت لا تجد حولك من يؤمن بفكرة المقاومة والاعتزاز الوطنى والدينى والقومى، ومن ثم لا تجد من هو مستعد لكفاح قوى الشر والتدمير الغربى التى كانت تجتاح آنذاك بلادنا وتنهب خيراته وتسىء إلى كرامته وتعمل بكل وسيلة على محو شخصيته، إن لم يكن محوه هو نفسه محوا لا تقوم له بعده قائمة!
لقد كان ذلك الرجل الملازم لمائدة من موائد القراءة فى قاعة المطالعة بدار الكتب يقرأ فى صمت، ويقلب الجرائد والمجلات على مدى هذه الأعوام الخمسة والعشرين فى صمت، وينسخ ما يراه مهما فى صمت، ويكتب فى صمت، كان هذا الرجل الصامت يصنع ذلك دون أن ينتظر جزاء ولا شكورا شأنه شأن كل كاتب شريف فى بلاد العرب والمسلمين فى هذا الطور المخزى من أطوار تاريخهم، فى الوقت الذى يُكَرَّم فيه كُتّاب الطرف الآخر وتُسَلَّط عليهم الأضواء ويُعْطَوْن ما يستحقون وما لا يستحقون من الجوائز والمناصب ويُكْتَب عنهم بالحق وبالباطل ويُشْغَل بهم الجمهور بحيث يسدون الأفق على الفريق الذى يعمل لبلده ودينه ويبذل نور عينه وطاقة جسمه وروحه فى هذا السبيل دون أن يجد من يأخذ بيده أو يقيل عثرته أو يعرّف بمجهوده ويشجعه حتى لا تخور قواه فيسقط فى مجاهل الظلام والصمت حيث يُنْسَى سريعا كأنه لم يكن وكأنه لم يبذل جهدا ولا أنفق من ماله وصحته فى كفاح جراثيم الشر وفيروساته القاتلة، فالجماهير المضلَّلة مشغولة بالنجوم المشعة بالأضواء الزائفة والألوان المبهرجة، وغافلة عن أن الأضواء التى ترسلها هذه النجوم هى أضواء مؤذية تكسّر مناعة من يتعرض لها طويلا ولا يحاول أن ينأى عن مجال تأثيرها المدمر لخلايا العقل والنفس!
وبالمناسبة فقد تلقيت أثناء كتابتى هذا البحث، وعند وصولى إلى الفقرة الحالية، رسالة مشباكية تتحدث عن مقال بعنوان "أَحْرِقوا البرقع: BURN THE BURQA" لتسليمة نسرين الطبيبة البنجلاديشية صاحبة رواية "العار" التى صدرت فى تسعينات القرن الماضى وهاجمتْ فيها الإسلام والمسلمين فى باكستان لصالح الهند والهندوس والهندوسية، وانبرى أحد الصحفيين المشاهير فى مصر بكل الأسف والعار يدافع عنها ويثنى عليها بوصفها خير من يعرض الإسلام ويدافع عنه. إى وربى بوصفها خير من يعرض الإسلام ويدافع عنه، وكأن الكافر يمكن أن يحب الإسلام ويفاخر به، فضلا عن أن يدافع عنه، وهو ما لم نسمع به ولا حتى فى الأحلام! وزاد على ذلك فمَدَح ترجمة الرواية وأثنى على من قام بها مع أنها مفعمة بالأخطاء المذهلة مما استفزنى فأخرجت كتابا عند صدور ترجمة الرواية فى مصر لأفضح هذه الضجة المريبة وأئدها فى مهدها وأبين العورات الفنية والزيوف التاريخية التى تفيض بها الرواية، وعيوب الترجمة الشنيعة التى تدل على أنه لا صاحبها ولا الصحفى المشهور يعرفان الإنجليزية كما ينبغى أن تُعْرَف الإنجليزية. والشاهد فى الرسالة المشباكية التى وصلتنى وأنا أكتب هذا الفصل أن تسليمة نسرين (المقيمة الآن فى الهند على الرحب والسعة، والتى كانت تقيم قبل ذلك فى أوربا على نفس الرحب والسعة وأكثر، قد نشرت لها الصحف الهندية مقالا مسيئا فى حق الإسلام ورسوله وأمهات المؤمنين غير مراعية مشاعر عشرات الملايين من مسلمى الهند ولا مشاعر مليار ونصف مليار مسلم فى أرجاء العالم ولا توتر العلاقات بين الهند والباكستان بسبب إقليم كشمير الذى تحتله الهند ولا تريد الجلاء عنه أو أخْذ رأى سكانه المسلمين الذين يمثلون الأغلبية الساحقة الماحقة فيه والذين يرفضون احتلالها لبلادهم)، الشاهد فى هذا هو أن نسرين تجد الحفاوة والتشجيع من جانب الهند كى تكتب مهاجمةً الإسلام والرسول والقرآن. ولو كانت المسألة مسألة خمار أو برقع أو نقاب كما يبدو من عنوان المقال، أفما كان ينبغى لهذه المفعوصة أن تلفت النظر بدلا من ذلك إلى السخافات التى تمارسها النساء الهنديات فى ملابسهن من خلال تعرية سُرَرهن وظهورهن الزرقاء المعتمة، وإلى إحراق بعضهن لأنفسهن عقب موت أزواجهن، ووأد الأسر أحيانا لبناتها الرُّضَّع، وكذلك إلى عمامات السيخ القبيحة المقززة، وإلى عبادة البقرة فى القرن الحادى والعشرين، وإلى القذارة والإهمال اللذين تنغمس فيهما الجماهير الهندية؟ لكنها فى حقيقة الأمر لا يمكنها أن تلمس أيا من هذه الموضوعات ولو على سبيل الإيماء البعيد، وإلا لرُمِيَتْ رمية الكلاب فى التوّ واللحظة خارج الحدود، إن لم يكن خارج الحياة تماما. فهذا مثال على المعاملة الحفيّة التى يلقاها من قِبَل الأعداء، وفى تحدٍّ صارخٍ للمسلمين جميعا، كل مسلم خارج عن دينه متمرد على قومه، إذ ينتهز هؤلاء الأعداء فرصة الضعف المهين الذى يحاصر المسلمين فى هذه الفترة العَطِبة من تاريخهم (وهو ضعفٌ يُسْأَلون هم عنه قبل غيرهم رغم أن غيرهم لم يقصر ولن يقصر فى عمل كل ما بوسعه من أجل إبقائهم فى تخلفهم وعجزهم وبلاهتهم الحضارية المميتة) لكى يشنوا عليهم المعركة تلو المعركة بكل لون ومن كل جانب وعلى كل وضع حتى يتركوهم جثة هامدة لا حَرَاك بها، ولا حَرَاك يُنْتَظَر منها فى مُقْبِل السنين والأحقاب.
والآن نغلق القوس الذى فتحناه لتسليمة نسرين ونرجع لما كنا فيه فنقول إن هذه النظرة المحيطة التى يتناول بها أنور الجندى موضوعه فى الكتاب الذى معنا الآن ليست هى السمة ولا الميزة الوحيدة له، بل هناك أيضا تنسيقه لتلك المعارك وتصنيفها بحيث يستطيع القارئ أن يجد نفسه بين دروبها ومشتبكاتها ولا يضيع منه الطريق، إذ قسمها إلى عشرة أنواع من المعارك، لكل نوع باب كبير مكون من عدد من الفصول يصل أحيانا إلى اثنى عشر فصلا. وهذه الأنواع هى على الترتيب: "معارك الوحدة والتجزئة" و"معارك اللغة العربية" و"معارك مفاهيم الثقافة" و"معارك الأسلوب والمضمون" و"معارك النقد" و"معارك النقد حول الكتب" و"معارك بين المجددين والمحافظين" و"معارك بين المحافظين حول اللغة" و"معارك نقد الشعر" و"معارك النقد بين المجددين". ولكى نعطى القراء فكرة عن الشمول الذى انتهجه الأستاذ الجندى فى تقصى معارك تلك الحقبة أسرد له عناوين فصول بابين من تلك الأبواب العشرة، ولْيكونا بابَىْ "معارك مفاهيم الثقافة" و"معارك النقد فى المجددين". فأما فصول الأول فهى: "ثقافة الشرق وثقافة الغرب" و"لاتينيون وسكسونيون" و"النزعة اليونانية" و"كتابة السيرة" و"كتابة التاريخ" و"معركة الترجمة" و"أدب الساندويتش" و"غاية الأدب، ما هى؟" ومتى يزدهر الأدب؟" و"الأدب المكشوف" و"التراث الشرقى" و"ثقافة دار العلوم". ثم ها هى ذى فصول الباب الآخر: "بين التغريب والتجديد" و"معركة الكرامة" و"معركة الصفاء بين الأدباء" و"معارك النقد" و"بين زكى مبارك وخصومه" و"زكى مبارك ينقد كتابه" و"بين العقاد وخصومه" و"بين سلامة موسى وخصومه" و"بين المازنى وخصومه" و"بين هيكل وطه حسين" و"معركة لقمة العيش بين مبارك وطه حسين" و"المعارك بين شباب الأدب وشيوخه".
وهذا التنسيق والتصنيف يسهّل على القارئ تصوُّر خريطة الطريق الأدبية لتلك الفترة، مع التنبه إلى أن هناك أحيانا بعض التداخلات بحيث يمكن القول بأن هذا الفصل أو ذاك إذا كان ينتمى إلى الباب الذى جاء فيه، فكذلك يمكن أن ينتمى بنفس القوة إلى باب آخر، ولكن على وجه من الوجوه مختلف عن الوجه الأول. وقد أفادنى هذا الكتاب فى مقتبل حياتى، إذ اتضحت صورة العصر فى عينى إلى حد كبير، وسَهُلَ علىّ التعامل مع أعلامه وقضاياه فى سلاسة ويسر، وأصبحت قادرا على تصنيف رجاله فكريا ونقديا، وأبصرت إلى مدًى بعيدٍ مجموعَ الصلات التى تربط بين كل ذلك بحيث لم تعد المسائل الأدبية والفكرية والمعارك التى دارت حولها أوانذاك ذرات مبعثرة متطايرة فى الهواء، كما تكوَّن لدىّ حِسّ التطلع إلى ما وراء الستار ومحاولة إبصار ما هنالك ولو على سبيل الإجمال والتخمين.
وحسنة ثالثة لكتاب أنور الجندى هى الموضوعية والحيادية. إنه يريك وَجْهَىِ الورقة كليهما، كما يعرض عليك جوانب الموضوع جميعا بحيث ترى الرأى ونقيضه، ثم الرد على الرد، والرد على رد الرد... وهكذا. كل ذلك دون أن تبصر شخصه، وإن كنت تسمع صوته خافتا بين الفينة والفينة يوجهك ويوضح لك بعض أسرار المشهد مما لا تستطيع أن تستقل بإدراكه. وقد يرى بعضٌ أنه يشبه فى ذلك ملقّن المسرح الذى لا يراه النظارة ولا يلتقطون له حسا، وإن كان الممثلون يستطيعون أن يسمعوه على قدر الحاجة إليه. على أن هناك فرقا بين الجندى والملقن المسرحى، وهو أن الملقن لا يكف عن الكلام، وإن خافت من صوته بحيث لا يسمعه أحد من مشاهدى العرض المسرحى، أما كاتبنا فهو لا يتكلم غالبا إلا فى أول المشهد فقط عند تقديم بعض التوضيحات التى تُعِين القراء على تتبع موضوع المعركة التى يتناولها فى إيجاز شديد. وهذا إن تكلم أصلا. ومن هنا فإنى أشبهه بالأحرى بمؤلف المسرحية حين يمهد لكل مشهد من مشاهد مسرحيته بسَوْق بعض التعليمات التى يحتاجها المخرج، أو الملاحظات السريعة التى تساعد القارئ على العيش فى جو المسرحية وتخيُّل السياق الذى تمت فيه أحداثها.
لنأخذ مثلين نوضح بهما ما نقول: ففى معركة "التراث الشرقى، يكفى أو لا يكفى؟" بين عبد الرحمن الرافعى وعباس محمود العقاد نسمع المرحوم الجندى يقول فى تقديمها: "هذه مساجلة هادئة بين عبد الرحمن الرافعى وعباس محمود العقاد حول كفاية التراث الشرقى لنضج الحياة العقلية عند الشرقيين أخذ فيها الرافعى جانب قصور التراث الشرقى وضرورة الترجمة، وأخذ العقاد جانب كفاية التراث الشرقى"، ثم يذكر فى الهامش المواضع التى نقل منها ما نقل من كلام الكاتبَيْن (ص 194 وما بعدها من طبعة مكتبة الأنجلو المصرية 1982م)، وهذا كل ما هنالك. أما فى "معركة الشعر الجاهلى" التى دارت حول كتاب الدكتور طه حسين: "فى الشعر الجاهلى"، وهو الكتاب الذى سار فيه على خطة المستشرق البريطانى ديفيد صمويل مرجليوث فى إنكار الشعر الجاهلى كله، أو على الأقل: جُلّه، وكذّب القرآن الكريم فيما رواه عن انتساب العرب إلى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وبنائهما الكعبة واعتبار ذلك أسطورة سياسية اخترعوها ليكون لهم تاريخ مجيد، فقد أضاف الأستاذ الجندى إلى السطور التى قدم بها لتلك المعركة والتى طالت نوعًا ما جملة هنا أو هناك تربط بين النقول المختلفة كما هو الحال فى ص 347 حين قال: "وصورت جريدة الأهرام الموقف على هذا النحو:..."، وكذلك حين قال تمهيدا لنقل ما كتبه رئيس نيابة مصر فى ذلك الوقت فى تحقيقه مع طه حسين بخصوص هذه القضية: "وتولى محمد نور بك رئيس نيابة مصر التحقيق مع الدكتور طه حسين وحصره فى أربعة أمور هى:..."، وبعد قليل: "وقال النائب العام فى تقريره إن..."، ثم بعد قليل أيضا نراه يضع العنوان التالى: "أهداف الكتاب"... وهكذا.
أما حرص الأستاذ الجندى رحمه الله على إعطائنا جوانب الموضوع المختلفة فيمكن التمثيل له بما نقله من مقتبسات مما كُتِب فى "معركة الخلافة وأصول الحكم" (ص 334 فما بعدها)، إذ بعد التمهيد المعتاد يسوق لنا رأى على عبد الرازق صاحب المشكلة، ثم يعقب عليه برأى هيئة كبار العلماء، وهو الرأى الذى يناقض رأيه، وبعده رأى رشيد رضا، وهو يوافق رأى الهيئة المذكورة، ليعقب عليه برأى طه حسين المشايع لعبد الرازق، ثم رأى الدكتور هيكل وإسماعيل مظهر، وهما من أنصار عبد الرازق أيضا، ثم رأى الشيخ على مرة أخرى، ولكنْ فى حكم هيئة كبار العلماء هذه المرة، ليختتم الكلام بإيراد ما كتبته كبريات الجرائد فى ذلك الوقت حول هذه القضية. وبذلك يكون القارئ قد اطلع تقريبا على أهم الآراء التى أدلى بها من كتب فى ذلك الموضوع. كل هذا دون أن يتدخل كاتبنا لنصرة هذا الطرف أو ذاك، بل كان حريصا على أن يعطى كل واحد من الكتاب فرصة مساوية للتى أعطاها غيره، مع نقل زبدة كل رأى، بحيث ينتهى القارئ من الفصل وقد تحصّلت لديه فكرة واضحة وقوية عما حدث آنذاك، وعرف موقف كل كاتب من الكتاب.
وبمناسبة الكلام عن على عبد الرازق والمعركة المتعلقة بكتابه عن أصول الحكم فى الإسلام ينبغى أن أذكر هنا أن العقاد قد وقف فى تلك القضية إلى جانب الشيخ وهاجم ما سماه "روح الاستبداد فى الآراء"، وهو العنوان الذى كتب تحته ما كتب من دفاع عن عبد الرازق، الذى أكد أنه لا تربطه مع ذلك به أية علاقة شخصية أو سياسية حتى إنه لو قابله فى الطريق ما عرفه (ص 341- 342). ومناسبة الكلام هنا أننى لم أكن لأظن أن العقاد يقف مثل ذلك الموقف لو لم أطّلع على هذه الفقرات التى أوردها المرحوم أنور الجندى، إذ المعروف أن للعقاد كتبا ودراسات ومقالات كثيرة ينافح فيها عن الدين، فكان المظنون أن يدافع مع المدافعين عن الإسلام بغض النظر عن كراهيته للاستبداد فى الرأى، لكنه اكتفى بالدفاع عن حق على عبد الرازق فى أن يجهر من الآراء بما يشاء احتراما لحرية الفكر. وهذا ما قصدته من القول بأن كتاب الأستاذ الجندى يطلعنا على أشياء ما كنا لنعرفها، بل ما كنا لنظنها مجرد ظن، لولا قراءتنا لها، وقبل ذلك لولا حرص صاحبه على أن يقدم لنا صورة دقيقة وصحيحة وموضوعية لما حدث وما قيل. وبسبب من تلك الموضوعية التى تمتاز بها توثيقاته لم يتردد المرحوم الجندى، فى نقل اتهام جريدة "السياسة" للشيخ بخيت، وهو أحد المشايخ فى هيئة كبار العلماء، بأنه "أخ ماسونى من إخوان محفل الشيخ حسن الطويل" وأنه "فارس الصليب الأحمر" (ص 342). وهو ما يشكل صدمة إن صح، أما إذا لم يصح لقد كنا نود من الأستاذ الجندى تحقيق هذه التهمة وتمحيصها. كما أننى لا أفهم سر تسمية المحفل الذى ينتمى إليه الشيخ بخيت، إن صدق الاتهام، بأنه "محفل الشيخ حسن الطويل"، اللهم إلا إذا كان الأمر لا يعدو تهكما من النوع السخيف الجارح!
كذلك يفاجأ القارئ، وهو يتابع فصول معركة "ثقافة الشرق وثقافة الغرب" فى كتاب أنور الجندى، بأن يجد كاتبا كفيلكس فارس، الكاتب والشاعر والخطيب النصرانى اللبنانى، بكل هذا التحمس للثقافة العربية فى مواجهة مسلم تركى هو إسماعيل أدهم، الذى كان شديد الحملة على تلك الثقافة مؤكدا أنها لا تصلح لنا وأنه يجب علينا تبنّى الثقافة الغربية بدلا منها. وهو رأى وقف ضده فارس بكل قوة وصلابة، قائلا إن هناك فرقا بين العلم والثقافة: فالعلم لا وطن له، أما الثقافة فتختلف من أمة إلى أمة، ومن ثم فإن ثقافة الغرب لا تصلح لنا. بل إنه، فى خلال ردوده على أدهم، قد أكد أيضا أن الحضارة الفرعونية لا أثر لها الآن لا فى علم المصريين ولا فى أدبهم، بالضبط كما أنه لا أثر فى سوريا ولبنان للحضارة الفينيقية (ص 104 فصاعدا). ووجه الغرابة فى هذا أن النصارى اللبنانيين بوجه عام من أشد المتعصبين على العروبة والثقافة العربية والمتحمسين لثقافة الغرب. فإذا عرفنا مع هذا أن أم فيلكس فارس (لويز شوفالييه) كانت سيدة أوربية (فرنسية المولد، سويسرية الأصل) ازداد عجبنا من هذا الموقف العروبى الأصيل ازديادا كبيرا. والحق أنه لو لم يُذْكَر اسم فيلكس فارس مع تلك الآراء لظن القارئ أن صاحبها مسلم شديد التمسك بالعروبة ولسانها وثقافتها وتاريخها! ولمن لا يعرف فيلكس فارس (1882- 1939م) أنقل المعلومات التالية عن مجلة "الجيش" اللبنانية مع بعض التصرف: فقد وُلِد فى بلدة صليما في المتن لأبٍ تولى أمانة سر المتصرف رستم باشا على جبل لبنان، ودرّس فى المكتب السلطانى فى حلب، ثم انتقل عقب ذلك إلى تولّى أمانة الحركة العربية لجعفر باشا العسكرى عام 1921م. وأوفده الجنرال جورو إلى الولايات المتحدة الأمريكية فى مهمة خاصة لدى المغتربين اللبنانيين والسوريين، حيث أقام صلات وثيقة مع كبار أدباء المهجر، حتى إذا ما عاد إلى لبنان انصرف إلى المحاماة (التى كانت مهنة والده) ليعود إلى وادى النيل فى 1931م ويتولى رئاسة قلم الترجمة فى مدينة الإسكندرية. ومن أعماله التى تركها لنا كتابه: "رسالة المنبر إلى الشرق العربى"، وترجمته لــ"اعترافات فتى العصر" عن الأديب الفرنسى ألفرد دى موسيه، وكذلك ترجمته لكتاب "هكذا تكلم زرادشت" للفيلسوف الألمانى فريدريك نيتشه. وقد قرأت أن مصطفى صادق الرافعى هو الذى أشار على صديقه فارس بأن يترجم هذا الكتاب.
وقد ظللت، منذ قرأت ما كتبه أنور الجندى عن أدهم، أتتبع ما نُشِر لذلك الشاب المسلم المستغرب وما نُشِر عنه لأرى مدى استحقاقه للثناء الذى أغدقه عليه وأغرقه به بعض الكتاب المصريين المعروفين إثر انتحاره فى بداية الأربعينات من القرن الماضى، وهو نفس ما حدث عند انتحار فخرى أبو السعود فى تلك الآونة أيضا ودفعنى بدوره إلى البحث فى خفايا ذلك الشاعر والناقد السكندرى، فوجدت أن أبو السعود رغم قلة إنتاجه ورغم اختلافى مع بعض ما يكتب هو كاتب ذو شأن: سواء من ناحية أسلوبه القوى أو من ناحية آرائه التى تعكس اطلاعا واسعا بغض النظر عن موافقتنا عليها أَوْ لا، وبخاصة فى ميدان الأدب المقارن الذى كانت له فيه خطوات رائدة ودراسات طموحة، إلى جانب شاعريته القوية وقصائدة التى تجمع بين الفحولة التقليدية والمضمون العصرى وتصوير مشاهد الطبيعة فى أسلوب متميز يعكس شخصية صاحبه ومشاعره وتأملاته العميقة، بخلاف أدهم، الذى بدا لى أقرب إلى البكش منه إلى الجد والعمق، فكان هذا سببا فى كتابتى دراسة طويلة عن هذا الأخير نشرتها على المشباك بعنوان " إسماعيل أدهم، ذلك المغرور المنتحر! وقفة مع كتابه: لماذا أنا ملحد؟" بينت فيها سطحيته، واعتماده على التهويل والطنطنة بالمصطلحات الغريبة لتغطية ضحالة ما يؤلف، وأخذت عليه زَجَّه بنفسه فى موضوعات ليس أهلا للكتابة فيها، وتناقضه تناقضا مفضوحا فى كثير مما يكتب، ومحاولته المضحكة اتخاذ سمت العلماء مع أنه ليس منهم فى كثير أو قليل، وغموض كثير مما يكتبه، واكتفاءه بلمس سطوح الأشياء وإطلاق الأحكام العامة غير القائمة على التقصى والتعمق. وفى الدراسة المذكورة شواهد متعددة على هذا الذى نقول مأخوذة من كتبه بعد أن بحثت عنها ووجدت عددا معقولا منها فى مكتبتى وعلى المشباك. أما أبو السعود فيمكن القارئ أن يطالع فى كتابى: "فى الأدب المقارن- مباحث واجتهادات" بضع صفحات خصصتها للكتاب الرائد الذى وضعه بعنوان "فى الأدب المقارن"، والذى صدر عن هيئة الكتاب واحتفى به كثير من المتخصصين فى هذا الفرع من الدراسات الأدبية.
ومما استغربت له كذلك فى كتاب أنور الجندى أن منصور فهمى، الذى كنا قد درسنا له فى كتاب القراءة لطلاب الثانوية العامة قبل ذلك ببضع سنوات قليلة مقالا بعنوان "أنت أنت الله" ينضح بالإيمان والانبهار بصنع الله الذى أتقن كل شىء، كان قد حصل على درجة الدكتوريّة من فرنسا فى أوائل القرن العشرين برسالة عن المرأة عنوانها "La Condition de la Femme dans la Tradition et l'Evolution de l'Islamisme : وضع المرأة فى التقاليد وتطور الإسلام" اتهم فيها الرسول بأنه كان يشرّع للناس ويستثنى نفسه فلا يلتزم بما يشرعه لهم، وزعم أن المرأة العربية كانت أسعد حظا فى الجاهلية منها فى الإسلام، ثم قال إن عمله تحت إشراف ليفى بريل المستشرق الفرنسى اليهودى هو من المؤثرات السعيدة فى حياته (انظر هذه المعركة بدءا من ص 330). وقد ذكر الجندى، أثناء كلامه عن طبع هذه الرسالة فى باريس عام 1913م، أنها لم تُنْشَر فى العربية، وأود أن أنتهز هذه الفرصة لأقول إن "منشورات الجمل" بكولونيا قد أخرجت عام 1979م ترجمة ركيكة لهذا الكتاب بعنوان "أحـوال المـرأة فى الإسـلام" بقلم رفيدة مقدادى، ومراجعة هاشم صالح التابع الأمين لمحمد أركون والمطنطن باسمه، والمبشر بأن كتاباته تدشّن عصرا جديدا فى الفكر الإسلامى، والمنقطع لأركون وترجمة كتبه بعد أن فشل، كما أخبرنى بعض من يعرفونه من الزملاء السوريين، فى الحصول على الدرجة العلمية التى كانت جامعته قد بعثته إلى فرنسا لإنجازها فى الأدب الفرنسى. وقد بلغ من ركاكة تلك الترجمة أننى لم أستطع أن أمضى معها لآكثر من بضع فقرات، على عكس شعورى تجاه الأصل الفرنسى الذى كنت قرأته قبل أعوام وشدّنى شَدًّا من أول الرسالة حتى ختامها رغم أن الفرنسية ليست لغتى الأجنبية الأولى. وهذه الترجمة منشورة فى موقع قبطى تبشيرى شديد التعصب يهاجم الإسلام ورسوله وكتابه وتاريخه ورجاله هجوما شنيعا بذيئا.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. جميل حمداوي
- الزيارات: 7
روايـــــة التوثيـــــق التاريــــــخي
(\"وزير غرناطة\" لعبد الهادي بوطالب نموذجا)
الدكتور جميل حمداوي
نشر الكاتب المغربي عبد الهادي بوطالب (1923م- ؟) روايته التاريخية\" وزير غرناطة\" سنة 1960م عن دار الكتاب بالدار البيضاء . وقد ذكر الدكتور أحمد اليابوري في محاضرته (وضعية الدراسة الأدبية بالمغرب) التي ألقاها ضمن نشاط فرع اتحاد كتاب المغرب بالقنيطرة أن الطبعة الأولى صدرت في بداية الخمسينيات .
و ليس الأستاذ عبد الهادي بو الطالب هو الوحيد الذي كتب القصة التاريخية، بل هناك الكثير من الروائيين ونستحضر منهم:الأستاذ عبد العزيز بن عبد الله في رواياته القصصية \"غادة أصيلا\" و\"الجاسوسة السمراء\" و\" الجاسوسة المقنعة \" و \"شقراء الريف\" و \"في هضاب الريف\" و\"الرومية الشقراء\" و\"الكاهنة\" و\"جاسوسة في حدود فلسطين\" و \"هجوم في جنح الظلام\" . و قد جمع الكاتب معظم أعماله السابقة في كتاب واحد بعنوان (شقراء الريف) .
هذا، و قد تأثر عبد العزيز بن عبد الله في كتاباته التاريخية بروايات جورجي زيدان حينما طعم نصوصه القصصية التاريخية بالعقدتين : التاريخية و الغرامية قصد إضفاء التشويق الفني على ما يبدعه من أعمال لإثارة فضول القراء و تحفيزهم على متابعة قراءة نصوصه المتسلسلة في حلقات على منابر الصحافة الوطنية وخاصة في جريدة (العلم) منذ أواسط الأربعينيات. ونذكر أيضا إلى جانب الأستاذ عبد العزيز بن عبد الله الأستاذة آمنة اللوه بروايتها (الملكة خناثة) ، و الأستاذ عبد الهادي بو طالب بروايته (وزير غرناطة ) التي تعد نموذجا لرواية التوثيق التاريخي.
وعليه، فعبد الهادي بوطالب يركز في روايته (وزير غرناطة) على تاريخ الأندلس أثناء أفول نجم مملكة بني الأحمر بغرناطة في العصر الوسيط و لاسيما في عهد الدولة المرينية إبان القرن الثامن الهجري.
يقدم عبد الهادي بوطالب روايته باستهلال يحدد فيه الإطار التوثيقي والموضوعي على غرار كتاب الرواية التاريخية، وذلك بتصوير الفضاء التاريخي بأحداثه المرجعية ووقائعه الحقيقية وشخوصه الإنسانية الحاضرة بقسماتها التاريخية. و ينقلنا بعد ذلك مباشرة إلى مدينة غرناطة عاصمة ملوك بني الأحمر ليسمعنا ما ينتظر سكان هذه المدينة من مصائب و ما يبيته أعداء الإسلام لهم. و من المعلوم أن حصون الإسلام في الأندلس بدأت تسقط واحدة تلو الأخرى بسبب صراع ملوك الطوائف وبني الأحمر حول الحكم ودواليبه. في حين كان جيش الأعداء يتقوى بفعل وحدة إسبانيا والبرتغال، و انطلاق الحملة الصليبية التي شاركت فيها معظم قوات أوربا بأمر من البابا لنصرة المسيحية و درء أخطاء الإسلام؛ لذلك انعقد اجتماع خطير في قصر الحمراء حضره السلطان أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل بن الأحمر لإعداد العدة لردع الأعداء الذين يتربصون بالمسلمين ويتحينون الفرص للانقضاض عليهم . و كان ملوك بني الأحمر يجدون في حملة المرينيين عونا لهم على الأعداء كلما استنجدوا بهم، لكن هذه الحملات العسكرية سرعان ما توقفت بسبب الفتن الداخلية التي كان يعرفها مغرب المرينيين بسبب الصراعات حول السلطة بين الأبناء بعد وفاة يعقوب المنصور . وترتب عن هذا الصراع السياسي الداخلي كثرة الإحن و الأحقاد ناهيك عن التطاحن الشخصي و البلاطي و العسكري؛ مما ضيع جهود ملوك بني مرين في تهدئة الأوضاع و القضاء على الثورات و الفتن الداخلية . وقد انعكس كل هذا على تدخلات المرينيين في شؤون الأندلس ، فتقلصت – بالتالي- المساعدات العسكرية بعد هزيمتهم في معركة العقاب مع الإسبان .
وقد جعلت هذه الظروف العصيبة مدينة غرناطة تعيش فترات حالكة بين اليأس و الأمل، و إن كان اليأس هو الغالب على أهل المدينة بسبب ترقبهم للعدو و استعدادهم الدائم لكل هجوم مباغت قد لا يكون في التوقع و الحسبان .
و في هذا الجو من الصراع التاريخي و الاضطراب السياسي وتأرجح بني الأحمر بين مهادنة الإسبان مرة و مناصرة بني مرين مرة أخرى و التزام الحياد في أوقات تفرضها الضرورة و الوفاء بالعهود و المواثيق ولا سيما أن دولة بني الأحمر ضعيفة من حيث العدد و العدة و لا يمكن أن تجابه العدو إلا بالتعاون مع المرينيين كان بنو الأحمر يقضون أيامهم الأخيرة ويستشرفون نهايتهم البائسة.
و ما أسوأ لحظات الترقب والانتظار التي كان يعيشها بنو الأحمر إبان سقوط الأندلس! فقد كانوا يشعرون أن مملكتهم توشك على السقوط على غرار الممالك الأندلسية الأخرى بعد العز الأمجد والشرف الأعظم. ذلكم هو الجو التاريخي الذي صورته الرواية لتقدم بعد ذلك شخصيتها المحورية ألا و هي شخصية لسان الدين بن الخطيب ذي الوزارتين: وزارة السياسية ووزارة القلم في عهد ملوك بني الأحمر.
عاش لسان الدين بن الخطيب يكتب و يؤلف في شتى المعارف والعلوم و يحبّر الرسائل الديوانية و ينظم الأشعار في مدح ملوك بني الأحمر و سلاطين بني مرين .و قد ذاعت شهرته في المغرب و الأندلس و المشرق على حد سواء . فلولا ابن الخطيب لما ذكر لبني الأحمر شأن، و لما كانت لهم مكانة في تاريخ المغرب والأندلس.
و إلى جانب الأدب و الثقافة، كان لسان الدين بن الخطيب وزيرا للدولة و مستشارا محنكا، ذا خبرة وتجربة طويلة في مجال التدبير و السياسة و السفارة في جذب ملوك بني مرين لمساعدة و إنجاد الأندلس من مناوشات الأعداء وهجماتهم المتكررة على سكان الأندلس و ممالكها وحرماتها . و من ثم، نال حظوة كبيرة لدى بني الأحمر، و مكانة عظمى لدى أهل غرناطة، يتقرب إليه العلماء ، و يتوسل إليه الناس إما لمساعدتهم وإما لقضاء مآربهم وإما للتدخل لدى السلطان وإما للرفع من مراتبهم.
و صار لسان الدين بن الخطيب شاعر بني الأحمر و لسان بني مرين بالقصائد المدح الطوال.بيد أن هذه السعادة و صفاء الجو وراحة البال سرعان ما انقلبت إلى الشقاء بسبب حسد الوشاة وكيد الحاقدين سواء في المغرب أم الأندلس خاصة في عهد الغني بالله. ومن المعروف أن ابن الخطيب كان هو الوزير الوحيد الذي يتحكم في كل أمور الدولة مهما صغر شأنها أو عظم.
و من الذين تحاملوا على ابن الخطيب ابن زمرك كاتب و شاعر الغني بالله و القاضي النباهي. وقد أسدى إليهما ذو الوزارتين الكثير من فضائله، إذ عين ابن الزمرك كاتبا للسلطان، ورقى القاضي النباهي في عدة مراتب عليا . لكن في الأخير، سيتدخلان إلى السلطان بالوشاية على ابن الخطيب، و اختلاق أسباب الحقد ليضمر السلطان في نفسه العداوة على وزيره ليبعده عن الحكم أو يأمر بقتله. ولما عرف ابن الخطيب هذه المؤامرات و الخدع لتصفيته، قرر الهرب إلى تلمسان حيث نزل ضيفا عند الملك عبد العزيز، بينما سلطان الأندلس يتوعده و يطالبه بالرجوع لمعاقبته على مكائده و نواياه السيئة حسب وشايات ابن الزمرك و القاضي النباهي.
و بعد وفاة ملك تلمسان، تولى الحكم أحمد بن أبي سالم الذي كان مواليا لابن الأحمر. فتم – بالتالي- القبض على وزير غرناطة وأسره في سجن المدينة البيضاء حتى تم خنقه و دفنه في مقابر فاس و إحراقه بعد ذلك.
و إذا تفحصنا بنية هذه الرواية وجدناها رواية تاريخية بالمفهوم الحرفي للتاريخ ؛ لأنها تهدف إلى توثيق التاريخ و تدوينه وصياغته بطريقة موضوعية قائمة عل السرد التاريخي البعيد عن التشويق الفني / الغرامي الذي رأيناه في روايات جورجي زيدان أوالكاتب الإنجليزي ولتر سكوت في روايته (أيفنهو)، أوالكاتب الفرنسي ألكسندر دوما في روايته (الكونت دي مونت كريستو ) . و يعني هذا أن الرواية خالية من الجوانب الرومانسية و الصيغ الفنية التي استبدلت بتوظيف الصراع التاريخي الذي أخذ بمفرده المكانة الكبرى و نصيبا وافرا من الأحداث إلى جانب مواقف ابن الخطيب المضطربة من هذه الأحداث بله عن التقلب بين السعادة والشقاء و عدم الاستقرار وكثرة الارتحال و الانتقال بين غرناطة والمغرب و تلمسان، و ما كان يعانيه من حقد الحساد ووشاية الأعداء وتآمرهم عليه لإقصائه؛ ليخلو لهم الجو و ينالوا السلطة ويتقربوا بالتالي إلى السلطان تزلفا و تملقا ونفاقا .
و إلى جانب خلو رواية عبد الهادي بو طالب من الجانب القصصي الفني القائم على الخيال و الإبداع و التمويه ، استند الكاتب إلى الترجمة الغيرية أو الخطاب البيوغرافي لكتابة سيرة ابن الخطيب في إطار تاريخي و سياق ذهني، أي إن الكاتب كتب سيرة ذهنية غيرية لابن الخطيب ليجعل التاريخ محكا لهذه الشخصية العالمة المثقفة و سياسته المحنكة، و كيف أثرت الظروف السياسية في هذه الشخصية إيجابا و سلبا ، و كيف أودت به المحن و الوشايات الكاذبة قتيلا مخنوقا ليلقى نهايته حرقا و حتفا .
و هكذا فرواية (وزير غرناطة ) تاريخية بمعنى الكلمة للتاريخ لخلوها من التحليل الفني و هيمنة البعد المرجعي على فضاءاتها وشخوصها و أحداثها و هيمنة الرؤية العارفة على الخطاب السردي من خلال استعمال ضمير الغياب والرؤية الموضوعية المحايدة نسبيا والارتكان إلى السرد و الأسلوب التقريري المباشر .
و قد كتب سعيد العريان عن ذهنية هذه الرواية و طابعها البيوغرافي و خروجها عن المعتاد كما في الرواية المشرقية التي كانت تمزج الحدث التاريخي بالحدث العاطفي و الغرامي قائلا: \" أما لسان الدين فسيعرف عنه قارئ هذا الكتاب ما يكفي مئونة التعريف به ، و أما ما كتبه عنه أبو طالب في هذا الكتاب شيء جديد لم يسبق إليه مستشرق و لا مستغرب ، هو قصة إنسان إن شئت أن تقرأ قصة إنسان ، وهو فصل من تاريخ السياسة المغربية في القرن الثامن ، و هو دفاع وطني رائع عن أسلوب لسان الدين في الحكم والسياسة، إن كان قد حملك بعض ما قرأت عن لسان الدين على لوم لسان الدين أو انتقاص أسلوبه في الحكم والسياسة.هو إذاً كتاب أدب و فن . و هو إلى ذلك كتاب تاريخ وسياسة \".
إذاً ، فمن خلال التقديم الذي وضعه سعيد العريان – و هو من كبار كتاب الرواية التاريخية في مصر – لرواية ( وزير غرناطة) نستشف أن رواية عبد الهادي بو طالب أقرب إلى كتب السيرة والترجمة الغيرية من فن الرواية التاريخية ؛ لأن هذا العمل فيه الفائدة التاريخية المحضة أكثر من المتعة الفنية و التشويق الجمالي على الرغم من وجود المجالس الأدبية و العلمية و الاستشهادات الشعرية و الكتابات الأدبية و عناوين المؤلفات المحددة بسياقها التاريخي . فهذا النص يشبه إلى حد كبير نص التعريف لابن خلدون الذي أورد فيه حياته و الأحداث التاريخية و ضمّنه الرسائل و الأشعار و كتاباته الديوانية . و هكذا نقول إن رواية ( وزير غرناطة ) رواية التدوين التاريخي و التوثيق المرجعي والتأريخ الذهني لسيرة لسان الدين بن الخطيب في صراعه الحاد مع السلطة و الطامعين فيها .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: يوسف فضل
- الزيارات: 11
قصة زيارة للمشير سوار الذهب
بقلم : يوسف فضل
عندما شاهدت المخرج حامد حسن على قناة إم . بي . سي وهو يطلب من الممثل احمد زكي (كتبت هذا المقال قبل وفاته ووضع على الرف ) الراقد على فراش المرض في إحدى مستشفيات فرنسا يصارع مرض السرطان الرئوي أن يعود مشافى معافى ليبدأ بتمثيل فيلم سوار الذهب . لأن الممثل أحمد زكي قد مَثّل سابقا فيلمين عن شخصية كل من السيد/ أنور السادات والسيد/ جمال عبد الناصر . دق ناقوس الذكرى عندي وهمست لنفسي بأنها ذات يوم أتيحت لها فرصة مقابلة المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب وزير الدفاع في حكومة الرئيس جعفر محمد نميري . لكن ما عساي أن اكتب عن شخصية سودانية الكل يعرفها أو سمع عنها ، لكن لا يعرف احد آخر باستثناء قراء هذا المقال باني قابلت المشير/ سوار الذهب . وقدمت له واجب الاحترام والتقدير لرئيس سوداني أمين وصادق وحر . لأفتح كنانة ذاكرتي واستخرج منها أسهم مقالتي هذه عن تلك المقابلة بصدق لحظتها وواقعيتها البعيدة عن الإثارة ، لكن ليس بعد الآن !
ينحدر المشير عبد الرحمن حسن سوار الذهب من أسرة عريقة استوطنت مدينة أمدرمان ولها حي كامل يسمى السواراب نسبة لجدهم الكبير في حي ودنوماوي بامدرمان .
يعمل المشير سوار الذهب حاليا رئيسا لمنظمة الدعوة الإسلامية العالمية فرع الخرطوم وهو على علاقة وصداقة وثيقة مع السيد/ جعفر النميري الذي عاد إلى السودان وانشأ الحزب المايوي (قوى تحالف الشعب العاملة ) . والمشير هو من الزوار القلائل الذين يزورون السيد/ جعفر النميري الذي يعاني من الشيخوخة وأمراض القلب . كأن الحياة السياسية تفرق والهموم الاجتماعية توحد .
في عام 1987 كنت في عمان انهي إجراءات تأشيرة العمل لدى السفارة السعودية للسفر إلى السعودية . تصفحت جريدة الرأي الصادرة في عمان كما هي عادتي السيئة في قراءة الجرائد العربية لترميم الوعي بزيادة الألم فقرأت عنوان كبير في أول الصفحة " سوار الذهب يتجول في فندق الانتركونتننال" . فقد كان في زيارة للأردن . علمت لاحقا أن المشير سوار الذهب كان خريج الكلية العسكرية في الأردن لان النظام العسكري في الأردن والسودان يتبعان النظام العسكري البريطاني . أثار هذه العنوان الرغبة لدي لمقابلة هذا الإنسان الذي قاد انتفاضة شعبية عسكرية في 6/4/1985 ضد الرئيس جعفر النميري ونجح الانقلاب عندما كان السيد جعفر النميري في ذلك التاريخ في زيارة خارجية لأمريكا للعلاج وقامت انتفاضة شعبية ضده وكان المشير سوار الذهب قائد القوات المسلحة السودانية ووزير الدفاع فأمر الجيش بعدم التدخل لكنه وحقنا للدماء استولى على السلطة الحاكمة بالإكراه وابعد السيد جعفر النميري عن الحكم . إذ انضمت كافة قطاعات الجيش السوداني للانتفاضة الشعبية ورُشح المشير سوار الذهب بان يكون رئيس البلاد لأنه أعلى سلطة بعد رئيس الجمهورية . في البدء رفض المشير سوار الذهب أن يكون رئيس البلاد لأنه اقسم يمين الولاء للرئيس جعفر النميري فجاءت الفتوى الشرعية أن مصلحة الشعب فوق سلطة ومصلحة رئيس الجمهورية وان تحلله من يمين الولاء يكون بالصوم ثلاثة أيام . وقد القى المشير سوار الذهب بيانه الأول وهو صائم : " يا أبناء الشعب السوداني الأبي نوموا (ناموا ) وأعينكم يقظة . وأوضح بأنه قرر الانحياز للشعب السوداني والاستيلاء على السلطة وتكوين مجلس عسكري انتقالي مؤقت (كان هذا شرطة الأساسي لتولي رئاسة البلاد ) برئاسته ومجلس وزراء من المدنيين ورؤساء النقابات المهنية " ووعد الشعب السوداني بالتنحي عن السلطة بعد عام وإجراء انتخابات حرة ليختار الشعب السوداني قيادته برغبته . وقد شكل مجلس الوزراء مكون من 12 وزيرا من رؤساء نقباء المهن المنتخبين . فاختار نقيب الأطباء السيد/ الجزولي دفع الله رئيسا للوزراء ونقيب المحامين السيد/ عمر عبد العاطي وزيرا للعدل ( النائب العالم ) . واختار وكيل وزارة المالية المتقاعد السيد /سيد احمد وزيرا للتجارة . أما كبير الدبلوماسيين الموجود على رأس العمل بدون انتماء حزبي السيد/ ابراهم طه أيوب فوزيرا للخارجية . واختار ............... . وقد مدد فترة العام لعام آخر لتسليم السلطة للشعب السوداني وكانت نتيجة الانتخابات الديمقراطية أن فاز حزب الأمة بأغلبية الأصوات في البرلمان السوداني مما أهله بتشكيل الحكومة من حزب الأمة برئاسة رئيس الوزراء السيد/الصادق المهدي مع حزب الاتحاد الديمقراطي. أما رئيس الجمهورية فكان السيد/ احمد علي المرغني وهو من الحزب الاتحاد الديمقراطي .
وللتغني بالانتفاضة الشعبية السودانية جاء مطلع نشيد الانتفاضة:
في اليوم السادس من أبريل
تم النصر والتحرير
جددناك يا أكتوبر في ابريل
بعزم أكيد وعهد جديد
تلاحم جيش وشعب أصيل
مواكب هادرة وهتافات ديمقراطية في التعبير
وحدة جيش وشعب أصيل
مارس ماسك كتف ابريل
أعظم شعب وأعظم جيل
في العام الذي استلم المشير سوار الذهب حكم السودان بدل جعفر النميري كنت أتابع دراستي العليا في بريطانيا وكنت على علاقة وثيقة مع بعض أعضاء حزب الأمة السوداني الذين كانوا طلبة يتابعوا دراستهم العليا في بريطانيا ويتمتعون باللجوء السياسي فيها ومنهم السيد/ عصام الرَّيح إذ قدمني للسيد/ محمد عبد الجواد وزير الداخلية الأسبق عن حزب الوطني الاتحادي الذي كان يشرف على إصدار مجلة أسبوعية من لندن تحت عنوان " الدستور" والتي كان عدد مجلس ادارتها ثلاثة اثنان من حزب البعث العراقي والثالث من حزب الأمة السوداني . وقد كان رأيي أن ما حصل من انقلاب في السودان هو تبديل قبعات وان الذي يبدل القبعات والرؤوس هي أمريكا حسب مصالحها لكن تبين أن المشير سوار الذهب قد بر بوعده بتسليم السلطة طواعية عبر انتخابات ديمقراطية .
لم يصدق أعضاء الأحزاب السودانية أن المشير سوار الذهب سيبر بوعده كما لم يُصدق السياسيين وعامة الناس العرب ومنهم الداعي لكم بطول العمر والمتخصصين وجهابذة السياسة العربية ما قدمه المشير سوار الذهب من وعد . حتى أن جون كرنج علق بقوله :" انه ليس بمرغم على احترام ديمقراطية سوار الذهب "، إذ أجمعت غالبية الآراء أن إطلاق مثل هذا الوعد هو لذر الرماد في العيون ، كما اعتدنا أن يفعل أي رئيس عربي. إذ من سيحاسب الرئيس إذا اخلف وعده . . هكذا هي السياسة العربية ممارسة الأمور المكدرة وإطلاق قذائف الكذب من المسئولين على المواطنين لان المحاسبة لا تأتي من العامة المشغولة بكسب رغيف الخبز . وبقي السؤال لدي : " لماذا فعل ذلك ؟ " أي كيف له أن يكون صادقا ؟ وبقي هذا السؤال يلح على تفكيري دون جواب لأن البحث عن رئيس دولة عربية صادق كمن يبحث عن حصان عربي أصيل يعود نسبة إلى فصيلة احد الخيول العربية من أحفاد الابجر والاجدل أو فرس أبي طلحة المسمى المندوب والذي قال فيه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " وإنا وجدناه لبحرا " .
بعد قراءتي ما جاء في الجريدة جاءت فرصة الإجابة على السؤال . تذكرت أنني قبل ثلاثة أيام كنت في القدس وأحضرت معي من أسواقها الشعبية علّاقة مفاتيح تذكار لي من المدينة أحمله في ترحالي وسفري وأنا متوجه إلى مدينة الرياض وهي على شكل مفتاح نحاسي بطول 25سم يعلق على الجدار أو خلف الباب بسلسلة نحاسية . قلت أن هذا التذكار هو أنسب هدية أقدمها للمشير سوار الذهب ، مع عدم معرفتي به سابقا ، تعبيرا عن احترامي وتقديري لشخصه الكريم لما فعله ولما تربطني مع الأخوة السودانيين من صلات الصداقة والحب . ركبت التاكسي متوجها إلى فندق الانتركونتننتال لمقابلة المشير سوار الذهب وتوجهت مباشرة إلى قسم الاستقبال في الفندق مخاطبا موظف الاستقبال :" أريد أن أقابل سوار الذهب ؟"
موظف الاستقبال : يم سوار حاف ؟ ( أي يجب أن أحافظ على المسميات والألقاب )
يوسف : السيد/ سوار الذهب .
موظف الاستقبال : هو صديقك ؟
يوسف : لم أقابله من قبل ؟
موظف الاستقبال : من أين قادم ؟
يوسف : من الضفة الغربية .
موظف الاستقبال : كيف عرفت انه موجود في الفندق ؟
يوسف : من جريدة الرأي .
موظف الاستقبال : تفضل انتظر في صالة الانتظار .
جلست أنتظر في ركن منزو في بهو الفندق حوالي نصف ساعة أزجيتها في تصفح المجلات والجرائد . فجأة لمحت شخصان قادمان نحوي لكني تجاهلتهما فتوقف احدهما وتابع الآخر خطواته نحوي وكان أصلع من وسط رأسه إذ كانت صلعته تُنَصِّف رأسه كشارع أملس يحف به من الجانبان عشب النجيل ، وهو متوسط القامة يرتدي قميص نصف كم مشجر وبنطال قماش لون اسود ويلبس نظارات سوداء ويعلق نظارة أخرى على الجيب الأيمن لبنطاله فأدركت ( بكل صعوبة ) أنه من المخابرات . خلع نظاراته لكنها بقيت معلقة على رقبته بخيط اسود ووضع نظارات الجيب البيضاء .
الشخص : قال بدك تقابل السيد/ سوار الذهب ؟
يوسف : نعم . أريد مقابلته .
الشخص : شو السبب .
يوسف : حب معرفة وتعارف .
الشخص : هل تمثل جهة معينة ؟
يوسف : لا امثل إلا نفسي .
الشخص : ومن أين جئت ؟
يوسف : من مدينة جنين .
الشخص : مغلب حالك جاي تشوفه ؟
يوسف : ممنوع أشوفه ؟
الشخص : مش ممنوع . معك إثبات شخصية ؟
يوسف : جواز السفر. تفضل .
الشخص : شو تحب تشرب ؟
يوسف : شاي .
الشخص متفحصا أوراق جواز السفر : انتظر هنا .
تراجع وهو يحمل جواز سفري وأشار بيده للشخص الآخر بان يتبعه وغابا حوالي ربع ساعة وعادا وقال الشخص الأصلع لي بعد أن أعاد لي جواز سفري :" تفضل اذهب للطابق السادس جناح رقم خمسة . استخدم ذاك المصعد " .
كان المشير سوار الذهب في استقبالي حوالي الساعة الحادية عشر والربع صباحا . صافحته . هش وبش لي وهو رجل شعبي بسيط يسهل تقبله ومتواضع مما يزيد في محبته ورفعته في النفس . قادني إلى غرفة الاستقبال وهو يرحب بي ثم جاءنا ابنيه محمد واحمد يحمل كأسا من عصير البرتقال .
قدمت نفسي له وشرحت له أن سبب مقابلتي له هو ما صنعه بالتخلي عن السلطة اختياريا مما يثير إما الإعجاب به أو الشكوك حوله لعدم اعتياد المواطن العربي على الاستثناء الايجابي بخاصة في عالم السياسة والحكم إذ يعد هذا العمل غير مألوف في العالم العربي الذي تحكمه الديكتاتوريات بمسميات مختلفة وكلها( تُعنى) كذبا بصالح المواطن العربي البئيس . وانه عندما تسلم السلطة كنت في بريطانيا واعتقدت ومع الجالية السودانية أن ما قام به هو عملية تبديل قبعات وأنني هنا للحصول منه على جواب لسؤالي واحد وهو " لماذا صنعت ما صنعت ؟" . تبسم وأجاب :" الأمر بسيط وهو أنني فضلت الخيار الديمقراطي لان الشعب السوداني لا يثق بالعسكر وأنني مهما كنت أحب وطني ومخلص له في أفكاري وأفعالي لن يتقبلوا ذلك طالما أنا بزي عسكري ولسوف يكون لي معارضين سياسيين وقد اضطر إلى سجن البعض ولو مؤقتا للحفاظ على أفكاري أو برنامجي الإصلاحي أو ما اعتقد به أنه صواب وما يتوجب عمله من اجل مصلحة الوطن وقد يُقتل البعض منهم ولست على استعداد لتحمل أثم القتل السياسي وهذا بسبب وجود فجوة من الثقة بين المواطن المدني ورجال العسكر وبما أنني لن أكون عند حسن ثقة المواطن أي أن هذا المواطن سينظر لي على أنني عدوه كدكتاتور عسكري لذا إن اسلم الحلول هي في التخلي عن السلطة كما وعدت لان الخيار الديمقراطي هو ما يتطلع إليه الشعب السوداني وأي شعب آخر وأي أخطاء ترتكب في الممارسة الديمقراطية ستكون اقل وأسرع إصلاحا من وجود حكم عسكري واني سأشارك بالبناء الديمقراطي مثل أي مواطن عادي " . هذا ما كان جوابه لي ببساطه . أليس قول الصدق وحبه للإنسان كقيمة من صنع الله وما صنعه للإنسان السوداني هو من تقوى الله ؟ . لن ادخل بتأويلات لمثل هذا السلوك ، مثل هل هذا السلوك يعبر عن ضعف سياسي ؟ أم أنه يعاني من زيادة في جرعة الضمير الإيماني بحيث زهد بالحكم ؟ أو أنه يجنح للسلام في حياته وفضل أن يسود السلام في مجتمعه السوداني بطريقة سلمية ؟ أو أنه كان يحلم بطريقته العسكرية الخاصة فوضع خطة عسكرية هجومية للقضاء على الدكتاتورية ووضع خطة الانسحاب الى الديمقراطية من أجل بقاء بلده لذا قبل بمنصب الرئاسة مؤقتا لما فيه رضا لله ورضا الناس أو .... أو ......
جاء وفد من النقابات الليبية كان في زيارة ودية للأردن للسلام على المشير سوار الذهب فأمضيت بعض الوقت معهم ثم استأذنت بالانصراف وقدمت الهدية له وتقبلها مشكورا .
لقد وعد الفريق سوار الذهب وأوفى . والمستحيل في عالم السياسة العربية غدا ممكنا . وأن عمل الكبار هذا جعل الكبير أشمخ . هذا مقطوع به . مؤكد . ليت المسئولين في الحكم لديهم ما في قلب المشير سوار الذهب من ضمير أيماني وحب تجاه شعوبهم ؟
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. جميل الحمداوي
- الزيارات: 9
شعرية الأبواب في ديوان رتاج المدائن
لمحمد البلبال بوغنيم
الدكتور جميل حمداوي
يعد محمد بلبال بوغنيم من الشعراء المغاربة المعاصرين الذين اهتموا كثيرا بشعرية الفضاء والأبواب والمدن و الماء بطريقة قائمة على التشخيص والأنسنة وتوظيف الصورة الرؤيا كما يتجلى ذلك واضحا في ديوانه الشعري الأول\" رتاج المدائن\" . ويعني هذا أن مبدعنا هو الشاعر الأول في أدبنا المعاصر الذي صور الأبواب وأقفالها على ضوء رؤية شاعرية فلسفية ومرجعية يتقاطع فيها ماهو ذاتي وما هو موضوعي. ويكفيه فخرا أن يكون من السباقين إلى ذلك أيضا في الشعر المغربي المعاصر بدون منازع. وقد رصد الشاعر في هذا الديوان الأول تجارب الأبواب بأفضيتها استقراء واستكشافا بريشة تشكيلية فنية تجمع بين الأصباغ اللونية الطبيعية والرموز الفنيةالأدبية. وقد كان الشاعر في ذلك مصورا ناجحا حيث ربط كل مدينة ببابها الدلالي ومعادلها الموضوعي. وبذلك يكون محمد بلبال بوغنيم من بين الشعراء الأوائل الذين خلقوا شاعرية الأبواب وساهموا في\" شعرنة\" فضاء المدن من خلال رؤية إيحائية تضمينية.إذا،ً ماهي دلالات الديوان؟ وماهي مرتكزاته الفنية والمرجعية والمناصية؟
1- المستوى المناصي:
صدر \"رتاج المدائن\" وهو أول ديوان شعري للمبدع المغربي محمد البلبال بوغنيم سنة 2001م عن مطبعة ويدان بتطوان في 120 صفحة من الحجم المتوسط. ويتبين لنا من خلال العنوان الخارجي أن الشاعر يشعرن الفضاء وأبوابه من خلال رؤى دلالية ومرجعية مختلفة بصياغة فنية وأدبية رائعة تشبه ماكتبه گاستون باشلارG.Bachelard عن جمالية الفضاء وعناصره الأربعة: الماء والهواء والنار والتراب في كتابه \"شعرية الفضاء\".
هذا، وقد أرفق الشاعر نصوصه الشعرية بمقتبسات نصية لشعراء مغاربة تضيء القصائد وتسعف القارئ على فهمها وتفسيرها وتأويلها . كما أرفقت بسياقاتها النصية التي تساهم في تفكيك القصيدة وتشريحها معنى ودلالة. وتم تصنيف الفهرس العنواني اعتمادا على الأبواب بمداخلها ومخارجها . وبذلك يكون هذا التصنيف تصنيفا فضائيا وتشكيليا في أبعاده السيميائية والشعرية. ويرد الإهداء في حلة رمزية تجريدية أساسها التجاذب الرومانسي العاطفي والتجريد الروحي العرفاني.
2- المستوى الدلالي:
للديوان الشعري الذي أبدعه محمد البلبال بوغنيم مدخل في شكل تقديم شعري معنون بالشهوة التي تؤشر على الرغبة الإيروسية التي تطبعها ملامح صوفية ورومانسية، ومخرج يكمن في باب السؤال في المعنى واللامعنى، وهنا يفلسف الشاعر الوجود بعوالمه الممكنة طارحا الأسئلة الذاتية والمصيرية.
يعلن الشاعر منذ بداية قصيدته أنه يدخل باب الحب والشهوة، ويبدو الشاعر
رومانسيا صوفيا من رأسه حتى أخمص قدميه يفلسف حبه المثالي وعشقه الروحي ويدعو حسناءه الجميلة إلى الانصهار في بوتقة الحب والجمال. ويذكرنا الشاعر بتجارب الشعراء الرومانسيين المهجريين وخاصة جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة. وتطغى النزعة الوجدانية على مدخل الحب والشهوة وتتقاطع مع التجربة الروحية العرفانية لتشكل رؤية الشاعر الانجذابية نحو الآخر/ الأنثى:
تعالي نبني عشا في الفضا
ننشر عطرا من ياسمين
في سمانا نرسم الغرام
لوحة تحكي حبنا المتين
كفانا شربا من تباريح
الجوى هلمي فالقلب سجين
سنكتب النيازك أحرفا
حتى لو كان كلامنا أنين
حبنا غيث سامق يروي
جنان أهل المتون السامعين
ويتحول الحب في قصيدة \" سيدة المنافي\" إلى تجربة وجدانية ذاتية وروحية حيث ينتقل الحب من رمز وجداني مثالي إلى رمز عرفاني ثم إلى رمز مكاني حميمي:
سيدتي
كوني مراياي
ودعيني أصغي
لماء جدولك الحجري
دعيني،
أصغي إلى أجمل آية فيك،
ماعشقت غيرك،
ولا أخفيت عليك،
سرا من الإسرار،
يا سيدتي يا سيدة المنافي.
ويصبح الماء عند الشاعر ميسما طاغيا على غرار مائيات الشاعرين المغربيين: محمد الأشعري وجمال أزراغيد. ويرمز الماء في الديوان إلى الخصوبة والنماء والصفاء والانشراح النفسي،وهو كذلك رمز للحياة والتحدي والصمود والمقاومة وتحرير الإنسان من شرنقة العبودية وتطهيره من الغل والحقد. ويتجسد هذا الماء في النضال البشري والمقاومة العربية للطغاة الصهاينة المتغطرسين الذين يتعطشون إلى إسالة دم الأبرياء من أطفال ونساء وضعفاء. ويتحول محمد الدرة وعرفات والمسيح إلى رموز مائية تحيل على أسطورة الموت والانبعاث التي تحدثت عنها الناقدة ريتا عوض لدى
الشعراء التموزيين أمثال: أدونيس وخليل الحاوي وبدر شاكر السياب:
إن الماء مشاكس فارحموه،
يا شهر الماء قلت لي يوما
الماء جيشنا والنار أبراج تعلو الفضاء،
قلت لك الماء ماؤنا ولو استطعت أعدت ترميمك وترتيبك،
فكيف تخزن ماءك في الماء؟
سأعيد ترميمك أيها الماء
كيف لا يحررك كل هذا الهواء؟
كيف لا ومحمد وصمة عار في جبين كل الأوفياء
في وطن بين الماء والماء،
وفي قصيدة \" باب الرقراق\" يصور الشاعر معاناته المأساوية وإحساسه بالاغتراب الذاتي والمكاني وتجسيد فواجع الإنسان من فقر وضياع وتآكل الوطن بين أنياب الرياح والعويل. أي إن باب أبي رقراق بنهره الغامر هو باب الغربة والحزن والضياع:
لن يرو خرير مائك ظمأ أحزان ضحكاتي،
غربة ابتساماتي
وأحلام فقرائي،
اخترقت مداك في المدى
وهاته غربتي
مهرا
إذا عسعس الليل الشبقي
ضاعت آفاقي
نهر الرقراق يا شفرة شعري
يامرآة قمري، ونجماتي،
على ماءك السلام
وفي قصيدة \" باب سلا \" يحضر الخطاب الصوفي من خلال التقاء الذات العاشقة بالذات المعشوقة ليتحقق بعد ذلك الوصال من خلال ميل الشاعر ولهانا وحضرة إلى الجمال القدسي والسر الأبدي:
حين ناولتني
تحت المحراب
قيثارة،
معطف مطر،
رسمت على خدي
لون خاتم أحمر،
كانت فوهة جمال
تزحف نحوي،
تباغتني
تلملمني قدر،
تلحن ركض خيل
سمفونيات عشق
تنساب هيفاء حوراء،
جذور حفيف الشجر
حرارة بقداسة السر،
تمتشق بريق حرقتي،
ترشفني كؤوس شاي،
وتجافيني عيونا سفر.
وتتجسد تجليات الرؤية الصوفية من خلال استحضار الجمال الرباني والتجلي الإلهي في قصيدته الرائعة( وصايا مجدلية):
لأشجارك دموعها،
وللجبال شموخها،
الله طرز الدنيا،
شق السماء،
لاح ضياء الفجر والشمس غسقا شفقا
وبنى هيكلا
تأملته المجدلية فلاح بصرها رأس الجسد:
صاحت: تعلم الخروج من الأشياء التي لاتأتيك من دأب
واستلهم الانسياب
قبل موسم العبور من لغتك الجميلة
من غبش الفجر الطاهر وأحلام
العذارى، أوصد باب الامتشاق من
عدم
وافتح صدرك للثريا،
لطيور الشعر حلقت فوق عرائش السرو
تنادي ألق الأمواج،
وتختفي بك موالا خالدا للصبايا/ الوطن
ومن \" باب التصوف\" إلى\" باب تطوان\" حيث البحر والأحلام والاشتياق والإخفاق والصمت والموت والخوف. هناك نجد الشاعر يتلذذ بالذكريات والسهرات الماجنة، وتتداخل في ذاكرته تقاطيع الذات وآلام تطوان الحمامة واغتراب الوطن:
باغتتني دهشة تطوان الحمامة
تلعق من نبيذ الآخر، تتألم،
آه يا وطني:
أحبك في البداية والنهاية،
كيف لا تدخل نيمبا
وكيف لا تتعلم ظبى سيرينيا
خبرني كيف لا والوطن
لا يرى ضوء الشمس
سوى في الذكرى المذبوحة
على صلبان الأحلام؟
وفي\" باب الرباط\" تحضر المدينة باعتبارها فضاء للخطيئة والأحلام الشبقية والحاضر اللاهب المشتعل الذي يتحول إلى سراب وتراب يحف الشاعر ويحضنه. كما يميل الشاعر إلى فتنة المدينة وغواية أطلالها الجميلة؛ ولكنه يلعن فيها زمن الرداءة ووقت الهشاشة:
الأبواب تنسج حلما شبق،
مشرعة تلتصق،
بشاشات شموس تحترق،
لا نجم لاحت لفها الأفق،
في رباطك...في جأشك،
احتفالات كالخطيئة
ترسم لغة حاضر لاهب،
تبني أبواب مستقبل
يأسر خيالات في مدى
ينأى عن الذكرى،
يحمل تلاويني....
ليكتب جمالا طللها لكل
اسم متموج يقارب
النور الذي يزرعني موالا في
مداك يسقطني لغة، بلا كلمات
ينثرني سرابا/ترابا
وفي \" باب فلسطين\" تتمظهر شاعرية المقاومة والنضال بالكتابة والدم الذي يفضح زيف السلام والمفاوضات اللامتناهية العدد . وينسج محمد الدرة الأمل الفلسطيني والكفاح المستميت ويفتح باب الاستشهاد الأحمر ليرسم صموده المقاوم في وجه الجبروت والاستعباد والسحاب الأسود. ويسخر الشاعر كثيرا بسلام الغمام وترهات المفاوضات التي تعد بالسراب الأخضر وخيبة الأمل:
دم يسيل على دم
دمك مباح أحمد
لري أشجار
تولد من جديد،
شعرنا يكتب بالدم،
دمنا يرسم الخرائط،
في شوارع المدينة،
جسدك صار خندقا
صدرك متراسا
ودمك رشاشا،
دم سال للعالم،
قال: لن أضيع،
سأصب في وديان بلادي
حتى تهدأ الحقيقة.
دم ثار/طار
رش أعداء السلام
خنق رجال الكلام
يادمي؟
ماذا نخسر غير الدم؟
وفي \" باب البصرة \" ينعى الشاعر العراق ويرثي بغداد التي أصابها الضياع والدمار والخراب ، ونخرها الداء والجوع والانهيار ليثور على العرب الذين لاقلب لهم ولا شعور ولا ضمير يؤججهم أو يحركهم حيال فاجعة العراق وصد الطغيان التتري الغربي الغاشم:
أشتد غيظا
حين أرى أطفال العراق
بلا خبز ولا دواء
ياعرب،
للعين فيكم خجل،
وللقلب فيكم وجع،
وفي بغداد،
أصاب اللذان شملاك ما أصابا،
فليتك تسمو،
وأنت الآن خرابا.
ويرسم الشاعر في\" باب تيفلت\" صورة الحزن والحلكة الظالمة؛ لأن المدينة لا تلبس سوى حلة الفقر و النسيان و سربال التهميش والضياع والازدراء والعري :
آه لو يسمعني سمعي
لو يندثر الخسوف
يأتي من عقاربه
أملي،
يسحب الحلكة الضاربة
في موجي
من يدري؟
يغمرني الإبحار
ولا أنتهي إلا في بطن
تلك العشماء،
أسبح فيها
عراء متمردا،
لا تكلوني لهم
لا
احسبوني
نسيا منسيا،
إني أترقب
الشغب في خطاياكم
أنا مشهد يرشف سوره
من دمكم المسفوح
على جدائل كرومكم
سحاب أحزانكم.
أمن دبيب الذبح
أتألق تاجا
ويعزف الشاعر أنشودة الأسر و النفي والحضور والغياب في \"باب شفشاون\" حيث تتحول المدينة بالنسبة للشاعر إلى مدينة اليباب والجفاف والصمت اللاهب والقمم الشامخة الحبلى بالأسرار الدفينة والآلام الحزينة:
دخلت أبوابك،
تلاحظني ذرى القمم
السائرة نحو الغمام،
تسير نحو أبوابها
لتفضح معاني الأشياء،
تصفعني ذكرياتي، أتألم.
وتبدو مدينة الدار البيضاء في\" باب البيضاء\" فضاء للتناقضات ومهوى الخطيئة ومطرح الرذيلة تحترق لتولد من جديد كمدينة خليل حاوي ومدينة أدونيس التي تحترق لتولد من جديد:
علمتني كيف أحفر
لغة الكلمات المتناسلة
عبر الغوص في حللك،
أنا شفرتك التي لا تنتنهي
أنا موالك الآثم
فاغفري خطيئتي،
اشنقي فناجين الساجدين.....الجالسين
على عري أزمنة حانات المدينة
مساجدها وكنائسها،
من يدري؟
قد تبعثين
أو تولدين من جديد
وينتهي الديوان بطرح قضية السؤال والسعي الجاد نحو اقتناص المعنى ورصده عبر الإدراك الأنطولوجي والاختلاف والبحث أيضا عن اللامعنى الوجودي واللاوجودي. كما يثور الشاعر على الإنسان الذي يصبح لقمة سائغة على طبق المفاوضات والتسويفات المتقادمة.
3- المستوى الفنــــي:
يستند الشاعر محمد بلبال بوغنيم في ديوانه الشعري \" رتاج المدائن\" إلى
الشعر المنثور أو شعر الانكسار كما أسميه؛ لأنه يكسر كل القوالب الفنية
والمعايير الشعرية الخليلية المعهودة، ويتمرد عن كل مقومات الشعر العمودي وشعر التفعيلة. إلا أن هذا الشعر مازال يستعير أدوات الشعر التفعيلي من توظيف الأسطر والجمل الشعرية والتدوير والتحرر من صرامة الوزن والتحرر من القافية والوزن.
وقد أحسن الشاعر توظيف القصيدة النثرية؛ لأنه استطاع التخلص بمقدرته الفنية الرائعة وموهبته الإيقاعية الفطرية من إسار التقريرية المباشرة والنثرية الجافة عبر استخدام قناة شعرية موحية قائمة على التشخيص والأنسنة والتجسيد من بداية الديوان حتى منتهاه. ولم يسقط الشاعر في النثرية الفجة إلا في حالات قليلة جدا كما في المثال التالي:
كيف
نصاغ أطباقا
كالأكلات
على مائدات المفاوضات؟
نؤكل طعاما شهيا
بالسكاكين والفرشاة؟
نقذف أوراقا، قوانين
كالعظات؟
هل تقبلون أيها المتفاوضون؟
ويعني هذا أن الشاعر يتمكن من لغة المجاز وصورة الانزياح، لذلك حول قصائده الشعرية إلى صور تشخيصية ورموز إحالية ودوال مجازية من الصعب تفكيكها وتأويلها بسبب جنوح الشاعر إلى عالم الإغراب والغموض الفني والإبهام الجمالي. كما ساهمت الرمزية لدى الشاعر في تحقيق الوظيفة الشعرية من خلال انتهاك المحور الاستبدالي وتخريب المحور التركيبي لإثراء الوظيفة الجمالية وتوفير الخاصية الشاعرية .
ومن يتأمل قصائد الديوان فسيجد أنها ركبت في شكل أبواب ومدخلات ومخرجات، وهذه طريقة إبداعية رائعة تذكرنا بالفن التشكيلي التزييني الذي يهتم بزخرفة الأبواب ورصد جماليتها في مداخل المدن. بيد أن هذه الأبواب لايقف الشاعر عند مظهرها الخارجي الزخرفي ، بل يستقرىء شاعريتها المجازية في علاقتها بالإنسان والذات.
أي إن الشاعر يشعرن الأبواب والمدن في أبعادها الفنية والمرجعية بمقوماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وتتسم قصائد الديوان بالاتساق والانسجام والوحدة العضوية والموضوعية. وقد أضفى العنوان الخارجي والعناوين الخارجية على الديوان وحدة دلالية تتمثل في وحدة الفضاء المديني وأبوابه التي تتخذ أبعادا رمزية وسيميائية ودلالية. ويفهم من قولنا هذا إن الشاعر يقارب المدن والأفضية المكانية من خلال أبوابها في مظهرها الخارجي الديكوري التزييني ومظهرها الجواني الروحي. وقد وجدنا أن الدخول إلى المرأة وعوالمها الرومانسية قد تم من باب الحب والشهوة. وقد لاحظنا أيضا تعدد الأبواب فهناك: باب التصوف، وباب الحب، وباب الاغتراب، وباب الحزن، وباب المقاومة، وباب اليباب، وباب السراب. وكل مدينة ترتبط بباب معين دلاليا ويفسرها دلاليا ومجازيا بمعطيات ذاتية وموضوعية. كأن الشاعر يماثل بين الباب الشعري وواقعه المرجعي من خلال عمليتي الفهم والتفسير الگولدماني.
وتعويضا للانكسار الإيقاعي الخارجي، يلتجئ الشاعر إلى الإيقاع الداخلي ليثريه بالتوازي والتكرار والترادف والمماثلة الصوتية والموازنة اللفظية والتركيبية.
ونجد الشاعر في بعض الأحيان يحرص على القافية الخارجية والروي الموحد والقافية المقيدة بالسكون وخاصة ذات الحركات المترادفة :
كل العيون لا تكفي
لجمع غناء العناكب مع الهواء
في وطن ما بين الماء والماء،
لذة تقرؤني،
ترميني،
للأشياء،
للأشلاء،
صحت في الماء،
في الهواء،
في النار،
في الريح:
في رتاج المسجد إيوان
يحكي صولة الملوك
أوردة بائع الصكوك
وأحلام الفقراء في أروقة شوارعك حزينة،
ياقدري،
يا ليلة الصقيع المحال،
ياهموم عشاق الأطلال،
ياعتمة في سدرة الأعالي
تعالي،
تعالي نشرب الحكي سويا،
نلعن شيطان الظلام،
نسكن حلم المتوكل نعبر النهر
بقارب من ورق البردي
أو قصائد الشعر، نحو ضفة اليمام/ ساحة الحمام والأحلام
من خلال هذا المقطع الشعري، يتبين لنا أن الشاعر يحرص جيدا على \"موسقة\"
قصائده وإثرائها نغميا من خلال استعمال حروف المد والأصوات المتشابهة من حيث المخارج الصوتية كتشغيله الميم واللام...والجناس الصوتي( الحمام
واليمام )،والركون إلى الاختلاف الإيقاعي لخلق انسجام صوتي وموسيقي يتجاوب مع جو القصائد وسياقاتها الذاتية والموضوعية.
ويهيمن معجم الطبيعة على الديوان الذي يتقاطع مع معجم المكان والذات لبلورة انصهار فني رمزي يحيل على التجاذب والصراع الجدلي. وتحضر لغة الطبيعة باعتبارها دالا سيميولوجيا يؤشر على ولهان الشاعر بالأبواب وأفضية المدن وأقفالها ومداخلها ومخارجها التي بواسطتها يقرأ الشاعر دلالات المدينة روحا ومظهرا. كما تتسم لغة الشاعر بالانزياح والشاعرية والرمزية والأسطرة والإغراب المجازي والابتعاد عن النثرية والتقريرية المباشرة والانسياق وراء التداعي التشخيصي وأقنعة التضمين والإحالة والتناص. كما ينبني التعبير الشعري على التبئير الدلالي للأبواب وتفريع الوحدة الشعرية الدلالية المركزية إلى وحدات تبويبية فرعية وعناوين مقطيعية تساهم في تشبيك المقصديات وتحبيك العقد الشعرية الغنائية.
ويستعين الشاعر بأساليب الإنشاء والوظيفة الإيحائية كالنفي(( لا يحسد الحجر شجر اللوز)، والنداء الذي يفيد التحسر والتوجع والاستحالة من تحقيق المبتغى الوجودي للذات الشاعرة اليائسة:
ياليلة الصقيع المحال
ياهموم عشاق الأطلال
ياعتمة في سدرة الأعالي.
كما يوظف الشاعر الأمر( تعالي ) للدلالة على التمني والحلم اللاممكن، علاوة على استعماله للاسترسال الأسلوبي و الانسياب الجملي تركيبا ونظما:
تعالي،
تعالي نشرب الحكي سويا،
نلعن شيطان الظلام،
نسكن حلم المتوكل
نعبر النهر
بقارب من ورق البردي
أو قصائد الشعر
ويحضر الاستفهام كثيرا في ديوان الشعر وينسج أسئلة مصيرية ووجودية:
قلت لك الماء ماؤنا ولو استطعت أعدت ترميمك وترتيبك،
فكيف تخزن ماءك في الماء؟
سأعيد ترميمك أيها الماء
كيف لا يحررك كل هذا الهواء؟
كيف لا ومحمد وصمة عار في جبين كل الأوفياء
في وطن بين الماء والماء،
كما يكثر الشاعر من الجمل الفعلية الدالة على الحركية والتوتر الدينامي
والحدثية الدرامية والفعل التساؤلي، ولكنه لم ينس توظيف الجمل الاسمية الدالة على الإثبات والتأكيد والتقرير.
وبلاغيا، يرتكز الشاعر على صور المشابهة ( التشبيه والاستعارة) وصور
المجاورة( الكناية والمجاز المرسل)، والصورة الرؤيا(الرمز والأسطورة)، والصورة التناصية القائمة على المستنسخات الإحالية. وتمتاز هذه الصور بعدة خاصيات كالمجازية والانزياح والشاعرية والتجريد والخرق الانتهاك والغموض والتشخيص والأنسنة الإحيائية والتضمين الإيحائي والترميز والأسطرة( أسطورة العنقاء الدالة على الموت والانبعاث). كما يساهم الالتفات التداولي في تنويع الضمائر حسب السياقات الظرفية والنصية والمقصديات المبتغاة. وتحضر الخطابات التناصية كالخطاب الصوفي والخطاب الرومانسي والخطاب التشكيلي والخطاب السياسي والخطاب الأدبي من خلال استدعاء مجموعة من الشعراء كعبد الله راجع ومحمد علي الرباوي وعلال الحجام وعبد القادر وساط وحسن نجمي ومحمد الاشعري...
وسنذكر مثالا واحدا من أمثلة عديدة لا تعد ولا تحصى من صور الرؤيا والتشخيص الرمزي والمجازي التي تضفي على الديوان جمالية رائعة قوامها الغرابة والانزياح:
أيها العدم،
في يومك الحامي،
خلف باب القناديل المضيئة
أشعلت دهشتي كأوجاع الظنون،
كسرت فانوسي كبروق الذكرى،
ترى ماذا عزفت لي كمانك الظمأى...ماذا؟
غير بقايا حريق غير بروق وامضة....ماذا؟
غير بقايا حريق غير بروق وامضة...ماذا؟
ها رجعت أسراب السحاب تلملم دهشتي
وتنحت شكل فراشات
فتكبو فرسي وتمشي ...تمشي...
تمشي في السراب موالا لا يحميني
ولا يحتمل روحي نخلة أو راية بشارة
تمور ولا تدور
خلاصـــــة تركيبيـــة:
نستشف من خلال قراءتنا المتواضعة، أن الشاعر المتوهج والمتميز محمد البلبال بوغنيم من رواد القصيدة النثرية في الشعر المغربي المعاصر بناء وصياغة وتشكيلا.
وقد أحسن حياكة إيقاعها ونسج ألفاظها وإبداع صورها الشعرية. وهو كذلك أول من عبر عن أبواب المدن في الشعر العربي بطريقة شاعرية يتقاطع فيها ماهو ذاتي وموضوعي ، كما يتداخل فيها ماهو تشكيلي وماهو دلالي سيميائي. هذا، وقد تناول الشاعر فضاء المدينة من خلال أبعادها الموضوعاتية ومرجعياتها الخارجية منتقلا من الهموم الذاتية والوطنية ليسبح في عوالم قومية وإنسانية مشيدا بالحب والحرية والعدالة وحقوق الإنسان والسلام الحقيقي متأرجحا بين أنشودتي الاغتراب والنفي وأنشودة الأحلام والأمل المعسول.
وقد نجح الشاعر أيما نجاح عندما أخرج تجربته النثرية الانكسارية من طابع
التقريرية المباشرة إلى عالم فني جمالي رائع من عناصره التشخيص والإيحاء
والشاعرية الموحية والتجريد الرمزي والتشكيل الفني الذي يجمع بين المعطى المادي والمعطى الروحي الجواني.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: نبيل عودة
- الزيارات: 8
مسرح الميدان في قفزة مسرحية نوعية ومثيرة
مسرحة حياة شاعرة فلسطين فدوى طوقان
بقلم: نبيل عودة
اختتم مسرح الميدان نشاطه للعام 2006 بتقديم مسرحية "غيوم في رحلة جبلية " وهي مسرحية مقتبسة من السيرة الذاتية للشاعرة الفلسطينية الرائعة والخالدة فدوى طوقان .
اعترف اني استصعبت في البداية الدخول في حمى الكتابة عن هذه المسرحية .. ولكن مجرد التفكير الجريء بمسرحة سيرة حياة .. يعتبر تحديا ثقافيا خطيرا بحد ذاته .. فكيف بسيرة حياة شاعرة فلسطينية عاشت في اصعب فترة زمنية هي الأكثر حراجة في التاريخ الفلسطيني ، ليس سياسيا فحسب ، انما اجتماعيا وحضاريا ايضا ، وهذا يبرز بقوة في الرحلة الجبلية - السيزيفية ( سيزيف بطل اغريقي حكمت علية الألهة برفع صخرة الى قمة جبل ، وان تسقط الصخرة منه كلما بلغ قمة الجبل ليعود يرفعها من جديد .. الى ما لا نهاية ) الرحلة الحياتية الصعبة للشاعرة - لان الشاعرة التي ارتبطت بقضايا شعبها وتثقفت في المدرسة الأدبية الوطنية للشاعر ابراهيم طوقان ( أخ الشاعرة الذي اخذ على عاتقه انقاذ شقيقته فدوى من العقلية القبلية التي فرضت عليها الانقطاع عن التعليم والسجن المنزلي ) وهو ابرز شعراء فلسطين على الاطلاق .. ونرى ان عزل فدوى وحجبها في المنزل ، فتح امامها ابواب ثقافية حدودها السماء .. واعطى للأدب الفلسطيني خصوصا ، والأدب العربي عامة ، احدى ابرز وأهم شاعراته .. ليس بأدبها فحسب ، انما بمواقفها المتحدية لحجب المرأة الاجتماعي والثقافي والتعليمي ولدورها السياسي ايضا . من هنا ارتبطت من كلماتها الاولى بقضايا مجتمعها ومكانة المرأة ودورها في المجتمع المحافظ لدرجة الانغلاق وقبر الأنثى - وأدها في البيت ، وقهرها ... في مجتمع سيطرت عليه العصبية القبلية والجاهلية الفكرية .. ولكن اللبوءة التي تثقفت في مدرسة ابراهيم طوقان كسرت القيد وانتفضت بقوة وصلابة .. لتعطي للمرأة الفلسطينية ، والمرأة العربية عامة .. مكانها النضالي والأدبي والانساني ..
ما حققته فدوى يعتبر تحديا للمستحيل .. أقرأوا ما كتبته في رحلتها الصعبة ليأخذ القارئ ، الذي لم يقرأ سيرة فدوى الذاتية ، صورة عما نتحدث عنه : وكما يحدث في نطاق المجتمع حيث تكون الرقابة المستبدة والقمع والقهر سببا في خلق بنية تتركب من ثنائية الخضوع والتمرد معا, كذلك يحدث في نطاق الأفراد. في هذا البيت وبين جدرانه العالية التي تحجب كل العالم الخارجي عن جماعة الحريم الموءودة فيه انسحقت طفولتي وصباي وجزء غير قليل من شبابي .".
ليس من السهل مسرحة السير الذاتية لأنها على الأغلب تفتقد للمركبات المسرحية المعتادة .. وهذا التحدي الجريء الذي أخذته الكاتبة والمخرجة اورنا عقاد على نفسها .. أعترف انه دفعني ثقافيا على الأقل لطرح انطباعي عن هذا العمل الثقافي الحضاري المميز ، والذي اعتبره قفزة نوعية ثقافية ، يجب رعايتها وتطويرها .. وآمل ان لاتذهب دعوتي ادراج الرياح ، كما هو الحال في كل مل يتعلق بحياتنا الثقافية .. المهملة من مؤسساتنا الرسمية والشعبية .. مع الأسف .. مع الأسف ... ولشدة المهزلة !!
حقا فدوى طوقان نموذج حي للشجاعة والصلابة في تحدي التقاليد البالية للمجتمعات العربية .. وفي مواجهة القهر والكبت الذكوري المتخلف ، وفي رفع لواء التحرر العقلي للمجتمع ، وتعاضد المرأة والرجل في سبيل حياة أفضل .. بل وفي سبيل انجاز مهام الشعب الفلسطيني الوطنية بالتحرر وبناء دولته المستقلة .
مذكرات فدوى طوقان اعتبرت من اجمل واروع السير الذاتية في الادب العربي ووضعها بعض النقاد العرب بمستوى كتاب " الأيام " - سيرة عميد الأدب العربي طه حسين ، وبمستوى " زهرة العمر" لتوفيق الحكيم ...
آمل ان أكون قد اعطيت القارئ ، او المشاهد للمسرحية ، فكرة عامة عن أجواء هذا العمل الثقافي المميز ...
كان اسهل لي ان اكتب عن المسرحية مباشرة .. ولكنها ستكون كتابة غبية تفتقد للمسؤولية الأدبية – الثقافية . وانا لست ممن يبحثون عن تعبئة الفراغات في الصحف .
كنت اتوق لقراءة النص المسرحي الذي أعدته المخرجة الجريئة اورنا عقاد .. وأقول جريئة بدون مبالغة ، لأن التحدي الذي أخذته على عاتقها صعب بصعوبة رحلة فدوى الجبلية ..
يقوم ببطولة المسرحية الفنانتان سلوى نقارة وسناء لهب بمرافقة العازف والمغني البير مرعب .. سلوى بالأساس تجسم شخصية فدوى .. الأنسانة التي اجتازت الحواجز الصعبة وحافظت على تفاؤلها الانساني والتزامها الوطني وشفافيتها الشعرية الانسانية ، وصلابتها الفلسطينية .. ولكن ما مر على فدوى عظيم في صعوبته ومأساويته .. مخيف في ضغوطه وانغلاقة القبلي ، رهيب في اسقاطاته وعواصفه .. واقع فلسطيني خارج لتوه من من التخلف العثماني ، ليسقط تحت حكم انتدابي استعماري ، يتآمر على مستقبل الوطن الفلسطيني ، في ظل عالم عربي وملوك عرب لا هم لهم الا عروشهم الفاسدة ، متهالكين على اعتاب ممثلي الامبراطورية الاستعمارية البريطانية .. لينتقل الى مأساة اغريقية بضياع الوطن وتشرد الشعب الفلسطيني .. ولم تنته المهزلة - الماساة الاغريقية .. لتكتمل فصولها باحتلال اسرائيلي لما تبقى من تراب فلسطيني .. ولنشهد فصولا جديدة في المأساة الفلسطينية .. وصولا الى الانتفاضة الفلسطينية التي اعادت الروح الى الجسد الذي كاد ان يستسلم لقدره .. وما رافق ذلك من سلبيات دخلت للمجتمع الفلسطيني في محاولة لاعادته الى الوراء اجتماعيا وثقافيا وسياسيا ..
اعتقد ان المخرجة - الكاتبة للنص في الوقت نفسه – اضطرت لايجاد شخصية انشراح ( الممثلة سناء لهب ) او الجبلية .. وهذا هو التعبير الواضح جدا بان انشراح هي مسيرة الصراع الصعبة الذي اعتمل بنفسية الشاعرة الرقيقة .. الصراع الذي يشمل كل مسيرة حياتها .. من هنا رأيت بدور انشراح – الجبلية .. دورا مركزيا مكملا لشخصية الشاعرة الانسانية شديدة الشفافية التي ابدعتها تمثيلا سلوى نقارة .. انشراح هي الرحلة الجبلية الرحلة الصعبة بين المتناقضات والضغوطات والتردد والشكوك والخوف والاقدام والتصاعد والهبوط في هذه الحياة التي قطعت دروبها الجبلية الوعرة شاعرتنا الرائعة والخالدة فدوى طوقان . هذا الدور الصعب المتناقض كان يحتاج بالضبط الى ممثلة مثقفة ذكية وبالغة الاحساس بالمضمون الثقافي والاجتماعي والسياسي للسيرة الذاتية الانسانية الشاملة التي ابدعتها تجربة وكتابة فدوى طوقان .
من الضروري للمشاهد ان يعي ان شخصية انشراح في المسرحية ليست شخصية اضافية او مكملة .. لتسهيل تقديم السيرة الذاتية للشاعرة .. انشراح هي فدوى العظيمة بتناقضاتها وعذابها النفسي الداخلي الذي نجحت باخفائه شعريا وانسانيا .. ولكنه تمرد وفرض نفسه حين امسكت القلم لتكتب سيرة حياتها .. فهل بالصدفة ان انشراح .. الجلية تخرج في بداية العرض المسرحي من وراء وجه ( قناع ).. هو على الأغلب ، وربما بالتأكيد يرمز الى الوجه الآخر للشاعرة فدوى طوقان .. وما قامت به سناء لهب ، اعتبره انجازا كبيرا يشير الى القدرات الكبيرة لدى هذه الممثلة التي لا أذكر اني شاهدت اعمالا سابقة لها .
اعترف ان مشاهدة مثل هذا المسرح .. صعبة غلى بعض المشاهدين .. نحن لم نتعود بعد على المسرح الثقافي .. الذي يحتاج الى مشاهد يشغل عقله وتفكيره .. ما نشاهده من مسرح ، خاصة عبر الفضائيات هو مسرح تهريجي ، لا يخاطب الانسان ثقافيا ، ولا يترك له الا الضحك والارتخاء .. او مسرح ثقافي خفيف وأكثر مباشرة في عروضه .. من هنا رأيت التحدي الكبير الذي قام فيه مسرح الميدان .. والمخرجة والممثلتين .وسائر المشاركين باعداد هذا العمل ، خاصة الموسيقي درويش درويش والعازف والمغني البير مرعب ..
الفضائيات لا تعرض مسرحا ثقافيا راقيا ... لا أشك للحظة انه موجود .. ولكن شعبيته محصورة باوساط ضيقة من المثقفين ولا يشد المشاهد الذي اعتاد على الثقافة الضحلة من وسهلة الهضم .
اتوجه لمسرح الميدان .. الذي أكن له ولادارته التقدير الكبير .. بضمان عرض هذه المسرحية في كل البلدات العربية ... نحن بحاجة لمثل هذا المسرح المثقف .. حتى لو كان صعبا اليوم على بعض المشاهدين .. المسرح هو مدرسة فكرية واجتماعية وتربوية .. نحن بحاجة ماسة لها بظل غياب التثقيف الشعبي .
لا استطيع ان انهي مداخلتي الا بالقول : كم انتم رائعون في هذا التحدي نصا واخراجا وتمثيلا ومسرحا .
الى الأمام .
نبيل عودة – كاتب ، ناقد واعلامي فلسطيني – الناصرة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: مصطفى شبراص
- الزيارات: 7
شعرية النص الحداثي
قراءة في قصيدة " مارية" لعبد القادر الطاهري
مصطفى شبراص
تتكون قصيدة " مارية "(1) للشاعر المغربي عبد القادر الطاهري - وهي قصيدة واحدة في ديوان- من 251 سطرا شعريا ما بين قصير ومتوسط الطول ،يجمع بين مقاطعها ملمح عام مشترك يتجلى في تلك الرؤيا الشعرية التي تتعامل مع" الواقع " في مختلف تمظهراته وتجلياته الاجتماعية والوطنية والقومية ،وتسائله من خلال عوالم وصور ورموز ،وتشكل حقيقته بنوع من الشمولية و الصدق ،بما فيه من مظاهر الاستكانة والبؤس والإحباط ، وما فيه من مظاهر الحب والحلم والوعي واحتمالات التحول والتغيير... دون تكلف أو تصنع أو تزييف .
جاع الفقراء لأعوام
وبكى الشعراء لأعوام
لو جاعت
كل عواصمنا
وبكت من ذل الجوع
عواصمنا
وتعرت تحت البرد
جميع عواصمنا
ما ضيعنا قدس الحرمين
(ص:39- 40)
فورود كلمات من مثل : جاع ، الفقراء ،بكى ، ذل ، الجوع ،تعرت ، البرد ، ضيعنا ....وبما لها من أبعاد رمزية تدل بكثافة على الواقع العربي المتردي الذي "لم يفض فيه النضال القومي ، ولا الصراع الطبقي ،ولا الكفاح الفردي ،إلى أي تحسين يمكن أن يدعي تقدما ، أو تغيير يمكن أن يكون نصرا (2) " وبالتالي غذت نهاية هذا الواقع العربي نهاية حزينة ،موجعة ،ممزوجة بقطرات دم أحمر.
انظر في السقف المثقوب
أرى
خيطا
يتساقط في وجهي
نقطا
تتراقص كالأشباح
تصبغني
إذ تزحف نحوي
تصبغني...
بدم ...
أحــ...مــ...ر
(ص . 43-44)
وهذه الظاهرة شائعة في كثير من القصائد والدواوين المغربية الحديثة،وهي تنم عن ملمح واقعي صادق .غير أن شعرية (3) قصيدة "مارية" تتسم بملامح أخرى فنية ومعنوية ، يمكن إجمالها في ما يأتي :
1- بنية الفضاء :
يبدو أن الكتابة في قصيدة "مارية" تمارس حريتها في فضاء منفتح متحرر من كل أداء نمطي ،وغير خاضعة لأي قالب زمني ومكاني ، فالسطر الشعري في شكله ،وفي قصره أو طوله ، لا يخضع إلا للانسياب العاطفي ،ولدفقات الشعور
و المعاناة ،وللعلاقات التركيبية والدلالية ؛فأحيانا نجده يمتد ويطول ،وأحيانا أخرى نجده يتجسد مكانيا في كلمة واحدة أو كلمتين ،كما أن الجملة الشعرية قد تكتمل في سطر واحد ،وقد تتسع في عدة اسطر ...ففضاء القصيدة وهندستها يتميزان بالحرية والتنوع والحركية وتكسير المألوف الشعري زمنيا ومكانيا وبصريا، والتشكيل الفضائي في كثير من المقاطع يتواءم مع التشكيل الإيقاعي و الدلالي ،كما هو الشأن في المقطع التالي الذي صيغ على شكل نقط مصبوغة بلون الدم الأحمر:
تصبغني
إذ تزحف نحوي
تصبغني...
بدم...
أحـ...مـ... ر
(ص:44)
وكذلك في المقطع التالي الذي يوحي شكله بالسقوط والتدرج نحو الأسفل :
إن الوطن المغروس بأضلعنا
يتوعدنا
يتعهدنا
ويضايقن-ا
(ص:22 )
2- بنية المعجم والتركيب:
تتميز اللغة الشعرية في قصيدة "ماريه"بطابعها الرمزي التشكيلي ،فهي تنزاح عن المعتاد في كل تمظهراتها ،وتتوزع معجميا على عدة حقول دلالية :الحقل الوجداني ،الحقل الحربي ،الحقل الديني ،الحقل التاريخي ،الحقل الجغرافي (أسماء الجبال ،السواحل ،المدن ،الأنهار ...) وتربط بين ألفاظها علاقات التكرار والترادف والترابط والتقابل ...مع الحضور المكثف للألفاظ والمصطلحات المنتمية للقاموس الوجداني : القلب ،الحب ،الصبوة ،الوجد ، الاكتئاب ،القلق ،الحزن ....والألفاظ والمصطلحات المنتمية للقاموس الحربي : نار، رصاص ، سيف ،الحرب ،القصف الجوي ، الطلقات ، المدافع الطائرة ...
أما على المستوى التركيبي فتهيمن الجمل الفعلية والخبرية القصيرة ،ويقل استعمال أفعال الماضي ،والجمل الإنشائية ،في حين تكثر أفعال المضارع الدالة على الحاضر والمسندة إلى ضمير المتكلم ( أغدو –أبدو-أشدو- أمد ,أحط ،أغني ، أطالع
–أبوح-أتهجى ....) غير أن ضمير المتكلم هنا لا يعني با لضرورة " الذاتية"أو حضور الذات وغياب الآخر ،لأن العلاقة هنا بين الذات / الشاعر، والآخر/ مارية ،بكل ما يمكن أن يرمزا إليه من أبعاد وفضاءات تقوم على التقابل والتضاد أحيانا وعلى التكامل والتماهي أحيانا . إن ضمير المتكلم هنا هو ضمير العصر ،ضمير الإنسان المعاصر بغربته وقلقه وطموحه ، وليس ضمير ذات محددة ،
كما تكثر أفعال الأمر المسندة إلى ياء المخاطبة (انتصبي –اقتربي-شدي-كفي ...) ،مع تكرار وترديد بعض صيغ الحال (مخمورا – مكسورا ) والنعت (المغروس-الأخرى-الباكي-الجوي-اليسرى ..) والاستفهام (هل من قله؟ هل تحملني قدمي ؟ من أفتى بين الناس ...) والنداء( يا سيدتي-يا أطلسنا –يا قمري-يا أيوب –يا سارية ..)
وكل هذه التراكيب جاءت في سياق تركيب بلاغي ينزاح عن المعتاد في التعبير النثري
3- البنية الإيقاعية :.
أول ما يلاحظ على مستوى البنية الإيقاعية هو توظيف الشاعر لمختلف التشكيلات الإيقاعية المتاحة في تفعيلة
(فعلن)، تارة (فعلن) بتسكين العين والنون ، وتارة (فعلن) بكسر العين وتسكين النون وتارة (فعلان) بالتذييل ،
وهذا نموذج للتشكيل الإيقاعي الموظف في القصيدة :
ولـمـا / ر يــة ل / مـهـجـه/
- - - 0 / - - - 0 / - 0 – 0
فــعـلـن / فـعـلـن / فـعـلـن
(.........)
و طـر يـ / ق خـلا ص
- - - 0 / - - - 00
فـعـلـن / فـعـلا ن
وهذه التفعيلة يسميها بعض المهتمين بعلم العروض ، تفعيلة " دق الناقوس " ، وهي تتسم في غالب الأحيان بالرتابة والتكرار والهمود ،وتلائم موضوع الحزن والمآسي . هذا إلى جانب توظيفه لبعض الترديدات الصوتية من قبيل :.
(مهجه/بهجة) (– خصاص /خلاص /رصاص )–( الواسع /الشاسع) (–سطحي /جرحي) (– أغدو /أبدو /أشدو)
( نبق /ألق /قلق )-(–الناشف /الخاطف / الزاحف)-( مواعيد /تجاعيد /عناقيد) ... وترداد بعض التقابلات التركيبية من مثل :( إن الولد الحجري سعيد = إن الوطن الأثري عنيد)
( ولها أغدو = ولها أبدو = ولها أشدو)
( وبحر الحب ألق = وجمر القلب قلق)
( قمر يتملى مثل مواعيد = قدر يتجلى مثل تجاعيد = حجر يتدلى مثل عناقيد )
فضلا عما وفرته القوافي من إيقاعات رتيبة ومتكررة تنتهي بالهاء الساكنة أحيانا :( مهجه / بهجة /دجله / مله / قله /
الضفة / خفه /عفه .... ) أوالنون الساكنة أحيانا أخرى : (الحرمين /زنبقتين / القدمين /النسرين /منطقتين ) أو الدال الساكنة : (سعيد / عنيد / مواعيد /تجاعيد /عناقيد /وليد ..)
لذلك فان الطابع الإيقاعي العام المسيطر على القصيدة يتسم بالتثاقل والهمود ،وقد ساعده في ذلك الحقل الصوتي الذي يتسم باللين والرخاوة والهمس من خلال تكرار أصوات حروف : الصا د / الحاء / السين / النون ...
4 – بنية الصورة الشعرية :
على مستوى التخييل والصورة ، تمثل قصيدة" مارية " شعرية الصورة والرمز بامتياز ، حيث الحضور المكثف للصورة بتمظهراتها المختلفة ؛ الجزئية القصيرة (صورة الوطن الباكي المخمور ،صورة الطفل الذي يجري تحت القصف باحثا عن يده اليسرى ، صورة العواصم العربية الجائعة الباكية العارية .....) و الكلية المهيمنة ( صورة الذات الشاعرة المتصدعة ،المتكسرة ،المسكونة بحزن رسائل الذات / الآخر ،الباحثة في رحلتها عن "ماريه" الحلم/الدفء /
الخلاص ) ، مع توظيف مكثف للصورة ذات الطابع الصوفي توظيفا وظيفيا وتفاعليا في إطار الرؤيا الحداثية المميزة للنص ، رؤيا الخلخلة والرفض ، ورؤيا الكشف والفضح .
يا سيدتي
لانجلس في المقهى
لا نشرب
لا نستمتع بالأشجار
وبالأزهار (ص :26)
(....)
لا أرز لنا
يا أطلسنا
لا ساحل للمتوسط (ص: 27)
فضلا عن الحضور المكثف للرمز بمختلف أشكاله :
- التراثي : أيوب ،يوسف ،موسى ،محمد ،أحد ،الأنصار ، يثرب ، الوادي ...
- القومي : دجلة ،عكا ،الضفة ،القدس ،الشرق ...
- الوطني : سبو ،الأطلس ،سبته ،المتوسط ،....
-اللغوي : البحر ،البر ، الصبح ، الليل ،البرق ، القمر ،الجبل ...
أما على مستوى التناص فيبدو أن مقاطع القصيدة تتفاعل خارجيا مع كثير من النصوص الثقافية القديمة ، خاصة النص القرآني :
اقرأ باسم الرب الأكرم
فتح
نصر
من سجيل ( ص :36)
( ...)
وترتل
إنا أعطيناك الكوثر (ص :43)
وكذلك النص التراثي الشعبي :
مالي يا ربي مالي
مالي من دون الناس
واحد في ملكو هاني
وانا ديما عساس ( ص :32)
خلاصة تركيبية :
إن قصيدة "ماريه" تتميز بطابعها التركيبي الذي يطبع شعريتها التي تجمع بين عدة عناصر ومكونات سردية حوارية وتصويرية رمزية ، وبفضائها الدلالي الذي تتداخل فيه أبعاد وطنية وقومية وإنسانية ، وتتفاعل فيه عدة نصوص ثقافية
وتراثية ،وعدة أحداث وشخصيات تاريخية من خلال عمليات التشكيل والتناص ، وهي بهذه الملامح الفنية تصنف ضمن النصوص الحداثية التي تحاول التخلص من الذاتية الحالمة والواقعية المبتذلة لتعانق قضايا محلية وقومية وإنسانية برؤيا شعرية جديدة .
الهوامش :
1 ) قصيدة "مارية " مدارات النقطة الحمراء / عبد القادر الطاهري ، ط : 1 / 2006 / منشورات الديوان .
2 ) محي الدين صبحي : دراسات ضد الواقعية / المؤسسة العامة للدراسات والنشر بيروت 1980 / ص : 44
3 ) المقصود بالشعرية هنا معناها العادي ، أي مجموع الخصائص المميزة للمستوى الفني للنص والتي تضفي عليه الطابع الشعري .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبد الرزاق المصباحي
- الزيارات: 7
عبدالرزاق المصباحي
تتحدد عتبة اشتغالنا الكبرى في هذه الورقة في مقاربة نصية لمنجز الشاعر المغربي محمد عماري .
مقاربة بالنظر إلى رغبتنا في تفعيل مفهوم الإمكان القرائي إذ كل قراءة – بالنسبة إلينا – هي مقاربة ممكنة , و كل مقاربة هي قراءة ممكنة " . وكدها ليس الوصول إلى الحقيقة / الدلالة الوحيدة المنطبعة في ذهن الكاتب , بل إلى التمثل الشخصاني و القراءة الفردانية التي ليس من غاياتها و عدتها إلغاء القراءات السابقة أو المحايثة : كانت لقراء نقاد أم لقراء عاديين أم للقارئ الكاتب نفسه الذي نسج النصوص و حبكها و أعلنت صرمها عنه بعدما استوت ناضجة مسبوكة و محبوكة و لها إمكان قرائي . و هنا تنبغي الإشارة إلى أننا نوظف مفهوم الإمكان القرائي توظيفين إجرائيين مختلفين :
- الأول مرتبط بالنص من حيث تنسيجه أي : من حيث هو فعل تخيلي تتحرك فيه قوى الخيال الخالص عند المبدع التي تمده بمادة الكتابة عبر تنظيم الظواهر الإدراكية و الأفكار المنتقاة من الحيز الواقعي و من تجاربه الشخصية و تصييرها بنية في العمل الفني بالإضافة إلى العناصر الفنية المائزة الأخرى المشكلة لبنيته . بعبارة جامعة : توفير مائزتي الاتساق و الانسجام في العمل الفني , و هو ما يؤهل المكتوب لاكتساب صفة النصية .
فعلا إنها أحقية الانتماء إلى النص لكن ليس بالضرورة إلى مملكة الشعر و تقلد سمة الشعرية ’ فالاستجابة التداولية و القدرة على إحداث الدلالة التي يحققها الانسجام ليستا ميسما يميز الشعر عن الخطابات الأخرى أدبية كانت أم غير أدبية . لكنه مع ذلك يشير إلى انتقال العمل من مستوى التخيل / النسج إلى مستوى التخييل / التلقي . و هو مستوى محدد لشعرية النصوص في الأدبيات الحديثة و الحداثية معا , إذ تجمع غالبية اتجاهاتها على القول بتمجيد القارئ و تتويجه بنياشين السلطة في مقابل تراجع سلطة الكاتب على نصه الذي أضحى قارئا عاديا * .
و يوضح موريس بيكهام - أحد أقطاب جمالية التلقي المبكرين و البارزين - هذا الوضع بالقول إن " العلامة بماهي إرادة المرء قوله شيئا ليس بإمكانها أن تقول شيئا إلا بوجود شخص يستقبلها و يستجيب لما تريد قوله " 1 و ينتج عن هذا المتصور أن النص باعتباره علامة كبرى - بتعبير بارط – يصبح بلا معنى و لا دلالة قائمة في غياب تلقيه المنتج المرتبط بمرجعية فلسفية ظاهراتية تقول بأن الأشياء لا توجد / و لا يمكنها أن توجد خارج الوعي بها .
و الوعي ممارسة حد مؤطر في حال النص المفهومي , و الإضاءة النقدية و الجمالية في حال النص الأدبي : الشعري على وجه التخصيص . إذ الشعر بأسئلته الأنطولوجية الكبرى و فتوحه الكشفية و العرفانية و بناه الجمالية التي تفتأ غير تابثة يستعصي على الوضع في قوالب ضيقة و سجنه في حدود مائزة مستقرة , الشعر يند عن ذلك كله , و يؤسس – في المقابل – وجوده الخاص الذي يشير إليه سارتر في إحدى تصوراته المهمة لمفهوم الشعر بوصفه " خذروفا عجيبا لا وجود له إلا في الحركة " . 2
. و لاغرو و هي ميسمه الأساس و خصيصته المفردة , أليس التفرد أبسط تعريف للنص الأدبي كما أشار ريفاتير ؟ و الحقيقة أن أهمية متصور سارتر تنبع من إشارته إلى أمرين نافذين : الأول : علاقة الشعر بنظرية الأدب و مؤداها مساع النظرية الجادة إلى تأطير الشعر / حده , و هو الأمر الذي لا تتوفق فيه باستثناء التعلق بلبابه .
الثاني : الحركة الدلالية الثرة التي يحققها الشعر أو على الأصح تلقي الشعر’ و هو ميسم أدى إلى إعادة النظر في خطابه الواصف – النقد- من" التقييم الواعي المتوسل بآليات منهجية تعتقد في إمكانية تقويض حركة القصيد " إلى" الاستطالة الذكية / الواعية" أي التلقي المنتج, الذي يأخذ بعين الاعتبار خصيصة الإمكان التي أشر عليها الفلاسفة النقاد أو النقاد الفلاسفة على تمتع الشعر بها " و هو مفهوم يتحدد " مؤداه في أن مهمة الشعر ليست في رواية الأمور كما وقعت فعلا , بل رواية ما يمكن أن يقع , و الأشياء ممكنة إما بحسب الاحتمال أو بحسب الضرورة 3 .
رواية الأمور كما يمكن أن تقع هي ما تحاول عناوين منجز عماري البوح به و الإشارة إليه : بوصفه عتبات الولوج الأولى إلى عالم القصيد الذي نحاول في هذه السطور تمثل خيطه الناظم و خصائصه المائزة . " الضاحية الشموس " – معرة النعمان – مهجة بين الطين و الماء – حفريات شامية – عرس الشهيد – حيفا على أكف فرقد ...... في كل هذه المناصات تم تطلع قصدي إلى التأشير على بنيات تماثلية مع الواقع من خلال الاستناد إلى تأكيد دلالة جامعة لتلك الدوال مرتبطة بحضور سلطة المكان عبر ملفوظات : الضاحية / الشام / حيفا ....... هذه العلامات اللغوية تحيل إلى دوال – مدلولات في الوقت نفسه , محددة : لبنان – فلسطين – سوريا . و هنا يمكنا تأسيس مسار قرائي آخر انطلاقا من محمول المناص الحاضر في الوعي الجمعي و المرتبط بالمفاهيم الثلاث السابقة المتلبسة لبوسا سياسيا . هل نحن أمام شعر ملتزم ؟ **
إن فتح هذا المسار القرائي و تأسيس باقي المقاربة عليه يستدعي منا الولوج إلى المتن ’ مع تمام الاحتراس و الانتباه إلى الوشائج الثلاث المنسوجة بينه و بين العنوان . الضاحية الشموس : " يا آخر العصر ذي بيروت ارتدت فستان الليل " يبدو الاشتغال على خرق اللغة في هذه الأسطر فعلا قصديا يومئ إلى دلالة محددة هي غالبا مشكولة بالسلب يمكن تأكيدها من خلال إعادة بناء الانزياح التركيبي : فالنداء الذي يشكل بنية الاستهلال في النص تلبس وظيفة استلزامية عبر الإشارة إلى فعل أمر ملحوظ – في مقابل الأمر الملفوظ - فالقصد هنا ليس لإثارة انتباه المنادى بل إلى دعوته إلى فعلين :
- الأول : فعل الوقوف المتأمل , و الثاني : فعل الشهادة على حدث محدد, في مكان محدد . و كلاهما خصيصتين إنسانيتين مما يحدث مفارقة دلالية, إذ تأتي نسبتهما لغير عاقل /مركب إضافي " آخر العصر " . إنه انتقال من مستوى فيزيائي (زمن العصر يتميز بظواهر فيزيائية معينة ) و تاريخي ( هذه الزمنية متسمة بتغيرعا الصاعد) إلى آخر جمالي تم فيه إيقاف قوة الزمن / العصر المدمرة / الصاعدة , و تشخيص أفعاله مع قلب لنمط المتواضَع , إذ فعل الشهادة – مثلا – يرتبط بمفاهيم الحصافة و الألمعية و النبوع كالقول السائر:" فلان شاهد عصره" .
وفي النص قلب لهذا النمط فصار العصر شاهدا على حدث " ارتداء بيروت لفستان الليل " و " على غسلها لكحل الهضاب و كفكفة دمع الشمس من مقلة كل طفل عربي .... و أفعال أخر تلتقي غالبيتها في معجم دلالي يحيل إلى الخيبة العربية " بيروت تعلن انسحابها – تزف حزنها – ترحل عنا .. .. " . و رغم ذلك يبدو التشبث بالأمل المنفلت غاية مقدسة و وصلا متينا لنسيج النص بعنوانه , إذ يشي اختيار " الضاحية الشموس عنوانا ’ دالا على " تشاؤلية القصيد :" مع تغليب للإيجابي بالنظر إل أن للعناوين سلطتها في تحديد دلالة بعينها دون أخرى قد تكون مهيمنة في المتن .
و على مستوى إحالية أسطر النص إلى السياقات النصية الخارجية , يبدو مركب آخر العصر الأكثر حمولة عولمية و إشارة خاصة لإشراطاتها من حيث دلالتها على أطروحات الإنسان الأخير و النموذج الأوحد و السلطة العسكرية و الاقتصادية " عبر مماثلة المركب الإضافي " آخر العصر " بصنوه : نهاية التاريخ " التي روج لها كل من " فوكوياما " و جيجنر . هذا رغم احتراسنا كون تلك الإشارة ه يغير واعية إذ ما الذي يمنع من جعل عبارة " فوكوياما " المنادى ؟ بيد أن التأشير على على الإشراط العولمي يجد صداه في قصائد أخرى لمحمد عماري , ومن ذلك الانتقال من كينونة الشام الخصبة و الحصيفة و الجميلة : " كان الشام فخرا و بسملة وردا و سنبلة " إلى الكينونة الاقتصادية / مصدر الصراع : صار نفطنا و شما تحت المقصلة " .
و الشام ليس وحده بِؤرة هذا الصراع المتسربل بلبوسات متباينة , بل تحفل أمكنة أخرى به : في غزة – في كربلاء – في حيفا ..... حيث الطفل المعفر بالثرى يصهره حب ذا الحجر " و المدائن ترتل نشيد الرفض " و الشهيد ينبض بين اللحود .... . و هلم شعرا . إن الارتباط الديالكتي بين الشعر و التيمة في منجز عماري , يؤكد عبارتنا التأطيرية السالفة " شعر ملتزم لشاعر ملتزم " و الالتزام الذي نتحدث عنه هنا ليس ذلك الذي تم تحديده في أدبيات المقاربة الاجتماعية و التاريخية , و إن كان يحيل إليه و يوميء إلى الكثير من دلالاته . إذ ارتبط الالتزام في تلك الأدبيات بطبقة " البروليتاريا " التي ينبغي للأديب أن يجعل قلمه سلاحا لنصرتها في عملية انعكاس مرآوي واصف لمنجزاتها . هنا بالذات يتم تسمية الكاتب بالتقدمي : الذي يتخذ قراره على أساس الصراع الطبقي , إنه يقف إلى جانب البروليتاريا , هنا ينتهي استقلاله ’ إنه يوجه نشاطه لما يفيد البروليتاريا في الصراع الطبقي . و هذا ما يسمى عادة بالالتزام " 4 , على حد إشارة وولتر بنجامين .
إن الالتزام الذي نقصده توجبه لنشاط الروليتاريا ليس إلى مساندة الطبقة العاملة في صراعها الطبقي بالمعنى الجدانوفي ’ بل إلى شعوب مستضعفة هي جزء من هوية الشاعر و يجمعهما – في الوعي الجمعي – مصير مشترك . و من هذا المنطلق نكشف عن سر ذلك التماهي الذي نستشعره في نصوص عماري مع الكتابات الملتزمة الأخرى بخاصة كتابات الشعراء الفلسطينيين التي تناولت التيمات نفسها و أحيانا بالملفوظات عينها .
و ندلل على ذلك بنهايتي قصيدتين هما حجر فوق بياض الثلج : سر من رآى امرأة (..) يصهرها حب ذا الحجر الهائم في الخلاء . يربو فوق بياض الثلج يخضر خبزا و ماء . و قصيدة " الضاحية الشموس " : يا ساري الليل أسرج حزامك و انسف أشلاء عدوك فالنصر آت ’ آت . تذكرنا القصيدتين بأشعار درويش و سميح القاسم الحماسية , و تحيل - من مستوى نفسي – إلى غريزتي الآيروس التي تسعى شعوب العالم و أغلبها عربية مسلمة إلى إحلالها و التناتوس التي يسعى الآخر القوي تكريسها في زحف مدمر .’ إحلال و تكريس الغريزتين بأبعادهما المادية و المجازية . إن هذا الحضور القوي للثيمة يدفعنا إلى التساؤل التالي : هل فقد الشاعر فعلا " استقلاله " على حد إشارة بنجامين السابقة؟ شعر "عماري نفسه من يتولى الإجابة عن هذا السؤال المركزي : " دلني أيها الورد النائم في الخلاء عن مهجة بين الطين و الماء . " تشير ياء المتكلم في الفعل دلني إلى حضور " أنا " الشاعر التي تكاد تغيب في مجمل شعره على غير عادة الشعراء .
و يتكاثف هذا الحضور من خلال إعلان الانتماء " أعلن انتمائي " أو لحظة قراءة بقايا أنثى وسمها في القصيدة عينها بتلبس أزهار الثلج . إن الانتقال من الآخر إلى الأنا , من الذات إلى الموضوع . يشي - انطلاقا من منطوق الأسطر - بقصدية ملحة للانفلات من الاستلاب الذي يمارسه الموضوع / الثيمة من حافة . و يلمح - من حافة ثانية - إلى تأسيس المنجز لمفهوم آخر للشعر نموذجه الإرشادي جوى و تدليه عميقين ينزله بالشاعر ذلك الذي أسماه سارتر جحيما . لكن , لنشاغب الأسطر السالفة قليلا و نعتبر أن هذا المنطوق ليس إلا " فعلا للوهم " بتعبير كولريدج , و ننطلق من الأفعال نفسها التي تدل على حضور الأنا لفتح بعد دلالي آخر : فياء المتكلم السابقة ارتبطت بالفعل " دل " الذي جاء قي صيغة البناء للمجهول مبنى و دلالة : إن من يطلب دليلا له واقع لا محالة في الضياع و التيه المؤقتين و ينتظر قوة خارجة عنه , قوة موضوعية هي " الورد " في سياق الحال لتقوم بفعل الدلالة المنعدمة سلفا .
و انعدام الدلالة يعني فقدان المعنى , و غيابهما يرجع العالم إلى السديم الأول يترتب عن ذلك إذن : غياب الواقع و الحقيقة و الإدراك المنظم .. و تسود التعمية و يتسلطن الجهل , إنها حال الكاوس بامتياز . أمام هذه الحال الوجودية لا يجد الشاعر إلا أن يؤجل إعلان انتمائه ’ و بعد تأجيل ملحوظ ’ يقوم بذلك لكن بعد أن تنتهي مؤقتا حال الكاوس الذي يشير إليه الشرط في هذا السطر : " حين ينام الماء’ أعلن انتمائي " . ونوم الماء في أحد أبعاده الدلالية دليل على الصفاء و السكون النفسيين و الماديين . رغم أن السكون ذاته لا يأتي إلا قبل أو بعد عاصفة .
إجمالا فإن " عماري " لا يكف عن طرح الأسئلة الكيانية الكبرى ’ دون الابتعاد في منجزه - طبعا - عن شاطئ الشعر و خطابه ’ موضوعا كما في "معرة النعمان " أو بنية عبر صور خياله الخالص و انزياحاته البسيطة و الموحية معا . و في الحالين كليهما يتكلم صدقه نيابة عنه في شعره أو في تواصله معك حين يضيق الكون الفسيح به , و هو الذي كلما أرسل إلي قصيدة من بحر شعره يسميها نزيفا . و البشرى أن نزيفه الشعري سيضمن أضمومة شعرية ثانية , و في انتظار ذلك دامت لشاعرنا مسرة التألق و عشق الإبداع . مع تمام رجائنا – طبعا – بأن تصيب " حمى العقوق " كائنه الشعري حتى يتسنى لنا إنتاج إبداع ثان بموازاته و على مشارفه .
.الهوامش :
* - تصورات بارث القائلة بموت المؤلف و تقويض سلطته الكلاسية على منجزه.
1- عبد العزيز حمودة , الخروج من التيه : دراسة في سلطة النص , عالم المعرفة . العدد : 298 .نوفمبر -2005 ص : 114
. 2 - عبد الرحمان عبدالسلام محمود , " وعي الشعر : قراءة تأصيلية في اللغة و المصطلح النقدي , عالم الفكر , العدد 1 المجلد 34 يوليو – سبتمبر 2005 ص : 88 .
3- نفسه ص : 88
** - الإشارة التأطيرية هنا آلية منهجية و ليست حكما نقديا على المنجز .
4- عبد العزيز حمودة , الخروج من التيه : دراسة في سلطة النص . مذكور . ص : 226 .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عامر المخزومي
- الزيارات: 8
مَنْ قضى على من ؟
عامر المخزومي/ أكاديمي عراقي
في المحنة العظيمة التي يرزح تحتها العراق، يتهم بعض العراقيين، عاديين أو مثقفين أمريكا في المصائب التي حلت به، ويلعنونها، ويسبونها، ويعلقون كافة الأخطاء على شماعتها. بينما يتهم البعض الآخر الطابور الخامس \"العراقي\" لأنه فتح أبواب العراق لها، ومكنها من السيطرة على العراق، وأخذ يساعدها على تدمير البنية الأساسية وإبادة العراقين، أطفالاً ونساءً ورجالاً، وتعذيبهم، واغتصاب فتياتهم، وتشريدهم، وإخلاء البلد منهم.
فمن المجرم من هذين العدوين؟ وإن اشتركا بالجريمة فمن يتحمل الوزر الأكبر؟
لا أدافع عن أمريكا قط. فقد ارتكبت قواتها في العراق وفي كل مكان دخلته ما لم يمكن الدفاع عنه، لكني أرى أن قصر اللوم عليها خطأ شديداً. لا بل أكثر من ذلك فأنا أتفهم موقفها. كلنا نعلم أن أمريكا دولة استعمارية، رأسمالية. والرأسمالي لا يشبع من الربح قط. ولذا فهي تريد استعمار الأجزاء الغنية من العالم كله، وتريد نهب الثروات أينما وجدت، والعراق بلد نفطي غني، ويهم أمريكا السيطرة عليه ونهبه.
لكن أمريكا لا تستطيع تنفيذ ذلك من دون عملاء تشتريهم، من دون جواسيس يقدمون لها الأخبار، من دون طابور خامس يمهد لها الطريق. من دون ودون ودون الخ. أمريكا تعتمد على المعلومات وتزنها بالدولار وهي مستعدة لحشو فم أكبر حوت في العالم بالدولارات إن رأته يقدم لها ما تريد من خدمات.
وهنا تقفز إلى الذهن عملية أزلية موجودة في كل مكان وزمان، هي عملية البغاء، فطالب المتعة الحرام لا يستطيع أن يجد ضالته من دون ديوث يقوده إلى المتعة! فهل نلوم طالب المتعة أم الديوث؟
في هذه النقطة يصبح الجدل بيزنطياً. قسم يقول إن أمريكا \"طالب المتعة الحرام\" بريئة والطابور الخامس \"الديوث\" هو المسؤول، فلولاه لما استطاعت أمريكا تدمير
العراق. وقسم يقول إن الطابور الخامس بريء ولو لم يتعاون معها لغزت العراق بالرغم منه. أنا مع الذين يلومون الديوث والطابور الخامس فكلاهما وجهان لعملة واحدة.
لنرجع إلى أخبار الأمس وإعدام صدام.
جاء في الأخبار أن المالكي أخذ رأي السيستاني في توقيت إعدام صدام، وتلك نقطة محيرة جداً، فما علاقة السيستاني في أمر يبدو للإنسان العادي بعيداً عنه غاية البعد! السيستاني إيراني ورجل دين، وإعدام صدام أريد له ظاهرياً من قبل الطرفين المسيطرين على العراق \"أمريكا والطابور الخامس\" أن يبدو شأناً عراقياً، وإعدامه لا علاقة له بإيران ولا بالدين. فلماذااستشار المالكي السيستاني؟
ولماذا أعلن المالكي عن هذه الاستشارة وتعمد أن يعرف بها الجميع؟
لنرجع قليلاً إلى الوراء ولننظر في المقدمات. نشر أحد الكتاب المجهولين \"أحمد الخفاف\" قبل الغزو الأمريكي للعراق بأيام بضع مقالات في غير موقع ألكتروني يكاد يلخصها القارئ باقتضاب مفادها أن ما سيجري في العراق شبيه بما جرى أثناء سقوط بغداد على يد هولاكو. ذلك السقوط المدوي الذي لم تقم بعده قائمة للعراق والعراقيين والحضارة العربية الإسلامية منذ فجر التاريخ حتى الآن. كان عدد سكان العراق كما يذكره المؤرخون نحو ثلاثين مليوناً قضى معظمهم بسيوف التتار والطابور الخامس. وتكدست الجثث في البيوت والشوارع، ونتن الجو، وتلوث الماء وغادر من اختفى وبقي حياً بغداد إلى مدن أخرى. ثم بدأت المرحلة الثانية في التدمير فقد أخذ الطابور الخامس على عاتقه نقل ملايين الكتب ورميها بالترع المحيطة ببغداد كي تمحى الحضارة العربية الإسلامية إلى الأبد.
أشاد الخفاف بنصر هولاكو على العراقيين، ودافع عنه دفاع النعجة عن جزارها، وبشّر فرحاً العراقيين بما سيحصل لهم من ويلات ومصائب، ولم ينسَ الخفاف تبرئة سيده القديم ومثله الأعلى، ابن العلقمي نافياً عنه صفة الخيانة والعمالة ورئاسة الطابور الخامس، وتقديمه بغداد والحضارة العربية هدية لهولاكو، وحاول أن يرمي اللوم كل اللوم على آخر الخلفاء العباسيين، مذكراً الجميع بأن هناك فتوى من المرجعية الشيعية التي يقف على رأسها ابن طاؤوس الحسني. تقول الفتوى بأن الكافر العادل \"هولاكو\" أفضل من الحاكم المسلم\" المستعصم لدين الله.
ولأن الكاتب \"أحمد الخفاف\" مغمور ولم يسمع به أحد فلم يتنبه الكثير له، لكنه كشف عن موقعه بعد الغزو وأعلن أنه الناطق الصحفي لـلمرجعية الشيعية\"آية الله السيستاني\"، وهذا يعني أنه لم يكن ينطق عن الهوى، وأنه يمهد لاستباحة وإفناء العراق بيد الإحتلال الأمريكي تحت مظلة مرجعية \"آية الله العظمى\" السيستاني، كما مهد له رأس الشيعة ابن عصفور حينما أفتى فتواه الشهيرة باستباحة العراق لهولاكو وجنده.
ومن مجرى الأحداث بدا أنه هناك رمزان قويان للحكم في عراق ما بعد صدام. الأول هو السلطة الأمريكية ممثلة ببرايمر، زاد، الجنرال أبي زيد، القوات الأمريكية، أما الثاني فهو السيستاني وطابوره الخامس. وعندما طلب المالكي منه رأيه في توقيت إعدام صدام أراد أن يعلن للجميع انه \"أي المالكي\" لا يد له في الإعدام، فحتى توقيت الإعدام يجري بأمر من له الأمر، وما هو إلا بيدق صغير يمكن استبداله بغيره ولا يفعل إلا ما يؤمر.
إذن فعلينا أن نزن الأمر بميزان صحيح. لا شيء يحدث في العراق من دون تخطيط السيستاني أو أمره أو توجيهه. لو أراد السيستاني إيقاف القتل العشوائي للأبرياء، لتوقف القتل. لو لم يخطط السيستاني لفرق الموت لما وجدت، لو لم يخطط السيستاني لإفراغ بغداد من سكانها لما هرب أي إنسان. لو لم يأمر السيستاني بجلب الملايين من إيران لما جاؤوا، لو لم يخطط لتزييف الانتخابات لما حدثت.
وهنا علينا أن نقارن بين بعض الحقائق التي رأيناها ونراها الآن، بين صدام المعدوم الذي كان حاكماً للعراق، والسيستاني الذي خلفه في حكم العراق من وراء ستارة سوداء.
صدام: ديكاتور عراقي. فردي. طاغية. جعل من العراق سجناً كبيراً، لكنه يؤمن بشيء اسمه العراق، ويحبه ويدافع عنه، وكان مستعداً للموت في سبيله. وهو عراقي أصلاً، ولادة وحسباً ونسباً ولغة وعادات.
السيستاني: رأس المرجعية الشيعية. إيراني. يكره العراق والعراقيين ويحقد عليهم وعلى تاريخهم الذي لم تر الحضارة الإنسانية مثيلاً له زمن الدولة العباسية. وهو يخطط لإزالة العراق من الوجود، و إلحاقه بإيران. قتل السيستاني في نحو أربع سنوات ضعف ما قتل صدام في ثلاثين سنة. سكت على اغتصاب العراقيات من قبل جنود الاحتلال وكان بإمكانه إيقاف ذلك. أباح القتل على الهوية، أباح تهجير العرب من فلسطينين ومصريين ومغاربة وسوريين وسودانيين من العراق وقتلهم واغتصاب نسائهم وفتياتهم أينما وجدوا، أباح نهب بيوت العراق، أباح، وسكت عن الكثير، الكثير، الكثير. فمن منهما أكثر إجراماً؟ ومن يستحق المحاكمة والشنق بعد صدام؟
صدام: صريح، يقول ما يعنّ بذهنه. لا يخشى أحداً.
السيستاني: غير صريح. يؤمن بالتقية. لو أن فتواه المتقدمة تلك باستباحة العراق صدرت منه وليس من احمد الخفاف الموجود خارج العراق، لانتقم منه آلاف العراقيين قبل صدام. لكنه رضع التقية وقول ما لا يؤمن به منذ القماط أباً عن جد حتى آدم.
إذن فالأمور تجري في العراق وفق الخطة التي رسمها عدو العراق الأكبر السيستاني، والتنفيذ يجري في أتم ما يكون، ولقد صدق الخفاف فيما طرحه، بأن ما سيحدث في العراق شبيه بما حدث بعد هجوم المغول، لأننا نراه أمامنا، ففي كل ساعة يقتل عراقي بريء، وتغتصب عذراء، ويموت تحت التعذيب رب عائلة لا يد له فيما يحدث، وتهجر عائلة من بيتها. ولذا لم أفاجأ أنا أو غيري، عند إعدام صدام قط. صدام فرد، والفرد يزول عاجلاً أو آجلاً. ولم يكن صدام بجيد أو بريء قط، لكن السيستاني وبيادقه أسوأ منه وأكثر إجراماً بحق الشعب العراقي فمتى يحاكمون؟
لقد وقع السيستاني بأخطاء جلى لا مثيل لها، ستنقلب إلى نيران تأكل الشعب
العراقي:
1- لم يوفر محكمة عادلة لصدام. لو فعل ذلك لما أسف أحد على صدام، ولما حكم عليه العراقي البسيط بأنه أسوأ من صدام. تولد في سنوات الخراب هذه أن محاكم صدام على سوئها أكثر عدالة من محاكم السيستاني. فلم يقتل صدام أي محام دافع عن متهم، بينما قتل السيستاني خمسة محامين دافعوا عن صدام. ولن يستطيع أحد بعد الآن أن يصف السيستاني بالورع والتقوى والصدق والعدالة وعدم الانحياز، فهو بعيد عنها بعد الأرض عن السماء.
2- لم يستفد بيادق السيستاني وجنوده وأعوانه: المالكي، الجعفري، صولاغ،
العامري، البولاني، الصدر، العسكري الخ، من مصير صدام. فهم ماضون في تنفيذ خطته في الذبح والقتل العشوائي، والاغتصاب، والسرقة، والتهجير، وتدمير البيوت على رؤوس أهلها، ونهب ثروات العراق، واقتسامها مع إيران، تاركين الشعب العراقي يقتله الجوع والبرد وانعدام الوقود.
3- الوحشية والقسوة التي ظهر بها بيادق السيستاني وأعوانه ومريدوه. كيف تمكن خمسة عشر رجلاً منهم حضور الإعدام؟ أي سادية لئيمة! هذا يعني أن الانتقام والوحشية والحقد ضارب في أعماقهم حتى العظام. في وقت ينادي فيه مثقفوا العالم وأحراره بمنع تنفيذ أحكام الإعدام.
4- أثبت السيستاني أنه بعيد عن الإسلام، وروحه وتعاليمه، فنحن في الأشهر الحرم، وفي بداية العيد الإسلامي الأكبر. لقد صدق من قال إن المتعاونين مع المغول لا دين ولا إسلام ولا ضمير لهم ولا إنسانية.
5- هل يشرف السيستاني وبيادقه أن الذين أعلنوا عن فرحتهم هم الصهاينة وبوش ومجموعة من المجرمين لا يتجاوزون أصابع اليد؟
لم أحزن على صدام قط، لأني رأيت مئات الأبرياء يقتلون تحت التعذيب وعلى أيدي مرتزقة صولاغ وغيره من البيادق الصغيرة، لكني حزين على رؤية العراق يحترق شيئاً شيئاً، ولا أستطيع أنا أو غيري إطفاء شيء من الحريق. وأخشى ما أخشاه أن أفتح يوماً عيني فلا أرى شيئاً اسمه عراق، لا أرى غير عمامة السيستاني السوداء تظلل العراق أجمعه، فيا لبؤس العراق من الحاقدين على العراق!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد سعيد الريحاني
- الزيارات: 8
بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، 2006:
البيان الثالث
تاريخ التلاعب بنتائج الامتحانات المهنية في المغرب
تمهيد:
في قواميس الكوكب الارضي ، تعني "المباراة" التباري الشريف بوسائل شريفة. ولكن "المباراة" في بعض المناطق من هدا العالم تعني "فرصة للصيد في المياه العكرة". ولسوء حظ المغرب أنه، بعد سنة 1998، سنة "التناوب"، بدأ يقترب من هده الدائرة.
I- الترقية في التشريع الإداري المغربي:
يوضح التشريع المغربي الخاص بالإدارة والتسيير التربوي أشكال تدبيره لترقي الموظفين فيميز بين ثلاثة أشكال من الترقيات:
أ- الترقية بالأقدمية : و تخص الموظفين الذين قضوا عشرسنوات (10) في السلم مع 15 سنة في الوظيفة.
ب- الترقية بالشواهد : وتخص الموظفين الذين تابعوا أو لا زالوا يتابعون دراستهم الجامعية ويعمقون معارفهم بتخصصات قد تفيد في إغناء القطاع الذي ينتمون اليه، قطاع التربية والتكوين.
ج- الترقية بالإمتحان المهني :و تخص الموظفين الذين استوفوا ست سنوات من العمل في السلم و يتطلعون إلى اختصار المسافة لولوج السلم 11عبر القراءة المتجددة و مواكبة المستجدات في عالم التربية و طرق التدريس...
وعلى ضوء الشكل الثالث من الترقيات في التشريع الإداري المغربي، اعلنت وزراة التربية الوطنية عن إجراء أول مباراة مهنية لولوج الدرجة الاولى (السلم11) الخاص باساتذة التعليم الابتدائي في تاريخ مغرب الاستقلال سنة 2003. واذا كان ولوج السلم 11 مطلبا طالما تطلعت اليه الشغيلة التعليمية مند سنين نظرا لنضجها (شواهد جامعية، اقدمية 10 سنوات في السلم ...)
I I-بيان أكتوبر 2004 حول نتائج أول مباراة مهنية في تاريخ المغرب لولوج السلم 11 لأساتدة التعليم الابتدائي:
جاءت نتائج هذا الامتحان المهني الأول من نوعه في تاريخ المغرب افراغا لمضمون المطلب من محتواه واجهاضا لتطلعات الأطر التعليمية المؤمنة بأن كل ترقية لا يمكن أن تمر إلا عبر بوابة الكفاءة وتساوي الفرص والتنافس الحر الشريف في المبارة ...
تبعا للتصنيف القانوني لأشكال الترقيات, يصعب على من عاين سيرالإمتحان المهني لولوج الدرجة الأولى (السلم 11) من إطار أساتذة التعليم الابتدائي التي أجريت لأول مرة في تاريخ المغرب يوم 18دجنبر 2003 و تأخرت نتائجها كذلك لأطول مدة في تاريخ المغرب: عشرة أشهر (10) تخللتها تارة إشاعات بحل المباراة, و تارة أخرى بعدم وصول المتبارين إلى المعدل الضروري للنجاح ... ما بين هذه الظروف- الضوضاء و ذلك التصنيف القانوني لأصناف الترقيات أعلاه, يصعب على أي متبار الاعتراف بأن"مهزلة" 18 دجنبر كانت مباراة لفئة من الموظفين تنتج أجيل الغد.
فقد كان الغش قانونا خلخل التوازن بين المتبارين و هدم مبدأ تكافئ الفرص بينهم. كما تسربت مواد الإمتحان إلى المتبارين فقد ذهب البعض إلى مراكز الإمتحان بمقالات صدرت في أعداد قديمة لجرائد مغربية يومية شاءت الأقدار الإلهية و العناية الربانية أن تكون تلك المقالات هي موضوع الإمتحان !!! ...
إن التحليل المتأني للائحة الناجحين في الإمتحان المهني لولوج الدرحة الأولى (السلم11) من إطار أساتدة التعليم الابتدائي (نموذج نيابة إقليم العرائش) تفصح عن نتائج ثلاث كتل من المتبارين على طريقة كوطا (محاصصة) الانتخابات في الأيام الخوالي:
1)- الكتلة الأولى: كتلة الإداريين من مديري المدارس و المجموعات المدرسية وهي فئة من رجال التربية و التكوين تستحق كل التكريم و الترقي لقيامها بمهام شاقة في ظروف مهنية صعبة, لكن, لماذا يتم إقصاء هؤلاء المديرين من مباراة أخرى غير مباراة دجنبر لأساتدة التعليم الإبتدائي؟... لماذا لا يستفيدون من مباراة ولوج السلك العالي في التدبير الإداري للمدرسة الوطنية للإدارة حيث يتأطر المدير و يتخرج بسلم 11 من بابه الواسع؟... لماذا يتم إقحام المديرين في مباراة خاصة بمن يزاولون مهامهم بالقسم؟ أية علاقة يمكن للإداري الحفاظ عليها مع مواد " تفرض" عليه في الإمتحان المهني كمادة المنهجية مثلا و التي تغيرت و تتغير جذريا كل سنة؟... هل هي رغبة في تجاوز الإختلالات الموجودة في أغلب المدارس بين مدير بسلم أدنى من سلم أساتدة يعملون تحت رئاسته بالمؤسسة؟... و إذا كان الأمر كذلك, هل المباراة قنطرة سهلة لعبور المديرين نحو السلالم العليا؟؟...
2)- الكتلة الثانية,كثلة أساتدة التعليم الإبتدائي التوفرين على أقدمية 10 سنوات مع 15 سنة أقدمية عامة, و هم في غنى عن المباراة أصلا, لأن المباراة ستحرمهم من مكاسب هي حقوقهم في الصميم ومع ذلك سمحوا لأنفسم بدخول حلبة التباري و سمح لهم بذلك و زج بهم في لائحة الناجحين في إطار تخفيف الضغط على الترقية بالأقدمية التي تجري في الجهة الأخرى من طابور قدماء المنتظرين...
3)- الكتلة الثالثة: كتلة "النقايبية"، الانتهازيون النقابيون، الذين دشنوا مرحلة جديدة مثيرة للإنتباه. فعشية يوم الإعلان عن النتائج, لاحظ المعنيون بالشأن التربوي حركة غير عادية. فبعض النقابيين يتجولون في الشارع بلائحة الناجحين تحمل علامة (X ) عند إسم كل منخرط في نقابتهم, و المقرات النقابية تغلي بالفرح... كأن المغرب استعاد سيادته على سبتة و مليلية ؟؟؟ بينما كان الحزن و الحسرة مهيمنين على مقر و مناضلي النقابة الخامسة التي لم يظفر مناضلوها سوى على"صوتين" ناجحين.... الواقع, أن العمل النقابي بدأ يعطي أولى مؤشرات إعادة إنتاج مزالق العمل السياسي: فإذا كانت الإنتخابات مركزية بالنسبة للسياسيين فإن الإمتحانات المهنية أصبحت مركزية بالنسبة للنقابيين , و "الكوطا" مأوى للجميع: سياسيين و نقابيين... ولعله من المفيد الاشارة الى أن هناك بعض الاسماء المحسوبة على " النضال النقابي" وردت اسماؤهم صمن ' المنعم عليهم بالنجاح" في شهرفبراير 2004، أي ثمانية أشهر قبل اعلان النتائج النهائية " لعموم المتبارين" وهذا يطرح أسئلة خطيرة على مستقبل العمل النقابي والتسيير الاداري معا...
تحديد الكتل الناجحة في الإمتحان يدفعنا لطرح السؤال الخطير التالي: "أين المباراة،إذن، داخل هذه الكوطا؟"
إن المباراة أو التباري على منصب أو حصص من المناصب في قطاع أصبح يعرف بقطاع التربية و التكوين, يتطلب أولا التوفر على الحد الأدنى من الشروط:أولاها,الكفاءة. فأين الكفاءة في مباراة 18 دجنبر 2003؟ ولماذا كان الغش يحتمي بمظلة تمتد على حجرات في مراكز الإمتحان الثلاث كما تشهد على ذلك بوضوح و جلاء أرقام طاولات الناجحين المتتابعة الواحدة تلو الأخرى، بينما الحجرات التى لم تقبل الغش كسبيل للنجاح بقيت خارج حصص الكوطا...
لقد كان الغش في مباراة دجنبر وظيفيا مرتين: الأولى, لمساعدته في "خلط الأوراق" وإقصاء الكفاءة و التباري الشريف و ردم تساوي الفرص في النجاح. أما الوظيفة الثانية فتكمن في توزيع الحصص خارج أية عراقيل و"فرض الأمر الواقع" على المندهشين من النتائج المعلنة...
و لقد كانت هناك عوامل أخرى مساعدة: كتقديم أوراق الإمتحانات "مكشوفة" للتصحيح وهو ما لا يحدث حتى في امتحانات القسم الإبتدائي؟؟...
أ- هل بلغ الوهن بالجسد النقابي الى هذا الحد الذي يجعل منه شعارا أجوفا وقناة جديدة لقيم الوصولية والانتهازية؟...
ب- هل استقطاب الجماهير للعمل النقابي استنفذ قواه فلم يبق سوى هدا الباب العامي السخيف المتمثل في "الاغراء" بالتنقيل في الحركة الانتقالية أو التنجيح في الامتحانات المهنية؟...
ج- هل نحن مقبلون على " فكر بعثي " جديد ينظم النجاح في المباريات المهنية بناء على مبدأ "هذا ديالنا وهذا ارمه للبحر"؟.....
د- هل انتقلت المطالب النقابية من الاسفل الى الاعلى: من مطلب "نقل لي هذا في الحركة الإنتقالية" الى مطلب "نجح لي هذا في الامتحان المهني"؟...
هـ- لماذا يكافأ النقابي ؟ أليس العمل النقابي عملا تطوعيا يخدم قضايا الشغيلة ويدافع عنها؟..
و-أين النقابية مما يحدث؟...
ز- دام تصحيح أوراق الامتحان عشرة أشهر (10) وهذا رقم قياسي يستحق عن جدارة ادراجه ضمن كتاب غينيس للأرقام القياسية. أين كانت النقابات طيلة هذه المدة ؟ أليست مدافعا عن قضايا الشغيلة التعليمية ؟ ألا يعنيها الأمر أم أنها كانت شريكا في دراسة ملفات المتبارين وفرز الناجحين على طريقة الانتخابات في الأيام الخوالي؟...
ك- لماذا يعلن عن نتائج السنة الماضية شهرا واحدا فقط قبل الامتحان المهني التالي؟ هل هو خوف من رد فعل المتبارين ؟ أم ثقة زائدة نابعة من معرفة سابقة بانعدام مطلق لردود فعل من جانبهم؟ ام ان الامر هو في صميم الإحساس الطبيعي بالذنب ؟ !...
ل- هل مباراة نونبر المقبل ستخصص للدفعة الثانية من الكتلات الثلاثة (إداريين ونقابيين وأقدمين) ؟ ! ...
I II- الجواب على بيان أكتوبر 2004 على لسان النتائج الوطنية للمباراة المهنية الثانية:
المنجحون في المباراة المهنية لولوج الدرجة الاولى (السلم11) الخاص بأساتذة التعليم الابتدائي لسنة 2004 بنيابة إقليم العرائش 7 مقابل 117 في السنة السابقة. وقد عرضت أسماء الناجحين بشكل مريب تفادى دكر أسماء النيابات التي ينتمي إليها المرشحون وأرقام الامتحانات درء لأي قراءة جديدة لنتائج الامتحان المهني الجديد، وهو ما يدل على ان بيان اكتوبر 2004 قدم قراءة باغتت الجميع ممن كان يعتقد ان "النقابات تتحكم في الرقاب" وانها الضامن للخروج الآمن من كل شطط. كما ان النتائج، بعد بيان اكتوبر 2004، لم تتأخر سنة كاملة كما فعلت المرة الأولى. لكن الخطأ الكبير تمثل في عدم حجب أرقام تأجير الناجحين وهو ما ساعد على قراءة نقدية لنتائج ثان امتحان مهني في تاريخ المغرب للترشح للسلم 11 وبالتالي لتوقيع البيان الأكتوبري السنوي الثاني.
V I- بيان أكتوبر 2005 حول نتائج ثاني مباراة مهنية في تاريخ المغرب لولوج السلم 11 لأساتدة التعليم الابتدائي:
لم يكن متوقعا أن بيان أكتوبر 2004 " حول الامتحان المهني لولوج السلم 11 الخاص بأساتذة التعليم الابتدائي : نتائج امتحانات بطعم كوطا الانتخابات" المنشور على صفحات الجرائد المغربية الحرة المستقلة وعلى موقع "ريحانيات"،على الصفحة العربية، سيثير كل هده الرجة على الصعيد المحلي والاقليمي والوطني. بل لم يكن متوقعا أن النبش في الموضوع هو اقتراب من الشجرة المحرمة...
على المستوى الاقليمي لم يكن ينقص هذا النوع من ردود الفعل سوى الخروج في تظاهرة. وأعتقد أن الأحجام عن تلك التظاهرة أساسه خوفان: الخوف من صناعة بطل خصم، ثم الخوف من فتح باب التظاهر مستقبلا أمام الأغلبية المجهولة...
فقد انقسمت ردود الفعل الى أربعة أشكال :
1-"المرسبون": وهم متضامنون مع المقال ويطالبونه بلهجة أحد وأوضح.
2-"المنجحون": وهم يعتبرون المقال اساسه غياب الروح الرياضة .
3-الخائفون من انعكاس آثار المقال على حظوظهم المستقبلية : وهم من استوفوا مؤخرا شرط الست سنوات في السلم 10 ويستعدون للتباري وهم خائفون من العقاب الجماعي المترتب عن البيان.
4- القبليون الجدد: أو "النقايبية"، وهم يعادون المقال 3 مرات. أولا، لانه يعريهم من زيفهم. وثانيا، لحاجتهم لعدو خارجي يمنحهم مبرر الوجود. وثالثا، لاستعداد بعضهم للانتخابات القادمة، 2007 فقد عمدوا لتحرير ردود ما شاء الله عليها طمعا في الارتقاء من الرتبة الخامسة الى ضواحي وكالة اللائحة في حزبهم. فقد حاولوا قراءة المقال بمنظار انتخابات 2007... كاتب البيان المضاد لبيان أكتوبر 2004 يدكر بشكل طريف بالنكتة المغربية الشائعة عن التلميذ الذي لا يجيد التعبير كتابيا إلا عن موضوع "النملة" حتى إدا ما كان موضوع مادة الاختبار هو "الفيل" ناور وراوغ لتحوير الموضوع من الحديث عن "الفيل" إلى الحديث عن "النملة". فقد كان كاتب البيان المضاد يمسك بنسخة بيان أكتوبر 2004 وعينه تبحث عن طرق الوصول إلى "ماضي العمل النقابي في المغرب"،أي الموضوع المستهلك: موضوع "النملة"....
ولعل ما أفزع الخائفين من هده البيانات ليس هدا التأسيسالمحتمل لتقليد جديد قوامه الخروج للرأي العام ، وليس خوف البعض الآخرمن انتشال الغنيمة من أحشائهم فهم يعرفون أن "القانون" لا مجال فيه للعب(!)، ولا هو بالخوف من إغلاق الباب في وجه طابور المنتظرين من باقي ال"نقايبية" فهم يعلمون أن من يجيد الانتظار يقطف الثمار أسرع ممن يبدل جهدا ويتمسك بالقوانين والتشريعات والأعراف والقيم... إن ما يخيف الجميع هو كون هده البيانات هي "وثائق للتاريخ": أسمى المحاكم وأكثرها قسوة ومصداقية.
ومن هدا المنظور، كان التحضير لمقالة بعنوان: "كيف تقرأ نتائج امتحان مهني مشكوك في مصداقيته"، إلا أنني عدلت عن الفكرة في آخر الأمر لأنني لا أريد أن أتخصص في تحليل نتائج الإمتحانات المهنية...
كما لوحظ بجلاء، بعد الإعلان عن نتائج امتحان الحلقة الثانية من المباراة، خروج بعض الأبواق الانتهازية والأفواه الرخيصة في الترويج لمعاقبة حرية التعبير في الإقليم بربط نسبة النجاح المتدنية هده السنة بصدور المقال وهم لا يشعرون بالإهانة في أدوارهم ولا يعون ما يقومون به ولا يعرفون أن التباري الشريف لا علاقة له لا بغضب الإدارة ولا فرحها لأن القانون يجب أن يكون فوق الجميع وفوق كل العواطف وأن الحصة المخصصة للجهة (7% في البداية ثم ,57 %ثم 8%) لا يمكن المساس بها بأي وجه: لا المكافأة ولا العقاب ولا القصاص...
وإدا ما اعتمدنا على ادعاءاتهم، فإن ما يحدث لا يفرح...
فقد كوفئ الأقدمون في نياب إقليم العرائش في مباراة 2003 لعدم دعمهم لمقاطعة المباراة فنالوا حصص النيابات الأخرى التي قاطعتها رافعين سقف حصتهم المحدد في 7 في المئة إلى21 في المئة. لكن لكل زمن إدا ما تم نقصان. فتداعيات المباراة استغلت للعقاب أيضا كما استغلت من قبل للمكافأة. فمن أصل 117 منجحا في المباراة الأولى ، نزل العدد إلى 7، أي أن العقاب وصل في لغة الرياضيات إلى -110 (ناقص مائة وعشرة).
إن التباري الشريف يتوقع تصحيحا نزيها وإعلانا سريعا للنتائج والتزاما بعدد المقاعد المخصصة لكل إقليم (7%). التباري الشريف لا يتوقع أبدا مكافأة أو عقابا أو قصاصا. التباري الشريف لا يتوقع "كبش فداء ". أما من يبحث عن كبش الفداء فلسوف يكون هو الكبش ذاته!!!...
ولدلك أصدر البيان الثاني قراره التاريخي بمقاطعة جميع الحلقات القادمة للامتحان المهني لاساتدة السلك الإبتدائى لولوج "السلوم احداش" مدى الحياة ... نظرا لوضوح الفلسفة التي تنهل منها المباراة إجراءاتها وهي في جميع الحالات لا تمت بأي صلة لا الي جوهر الميثاق الوطني للتربية و التكوين ولا لروح التباري الشريف ولا لاحترام كرامة رجل التعليم الذي يحضر لهده المباراة لشهور ويحج إلي مراكز الامتحان قادما من مسافات بعيدة ويبني على نجاحه في المباراة نجاحات أخرى في الحياة... لكل هذه الأسباب، أعلن مقاطعتي إلى الأبد لهدا النوع من المباريات التي ليس لها من التباري غير الاسم.
V - الجواب على بيان أكتوبر 2005 على لسان النتائج الوطنية للمباراة المهنية الثالثة:
المنجحون في المباراة المهنية لولوج الدرجة الاولى (السلم11) الخاص بأساتذة التعليم الابتدائي لسنة 2005 بنيابة إقليم العرائش 128 منجحا مقابل 7 منجحين في السنة السابقة. وقد عرضت أسماء المنجحين بشكل عادي وتمت العودة إلى التنصيص على أسماء النيابات التي ينتمي إليها المرشحون وكدا أرقام الامتحانات. كما أن النتائج لم "تتأخر أكثر من شهرين" وهو رقم قياسي في إيجابيته مقارنة مع الرقمين السابقين لكن الغريب هو ظهور نيابة إقليم العرائش التي تصدر منها البيانات السنوية وقد ضاعفت حصتها أربع مرات في حين أعلنت أكاديميات بأكملها دون تنجيح ("لا احد ناجح") كما حدث، مثلا، للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة وادي الدهب-الكويرة. وهده الأكاديميات، على خلفية النتائج التي منحت لها قد تبدو للمنجحين في أكاديميات أو نيابات أخرى، أنها " أكاديميات الكسالى". ترى لو كانت هده البيانات تصدر من " أكاديميات الكسالى"، كم كانت ستتضاعف نسبة التنجيح هناك؟...
VI- الأدوار الجديدة للنقابية في المغرب:
لقد كانت بيانات أكتوبر السنوية وراء التغيير الذي تجاوز ويتجاوز آفاق وحسابات النقابات الثلاثين الحاصلين على الترخيص الرسمي بالعمل العلني في المغرب. بل إن بيانات أكتوبر السنوية كشفت بما لا مجال للشك فيه أن العمل "النقايبي" التحريفي الجديد ليس غير آلة جديدة لتطويع الشغيلة ولا يربطها بماضيها وتاريخها سوى "الاحتفال" بفاتح ماي.
فقد بدأ يتجلى بكل وضوح الدور الجديد للنقابات. إن النقابية في المغرب، بعد سنة 1998، سنة "التناوب"، اتخذت مفهوما جديدا وغريبا كل الغرابة عن الأصول التاريخية التي قامت عليها. فأدوارها صارت تتوزع ما بين خمسة وظائف:
*التبشير بالترقيات والزيادات في الرواتب وحذف الضرائب عن الرواتب....
*التبرير: بوضع ترسانة من الأسباب المغلفة بالمعقولية والعلمية لرفع سن التقاعد من الستين إلى الخامسة والستين لعدة أسباب يتفنن فيها المناضلون "النقايبية" المتجولون في الساحات والشوارع والمقاهي في ترويجها تارة باسم "ارتفاع معدل الحياة عند المغاربة" وتارة باسم نكتة "علمية" أخرى...
*التهدئة: إشاعات سعيدة، وتفاؤل دوري (مغادرة طوعية، العمل بالمهجر، جديد في الحركة الانتقالية، نسبة نجاح إضافية في المباراة القادمة...)
*الهجوم على الرأي الآخر وتكذيب الآراء الحرة ومطاردة الأصوات الشريفة وتهديدها بالاعتداء المادي والرمزي.
*تشييئ الشغيلة: ففي محنة زلزال الحسيمة، بادرت الشغيلة التعليمية للتضامن ماديا وبشكل طوعي مع إخوانها المنكوبين في الحسيمة لكن أيام بعد هدا التضامن هرولت المركزيات النقابية الخمس لدفع عربون تقربها من السلطة المركزية بالتضحية بالشغيلة وفرض اقتطاع اضافي مباشرة من الراتب الشهري للشغيلة بما في دلك الشغيلة التعليمية في مدينة الحسيمة المنكوبة... فإدا كانت 5% من الشغيلة التعليمية منخرطة في العمل النقابي، فباسم من تتحاور هده المركزيات مع الحكومة؟ ومن خول لهده النقابات الحق بالحوار مع الحكومة باسم 95% من الأغلبية الصامتة؟ ما المغزى وراء كل هدا "التمثيل" أو هده "التمثيلية"؟
إنه لأمر غريب يستحق أكثر من وقفة: أن يصبح تصحيح الامتحانات المهنية لرجال التربية والتكوين مطلبا جماهيريا وأن تغدو محاربة الغش في قاعات المباريات المهنية لصانعي أجيال الغد... ولكن الأمر الأغرب هو التواطؤ الفاضح لمنظمات نقابية يفترض أن تكون المبادرة لفتح تحقيق في القضية فإذا بها منتجة لجان "مدججة" بعقليات العمل "المافيوي" لتهديد الجهة الموقعة لبيانات أكتوبر مؤسسة بدلك، علانية، موتها الأخلاقي وانباعثها في عالم الفعل المافيوي رفقة المنظمات الموازية من مافيات الدعارة ومافيات المخدرات ومافيات التهريب ومافيات"التهجيرالسري"....
فقد كونت لجان من داخل "المحلات" النقابية "المحلية" لإشاعة الحرب النفسية على الجهة الموقعة لبيانات أكتوبر ولاستثمار الوضعية الاجتماعية المتدنية لأغلب رجال التربية والتكوين المغاربة المرشحين للمباريات المهنية وتوجيهها عكس مطالب البيانات بتخويفهم من البيانات الأكتوبرية ومن تشديد الحراسة في التصحيح ومن الرسوب في الامتحان المهني وضياع فرصة الترقي ومقارعة الحاجة ليخرج "بعض" رجال التربية والتكوين صانعي رجال الغد:"علاش البيانات؟ باش يمنعونا من الغش ويخسروا علينا السوايع. غش، حتى أنت وهنينا".
إن من يقدم نفسه "فرعا نقابيا" للدفاع عن حقوق الشغيلة وهو في الآن نفسه يحتقر الشغيلة التي ينتمي إليها بهدا الشكل هو بكل تأكيد يستلهم الوضع التعليمي والنقابي العام في البلاد ويعرف "المعطيات الثلاث الأخطر" في القطاع النقابي والتعليمي خلال العشرين سنة الماضية والتي تعرف بمحطاتها العشرية:
* سنة 1986: سنة بداية تدهورمستوى تلاميد وطلاب التعليم العمومي في المغرب الذي كانت شهاداته تقارن بشهادات أعتى الجامعات في العالم الغربي.
* سنة 1996: سنة بداية تدهور مستوى مدرسي التعليم الابتدائي العمومي في المغرب بعد قرار التخلي عن توظيف حملة الشواهد الجامعية (الإجازة/ليسانس) والعودة لتوظيف حملة الشهادات الثانوية (الباكالوريا) في وقت ارتفعت فيه بطالة خريجي الجامعات إلى ما يفوق المائة ألف. كما ان سنة 1996 كانت سنة بداية تدهور المؤسسة النقابية التي وقعها "رمزيا" حضور وزير الداخلية المغربي الأسبق دو السوابق المعروفة لأشغال مؤتمر أحد اكبر المنظمات النقابية في المغرب وأكثرها تأثيرا في الشأن النقابي المغربي حتى تلك السنة.
والأمل، كل الأمل، أن تكون سنة 2006 بداية "العشرية الثالثة" الخاصة بالتصحيح العام وهده البيانات هي مساهمة في هدا الاتجاه الوطني الحقيقي الصادق. إن هده البيانات هي تقليد جديد من تقاليد النقد الذاتي في الوسط التربوي والنقابي بالمغرب.
IIV- فصل المقال في ما بين "النقابي" و"النقايبي" من اتصال:
يميز المغاربة بين المناضل الشريف والانتهازي الطفيلي. وعليه، يسمون المناضل الشريف "نقابيا" تمييزا له عن الانتهازي الطفيلي المندس او المدسوس في العمل النقابي والدي ينعتونه بنعت قدحي مختلف: "نقايبي". ونعت "نقايبي" مشتق من الفعل المغربي الدارج "نقب" أي "عاش على الفتات".
لقد بدأ الفصيل "النقايبي" خلال كل تاريخ الحركة العمالية في المغرب مقصيا لكنه انتهى مهيمنا بفعل تحالفات معروفة حول من خلالها كل الإرث النضالي إلى مجرد بوق وأيدي للتصفيق للمشاريع والقرارات...
كما استفاد الفصيل "النقايبي" المهيمن من ضعف الوعي النقابي لدى الشغيلة المغربية وضعف الانخراط فأضاف لكل تلك الأزمات أزمة إضافية تغنيه وتعزز موقعه: "غياب الديموقراطية الداخلية" فكان للمناضلين المخالفين له في الرأي والانتماء "الإقصاء" وكان له هو "الخلود في المكتب". وربما كان من الاجدى إضافة "عجب ثامن" إلى عجائب الدنيا السبع التي من الممكن ان تحفز السياح الأجانب على زيارة المغرب وهو احتكار"المتقاعدين" لمناصب الكتابة العامة أو الامانة العامة للمنظمات النقابية إلى الأبد...
احتكار المنصب من أجل مادا؟
الحنكة والتجربة؟
امتلاك مشروع دنا من تحقيقه؟
...؟
إدا كانت الرياضيات هي أم العلوم، وإدا كان الجميع يدين للعلوم وللتفكير العلمي، فلا بد ان الرياضيات سبيلنا لمعرفة أمور شؤوننا بسبل علمية يرتاح لها الجميع.
الرياضيات في أشكالها البسيطة تثبت أن "ثلاثين نقابة مغربية" على مدى الخمسين سنة من استقلال المغرب لم تحقق سوى مكسبين اثنين ضدا على كل أشكال المنطق الرياضي :
30 نقابة×50 سنة = مكسبين لأساتدة التعليم الابتدائي (مكسب التحاق الزوجة بالزوج+ مكسب الارتقاء للسلم 11)...
فعلى افتراض أن هدا "التشظي التنظيمي الهائل" تحركه إرادة لتحقيق مطالب الشغيلة وحرص على الولاء لمصالح الطبقة العاملة(!)، فإنه يتوقع "بالضرورة وعلى أقل تقدير" تحقيق مطلب واحد سنويا لكل نقابة وهدا ما يجعل المعادلة الرياضية تستقيم على هدا النحو:
30 نقابة ×50 سنة = 1500 مكسبا إداريا واجتماعيا على مدى الخمسين سنة الموالية لاستقلال المغرب. وهدا العدد، لو كان قد تحقق، لكان بإمكانه ان يجعل من حياة الشغيلة في المغرب، موظفين ومستخدم وعمال، لا تقل في رخائها وازدهارها عن حياة جدنا الملك يوبا الثاني...
وما دام لا شيء مما سبق حاصل، فما المبرر إذن لكل هدا التشظي النقابي؟ وما الجدوى من كل هده البلقنة؟...
في خطاب لزعيم نقابي سنة 1996 في أوج العمل النقابي، ورد أن 5% فقط من الشغيلة التعليمية المغربية منخرطة في العمل النقابي وهده النسبة المجهرية من المنخرطين (أو مقتني البطائق لكن حتما ليست بنسبة المناضلين) يدينون بالولاء لثلاثين مركزية نقابية (=30 مركزية نقابية). وكل مركزية نقابية من هده الثلاثين مركزية نقابية تدين بالولاء لأربعة وأربعين حزبا سياسيا (="أم الأربعة والأربعين"). وكل حزب من هده "الأربعة والأربعين حزبا سياسيا مغربيا" يضع نصب عينيه "الدورة الاولمبية" أو "الدورة الانتخابية" ويضبط ساعته على "الموعد الكبير" الذي لا علاقة له لا "بالنقابي" ولا"بالنقايبي"... ولدلك يعرف المشهد النقابي كل خمس سنوات، وهو بالمناسبة المقصود ب"الموعد الكبير" ، تشققات وانشقاقات وتفريخ كتاكيت نقابية جديدة في سعي "فطري" للحضور في الموعد المحدد على مأدبة "المحاصصة".
ثلاثون نقابة (=30 نقابة) تنشق عن بعضها البعض ولا زالت تنشق إلى ما لا نهاية له، وجميعها يحمل، إما من باب السخرية او من باب الإيمان بالفعل، شعار "الوحدة النقابية"!...
وحدة من؟
ونقابية من؟...
الأرقام الواردة في هدا السياق تحيل على الرياضيات، والرياضيات إدا لم تكن قادرة على إفادتنا في فهم المشهد النقابي المغربي العام، فما جدوى تدريس الرياضيات من أساسها؟...
وإدا كانت الرياضيات عاجزة عن تعليل امتيازات النقايبية:
* امتياز الأسبقية في التفرغ: وهي الأسبقية التي لا تعطى لا للكتاب ولا الباحثين ولا الفنانين المنتمين لقطاع التعليم
* امتياز الأسبقية في التقاعد: التقاعد النسبي والمغادرة الطوعية...
* امتياز الأسبقية في "التنجيح" في المباريات المهنية للارتقاء للسلالم العليا...
* امتياز الأسبقية في الترقية بالأقدمية...
* امتياز الأسبقية في الانتقال والتنقل والتنقيل في الحركات الانتقالية والإدارية...
من أجل مادا كل هده الامتيازات السخية للفصيل "النقايبي"؟
ما هي الوظيفة التي يؤديها "النقايبية" مقابل كل دلك؟...
إن المتتبع لما يجري في الغرب نقابيا يقف عند درجة المصداقية التي يتمتع بها العمل النقابي هناك و يعرف أصل الداء الدي حل بالجسد النقابي المغربي. ففي دول اسكاندينافيا، مثلا، السويد خصوصا، يتم فرض اقتطاع جبري على كل الموظفين يصل حد 1% من الراتب الشهري يمر "مباشرة" لحساب النقابة الوحيدة للشغيلة التعليمية التي تبقى مسؤولة ديموقراطيا امام قواعدها: "نقابة العمال" وليس نقابة الحزب السياسي والموعد الانتخابي!... وفي كل دول المعمور، يتم فرض أثمنة لكل النضالات النقابية كاقتطاع يوم عمل لكل إضراب ... وكل دلك رفعا لدعم الدولة للنقابات الدي يترتب عنه بشكل آلي شراء ذمم المناضلين والتلاعب بمصائر الشغيلة.
خاتمة:
إن ما لم يحدث في بداية استقلال المغرب بسبب خروج الحركة الوطنية المغربية خاوية الوفاض، يحدث اليوم بعد خمسين عاما من الاستقلال مع "أحفاد الأعضاء السابقين لأحزاب الحركة الوطنية". وفي قطاع التربية والتكوين ومبارياتها المهنية خير تجل لدلك.
محمد سعيد الريحاني
باحث ومترجم مغربي
http://raihani.free.fr
- التفاصيل
- كتب بواسطة: زهير الخويلدي
- الزيارات: 6
في ضرورة الصفح والمصالحة:
زهير الخويلدي
"فالصفح ليس ولا ينبغي له أن يكون طبيعيا ولا معياريا ولا تطبيعيا.عليه أن يظل استثنائيا وخارقا في احتكاك مع المستحيل:كما لو كان يقطع المجرى العادي للزمنية التاريخية..."[1]
كثر الحديث هذه الأيام عن الأمن ورغد العيش والحياة الكريمة وعن ضرورة الالتزام بقيم التسامح والمحافظة على السلم بين الشعوب ونبذ الحرب والعنف ورغم كل هذه الدعاوي والتمنيات فإن مظاهر التوتر والتنازع لم تنقطع عن الظهور وان بوادر الأزمات المستديمة والميل الى الطغيان والتعسف قد ازدادت وتفاقمت من حيث النوع والكم وكأن القيم والمبادئ التي ألزمت البشرية نفسها باحترامها وصيانتها لم تكن كافية لمنع مثل هذه الأزمات من الاندلاع والتفجر وكأن الحياة اليوم في حاجة ماسة الى وضع أفكار توجيهية جديدة والى اعتماد لائحة عامة من الحقوق والواجبات تضع حدا لكل التجاوزات وتوقف الاحتقان والحرب الأهلية والتوتر المذهبي والتصادم بين الرموز الدينية ومن بين الأفكار الجديدة طرح الفيلسوف جاك دريدا على صعيد البحث القانوني مفاهيم الصفح والمصالحة,فماذا يعني مفهوم الصفح؟ من أين جاء به؟ ماهي المجالات التي ينطبق عليها؟ ما الذي يستدعي الصفح؟ هل يندرج ضمن النظام القانوني أم السياسي؟ من يدعوه ويطلبه ؟هل الدولة هي التي تمنح الصفح أم المواطن؟ لمن يقع منحه وتحت أي شروط؟ وفي مقابل ماذا يتم منحه؟ وماهي حدوده؟ وهل يجوز أن نتحدث عن حدود للصفح؟
I /دواعي الحديث عن الصفح:
تعاني حضارة اقرأ زمن العولمة من داء عضال هو الغزو من الخارج والاستبداد من الداخل ولم تجد للشفاء من هذا الداء دواء لأن الذين نذروا أنفسهم لمقارعة الاستبداد سقطوا في حبائل الاستنجاد بالأجنبي وتبرير الغزو وتسريع نسق الاستعمار وكل من انتهجوا منهج مقاومة الاستعمار انزلقوا في متاهة الأنظمة الشمولية واحتموا بقلاع التوريث والاستبداد رغم علمهم أن الاستبداد والاستعمار وجهان لعملة واحدة وأن الواحد منهما يؤدي الى الآخر,فالاستعمار يزرع بذرة الاستبداد والاستبداد ينتج قابلية الاستعمار.
علاوة على ذلك تعاني حضارة اقرأ زمن العولمة من التشرذم والفرقة بحيث تعالت الأصوات المنادية بتقسيم ماهو مقسم وتجزيء ماهو مجزأ وكثرت النعرات المنفلتة من عقال المكبوت وصارت الذاكرة تفرض سلطتها على حركة التاريخ وانفلت حبل الاعتصام وتهدمت العروة الوثقى للأمة ورجع الموروث بطم طميمه وكأننا نعيش زمن الفتنة الكبرى وطرحت من جديد في الفضاء العمومي مقولات التحكيم والوصية والصحيفة والبيعة والخلافة والإمامة وبدأ البعض يتحدث عن خروج الدابة والمسيح الدجال والمهدي المنتظر دون كلل ولا ملل مع إهمال شديد لكل مبادئ العقل ومعطيات الواقع ودون الاحتكام الى لغة المنطق والمنهج الموضوعي في تأويل الأحداث.
غير أن الأمر الجلل والمعضلة الكبرى هو احتدام الصراع واندلاع المعارك في الساحة الخاصة بالساكن الأصلي بشكل غير منقطع النظير بحيث بدا جسد الأمة ممزقا تتداعى عليه الأكلة من كل مكان وظهر وطن الكينونة مخترقا مداسا بالأقدام من فلسطين ولبنان والعراق والسودان والصومال الى أفغانستان والشيشان والتشاد. وما يزيد الأمر تعقيدا هو تفجر الحرب الأهلية المدنية والعسكرية وازدياد الاقتتال بين الشيعة والسنة وبين الأكراد والعرب وبين المسلمين والمسيحيين وبين المسلمين والهنود دون أي إيمان بقيم المواطنة وحقوق الانسان ودون أدنى احترام للمبادئ التي نادت بها الأديان والثقافات العريقة ولعل تفشي الضغينة والحقد والكره بين الفرق والمذاهب والملل والنحل هو الذي يؤدي الى الرغبة في الثأر والانتقام والقصاص وتبني ثقافة شعوبية مفلسة.
إذا عدنا الى حال العراق ضربا للأمثال فقد أعدم الرئيس السابق صدام حسين المجيد رغم كونه حاول أن يبني العراق من خلال مشروع قومي ونجح الى حد ما في ذلك كما أن عدد الذين سقطوا ضحية الحرب الأهلية في ظل الديمقراطية المزروعة زورا وبهتانا هو أكبر من عدد الذين عاقبهم صدام زمن حكمه أضعافا مضاعفة وقد فاق نصف مليون قتيل من الشيعة والسنة على السواء ومعظمهم ضحايا مدنيين لا ذنب لهم ولا جرم اقترفوه سوى أنهم مواطنون عراقيون. والمخيف حقا أنه ربما يمثل إعدام الرمز القومي صدام حسين المجيد نقطة اللاعودة في مشروع أي مصالحة وطنية في العراق وقومية في الوطن العربي والإسلامي بين الذين يحملون لواء المشروع الأمريكي ويدافعون على خيارات العولمة النيوليبرالية وبين من يقاومونهم من منطلقات ومرجعيات مختلفة وربما يكون هذا الحدث الأرعن خصوصا وأنه وقع فجر عيد الأضحى بالنسبة للمسلمين السنة وفي أيام حرم وقبيل احتفال المسيحيين بعيد رأس السنة الميلادية بداية لفتنة كبرى جديدة لا ندري الى ماذا ستؤدي وماذا سيعقبها.
II/ في الفضيحة والعار:
إن منطق التشفي والشماتة هو تعبير عن سيطرة القوى الارتكاسية على القوى الفاعلة في الجسد الإنساني وترجمة لتغلب الأنفس الأمارة بالسوء على الأنفس الطيبة التي تعود الى ربها راضية مرضية بعد أن قدمت ما يمكن تفعله في دنياها واقتنعت بمصيرها المحتوم فمحكمة التاريخ لا تطبق الحد على الكائنات الضعيفة بل على الأبطال الذين كان لهم ثقل في زمنهم وحاولوا أن يحركوا التاريخ ويحولوا وجهه,ينبغي أن نتذكر جيدا ماذا فعلت محكمة التاريخ بنابليون بونابرت هذا الذي رآه هيجل الفرد الذي بلغ لحظة المعرفة المطلقة وليس مجرد عقل فوق حصان وكذلك تروتسكي المؤسس الفعلي للجيش الأحمر الذي انتهى به الزمن مغتالا سياسيا في المنفى.
من هذا المنطلق لا ينبغي أن نتسرع في الحكم على أناس جعلتهم الأيام يمتلكون العين الثالثة وقررت أن تسوقهم الى حيث تريد دون مواربة ودون أن يختاروا لا لشيء إلا لأنهم انتصروا لقيم الحق والكرامة وقالوا لا ضد الغطرسة والجور والعجب كيف يكون صدام على لسان أعدائه ظالما في عدله عادلا في ظلمه جامع لكل الطوائف منحازا الى طائفته السنية في نفس الوقت؟
إن الأمر في حاجة ماسة الى تدقيق وتحقيق ولا ينبغي أن نتعجل في الانضمام الى معسكر المرحبين أو الى معسكر الغاضبين. إن التناهي البشري يبرز بشكل شاخص في تجربة البعث العراقية مع صدام حسين وان عدم إمكانية تلافي الأخطاء هو جزء من هذه التجربة التي تستحق بالفعل دراسة علمية مستفيضة وتوقف فكري كبير خصوصا وأنها عرفت ثلاثة مراحل:
- توجه ماركسي عربي أدى الى التصادم مع التيار الديني الشيعي.
- توجه قومي عربي أدى الى التصادم مع التيار الماركسي ومع القومية الفارسية والتركية.
- توجه عربي إسلامي أدى الى مساندة القضية الفلسطينية مساندة مطلقة والتصادم مع الصهيونية والامبريالية الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
إن المزالق التي وقع فيها زمن حكمه هي الاستخدام المبلغ فيه أحيانا للقوة وعسكرة المجتمع وتوخيه أسلوب تصفية الخصوم وانغلاق المجتمع السياسي ودخوله في حرب مع إيران لخدمة أجندة غربية فكانت حربا بين أصلعين على مشط لا قيمة له ثم غزوه المكره للكويت وإيمانه بالوحدة عن طريق الضم القسري وليس من خلال الديمقراطية الاندماجية.
بيد أن ما نثمنه في حكم صدام أنه خدم العرب وآمن بقضاياهم وكان الأب الحنون للفلسطينيين وخير نصير للأمة العربية من الناحية الثقافية التربوية وحتى من الناحية الاقتصادية والاجتماعية كما كان صمام أمان بالنسبة إليهم فقد بني الجامعات والمؤسسات الإعلامية في العديد من الدول العربية وبعث الخبرات والطاقات لتشرف على التدريب والهيكلة في بناء العديد من المؤسسات المدنية كما رفع رؤوسهم عاليا من خلال اعتزازه بهويته وماضيه وفق رؤية تقدمية.
لكن رغم هذه الأخطاء فإن تجربة صدام في العراق تعتبر تجربة منطقية بحكم الموقع الجيوسياسي للبلد وتعدد الطوائف والملل وبحكم وجوده في الثغور الشرقية للعرب وغير أخلاقية وغير قانونية بحكم ما خلفه من تشرذم وتناحر لحظة دخول الغازي وصعود أمراء الطوائف الجدد, فكان نموذج دولته بالنسبة لعصره هو نموذج مرابطي اعتمد اشتراكية شعبية عممت التعليم وأوصلت الغذاء والدواء لكل الناس وأعطت للبعد الوطني والقومي وزنا كبيرا وان ما فعله رجال المليشيات يعبر عن ضغينة وحقد أعمى وثقافة شعوبية لا ترتقي الى ثقافة الأمم وصدرت عن عقول لا تصلح لكي تكون عقل دولة وهي فضيحة سياسية وبداية إفلاس لهذا اليمين الديني الانتهازي الصفوي المتحالف مع دوائر المخابرات الغربية الأجنبية.
III/ في ضرورة الصفح:
كيف لمؤمن يعبد اله رحيم وعفو ورؤوف يقبل التوبة وشفاعة محمد صلعم يوم القيامة وينطق بالشهادتين أن يقدم على مثل ذلك الصنيع في يوم مقدس وبتلك الشناعة والبشاعة ؟ هل ماتت الرحمة في قلبه وقتل في جبلته الانسانية؟
السماحة والحلم والوئام كلها مجموعة من القيم نابعة من جوهر العقائد وهي من الأركان الثابتة التي يتقوم بها الإسلام ودونها لا يكون الإسلام سلما ولا سلاما على العالمين والضغينة لا تداوي الشعوب من الطغيان بل بالمحبة والمغفرة والاعتراف بالذنب والنسيان كلها وسائل ناجعة من أجل صنع غد مشرق.
إن الوفاء للماضي لا يعني القصاص والثأر بل يعني الانفتاح على المكارم والمآثر والمفاخر,فشهداء الأمس هم أبطال قالوا قولة حق وليسوا مجرد ضحايا للطغاة وأحسن طريقة للسير في طريقهم هي نبذ الظلم ورفض إزهاق الأرواح والتسبب في تمزيق الصفوف وتعميق الهوة بين المذاهب والملل وليس طلب الدم والمعاملة بالمثل والوقوع في شرك الانفعال البغيض."متى شرعنا بوضع أنفسنا موضع اتهام ملتمسين الصفح عن كل جرائم الماضي التي ارتكبت ضد الانسانية فإنه لن يبقى هناك بريء على وجه الأرض وبالتالي لن تجد شخصا يصلح ليحتل منزلة القاضي أو الحكم"[2]
إن التقادم يرمم الذاكرة ويداوي الجراح ويجعل الصفح هو لغة المرحلة ومنطق المستقبل ويشرع هذا الصفح لإمكانية الترميم بالتعويض وجبر الأضرار بإجراءات الاعتذار المتبادل والتفاهم على نوع من التناسي بالتراضي لن ماضينا مثقل بالجراح ولو حفرنا في الذاكرة لنبشنا جميع القبور والكل يتحمل مسؤولية الذنوب التي حصلت فنحن جميعا في الآن نفسه ضحايا لبعضنا البعض ونحن جميعا دفعنا ضريبة الترشد ومخاض التحرير وبناء الدولة الأمة.إن الصفح في المجال السياسي يشبه التوبة والغفران في الفضاء الديني ويشبه الاعتذار والعفو في المجال الاجتماعي ويشبه إسقاط الدين والإعفاء في المجال الاقتصادي وهو الى حد ما إلزام أخلاقي ينبغي أن يتقيد به الجميع حتى يتم انجاز هزة رحيمة وقفزة نوعية نحو التلاحم والانصهار بدل الانبتات والتباغض.
المطلوب اليوم من الجميع سلطة ومعارضة,دولة ومجتمع,ضحايا الماضي وجلادي الحاضر,الغزاة والطغاة هو الصفح والمصالحة لأن لا أحد بريء بحكم الذاكرة والتاريخ وبحكم القانون والسلطة فكل واحد مدان أمام الانسانية التي ينتمي إليها والتوبة هي نوع الاتهام الذاتي وطلب المغفرة من الأخر ولا يوجد شيء لا يقبل الصفح لأن الجميع متساوين في كونهم أجرموا في حق أنفسهم وبالتالي في حق الانسانية. الشيء الوحيد الذي يستحق الصفح هو الشيء الذي لا يقبل الصفح أو كما قال دريدا: "يصفح الصفح فقط عما لا يقبل الصفح"[3]
إن المصالحة في حضارة اقرأ بين جميع الطوائف والأديان وبين جميع الملل والنحل ضرورية في هذا الزمن الإمبراطوري حتى تتحد القلوب وتلتف العقول من أجل مقاومة العولمة الظالمة وحتى تصمد الأمة في وجه الغزاة وتنجز مشروع التحرير والتنمية والصفح هو المفردة الأولى في قاموس فلسفة المقاومة.
المراجع:
المصالحة والتسامح وسياسات الذاكرة جاك دريدا وآخرون ترجمة حسن العمراني دار توبقال للنشر الدار البيضاء 2005
*كاتب فلسفي
--------------------------------------------------------------------------------
[1] المصالحة والتسامح وسياسات الذاكرة جاك دريدا وآخرون ترجمة حسن العمراني دار توبقال للنشر الدار البيضاء 2005 ص 12
[2] المصالحة والتسامح وسياسات الذاكرة جاك دريدا وآخرون ترجمة حسن العمراني دار توبقال للنشر الدار البيضاء 2005 ص9
[3] المصالحة والتسامح وسياسات الذاكرة جاك دريدا وآخرون ترجمة حسن العمراني دار توبقال للنشر الدار البيضاء 2005 ص12
- التفاصيل
- كتب بواسطة: م. حسين عيسى قرضاب
- الزيارات: 8
سيف الإسلام القذافي "
ومانيلُ المطالبِ بالتمني **** ولكن تؤخذ الدنيا غِلابا "
المهندس حسين عيسى قرضاب
الكلام عن الإصلاح يعني وجود فساد ، والبحث عن الحلول يفهم منه وجود مشاكل ، ولكي تكون الحلول ناجعة وعملية يجب الوصول إلى المشاكل الحقيقية التي تمس حياة المواطن البسيط وهذا يجعلنا نتساءل هل الباحثون عن الإصلاح في ليبيا وعلى رأسهم المهندس سيف الإسلام القذافي وصلوا لمشاكل المواطن الليبي لكي يضعوا لها حلول ؟ فاعتقادي إذا لم ينزل الإصلاحيون إلى الشارع ويختلطوا بالشعب لكي يحسوا بمشاكل الناس الحقيقية ، وهموم المواطن اليومية ، لن تنفع أي حلول يضعها هؤلاء .
لأنهم لم يعرفوا الداء لكي يصفوا له الدواء ، ومن الشارع سوف نجد أن الناس تريد أفعال ولا تريد أقوال ، والشعب لديه الكثير من المطالب , منها رفع مستوى المعيشة والاهتمام بالتعليم والصحة والبنية التحتية وجميع الخدمات التي تمس حياة الإنسان اليومية ، وكذلك القضاء على الكثير من الظواهر السلبية المتفشية في المجتمع ومنها المحسوبية والرشوة والمخدرات والقبلية و.....و....... و.......الخ .
وهذا يتطلب فهم حقيقي لسلوكيات المجتمع ، فهناك ثقافة غريبة سائدة في الشارع الليبي!!! فمثلاً أي مسئول أو مصعد أومقرب من شخصية مهمة لا يملك ثروة فهو عند أغلب الناس مغفل !!!!!!! .
وكذلك انتشار ظاهرة القبلية في كل مؤسساتنا ** مما ساعد القائمين على الحصر في أداء عملهم بدون تعب ، فمن مدخل الشركة أو المؤسسة إذا قالوا لك ان المدير( الأمين ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ) من القبيلة الفلانية ، فثق وتأكد أن باقي الموظفين من نفس السلالة الطاهرة .
والكثير الكثير من العادات والظواهر السيئة التي تدل على غياب روح الوطنية .
وفي البرنامج الإذاعي لقاء اليوم على قناة الجزيرة أجرى أحمد الشلفي حوار مع المهندس / سيف الإسلام القذافي وكان ذلك بتاريخ 10/12/2006 وصف سيف الإسلام نفسه (( رأس حربة للإصلاحات )) وتحدث قائلاً /
( إحنا كمجتمع لابد من وقت لأخر نقف ونراجع أمورنا وحساباتنا ونراجع تجربتنا الماضية حتى ننتقل إلى الأمام ) .
( لا يجب ربط المبادرة والإصلاحات بشخصي أنا العبد الفقير لله مستحيل وحدي أحقق كل هذه الإنجازات وكل هذه الإصلاحات ) .
( النظام الديمقراطي هو النظام الذي يختار الرجل المناسب في المكان المناسب وبالتالي من خلال نظام ديمقراطي نضمن وصول أفضل النخب في المجتمع إلى المراكز التنفيذية في الدولة ، وهذه الميزة التي تميّز النظام الديمقراطي عن النظام الو راثي ) .
المهندس سيف الإسلام في مقالي ( سيف الإسلام القذافي أميناً للجنة الشعبية العامة " رئيساً للوزراء " ) تمنيت أن يكون الشخص الذي يتكلم عن الإصلاحات على رأس السلطة التنفيذية لكي يحقق الإصلاحات ،وتتحول الوعود إلى حقائق ملموسة .
وبما أنك طرحت فكرة مراجعة تجربتنا السابقة ، أرجو التركيز على موضوع مهم جداً " الانتماء الوطني " ففي مرحلة سابقة كان يعتقد شبابنا أن الثورية هي مرحلة متقدمة من الوطنية ، ولكن بعد فترة من الزمن أصبحت الثورية في اتجاه معاكس للوطنية ، فبذل من التضحية من أجل بناء المجتمع , صارت هي من تمتص دماء أبناء هذا المجتمع الطيب ، وكما نعلم أن الزندقة هي استغلال الدين من أجل أغراض أنيه ، أصبحت هناك زندقة ثورية من أجل الوصول إلى إمتيازات مثل الدراسة والعمل في الخارج إلى غير ذلك من التسهيلات .
المهندس سيف المشوار مازال في بدايته ، فلهذا نتمنى منكم فتح قنوات للتواصل بينكم وبين عامة الشعب ، وهذا يتيح لكم الفهم السليم لإحتياجات هذا الشعب الطيب .
وأقول أن احترام العقول يوصل إلى القلوب ، ولكي يصبح لدينا شباب واعي مثقف قادر على البناء والتطوير ‘ يجب أن نوفر لهم بيئة صالحة يكون فيها الدور الأكبر للإعلام .
وهذا ما لم نلمسه بعد ، فمازالت قضايانا تتناقلها الفضائيات ونرى ونسمع التحليلات عن مشاكلنا من الغير ، وللذكر لا للحصر نشاهد هذه الأيام جميع وسائل الإعلام العالمية والعربية مهتمة بقضية أطفال بنغازي المحقونين بفيروس الإيدز، وبالنسبة لوسائلنا الإعلامية بذل أن تُطرح هذه القضية بكل شفافية ووضوح نجدها ( مجرد خبر ) ؟!!! .
فعندما تسأل المواطن العادي عن هذه القضية تجده لا يعرف شيء ، والسؤال لماذا لاتقام الندوات والحوارات التلفزيونية الجادة ؟ لنصل إلى نشر ثقافة الاهتمام بمشاكلنا ومن ثم طرح الحلول لها من الجميع .
ومن تجربه خاصة مع المؤسسات والدوائر الحكومية والمنظمات الأهلية ‘ أقول ما تزال هناك أسوار بين المواطن العادي وبين هذه المؤسسات ، فقبل سنة من الآن قمت بطرح مذكرة عن كيفية التواصل بين الجالية الليبية بالمهجر ومؤسسات الدولة ، ووصلت إلى ( اللجنة الشعبية العامة – مؤسسة القذافي – جمعية واعتصموا – الأمانة العامة .... ) .
ولكن ........................ !!
عموماً سوف أنشرها على شبكة الانترنت ربما تجد لها من مجيب .
المهم أن الوطن جميل ورائع وحلو وسوف يكون أجمل وأروع وأحلى لو وجدنا فيه من يحترمنا ويحترم عقولنا .
وأنهي كلماتي بهذه القصة ، في أحد الكليات كان هناك أستاذ"عميد الكلية " كلما دخل إلى قاعة المحاضرات يكتب على اللوحة
ومانيلُ المطالبِ بالتمني **** ولكن تُؤخذ الدنيا غِلابا
ويقول للطلبة خذوا هذه الحكمة وإجعلوها منهاجاً لكم ، وبعد مرور أيام وقعت مشكله وتم طرد 7 طلبة من الكلية ، وبعد يومين رجع طالبان ولم يرجع الباقين ، والسبب أن هاذين الطالبين لهم نفوذ ومن قبيلة معرفة ولكن لا يستطيع أحد أن يفعل شيء ، فجاء الأستاذ إلى قاعة المحاضرات في اليوم التالي فوجد مكتوب على اللوحة " السبورة "
ومانيلُ المطالبِ بالتمني **** ولكن تَأخذ الدنيا الغَلابا
المهندس سيف الإسلام القذافي أتمنى أن تكون حكمتك مثل عنوان المقال .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمود الزهيري
- الزيارات: 7
الإخوان المسلمين : سلطة الفساد : الميلشيات العسكرية للإخوان :
هل هناك عنف ديني مؤجل ؟
محمود الزهيري
العنف لعنة , والإرهاب مصيبة , والحرب الأهلية كارثة , والطامة الكبري أن يكون الدين هو مصدر العنف والإرهاب ونهر الحرب الأهلية الذي تستمد منه كافة التيارات الدينية روافدها منه ليكون كل هذا العنف والإرهاب والقتل طاعة وعبادة وقربي لرب العالمين دون معرفة لتحديد مفهوم الحرب والقتال والجهاد وعدم ربط تلك المفاهيم بجغرافية النصوص الدينية وحصرها تاريخياً في زمان محدد دون إلمام بالمتغيرات العالمية ومستجدات العصر الحديث وما تبع ذلك من وجود الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الدولية المتخصصة والإقليمية التي من خلالها تعتبر الدول أعضاء في الجماعة الدولية , ووجود محاكم دولية لفض النزاعات الدولية بين الدول المتنازعة علي مسألة من المسائل التي تنشأ بين دولتين أو أكثر للخروج بحل لتلك الأزمة أو المشكلة لهذه الدولة أو تلك , وبالرغم من وجود العديد من الملاحظات المرفوضة لأداء المنظمة الدولية ووجود مايسمي بحق النقض الفيتو وحصره بيد مجموعة من الدول دون دول أخري !!
ومن هنا تتأتي أزمة الجماعات الدينية التي مازال الدين مختزلاً في ذاكرة قادتها وأعضائها علي مجموعة من العقائد والتصورات المرتبطة بمرحلة تاريخية معينة في التاريخ الإنساني دون رغبة من هذه الجماعات في عرض تلك الوقائع التاريخية علي وقائع العالم المعاصر والمتغيرات الدولية في السياسة وإدارة فنون الحرب والقتال , وكذلك الإقتصاد ووسائل فض المنازعات الدولية , وسيادة الدول المستقلة علي حدودها التي تم ترسيمها دولياً بموجب خرائط دولية معتمدة لدي المنظمة الدولية المسماة بالأمم المتحدة صاحبة مجلس الأمن الدولي ذو اليد العسكرية الطولي في تنفيذ وتفعيل قرارات الأمم المتحدة في إصدار قرار الحرب ضد دولة من الدول الخارجة علي مفهوم الشرعية الدولية بواسطة قوات مجموعة من الدول الأعضاء في المنظمة الدولية !!
فكيف يمكن تفعيل الشرعية الدينية المتمثلة في الجهاد المبني علي قاعدة : لتكون كلمة الله هي العليا : وحرب المشركين كافة والكفار والمحادين لله وللرسول : وحرب الخارجين عن الشرعية الدينية .
وهذا علي المستوي الدولي لايمكن تفعيله علي الإطلاق , ومانسميه عملية جهادية هنا أو هناك من قبل أعضاء الجماعات الدينية لايعود بالخير علي تلك الجماعات ولا علي الدول العربية والإسلامية سواء كانت تلك العمليات المسماة جهادية من جانب الجماعات الدينية أو إرهابية إنتحارية من قبل سلطات الدول العربية والإسلامية أو الدول الأجنبية , بل تعود هذه العمليات بالوبال والخسارة علي مستقبل تلك الدول وتقدمها وحضارتها التي مازالت تحت مؤشر الصفر في كل فن من فنون العلم والحضارة ومازالت في طور النمو تمثل نبتة ضعيفة في عالم القوة والإقتصاد وبفعل سياسات سلطات الفساد لتلك الدول العربية والإسلامية الحاكمة للشعوب بالفساد والإستبداد وإغتصاب الحكم والسلطة , بل وبالعمالة والخيانة في أحيان أخري!! والمتخيل أو المتصور في عقلية الجماعات الدينية أنه لن تكون للدين قائمة سوي بالجهاد المقدس ولن يتأتي دور الجهاد المقدس الفاعل في قيام أركان الدين إلا بأن يكون للدين دولة , ولن يكون ذلك إلا بقيام دولة الخلافة التي هي في عقيدة الجماعات الدينية ممثلة للركن السادس من أركان الدين الذي جاء بنصوص دينية تحض علي قتال الكفار والمشركين والذين لايحرمون ما حرم الله ورسوله .
وكيف تقوم دولة الخلافة ؟
تقوم دولة الخلافة في بدايات تكوينها بتقلد الجماعات الدينية مقاليد الحكم والسلطة في دولة من الدول العربية أو الإسلامية ثم تتوالي الدول المتحالفة مع هذه الدولة حتي يتم تشكيل مايسمي بمجموعة الدول المتحالفة علي ما يمكن تسميته بدستور دولة الخلافة إلي تتعدد الدول وتشمل تلك المنظومة جميع الدول العربية والإسلامية وتكون لدولة الخلافة الوجود الفعلي علي أرض الواقع الدولي , وهذا هو الحلم الأعظم للجماعات الدينية قاطبة والتي تعمل في مجال الإسلام السياسي أو الإسلام الجهادي النضالي أو حتي الإسلام السلفي التعبدي أو التيار السلفي الجهادي !!
والمشكلة الكبري أن هذه الجماعات تدعو للدين في إطار مجتمعات هي متدينة بفطرتها دون معاونة أو مساعدة أو وصاية من أحد بل وهذه الجماعات تدعو إلي التعبد لله والتعريف به وبعقيدته السليمة النقية الخالية من شوائب البدع والشركيات الظاهرة والخفية حسب مفهومها لرسالة الدين دون إغراق في مسائل الحياة والعيش وهموم الناس المعيشية كالفقر والبطالة والمرض وقضايا الفساد وإغتصاب الحكم والسلطة وسرقة الأوطان , بل وتعزي تلك المشاكل والأزمات في إختصار مخل إلي قضية البعد عن الله , وأن حل جميع هذه المشاكل والأزمات لن يكون إلا بالتصالح مع الله والعودة إليه , والهبوط الإضطراري دائماً إلي العموميات لقتل الخصوصيات التي تمس حياة الناس في معاشهم وحياتهم وضرورات الحياة الإنسانية البسيطة التي ماتكون دائماً مؤجلة للآخرة في طلب الصبر علي الفقر والمرض والأذي حتي يكون النعيم المقيم في الآخرة عبر الجنة المؤجلة هو الجزاء الأوفي !!
وإذا تحدثت هذه الجماعات التي تعمل في مجال الدعوة بما تم تسميته بالإسلام السياسي بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية التي هي الممثلة للحل السحري لكافة الأقضية والمشاكل التي تعيشها المجتمعات علي مستوي الأفراد والدول بل والمجتمع الدولي علي أساس أنه حينما يفرض سلطان الشريعة الإسلامية فلا مشاكل ولا أزمات وكأن الله سبحانه وتعالي هو من يحكم بين الناس بذاته متناسين أن سلطان الشريعة المبسوط علي أرض الواقع المأمول يتم تفسيره وتأويله بواسطة السلطان السياسي البشري الذي يفسر ويوؤل النصوص الدينية الشرعية حسب مفهومه هو و الذي يعتقد أنه يوافق حد الشرع ويتفق مع إرادة الله العليا في الحكم والقضاء بين الناس وبين الدول سواء بسواء ومن هنا تصبح إرادة السلطان أو الحاكم هي الممثلة لإرادة الله العليا وكأن الله سبحانه وتعالي يحكم في عالم البشر والناس بالوكالة أو باالإنابة بمفهوم أن الحاكم المسلم أو الخليفة المسلم هو ظل لله في أرض الله !! ومن هذه الفكرة تولدت أفكار الجماعات الدينية التي تبحث عن الحاكمية الإلهية الكافرة بحاكمية البشر وتم جعل النظم السياسية المبتدعة من أفكار البشر وتجاربهم كفر مع أنها نظم تختص بتنظيم حياة الناس السياسية وحقوقهم الإقتصادية والإجتماعية من خلال إطار الحقوق والواجبات المتبادلة بين البشر في إطار وطني تواجدت فيه مجموعة من الثروات والخيرات داخل حدود وإطار هذا الوطن ومن حق كل مواطن أن يكون له نصيب في هذه الثروة القومية بما يحقق له حد الكفاية في العمل الحر والمسكن اللائق والعلاج المتاح وتحمي ذلك مجموعة من القوانين والتشريعات الوضعية التي إتفق الناس فيما بينهم علي إقرارها والعمل علي عدم مخالفتها وإلا يتم توقيع الجزاء المناسب علي من يخالف تلك النظم والقوانين والتشريعات بواسطة حاكم يتم إختياره من خلال عقد سياسي / إجتماعي يتم الإتفاق عليه بين الشعب وبين من يرغب في تولي الحكم والسلطة من أبناء الشعب أيضاً , ويتم ترك مسألة التدين والعبادة والطاعة ليكون الناس أحراراً فيما يعتقدون أو يعبدون دون تدخل من تلك الدولة في أمورهم الدينية لأنه لايمكن بل من المستحيل فصل الدين عن المجتمع بأي حال من الأحوال لأن الدين هو المكون الروحي والوجداني للعديد من الشعوب والأمم ولكن الفصل يتم بين الدين ومؤسسة الحكم فقط حتي لايكون هناك من يستبد بإسم الدين مدعياً انه يمتلك الحقيقة المطلقة وأنه ظل لله في أرض الله !!
ولكن هذا لايرضي الجماعات الدينية التي ما وجدت إلا لتعبيد الناس لرب العباد حسب مفهومهم الديني ومن ثم إقامة دولة الخلافة والسعي لإيجادها سواء بالسلم أو بالحرب المسماة بالجهاد المقدس !!
وماحدث في مصر في الأيام الماضية داخل إطار الحرم الجامعي في جامعة الأزهر من إستعراض للقوة داخل الحرم الجامعي لبعض عناصر جماعة الإخوان المسلمين من عرض شبه عسكري للقوة أمر مرعب للغاية حتي وإن إعتذر المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين أو نائبه الأول أو حتي لو بدر هذا الإعتذار من هؤلاء الطلاب أصحاب نظرية إستعراض القوة داخل الحرم الجامعي لجامعة الأزهر والصور التي إلتقطتها عدسة صحيفة المصري اليوم العدد 911 صور مرعبة تعيد الذاكرة إلي أجواء فلسطين وأفغانستان والعراق ولبنان أيام الحرب الأهلية وجاء ت صحيفة المصري اليوم لتقول مدعومة بالصور الحية : أدي أمس طلاب من الإتحاد الحرلجامعة الأزهر عرضاً بأزياء شبه عسكرية أمام مكتبالدكتور أحمد الطيب رئيس الجامعة إحتجاجاً علي فصل خمسة من طلاب الإتحاد لمدة شهر , وارتدي نحو 50 طالباً زياً أسوداًووضعوا أقنعة علي روؤسهم مكتوباً عليها'' صامدون '' وأجروا إستعراضاً لمهارتهم في لعبتي الكونغ فو والكاراتيهبينما تابعت قوات الأمن العرض الذي إصطف فيه الطلاب في طوابير منظمة تشبه طوابير الميلشيات .
والمشكلة في تناقض أراء قيادات الإخوان المسلمين حسبما ورد بصحيفة المصري اليوم العدد 913 وذلك بين رفض محمد حبيب وقبول عبد المنعم أبو الفتوح ونفي المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين : إذ ينفي المرشد مهدي عاكف : صدور تعليمات
لطلبة "الإخوان" بالجامعة تحثهم علي القيام بعرض "شبه عسكري" لاستعراض القوة،
للمطالبة بإلغاء قرارات فصل طلبة الاتحاد الحر. وقال عاكف لـ"المصري اليوم": ليست عندنا ميليشيات في الجماعة، وليس عندي أي معلومات عما فعله طلبة جامعة الأزهر، لأنني أرفض اللجوء للعنف والقوة في حل المشكلات والقضايا.
بينما يوافق عبد المنعم أبو الفتوح قائلاً : في اتصال هاتفي لبرنامج "القاهرة اليوم" علي قناة "أوربت" أمس الأول، أن الجماعة ليست لها ميليشيات، وأنها كانت من أوائل القوي السياسية في المجتمع المصري التي استنكرت اللجوء للعنف، مدللاً علي ذلك بعدم وجود قضايا "عنف" للجماعة منذ أكثر من 30 عاماً، عندما استأنفت عملها في السبعينيات من القرن الماضي.
وأوضح أبوالفتوح أن للجماعة دوراً إيجابياً في استيعاب التيار الديني في إطار سلمي حضاري يواجه الفساد والاستبداد، واصفاً استعراضات الطلبة بأنها مجرد أنشطة "عادية" واسكتشات وأناشيد لا ضرر منها، وأسيء فهمها، وكانت وليدة اللحظة. وقال: ما قام به الطلبة مجرد "اسكتش" حول المقاومة وعناء الأمة من الصهاينة، ولكن أساء البعض فهمها، وأعتقد أن أي مواطن لا يستطيع أن يواجه عنف السلطة، سواء كان مشروعاً أو غير مشروع.
وأضاف أبوالفتوح: هؤلاء الطلبة ينتمون بالفعل لجماعة الإخوان، ولكنهم لم يحسنوا التعبير عن أنفسهم وأساءوا التصرف السليم، منتقداً الجهات الإعلامية التي نقلت الحدث، مطالبا إياها بأن تضع الأمر في نصابه الطبيعي. واعتبر أبوالفتوح ما قام به الطلبة من "الاعتصام" هو سلوك ديمقراطي تعبيرا عما حدث لزملائهم، مطالبا الجهات المسؤولية بتقديم الشكر لهم وليس عقابهم ـ علي حد قوله.
وقال أبوالفتوح: أرجو ألا ينزعج الناس مما حدث، فهو أمر طبيعي، علي الرغم من كونه خطأ، ولقد قام به الطلاب بدوافع نقية وطاهرة، مشددا علي أنه قام بالاتصال بالطلاب بعد الاتفاق مع المرشد العام، مطالبا إياهم بعدم تكرار ذلك مرة أخري، منعا "للتصيد" ـ حسب تعبيره ـ الذي واجهوه من الجهات الإعلامية، فيساء بذلك للجماعة بأكملها. ولكنه عاد مستدركا ووصف ما حدث بأنه حماس زائد قليلا. بينما يرفض محمد حبيب ماحدث من طلبة الإخوان المسلمين قائلاً: إنني أستنكر بشدة هذا الأمر، فنحن لا صلة لنا بالعنف، ونرفض سلوك هؤلاء الطلاب جملة وتفصيلاً.
واللافت للنظر في موضوع العروض شبه العسكرية لطلاب الإخوان المسلمين في جامعة الأزهر هو ماأشار إليه الإعلامي عمرو أديب إلي أن : هناك 4 شركات أجنبية رفضت الاستثمار في مصر بعد مشاهدة الاستعراض في قناة "سي.إن.إن"، قال أبوالفتوح : وما رد فعل الجميع إزاء اعتداءات قوات الأمن المركزي علي الطلاب في أي اعتصام سلمي؟! رافضا تشبيه الطلاب بجماعتي حماس وفتح. ومن الحق أن نشهد بأن سلطات الفساد في مصر سوف تؤدي بالمجتمع المصري وبالدولة المصرية إلي نوع من أنواع تحلل الدولة وتحلل المجتمع في آن واحد فيصبح لادولة ولا مجتمع وينتج علي إثر ذلك نوع من أنواع الحروب الأهلية التي ليس لها مثيل في المنطقة نظراً لتعدد الجماعات الدينية والتيارات السياسية في مصر من أقصي اليمين لأقصي اليسار ومن تيارات الإسلام السياسي إلي الإسلام السلفي التعبدي والتيار السلفي الجهادي المتمثل في الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد والتكفيريون وتنظيم القطبيون والناجون من النار والتوقف والتبيبن والتكفير والهجرة إلي باقي الجماعات الدينية الأخري التي لها تواجد قائم في المجتمع المصري ومن هنا ليس يكون الصراع بين الجماعات الدينية ذات التوجه العسكري المسلح وبين الدولة التي تمثل المنازع للحاكمية الإلهية في دنيا الحكم والسياسة وإنما سيكون الصراع قائماً أيضاً بين الجماعات الدينية ذاتها لإختلاف المفاهيم وإختلاف التربية والرؤي وطرق ومناهج تلك الجماعات عن بعضها فيما يسمي بفقه الأولويات أو فقه المرحلة والتي تعبر عنه كل جماعة بأسلوب وطريقة مغايرة عن الجماعات الأخري وطريقة ترتيبها للأعداء ومن هم أولي في العداء والجهاد ضدهم حتي يستقيم الأمر لتلك الجماعة أو غيرها ولن يكون ذلك إلا بفاتورة دم يدفعها أبناء الشعب المصري ناهيك عن ضياع منظومة الأمن والأمان وإنهيار أركان الدولة وقيام أركان الفوضي وتنامي دورالعنف والإرهاب الدموي المسلح , وقد كان للدولة المصرية السبق في إستخدام البلطجة والإرهاب ضد طلبة إتحاد الطلاب الحر الموازي لإتحاد طلاب الحزب الوطني وأمن الدولة بأن تم إستجلاب مجموعات من البلطجية حاملي السنج والمطاوي والسكاكين والعصي والشوم ضد هؤلاء الطلبة بجامعة عين شمس وتم التعدي عليهم بالضرب وتم إحداث إصابات بالغة بما يزيد عن 24 طالباً من قبل بلطجية الدولة التي إستجلبتهم داخل الحرم الجامعي !!
وما كشفت عنه هذه الميلشيات الشبه عسكرية يجب التوقف عنه لأن الأمر قد يكون ليس متوقفاً علي جماعة الإخوان المسلمين فهناك بعض التيارات الإسلامية الراديكالية الأخري التي قد يكون لديها تنظيمات عسكرية وأجنحة عسكرية مسلحة وقد تسبق ميلشيات الإخوان في التواجد ولكنها بحجم أقل في العدد والتنظيم والعدة والعتاد والتمويل بل ويوجد فصيل كبير من هذه التنظيمات يشجع ويؤيد الإخوان المسلمين في تواجدهم شبه العسكري والسري الغير معلن عنه والذي ظهر مدي التناقض بين أقوال المرشد محمد مهدي عاكف والدكتور محمد حبيب نائب المرشد والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح عضو مكتب الإرشاد أن هذه التظيمات أو الميلشيات الشبه عسكرية قد تكون في واد وقيادة الجماعة في واد آخر وقد يحدث الصدام بين الجيل القديم والجيل الجديد من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين الذين تربوا في جو بعيد عن الجو الذي كان يعيش فيه الجيل القديم للإخوان المسلمين والمعبق بجو ورائحة الحس الأمني الذي كان يعمل له ألف حساب وحساب في الماضي أما الآن وقد وجد هذا الجيل في جو مشبع ببعض الحريات التي كانت مفقودة في الماضي نتيجة وجود الحركة المصرية من أجل التغيير كفاية وبعض القوي السياسية والوطنية الأخري وتنامي دور الإخوان المسلمين في البرلمان المصري والنقابات المهنية المصرية ووجودهم الفاعل في المجتمع !!
أما عن تصريحات الطلبة أصحاب نظرية الدفاع عن النفس داخل جامعة الأزهر والذين تعدوا مرحلة الدعوة السرية وتعدوا مرحلة الحس الأمني المعتبر كهاجس لدي الجيل القديم فقد صرحوا للمصري اليوم : لجأنا لاستعراض القوة ولعبات "الكونغ فو والكراتيه" بعد التهديدات الصريحة من مسؤولي الأمن بالجامعة بإدخال بلطجية لنا في الجامعة، فأردنا أن تقول لهم إننا سنرد أيضا عليهم ونستطيع الدفاع عن أنفسنا، موضحين أنهم خططوا لفكرة استعراض القوة قبل الدخول في الاعتصام، مما يعني أن الأمر ليس وليد اللحظة. وأكد الطلاب أن ما قاموا به هو تحرك وقائي تحسبا لقيام الأمن بتنفيذ وعيده ضدهم، بإدخال البلطجية الحرم الجامعي وتشويه وجوههم.
وإذا كنا نرفض ماقام به طلاب الإخوان المسلمين ونرفض وجود مايسمي بالجماعات الإسلامية داخل الأوطان العربية والإسلامية أو خارجها علي السواء إلا أننا نلقي باللوم علي سلطات الحكم التي هي ساعدت علي تشويه المجتمع وضياع حقوق المواطنين بإتباع سياسات السلب والنهب المنظم لخيرات ومقدرات الوطن وإستخدام أساليب العنف والبلطجة الأمنية ليس في مواجهة الجماعات الدينية فقط وإنما في مواجهة المواطنيين البسطاء العاديين بداية من التلفيق للقضايا والتعذيب في أقسام الشرطة ومراكز البوليس وحتي إرتكابها لجرائم القتل وإستخدام كافة الأساليب التي تتبعها العصابات المنظمة , فالدولة تقوم بدور العصابات في السرقة والسلب والنهب والبلطجة والإرهاب ضد المواطنين وأحداث الإستفتاء وإنتخابات رئاسة الجمهورية وإنتخابات مجلس الشعب خير شهود علي البلطجة والقتل والإرهاب والتزوير وهتك الأعراض , بل ووجود مايزيد عن 25000 ألف معتقل في السجون والمعتقلات لهو الدليل الحي البين علي فساد النظام الحاكم في مصر والذي يرعي ويتستر علي الفاسدين والمفسدين إن لم يكن هو شريك لهؤلاء اللصوص الذين سلبوا ونهبوا الأوطان علي مرأي ومسمع من سلطة الفساد دون عقاب رادع لهم , وكيف يكون هناك عقاب إذا كانوا شركاء في السلب والنهب المنظم لخيرات ومقدرات الوطن العزيز مصر؟!! فلماذا من حقنا أن نخاف ؟!
إن هذه الميلشيات المسلحة ستكون ضعيفة التأثير أمام قوة الدولة ومن ثم تنفث عن طاقاتها المكبوته مثبتة لنفسها وللمجتمع والقوي السياسية الأخري أن لها القدرة الفعالة في المجتمع وأن لها القدرة علي العمل في مواجهة القوي السياسية الضعيفة التأثير في المجتمع المغيب بفعاليات الفقر والمرض والمأزوم بقضايا رغيف الخبز وأنبوب الغاز وإيجار السكن وفاتورة العلاج ومصاريف التعليم والمواصلات والدروس الخصوصية ناهيك عن المشكلات الحياتية والمعيشية الأخري التي تأزم الحياة وتجعل المواطن شاعراً بأنه يمثل المواطن العبء حسب نظرة الدولة له وتقييمه علي أساس أنه يمثل الأزمة والعبء وأنه هو أساس الأزمة ّ!!
بجانب أن هذه الميلشيات لها من يدعمها مالياً ويتولي الإنفاق عليها سواء كانت داخل السجون والمعتقلات أو كانت خارجها في جانب أن التيارات السياسة ليس لديها هذا الكم من التمويل أو القدر من التنظيم المتاح بسهولة ويسر للتنظيمات الدينية المبنية علي السمع والطاعة في السراء والضراء والعسر واليسر والمنشط والمكره والتي تؤدي دورها علي بناء ديني مفاده طاعة الأمير من طاعة الرسول ومن ثم من طاعة الله وأن قيامها بهذا الدور العسكري المسلح لون أو نوع من أنواع الطاعة والعبادة لله تعالي فإن مات فهو شهيد وإن عاش فله المجد في الدنيا والخلود في الجنة في الآخرة .
كما أن الإحساس طاغي بأن هذه الميلشيات العسكرية الدينية موجهة لباقي القوي السياسية الضعيفة مثل كيانات الأحزاب السياسية الهشة والضعيفة والعلمانيين والمسيحيين ومن ثم يكون لهذه الميلشيات العسكرية حسم الكثير من المسائل لصالحها في نهاية الأمر بالترهيب والتهديد والترعيب من خلال التلويح بإستخدام القوة والعنف لباقي القوي السياسية .
ولهذه الميلشيات دلالات خطيرة في ظهورها فهي :
أولاً : رسالة موجهة للسلطة والمجتمع المصري بكل فئاته بمافيا القوي السياسية بكل أطيافها وتياراتها
ثانياً :الإعلان عن الذات عبر رسالة موجهة بلهجة شديدة القوة علي أن تنظيم الإخوان المسلمين ليس تنظيم سري علي حسب ما تدعي سلطة الحكم في مصر من أن جماعة الإخوان المسلمين هي جماعة محظورة وهذا علي خلاف الواقع لأنها جماعة لها وجود في الشارع السياسي المصري ولها 88 عضو بمجلس الشعب المصري ويحوزوا الحصانة البرلمانية بخلاف أنهم لهم السيطرة الفعلية والوجود الحقيقي داخل النقابات والهيئات والمؤسسات الحكومية والرسمية وأنهم يمارسون السياسة المحرمة علي الأحزاب والقوي السياسية داخل الجامعات وفي المدارس والنقابات بل وعبر المساجد وجمعيات كفالة الطفل اليتيم ولجان الزكاة علي مستوي الجمهورية وبما يمتلكونه من دور حضانة ومدارس خاصة , ومع ذلك تقول سلطة الحكم في مصر عن جماعة الإخوان المسلمين أنها الجماعة المحظورة دون أن تعي خطورة هذا التجاهل من خلال فتح باب للحوار والنقاش للوقوف علي نقاط التلاقي والإختلاف وبيان حقيقة الممارسة الفعلية للسياسة من خلال قنوات شرعية كالأحزاب السياسية حتي يمكن إذابة التنظيم الديني داخل وعاء الشرعية القانونية التي تتحداها جماعة الإخوان المسلمين بالشرعية الدينية وتضييق المساحة بين مفهوم الحاكمية الإلهية والحاكمية القانونية المتمثله في القانون وسيادة القانون من خلال الأطر القانونية والتشريعية والدستورية .
إلا أن رفض الدولة لهذا النهج وهذا التوجه جعل جماعة الإخوان المسلمين تسلك هذا المسلك وإن أنكره المرشد العام وإن تنكر له أعضاء مكتب الإرشاد إذ أنهم من خلال هذه الميلشيات الشبه عسكرية يرسلوا تلك الرسالة لإثبات أنهم جزء من المجتمع وجزء كبير من الحركة الإجتماعية في مصر علي إعتبار أنهم الأكثر وجوداً والأدق تنظيماً والأكثف تمويلاً ولسان حالهم يقول : من حقنا أن نعبر عن إسلامنا ونعبر عن ثقافته وإسلام الشعب وتعبيده لله وأننا علي أتم الإستعداد للتضحية من أجل مبادئنا ومن أجل ديننا وما نعتقد فيه من أنه هو الصواب والحق وأننا ندير معاركنا من أجل وطننا وداخل حدود وطننا وليس من أجل أي دولة من الدول .
ثالثاً : والرسالة الأخري الموجهة تقول للمجتمع المصري ولكافة القوي السياسية : اننا نحن الإخوان المسلمين قابلين للتطور فإذا كنا الأن نمثل دور الميلشيات الشبه عسكرية فإننا من الممكن أن نكون ميلشيات عسكرية بالفعل ونحمل السلاح في المستقبل , مع التنويه علي أن المرشد العام للإخوان المسلمين قد أبدي في تصريحه عن الحرب اللبنانية السادسة بأنه علي أتم الإستعداد لإرسال 1000 آلاف مجاهد إلي لبنان للدفاع عن لبنان والشعب اللبناني بكافة عدتهم وعتادهم وسلاحهم وكأن هذا تطور طبيعي لما قام به طلبة الإخوان المسلمين من عروض شبع عسكرية داخل الحرم الجامعي بجامعة الأزهر .
رابعاً : والرسالة الهامة والأكيدة التي تم إرسالها هي أن الإخوان المسلمين لسان حالهم يقول بأننا لن نسمح بتزوير الإنتخابات في المستقبل , أي إنتخابات , وأي إفتئات من الحكومة والسلطة الحاكمة أو أي قوي سياسية أخري سواء كانت ضدنا أو ضد الإسلام لن نسمح بها علي الإطلاق , وفي هذا قمة التحدي ليس لسلطة الفساد فقط وإنما لكل القوي السياسية الأخري والعاملة في المجتمع المصري مع التركيز علي رفض الآخر في الدين والتضييق عليه سياسياً .
خامساً : أن العرض الشبه عسكري للميلشيات العسكرية لطلبة الإخوان المسلمين هو رسالة موجهة للقوي الخارجية مفادها : أن من يريد الترتيب للمسألة المصرية وما يحويه الملف المصري من تأزمات دولية علي مستوي الداخل أو الخارج خاصة وأن مصر تمر بمرحلة مخاض متعثر الولادة فيما يسمي بمسألة توريث الحكم والسلطة لمبارك الإبن ويتم الترتيب لهذه المسألة داخلياُ وخارجياُ من خلال حزمة ترتيبات معظمها يغلب عليه الطابع الأمني لا السياسي وأن هذه المسألة تمثل بعداً هاماً في السياسة الأمريكية / الإسرائيلية / الأوروبية , ومن ثم هذه الرسالة تقول بأن الإخوان المسلمين قوة ظاهرة علي السطح في الحياة السياسية / الإجتماعية المصرية ولا يمكن إغفال دورها في الحسابات السياسية علي مستوي القوي الخارجية التي يهمها الملف المصري , من خلال تلك الرسالة التي تقول نحن أبناء المعسكرات الصيفية في كل مدن مصر الساحلية نتدرب علي القتال والجهاد وعلي جهوزية قتالية / جهادية عالية فنتدرب ونقرأ القرآن ونتعبد لله وأن كل أعمالنا عبادة وطاعة لله وأرواحنا وأموالنا وأولادنا فداء لله ولرسوله ولديننا .
وعلي إثر هذه الرسائل سوف تقوم القوي الخارجية ذات المصالح بالمنطقة العربية وعلي وجه الخصوص مصر والتي يهمها وجود من يرعي مصالحها أياً كان من يقوم بدور الراعي لتلك المصالح , فالمسألة لاتعني القوي الخارجية الممثلة في الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً فهي حالياً تتعامل مع المملكة العربية السعودية التي ترعي التيارات الدينية السلفية الوهابية والتي أنفقت علي المجاهدين حسب تسميتها لهم في أفغانستان مايزيد عن 20 مليار دولار أمريكي في حربهم مع الإتحاد السوفيتي السابق , وقد تعاملت أمريكا مع باكستان الدولة ذات التواجد الكثيف العدد للجماعات الدينية والتي تعمل داخل المجتمع الباكستاني علي هدي من أراء أبو الأعلي المودودي وأبو الحسن الندوي وسيد قطب وغيرهم من رواد الفكر الجهادي والتي راعت ودربت وعلمت جماعة طالبان علي أراضيها وأنفقت عليهم الكثير حتي كانوا في حجم جيش مدرب ومسلح بأحدث الأسلحة والعتاد العسكري , وتعاملت الولايات المتحدة الأمريكية مع حركة طالبان ومع المجاهدين الأفغان أو حسبما أسمتهم الولايات المتحدة سابقاً وحالياً تسميهم الإرهابيين , وهي أيضاً التي آوت وإحتضنت مفتي تنظيم الجهاد في مصر عمر عبد الرحمن والموجود حالياً بالولايات المتحدة الأمريكية , وهي التي تمنح حق اللجؤ السياسي لمن تريد داخل الوطن الأمريكي , وأعتقد أنه سوف يتم إرسال بعض المختصين والباحثين لدراسة هذا التغير المفاجئ في فكر وتوجه جماعة الإخوان المسلمين والجماعات الدينية الراديكالية الأخري بما في ذلك بعض التيارات السياسية الأخري التي يمكن أن يكون لها ميلشيات عسكرية مسلحة ويتم دراسة هذا الأمر الدراسة الوافية من خلال المتخصصين في الشأن الإسلامي بمراكز الأبحاث التابعة للمخابرات الأمريكية وأجهزة صنع القرار وتجميعها فيما يسمي بمخزن الأفكار ودراستها والوقوف علي أهم النقاط وإرسالها لجهاز الأمن القومي الأمريكي لإتخاذ القرار المناسب للمصلحة الأمريكية في المنطقة !!
فماهو مستقبل العنف الديني المسلح في مصر ؟
ومن هو الرائد في المسألة وكم عدد التيارات الراديكالية الدينية والسياسية التي تحمل مفهوم الميلشيات العسكرية المسلحة ؟ وكيف يمكن تفادي ظاهرة العنف الديني المسلح في مصر ؟ وهل هناك عنف ديني مؤجل وما هو دور سلطة الفساد في ذلك ؟ وهل مسألة توريث الحكم والسلطة في مصر لمبارك الإبن لها دور في المسألة ؟