- التفاصيل
- كتب بواسطة: د أميمة منير جادو
- الزيارات: 7
مسرحية الصرخة
رؤيا نقدية
بقلم د/ أميمة منير جادو
" الصرخة " عرض مسرحى تربوى هادف يُعرى واقع قهر المرأة والظلم الاجتماعى الواقع عليها فى المجتمعات العربية.
" الصرخة " عرض فنى متميز يميل للتجريب ويستلهم من التجريد لتجسيد واقع العنف الاجتماعى ضد المرأة منذ صرخة الميلاد.
قدم المخرج المتميز " مجدى الناظر " عرضاً مسرحياً غير مسبوق على مسرح السلام وعلى مسرح العرائس صيف 2005 وفبراير 2006 - يُعد العرض اكتشافا حقيقياً لقدرات مواهب متألقة وواعدة لبعض الفنانين والفنانات مثل سيلڤيا التى أدت دور البطولة والفنان المتميز بصدقه الفنى وأدائه الرائع عبد السلام الدهشان على الرغم من قصر دور الأب الذى لعبه.
وكذلك الفنان الجاد شوكت الشيخ الذى جسد الشخصية الرمزية للشيطان ولأهواء قاع الذات ببراعة.
جاءت الصياغة الدرامية للكاتبين وليد طه وأيمن فاروق، بشكل راق يضمر فلسفة المجتمع تجاه أبنائه منذ صرخة الميلاد، ويؤرخ عبر مراحل العمر للعنف الممارس ضد الأنثى خاصة.
لقد وظف المخرج الدراما فى لوحات أو(اسكتشات) منفصلة متصلة بشكل تجريدى أكثر قرباً من المسرح التجريبي مع إضافة العناصر الدالة خلال الحركة والأداء بحيث تصل للمتفرج دون غموض وإبهام ومعاناة، وهذا يحمد للعرض ويميزه عن بعض العروض التجريدية التى تنتمى لتيارات حداثية لا تناسب المتلقى العربى ولا تناسب البيئة المصرية.
فكرة المسرحية:
تعتمد على استلهام الموروث الشعبى السلبى الذى يجسد العنف الاجتماعى الذى يمارس ضد الأنثى منذ صرخة ميلادها لقد نجح المخرج بالتعاون مع الكاتب وعبر الديكور الدال الموحى لمحمد جابر وملابس بدر عبد المحسن وموسيقى زياد الطويل فى تكوين هارمونى سينوغرافيا المسرحية منذ المشهد الأول الذى يشير إلى الجنين فى رحم الأم وحيث المخاض وصرخة الميلاد وحيث تكون البداية ( بسم الله – خرج إليه – ضمه إلى صدرك ).
ومروراً بجميع الممارسات السلوكية والطقوسية التى تتلقاها الطفلة من المجتمع خلال عملية التنشئة الاجتماعية وكيف يلعب الموروث الثقافى الشعبى دوره فى هذه التنشئة عبر سلبياتها وإيجابياتها وكيف تؤثر مجموع هذه الممارسات فى تكوين الشخصية، ثم رد فعل الشخصية إزاء المجتمع فيما بعد.
يثير العرض مجموعة من الإسقاطات الموروثة
حيث تبدأ بفرحة الميلاد متواكبة مع الصرخة والخروج من ظلام الرحم إلى نور الحياة، إنه السبوع الذى وظف فيه زياد الطويل الألحان والإيقاع بشكل رائع ودال باستخدام الموتيفات الشعبية (دق الهاون) والأجراس وبدء عمليات التلقين(اسمع كلام أبوك - ما تسمعش كلام أمك) وتكرار مقاطع الكلمات مع الأنشودة كأنها لحن جنائزى يؤكد بداية العنف اللفظى ضد المرأة وإعلاء السلطة الذكورية فالطاعة للأب(رمز السلطة/ الذكورة) والاستهانة بالأم(رمز الخضوع/ الاستكانة والضعف) أى الأنثى عموما، كذلك الإشارة إلى حلاق الصحة (كموتيفة شعبية) وكرمز دال لإجراء عملية " الختان " حرصاً على البنات من التسيب والفُجر والخيانة كما يصورها الموروث الشعبى وحتى لا تخون الزوجة زوجها إذا سافر أو هجرها ففى المعتقد الشعبى إن الختان عملية تهدئة لثورة الجسد لدى المرأة وبالتالى حرمانها من أحد حقوقها الطبيعية فى الحياة.
أشار العرض أيضاً لفكرة الزواج المبكر فى الموروث الشعبى حرصاً على عفاف المرأة وتفريغا لشحناتها الانفعالية التى قد تنعكس سلباً على صحتها النفسية والهرمونية كما يؤكد علم الطب ذلك، لكن العرض أشار إلى ذلك انتقادا له وليس تأكيداً للممارسة، إن العرض يعتبر الزواج المبكر أحد الممارسات الموروثة الظالمة التى تمثل العنف ضد المرأة، فى حين أنه ليس كذلك وفق المعتقد الدينى.
فى أحد اللوحات التجريدية فى العرض (مشهد المدرس) وهو يدرس للفتاة الصغيرة، وقد أبدع الفنان (عادل نور الدين) كممثل إلى جانب كونه مخرجاً معروفاً ذا باع طويل فى الإخراج المسرحى يشهد له.
إن المخرج أسقط عمليات القهر الاجتماعى التى يمارسها المجتمع فى العملية التعليمية ببراعة شديدة منتقداً كل القصور التربوى فى الواقع التعليمى خلال مشهد عدم تواصل الفتاة مع مدرسيها لعدم مناسبة الدروس وكثافة المواد الدراسية وتداخل التخصصات وثورة المعرفة لقد استطاع (الناظر) توظيف المفردات بشكل رائع: مفردات الأصوات وتداخلها معاً أصوات ( المرأة/الطفل/ البحر/الصوت والضوء.....الخ ) وضعف المدرسين وتخلفهم أنفسهم وبالتالى تراجع الجودة التعليمية وذلك عن طريق عدم مناسبة المدرس للمادة التى يشرحها فالأعمى يشرح الصورة ؟ والصورة هى الماضى / الحاضر والتى لا تفصح عن شيء فتخذلنا وتشعرنا بأننا كنا دائماً دون تحمل المسئولية.
إن مدرس اللغة الأخر يحدثها بلغة لا تفهمها، إن العرض يؤكد انقطاع الصلة بين لغة البراءة ولغة العولمة أو الحضارة المزيفة، حضارة التخلف والقهر والظلم، يؤكد المخرج مع كلمات الأغانى الجميلة المعبرة ذات العمق الفلسفى رغم بساطتها على (تلازمية الميلاد) والوأد منذ الصرخة الأولى للحياة وكأنها صرخة موت أو رفض وليست حياة فقط، تقول كلمات الأغنية الرائعة: البراح ده مش براحى... البراح ده مش ليَّه.. وتشعر الفتاة ( سيلڤيا ) بالبرودة تجمد أعماقها والريح يسد أذنيها فتنشد: وحيدة فى براح ممدوده مقطوعة الأيد الممدوده والسكة مسدودة.
ويظل العرض عبر بانوراما مسرحية جميلة مؤثرة وموحية يستعرض صور القهر والسلب ضد الأنثى حتى تتمنى لو لم تولد، حتى تتمنى العودة لرحم الأم الدافئ، إنها تبحث عن أخيها/ الرمز حتى يستقيم ميزان الروح فلا تجده، إن كل ما فى الحياة يغتالها... يغتال براءتها... يغتال بنوتها لأب راحل دائماً(وقد يكون الحاضر الغائب ) فالغياب المعنوى هو هدف العرض، والتركيز على اللاعدالة، وظلم الحياة ولعنة الأحلام داخل العيون.
إنها الفتاة العصفورة الباحثة عن حرية الروح لحرية الآفاق وحرية المعنى وتغتال براءتها كل شئ. إنها لا تملك خمسة حواس بل أكثر هى حاسة البراءة والشفافية والإحساس بالمعانى الجميلة، لكن دائما تنقطع لغة الحوار بين هذه الحواس التى تفوق الخمسة المتعارف عليها وبين لغة التزييف الحضارى المدعو (عولمة) لتدجين الإنسان وليردد ما يُلقنه منذ صرخة ميلاده كالببغاء، إن المخرج يؤكد كيف صار الإنسان خريج مدرسة الببغاوات وكيف يتم برمجته وفق سياقات العولمة لا وفق سياقات الروح الحرة ويبقى الصراع وتبقى الاغتيالات.
ويجسد الفنان البارع (شوكت الشيخ) رمزاً آخر من رموز القهر المعنوى انه الشيطان الذى يمنحها خنجراً بدلاً من القلم للتعلم لغة الدم فتصير الورقة مشنقة، انه يلقنها التغريب عن لغة المشاعر إلى لغة الدم.
كما لعب الأب(عبد السلام الدهشان) ببراعة أيضاً دوره فى تجسيد الظلم منذ البداية، فها هو يحبسها فى البيت ويعزلها عن المجتمع باسم الخوف عليها حتى تبدأ مراهقتها وتفرض ثورة المشاعر وثورة الجسد نفسها عليها فتبدأ رحلة البحث عن الاكتمال بالنصف الآخر وتكون ثلاثية الخجل والخوف والتردد هى سيدة الموقف فى مقابل لغة (الجنس) عند الشاب فهى لغته الوحيدة التى يعرفها لكنه يخدعها، فتقع فى الحب (عمياء)، وقد نجح المخرج كثيراً حين أغمى عين الفتاة وعصبها بمنديل يرمز كيف ُيغَيب الحب صاحبه عن عيوب الحبيب ويقع فى الحب ويحلق فى الأحلام والأوهام التى هى بمنأى عن الواقع، وينتهى الصراع بين لغتين متناقضتين إلى الصدمة، الصدمة التى تغتال أحلام الفتاة العذراء حين تكتشف أن حبيبها لا يستطيع أن يحلق معها فى دنيا الأحلام والخيال، انه يريد اللذة الملموسة بينما هى تستمتع بلذة المتعة فى الحلم ونبض القلب ولغة المشاعر الراقية والتى لا يعترف بها المجتمع.
وتعيش الفتاة الصدمة ببشاعتها وقسوتها وتمنحها التجربة خوفاً جديداً وقهراً جديدا فتخاف دخول تجربة أخرى لكن فقدانها لتوازنها النفسى يدفعها للبحث عن الحب واستعادة هذا التوازن مرة أخرى، وتتردد ثم تعيش الصراع ذاته حتى يخدعها الشاب الجديد حين يمنحها تفاحته أو تفاحة الخروج من الجنة حيث تقضمها فإنه يغتصبها ويتركها لوحدتها وليلها الطويل مكسورة الخاطر والروح وتتواكب الموسيقى فى الإيقاع الراقص مع أداء الفنانين فى تجسيد رائع لاغتيال البكارة واغتصاب العذرية وبعدما ينفض السامر يعود الأب بعد غياب طال ليكتشف ما حدث...
ويجسد العرض روعة هذا المشهد بين لقاء الأب (الدهشان) والابنة (سيلفيا) هذا الاكتشاف الرائع (لمجدى الناظر)، يصور المشهد غربة الروح بين الأب وابنته، ويجسد كل منهما هذا الاغتراب رغم حاجة كل منهما للأخر...لقد تركها للضياع بعد ضياع الرقابة الحنونة وحيث صارت فريسة سائغة لشريعة الغاب والتحضر المزيف
وهكذا تصير هذه الضحية وحيدة غريبة ضائعة تائهة تبحث عن منقذ حتى يتبدى لها مجسداً فى رجل متزن حكيم فى عمر أبيها، والذى يجسده الفنان والديكوريست ( مجدى عبد الظاهر ) والذى توحى ملامحه بالطيبة والراحة والنقاء ولقد جاء دوره موفقاً لما يتسق مع ملامحه، فتلجأ الفتاة إليه وحيث لا مسميات للعلاقة إنها علاقة إنسانية ( علاقة الإنسان بالإنسان )، إنها تحاول أن تبدأ من جديد نافضة عن نفسها رمادها متجاوزة عثراتها وحرماناتها وإخفاقاتها متوثبة نحو الأمل الجديد الذى أشرق فى حياتها صدفة دونما موعد وتتمنى الانتماء إليه وإلى أسرته فيأخذها لأسرته لتعيش معهم.
ويمنحنا المخرج خلفية سريعة لهذه الأسرة، إن للرجل ولدان شابان وطفلة وأب مقعد، لكل منهم شخصية تختلف عن الآخر، إنهم يتحدثون شهورا ويثرثرون دائما دونما الوصول إلى شئ أو حل أى مشكلة بشكل عملى..
يؤكد المخرج من خلال هذه الأسرة على إسقاطات اجتماعية وسياسية، فالإسقاط المباشر الاجتماعى يمثل الصراع الداخلى وتمزق كيانات الأسرة والصراع بين الأجيال وتعدد الآراء ووجهات النظر دونما تكامل أو حلول فكل منهم لا يهمه الآخر ولا يسمع إلا نفسه ولا يقتنع إلا بما فى عقله، لقد انقطعت لغة الحوار بينهم..
والإسقاط اللامباشر الرمزى السياسى يمثل تمزق الكيانات العربية والتى لا تصل لأى حلول لأى قضايا بما فيها القضايا التى تتعلق بالمقدسات، ويشير المخرج للقضية الفلسطينية بداية واغتيال العدو الصهيوني لبراءة الأطفال، وكيف يملك الطفل بالحجر بمجرد أن يتعلم المسك بالأشياء، انه فى هذا القهر السياسى يمسك بالحجر بدلاً من أن يمسك بزهرة أو كتاب.
لقد وظف المخرج تقنيات العرض السينمائي داخل العرض المسرحى لتوصيل الفكرة إلى الجمهور ولتوظيف القهر السياسى الدولى فى المنظومة العالمية الأكبر وحيث يصعب فصل الظواهر عن سياقاتها الدولية أو العولمية، إنها منظومة القهر المركبة والمؤدية إلى بعضها فى جدلية عكسية.
ويحاول الناظر وضع نهاية لهذا القهر فتأتى اللوحة الأخيرة: الفتاة تدخل فى ثوب البراءة فى محاولة للانتماء لهذه الأسرة، ومحاولة للتصالح مع العالم لكن أحد الشابين يراودها عن نفسها وهى تدافع بإصرار عن شرفها وبينما يتقبلها الشاب الأخر ترفضها الفتاة ابنة الرجل وهكذا تكشف أن رب الأسرة لم يعد يملك قراره بيده، إن قراره فى إبقائها فى بيته ليس قراراً خاصاً به لكن بهم جميعا، وهم يتشككون فى وجودها فلا يقبلونها بل يرفضونها.
وينتهى العرض الثرى المؤثر الفلسفى الموحى الجميل بنهاية مفتوحة تجسد الواقع... إن الصراع قائم...ونحن لا نملك إلا الأمانى و الدعوة والحلم بالسلام فلن يصلح هذا الكون إلا بالسلام...
إن المشهد ينتهى بفلاش باك تتذكر فيه الفتاة والرمز - (للأمة العربية فى نفس الوقت على المستوى السياسى) – تتذكر كل ما كانت تتعلمه ويلقنونه إياها من مفاهيم خاطئة، ومن غياب القدوة، ومن مدرس لا يعي ما يقول، ومن أعمى يشرح الصور، ومن... ومن... إنها تتذكر وتعيش كل الصراعات... ولن يكون أى حل أو بديل أو معادل موضوعى للأزمة إلا (السلام)...
إن الفتاة تردد فى نهاية العرض
(س ل ا م)
(س ل ا م)
وتغنى: افتحوا الشباك لبكره يمكن يطلع... الخ
إنها الدعوة للأمل والإصرار عليه والتمسك بحقنا فى الحلم بالسلام والأمان..
تحية تقدير واحترام لهذا العرض الرائع ولمخرج العرض ولكل الفنانين المتميزين الذين أدوا أدوارهم بنجاح وللأشعار وللموسيقى ورغم إمكانيات القاعة البسيطة فى مسرح السلام، والطليعة.
د/ أميمة منير جادو
- التفاصيل
- كتب بواسطة: زهير الخويلدي
- الزيارات: 5
في حقيقة التوأمة بين الديمقراطية والشورى
زهير الخويلدي
" المشاورة أصل في الدين وسنة الله في العاملين وهي حق على عامة الخليقة " ابن العربي
الديمقراطية غير موجودة في حضارة اقرأ،هذا من تحصيل حاصل،وكل ماهو موجود هو مجرد محاولات متعثرة من أجل بناء العمارة الديمقراطية هنا وهناك وولادات قيصرية اضطرارية لبعض التجارب التي تزعم تطبيق الديمقراطية مثلا في إيران وفي موريتانيا وفي المغرب وفي ماليزيا،لكن الديمقراطية كعقلية وثقافة ومؤسسات وضرب من الوجود في العالم لا وجود لها على الإطلاق لا في الأنظمة السياسية ولا في المعارضات الكرتونية ولا في مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية،فكل ماهو موجود هو ثقافة التسلط وحب الهيمنة على الغير وسيطرة الأقلية على الأغلبية واحتكار القرار في يد فئة قليلة من الملأ الأعلى بل إننا نلاحظ هذا الغياب حتى في الإيديولوجيات السياسية المتنافسة،إذ أن المشروع النيوليبرالي يصدر ديكتاتورية السوق أما المشروع القومي فيعطى للطليعة أو الصفوة مشروعية القيادة والتحكم في شؤون المجتمع ومصير الأمة في حين أن المشروع الماركسي ينظر لديكتاتورية البروليتاريا ويغيب حقوق الفرد داخل حقوق الجماعة بينما يشرع المشروع الإسلامي في نسخته السلفية لإلزامية طاعة أولي الأمر من فقهاء أهل الحل والعقد وينتصر إلى مبدأ الشورى ويعتبرها بديلا عن الديمقراطية، فما المقصود بالشورى؟ هل يجوز أن نعتبرها الديمقراطية الإسلامية المنشودة؟ ألم تمثل الشورى كمنهج في السياسة عقبة حالت دون تبني الخيار الديمقراطي؟ ماذا قدمت الشورى للحضارة العربية من مزايا؟ وماهي مساوئها؟هل هي قاعدة فقهية أم فكرة أخلاقية؟هل تصلح كمنهج لتسيير شؤون الحكم؟ أليست الديمقراطية مشترك حضاري إنساني وباراديغم مستقبلي ينبغي أن نسعى جميعنا إلى زرعه ورعايته وصيانته من كل اعتداء محلي أو عالمي؟ ما العيب في أن تكون الديمقراطية فكرة إغريقية أو غربية ؟ ألم نترجم عنهم العلوم والفلسفات والأساطير والأشعار؟ فلماذا لا نترجم نظم الحكم والدساتير والقيم والمبادئ التوجيهية للفعل؟ ألم يكن دستور قرطاج باعتراف أرسطو نفسه يحتوي على مبادئ ديمقراطية وكان هناك مجلس شيوخ وبرلمان؟ ثم ألم توجد فكرة الديمقراطية نفسها في شرائع حمورابي والألواح السومرية والحكمة الطاوية والبوذية والكونفوسيوشية؟ كيف وقع تغيب جهود شيوخ المعتزلة في تأصيل ثقافة الاختيار والعقل والمصلحة في الحياة السياسية ولا ننظر إليها كأولى المحاولات الجادة لزرع سياسة العدل والإنصاف؟
ماهو في محك النظر وميزان العمل هو الكف عن وضع الشورى كمقابل للديمقراطية والشروع الجدي في إطلاق النفس من الأسس إذا كنا نريد أن نقيم في السياسة الاستخلافية شيئا وطيدا مستقرا.
1- في قيمة مبدأ الشورى:
- من جهة النص:
ورد لفظ الشورى في آيتين من سورتين مختلفتين وهما سورة آل عمران الآية 158 أين قال الله عز وجل مخاطبا نبيه محمد صلعم:"فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين". السورة الثانية تحمل اسم الشورى الآية 37 أين قال تعالى عن المؤمنين:"والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون".
ونجد أحاديث للرسول محمد عليه الصلاة والسلام يؤكد فيها هذا الأمر عندما يقول:" ما شقي امرُؤ عن مشورة ولا سعد باستبداد برأي".ويقول أيضا:"ما ندم من استشار ولا خاب من استخار". وعن على ابن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال:" من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها".
- من جهة التأويل:
قد فسر المفسرون آية سورة الشورى بأنها نزلت في الأنصار حين دعاهم الرسول صلعم إلى الإيمان فاستجابوا للأمر وقد أجابوا في نفس الوقت ربهم إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعبادة وأقاموا الصلاة وأداموها واحتكموا إلى الشورى في كل أمر يبدو لهم ولا يعجلون وأجمعوا على ذلك.
أما تفسير الآية الثانية فقد وردت في شأن الحرب التي ينبغي أن يشنها النبي ولكن قبل ذلك لابد أن يتكلم مع صحابته ويستظهر برأيهم ويستخرج أفكارهم ويطيب نفوسهم وحين يستقر على أمر بعد المشاورة وليعزم ويمضي فيما اتفق عليه معهم وليتوكل على الله.
ما نلاحظه من هاته النصوص أن الشورى تحتل المركز الأول في الحياة الاجتماعية وهي القاعدة التوجيهية الأولى التي ينبغي أن يحتكم الجميع إليها في تسيير شؤون أمورهم الدنيوية والدينية.لكن هذه النصوص لا تتضمن بشكل قطعي أمرا إلى الحاكم بوجوب الاستماع إلى الشورى والتقيد بنتيجة مداولاتها كما لم يقع تحديد: من هم أهل الشورى؟ والى من يتجه طلب المشورة؟ وهل أن الحاكم ملزم بطلب المشورة؟
- من جهة الواقع:
دار الندوة ودار ابن أبي الأرقم وشجرة الرضوان وسقيفة بني ساعدة والمسجد النبوي في المدينة ودار أنس ابن مالك كلها أمكنة عامة مارس فيها الصحابة مبدأ الشورى بحضور النبي أو بعد غيابه وتمخضت عنها معظم القرارات الحاسمة وكتبت فيها الصحيفة التي تمثل ميثاق ودستور سياسي بالنسبة للمسلمين والتي أثرت على تكون الأمة ومستقبل الجماعة وبناء الدولة التي ستحمل لواء الإسلام إلى العالم بأسره. غير أن المسلمين انقلبوا على مبدأ الشورى والبيعة العامة ومارسوا شورى الأعيان والبيعة الخاصة ورأوا أن نصب الإمام واجب شرعا وفرض كفاية ويكون بالعهد والنص والوصية ويشترط النسب القرشي وليس واجب عقلا وفرض عين ويكون بالمشورة العامة والاختيار والإجماع ويشترط فقط الانتماء إلى أمة الإسلام والولاء لحضارته فقط. وهكذا انقلبوا على الحق الإنساني ونظروا إلى الخليفة كممثل للحق الهي في الأرض عندما نظر عثمان إلى الملك على أنه قميص ألبسه الله إياه ولا يجوز لأحد أن يخلعه عنه دون الله وعندما افتك معاوية ابن أبي سفيان الإمامة عنوة وبحد السيف وصرف شؤونها بنفسه حسب أهوائه دون مشورة وورثها بعده فجعلها ملك عضود بعد أن كانت خلافة راشدة وحكما صالحا. ويذكر لنا التاريخ أن أئمة الفقه الكبار تعرضوا إلى المضايقات والحبس والتعذيب من طرف الحكام والولاة ورفضت مقترحاتهم وآرائهم التي تنتصر إلى حقوق الناس ومقاصد الشرع،فأبو حنيفة النعمان تداول على ضربه وقمعه مروان ابن محمد آخر خليفة أموي وأبو جعفر المنصور ومالك ابن أنس اضطهده والي المدينة في زمن أبي جعفر المنصور ومحنة أحمد ابن حنبل حصلت مع المأمون والمعتصم. وبالتالي فقد غابت الشورى من التجربة التاريخية للأمة وحل محلها الانفراد بالرأي والاستبداد والطغيان والتعسف.
2- في الموائمة بين الشورى والديمقراطية:
يقول الرسول صلعم:" من بايع أميرا عن غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا الذي بايعه"
ماهو في غاية الوضوح والبداهة وما لا يحتاج أمره إلى حجة وبيان أن الإسلام يحتوي على عناصر ومبادئ لا فقط تتفق وتتماشى مع الديمقراطية بل تستوعبها وتقومها وتسددها، ألم يتحدث العقاد عن الديمقراطية في الإسلام ونحت محمد إقبال مفهوم الديمقراطية الروحية وأكد خير الدين في أقوم المسالك أن من أهم أصول الديمقراطية وجوب المشورة التي أمر بها الله عباده وربط حسن حنفي بين الإسلام والبديل الديمقراطي وكانت العلاقة في كل ذلك بين الإسلام والديمقراطية ليست علاقة تنافر وتضاد بل علاقة استيعاب وتجاوز بحيث يستوعب الإسلام المبادئ الديمقراطية ويهضمها من أجل أن يحفظها ويصونها ويتجاوزها نحو نظام الحكم الصالح والسياسة الاستخلافية الراشدة والتي تمثل الديمقراطية نواتها الأصلية وجوهرها النفيس. فكيف يستوعب الإسلام الديمقراطية في ظل وجود مبدأ الشورى؟ وهل سيتخلى عن الشورى في ظل تبنيه الخيار الديمقراطي؟
صحيح أن نظرية المعتزلة في السياسة هي الوسيط الضروري بين الإسلام والديمقراطية لاحتكام شيوخ الاعتزال وأئمة التوحيد والعدل إلى العقل والمصلحة وتأسيسهم السياسة على العدالة والإنصاف والصداقة ولاعتقادهم أن نصب الإمام واجب عقلا ويتم بالبيعة العامة والاختيار ويسقط عنه الشرط القرشي ولكن هذا الوسيط ليس المسلك الوحيد بل هناك جسور أخرى تربط بين الإسلام والديمقراطية ولعل مبدأ الشورى يمكن أن يكون من الوسائل المؤدية إلى نشوء الديمقراطية خاصة إذا وقع التخلي عنها كمنهج في الحكم والسلطة والقوة ونظرنا إليها كمقولة أخلاقية تدخل في منطق النصح والإرشاد والوعظ ألم يقل الرسول:"إن الدين هو النصيحة" والشورى هي شرط إمكان النصيحة للحكام.
اللافت للنظر أن السياسة في الإسلام متروكة للمسلمين وتدرج ضمن الدائرة التي قال عنها الرسول محمد:" أنتم أدرى بشؤون دنياكم" وأن الصحيفة التي تركها لنا هي وثيقة سياسية بالغة الأهمية تضمنت حكمة الرسول السياسية البالغة بوصفه إنسان مخير يتعامل مع واقع متقبل وسياق تاريخي متغير وليس بوصفه نبي يوحى إليه وترعاه العناية الإلهية وبالتالي فإن الصحيفة تحتوى على منجم من الآراء والمبادئ وعالجت قضايا واحراجات سياسية كبيرة وأعطت منزلة متميزة لمبدأ الشورى ويمكن أن تكون لبنة أولى نحو ديمقراطية إسلامية.
من هذا المنطلق نجد في الصحيفة ما يلي :
- احترام الحق الإلهي لا يتم إلا إذا وقع احترام الحق الإنساني.
جاء في الصحيفة ما يلي:"هذا كتاب من محمد النبي رسول الله،بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم...إنهم أمة واحدة من دون الناس".
- الدولة في الإسلام مدنية ذات أساس تعاقدي وليست دولة دينية ذات أساس غيبي.
"وأن اليهود بني عوف أمة مع المؤمنين،لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فانه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته"
- الحكم والمال والعلم للأمة وليس من حق أي كان أن يستأثر بها لنفسه بل ينبغي أن تسود قيم العدل والإخاء والإيثار في المجتمع . وقد قال صلعم:"المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم"
"وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثما أو عدوانا أو فسادا بين المؤمنين وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم"
- الناس سواسية أمام الشرع كأسنان المشط لا فرق بين غني أو فقير أو بين عربي وأعجمي.
"وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في الصحيفة" وعن الرسول أنه قال:"من آذى ذميا فليس منا".
- المواطنة لا يحددها الإيمان والتقوى بل العمل الصالح والولاء للوطن والأمة والحضارة.
"وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فان مرده الله والى محمد".
- الاعتراف للأمة بسلطة المراقبة والمحاسبة للحكام إن أخطئوا أو استبدوا برأي.
"وأن ذمة الله واحدة يجير عليها أدناهم ... وأنه ما كان بين أهل الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله والى محمد رسول الله". و"أن من اعتبط مؤمنا عن بينة فانه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول" وقد ذكر الغزالي:"الخلفاء وملوك الإسلام يحبون الرد عليهم ولو كان على المنابر"
- تقر الصحيفة مبدأ الحرية والشورى والملكية والأمن والتعددية ونصر المظلوم كأصول عامة.
"وأنه من خرج آمنا ومن قعد آمن إلا من ظلم وأثم" و"أن بينهم النصح والنصيحة" و"أنه من تبعنا من يهود فان له النصر والأسوة" و"أن ذمة الله واحدة".
- نجد في الصحيفة حقوق اقتصادية مثل الدية أو المعاقلة وفداء العاني وطلب النفع العام.
"المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عاتيهم بالمعروف والقسط بين الناس".
يرى عباس محمود العقاد أن:" شريعة الإسلام كانت أسبق الشرائع إلى تقرير الديمقراطية الإنسانية " ويقر أن الديمقراطية الإسلامية تقوم على أربع أسس:
1- المسؤولية الفردية تصديقا لقول النبي :"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
2- عموم الحقوق وتساويها بين الناس إذ يقول خير الدين في "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" حول الديمقراطية الإسلامية ما يلي:"من أصولها المحفوظة إخراج العبد عن داعية هواه وحماية حقوق العباد سواء كانوا من أهل الإسلام أو من غيره واعتبار المصالح المناسبة للوقت والحال وتقديم درء المفاسد على جلب المصالح وارتكاب أخف الضررين اللازم أحدهما".
3- وجوب الشورى على ولاة الأمور تصديقا لقول علي ابن طالب:"لا صواب مع ترك المشاورة".
4- التضامن بين الرعية على اختلاف الطوائف والطبقات،يقول العقاد في هذا الأمر:"إن التعاون بالآراء خاصة من خواص الديمقراطية الإسلامية لأنها أصل من أصولها الاجتماعية التي لا تأتي عرضا ولا تنحصر في شؤون السياسة دون غيرها".
نتبين من كل ذلك أنه لا تعارض بين الإسلام ونظم الحكم المدنية فهو نموذج للسياسة الاستخلافية و منبع الحكم الراشد والشورى كفكرة سياسية جسدت في الماضي عقبة أمام انبثاق النظرية الديمقراطية وبررت الطغيان وافتكاك الحكم عنوة ولكنها اليوم كفكرة أخلاقية تصلح لكي تكون قاعدة نظرية هامة للانطلاق نحو بناء بديل ديمقراطي حضاري شامل يخاطب الإنسان أين ما كان من أجل الخروج من حالة القصور التي هو متسبب فيها ويستقبل أنوار الحرية والعدالة والمساواة بشرط أن تكون فكرته مطابقة لخصوصية واقعه وأن يطلب التقسيم العادل للثروة والسلطة والمعرفة وأن تكون الحكومة بيد هيئة وقع انتخابها وفق مبدأ الإجماع والإرادة العامة وليس وفق مبدأ التفويض وولاية العهد والكتابة بالنص من طرف أهل الحل والعقد. لكن كيف يكون الإسلام الديمقراطي رسالة للعالمين؟ وهل يستطيع أن يكون الدين الحق ويترك حرية المعتقد والعبادة للآخرين ويتسامح معهم دون أن يعتبرهم أهل ذمة بل مواطنين لهم كامل الحقوق طالما يؤدون كامل واجباتهم تجاه أوطانهم؟
تلك هي المعضلة السياسية الكبرى التي ينبغي أن تعمل كل العقول الحرة على تفهمها من أجل تدبر سكن أصيل في المعمورة .
* كاتب فلسفي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ابراهيم خليل ابراهيم
- الزيارات: 6
مقدمه:
عرفت الشاعر ( رفعت عبد الوهاب المرصفى ) فى اوائل الثمانينيات من خلال شقيقه الاصغر وصديقى الاستاذ ( جمال عبد الوهاب المرصفى _ المحامى ) الذى كان يدرس بكلية الحقوق جامعة عين شمس وكنت انا ادرس بكلية التجارة وكان الشاعر الصديق ( رفعت عبد الوهاب المرصفى ) مجندا بالقوات المسحلة واتذكر وقتئذ ان صديقى الاستاذ ( جمال ) اعطانى ديوانا شعريا بعنوان ( اذكرينى ) لشقيقه الشاعر ( رفعت ) ولم اكن اعلم انه شقيقه وعندما قرأته سألنى صديقى جمال : مارايك فى هذا الديوان ؟ فقلت له : صاحب الديوان يملك موهبة فطرية وكونه فكر فى اخراج ديوانه هذا للوجود فهذا يعمى ان الشعر يسكنه .. وهنا اخبرنى صديقى بان صاحب هذا الديوان هو شقيقه الاكبر .. وكان اللقاء الاول وكان العزم على تكثيف رحلة المسير فى درب الكلمة فحضرنا الندوات الادبية معا وكتبنا للاذاعة المصرية معا واحتضننا برنامج ( مايكتبه الشباب ) هذا البرنامج الادبى الذى كان يذاع يوميا عبر اثير اذاعة الشباب والرياضة .. وللتاريخ اذكر ان حلقة الاثنين من هذا البرنامج والتى كانت تقدمها الاذاعية القديرة ( سعاد الجرزاوى ) هى اول من اذاع اشعار الشاعر ( رفعت عبد الوهاب ) كما تقتضى الامانة ان نشيد بالاذاعيين .. عديلة بشارة _ رحمها الله _ ومحمود عبد العزيز وصلاح الجرزاوى ومحمد عبد الكريم وعزة محيى الدين وعزة مصطفى وعبد الفتاح حسن ونجلاء عبد البر وسامية السيد ومحمد جراح وعبد الحليم الشارونى من اسرة اذاعة الشباب والرياضة حيث اهتموا بنا وبكتاباتنا .. واذكر ايضا ان الشعراء الكبار .. فاروق شوشة ومحمد ابراهيم ابو سنة وعبد المنعم عواد يوسف واحمد سويلم اشادوا بالتجارب الشعرية الاولى للشاعر ( رفعت عبد الوهاب ) عندما عرضها عليهم وقتئذ .. واذكر ان الشاعر الجميل ( احمد سويلم ) قال : ( التجارب الشعرية الاولى والتى امامى للشاعر رفعت عبد الوهاب المرصفى ) تؤكد ان صاحبها لديه الموهبة الشعرية وفى المستقبل سيكون له مساحة جيدة على الخريطة الشعرية ) .. وقد كان حيث اصدر شاعرنا ثمانية دواوين شعرية حتى الان وله تحت الطبع مجموعة اخرى من الدواوين والكتب النقدية واختارت وزارة التعليم المصرية من كتاباته نصا شعريا للاطفال وقررته على تلاميذ الصف الرابع الابتدائى بعنوان ( اهلا رمضان ) منذ عام 1995 وحتى الان .. هذا بالاضافة الى انه من الشعراء الذين ضمهم معجم الباطين للشعراء العرب ومعجم شعراء الطفولة العرب ومعجم كتاب الاطفال فى مصر ومعجم الادباء الاسلاميين يالاردن ومعجم ادباء مصر فى الاقاليم .. هذا بالاضافة الى عضويته فى اكثر من الاتحادات والروابط والمنتديات الادبية والثقافية كاتحاد كتاب مصر ورابطة الادب الاسلامى العالمية وجمعية الادباء بالقاهرة ومؤسس صالونه الثقافى بمنزله فى الخميس الاول من كل شهر منذ عام 2003 بقرية مرصفا مركز بنها ( مسقط رأسه ) كما فاز باكثر من جائزة سواء على المستوى المصرى او العربى .
الشاعر ( رفعت عبد الوهاب المرصفى ) كتاباته الشعرية متعددة فمنها العاطفية والدينية والوطنية كما يكتب للاطفال فى العديد من الدوريات المصرية والعربية فى زمن قلما نجد فيه من يتحمل هذه الرسالة العظيمة .. من هنا جاء كتابى هذا الذى يعد دراسة ادبية متعمقة لتجربة ( رفعت عبد الوهاب المرصفى ) الشعرية .. رصدت فيها همومه تجاه امته الاسلامية والعربية ووفائه لاسرته ووطنه وللذين تركوا علامات وبصمات داخل اعماق فكره وقلبه .. هذا بالاضافة الى شعر الحكمة فى ابداعاته .. وايضا اشعاره الدينية التى تخاطب الروح والتى بها نحيا ونسمو .
الرؤية القومية فى شعر رفعت المرصفى :
________________________________
الشاعر بفطرته مرهف الحس .. جياش العاطفة .. يتميز مرصده بحاسة سادسة ترى مالايراه الاخرون .. وقلبه الاخضر لايجف ابدا .. له ذبذبات عالية الاحساس .. دافقة الشعور .. والشاعر ( رفعت عبد الوهاب المرصفى ) يسطر بقلبه قبل قلمه الكثير والكثير من قصائد الشجن حول هموم امته العربية والاسلامية .. ففى قضية المسجد الاقصي السليب مسري النبي محمد صلي الله عليه وسلم واولي القبلتين وثالث الحرمين ودعما لانتفاضة الشعب الفلسطيني الباسل والتي يجاهد فيها بالصدر والحجر ضد ترسانة الاسلحة الاسرائيلية الغادرة الماكرة يقول شاعرنا في قصيدة بعنوان ( قصائد حجرية ) :
يا اطفال الحلم الاتي يااحفاد صلاح الدين
ياطرح معارك ( حطين )
يا عنوان الدرس الاول في الزمن المعتل الاخر
الدرس .. وفرده حجر / والجمع يصاغ حجارة
( صبرا صبرا .. آل ياسر )
فالجنة وعد وبشارة .
وفي مذبحة ( قانا ) بالجنوب اللبناني التي اقترفها الكيان الصهيوني الغاشم والتي راح ضحيتها عشرات الضحايا من النساء والاطفال والشيوخ .. يقول شاعرنا في قصيدة بعنوان ( دماء علي جدران التاريخ ) والتي يحاور فيها الربط بين دروس الماضي للاستفادة منها في الحاضر في منظومة شعرية رائعة :
من مجري الجرم ( القاني )
ها أنذا
انسل حزينا بعروق قديم الازمنة
اسافر
ممتطيا صهوة ذاكرتي
وحروف التاريخ دليلي
فيحط جوادي بقبور الاندلس الاولي
يجذبني بعض مني
اشتم روائح مجد كان .. ومات
تنبش ذاكرتي عن بعض رفات
يهتز اللحد الماثل قدامي
تخرج قرطبة الام امامي
وتصيح عتابا ...
( مالك والاموات ـ مالك والاموات )
وتعود لحضن الكفن الدامي
وتتمتم .. اه يا لبنان اه
النزف شديد من دمنا والكل يراه
الدرس يعاود ثانية .. وااسلاماه
وفي الحرب الاهلية اللبنانية التي اندلعت في التسعينيات انفعل شاعرنا ( رفعت عبد الوهاب المرصفي ) مع الشعب اللبناني الشقيق ومع وحدته الوطنية فجادت قريحته الشعرية بقصيدة بعنوان ( لبنان يا جرح العروبة ) والتي يقول فيها : لبنان ـ يا طعنة في القلب ترتجف
ياقطعة من تراب العرب تختطف
جبالك النضر بالبارود مثقلة
فأين راح الشذي والحسن والترف
اخبار نحرك بالافاق ذائعة
ضاقت بها شاشة التلفاز والصحف
لبنان يادرة الاعراب من زمن
كم مزقوا عنك ثوب الحسن واقترفوا
كل الذين ارادوا منك مسلبة
سيمطرون وبالا اينما ثقفوا
فاستنفر الصف يا لبنان منطلقا
والضر عنك قريبا سوف ينكشف
وعندما قام خادم الحرمين الشريفين ( فهد بن عبد العزيز ) رحمه الله بجهده المعروف في انجاح اتفاق ( الطائف ) لرأب الصدع اللبناني وحقن الدماء اللبنانية الغالية كتب شاعرنا قصيدته المعروفة في ذلك الحين بعنوان ( عودة لبنان ) يقول فيها :
يا خادم الحرمين طابت خطوة
حققت معجزة لنا ورهانا
في ( الطائف ) انزاحت غيوم ضغائن
وتحولت حبا يفيض حنانا
يدك الكريمة امهرت لوثيقة
داوت جراحا ازمنت ازمانا
فنسجت للاطفال اجمل فرحة
ومسحت من حدقاتهم احزانا
فكسبت للاسلام اعنف جولة
ورسمت دربا للصفا وبيانا
يا ارض لبنان العروبة كبري
باسم الاسلام وبيني البرهانا
واستوعبي الدرس المرير وكفكفي
دمع التناحر قد كفي ما كانا
وارو السلام علي المحبة وارعه
يلد الامان ويطلق الافنانا
ان القوي اذا تعثر خطوة
فرد الشراع وسابق الازمانا
وفى قضية البوسنة والهرسك .. ذلك الشعب المسلم المسالم الذين استكيروا عليه حريته واستقلاله فاعلنوا عليه حربا شعواء حصدت الاخضر واليابس وابادت رجاله ونسائه واطفاله وسط صمت مشبوه لهذا العالم المتحضر الذى سطر فصلا اسودا له حيال هذا التاّمر المرير .. وفى هذه القضية يقول شاعرنا ( رفعت عبد الوهاب المرصفى ) فى قصيدة بعنوان ( لاتقلعونى من جذورى ) على لسان طفل من البوسنة يرفض التهجير من بلاده :
لاتخرجونى من بلادى المسلمة
انى سابقى رغم انف المحكمة
قومى ابيدوا والعيون نواظر
والجرم قاس والحقيقة مؤلمة
ماذا تبقى من جرائم بعدما
بقروا الحوامل والصبايا الحالمة
قذفوا الجماجم كالكرات امامهم
ياللضمائر والقلوب الاثمة
سيسطر التاريخ فصلا اسودا
فالعار باق والفضيحة قائمة
انا مسلم هذى حروف هويتى
ولتنظروها فى جبينى اوسمة
لن يطفئوا تور الاله بحقدهم
والفجر ات والبشائر قادمة
وفى قضية شعب كوسفو المسلم الذى يجاهد من اجل نيل استقلاله وحريته .. ويضرب بيد من حديد من الديمقراطيات والحريات الاوروبية لا لشىء الا لانه يطالب بحريته .. فيقول شاعرنا فى برقية على لسان هذا الشعب المجاهد :
انا لن اباد
مهما قتلتم او حرقتم
او حصدتم فى البلاد
فانا هنا دهر تعمق واكتسى
من خير زاد
وانا هنا جذر عميق
طرحه عطر تسرب فى حنايا الارض
فى كل امتداد
فدم الشهيد على الثرى
ياتى بالاف شداد
ودم العذارى المستباح
سيشعل الافاق ثأرا وارتعاد
انا لن اباد
وفي قضية الفقر الذي يعاني منه الشعب الصومالي الشقيق في ذات الوقت الذي تنفق فيه ملا يين الدولارات علي مركبات الفضاء وترسانات الاسلحة الفتاكة نلمح صرخة شاعرنا متضامنا مع صراخ صومالي يصارع الموت جوعا في قصيدة بعنوان ( صرخة ) يقول فيها :
يا مسلمون تعالوا واستروا بدني
غدا سأرمى رفاتا دونما كفن
فما لدينا بقايا من ملابسنا
فاي شئ اذا مامت يسترني
وما لدينا رجال دونما رمق
فاي جمع اذا ما مت يقبرني ؟
لكن قلبي باق في عقيدته
والفجر ات وعين الله تنظرني
يا اخوة الايمان في بيد وفي حضر
اين الزكاة فحق الله يلزمني .
وفي قضية غزو العراق للكويت في اوائل التسعينيات والتي رفضها كل المجتمع العربي و الاسلامي و الانساني علي الاطلاق حتي تحرر التراب الكويتي الشقيق .. حيث بدات حرب تحرير الكويت في السابع عشر من شهر يناير عام 1991 ضد قوات الغزو العراقية تنفيذا لقرارات مجلس الامن ،واطلقت علي هذه الحرب ( عاصفة الصحراء ) كتب شاعرنا مهنئا شعب الكويت الشقيق في قصيدة بعنوان ( وعادت الكويت ) و نذكر منها :
سقط الردى وانجابت الظلماء
وبدي علي وجه الكويت بهاء
وتوافد الطير الوفي لعشه
وتعانق الآباء و الابناء
والكل ينشد للإله مكبرا
الله اكبر زالت الانواء
يارب شكرا قد اجبت رجاءنا
فالحق باق والكويت بقاء
مهما اراد الحاقدون لها الردى
فالعدل دوما للحياة رداء
ياكل ابناء الكويت تحية
لكم الخلود وانتم السعداء
اني كتبت الي الكويت مهنئا
اني كتبت وفي الكتاب وفاء
وعن قضية اسرى الكويت لدي العراق كتب ايضا شاعرنا ( رفعت عبد الوهاب المرصفي ) في قصيدة بعنوان ( برقية الي اسرى الكويت ) مبسرا بفك اسرهم في القريب العاجل :
يا اسرانا .. صبرا .. صبرا
ما كنتم يوما منسيين
ولا كنتم يوما اسرى
فالليل الاسود لن يبقي
وسيقبل ضوء الفجر كموج
يجتاح ملوحة هذا المجري
وستخرج كل طيور الوطن
وتغرد فوق حدود العمر
القادم شكرا شكرا
يا اسرانا .. ما كنتم يوما منسيين
ومازلتم بملامح هذا الوطن البشرى
مازلتم وهجا يتبرعم بجبين
الوطن حروفا نضرا
و انفعل شاعرنا ايضا مع ما يعانيه الشعب العراقي الشقيق من دمار وخراب علي يد قوات التحالف التي استباحت كل شئ .. فعلي لسان الطفل العراقي ( علي اسماعيل عباس ) الذي فقد ذراعيه ببغداد بفعل القنابل الذكية الامريكية تساءل شاعرنا ( هل من ضمائر تستحي ) ؟ .. ونذكر منها :
ماذا اقول الي رفاقي
ماذا اقول اذا سئلت عن الذراع ؟
- من يا تري قطع الذراع
- ... اكل الذراع ؟
قلت اسالوهم وحدهم ..
من ذا الذي بعث الجحافل
كي تروع امننا ؟
من ذا الذي صنع القنابل
كي تدك بلادنا ؟
او يقبلون لطفلهم
تقطيع اذرعه كما فعلوا بنا ؟
قلت اسالوهم وحدهم
من ذا الذي حرق البراءة
والطفولة والصباح ؟
من ذا الذي قتل العجائز
و الصبايا و الملامح ؟
وبأي حق تستهان و تستباح ؟
وفي قضية الغزو الفكري الذي يحاول الغرب ان يفتننا به من خلال الدعاوى المزيفة والآداب المستوردة لاجل طمس هويتنا العربية و الاسلامية و القضاء علي لغتنا الجميلة .. لغة القران الكريم ..يقول شاعرنا في قصيدة بعنوان ( يا من فتنتم بالتغرب ) الذي اهداها الي المفتونين بالغرب في الثقافة والاداب والفكر والاشياء الاخري :
انا شاعر لاغتوي بحداثة
امشي سويا في مدي مامون
فن العمود اذوب فيه صبابة
حتي دعيت بشاعر مخبون
( حسان ) رمز الشعر من عهد الهدي
انا سائر في دربه المضمون
ذكر الاله لدي العروق يضيئني
وشذى الحديث يموج في تكويني
ما همت يوم او فقدت ركائزي
او تهت حينا في هوى وفنون
يا فتنتم بالتغرب منهجا
لما لا نعود لوجهنا الميمون ؟
وفي قصيدة هل( صرنا موتى ) لشاعرنا ( رفعت عبد الوهاب المرصفي ) نجد مجموعة من التساؤلات التي تزاحمه حيث يقول :
يا للعار
هل صار الكل يبش الوجه
يزم الوجه .. يسب الوجه بامر القرصان ؟
هل صار الكل ينفذ امر الغطرسة الحمقى
ويزين احرفه بنكات ونفاق
ونقوش ؟
ألهذا الحد نعيش ؟!
هل صرنا جسدا منزوع الريش
هل صرنا موتى ....
ولماذا يوهمنا البعض
بانا في الحسبان ؟
وعن دماء المسلمين المهدرة في معظم بقاع هذا العالم يقول شاعرنا في قصيدة بعنوان ( طعنات في الجسد الاسلامي ) :
يا مسلمون جراحنا تتفجر
و دماؤنا في كل صوب تهدر
ضاعت حقوق في زحام خلافنا
من فرط ضعف في العروق يسافر
ماذا تبقي كي نفيق لحالنا
والقيد وهم و الدوائر تكسر ؟
والي متي سيظل فينا شارد
وعدونا في كل لون يمكر ؟
شاعرنا ( رفعت عبد الوهاب المرصفي ) نادي بوحدة الصف العربي والاسلامي.. فالاتحاد قوة والفرقة ضعف ، والذئب لايأكل من الغنم الا القاصية .. حيث قال :
يا أمة رسم الحبيب طريقها
وانساب فيها الهدي والارشاد
ماذا تبقي كي نعضد ديننا
وشذى الهداية نفرة وجهاد ؟
ماكان يمكن ان يمس قميصنا
لو ان كل المسلمون ارادوا
وفي قصيدة اخري بعنوان ( اسلامنا مستهدف ) يقول شاعرنا ايضا :
يا مسلمون تألفوا
وتعاضدوا وتكاتفوا
فالعود في افراده
حتما يخور ويضعف
كنا نسيجا شائكا
وعدونا يترجف
كنا لواء واحدا
فوق الربوع يرفرف
كنا اولي بأس
فصرنا بالتفكك نوصف
ماذا دهانا اليوم
من افعالنا نتخلف ؟
يا مسلمون توحدوا
اسلامنا مستهدف
ودعوا التفرق جانبا
ان التوحد اشرف
وفي قصيدة بعنوان ( حروف من ذاكرة الفجر ) يستنفر شاعرنا طاقات هذه الامة للخلاص من جزاريها حيث يقول :
يا أمتي .. ماذا تبقي كي تفيقي ؟
ماذا سنلقي كي تفيقي ؟
كل القرائن قد بدت
كل البشائر اوشكت
والاكلون تحوطوكي
يا أمتي .. الرصد من كل الجهاد
الطعن من كل الجهات
العدل في الانسان مات
صارت الدنيا انفلات
معاد شئ في المدار سوى الجنون
يا أمتي ...
ماذا تبقي / كي كما كنا نكون ؟
وفي قصيدة اخري بعنوان ( شكايا الي الفاروق ) يخاطب شاعرنا الفاروق ( عمر بن الخطاب ) رضي الله عنه حيث يقول :
واعمراه .. جرحنا انفجر
وسيفنا انكسر
الا علي نحورنا
دماؤنا الخضراء تنهمر
طيورنا البيضاء تحتضر
تعالي نعالج الجراح ام نعالج الاثر ؟
الدمع يفري جفنه
والجسم يروي بعضه
والصيد للصياد يشعل الشرر
لا قدسنا عادت ولا جراحنا طابت
ولا ... ولا ... واعمراه
العابرون يعبرون في الجراح للنخاع
يعبرون في الشتات للضياع
يشبعون من لحوم اجسادهم
ويرتوون من نزيف جرحهم
ويمضغون من كتابنا العبر
فجرحنا انفجر وسيفنا انكسر
الا علي نحورنا
ويقول شاعرنا ( رفعت عبد الوهاب المرصفي ) في قصيدة اخري بعنوان ( اسرج حصانك ) :
اسرج حصانك يافتي الفتيان
ما عاد في الحلبات من فرسان
فتت صخور الحزن من ايامنا
و اكشف لناعن وجهك النوراني
الكل ينظر صوب وجهك شاهقا
ويقول انك من شذى الايمان
فامشق حسامك وانطلق نحو الحما
ما عاد يجدي اي حل ثان
يا فارس النصر الذي قد هزنا
افضي اليك بمجمل الاحزان
الغرب دس سمومه بترابنا
والشرق بارك دولة الشيطان
والمسجد الاقصي الذي كم شاقنا
يحمي دما من قبضة السجان
مسرى النبي الهاشمي ملوث
والحزن فينا صار كالفيضان
يا من بعثت الحق من اكفانه
ووقدت فينا شعلة الغليان
وفي قصيدة بعنوان ( تداعيات من زمن الصهيل ) نجد شاعرنا ( رفعت عبد الوهاب المرصفي ) يستنفر صهيل الامة العربية والاسلامية لاستعادة امجادها التليدة حيث يقول :
هدهد شجونك يا جواد
ما عاد وقت للحداد
ضمت جراحك و انتصب
فلقد جلبت علي العناد
روح الصمود لديك تكفي
ان هوى منك العتاد
وسنا الهداية في العروق
وفي الدياجي يستقاد
لملم همومك وانطلق
( ان الحياة لم اراد )
هل من فوارس ها هنا
هل من صهيل يستعاد
_____________
كتاب - رؤي ابداعية في شعر رفعت المرصفي
للكاتب ( ابراهيم خليل ابراهيم ) رقم الايداع بدار
الكتب والوثائق القومية المصرية 14186/2006
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد النهير
- الزيارات: 9
تأملات في حارس الكآبة
دراسة نقدية : أحمد محمد النهير / القامشلي
كتب بخط يده في رأس الصفحة الأولى عبارة الإهداء : لنحرس الكآبة معاً من فرح مزيّف يعيشه العالم . ثم وقع في ذيل العبارة ، رسم مستقيماً كبيرا مع إنكسارين متضادين في نهايته على شكل مزلاج ، رمزية العبارة ، وشكل التوقيع ، عنصران أساسيان يشكلان ملامح بوابة السجن الكبير، و يرسمان أبعاد الواقع المقهور خلف قضبانه في جغرافية المكان ، وانعكاسات تشظي البيئة الفسيفسائية غير المتجانسة ، وخطر هشاشة التعايش المبطن بالكراهية ، وفقدان الشعور بالأمان ، وفقدان المساواة ، وفقدان العدل ، في زمن يسوده الاضطراب ، وتعمه الفوضى ، وترعبه قوة البطش والإذلال والتحريض ، ودعاة الفتنة ينشطون بين الأمم والأقوام والشعوب والطوائف، يصبون النار فوق الزيت . وكأن العالم أصبح على فوهة آتون تغلي حممه ، وتوشك أن تثور في كل لحظة ، ولا شك أن تأثيراتها بالغة في تجسيد الأفكار ورسم سلوك المجتمعات المتشابكة في المكان ... أنها تراجيديا الواقع المفعم بالخوف ، والفوضى العمياء .....
قال لي لحظتها أرغب في أن أسمع منك رأياً مكتوبا فيها ... وها أنا ذا أُحاول تلبية المطلب ولو بعد حين ، مستخدماً أدواتي المحدودة ، والمتواضعة جداً في هذا المضمار، لعلني أوفق في تأملاتي المستكشفة لانعكاسات مأساة الواقع على النص ، وقدرة الإبداع على تصوير معاناة الإنسان وهواجسه ، وتحديد تضاريس الصراع الضمني / الذاتي ، الذي يعيشه المرء في داخله ، وفي محيطه الاجتماعي ، وصراعه مع الآخر ، والطقوس المستمدة من الدين والأخلاق والتربية والوعي واللغة ، ويتطلب هذا الأمر النظر في النقاط التي تشكل عناصر القصة : الحدث . الشخصية . الفكرة . النسيج القصصي . المجموعة تضم ثمانية عشر عنواناً ، أربعة عشر منها على الأقل تقع ضمن دائرة الخوف والألم ، أو لها علاقة بهما ، القصة الأولى/ انكسار ، ترتدي حلة الألم والحرمان ، والمدخل إليها حزين وبائس ومؤلم ، حارسه جملة ملتبسة استعارها من دستويفيسكي : إنني أسجد أمام آلامك .
لغتها توزعت بين السرد الإنشائي ، وصيغة المتكلم : فاحتضنك وفي قلبي تعوي ذئاب الحسرة والألم . تصوير يجسد واقع معاش تستأثر فيه ذاكرة طفولة الكاتب ، وأبعادها الاجتماعية المقيدة بأصفاد ثقيلة ،أبرزها التخلف الفكري والاقتصادي ، والانغلاق الفئوي لمجتمع تسوده أعراف وتقاليد بالية ، والسطوة فبه لقوة القبيلة والعشيرة والطائفة والدين ، القوي فيه قوياً إلى درجة الوحشية ، والضعيف فيه مغلوباً على أمره إلى درجة القهر... وفي ورود صفراء حزينة : لا تتغير الوقائع ، ويسود الأسلوب ذاته / استيقظت نوارس الحنين بداخلي صخبت ..حلقت .. وحملتني إليك حيث كنت على فراش الموت تنظر إلي بصمت وحنان / قراءة ألذات الراهنة واستحضار الذكريات الماضية وإقامة جدل بينهما في ضوء مستقبل مجهول . وفي غرباء : يستمر المشهد الحزين ، وتستمر معه المفردات ، وأدوات القص ، والاستطراد ، والإيغال في الرمزية المفرطة / ذات صباح بدأنا رحلة غريبة غامضة .. اجتثينا الدالية من جذورها .. وتساقطت الجدران الترابية على وقع ضربات قاسية لا ترحم / . وفي أول الغيث ... احتضار .
يمتطي جواد أوجين غيوفيك الباكي ، ويدفعه من فوق أسوار الخيبة والقنوط ليكتشف المدينة البائسة وموتها المحتوم ،لا جدوى من محاولات الإنقاذ ، لقد تكرست هزيمة الواقع الاجتماعي ، وتداعياته الخطيرة/ لا أمل في ذلك ... المدينة تحتضر ... كأنها ترقد فوق فوهة البركان ... كل ما فيها يدعو إلى الترقب والانتظار... انتظار ممل متعب ... عيون معلقة في السماء . / وفي شجون .يهبُّ لوركا عتياً ليوزع الآلام إلى ستة مقاطع صغيرة ، يسودها جدل التحدي والاستجابة/ قلق ، وأرق ، وحنين , وموت ، وغربة ، وأمل / سداسية مخاضها الأمل : صغيراي .... أتفاءل بضحكتهما فيجتاحني الأمل من جديد . في حارس الكآبة ، تسود اللغة الشعرية ، وتسيطر على مساحات الكلام ، وتوشك الرمزية المحببة أن ترسم ملامح القص المكثف ، لولا رياح الاستطراد المباشر التي تجتاح جمالية البناء الدرامي ، ومعمارية الإبداع المباشر في إنجاز هذا العمل الخلاق ، وتظل المحاولة رغم فوضى الترابط ، وهشاشة المعنى ، في بعض الأحيان . تجذب الاهتمام وتدفع القاريء إلى التأمل في هذا النمط الذي تخلى عن عباءة الشكل الكلاسيكي ، وتظل قصص المجموعة رغم سيطرة السحنة الرمادية على إيقاعات الحدث في مساراتها المتعددة ، ذات رؤية مؤكدة لعوامل النهوض والتغيير .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ • حارس الكآبة ــ مجموعة قصص
ــ ملكون ملكون .
إصدار مركز الإنماء الحضاري ـ حلب
- التفاصيل
- كتب بواسطة: صدقي موسى
- الزيارات: 6
أيها الصحفيون ليكن بجونستون لكم عبرة وعظة وإلا....!!!*
صدقي موسى
صحفي وكاتب فلسطيني
كنت أتسأل ماذا كنا نتوقع كصحفيين ومواطنين جراء انتهاكات وجرائم ارتكبت بحق أبرياء، ومن موجة انفلات أمني مخططة استمرت لسنوات شهدت تصاعداً على مر الأيام.
ليأتي بعدها اختطاف الزميل "آلن جونستون" استكمالاً لحلقات فيلم "أكشن" طويل أصبح مملا مع مرور الأيام إلا أنه أصبح أكثر رعباً وتخوفاً منه على مستقبل شعب يسعى للتحرير والإنعتاق من الاحتلال؛ فاختطاف جونستون جريمة لا يبررها أي سبب كان، وهي عمل مخالف لجميع الأعراف والقوانين وتتنافى مع مبادئ العلاقات الدولية في الإسلام التي تنص على حماية مثل هؤلاء الأصدقاء والدفاع عنهم.
وبغض النظر عن الأهداف التي يسعى إليها خاطفوه، وسعى إليها غيرهم في أجندة اعتداءات طالت الإعلاميين والصحفيين ومكاتبهم، وأتت ضمن اعتداءات أخرى طالت مختلف شرائح المجتمع، يطل علينا سؤال الآن بعد ما ظهر نبل الصحفي الفلسطيني واعتصامه وتنديده بهذه الجريمة، ومطالبته بالإفراج عن زميل سعى لنقل معاناة شعب يرزح تحت الاحتلال، ومقاطعتهم لأخبار الرئاسة والحكومة، وماذا بعد هذه الخطوات الاحتجاجية؟؟!!!
جيد أن نندد وتستنكر ونشجب؛ ولكن هذا لا يكفي فهذا يذكرنا بموقف الزاعمات
العرب، ولا اعتقد أن السلطة الرابعة تكتفي بالتنديد والاعتصام كبقية أي مواطن أخر لا حول له ولا قوة؛ فالصحفي الذي كلفه الشعب ضمنياً بأن ينوب عنه بنقل المعلومة له ويكون صوته العالي في التعبير عن همومه ومشاكله ينتظر منه أن يقوم بمواقف أكثر ايجابية وفاعلية، فالصحفيون هم قادة رأي ورجال إصلاح يقع على عاتقهم عدة مسؤوليات وواجبات.
إن من أول الواجبات التي يجب أن نتحل بها نحن الصحفيون والإعلاميون تضامننا وتكاتفنا تحت جسم ديمقراطي حر يوحد كلمتنا ويظهر اختلاف وجهات النظر بشكل ايجابي وبناء؛ لذا فإن المطلوب الآن وقبل كل شيء إعادة ترتيب البيت الصحفي الفلسطيني وتوحيد جهوده، فمن السخرية أن نعيب تفكك الدول العربية لدويلات ونحن مشتتون أحداً وأعشارا، ومن المعيب أيضاً أن نطالب بالوحدة الوطنية وجسمنا الصحفي تتجلى فيه الانقسامات الفئوية والحزبية، ومن المعيب أن نكون دعاة الحرية والديمقراطية وبيتنا الصحفي لم تجر فيه انتخابات منذ سنوات...!!.
فالمصلحة تقتضي توحيد الجسم النقابي الذي يضمنا، وقيامه على أسس ديمقراطية ليكون جسماً إعلامياً فاعلاً وضاغطاً وقدوة يحتذى به لدى المواطن والسياسي وأطياف الشعب المختلفة ونكون بالفعل قادة للرأي وحماة حرية التعبير والفكر.
نقطة أخرى في غاية الأهمية من أجل تنظيم هذا الجسم وضبطه وهو كتابة ميثاق شرف إعلامي يلزم الصحفي أخلاقياً ومعنوياً ببنوده إلى جانب قانون لا يكون عقبة في طريق حرية الصحافة والكلمة المسئولة.
ننطلق الآن لنقطة ألمحت إليها وهي أن اختطاف زميلنا البريطاني لم يكن الحادث الأول من نوعه، فماذا فعلنا كصحفيين وإعلاميين ووسائل إعلام من مجهود للكشف عن حقيقة تلك الاعتداءات وفضح مرتكبيها والمطالبة بمحاسبتهم.
اعتقد أننا لم نفعل شيء سوى أن ننشر تصريحات الاستنكار والشجب وتبادل
الاتهامات، حتى أصبحت وسائل الإعلام مسرحاً للتصريحات وأصبحنا لعبة بيد الأطراف المختلفة هم يوجهوننا بدل أن نكون موجهين للرأي العام، واختفى الهدف الحقيقي والواجب الفعلي للصحفي بكشف الحقيقة والجناة الفعليين وتبصير المواطنين بالحقائق.
ولكن هل يستطيع الصحفي وفي ظل هذه الأجواء التي يهدد فيها القيام بواجبه؟
والجواب: صعوبة قيامه بذلك، فمن يقومون بتهديده والاعتداء عليه من أهدافهم إرهاب الصحفيين ومنعهم من كشف الحقائق للجمهور؛ ولهذا تحدثت عن ضرورة وجود الجسم الصحفي الوحدوي للقيام بدوره الضاغط والفاعل على صناع القرار بحثهم على القيام بدورهم من جهة، ومساندة الصحفي بالكشف عن المجرمين الذين يهددون حرية الكلمة، فمن الحقوق البديهية للصحفي عدم المساس بأمنه أو تهديده، بالإضافة لعدم التسامح في أي جريمة بحقه أو الاعتداء عليه بسبب قيامه لواجبه وذلك لأن الصحفي لا يمثل فقط نفسه ولا يكون العدوان على شخصه وإنما عدوان على الشعب الذي من حقه أن يعرف الحقيقة.
وفي المقابل، فإن للسلطة حقوقها علينا، وحتى يكون العمل بناءً وتكاملياً، على الصحفي أن يحترم المؤسسات الديمقراطية فهي ممثلة للشعب الذي انتخبها، فتعزيز دورها ووجودها ضروري بالنسبة للمجتمع ولا يعني ذلك السكوت عن الأخطاء وإنما النهي عن الفساد وكشفه والأمر بالإصلاح، وتعزيز ومساندة دورها البناء الذي يخدم الصالح العام.
أمل المواطن بنا الآن أن نكون له قدوة على قدر المسؤولية التي ألقها على كاهلنا بالمساهمة البناءة والفاعلة، وأن نكون صوته ولسان حاله، وليكن لنا في جونستون وزملاء آخرين عبرة وعظة، وإلا فلننتظر المزيد.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حميد عقبي
- الزيارات: 5
ماذا سأفعل لو أصبحت وزيرا للثقافة
حميد عقبي
في صيف 1995 كنت في بغداد مع ثلاثة من الأصدقاء في فرقة أهل الكهف المسرحيةأصدقائي ختموا السهرة بتدخين الحشيش و للأسف استطاعوا خداعي بتدخين سيجارة حشيش كانت الأولى و الأخيرة في حياتي كان المشهد سريالي كلما اتدكره أموت من الضحك فالأول رياض تخيل نفسه جراده داخل زجاجة و ظل يقوم بحركات محاولا الخروج من القنينة و الثاني صلاح تخيل نفسه نحله تدور حول كاس عرق و الثالث معاد تخيل نفسه ضفدعه كل شخص ظل يقوم بحركات عجيبة ليتني وثقت هده المشاهد و انا و بعد سيجارة الحشيش تخيلت نفسي اني وزيرا للثقافة في عام 2010 في الصباح كنا نتذكر المشهد و نضحك على أنفسنا و كان أصدقائي ينادوني يا وزير الثقافة .
بالأمس كنت مع صديق نتصفح بعض المواضيع عن تشكيل الحكومة الجديدة و الشخص المرشح لوزارة الثقافة سألني صديقي حميد مادا ستفعل لو أصبحت وزيرا للثقافة في اليمن تذكرت حكايتي ألحادثه التي حكيتها و أخبرته بها ضحك كثيرا و لكنه رد ربما كنت صعلوك في عام 1995 و لكنك اليوم في وضع مختلف فشهادتك الدكتوراه بالإخراج السينمائي من فرنسا و نشاطاتك و شهرتك قد تؤهلك للمنصب بعد سنوات عديدة فلماذا لا ثم طلب مني ان اشرح له خططي و برنامج عملي ان أصبحت وزيرا للثقافة و أليكم اهم النقاط
لعل الوزير القادم يستفيد منها او ان حصل لا قدر الله و أصبحت وزيرا للثقافة في عام 2010 فسيكون بمثابة وعد التزم به .
1- سوف أسعى لمعرفه ما تمتلكه الوزارة من إمكانيات مادية و بشريه فهناك مؤسسات و مراكز ثقافية و بيوت الثقافة و غيرها و توجد إمكانيات مادية و بشريه غير مستغله بسبب الاهمال او سوء الإدارة ادن لابد من استغلال الإمكانيات الموجودة و تطويرها فمثلا توجد في بعض المراكز الثقافية مثل المركز الثقافي بالحديدة قاعة مسرح أصبحت سكن للجن و العفاريت بسبب الإهمال و ينقصها بعض الإمكانيات و يمكن أن تصبح فعاله و الأمر ينطبق بالتأكيد على مؤسسات أخرى تابعة للوزارة في مخازن الوزارة و
المؤسسات ألتابعه لها العديد من الأجهزة و الإمكانيات التي لا تستغل فسوف اقوم بالتوجيه باستغلالها و الأمر أيضا يتطلب استغلال المؤهلات الفنية يوجد على راس بعض المؤسسات التابعة للوزارة العديد من الكوادر و بعضها يحتل مراكز إدارية و لكن أحيانا صلاحياتهم محدودة ادن الأمر يستدعي وضع الرجل المناسب في المكان المناسب و إعطائهم صلاحيات اكبر و تكليفهم بإعداد خطط و تصورات عمليه و لا بد من الإشارة إلى ضرورة إعداد مشروع قانون الفنان الذي يعطي للفنان و المبدع حقه الفكري و
المادي و لا بد من طرح قوانين تهتم بالملكية الفكرية و غيرها .
2- بناء العديد من المراكز الثقافية و بيوت الثقافة على الاقل ان يكون هناك مركز ثقافي في كل محافظة و توظيف عدد من المبدعين للعمل بها و ان يكون لها دعم جيد للأسف ان ما يقدم من دعم هو محصور فقط للاحتفالات الرسمية و يكون هدا الدعم تحت يد اخرى مثل المحافظ او غيره و لا يصرف هدا الدعم او يوزع و يصرف في غير محله و بالتأكيد لا بد ان يكون للمجالس ألمحليه دور في دعم النشاط الثقافي و الفني و كدا مؤسسات المجتمع المدني و القطاع الخاص فمن المفروض ان يقدم
المركز الثقافي او بيت الثقافة نشاطات امسيات شعرية – عروض مسرحية – عروض سينمائية – دورات في مجالات الفنون المختلفة و ان يكون هناك قاعة فنية لعرض الصور الفواتغرافية و الفنون ألتشكيليه و إقامة المعارض التراثية و ان يقوم المركز بإصدار نشرات تعرف بالتراث و الفنون هنا مثلا في فرنسا عندما تزور أي مدينه مهما كانت صغيرة ستجد سهم يشير الى المركز الثقافي للمدينة و غالبا ما يكون مبنى صغير و متواضع يزودك بكل المعلومات عن ألاماكن التراثية و يعطيك صورة مختصرة عن المدينة و له موقع على الانترنت فيه المعلومات عن ألمدينه و ستجد مجموعة من
العاملين بعضهم يعمل بشكل متبرع سوف يحكي لك تفاصيل اكثر لمادا لا نستفيد من تجارب الاخرين .
3- الانفتاح على الأخر و دلك بتشجيع افتتاح مراكز ثقافية للدول العربية و الصديقة في صنعاء لا يوجد سوى عدد محدود من المراكز الثقافية و هي تقوم بجهود جميلة مثل المركز الثقافي الفرنسي و المصري و غيرها فلماد لا يتم تشجيع مراكز ثقافية مثلا المركز الثقافي الخليجي و المركز الثقافي الصيني و الهندي و الأسباني
و غيرها سوف أسعى للحصول على قطعة ارض و تخطيطها بحيث تصبح المجمع الثقافي العالمي سوف اتصل بالإخوة و الأصدقاء الوزراء في الدول الشقيقة و الصديقة و اطرح عليهم منحهم مربع او قطعة ارض لبناء مركز ثقافي كونه من الأفضل أن نترك شكل المبنى و عمارته لهم فلكل دوله معمارها الخاص و جمال خاص افتتاح مثل هده المراكز الثقافية بالداخل سيمكننا من معرفه ثقافة الاخر من خلاله و ستكون هناك أنشطة مشتركة و سيكون هناك تشجيع لتعلم لغان اخرى مثلا نحن في اليمن نستهلك الكثير من المنتجات الصينية و الهندية و معرفتنا بالثقافة و الفنون
الصينية و الهندية جدا متواضعة .
4- العمل على افتتاح مراكز ثقافية في عواصم الدول الشقيقة و الصديقة سيقول البعض هدا مستحيل تحتاج الى مليارات لفعل هدا و الحقيقة نحتاج الى مال نعم و لكننا بحاجة الى عقول فمثلا المركز الثقافي المصري بباريس يقوم بأنشطة رائعة على مدار العام بفضل جهود الصديق الدكتور محمود إسماعيل الموقع جيد جدا يقع في قلب باريس و مساحته جدا بسيطة و إمكانياته المادية أيضا بسيطة و لكنه يؤدي دورا فعالا ثقافيا و حضاريا و يمكن ان نقوم بأشياء كثيرة ادا كان هناك
تخطيط سليم فمثلا لا يجب ان نفتتح مئة مركز ثقافي و بعد شهور يتم إغلاقها لا بد من عمل خطة تبدا مثلا بإقامة عشرين مركز في اشهر العواصم و هكدا يتم التوسع و بالتأكيد ستجد هده المراكز دعم من المحبين للتراث و الحضارة اليمنية كما يمكن ان يتم التنسيق مع المراكز الثقافية العالمية المشهورة فمثلا في باريس يوجد معهد العالم العربي و غيرها من المراكز العالمية و لكن لا يوجد تواصل دائم معها لتقديم التراث و الحضارة اليمنية و هناك كثيرون يجهلون
اليمن و البعض يخاف السفر الى اليمن هناك صورة مشوهة و مغلوطة و ضبابية جدا عن اليمن نحن بحاجة الى قناة فضائية ثقافية باللغة الإنجليزية و الفرنسية للتعريف باليمن سوف اعمل على تنفيذ المشروع بالتنسيق و التعاون مع زميلي وزير الأعلام و مؤسسات مختلفة و قناة فضائية ليس امر عسيرا و لكن من يدير هدا المشروع و من يعمل به للأسف الشديد الفضائية اليمنية لا يشاهدها الكثيرين بالداخل كونها عاجزة عن المنافسة ليس لأسباب مادية و لكن لأسباب إدارية و فنية .
5- الاهتمام بالتأهيل الأكاديمي و سيتم دلك بالتنسيق مع الجامعات اليمنية لافتتاح كليات و معاهد تهتم بالفنون الجميلة مسرح-سينما-رسم – نحت – زخرفه وغيرها من الفنون للأسف لا يوجد باليمن الا كلية الفنون الجميلة في الحديدة و اعتقد قسم التربية الفنية في دمار اما المعاهد الفنية في عدن فاصبحت مشلولة رغم تاريخها العريق لا بد ان تستعيد هده المعاهد حيويتها و نشاطها و يتم تأسيس و افتتاح المعهد العالي للفنون الجميلة في صنعاء اغلب الوزراء السابقين
تحدثوا عن هدا المشروع و لم ينفد الى اليوم و كنت اطلعت على نسخة من المشروع لدى الفنان المسرحي عبدالله مسعد العمري و تحدثت مع الفنان المرحوم فريد الظاهري في أكثر من مناسبة حول تصريحاته الصحفية حول المشروع و لكنه للأسف كان يدخل في مشاريع أخرى و لم يتحقق الحلم الى اليوم .سوف انسق مع السيد وزير التربية و التعليم باعتماد مادة الفنون الجميلة كمادة أساسية و سوف انسق مع زميلي السيد وزير التعليم العالي بضرورة الاهتمام بابتعاث طلبة لدراسة الفنون الجميلة بالخارج و خاصة الماجستير و الدكتوراه و سأعمل مع مؤسسات أخرى لدعم برنامج التاهيل بالخارج و الداخل .
6- تشجيع قيام جمعيات فنية و تفعيل دور نقابة الفنون و المؤسسات الإبداعية مثل اتحاد الأدباء و الكتاب بحيث تصبح هده المؤسسات شريك فعال و يصبح هناك مؤسسة او جمعية ثقافية او فنية في كل مديريه على مستوى الجمهورية هدا أيضا يتطلب تعاون المجالس المحلية و مؤسسات المجتمع المدني و القطاع الخاص و لابد من تشجيع الاستثمار في المجال الثقافي و الفني و مجالات التراث و ان يتم إعداد قوانين و خطط و تصورات قابله للتنفيذ و ليس مجرد حلم المفروض ان يكون هناك المجلس الوطني الأعلى لثقافة و الفنون و أن يتم وضع خطط و
سياسات للعمل الثقافي و الفني و تقديم الدعم للمؤسسات الثقافية و الفنية .
7- تشجيع الإصدارات الأدبية و الفنية و العمل على طبع كتب التراث و الحفاظ على الثروة الثقافية و العلمية كالمخطوطات التي تتعرض لسلب و النهب والتدمير يجب العمل على تأسيس مراكز و معاهد و مكتبات تهتم بالدراسات و البحوث في المجال الثقافي و الفني و الحضاري و تحافظ على ثروتنا كونها تراث إنساني عريق لا تملكه الكثير من دول العالم اليمن مخزن للتراث الإنساني لكنه للأسف مخزن يتعرض للسلب و النهب و تتلف فيه هده الثروة نحتاج إلى إدخال التقنية العلمية من اجل المحافظة عليها .
8- الاهتمام بالفنان اليمني و تكريم الرواد ليس كما فعل زملائي السابقين منح المبدع شال او درع تكريم الرواد المبدعين يكون ماديا بإعطائهم مبالغ مادية لتحسن وضعهم و ثانيا بطبع و إنتاج و نشر إبداعاتهم بشكل لائق و ليس فقط طبخ كتب و إنزالها إلى المخازن .
9- يجب أن يكون هناك مطبعة خاصة بالوزارة لطبع إصدارات الوزارة و دعم طبع الكتب العلمية و الثقافية و كتب التراث و لابد الاهتمام بالترجمة و ان يتم تاسيس و افتتاح مؤسسة خاصة تهتم بالترجمة من العربية و الى العربية و يمكن ان يحصل هدا المشروع على دعم دولي .
10- الاهتمام بالتراث الشعبي و أقول التراث الحضاري اليمني اليمن من اهم الدول التي تمتلك ثروة هائلة من التراث ليس فقط المباني القديمة التي تحتاج الى خطة و عمل صادق لاتقادها و تحويلها الى متاحف و مزارات سياحية فمثلا لو زرتم زبيد الرجاء زيارة بيت الحوايجي انه تحفة معمارية جميلة اختاره المخرج العالمي باز وليني لتصوير مشاهده الأولى من فيلمه العالمي ألف ليله و ليلة و قمت انا ايضا بتصوير جزء من فيلمي الرتاج المبهور فيه و هناك يوجد
عشرات الألف من البيوت القديمة و القلاع في كل المحافظات لا تخلو محافظة بل مدينة يمنية من وجود معلم معماري رائع ويمكن ان يتم قيام المهرجانات الثقافية و السياحية و الثقافية في هده المعالم فمثلا سوف أشجع قيام مهرجانان فنية مسرح –موسيقى – رقص شعبي – مهرجان شعرية و غيرها هدا ليس صعب و لا مستحيل .
سأكتفي بالعشر النقاط السالفة متمنيا ان يطلع عليها السيد الوزير القادم والله في عون الجميع .
بقلم المخرج السينمائي حميد عقبي - فرنسا
- التفاصيل
- كتب بواسطة: دكتور أحمد سلامة
- الزيارات: 6
منذ القرن التاسع عشر وتحت تأثير الفلسفات الغربية نمت فكرة الانتماء الغربي للعلوم وقع ضحية هذه الفكرة عدد من كبار العلماء ولايزال تأثيرها ملموسا الى الآن وقد تأثر علماء وفلاسفة المسلمين بالآراء العلمية من الحضارات السابقة ولم يعرف الغرب هذه الأفكار والآراء وظلت أوروبا في ظلام دامس لا تعرف التفكير العلمي طيلة قرون وتأثرت بعد ذلك بأفكار العرب والمسلمين وهم في عصر نهضتهم الكبرى وازدهارها مما يشكل علينا نحن المسلمين ان نعيد مجد نهضتنا العلمية واعادة الهوية العربية والاسلامية للعلوم عن طريق المؤسسات العلمية والتربوية التي تبحث في تاريخ العلوم فعلى الصعيد العلمي الباحث في تاريخ العلوم العربية الاسلامية يجد نفسه مدفوعا لأن يكون ملما بالمادة العلمية التي يبحث في تاريخها ويستوعب التطورات الأساسية لهذه المادة وعلى الصعيد التربوي فتدريس أي مقرر يكون عملية تلقين جافة اذا لم يفهم اصل المادة التي هو بصدد تعلمها وكيف تطورت النظريات والدوافع التي أدت اليه على الشكل العصري اما على الصعيد الثقافي العربي فان دراسة تطور الفكر الرياضي والبحث في المخطوطات والنصوص الأصلية تساعد على استعادة القاموس العلمي الأصيل وهو قاموس غني واكثر تعبيرا ودلالة من القاموس المترجم كما تساعد على اعادة الاعتبار الى العلم كجزء من تاريخ هذه الأمة العظيمة ومن خلال المراكز المتخصصة نصل إلى الإسهام في جمع ودراسة ونشر تراثنا العلمي ودراسة مصادره وانعكاساته العالمية.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: دكتور أحمد سلامة
- الزيارات: 4
لاشك أن علم الرياضيات هو أهم الدعائم الأساسية لأي تقدم علمي وتدريس الرياضيات المعاصرة أصبح ضرورة من ضروريات عصر ثورة المعلومات حيث تنوعت المهارات والمعارف بعد أن تداخلت الرياضيات في جميع العلوم الطبيعية وحتى العلوم الإنسانية وأصبحت مهمة التعليم في عصرنا كيف يتعلم الطالب وكيف يداوم علي عملية التعلم طوال فترات حياته فلولا الدقة والإبداع في الرياضيات وكفاءتها الهائلة لم تصل العلوم إلى ما وصلت إليه الآن . فمقررات الرياضيات المختلفة دون غيرها من المقررات التعليمية التي يراها البعض هي الأقل تشويقاً والأضعف عند طلابنا فالطلاب يعانون في فهمها وإدراك علاقاتها المجردة وظهور فروع الرياضيات الجديدة في ساحات المعرفة جعلتها أكثر قدرة علي التفاعل مع حضارة الإنسان من خلال التطبيقات في جميع مجالات الحياة فالرياضيات مقرر علمي وتربوي لا يمكن عزله عن المجتمع فتعليم وحُب الرياضيات أصبح ضرورة ملحة وهناك عدة أسئلة تطرح نفسها :
¨ ما هو الأهداف الأساسية من تدريس مقرر في الرياضيات ؟ فإذا كانت الأهداف هي أن يكون الطلب ملماً بمفردات وأساسيات محتوي المقرر حتى يصل إلى التفكير الصحيح وتنمية ميوله للإبداع ومدي تفاعل هذا المقرر مع حضارة الإنسان وأهم مجالات تطبيقه في حياتنا .
¨ هل خضعت مقررات تعليم الرياضيات في بلادنا العربية إلى هذه الثورة المنهجية ؟
¨ هل طبقت الاتجاهات الحديثة في المقررات الرياضية التي تغير فيها المقرر والمحتوي والمضمون في مدارسنا وجامعاتنا ؟
¨ هل تعطي المقررات الحالية الفرصة لممارسة طرق التفكير السليمة واكتساب المهارات في حل المشكلات والتعرف علي أثر الرياضيات وأهميتها في تطوير المجتمع للإجابة علي جميع الأسئلة السابقة فدقق مقررات الرياضيات يجد إلى أي حد لم تتطور مقررات الرياضيات بالشكل الذي ينبغي أن يكون فمازلت قاصرة علي الجوانب المعرفية المجردة التي لا يحس الطالب فيها مدي إمكانيات التطبيق العملي في الواقع وهذا يجعله ينفر هن هذه المقررات الجافة التي لا يشعر معها بأنها تنمي فيه أي جانب من جوانب الإبداع ويتخرج الطالب من الجامعة ويفقد تماماً العلاقة التي ينبغي أن تربطه بالرياضيات بواقع حياته العلمية وأيضاً يبدو في المقررات التدريسية العجز واضحاً من الجوانب التطبيقية التي تهتم بموضوعات أساسية في مجال الرياضيات والطالب قد يكون له العذر لأنه لا توجد في مدارسنا وجامعتنا معامل لتدريب الطلاب علي التعامل مع الرياضيات بصورة واقعية ملموسة كما هو الحال في الدول المتقدمة ومعظم أقسام الرياضيات في جامعاتنا تفتقد إلى وجود معامل مزودة بأجهزة متطورة يمكن من خلالها تطبيق الرياضيات التعليمية التي تتيح للطالب فرصة للاحتكاك بقضايا البيئة. بل أكثر من ذلك فإن خطط الدراسة لأقسام الرياضيات بالجامعات العربية لم تشهد هي الأخرى أي تطور علي سبيل المثال يعطي الطالب جرعات متزايدة وكم هائل من المعلومات المجردة أغلبها في نظر الطلاب لا قيمة له وتجعله يتساءل دائماً ماذا نستفيد من هذه المقررات وهي بعيدة كل البعد عما سوف يدرسونه وهذا يعني أنهم لا يدركون أهميتها ولم يتمكنوا من الاستفادة من مفاهيمها وطرقها المختلفة فكيف نواكب تطورات العصر في ظل خطط دراسية عفي عليها الزمن ولقد انعكس هذا كله علي مستوي أبنائنا وجعلهم يشعرون دائماً بالرهبة والكراهية تجاه فروع الرياضيات المختلفة لأنهم يشعرون بأنهم يتعاملون مع كائنات رياضية جافة لا ترضي طموحاتهم وتطلعاتهم لعلم ينمو ويتطور .إذا فهناك حاجة ماسة لتعديل خطط أقسام الرياضيات بمدارسنا وجامعتنا وتؤكد أن هذه التعديلات يجب أن تعتمد علي نظرة مستقبلية ومن واقع ما يحدث حولنا من تقدم علمي وتكنولوجي فيجب علينا أن نعد أبنائنا لمواجهته باستمرار وإلا سنخسر الكثير …. والكثير فمطلوب أن تطور مناهج وطرق تدريس الرياضيات ونظم الامتحانات .
فمن وجهة نظري والله أعلم نجد مالنا وما علينا نحن التربويون من المجتمع يتلخص في النقاط :
¨ ربط الرياضيات بواقع المجتمع من خلال برنامج يهتم بالجانب العملي لمقررات الرياضيات
¨ عقد محاضرات عامة في المدارس والمؤسسات التربوية تكون محاورها عن أهمية الرياضيات وتطبيقها في حياتنا وأخري بعرض إنجازات علماء الرياضيات عامة وعلماء العرب والمسلمين خاصة وعرض أساليب الحل لديهم .
¨ بث روح البحث في تطور الفكر الرياضي عبر الحضارات
¨ وجود برنامج تدريبي ثابت في المدارس والكليات تذكر الطلاب بأساسيات ومفاهيم الرياضيات السابقة
¨ تخصيص حصة أسبوعية علي الأقل في المدارس للقراءة في كتب الرياضيات المختلفة وتوجيه الطلاب نحو القراءة الصحيحة للرياضيات .
¨ دراسة ظاهرة خوف وكراهية الطلاب من الرياضيات خصوصاً في المراحل الدراسية الأولي (الأسباب والعلاج).
¨ دراسة آليات جديدة بقبول الطلاب بأقسام الرياضيات بالكليات والجامعات .
¨ تفعيل دور أقسام الرياضيات في الكليات مع المدارس وتفعيل دور النشاط المدرسي من خلال أنشطة متنوعة وهادفة تتضمن مواضيع من الرياضيات المختلفة .
¨ تشجيع الطلاب وأولياء الأمور علي الاهتمام بالرياضيات من خلال عقد مؤتمرات تربوية خاصة بالرياضيات وحث جميع طوائف المجتمع بالمشاركة .
¨ تطبيق المواضيع والأبحاث المقدمة في المؤتمرات العلمية والتربوية والاستفادة منها .
¨ تقديم البحوث الجامعية لحلول واقعية ومتكاملة لحل مشكلات المجتمع
¨ عدم انعزال الكليات والجامعات عن المجتمع و عدم انحصارها علي الفلسفات المعرفية التي تركز علي التربية الذهنية فقط .
¨ أن يتجه أقسام الرياضيات بالكليات والجامعات لخدمة المجتمع من خلال تفعيل دور أقسام الرياضيات مع المدارس المحيطة.
¨ محاضرات لتوعية أولياء الأمور بعدم تخويف أبنائهم في الصغر من صعوبة مقررات الرياضيات .
¨ تشجيع الطلاب وأولياء الأمور علي الاهتمام بالرياضيات وتفعيل دور النشاط المدرسي من خلال أنشطة متنوعة وهادفة تتضمن مواضيع من مقررات الرياضيات المختلفة.
¨ عقد مؤتمرات وندوات تربوية خاصة بالرياضيات وحث جميع أبناء المجتمع بالمشاركة .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. زياد الحكيم
- الزيارات: 4
الممثل المسرحي والجمهور
د. زياد الحكيم
أستاذ جامعي سوري - لندن
التمثيل هو أقدم الفنون، وهو شكل من أشكال تعبير الإنسان عن نفسه تعبيرا واضحا ومؤثرا. وكان الدافع وراء رغبة الإنسان في التعبير عن نفسه هو حاجته إلى التواصل مع الآخرين، فقبل أن يرسم ويكتب ويغني، لجأ الإنسان إلى السلوك الدرامي الذي نجم عنه فن التمثيل. وأصبح التمثيل مهنة محترمة في المسارح الإغريقية بعد أن خضع للتنظيم والضبط. وعلى هذا فان التمثيل فن يحظى باحترام يعود إلى أزمنة سحيقة بوصفه جزءا من مؤسسة تشكلت قبل استنباط المفاهيم الفلسفية الأساسية وقبل إقامة الكنيسة وقبل وضع أقدم نظام قضائي في العالم.
والتمثيل بخصائصه الشبيهة بالسلوك البشري يعتبر أكثر قدرة من أي فن آخر على الكشف عن الجوانب الحياتية والثقافية والوجدانية للإنسان.
دور الممثل
الممثل إنسان فاعل، مكان عمله خشبة المسرح الخالية من أي أثاث في كثير من الأحيان. وينقسم عمله إلى قسمين متتاليين: الأول فترة تحضيرية يدرس فيها الدور ويتدرب عليه، والثاني فترة العرض وفيها يعرض أمام الجمهور ما استعد له. ونحن نحكم على الممثل إن كان بارعا أو عاديا أو ضعيفا ليس بالاعتماد على ما يستطيع أن يكتبه أو يتحدث به عن التمثيل، ولكن بالاعتماد على قدرته على أداء عمله بنجاح أثناء مرحلتي الإعداد والعرض.
وعندما يقف الممثل على الخشبة محاطا بالديكور وبفيض من الضوء ويتحرك ويتكلم في إطار وهم مصطنع هو إنسان غير عادي، بل هو مزيج من المكونات البدنية والنفسية المكثفة، ويتوقف حظه في الحياة على قدرته على تشكيل كلّ فني من عناصر مختلفة كثيرة. وهو يعبر عن هذا المزيج البدني النفسي المكثف من خلال أفعاله على الخشبة، وبعض هذه الأفعال شديد الشبه بمثيلاته في الحياة، في حين أن بعضها الآخر مقيد بضوابط الخشبة وأصول الحرفة. ويؤدي الممثل عمله في ظروف شديدة التوتر، والخطأ الذي يرتكبه في هذه الظروف يبدو اكبر مما هو في الحقيقة. وفي ذهنه كمية كبيرة من الأفكار والخبرات التي يتصل بعضها ببعض في شبكة منظمة تسيطر عليها آليات فيزيولوجية، ولذلك فهو قد يؤدي كل لحظة في العمل الدرامي بالسهولة والتلقائية والكثافة التي يتطلبها فنه.
ومن اجل أن يحقق التجسيد الكامل للدور الذي يؤديه في إطار الخبرة المكثفة لا بد أن يفهم بيئته ويتفاعل معها تفاعلا حساسا وعميقا، ولا بد أن يكون قادرا على اصطفاء المفيد واطراح غير المفيد، ولا بد أن يكون قادرا على تشكيل خبرة درامية، وأخيرا لا بد أن يكون قادرا على أداء دوره بشكل منسجم مع الأدوار الأخرى في العمل المسرحي الذي يعمل فيه. والممثل إنسان بوجوه كثيرة، وهو فرد لا بد أن يظهر وكأنه أفراد كثيرون. فهو يتمتع بجسم لدن ومتيقظ، وبعقل ذكي سريع الاستجابة. ويجب أن يستفيد بفضل حساسيته التي تزداد رهافة بازدياد التوتر من رسائل تحذيرية وتشجيعية يتلقاها مما يدور حوله. وهذا كله بالغ الصعوبة، ولكن الممثل البارع يجعله يبدو وكأنه سهل.
خصائص الممثل
يمتاز الممثل بعدد من خصائص أساسية نذكر منها:
الغريزة الدرامية: وهي خاصة أساسية لكل من يريد احتراف التمثيل. وهي تعني أن على الممثل أن يمتاز بقدرة أو موهبة درامية. وتتفاوت الغريزة الدرامية من حيث عمقها وكثافتها من فرد إلى آخر، فهي قوية وقريبة من السطح عند بعض الممثلين، وضعيفة عند بعض الممثلين الآخرين. وهي أحيانا قوية ولكنها تقع خلف أستار من الرهبة والتردد وعدم الثقة بالنفس. وتكشف الغريزة الدرامية نفسها في جملة من الأشكال: فهي تظهر أحيانا من خلال ميل إلى الفكاهة والهزل وأحيانا من خلال ميل إلى الجد والصرامة. ويتمتع بعض الممثلين بقدرة على الهزل والجد بنسب متساوية تقريبا. ولكن لا بد من وجود غريزة درامية عند الممثل، وإلا فانه يبقى هاويا طيلة حياته.
وتمتاز الغريزة الدرامية بمزايا محددة، فهي تنطلق أساسا من حاجة إلى أداء ادوار مختلفة مقرونة برغبة في مشاركة آخرين في الأداء. وتنطوي الغريزة الدرامية كذلك على إحساس قوي بالصراع، وعلى إحساس بالحيوية سواء كانت بدنية أو روحية. وفيها قدر صحي من الأنانية أو حب الذات، فهي تدفع الممثل إلى إثبات جدارته، والى السعي إلى أن يكون محترما ومحبوبا، والى تجاوز ما هو عادي بحيث يكشف عن معنى ما في ما هو سطحي وما هو عميق من الأفعال والأقوال. وفيها لمسة من الواقعية، ولمسة مما هو خلف الواقعية، أي ما هو ممكن ولكنه غير واقعي. وفيها عناصر لا يمكن وصفها بكلمات.
القدرة على اكتساب مهارات: الخبرة الدرامية فعل استثنائي، والجمهور جماعة استثنائية من البشر. وهذا كله يجعل من المتعذر على الممثل أن يكون شخصا عاديا، ويفرض عليه أن يكون شخصا استثنائيا. وتنبثق فنية أداء الممثل – إلى حد كبير – من أساليب منهجية للتمثيل، فالمنهج يحدد طريقة معالجة الممثل لجسمه أو لصوته أو لشيء من الأشياء بحيث يحقق بذلك هدفا دراميا. وتنمو هذه المهارات والأساليب من أفعال مسيطر عليها سيطرة كاملة ومكررة ومصححة. وهي تنجم عن خبرات ونقد لهذه الخبرات. والهدف من أي منهج أو مهارة هو تحقيق السيطرة، والسيطرة لا يمكن تحقيقها إلا عن طريق الممارسة والتكرار. وعندما يحقق الممثل السيطرة يستطيع الأداء دون تفكير واع مما يجيز له أن يركز على مزيد من الإبداع في الأداء. وتزداد قيمة المنهج عندما يتمكن الممثل من تطبيقه في اللاشعور.
والمهارات الصوتية هي الوسيلة التي ينظم بها الفنان المبدع قدراته بحيث يستفيد منها فائدة كبرى. والمهارات هنا تساند الإلهام وتوجهه، وهي تمنح الممثل سيطرة على الإبداع الدرامي. والمنهج الدرامي المتبع هو الذي يساعد الممثل على القيام بأداء منسجم وعلى مستوى واحد من الجودة. ويرث كل جيل جديد من الممثلين مناهج ثبتت قيمتها الفنية والعملية من خلال عدد لا يحصى من العروض وعلى مدى أجيال متعاقبة من الممثلين.
الفطنة: ما يعرض اليوم من مسرحيات في مختلف أنحاء العالم لا نجد له مثيلا من حيث التنوع والكثرة في أي حقبة في تاريخ المسرح كله. ويتمتع الممثل اليوم بفرص غنية جدا تفرض التزامات كثيرة وصعبة. ففي كل لحظة يقف فيها الممثل على الخشبة هو يعبر عن شيء ما من خلال الكلمة أو الحركة، ولذلك لا بد أن يكون واعيا لكل ما يعبر عنه.
ولا يقع حفظ كلمات الدور على رأس قائمة ما يتوجب على الممثل أن يقوم به من عمل في مرحلة إعداد الدور. والحفظ هو تمرين ذهني يتطلب بعض الذكاء، غير أن طفلا صغيرا يستطيع أن يحفظ نصا من مسرحية هاملت مثلا دون أن يفهم فهما حقيقيا فحوى النص أو أهميته. فلا بد للممثل من فهم مضمون النص الفكري والفلسفي، بالإضافة إلى الخلفية التي ينطلق منها النص ويتطور. وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن حفظ كلمات الدور أمر غير مهم أو أن الكلمات يجب أن لا تحفظ كما كتبها المؤلف. ولكنه يعني أن حفظ الكلمات يجب أن يكون ناتجا عن فهم متعمق للمسرحية، وهو الفهم الذي ينجم عن دراسة مستفيضة للعمل المسرحي. ولا يمكن أن يتجاوز تفسير الممثل لدوره حدود فهمه للشخصية التي يصورها وظروفها المعاشية. صحيح أن تفسيره للدور ذو منشأ انفعالي وبدني، غير أن المفاهيم الأساسية التي تكوّن هذا التفسير هي فكرية في جوهرها، ولذلك فان القدرة الذهنية التي يتمتع بها الممثل هي التي تبلور هذه المفاهيم الأساسية لتصوير شخصيات تختلف اختلاف هاملت ولير.
وينسجم عمل الممثل مع عمل المؤلف ويكمله. فإذا كان الكاتب هو الذي أوجد الفكرة التي يريد التعبير عنها فان الممثل لا يستطيع أن ينقل الفكرة إلى الجمهور بوضوح بمجرد تكراره لكلمات الكاتب. يجب أن يفهم هذه الكلمات، وهذه مسؤولية تقع على كاهله، وهي جزء من الجهد الذي يقوم به أثناء الإعداد للدور. وعلى الممثل أن يرتفع إلى مستوى كتاب مسرحيين من أمثال يوروبيديس وشكسبير وإبسن وشو.
الخيال: والخيال المبدع هو أسمى نشاطات العقل البشري، وبوساطة الخيال يتمكن الإنسان من القفز بين ما هو واقع وما هو ممكن، بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. ولتحقيق ذلك يلجأ المرء إلى الخيال للانتقال من سلسلة من الحقائق المعلومة إلى سلسلة من الحقائق أو الأحوال المفترضة. وهذه الحقائق والأحوال المفترضة قد تكون قريبة من نقطة الانطلاق، وقد تكون شديدة البعد عنها.
وقد يكون اللجوء إلى الخيال نادر الحدوث أو غير ضروري في مهن كثيرة، ولكنه جزء لا يتجزأ من عمل الممثل اليومي. وإذا كان الآخرون ينتقلون من جملة من الحقائق إلى جملة أخرى من الحقائق فان الممثل ينتقل من جملة من الحقائق إلى جملة من الأوهام أو الحالات المتخيلة. ويبتكر الخيال – من الناحية الدرامية – صورة بصرية للأشياء والأشخاص والأفعال، وهي صورة جديدة للمبتكر. وتوجيهات الخشبة التي يسجلها الكاتب المسرحي في نصه ما هي إلا جملة من الأوضاع التي توحي للممثل بفعل يجب أن يفهمه ويعمل على أساسه. وبالاعتماد على هذه التوجيهات يتخيل خط الفعل الذي سوف يسير على هديه قبل أن يفعل ذلك في الواقع. والخيال جزء لا يتجزأ من العملية التي يقوم بها لتكوين مفهوم أو فعل قبل الحدث، وهو الذي يرشده ويوجهه. فعن طريق الخيال يصل الممثل إلى طرق مبتكرة لفهم الشخصية التي يؤديها ولتفسيرها ولإيجاد أفعال درامية توجد أمامه هدفا واضحا يسعى إلى بلوغه. ويقدم الخيال للممثل صورة أولية للشخصية على جانب كبيرة من الأهمية. فالفعل المتخيل المبتكر يوجد صورة أولية للشخصية في بادىء الأمر، ولكن هذه الصورة تنمو وتتطور بتقدم الدراسة التي يقوم بها الممثل للمسرحية والدور. وعلى سبيل المثال، تتكشف صورة للأمير هاملت في ذهن الممثل بالاعتماد على ما يطلع عليه من طبيعة الشخصية وما تقوله وما يقال عنها وما تفعله، وذلك قبل أن يجسد الممثل هاملت بجسمه وصوته.
الاحساس المرهف: يتصل الممثل بالعالم الذي حوله بوساطة حواسه، وبوساطة حواسه يتواصل مع ذلك العالم ويجمع ما تتطلبه عملية التمثيل من مواد. وهو يحتاج إلى إحساس مرهف أكثر مما يحتاج إليه الإنسان العادي، شأنه في ذلك شأن أي فنان. ولا يتعين عليه أن ينظر حوله ليرصد أهمية كل حركة من حركات السلوك البشري فحسب، ولكن يتعين عليه أيضا أن يتمكن من الإيحاء بتلك الأهمية على نحو جلي لينقلها إلى الآخرين الذين لا يتمتعون بالضرورة بما يتمتع به هو من قدرة فريدة على الفهم وقدرة على وضع هذا الفهم في شكل فني جميل.
ولا بد أن يدرك الممثل أننا لا نستوعب العالم الذي حولنا عن طريق الذهن فحسب، ولا عن طريق الذهن فقط نفهم فكرة أي مسرحية. إننا نفهم الجوع بالجوع، واللمس باللمس، ومتعة الإبصار بالأبصار، ونفهم الحب بالحب. إننا نفهم بالذهن أشياء "عن" ذلك كله، ولكن للجسم طرقه في الفهم التي لا يجاريه فيها الذهن. وتعمل حواسنا بالاستجابة للمؤثرات الخارجية، وتخلف هذه المؤثرات انطباعها على العضو من الجسم الذي وقعت عليه. وبامكاننا أن نعود فيما بعد لنعاين هذا الانطباع ونستعيد الإحساس ونتذكره سواء كان جوعا أو ألما أو حتى اثر الرياح الباردة على وجوهنا، ونحس بالفرح أو الألم.
القدرة على العمل المضني: تتطلب مهنة التمثيل ساعات طويلة من العمل والجهد والمثابرة. وقبل أن ترفع الستارة في العرض الأول، يكون الممثل قد أمضى أسابيع من الإعداد والدراسة والمناقشة تحت الضغط الذي يفرضه موعد العرض الأول. ولا بد أن يكون الممثل قادرا على تحمل العمل لساعات طويلة، وتحمل عبء تكرار العمل في المشهد الواحد مرة بعد مرة، وتحمل الانتظار وما فيه من توتر ما بين المشاهد للصعود إلى الخشبة. كل ذلك يتطلب مقدرة بدنية وعصبية كبيرة.
المظهر البدني: لا شك أن الطول وتناسق الجسم يعتبران ميزة للممثل. ولكن على كل ممثل أن يسعى جاهدا لتطوير ما يتمتع به من خصائص بدنية. وعلى الممثل الطويل أو القصير أو البدين إلى حد مفرط أن يعي هذه الخصائص وان يعمل على تطوير نفسه في حدود ما تجيزه. وعلى مثل هذا الممثل أن يذكر أنه في تاريخ المسرح الطويل كان هناك ممثلون كثيرون استطاعوا أن يجعلوا المظهر البدني أمرا قليل الأهمية نسبيا نظرا إلى ما كانوا يتمتعون به من جد واجتهاد وتميز كفنانين.
الجمهور شريك في العملية الإبداعية
يحضر الناس إلى المسرح لمشاهدة عرض مسرحي لأنهم يتمتعون بنصيب من الغريزة الدرامية، ولأنهم يرغبون في الحصول على نصيب من الخبرة الدرامية. والجمهور هو النصف الثاني المهم في العملية الإبداعية، وهو المتلقي المتشوق لمشاهدة العرض، الراغب في التخلي عن الاعتقاد – لفترة – بأن الواقع الحقيقي هو وحده الذي يمكن الركون إليه، وفي تبني الاعتقاد بأن الإنسان يستطيع - عندما يريد - أن يستحدث واقعا آخر.
واستجابة الجمهور للعرض ذات اتجاهين: خارجي وداخلي. تتجلى استجابته الخارجية بالضحك أو التصفيق أو البكاء. أما استجابته الداخلية فهي أنشط حركة وأكثر تنوعا وأعمق أثرا. وإذا قدر لنا أن نلمح ما يدور في داخل المتفرج أثناء العرض فإننا سنرى جملة متشابكة من العمليات الذهنية والانفعالية والحسية، تتصاعد وتزداد تعقيدا قبل أن تهبط وتتلاشى لتفسح المجال لعمليات أخرى. وبفضل هذه العمليات الداخلية يستطيع الجمهور أن يؤدي بعضا من عمل الممثل وأن يساعد فيه. ونعلم أن أحد المنشطات القوية للاستجابة عند المتلقي في أي فن هو قوة الإيحاء. فليس ثمة فكرة أو عاطفة يثيرها الممثل تبقى في شكلها الأصلي عندما يتلقفها الجمهور ويتفاعل معها. فما أن تصل الفكرة إلى المتلقي حتى تبدأ عملية نمو في داخله، وتكبر الأفكار والعواطف وتتوسع بشكل يتناسب مع قوة الإيحاء. ولا فائدة من الذهاب إلى المسرح دون هذه الفرصة للمشاركة.
ومعروف أن المسرح يناقش موضوعات وقضايا ممتعة، ولكن من المعروف أيضا أنه يثير موضوعات وقضايا تتسم بكثير من السوداوية والعنف. ولا شك أن رواد المسرح يعرفون ذلك، وهم يقبلون به ويجهزون أنفسهم له. ومع ذلك فإننا في الحياة نحاول تجنب ما هو غير جميل وما هو حزين ومؤسف ومؤلم، ونحاول تجنب خيبات الأمل واليأس. ولكن المسرح يعنى بهذه الموضوعات على نحو متواصل في ما يعرضه من مسرحيات إلى درجة أن أعظم المسرحيات التي عرضت على الخشبة في مختلف العصور مفعمة باليأس والقتل والموت.
لماذا إذن نحرص على مشاهدة العروض المسرحية بالرغم مما فيها من إحباطات وهزائم وآلام؟ ما هو الممتع في مسرحية سوفوكليس "الملك أوديب" بكل ما فيها من عدوان وقحط وألم وفقدان للبصر؟ وهل الوحدة القاسية التي يعيشها هاملت جذابة بما فيه الكفاية لتجذبنا لمشاهدة المسرحية والمشاركة في الإحساس بتلك الوحدة؟ هل من الممتع حقا أن نشاهد عرضا لمسرحية تنيسي ويليامز "عربة اسمها الرغبة" التي تقطع فيها البطلة بلانش دوبوا صلتها بالواقع وتغمس نفسها في عالم من الجنون، أو أن نشاهد عرضا لمسرحية يوجين أونيل "رحلة يوم طويل إلى الليل" وفيها ما فيها من انحلال وإدمان وانهيار؟ بالرغم من هذا كله نذهب إلى المسرح، ممثلين ومتفرجين، منذ قرون من الزمان لمشاهدة الأشياء نفسها التي نرتعد لها في الحياة ونبذل كل ما في وسعنا لتجنبها. لماذا؟
في المسرح نشبع حاجتنا إلى تجارب إنسانية لا حصر لها دون مجازفة. ومعاناتنا عند مشاهدة الموت والعذاب كما في "هاملت" و"الملك لير" هي معاناة من نوع خاص تنتهي بمجرد انتهاء العرض المسرحي. إننا نستمتع بكل شيء في الخبرة بما في ذلك القتل والموت كما في موت روميو وجولييت، ونحن أحياء وأصحاء. وعلى ذلك فان بامكاننا أن نشارك في الخبرة الدرامية إلى أقصى حد ممكن ونحن في أمان وسلام، ونستطيع أن ننغمس في الخبرة بشكل كامل لعلمنا أن الخبرة لا تعدو كونها خيالا في خيال.
الجمهور والحس المسرحي
يُبقي الحس المسرحي الممثل على صلة مباشرة بجميع عناصر الخبرة الدرامية بما في ذلك العلاقة بينه وبين الجمهور. فعن طريق الاستجابة الجماعية للجمهور يعرف مدى فاعلية ما يعرضه على الخشبة. وبالرجوع إلى ما توفر لديه من خبرات مسرحية يستفيد مما يبديه الجمهور من استجابة للعرض. وبالتالي فانه يتعين عليه أن يتعلم قراءة استجابة الجمهور. عندما يكون الممثل على الخشبة يستطيع أن يحس باستجابة الجمهور على اختلاف أنواعها وأحجامها. ومن اليسير أن يفهم استجابات صارخة كالضحك والبكاء، كما أن التصفيق الحاد عند نهاية مشهد من المشاهد دليل على نجاحه في أداء دوره. والتصفيق المؤدب يختلف عن التصفيق الودّي وكلاهما يختلف عن التصفيق الفاتر.
ويصعب أحيانا قراءة موقف الجمهور من الخبرة المسرحية دون تعبير واضح كالضحك والتصفيق. ولكن الممثل أمام استجابة جماعية، ومن الأسهل قراءة الاستجابة الجماعية من قراءة استجابة فردية. والحقيقة أن الحس المسرحي يمكن أن يطور إلى درجة يمكن بها للممثل أن يتعرف إلى ردود أفعال الجمهور بالاعتماد على ملاحظة أفراد متناثرين هنا وهناك في صالة المسرح. ويستطيع الممثل أن يتعلم الكثير بالوقوف خلف الجمهور في مواجهة الخشبة، فالمراقب الحاذق يستطيع أن يرى من ذلك الموقع العرض على الخشبة والجمهور ككل واحد، ويستطيع أن يرى الخبرة الدرامية برمتها أمامه بشكل مباشر. وبمراقبة عرض بعد عرض من المسرحية ذاتها يستطيع الممثل أن يتمثل جوهر الحس المسرحي.
وعندما يحدث ذلك يدرك الممثل أن هذا التمثيل يشكل كيانه كله، ويدرك عناصر معينة من الحس المسرحي على نحو عقلاني، ولذلك يتمكن من الحديث عن هذه العناصر وأن يشرحها للآخرين. ويدرك أيضا عناصر إضافية على نحو وجداني، ومن هذه العناصر الإحساس بأنه جزء لا يتجزأ من العملية الإبداعية كلها. ويدرك عندئذ كيف أن صورته تتعدد بعدد مَنْ في الصالة من جمهور. ويدرك كذلك أشياء أخرى ويستوعب المجرد كما لو أن الجمهور تحدث بشكل جماعي وبصوت واحد.
-----------------------------------
لمزيد من الإطلاع:
1. كونستانتين ستانيسلافسكي. إعداد الدور المسرحي. ترجمة د. شريف شاكر. منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي. دمشق 1983.
2. سونيا مور. تدريب الممثل. ترجمة د. زياد الحكيم. منشورات المعهد العالي للفنون المسرحية. دمشق 1986.
3. Brook, Peter. The Open Door: Thoughts on Acting and Theatre. New York: Theatre Communications Group, 1995.
4. Bruder, Melissa. A Practical Handbook for the Actor. New York: Vintage Books, 1986.
5. Gielgud, Sir John. Acting Shakespeare. With John Miller. New York: Scribner, 1992.
6. Gregory, William Alfred. The Director: A Guide to Modern Theater Practice. New York: Funk & Wagnalls, 1968.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالجواد خفاجى
- الزيارات: 6
الموت .. هكذا أراه !
عبد الجواد خفاجى ( مصر )
أحياناً أستشعر أنني حي عندما أطرح معان جديدة للموت .. لكأنني – ضمنياً – أعبر بطريقة سلبية عن الحياة ، لا لشيء إلا لأنني عاجز حقيقة عن التعبير عما أفتقده في الواقع .. هكذا يتساوى لدى كل ما هو واقعي مع كل ما هو موتىٌّ ، و هكذا أجد نفسي أمام مفارقة أن أحيا لأعبر عن معاني الموت ، ومن دون أن أتبني هذه المعاني كسلوك ومن دون أن أمجدها أو حتى أدافع عنها ، لأنني حقيقة معنى بالحياة ، وربما لهذا أعتبر أن تعبيري عن معانى الموت أو طرح المفاهيم حوله هما – بشكل أو بآخر – دليل حياة . ***
ثمة كتابات للموتى ، أقرأها لأدباء معزولين ، يمجدون قيم الثبات والانفلاق ، خاضعون بحكم النشأة لقيم الجماعة المعزولة وأعرافها السخيفة واصلاحاتهم البالية ونمطهم القَبَلي ، متعصبون بالضرورة لجماعاتهم ، يتمتعون بقدر كبير من أخلاقيات العزلة التي تشيع في المجتمعات المعزولة . هذه الأخلاقيات تفرض عليهم رؤية كل من هو خارج الجماعة وكل من لا يتبع منظومة قيمهم السائدة بصفته ( آخر ) مستبعد ، وعدو يجب محاربته ، والخلاص منه باعتباره جرثومة مهددة . في مثل هذه الكتابات ذات الرؤية اللاإنسانية يصبح الخضوع لقيم الأجداد الموتى فضيلة عظمى ، كما تصبح أو تمسي قيمة الفرد في درجة إخلاصه لمن في القبور ، ولماضيهم البائد ، وحركة الفرد فوق الأرض خاضعة بالضرورة لسيرة الموتى ، ونهجهم الذي كان ، وحياته في قدرته علي أن يكونهم لا قدرته علي أن يكون ذاته ، كما أن قيمة الفرد تصبح في قدرته علي المحافظة علي قيم الثبات والانفلاق وفى استعداده للدفاع عن هذه القيم .
ومن ثم – حسب وجهة نظري – يستوي الإبداع وعدمه ، لأن الخضوع لقيم الثبات والامتثال للنمط التليد ضد معاني الإبداع بمعني الخلق علي غير مثال سابق . كما أن الانكفاء علي الذات الفردية أو الجمعية والتعبير عنها والانفلاق عليها بدعوى التعبير عن الحياة هو نوع من ضيق الأفق ، والمبدع حقيقة هو صاحب الأفق المتسع باتساع الحياة والكون ، كما أن الانكفاء علي الذات علي طول الطريق قد يكون دليل مرض أكثر من كونه دليل إبداع . وربما أنا أسمى هذه الكتابات – حسب وجهة نظر نقدية – كتابات الموتى ، وأصف أمثال هؤلاء الكتابات بالميتين ، لأن الحياة شيء آخر ، حتى وإن كنا نفتقدها ولم نعشها حقيقة ، سيظل التعبير عنها ممكناً ولو بطريقة سلبية عندما نعبر عما نراه حقيقة متمثلاً في قيم الموت ونعاينه . المسألة – إذن – ليست وجهات نظر وحسب ، وليست نوعاً من الخضوع لرغبة التفلسف المجردة .. إنها تعبير حقيقي عما نستشعره ونحن نتنفس ، ربما لأن ممارسة التنفس أو الاستمرار فيه شيء ، وممارسة الحياة أو الشعور بها شيء آخر ، هو نفسه الفارق – إذن – بين أن نحس وأن نشعر .
أو بالمعنى : الإحساس شيء والشعور شيء آخر وبينهما تكمن معاني الحياة . *** الحياة الحقيقية هي التمرد علي الواقع ، والسخرية من قيم الموات التي أرصدها وأترصدها في الواقع ، وربما أن الحياة هي الثورة علي هذه القيم الموتية ، ولهذا يعتبر نقد الواقع بما يحويه من قيم الموات ، ومسخرتها بمعني ممارسة السخرية منه ، يعتبر هذا بالنسبة لى لونًا من الحياة التي أمارسها حقيقة لحظة الكتابة ، وربما لهذا أنا حي حقيقة فقط عندما أكتب . هكذا تصبح الحياة كتابة حتى الموت ، والموت خضوع لما اعتاده الناس حياة . ولهذا فإن حرمانى من حق الكتابة والتعبير هو حرمان من حق الحياة . في الكتابة يصبح المستحيل ممكناً باللغة ، وتزول الحواجز بين فواصل الزمن ومراحله ، وهكذا نجد أنفسنا أحراراً بلا نهاية ، وبلا حدود ونحن نصنع عالمنا الذي ننشره فوق الورق ، أو نمسخر الواقع الذي نرفضه ، ونهدم عالمه فوق رؤوس ساكنيه ، لا لشيء إلا لأنه لم يعد معبراً حقيقة عن الحياة في معانيها الحقيقية . .. في الكتابة نحن نعانق الحلم لحظة أن نفر من مؤرقات الروح ، ولحظة أن نتسامى فوق الزفير أو بالمعني فوق البيولوجيا التي تخضعنا للموت بمعني الخضوع لما هو مُلِح وضروري لمواصلة الزفير ، وهذا هو عين الخضوع للاعتيادي الذي يربطنا بالموت أو يفضي إلي موت ، ومن ثم فإنني ككاتب روائي وممارس للنقد الأدبي استشعر موتى لحظة خضوعى لكل ما هو اعتيادي أو لحظة تآلفي معه . ***
قد يربط البعض بين الحزن والموت .. والحقيقة أنني ما سمعت عن ميت يحزن .. الحزن عندي دليل حياة لا دليل موت .. أما الفرح بمعني السرور فهو تعبير عن التآلف والتكُّيف مع الاعتيادي ، ومن ثم فهو دليل موت بالنسبة لى ، وربما لهذا أفهم قول الله تعالي : "إن الله لا يحب الفرحين" فهماً خاصاً ، لأن الله أرادهم أحياءً فأماتوا أنفسهم عندما فرحوا . وربما أن كثرة الضحك عندما تكون تعبيراً عن كثرة الفرح هي دليل موت لا دليل حياة ، وربما أنني أفهم قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) : "كثرة الضحك تميت القلب " في هذا الإطار . قلبي ليس ميتاً ، ولا أريد أن أميته ، ومن ثم فإن لحظات الضحك عندي نادرة ، كما هي لحظات الفرح .
أنا أستشعر أنني حى عندما أمارس حزنى بمعني حياتى ، كل ما ينقضي الآن بشكل ملح هو مكان هادئ أمارس فيه الحزن بمعني حياتي.. وساعة أن أظفر بهذا المكان سيكون حتماً هنالك موتى ، ليس لأنني عثرت علي المكان الذي أمارس فيه حزنى بمعنى حياتى ، ولكن لأننى حتماً سأفرح بما ظفرت به ؛ لهذا يأخذ الموت عندى معنى آخر هو أن أظفر بكل ما أصبو إليه ، لأن ذلك سيقودنى – حتماً – إلي فرحى بمعنى موتى . ومن ثم فإن الحياة حقيقة ستظل في استمرار الصراع من أجل تحقيق الأمنيات ، كما تظل في الحرمان من الأمنيات ، ومن ثم أيضاً فإن الأموات من البشر هم من يعيشون حياة بلا صراع ، ومن يعيشون حياة الرفاهية والدعة ، أولئك المترفون الذين لا يعرفون الحرمان . ***
منذ أن كتبت روايتي الأولى "الراقصة والعجوز" التي صدرت عام 86 كان الموت يعنى بالنسبة لي شيئاً مختلفاً ، فقد كان معظم شخوص الرواية من الشباب الضائعين في مجتمع الكبار الانفتاحي الذي حمل رياح التغيير ، وتغـيُّر النظرة إلي القيمة الحقيقية للإنسان ، وفى وقت شهدنا فيه نوعاً جديداً من الصراع الرأسمالي الذي يدهس القيم في الطريق . وكان أن عايشنا منذ أواسط السبعينيات بوادر انسخاط القيم وانهيار المبادئ العظمى التي تربينا عليها التي تعطي للإنسان قيمته متى ما كان منتمياً لمرجعيات قومية وحضارية عروبية وإسلامية .. هكذا وجدنا أنفسنا ـ كجيل ـ وسط قيم الاستغلال والاستهلاك ، وبوادر انقسام عربي سياسي وانشطار بين جبهة الصمود والتصدي وجبهة التطبيع مع العدو الإسرائيلي .. كان كل ما يحدث حولنا يمثل بالنسبة لنا انهياراً كبيراً ، لم نكن ندرك وقتها أنه مجرد بوادر لانهيار أعظم نعيشه الآن . لم يكن غريباً – إذن – أن يكون كل أبطال الرواية من الشباب بين قوسي فقدان الهوية والاستغلال الرأسمالي والسياسي الذي يقودهم إلي اللامعنى .. وهكذا كان شعورهم بالموات .. لقد وضع بعضهم نهاية لحياته بيده ، بينما استمر الآخرون مدفونين فوق الأرض ، وكان الموت يعني بالنسبة لهم أن تصبح الحياة بلا معني ، ومن ثم لا فرق أن يموت فينا الجسد أو تموت فينا القيمة ، والحلم بالمستقبل المشرق . لم يكن في مقدور الشخوص أن يتمردوا على واقعهم وهم يسيرون بلا إرادة ، نحو هوة الفقد والضياع لذلك كانوا معبرين ضمنياً عن الموات الذي يعني السكون والاستسلام ، وكان معني هذا الاستسلام حقيقة هو الخضوع لنزوات الآخر المستغِل ورغباته اللاإنسانية ، في الوقت الذي كان المجتمع بقوانينه العمياء ينظر إليهم كبضاعة بلا روح ، أو كمتطرفين تجب محاكمتهم ، وهكذا صار المجتمع نحو إدانة الأداة التي بيدها أن تصنع المستقبل أو تتمرد علي فساد الواقع ، وربما أن الواقع المسيَّج بالعسس وقوانين الطوارئ ساهم إلي حد كبير في قتل الذات والحلم والرغبة في التغيير ؛ لهذا كان الموت يعني الخضوع المذل لإرادة الواقع الأعمى ، وهكذا أيضاً كانت شخصية البطل في روايتي "الحذاء" التي صدرت عام 2002 .. كان البطل قادراً ـ فقط ـ علي ممارسة عرض الواقع من خلال الاستمرار في السرد ، في الوقت الذي كان الواقع ينزلق به نحو هوة الفقد والضياع الأكبر وذلك عندما تفقد الذات أية رغبة في البقاء في واقع مجاف لا يري في الإنسان أية قيمة ، ولا يحترم أية خصوصية ، فيما كان محتوي الشخصية الذي تنضح به من داخلها ينم عن إيمان عميق بمعاني الحياة والحرية وبقيمة العلم والثقافة والأخلاق والمبادئ الإنسانية ، في مقابل فردة الحذاء التي يحرزها البوليس علي ذمة قضية جنائية .. كانوا يحرصون علي نظافة فردة الحذاء ولمعانها وصيانتها من الأتربة أو التلف في خزانة آمنة ، وفي الوقت ذاته يعاملون شخصية المتهم ( معلم لغة عربية وتربية إسلامية ) باحتقار شديد واستتفاه بالغ ، وغير ذلك تعذيبه بدنياً . الاتجاه البوليسي في المعاملة لكل من المعلم المتهم وفردة الحذاء كان يتجه نحو تشييء الإنسان ، وأنسنة الحذاء (الأشياء) .
في مثل هذا الطقس اللاإنسانى وجد المعلم (العريان)نفسه بين يدي أدلة عمياء تقول إنه متهم ، بمجرد أن البوليس عثر علي فردة حذائه في موقع الجريمة ، ولعجزه عن إثبات براءته ، ولأن البوليس يصر علي إدانته وتعذيبه كان لابد أن يستسلم .. لم يكن يفعل أكثر من الاستسلام بأيادي آسريه ومعذبيه ، ثم ومن بعد لقضاته الذين انشغلوا بتقنين موته .. كل شيء كان يقوده إلي الإعدام ، في الوقت الذي كان يتساءل فيه : وما جدوى أن نبقي فوق الأرض والموت بداخلنا ؟! . في الوقت نفسه كانت المحكمة تعكس غباء الواقع وموت العدالة وموت التمييز أو القدرة علي التمييز وموت النبالة .. وهي نفسها القيم الحية التي يؤمن بها (العريان ) ، لقد كان نبيلاً بالفعل ، ذو قدرة عالية علي التمييز ، فيما كان ذكياً ومثقفاً موسوعياً ، بدأ حياته متخماً بأحلام عظام من زمن طفولة ، لم يكن الزمن أعمي فيها أعمىإلي الدرجة التي انحدر إليها الآن . وثمة ما صنعه البطل داخل محبسه حينما أقام مجتمعاً ديمقراطيًا داخل السجن، أفراده من سجناء ينتظرون محاكمتهم أو إعدامهم .. لكأنهم يحققون معاً رغبتهم الكبرى في اللحظات الأخيرة داخل السجن ؟! ؛ لتصبح المفارقة بين الأسر والظلم والديمقراطية والعدالة هي المتحكمة في معاني الحياة .. المفارقة التي نصنعها نحن ولا تصنعها الحياة .. نعم الحياة مليئة بالمفارقات ، لكننا أحياناً نصنع مفارقات أخري أفدح نسميها واقعاً ، بيد أن ما نحلم به يظل واقعاً آخر قائماً بالفعل، ولكن في مخيلتنا ، وبين ما نسميه واقعاً وما نحلم به صدام حقيقي وتنافر قد يدفعان إلي الرغبة في الخلاص من الحياة برمتها ، وقد تلتقي معاني الموت الإكلينيكي مع موات القيمة والحلم في لحظة صدام حقيقية مع الواقع . ومن ثم فإن لا فرق بين أن يموت منا الجسد أو تموت فينا القيمة والحلم .. (العريان) لم يمت لأن قضاة مجتمعه حكموا عليه بالخنق أو الشنق .. هذا الحكم الأخير مهدت له الرواية لكنها لم تعرضه كحدث ، وقد أصبح عرضه تحصيلاً لحاصل .. الحقيقة أن العريان ميت منذ زمن طويل ، منذ بداية الرواية بأحداثها حيث الطفولة البائسة والفقر المدقع والغفلة المجتمعية عن الفرد ، وضياع قيم الأبوية والأمومة ، فيما كانت القيمة الوحيدة التي يتمسك بها والتي أتاحتها له مجانية التعليم هي العلم .. وكان يظن أن في العلم حياة ، إلي أن أكتشف أنه واهم في مجتمع لا يحترم العلم ولا العلماء ، وأن المعلم أحقر بكثير من رجل البوليس السلطوي .. هنالك اكتشف العريان أنه ترس عاجز في آلة كبري تخدع أبناءها بالقول : "اقرأ " ثم تخدعهم أكثر بالقول : "اقرأ باسم ربك الذي خلق .." ثم ليكتشف أن اللافتة المثبتة فوق واجهة المدرسة تعكس الحقيقة كاملة .. لقد تآكلت حروف اللافتة بسبب عوامل الطقس ، ولم يبق من حروفها غير "وزر" فيما سقطت بقية حروف "وزارة التربية والتعليم" لندخل في حيز آخر من الضياع الذي تعكسه الرواية من داخل جهاز التربية والتعليم نفسه ، ضياع النظام وفساده علي مستوى الأدوات والمناهج والمعلمين والطلاب والأبنية والخطة وما إلي ذلك . الإشكالية أن الجميع كانوا يستمرئون هذا الضياع وذاك الفساد ، بداية من وزير التعليم وحتى رجل الشارع . علي مستوي آخر كان الجميع يستمرئون فساد الجهاز البوليسي وضياع قيمته ومبررات وجوده يتضافر مع ذلك عماء القانون والقضاة .. الجميع كانوا واهمين وهم يقودون (العريان) إلي الإعدام ، دون أن يدروا أنهم إنما بذلك يحققون رغبة العريان في الخلاص من هذه الحياة أو بالمعني الخلاص منهم بخلاصه من الحياة التي تربطه به . وهكذا بضياع القيم العظمي وفساد الواقع يستشعر الإنسان موته بداخله ، ومن ثم يبدأ في الاستسلام لرغبة الموت الجسدي أو مفارقة الروح للجسد . ****
أحياناً يصبح معني الموت هو عدم القدرة علي صنع أسباب الحياة أو تستحيل عند الإنسان القدرة ، لا لشيء إلا لأن الموت أصبح صيغة حية ، عندما يجد المرء نفسه فرداً في مجتمع ميت لا حراك فيه ولا نماء .. هذا المجتمع الميت معطل بالضرورة ، ومقاوم للتغيير ، وخامد بفعل الكساد الاقتصادي و الفقر وندرة الموارد الطبيعية وغيرها . كثيراً ما تتضافر عوامل تاريخية للموات الجمعي كما هو الحال في صعيد مصر ، وحيث تصر الحكومات المتعاقبة علي مصر علي نفي وإهمال هذا الجزء (الذيل) .. إنه الحال في ثلاث روايات انتهيت منهم مؤخراً هي "بغل المجلى" و "عودة الفلٌّوص" و "أرض الخرابة" .. ثمة أسباب تاريخية أدت إلي كساد الحياة وخمود الحراك الاجتماعي ، ومن ضمنها الإهمال الخدمي وانعدام مشاريع التنمية وتزايد عدد السكان ، وانحصار الرقعة الزراعية ، وهنالك تبدو الحياة خامدة ساكنة سكون القبور ، حتى لأن كل شخوص الروايات ألفوا حياة الموت هذه ، وأصبح وعيهم بالحياة الحقيقية معدومة ورغبتهم في الحياة تعني استمرارهم فيما هم عليه ، فيما تملكهم الخوف من التغيير ومن المستقبل ، وقد أصبح نهجهم المتبع " اللي تعرفه أحسن من اللي متعرفهوش" . ****
قد يتضافر معني الموت هذا في الروايات الثلاث مع معنى آخر هو الخضوع لسلطة مَن في القبور ، وسلطة مَن في القبور تُمَارَس حقيقة في المجتمعات القَبَلية والبدائية والمتخلفة والمغلقة علي السواء ، حيث يكتسب الفرد قيمته في جماعته بانتمائه لهذا الجد أو ذاك من المقبورين ، ودرجة انفتاح الفرد علي الآخر رهن بالعلاقة التي كان قد صنعها الأجداد في الماضي بين قبيلتيهما إن كانا من قبيلتين مختلفتين ، ورهن للوضعية التي موضعها الأجداد للبطون والأفخاذ إن كانا من نفس القبلية ، أما إن كان الفرد غريباً أو مقيماً وسط أفراد هذه الجماعة أو كان أحد أبويه من خارج القبيلة فلا شك أنه سيعيش بغير اعتبارات أو حيثيات . هو مجتمع تتحدد فيه صلاحية الفرد للحياة باعتبارات العرق والدماء ، والأعراف الماضوية ، لا بقيمة ما يصنع أو يقدم للمجتمع النفع . في مثل هذه المجتمعات يولي الجميع وجوههم شطر القبور ، فيما تصبح الحياة حقيقية خلف ظهورهم . في مثل هذا الطقس أيضاً قد تصبح للأضرحة قيمة عظمي ، لا لشيء إلا لأنها تحوى أجداث من يتبارك الأحياء بهم ، ويتلمسون منهم العون والمدد في الحياة . وهكذا قد نجد سلطة للأموات علي الأحياء ، وتصبح القيمة الحقيقة للماضي ، ولمن ماتوا ، أو باختصار تصبح القيمة لما تحت الأرض لا لما في فوقها ، ولمن فارقته الحياة لا لمن ينبض بها . في مثل هذا الطقس أيضاً تحيا الخرافة ويشيع الدجل ، وتتراكم حول العقيدة مزاحمات أسطورية تلبس ثوب الحياة .. لا أقول الواقع المؤسطر ، ولكن أقول الأسطورة التي سطت علي الحياة ، ومن ثم نجد مساحة واسعة للخزعبيلات فيما تضيق المساحة أمام العقل ، حتى تنعدم تماماً ، وهنالك قد يصبح للجن وجود وفعل وقوة ، ويصبح الإنسان حقيقة مجرد كائن لا يعرف غير الاحتراز من الغيبي والسحري والغائب والميت ، وهم جميعاً يمثلون القيمة الحية التي يفتقدها أحياء الميتون فوق الأرض .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالجواد خفاجى
- الزيارات: 6
النقد الأدبى والاحتطاب الكثيف
عبدالجواد خفاجى
لقد تذرَّعت ، وربما تدرَّعت بصبر بطولىٍّ ، لم أعهده فىَّ من قبل ، وإن كان ممضًا ومؤلمًا ، من أجل الانتهاء من قـراءة مـؤلفات د . عبدالعزيز حـمـودة الثلاثة : المرايا الـمحدبة (1998م ) و الـمرايا المقـعَّرة ( 2001 م ) وأخيرًا .. الخروج من التيه( 2003م ) والصادرة جميعها عن سلسلة " عالم المعرفة " بالكويت .
ثلاثة مؤلفات ضخمة ، على ما بها من عشب كثيف ، وعلى ما بها من محاولة جادة للتأريخ للنقد الغربى فى القرن العشرين ، وإن لم يكن هذا هدفها ، فقد كان جلُّ الاهتمام منصبًّا على تأكيد فشل المشروع البنيوى وسقوط حلمه بعلمية النقد ، والتأكيد على فوضى استراتيجية التفكيك ، ودحض إمكانية الوصول إلى شىء من وراء الافتتان الجديد للمثقفين العرب بالنقد الثقافى الذى يجرى الترويج له اليوم على الرغم من أن الأحداث داخل الثقافة أو الثقافات التى أنتجته قد تخطته إلى مرحلة أخرى، أو لنقُلْ إلى أزمة أخرى ، ترتبط بظروف النظام الدولى الجديد فى مرحليه الأخيرة . وغير ذلك كان الرجل مشغولاً بنقد توجهات السواد الأعظم من نقادنا العرب المهرولين إلى دخول التيه النقدى الغربى بمذاهبه ومدارسه المتصارعة والمتواترة وغير المتساوقه ، وغير ذلك خلطهم بين الحداثة والتحديث . وكثيرًا ما كنت أتساءل فى لهاث القراءة : ما جدوى هذا الاحتطاب الكثيف !، وغالبًا كنت أتوسم بقعة ظلٍّ ؛ لالتقاط الأنفاس ، إلى أن وجدتها .. وقد آن أن أسترخى قليلاً بعد كل هذا العناء ، قبل أن نستأنف مسيرة أخرى مختلفة ومغايرة ، وإن كان الأمر قبلاً يستوجب أن أتأمل دعوة الدكتور حمودة للخروج من التيه النقدى الغربى الذى وقعنا فيه، أو دخلناه بإرادتنا ، أو لنقُلْ أُدْخِلناه دون إرادة منا .. إنها دعوة للخروج من التيه إلى بديل عربى متمثل عند الرجل فى العودة إلى البلاغة العربية خاصة عند عبد القاهر الجرجانى ، ومن دون تعمد القطيعة مع الآخر الثقافى (الغربى) أو رفع شعار القطيعة معه .
وبداية نحن معه أن حال النقد العربى الآن مؤسف ، وأن ثمة انجراف نحو التغرُّب والاستيراد اللاواعى ، وأن فوضى الانفتاح على الآخر أضحت ترفًا لا يحتمل ، وجُلُّ ما يستجلب من ورائه خارج احتياجاتنا سواء الرُّوحية أو الجمالية أو الثقافية ، غير ما هنالك من فوضى استخدام المصطلح ، وعجرفة الخطاب النقدى وتعاليه ، واستهلاكه فى التنظير بعيدًا عن النظر الحقيقى فى النصوص ، أو المتابعة الحقيقية للمنتَج الإبداعي ، وغبر ذلك من انغلاق حدود الخطاب على النخبة من النَّقَدة المهرولين نحو دخول التيه النقدى الغربى ، وكأنهم يكتبون لأنفسهم .
لكننى - ومع ذلك - ما كنت أحسب أن طرح دعوة الكتور حمودة المتواضعة هذه تستوجب عليه المرور عبر غابة ثلاثة مؤلَّفات ضخمة ، خاصة أنه يدعونا إلى بديل لا وجود له ، أو إلى فضاء تسكنه دعوة الكتور حمودة الحارة الشاردة وحدها . وكان بالإمكان أن يكون الفضاء مسكونًا بشىء حقيقى لو انصبَّ جهده على تأصيل دعوته هذه بشكل إجرائى تطبيقى ؛ فما أسهل الاحتطاب فى برارى النقد التنظيرى، وما أخفُّ على الأصغرين ( القلب واللسان ) من تقديم الدعوات وإسداء النصائح ، وفى المقابل من ذلك ما أصعب أن يكون الأمر سلوكًا إجرائيًا ينكب على استضافة النصوص المبدَعة التى يدعو الدكتور حمودة إلى تأكيد سلطتها .
والإشكالية الثانية التى أوقعنا فيها د . حمودة : أن لا تأكيد لسلطة النص دون تأكيد موازٍ لسلطة القارئ ؛ فسلطـة النص حقيـقة لا وجود لها قبل فعل القـراءة ، وما " ضـرورة الاحتفاظ بالنـص وسلـطته وقصـده
إلى معنى " - كما جاء بكتابه الأخير صـ322 - بذات قيمة ما لم يكن ثمة قارئ ذو سلطة موازية يمكنه الوقوف على هذه القصديَّة وإن كنت أشك فى مقولة (قصدية النص ) ؛ فهى ليست قصدية ثابتة ، كما أنها ليست محددة تحديدًا قطعيًّا جبريًّا ؛ فقد قُرئ القرآن الكريم بأكثر من منظور فلسفى ، وكان المعنى فى كل قراءة ينزاح إلى معنى آخر مختلف ، فما كانت قراءة المعتزلة لتؤكد نفس المعنى الذى أكدته قراءة المتصوِّفة، وما كانت تلك الأخيرة لتؤكد نفس المعنى فى قراءة أهل السنة . وعليه ، وما دام منظور القراءة مملوكًا للقارئ وحده وليس للنص ، فإن سلطة القارئ تبدو من الأهمية بمكان وتتوازى مع سلطة النص ، وصولاً إلى معنى ما ، وقد أحسن الدكتور حمودة عندما قال : " معنى " ولم يقل : المعنى ؛ وإلا فما الذى كان يفعله عبدالقاهر الجرجانى فى " دلائل الإعجاز " - ما دام السياق عند د . حمودة يستدعى ذكره ؟ ، أو ليس ما فعله الجرجانى يعد من وجهة نظر متأملة تأكيدًا لسلطة القارئ صاحب القريحة والذوق الفنى المعلَّل بأسانيد عقلية فنية ، والمستكشِف لدلالات النص ، غير أن عبد القاهر أكد صـراحة على هذه السلطة فى "دلائل الإعجاز " ، ولا أجد هنا مندوحة لنقل ما جاء بدلائل الإعجاز حول الأمر ، ولكنى أحيل القارئ إلى: " عبد القاهر الجرجانى (دلائل الإعجاز ) - القاهرة - 1331 هـ - صـ42 " .
الإشكالية الثالثة التى يوقعنا فيها الدكتور حمودة أنه اعتبر البلاغة العربية كما لو كانت طللاً قائمًا بذاته فى البراح ، ينتظر من يعود إليه بعد طول هجران ، والحقيقة غير ذلك .
إن مثل هذا الاعتبار يتجاهل حراك الثقافات ،وتداخل الحضارات ، بل يتجاهل حركة التاريخ ، ولأضرب مثلاً بالتأثيرات الأرسطية فى النقد والبلاغة العربيين عبر مراحلهما المختلفة ، هذه التأثيرات بلغت من العِظم حتى لأن بعض الباحثين يعتبرون حازم القرطاجنِّى - على سبيل المثال - تلميذُا لأرسطو ، ولقد سبق أن ألقى د . طه حسين بحثًا له تحت العنوان "البيان العربى من الجاحظ إلى عبد القاهر" بهولندا أمام المؤتمر الثانى عشر لجماعة المستشرقين ، قرر في هذا البحث أن أرسطو كان المعلم الأول للمسلمين فى علم البيان ، إلى هذا ذهب أيضًا أمين الخولى فى السنة نفسها ، الأمر الذى نقر معه أن النقد والبلاغة العربيين لم يكنا فى البراح قائمين بذاتيهما دون تأثير وتأثر ، وأن ما وصلا إليه من تطور فى العصرين الأموى والعباسى كان نتيجة لتراكم معرفى مطرد يتلاقح فيه الفكر العربى بما ورثه العرب من الحضارات الأخرى السابقة ، لقد ورثت الحضارة العربية من الحضارات الأخرى ما أهلها لأن تكون على درجة ما من التطور الفكرى المستوعب - فى حقب متوالية - للحضارات المجاورة والمنزاحة والمقهورة حولها . والشان ذاته ، لقد أفادت الحضارة الأوروبية المعاصرة من الحضارات الأخرى المنزاحة والمقهورة حولها وبالأخص العربية ، الأمر الذى لا نبرئ معه كافة النظريات النقدية المعاصرة التى وفدت إلينا أو ستفد .. لا نبرئها من الاشتباك المباشر وغير المباشر بتراثنا العربى البلاغى والنقدى ، غير أن مسألة العودة إلى البلاغة العربية القديمة يتطلب منا أول ما يتطلب تطوير آليات فهمنا لهذا التراث فى ضوء مستجدات الحياة والفكر، وإن كان الأمر بحاجة إلى إعادة النظر فى هذا التراث من منظور نقدى يتخلى عن تقديس هذا التراث، ففى الوقت الذى يمكننا فيه النظر إلى فكر عبدالقاهر الجرجانى من منظور ريادى يعطى فكره موضع التأسيس لمدرسة أسلوبية جديدة فى الفكر العربى ولا تزال ، أقول فى الوقت ذاته يمكنني النظر إلى جهد عبد القاهر كله من منظور آخر يتهم هذا الفكر بإعاقة تطور البلاغة العربية عندما وقع فى أسر الرؤية النحوية الخالصة ، مما يؤكد اضطراب موقفه كبلاغى، ثم أعطى سلطة معيارية للنحو على البلاغة وعلى الرؤية التحليلية للنصوص بما لا يتلاءم مع الظواهر البلاغية المتجاوزة أساسًا للثبات ، ومن ثم وجب أن تكون الرؤية التحليلية للنصوص متجاوزة لثوابت الرؤية المعيارية التقعيدية . من ناحية أخرى وعلى فرض إخلاص النية للعودة إلى البيت القديم ، وعلى فرض جدلى أننا خارجه ، ألا يحتاج منا هذا البيت إلى جهد الترميم ؟!.
الأجدر بنا أن نقف وقفة مكاشفة - على ما ذهب إليه كثير من الباحثين - لتنقية الحقل المعرفى هذا من الآثار السلبية للمعارف الأخرى التى تفرض سطوتها عليه .
ولقد سبق أن التفت أمين الخولى إلى أثر الفلسفة وعلم الكلام والمنطق على الدرس البلاغى ، وكما أشار شكرى عياد إلى سيطرة المنطق على الرؤية البلاغية عند السكاكى ، كما أشار د . عيد بلبع إلى الأثر السلبى للنحو على البلاغة . الأمر الذى نؤكد معه أن علم البلاغة العربية عاش ويعيش عالة على علوم أخرى تشكل جذوره وتمارس سطوتها السلبية عليه " فى غيبة التفريق بين طبيعة الظاهرة التى تقوم البلاغة على دراستها ، والظواهر التى تقوم هذه العلوم على دراستها ، وفى غيبة من التفريق أيضًا بين الفلسفات التى قامت عليها هذه العلوم ، والفلسفة التى ينبغى أن يقوم عليها هذا الفرع المعرفى " (1)
وبالقدر نفسه نحن بحاجة لتطوير آليات فهمنا للآخر الثقافى لا بصفته عدوًا صاحب حضارة قاهرة أمام حضارة عربية مقهورة ، بل بصفته شريكًا فى التراث الإنسانى وإن كان شريكًا فعًّالاً فى الحاضر استطاع أن يؤسس من ثراثات الأمم والحضارات الأخرى حضارة لم تكن بريئة من تشغيل وتفعيل موادنا التراثية والإفادة منها ، فى الوقت الذى نتوجس نحن خيفة من الاقتراب مما لديه ، دون أن نتساءل : هل كان أجدادنا حقيقة بمثل هذا التوجس والخوف ، أم كانوا أكثر جرأة فى اقتحام مجلات الفكر الإنسانى عامة ، والإفادة من تراثات الأمم الأخرى ؟
بهذا الاعتبار يمكننى أن أعاين أفكار عبد القاهر الجرجانى وأصداء نظريته فى ساحة الأسلوبية الحديثة خاصة عند " ليوسبيتزر " أو كما ذهب د . محمد رضا مبارك إلى أن أسسًا كثيرة يمكن إيجادها بين الأسلوبية الحديثة والبلاغة العربية خاصة عند عبدالقاهر الجرجانى " إن إيجاد أسس للقاء ، يمنح الجهد العربى المعاصر فى حقل النقد إمكانات جديدة يمكن الإفادة منها فى صياغة حياة نقدية فاعلة ، تحاور الآخر ، وتعزز جهود ربط النقد العربى ، والتي يراد لها أن تتواصل وتتعمق فى النقد الحديث " ( 2 ).
الإشكالية الأخيرة التى أوقعنا فيها الدكتور حمودة أنه ذيَّل دعوته بالمفارقة التى لم نكن نتوقعها مطلقًا ، وهو الذى رسخ عبر ثلاثة مؤلفات لمفهوم القطيعة مع الآخر الغربى ، ونفى إمكانية أن يكون كل هذا الوافد الغريب أو المستجلب الهجين - حسب وجهة نظره - صالحًا للتعامل معه فى المجتمعات العربية أو حتى الغربية ، وقد أضحى برمته ركامًا باليًا خاضعًا لقانون ثابت هو الإزاحة إلى مزبلة فاغرة فاها باستمرار ، الأمر الذى يرسخ فى وجدان القارئ العربى أمرين أولهما : إن ما لدى هذا العالم الغربى قد أضحى فى حقيقة الأمر كالجيران السيئـين ، علينا أن نعرف كيف نتجنبهم . ثنيهما : إن ما لدى هذا العالم الغربى قد أضحى فى حقيقة الأمر نفاية فكرية .
وما دام الأمر كذلك ، وما دام هذا هدف الكاتب فما معنى قوله " ومن دون تعمد القطيعة مع الآخر الثقافى ، أو رفع شعار القطيعة معه ؟! ".
على أية حالة يتبقى للدكتور حمودة لدينا حسن النية ، وله علينا احترام غيرته على النقد العربى المشتت ، و المخوزق بسهام كثيرة تكاد تجهز عليه بالفعل . وإن كنا لا زلنا نأمل منه أن يجتاز بنا تلك الإشكاليات التى أوقعنا فيها ، ومن ثم التعفف عن رغبة الاحتطاب التنظيرى إلى رغبة أخرى تركز على الفعل الإجرائي التطبيقى الذى يمارس النظر فى النصوص الإبداعية وفق المنظور الفلسفى والرؤيوى الذى يعتنقه ، ساعتها يمكن أن نقول بكل فخر: ها هنا شىء حقيقى يمكننا أن نقتدى به .
لا شك .. إن الممارسة التطبيقية ستقدم النموذج العملى لما يتصوره الدكتور حمودة مثاليَّا ، أو لنقُلْ مقبولاً أو لائقًا ، أو مجديًا عن طبيعة عمل الناقد الأدبى العربى المحتكم إلى ثقافته العربية والمخْلص لتراث أمته عندما يكون على قدر المسئولية التى تفرض عليه أن يكون فعالاً فى العصر ، ومن دون الوقوع فى براثن المثاقفة العمياء ، أو الخضوع كلية لثقافة الآخر ، ومن دون أن يعطى ظهره للتراث الإنسانى الذى يمور حوله ، وتلك هى الإشكالية فيما أظن التى تجاوز عنها الدكتور حمودة ، ومن دون أن يكون معنيًا باجتيازها انشغل بالاحتطاب فى برارى النقد التنظيرى وعلى نحوٍ كثيف .
واجتيازًا لبعض الإشكاليات التى أوقعنا فيها الدكتور حمودة حاولت فى كتابى ( استضافة النص ) اجتياز الرغبة فى الاحتطاب التنظيرى إلى الفعل الإجرائى التطبيقى الذى يمارس النظر فى النصوص الشعرية ، واضعًا فى اعتبارى إمكانية استضافة النص فترة كافية لعقد صلات حيممة معه بهدف معاينته من جميع أوجهه ، بغية الدخول إلى النص من مداخل أختارها ، لا بصفتى مخْلِصًا لمنهج ما ، أو لنظرية ما ، بل بصفتى مخْلِصًا للنص وحده .
إن الإخلاص للنص يعنى بالنسبة لى إعطاء كافة الفرص للنص لممارسة سلطته علىَّ بصفتى قارئًا وحسب؛ ليختار النص نفسه أو ليفرض علىَّ طريقة المداخلة واستراتيجيتها ، ومن ثم ستتعدد طرائق المداخلة واستراتيجيات القراءة من نصٍّ لآخر .. هذه واحدة ، الثانية أننى كقارئ للنص له ذائقته و وعيه ، وبصفتى مضيفًا غير قاهر للنص ، لن استسلم لسلطة نصٍّ ما بنفس القدر الذى استسلم به لنصٍّ آخر ،ولا بنفس الكيفية ، كما أننى لن أكون بريئًا تمامًا فى تعاملى مع النصوص ، بل علىَّ دائمًا أن أحاور النصوص ، وأن أسائلها ، وأن أستفزها بقدر ما تستفز قريحتى ، حتى تستسلم أو تسلم ، هكذا يمكننى أن أتصور أن فعلنا النقدى فى هذا الكتاب يركز على العلاقة الحميمة المتبادلة بين القارئ والنص ، بغية أن يفتح كل منهما مداخله للآخر ، ومهما يكن أمر القراءة يسعى إلى الوصول إلى أعماق النص ، فإن علىَّ ساعة إذن استصدار بغض الأحكام البررة المقنعة ، وكيف لا يستطيع المضيف أن يحكم على ضيفه بعد طول استضافة ؟!
هذا ..وإن كنت قد مارست نفورًا من النظرية ، ومن الخضوع لمنهج ما خاضع بدوره لنظرية ما ، مبرئًا نفسى فى الوقت نفسه من ادعاء علمية النقد أو علمنته ، وبخصوص هذا الشأن فإنى أحيل القارئ إلى المقالة التنظيرية الأولى فى هذا الكتاب ، والمعنون لها بـ " النقد الأدبى والخرافة الأكاديمية " والتي أعدها جزءًا من هذه المقدمة وامتدادًا لها يمكنها أن تجيب على كثير من الأسئلة المحتملة فى ذهن القارئ ، وإن كانت هى فى حدِّ ذاتها مثيرة لأسئلة أخرى .
الهوامش :
(1) د . عيد بليع - الأثر السلبى للنحو على الدرس البلاغى – فصول العدد 60 سنة 2002 م صـ87
(2 ) د. محمد رضا مبارك – نظرية التلقى والأسلوبية (منهاج التقابل ) – عالم الفكر
- التفاصيل
- كتب بواسطة: يوسف فضل
- الزيارات: 6
جولات شهريار
بقلم : يوسف فضل
بمناسبة ذكرى إنشاء أول جماهيرية في التاريخ (حقوق الاختراع السياسي محفوظة ) تبث القناة الفضائية للجماهيرية الليبية العظمى جولات للعقيد معمر القذافي متفقدا ربوع الوطن وهو يقود أحيانا سيارة جيب بيضاء وأحايين كثيرة يكون راكبا بجانب السائق للتأمل بأحوال رعيته وترافقة ثلة من الحرس يقودون الجيبات البيضاء في مناطق الواحات . وبجانب ما أظهرته الجولة التفقدية من صلاة العقيد في البر لوحده بين التلال لتوحده مع الصحراء والعيش (التقشفي ) داخل خيمة فقد حضرني بثي (الحزن الشديد ) عندما أظهرت الكاميرا المتجولة بكل صدق أن المناطق التي زارها كانت تظهر الشعب الليبي بأسمال بالية والمناطق الفقيرة التي زارها لا يصدق المشاهد أنها تنتمي لدولة عربية بترولية . لكن الصورة أصدق من أي شرح في إقناع المشاهد أن ما يشاهده بكل أسف أخوة لنا يعيشون في دولة عربية لا ترزح تحت نير الاحتلال الأجنبي فلا نستطيع أن نبرر حالتهم الاقتصادية السيئة التي يعيشونها . وذلك أن العقيد لم يهتم لشؤون بلاده طوال فترة حكمة (السديد والمديد ) منذ عام 1968م لأنه لا ينظر إلى ما تحت قدمية بل ينظر بعيدا مترصدا أخطاء الدول الاستعمارية واستعداء المجتمع الدولي على شعبه والشعوب المجاورة على الدول الكبرى . فمن تحليلاته السياسة (الصائبة) أنه لا يتحدث إلا عن الفقر والبطالة في استراليا وأمريكا وبريطانيا التي هي ليست بعظمة الجماهيرية والتحدث عن كل مثالب الديمقراطية الغربية التي أوصلت شعوبها إلى المريخ وتغيير اسم بلده من المملكة الليبية إلى الجمهورية ومن ثم في خطوة الحاقية تطويرية إلى الجماهيرية الليبية ال .... ال ... ال ........ العظمــــى . لعل العقيد معمر يحاول أن يبرر لنا أن الجلوس على كرسي اللجان الشعبية ( مباحث أمن الدولة ) لم يصبه بالصمم لأنه ( والحمد لله ) جعل الطالب يحكم على الأستاذ ولطالب الجامعة سلطة على الدكتور وجعل قوة المباشر في الشركة على قوة المدير وحكم التمرجي بالطبيب وسيد الزوجة على الزوج وجعل الشعب الليبي كله رئيسا ولماذا لم يجعله كله قائدا فعلمها عند ربي (والقائد) معمر القذافي ؟ لكنه لم يطبق هذا الفكر ونظام سلطة الشعب على الشركات النفطية بل بقيت الشركات النفطية تتمتع بالسيادة على أراضي الجماهيرية كما هي حتى في فرض نظام عطلاتها الرسمية . ولماذا لم يطبق هذا النظام على الجيش كأن يجعل الجندي يأمر الضابط ؟ لقد جعل نظام سلطة الشعب نظام تخريبي إلا على قطاعي النفط والجيش لان سرقة الشعب تأتي من سلطة الشعب . أما توفير التعليم والسكن النظيف وإيجاد فرص العمل للشعب الليبي فهذا آخر ما كان يفكر به القذافي . لأنه كان مشغولا بتأليف كتابه الأخضر الخالي من العيوب غير عيب واحد انه لم يبين للقاريء كيفية تشكيل فريق كرة القدم للجماهيرية . ولماذا الدينار الليبي غير معترف بها خارج ليبيا حتى لدفع قيمة فجان شاي . وآخر نصائحه الأبوية أن وزع غضبه على موريتانيا التي تجري انتخابات (مضحكة) قائمة على الاقتراع المباشر بدل سلطة اللجان الشعبية . ولعل ما رفع غضب العقيد القذافي إلى درجة الغليان أن العقيد الموريتاني ولد فال سار على نفس خطوات المشير سوار الذهب عندما تسلم السلطة وبر بوعده وسلمها للمدنيين عبر انتخابات موريتانية ديمقراطية بدل تسليمها للجان الشعبية كما في ليبيا . إذ ( أجبرت ) اللجان الشعبية القذافي على قبول بيع وأكل الحلويات في ليبيا نزولا على رغبة الشعب لان القذافي كان ولا زال يعتبر أن الحلويات نوع من الترف لا لزوم له وذلك بعد أن قاد تظاهرة قبل أربعة سنوات محمولا على أكتاف أفراد اللجان الشعبية وانهال بالهراوة الكبيرة (النبوت ) على واجهة زجاج محلات عطا علي للحلويات في طرابلس وكأن صاحب محلات عطا علي دخل الجماهيرية خلسة ولم يحصل على ترخيص رسمي من اللجان الشعبية لفتح محلاته .
إن إيرادات النفط الليبي كافية أن تجعل ليبيا بلدا غير هذا البلد الحالي لو أُحسن فيها الإدارة والصدق والإخلاص في العمل .
من المعروف أن العقيد معمر القذافي لم يقم بالثورة على الاستعمار لتحرير بلاده وإنما قام بالثورة على حكم وطني يمثله الملك إدريس السنوسي الذي حرر البلاد من ثلاثة دول . إذ بعد أن قامت أمريكا وبريطانيا وفرنسا بتطهير ليبيا من حكم الاستعمار الإيطالي بقيت القوات من عام 1945م حتى استقلال ليبيا تحت اسم المملكة الليبية . وقد كانت القوات الأمريكية متواجدة في منطقة طرابلس والقوات البريطانية في منطقة برقة – الجبل الأخضر والقوات الفرنسية في منطقة فزان .
فاوض الملك إدريسي باتفاق مع أمريكا على نيل الاستقلال وجلاء الجيوش الأجنبية مقابل أن تبقي أمريكا قاعدة وايلوس الجوية لها في ليبيا .
في عام 1968م عقد الملك إدريس صفقة شراء 400 دبابة نوع تشالنجر من بريطانيا وقد حذرته أمريكا وطلبت منه أن يلغي الصفقة ويشتري المعدات العسكرية للجيش الليبي من أمريكا . رفض الملك إدريس ذلك . فدبرت أمريكا انقلابا ثوريا عليه بقيادة العقيد معمر القذافي وهو في زيارة لتركيا . وأول ما قامت به الثورة الشعبية :-
1- إلغاء صفقة الدبابات مع بريطانيا وعقد صفقات أسلحة مع أمريكا .
2- تأميم شركة بريتش بتروليوم البريطانية بصوت عالي وحملة إعلامية ملأت العالم ضجيجا وصخبا وصياحا ثم منح امتياز استخراج النفط لشركات أمريكية حتى اللحظة سرا وبدون ضجة إعلامية .
3- هتك عرض ابنة إدريس السنوسي بالتبني . وإهانة زوجته حسب اتهام الملك ادريس لقيادة الثورة فطلب إدريس السنوسي المساعدة من جمال عبد الناصر الذي أرسل محمد حسنين هيكل واحضر ابنة إدريس السنوسي وزوجته إلى مصر . ثم التجأ الملك إدريس إلى مصر حتى وفاته في أواسط الثمانينات .
4- كانت جزيرة مالطا مقر الأسطول البحري البريطاني في البحر المتوسط ثم قامت ليببا بتوجيه من أمريكا بدفع ميزانية حكومة مالطا كدولة ناشئة مقابل إخراج الإنجليز من مالطا . وعندما خرج الإنجليز من مالطا بمساعدة أمريكا أصبحت مالطا حاليا المقر الرئيسي للأسطول البحري الأمريكي .
5- في حرب عام 1973 قامت الدول العربية المصدرة للنفط بمنع تصدير النفط لأمريكا لكن الدولتين العربيتين الوحيدتين اللتين قاطعتا المقاطعة العربية واستمرتا بتزويد أمريكا بالنفط هما : ليبيا القذافي وصدام العراق.
في أواسط عام 1985-1986 عانت ليبيا من الأثر المهلك للذبابة الحلزونية التي كانت تصيب الماشية بخاصة الأغنام . إذ تتغذى هذه الذبابة على لحم الغنم ووضع البيض في الجرح التي تحدثه الذبابة وعندما يفقس البيض تقوم اليرقات بالتغذية على الجرح حتى ينفق الحيوان مما هدد الثروة الحيوانية في ليبيا لان دورة التفقيس للذبابة الحلزونية سريعة جدا في حدود أسبوعين فقط .
قامت أمريكا بإحضار مئات الملايين من ذكور الذبابة الحلزونية بعد أن تم تعقيمها في مختبراتها البيولوجية ونقلتها الطائرات الأمريكية مباشرة من أمريكا وأطلقتها في أجواء ليبيا وبذلك قضت على مشكلة الذبابة الحلزونية في ليبيا .
نقول دائما العبرة بالنتائج . والقذافي دائم التجريح للحكام العرب الذي لا يمل بوصفهم بالتقاعس عن القيام بتحرير فلسطين والتضامن العربي وهو صادق في ذلك . فماذا فعل هو وهو أقدم رئيس عربي ولماذا لا يلوم نفسه وهو من يقع عليه اللوم بالدرجة الأولى .وهل حقق الشعب الليبي ما يطمح إليه في عهده الميمون . وما هي المساهمات الحضارية التي قدمها حكم معمر القذافي من خلال شعبه بعد حكم يقرب الأربعين عاما ؟ وهل يكفي أن ينتقد سيف الإسلام القذافي الذي يعيش في أوروبا جماهيرية والدة "بأنها لا تحكم بدستور مكتوب" حتى نعتبر أن المعارضة الليبية موجودة ؟ بينما كافة المفكرين والمثقفين الليبيين إما معتقلين (خمسة نجوم ) أو يعيشون خارج الجماهيرية . وهل واقع الشعب الليبي يحتاج إلى مزيد من الشرح . أننا لم ندرك بعد نعمة الموت الذي يأخذ جيل لا يقبل التغيير لعل الجيل الجديد يكون متحلي بالجرأة على إحداث التغيير ، وما أحوجنا له .
www.grenc.com