- التفاصيل
- كتب بواسطة: نبيل عودة
- الزيارات: 6
درس في النقد
بقلم : نبيل عودة
1
كتب الزميل الناقد الدكتور بطرس دلة ( من قرية كفرياسيف في الجليل - بدأ يكتب النقد وبكثرة بعد تقاعده من سلك التعليم ) مراجعات نقدية عن ديوانين شعريين للشاعر رشدي الماضي ( من سكان مدينة حيفا, بدأ كتابة الشعر بعد ان تقاعد هو أيضاً من سلك التعليم ) الذي ينشر في الفترة الأخيرة بكثرة وفي عدة صحف محلية .
يقول الزميل الناقد في بداية مقالة نقدية عن ديوان للشاعر رشدي الماضي : " وهو في جميع ما يكتب تتجلى شاعريته بخصوبة الفكر والكلمة التي باتت تميز ما يكتب . وهو انسان واسع الاطلاع مثقف وقاريء كثير القراْة والمطالعات . ونحن نلمس ذلك من خلال قصائده والتلميحات الكثيرة لمصطلحات ادبية عالمية ولأسماء لامعة في الابداع في أدب الغرب والشرق على حد سواء , وهو الى جانب ذلك متبحر في قواعد اللغة العربية وبحور الشعر على مختلف تفعيلاتها ."
أمام هذه المقدمة للمقال "النقدي ", لم نقرأ نقدا , إنما سجودا وتأليها, وهذا حق مشروع للناقد على المستوى الذاتي, ولكن عندما تتحول هذه " الفتوى" الأدبية الى مقال نقدي ينشر كنقد ادبي موضوعي , يصبح من حق القاريء ان يفهم القاعدة التي ينطلق منها هذا التأليه وعبادة الصنم المتمثل بالشاعر وشعره موضوع " النقد ".
الملفت ايضا ان الناقد يثبت في نقده مسائل شخصية تماما قبل الحديث عن المنقود . يكتب : " واسع الاطلاع مثقف " (هل هناك شعراء غير مثقفين ؟- ن.ع.) و "نلمس من خلال قصائده التلميحات الكثيرة لمصطلحات ادبية عالمية ولأسماء لامعة في الابداع "( من يستعمل الاصطلاحات الأدبية العالمية ويكرر أسماء أدباء لامعين يصبح شاعرا كبيرا ؟ أصلا لم أجد في شعره لا اصطلاحات ولا أسماء لامعة – ن.ع .) و " متبحر في قواعد اللغة " (هل من شعر بلا قواعد عربية ؟ - ن . ع .) ونجيء للسؤال الأساسي: هل حقا عثر الناقد على كنز شعري .. وهل في كتابات رشدي الماضي شيء من الشعر يستحق هذا المديح المنفلت والتقريظ غير المعقول ؟
تعالوا نقرأ القصائد التي الهمت الناقد هذه الفتوى النقدية التأليهية , وهي القصائد التي اعتمدها الناقد في " دراسته الموضوعية " وذلك حتى لا يتهمني بسوء النية في اختيار النماذج . يقول رشدي :
وإذا انتابتك ؟! ( علامتا السؤال والتعجب في الأصل وليسا من إضافتي )
فائض من شهوة
فاجعل رأسك منجنيقا
سيظل فينا طفل
يأبى أن ينحني
وأن يركع
هل أطربكم هذا الشعر ؟ ما العلاقة بين الشهوة التي تنتابك والطفل الذي يأبى أن ينحني ؟ لا تسألوني الإجابة واقسم بكل الأنبياء إني لا أعرف. بالطبع لا ترابط بين المعاني ..وهي أمور لا يفهمها إلا ناقد هذه القصائد, بارك الله فيه وبجهوده النقدية, وأمد في ابداعه النقدي! وجاء في قصيدة أخرى :
البس قميص الغدر !!
واغسل لونه الأحمر ( اللون الأحمر لون الغدر أم لون الثورة ؟ - ن .ع . )
أنا ... وإن رميتني في برية
الموتى
أنا هنا قيثارة صبر لنواح
الذاكرة
أنا هنا وقد عدت الى هاتيك الحكاية
سأظل في غيابته
"يوسف " يمسك ...
بالخروج
حتى مرور المعجزة...
حتى مرور المعجزة...
فهمتم شيئاً ؟! الناقد فهم وطرب وكتب : "الشاعر في هذا الديوان انسان مرهف الحس , فكل كلمة لديه لها وزن خاص ووقع خاص أيضا "
بالله عليكم أعيدوا قراءة ما يسمى شعرا . هل لمستم شيئاً من الحس المرهف للشاعر ؟ وهل باستطاعتكم الآن معرفة الوزن الخاص لكل كلمة ووقعها الخاص أيضا ؟!
لا تضيعوا وقتكم في القراءة للمرة الثالثة, يكفي أني أضعت وقتي وجلبت لنفسي وجع الرأس .
عن ديوان آخر لنفس الشاعر ( رشدي الماضي ) يكتب الزميل الناقد ما يلي ببداية المقال "النقدي الموضوعي ":
عزيزي الأستاذ الشاعر الكبير رشدي الماضي ! أنت تفاجئنا من حين لآخر بهذا الإبداع الزاخر وهذه الإطلالة المشرقة في عالم الشعر المحدث, حتى باتت قصائدك التي تنشرها في صحفنا المحلية محط أنظار الجميع, تلفت الانتباه بشكل كبير, فيهتم بها القراء الذواقة, ويحتفظون بها إلى أن ترى النور في ديوان من بنات أفكارك !"
ماذا تبقى للنقد بعد هذه المقدمة التي شمل فيها كل القراء ( وأنا منهم ) , وادعى أننا نحتفظ بقصائد الشاعر المنشورة حتى تصدر في ديوان. لماذا لا تتحدث باسمك عزيزي الناقد ؟ وأي ابداع زاخر واطلالة مشرقة ؟؟ بحثت وقرأت, وللأسف لم أجد إلا قصائد ما دون المتوسط بكثير ..ولو كنت محررا أدبيا لما نشرتها .
الأمر الأخير عزيزي الناقد الدكتور بطرس دلة, أنت تتحدث عن "شعر محدث", أي حداثة هذه التي تعنيها ؟! وهل حقا تفهم ما هي الحداثة ؟! أم أن استعمال الاصطلاحات بات لعبة أدبية في ظروف الأزمة الأدبية الشاملة التي تعيشها ثقافتنا المحلية ( داخل اسرائيل )؟ حقا لماذا التردد في الكتابة, ولماذا التفكير النقدي العقلاني ما دام لن يقرأ النقد إلا المنقود وبعض الانتحاريين أمثال نبيل عودة, بعد أن انفض القراء عن قراءة الشعر ونقده ؟!
عزيزي الناقد المحترم ... ما كتبته لرشدي الماضي ليس رسالة شخصية إخوانية, إنما تقييما أدبيا نقديا وفي هذه الحالة انت تنطلق من الخاص بينك وبين الشاعر إلى العام الذي يخص ثقافتنا (المسكينة) أو خطابنا الثقافي إذا ظل لهذا الخطاب حدود مدركة... ومع ذلك يفترض الحذر الشديد والالتزام بالمنطق النقدي البديهي, التجرد من العلاقة الشخصية وعدم تحويلها إلى قاعدة نقدية أساسية .. أو الصمت لمن لا يملك القدرة على الالتزام بالصدق والاستقامة النقدية ... والمهم عدم الرعونة في تتويج الملوك على ثقافتنا, لأنه لا ملوك في الثقافة .. ولأن الملوك تسقط ولن يتبقى الا ملوك اوراق اللعب الخمسة . من حقك عزيزي الناقد أن تطرب لقصائد زميلك في التعليم والتقاعد رشدي الماضي, ولكن ليس من حق أحد ان يفرضه ملكا للأبداع الشعري " مهما تجلت شاعريته بخصوبة الفكر " كما كتبت . للأسف لا شعر في كتابات رشدي الماضي ولا حتى نثر قريب للشعر أو للأدب . ومع ذلك الموضوع ليس موضوع رشدي الماضي, إنما نهج خاطيء أرجو أن يكون زلة قلم وحماسة زائدة مصدرها الزمالة التاريخية في سلك التعليم, وما يميز الناقد والمنقود كونهما من جيل "اكتشف" الأدب, "إبداعا ونقدا" بعد التقاعد من سلك التعليم . تحياتي للناقد والمنقود ... والموضوع ثقافي عام ويخصنا جميعا . لذا اقتضى التنويه !!
2
لا أريد ان يتوهم القاريء أني أستاذ في النقد الأدبي , أنا قاريء متذوق للأدب, وحسب مارون عبود, الذائقة الأدبية هي أفضل معيار نقدي, وعلى أساسها مارس أعظم النقاد العرب (مارون عبود) عمله النقدي الثقافي الابداعي الخالد, ونفس الظاهره نجدها لدى الناقد الكبير محمد مندور .
يؤلمني حتى النخاع التضليل الأدبي الذي يقوم به بعض مثقفينا, تحت نصوص تسمى بالنقد, يغيب عنها النقد, وتغيب عنها الذائقة الأدبية البديهية, وأكثر ما يغيب عنها المصداقية والاستقامة الأدبية, وهذه الظاهرة تتسع باضطراد في الثقافة العربية داخل إسرائيل, ويساعد على ترويجها في الفترة الأخيرة بعض الأدباء العرب في مقدماتهم التي تفيض بالمدائح غير المعقولة لبعض الكتب لأدباء من العرب في إسرائيل .
لست ضد رعاية الناشئين من كتاب وشعراء, بل هو واجب مقدس. ولكن بين الرعاية والدعم, والمديح المنفلت لدرجة تنمية الوهم المجنون, بانهم بلغوا قمة الابداع الأدبي, ببعض النصوص التي تفتقد لأي لون أدبي حقيقي, ولا تتعدى كونها تجارب ومحاولات لصياغة أدبية, بات يشكل في ثقافتنا ظاهرة مقلقة, أصبح الصمت عليها جريمة أدبية وأخلاقية. الناقد الذي لا يفقه مهمته وأثرها الكبير على مسار ثقافتنا, يجب أن يصمت, وأن يمارس ما يشاء من الألوان الثقافية ..ليلعب لعبته بعيدا على أن لا يتسلل لتوجيه الأهداف غير المشروعة, التي تكرارها يشكل خروجا عن المفاهيم الأدبية وأخلاق الابداع الأدبي.
وحتى لا يفهمني خطأ الذين أتعرض لهم بكتاباتي في إطار حرية الرأي والتعددية الفكرية والذوقية, أود أن أوضح بأني أحب كل المساهمين ببناء صرح أدبنا, كتابا وشعراء ونقاد, لا فرق بين الذين يوفقون في إبداعهم أو يتعثرون ...طريق الابداع ليست "أوتسترادا "للانطلاق السريع, إنما طريق جبلية بالغة الصعوبة, وتفترض مسوى من الوعي وتطوير الوعي, إلى جانب تطوير الخصائص الشخصية, خصائص السيطرة على النص وقيادته, بدل أن يقودنا, وخصائص تنمية الملكات العقلية, وهذا ليس وقفا على المثقفين الشباب, بل وعلى كل مثقف يزين صدره بالألقاب الأكاديمية العليا أيضا .. لأنه ببساطة لا حدود للوعي والإدراك في العقل البشري .
الثقافة لها مدلولات أبعد كثيرا من مجرد الإبداع الأدبي, الأدب هو الجانب الروحي للثقافة, والثقافة بمفهومها التاريخي تشمل الإبداع المادي أيضا, أي انجازات الإنسان العمرانية في الاقتصاد والمجتمع والسياسة, وهذا يحمل الناقد على الأخص, وكل المبدعين في مجال الثقافة الروحية, مسؤولية كبيرة أن لا يغرقوا في المبالغات المرعبة في بعدها عن الواقع, تماما كما في العمليات الاقتصادية والاجتماعية, ولا يمكن تجاوز الواقع بالكلمات الجميلة فقط هذه المقدمة الطويلة كان لابد منها, لأهمس في أذن الزميل الدكتور منير توما, ما سبق وقلته لزميل آخر. من حقك أن تطرب لقصائد شاعر أو شاعرة معينة, ولكن ليس من حق أحد أن يفرض ملكا جديدا, ما تكتبه عزيزي الناقد د. منير, ليس رسالة شخصية, إنما تقييما أدبيا نقديا, وعندما أقرأ القصائد التي أطربتك أصاب بالصدمة والذهول, إذ لا شيء من الشعر فيها ... مجرد محاولات كان من المبكر جدا أن تجمع في ديوان, وحتى يكون كلامي واضحا أعني ديوان الشاعرة آمال عواد – رضوان : " بسمة لوزية تتوهج ".
أتمنى لآمال رضوان مزيدا من الإبداع الشعري, ولكن ديوانها لم يتجاوز كونه تجربة شعرية, قد تبشر بالخير, أما أن نجعل منه عبقرية شعرية, فأنت تلحق الضرر بآمال نفسها وبمستقبلها الشعري ..
أنت تتحدث عن شفافية شعرية .. وأنا في حيرة, لم أجد شعرا , فكيف اهتديت إلى الشفافية ؟ والحمد لله أنك لم تستعمل تعبير "الحداثة "أيضا , الذي يحب استعماله البعض بمناسبة وبغير مناسبة .
حتى لو كان الديوان عبارة عن نصوص حب وانصهار وأحلام في الصبابة والغرام, فهذا لا يجعله شعرا حتى لو أثار حماستك "الثقافية", ولا يعني كشف خلجات النفس الانسانية انها شفافية شعرية, ومن, أيها الشاعر باللغتين, العربية والانكليزية, يعرف صحة ذلك أكثر منك ؟!وإذا كان لابد فهذا استشهاد من مقالتك "النقدية" عن القصائد التي سحرتك وأمتعتك :
" لم يتأوه حبيبي
والنار تتآكل في دمائه ولا تأكله؟
أما كان الأولى بنيرانه أن تتأوه؟
افتح لي قلبك الذهبي حبيب قلبي
واسكب أحشاءه على راحتي ..
بالأسى,
سمعت وعولك تناغي ظباء حزنك
آه يا رحم روح
أتولد فينا ؟"
حتى لو كانت الفتاة العاشقة كما تقول, التي تتحدث الشاعرة بلسانها: "تجسد بركانا من الألم ولهيبا من النيران ... وبحرا من الدموع" وأن: "صورة الوعول والظباء تمثل الرغبات العاطفية". ( الويل لنا من هذه الرغبات والويل لنساءنا) ثم ما الذي أعجبك ناقدنا العزيز بالصورة الشعرية التي تتحدث عن: "واسكب احشاءه على راحتي "؟ طبعا لمنير استنتاجات أمتنع عن ذكرها احتراما للشاعرة, لأنه يسيء اليها في خلطه النقدي . ومع ذلك هذا لا علاقة له بالشفافية الشعرية, أو بالشعر البسيط .
ولابد من سؤال للدكتور الشاعر والناقد منير توما: هل العشق والحب يحولنا إلى وعول وظباء ؟ أو ربما يعيد الإنسان الذي فينا إلى الغابات ؟! وهل ممارسة الحب بأسلوب الوعول والظباء هو التعبير كما تكتب في نقدك: " عن خلجات نفس شاعرتنا وأنين مشاعرها "؟!...وهو ما جعلك تختتم نقدك العبقري بالاستخلاص بأن الشاعرة: " تتمتع بموهبة شعرية أنيقة, رومانسية النزعة "؟!
لا أريد أن أسترسل حتى لا أظلم الشاعرة آمال عواد, فنقدك أساء لها كثيرا, وحالنا مع نقدك مثل المثل العربي الذي يقول: "جاء يكحلها عماها ".
وأقول لكل المبدعين الشباب, إياكم والغرور, أفضل ان لايعالج نقادنا الأوادم أعمالكم الأدبية, من أن يعموا عيونكم عن الحقيقة وعن الابداع الأدبي الحقيقي !!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد دعدوش
- الزيارات: 8
كثيرة هي المقالات التي نعت الشاعر الكبير، والتي لم يُغفل أحد من كتابها صغيرة أو كبيرة من مواقف الشاعر "البطولية" في الدفاع المستميت عن تطلعات شعبه ونضاله الأممي. بيد أن الملفت في الأمر هو أن جميع هؤلاء النعاة يقفون في صف واحد، مع أن الإنصاف يقتضي من وسائل الإعلام المسؤولة أن تتيح المجال للرأي الآخر بأن ينظر للأمر من منظوره الخاص، وعسى أن يقدم هذا المقال محاولة مقبولة لتسليط الضوء على هذا الجانب.
لم يغفل أصحاب تلك الأقلام حقيقة أن الشاعر الراحل- الذي يفتخر كثيرا بهروبه المبكر من المدرسة- لم يكن قارئا أو مثقفا، وأنه وجد نفسه بالصدفة في خضم الصراع السياسي الذي عصف بالمنطقة إبان الاستقلال، إلى أن ساقه القدر للانضمام إلى الحزب القومي السوري، ليس اقتناعا أو حتى معرفة بمبادئه وأهدافه، بل فقط لكون مكتب الحزب في قريته أكثر دفئا من مكتب حزب البعث المنافس، ولعله لم يدرك آنذاك أن هذه الخطوة ستقوده إلى دمشق، ولكن ليس للتمتع بمباهج المدينة التي خرج إليها هاربا من الفقر والجوع، بل لقضاء تسعة أشهر متفرقة في سجن المزة. حيث كان في موعد آخر مع القدر، فالتقى بأدونيس المعتقل في زنزانة مجاورة، وبدأ كلاهما بالكتابة على أوراق التبغ ليهربا أولى قصائدهما إلى خارج السجن.
لم يجد الماغوط في دمشق غايته فشعر فيها بالغربة، ولعل الكاتب عهد فاضل قد ألمح إلى تجربته عندما كتب قبل بضعة أشهر في "المجلة" عن بعض المثقفين القرويين الذين اعتادوا النزوح إلى المدن بأحلامهم الكبيرة، ثم لم يلبثوا أن عانوا مرارة التسكع التي تفوق ما عرفوه من شظف العيش في قراهم. إنه ذلك "المثقف" الذي لم يفهم لغة المدينة المحافظة ولم يقدر على فك ألغازها، فلفظته إلى حدائقها ومقاهيها الرخيصة، ليتمرد عليها بلغة البائس المشرد.
لم يجد الماغوط ملجئاً آخر سوى بيروت، تلك التي ظل "يعبدها" حتى أيامه الأخيرة- حسب تصريحاته-. قدّمه هناك أدونيس إلى يوسف الخال رئيس تحرير مجلة (شعر)، فقدم إلى هذا الأخير قصيدته الأولى "حزن في ضوء القمر"، لتكون بداية خلاصه من وهدة الضياع والتشرد.
كانت بيروت في ذلك الحين تموج بكل ألوان الثقافات والأيديولوجيات، وبحكم الانفتاح على الغرب إلى حد الاستباحة لم يكن فيها شيء يحظى بالقدسية أو الاحترام، فكل شيء مباح ومطروح على الساحة، بل ومدعوم من قبل أنصاره ومسانديه بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة. وعليه، فقد وجدت مجلة (شعر) التي جمعت بعض الأصوات الحداثية الشابة لنفسها موطئ قدم في ذلك الوسط الصاخب، ولم تعدم الوسيلة طالما كانت العيون مفتحة على هذا النوع من التمرد، فكان التمويل الغربي سخياً هذه المرة، وباعتراف أصحابها أنفسهم!
الشاعر المناضل
لا يفتأ معجبو الماغوط يثنون على كفاحه لنصرة قضايا الشعب والطبقة الكادحة، ويقدمونه على أنه البطل الثوري الذي حمل القضية بكلماته الثائرة والمتمردة على الجمود الفكري والصراع الطبقي. بيد أن إطلالة عابرة على تلك المرحلة من تاريخ المنطقة تكشف حقيقة أن الماغوط وأقرانه لم يفعلوا شيئاً أكثر من مسايرة التيار الثقافي السائد آنذاك، وهو ذلك الذي رعاه الاستعمار وذلل له العقبات، حتى باتت تيارات العبثية والوجودية موضة الفكر والثقافة المهيمنة على شتى وسائل الإعلام، بل إن الخروج عن المسار الاشتراكي آنذاك كان بمثابة مخاطرة غير محسوبة النتائج بالنسبة لأي مثقف، إلى درجة أن سمة المثقف لم تكن تطلق على من هو خارج هذا الإطار كما يؤكد الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي انصاع بنفسه لهذا التيار طوال سنوات شبابه.
من جهة أخرى، فإن الماغوط لم يحمل هذه القضية عن علم واختيار، بل وجد نفسه في وسط هذا التيار الثائر ومحاطا بإعجاب واهتمام ما كان ليحظى به لو لا نزوحه إلى بيروت، كما لعبت الظروف مرة أخرى لصالحه عندما صادف خروجه إعلان الثورة على قصيدة التفعيلة، أسوة بالحداثة الغربية التي زينت لأتباعها العرب أسطورة كونها المحرك الأول للنهضة العربية المنتظرة، فما كان منهم إلا أن رفعوا لواء الحداثة والثورة على المألوف، وصنعوا من عبثيتهم وعاء يتسع لعشرات القضايا العربية التي لم يُجدِ فيها السلاح، بل سلطوا سياط نقمتهم على ثقافة وديانة مجتمعاتهم التي ظلت تشكل العامل الأبرز لهويتها طوال قرون، مدفوعين بحماس أصّله الشعور بالغربة في أوطان عجزت عن استيعاب اختلافهم لكونهم أتباع أقليات دينية ومذهبية، وهو الخلل الذي لا يفتأ يسفر عن وجهه في كل عصور الانحطاط التي عرفتها الشعوب المختلطة على مر التاريخ.
تحت سطوة الأضواء التي سُلطت على تلك الأسماء الشابة المتطلعة المجد، آمن الماغوط كغيره من أقرانه بأنه رسول الرحمة المهداة إلى شعبه، ولم يلبث خياله الواسع أن حوّر مظاهر الحياة من حوله إلى عناصر القصة التي يحتاجها أي بطل أسطوري ليكتب قصة كفاحه، تماما كما خُيل إلى دون كيشوت- عندما قرر أن يصبح بطلا- أن طواحين الهواء ليست إلا وحوشا ضارية، وأن قطعان الغنم التي تحولت إلى جيوش من الأعداء قد فرت هاربة من جحيم سيفه. فأصبحت الأوقاف الإسلامية والمزارع الريفية بأكملها أراض إقطاعية بيد الطغمة الحاكمة، وغدا القرويون العرب نسيجا متكاملا من البروليتاريا المقموعة بيد الولاة المتواطئين مع الإكليروس الديني، أما العمال الذين لم يتجاوز عددهم في بلاد الشام كلها- ربما- عدد العمال في مصانع برلين لوحدها فقد أصبحوا أداة الثورة البورجوازية التي تنبأ بها ماركس. وهكذا اكتملت الصورة لدى الماغوط عندما صرح بأنه كان من المفترض أن يولد ماركس في قريته (السلَمية) وليس في ألمانيا كي يرى بعينه الصراع الطبقي على حقيقته!
وهكذا حمل الرجل القضية، ولكن ليس بقوة السلاح الذي حُرّم علينا حمله، ولا حتى بقوة العلم الذي لم نعد نتعرف وجهه، فالقوة ليست من شيم الشعراء، والعلم لا يليق بحاملي القضايا الكبرى والهموم الجسام. لذا فضل الماغوط أن يشق طريق النهضة بمفاهيم أخرى جديدة، فكتب في إحدى قصائده حواراً يسأل فيه الشهيد زوجته:
الزوج: والسجون؟
الزوجة: فارغة.
الزوج: عظيم. عظيم. لأن حلمي الكبير كان الاستفادة من تلك القاعات الرهيبة بعد إخلائها، إما كمسارح لرقص الباليه، أو معاهد لتطوير الموسيقا الشرقية. فبماذا تستغلونها الآن؟
الزوجة: ما زلنا حائرين بين الباليه والموسيقا.
[نص الفراشة، من كتاب (سأخون وطني - هذيان في الرعب والحرية)]
من الشعر إلى المسرح
لم يقتصر نشاط الماغوط "النضالي" على الشعر المنثور فحسب، بل طرق أبواب المسرح بقوة، وقدم مع دريد لحام وغيره عدداً من المسرحيات التي لاقت قبولا واسعا، خصوصا وأن الفن هو المنبر الأقوى في مجتمع ينأى بنفسه عن القراءة.
حملت مسرحيات الماغوط بصمته الواضحة في فهمه لفلسفة الوجود، فبالرغم من إبداعه في الرمز لتوالي الانقلابات بتبديل الطربوش على رأس المختار، إلا أن اقتراح الخلاص لم يكن ليخرج عن الإطار الذي تصوره في ظل الصراع الطبقي للمجتمع العربي الإسلامي، حيث هناك صراع دائم بين "البيك" الإقطاعي والمثقف "الاشتراكي" المتمرد، وهناك أيضا ضيعة- أي قرية- يحلم رجالها ونساؤها باسترداد الكرْم- أي البستان- من المغتصب الغاشم، ولكن خلافاتهم الداخلية تزيد في ضعفهم إلى أن يضيع حقهم ويتلاشى أملهم في استعادته، فلا يجدون الحل إلا في مقارعة الخمر، إلى أن تحين ساعة الصراع التي يسقط فيها البطل الثمل شهيدا، ويترك لوطنه رسالة في قيمة الشهادة في سبيل الأرض.
بهذه الصورة الساذجة يتم اختزال القضية العربية- الفلسطينية عند الماغوط، فالحل لا يكون بإعادة النظر في أسباب التخلف العربي من جذورها، ولا بقابلية المجتمع للاستعمار كما طرحها مالك بن نبي عند تحليله لمعضلة الخنوع العربي، وإنما باستيراد الصورة التي رسمها ماركس في تفسيره للمجتمع الرأسمالي الصناعي في ألمانيا، ثم بإسقاطها الهزلي على الواقع العربي- الإسلامي بكل تعقيداته الناشئة عن خصوصيته الثقافية، وعن مخلفات إسقاط حكومته الإسلامية من جهة وإخراج المحتل الأجنبي الذي وطّد في البلاد مؤسساته الثقافية والسياسية من جهة أخرى.
من المؤسف أن الماغوط لم يخرج من قريته الصغيرة إلا شاباً، ولم يطف في البلاد العربية ليتقصى حقيقة الصراع الطبقي الذي خُيل إليه، كما أنه لم يقرأ شيئا يذكر في التاريخ والفلسفة، فقد ذكر في أكثر من مناسبة- وكان آخرها لقاؤه مع أحمد علي الزين في برنامج روافد على قناة العربية- أنه يكره الفكر، بل هو ضد الفكر، فشعْره ومسرحياته مجرد صور للواقع، ولكن من وجهة نظره الخاصة. والأغرب من ذلك أن ضحالة ثقافته تمتد إلى الشعر أيضاً، إذ لم يقرأ منه شيئا ذا بال، فبعد أن اعترف في لقائه الأخير مع مندوب جريدة الحياة بأنه "شاعر طالَع من الحياة والتجربة وليس من الثقافة والكتب" وأنه "لم يكن يقرأ كثيراً"، نجد أنه لم يتمكن من سرد كتاب بعينه من حصيلة قراءته بل اكتفى بذكر بعض الأمثلة ممن تُرجمت أشعارهم إلى العربية مثل كافكا وبودلير ورامبو، أما شعراء العربية فلم يقرأ لهم إلا ما فُرض عليه في مدرسة القرية، وأولهم أبو نواس وجبران وطه حسين.
هذا هو الماغوط إذن، الشاعر الكبير الذي أُريد له أن يكون حاملا لهموم شعبه، وقدوة له فهم فلسفة الحياة وحقائق الوجود. وهو الشاعر الذي كوفئ قبل ثلاثة أسابيع من وفاته بأكبر جائزة أدبية عربية، وعندما سأله مندوب (الحياة) عما سيفعله بالمئة وعشرين ألف دولار أجاب "سأصرف الكثير منها على الأدوية"، فذكّره المحاور بملذاته التي اشتهر بها إلا أنه أجاب بكل صراحة: "لم يبق لديّ أي ملذّات. السيكارة والكأس فقط"، ولا شك في أن القليل من المال يكفي لهذه الحاجات. أما سؤاله عما بعد الموت فقد أجاب عنه بأنه "لا يعرف ماذا هناك بعد الموت"، ثم أردف "أنا مؤمن جداً. لكنني لا أصلي. لا أحب الشعائر. يكفي أنني أكتب"، وقال أيضا " لا أحس أنني أنتمي إلى طائفة. إنني أنتمي إلى أرض الله"، فهو مؤمن إذن ولكن على طريقته الخاصة، لأنه لم يعرف من الإسلام إلا القليل مما بقي في ذهنه بعد هروبه من المدرسة، وقد تكفل المطبلون والمزمرون من حوله بتشويه هذه البقايا فيما بعد.
يقول الماغوط في إحدى نصوصه:
أحب التسكع والبطالة ومقاهي الرصيف ولكنني أحب الرصيف أكثر،
أحب الغابات والمروج اللانهائية ولكنني أحب الخريف أكثر،
أحب الشهيق والزفير ورياضة الصباح
ولكنني أحب السعال والدخان أكثر .
بقي أن نسأل سؤالا واحدا حول جدوى هذه الثورة التي تركها الشاعر الحداثي في شعبه، ونحن نقرأ عشرات المقالات التي دُبجت خلال الأيام القليلة التي تلت وفاته مما يجزم بأن الرجل كان ملجئاً لجياع ومحرومي شعبه، وبأن شعره باق في ذاكرة الأمة. فإذا كان هذا هو رأي أقرانه من المثقفين فماذا عساه يقول المواطن المحروم والجائع؟ وهل تُراه قد لمس في حياته أثراً لهذه الثورة الحداثية، أو أنه خرج منها بفكرة تجديه نفعاً في صراعه الطبقي، إن لم يكن بقراءة شعره فبمشاهدة مسرحياته ذائعة الصيت؟
يقول منذر مصري في تأبين الشاعر الراحل: "حسناً.. لقد صعد الآن محمد الماغوط إلى الله، ذاك الذي رفع له ملفه الضخم عن العذاب البشري، الموقع بشفاه الجياع وأهداب المنتظرين، ولا أحد يستطيع الجزم إن كان الله قد قرأ الملف أم لا!؟ الأمر الذي بحد ذاته، إذا وضعنا العذاب البشري جانباً، يصنع إشكالاً خاصاً لصاحبه، أقصد، دون أن يكون الله قد قرأ دواوينه الثلاثة وشاهد بعض مسرحياته، لن يعرف من هو ذاك الذي يلتقيه الآن".
من جهة أخرى، فقد لا نبالغ في القول بأن الرجل كان مخلصاً حقاً لقضيته ومؤمناً بها، ولكن الإنصاف يقتضي التذكير بأنه أخطأ الطريق في بحثه عن حلول لها. فالمغرضون من حوله كُثر، والمغريات ووسائل الإقناع أكثر، إذ وجد لديهم ذلك الشاب الفقير قليل الثقافة كل ما يشتهيه من مجد، وفُتحت له بين أيديهم كل أبواب التفريغ لإقناع النفس بعظمة رسالته، فآمن بها دون أدنى ريب، حتى أخذ يتباهى في إحدى مقابلاته: "مرّة ركع الشاعر طلال حيدر أمامي وراح يمدحني. وابنة شقيقة زوجتي رامة فضة رمت ديواناً لأدونيس مرة وقالت: الماغوط هو إله الشعر. وقال يوسف الخال: هبط الماغوط علينا كإله اغريقي".
لم يكلف الرجل نفسه عناء البحث في حقيقة ما يقال، بل شرع لنفسه من قنوات الترويح ما يكفيه مؤونة إلحاح السؤال، فحمل كأس الخمر بيد، ولفافة التبغ بيده الأخرى، وخُيل إليه أنه كلما عب من بحر الملذات فإنه يقدم قربانا آخر على مذبح الشعب، وأنه كلما أسرف في الهروب من حقائق الوجود بإخماد العقل فإنه يقتل جسده فداء للقضية الكبرى! لقد صدق الرجل الخدعة حقاً، ولم يخجل من الاعتذار عما ورد على لسانه في جريدة المنار من تهجم على صديقه أدونيس بأنه أجرى الحوار وهو ثمل! وعندما نصحه طبيبه في باريس بالإقلاع عن الشرب والتدخين، أسرّ إلى مرافقه وهو يشعل سيجارته بأنه شاعر يحمل قضية شعبه، وأن من حقه أن يتخفف من حملها بطريقته الخاصة.
يقول صديقه نزيه أبو عفش عن زيارته له قبل أسبوعين من رحيله: "كان كالعادة يشرب ويدخن. فيما كان ابن أخته وحارسه (محمد) يشكو من أن الخال، على رغم تدهور صحته، لا يتوقف عن الشراب والتدخين. قلت للشاب: حسناً يفعل، عليه ألا يتوقف عن شيء، إذ ليس من اللائق برجل مثل الماغوط أن يواجه الموت بجثة خاوية، بل عليه، قدر ما يستطيع أن يكون مملوءاً بالحياة التي التهمها.. وأجاد التهامها". فلا عتاب إذن ما دامت هذه هي الثقافة التي يواجه بها الحداثيون الموت، بل يتحدّونه به!
في اليوم الأخير، وضع الشاعر الكبير في جهاز التسجيل شريط القرآن الكريم للمقرئ الحصري كما كانت عادته طوال الأشهر الستة الأخيرة، حيث وجد في لحن القرآن راحة البال التي ظل ينشدها طوال عقود، ثم واجه الموت وفي إحدى يديه لفافة التبغ!
قبل ذلك بسنوات، قال الماغوط في رثاء صديقه بدر شاكر السياب:
حزني طويل كشجر الحور
لأنني لست ممدداً إلى جوارك
ولكنني قد أحلُّ ضيفاً عليك
في أيَّة لحظة..
إنها النقطة الوحيدة التي نتوقف جميعا عندها بكل تواضع، ولكن قلّة منا هم أولئك الذين يستعدون للنقطة التالية!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حيدر هبر
- الزيارات: 6
شيفرة دافنشي أم شيفرة براون
حيدر هبر
DAVINCI CODE
شيفرة دافنشي أم شيفرة براون؟!
ربما لو وجدت اسم مؤلف هذه الرواية (ليفي شيتراوس) لما استغربت الأمر لما فيها من الأنثروبولوجيا والاعتماد الهائل على الميثولوجيا، والإبيجرافياEpigraphia. وهو علم دراسة الآثار من خلال المباني والعملة والتماثيل والأواني والأدوات التي خلفها الأولون كما واستعان بـArchaeology . أو ما يسمى بعلم السجلات الصامتة. وهو دراسة مسيرة الإ نسان من خلال الوثائق في المواقع القديمة حيث يقوم علماء الآ ثار من خلال أساليبهم الفنية بالتعرف علي عادات ومعيشة وانجازات الشعوب في الماضي .
ليس من الضروري ذكر ما أحدثته روايته من ضجة في العالم عموماً علماً أن (براون) نفسه كان مفاجأة للجميع فليس له تاريخ روائي أدبي كبير. فلقد ولد عام 1965 (39 عاماً) وعمل مدرساً للغة الإنجليزية في المدارس الأمريكية حتى عام 1996، ثم ترك التدريس متفرغاً للعمل الأدبي وكتب 3 روايات قبل "شفرة دافنشي" لم تحقق ذات الشهرة لكنها اتسمت أيضاً بالطابع البوليسي والرموز أو المؤامرات فقد نستطيع القول بأن معظم رواياته السابقة كانت تدور في نفس المحور فرواية (حقيقة الخديعة) وهي رواية علمية تتحدث عن أحد أعظم اكتشافات وكالة الفضاء الدولية (ناسا) والذي يأتي الكشف عنه قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية التي يدخلها الرئيس الأمريكي المفترض ويواجهه أحد المناهضين لناسا والرواية تجري أحداثها في القطب المتجمد وربما يمكننا أن نعتبرها مقررات دراسية للمواد العلمية ,ولكنها رواية جيدة ومشوقة أما رواية( ملائكة وشياطين) وهي على نسق رواية (شيفرة دافنشي) ولكن بطريقة مختلفة حيث أن هذه الرواية تمثل الجانب السيء لاحد المنتمين (أومن المفترض أنه ينتمي لتيار مناصري العلم) ويكون الفاتيكان والدين يمثلان الخير, الرواية ممتازة جداً لمن يرغب بمعرفة العلماء والمبدعين القدماء المنتمين للتيار العلمي وكيف كانوا يبثون معتقداتهم وأبحاثهم عن طريق الفاتيكان وهو المسيطر على العالم في ذلك الوقت ومن يحارب العلم!!.أما رواية (الحصن الرقمي) فهي تختلف عن سابقاتها بحيث لأنها تدور حول أحد أجهزة الحاسوب العملاقة وقضايا التنصت التي تقوم بها الحكومة الأمريكية حول العالم, وكيف أن جنون العظمة وحب النجاح المنقطع النظير وحب الذات من الممكن أن يضحي بأرواح عدد من البشر وملايين الملايين من الدولارات، ونستطيع القول بأن هناك الكثير من الأفلام (الهوليوودية) تناولت مثل هذه القصص. أنا لست ممن يفضلون منع الكتب مهما كانت بل يجب أن ننفتح على المجتمعات ونعلم ما يحملون من أفكار، بل ويجب أن نطرح تلك الأفكار ونناقشها بمضوعية قدر الإمكان حيث أني سأحاول أن أتناول (شيفرة دافنشي) من الناحية الحِرَفية بعيداً عن الغاية المراد بها من ورائها حيث أن الروائيين الأمريكيين وبصورة عامة بدأوا بكتابة الروايات التي تكون جاهزة لتتحول إلى فيلم فور نشرها –إذا أثبتت وجوداً طبعاً- وهذا الأسلوب استُعمل من قبل الكاتبة (دانيال) في رواية (الوعد) كما وأن هذا الأسلوب السردي التصويري يعد قديماً لأن أول من قام بمثل هذا النمط هو الروائي الفرنسي (آلان روب غريه) والذي أثر عليه عمله ككاتب سيناريو ليحول رواياته كلها إلى كتابات أشبه بالسيناريو الجاهز ونحن في هذا المقام لا نحاول الوقوف مع أو ضد نمط أو أسلوب وإنما نطرح تساؤلاً ملحاً عما إذا كانت (شيفرة دافنشي) تستحق كل هذا الضجيج كعمل روائي أم لا، وهذا السؤال طُرح سابقاً بخصوص رواية (وليمة على أعشاب البحر) لـ(حيدر حيدر) فرواية براون ليست فريدة من نوعها بالقدر الذي استطاع من خلالها استفزاز أكبر عدد ممكن من القراء فلا أظن بأن هناك مراهقاً لم يستمتع بألغاز (أجاثا كريستي) البوليسية والتي كانت تحتوي على مؤامرات لمنظمات دولية خصوصاً في روايتها (موعد في بغداد) ولكن الفرق بالطبع جلي وواضح فلقد ترك (براون ) أسئلة كثيرة تحفز القارئ على البحث أكثر في المواضيع التي طرحها أي أنه ترك تساؤلات كثيرة ترك اجابتها على عاتق القارئ نفسه ولكننا لا نستطيع أن نعطيه السبق في هذا الأمر أيضاً حيث .سبقه في ذلك "أمبرتو أيكو" بروايتين لكنها تكشف الكثير من الأسرار وتطرح الكثير من الأسئلة وأشهرها "اسم الوردة" وقد كرر براون أمراً يعد أسطورياً شائعاً في الغرب يشدد على الطبيعة الإنسانية للمسيح، إلى حد الخلط بين تصرفات إنسانية غير مثبتة عن المسيح، والتاريخ غير الواضح لجمعيات غامضة مثل جمعية "سيون" Sion Priory الغامضة والتي تُقرأ أيضاً "جمعية صهيون", مستنداً إلى تأويلات خاصة للخلاف على طبيعة السيد المسيح في مجمع نيقيا (تركيا, سنة 325م), وللأناجيل التي لا تعترف بها الكنيسة (مثل الإنجيل الغنوصي), ولـ"جمعية سيون" وتاريخ رؤسائها المفترضين مثل اسحاق نيوتن وليوناردو دافنشي وجان كوكتو, ولـ"مخطوطات البحر الميت", ولبروتوكولات حكماء صهيون, وللماسونية. ولعل النقطة الأكثر "استفزازاً", من وجهة نظر الكنيسة, ما يرد عن وجود نسل سري ينتمي إلى السيد المسيح, بناء على زعم زواجه السري من مريم المجدلية, والتي دأبت جمعية "فرسان الهيكل" على صيانة أسراره. ويوحي الروائي بأن ملوك فرنسا من سلالة "ميروفينجين" الذين زعموا تحدرهم من المسيح نفسه, وأن لوحة "العشاء الاخير" لليوناردو دافنشي, تحمل اشارات سرية عن "الزواج" المفترض وما إلى ذلك. وأستطيع القول بأن ما يفاجأ به القارئ عندما يقرأ في بداية الرواية معلومات أدرجت تحت عنوان (حقائق) ليس من حق الكاتب أو الناشر أن يقوم بوضع كهذا وإن اعتمدت المعلومات الرئيسية على حقائق فعلاً فلقد اتهم الكثيرون براون بأنه اعتمد في استقاء معلوماته على كتاب غير موثق عنوانه "دم مقدس، كأس مقدسة". بالتأكيد لا يستطيع أحد أن ينكر تأثر الديانات بعضها بالبعض الآخر فالمتتبع لعلم الأديان المقارن سيجد بأن البولوثيزم (تعدد الالهة) أو مفهوم (الثالوث) أو الثالوث المقدس يعود إلى عصور سبقت السيد المسيح بكثير وهو يدعى باتحاد الآلهة ثيوكراشيا ( Theocrasi)حيث أن الإغريق كانوا يمارسون في مصر عبادة الثالوث (الآلهة المتحدة في إله واحد) في معبد السرابيوم إبان عصر البطالمة منذ عهد بطليموس الأول وكانت الآلهة الثلاثة الرسمية آمون – رع, و رع- حارا . وكانت هذه العبادة عقيدة إغريقية في الأصل. كما أن الهندوس تستند عبادتهم على ثالوث مقدس أيضاً يكون (البراهما) رأسه وهناك الكثير من المعلومات التأريخية – بغض النظر عن دقتها- بإمكان أي كاتب أن يستغلها لاستفزاز القراء أو- قراء معينين- كما ويمكن أن يخلق أي كاتب ماهر أنواع الشيفرات من خلال التأريخ البشري المليء بالحقائق والأساطير والغريب أن البعض يعتبر بأن براون أثار الموضوع القديم- الجديد والذي يدل على كيفية تحريف الدين حيث جعلوه وثنياً - كالذي كذب الكذبة ولم يعرف كيف يحافظ عليها. بينما نجد براون قد تخبط بين التوحيد والوثنية فالطقوس التي كان يمارسها سونيير تدل على تقديس الأنثى والتي يرمز لها بالنجمة الخماسية وهي رمز وثني للالهة فينوس بينما يفترض أن تكون أخوية سيون أو صهيون الجمعية الوحيدة التي تؤمن بالله الواحد بل وتعتبر السيد المسيح بشراً كما أن الاضطراب يبدو جليا في كثرة ذكر (نظرية المؤامرة ) أو المؤمنون بنظرية المؤامرة على لسان بطل الرواية (لانغدون) حيث يذكرها وكأنه ليس من المؤمنين بها وهو الذي ألف كتباً عن منظمات سرية سبقت عصر المسيح! ولكن نستطيع القول بأن براون حاول أن يأخذ القارئ في دوامة من الرموز ليصل بها في نهاية الأمر إلى نتيجة مفادها (تقديس الأنثى) أو تقديس الجنس نفسه وذلك ما يؤكده طقس (ييروس غاموس) والذي لا أظنه يعود إلى دين يحترم قدر الإنسان من حيث الطريقة التي تمارس بها وإن كانت هذه الطريقة أو الطقس يمارس كل 2000 سنة هذا بالإضافة إلى طرحه لطريقة اتحاد الأنثى بالرجل والتي مثلها بالسيف والقدح ليكوّن في نهاية الأمر مثلثين يتحدان ليكونان نجمة داود ! من الممكن أن نقول بأن الكاتب أراد من (الغريل) هو استمرار نسل السيد المسيح – إذا كان ثمة نسل- والذي يحرسه السيف والكأس المتمثل باتحاد الأنثى والرجل عن طريق العملية الجنسية ومن ثم استمرار النسل وبقاء (الغريل) ولكن الشكل المنطقي للاتحاد المزعوم يجب أن يكون بمثلثين متداخلين وليس متدابرين فنجمة داود عبارة عن مثلثين متدابرين أما المثلثان المتداخلان أو (المتجانسان) سيكون أحدهما في وسط الآخر أي مثلث يدخل به مثلث.
وبهذا يجعلنا براون نرتاب من نواياه بطريقته الملتوية للوصول إلى نتيجة يرغبها البعض ويرفضها الكثيرون فمن يطالع التأريخ البشري سيجد العجائب مثل النسبة المقدسة التي افترضها براون (الفاي) حيث نجد أن أبراكسيسAbraxis . كلمة إغريقية حروفها عبارة عن قراءة للرقم 365. وكانت تكتب فوق الصخور. وكانت تستعمل كتعاويذ. وهذا العدد كان يشير إلى أن السموات عددها 365. ومن الممكن أن نربطها بأيام السنة الميلادية!! كما أن أبيس Apis . لقب العجول المقدسة التي كانت تدفن في مقابر السرابيوم بسقارة وكان عجل أبيس يرمز للخصوبة وكان يعبد في (منف) واعتبره قدماء المصريين روح الإله بتاح. لهذا كان يتوج بوضع قرص الشمس بين قرنيه. فهل يحق لنا بأن تقديس العجول عند الهندوس قد أخذ من المصريين؟ وربما لو اطلع براون على تأريخ الأدب العربي لوجد البيت القائل:
إذا الحمائم ما يخدن بنفنف إلا شققن عليه ثوباً أخضرا
يحملن مثل الروض إلا أنها أسبى مهاةً للقلوب وجؤذرا
حيث أن الشاعر أراد تشبيه المرأة بالحمامة التي أينما حطّت نشرت الخصب والنماء وبالطبع كان هذا البيت سينفع براون في شيفرته وغير ذلك من ثقافات وأديان الشعوب التي لا تعد ولا تحصى، أما بالنسبة لتهجمه على الكنيسة فهذا كان من الأسباب المهمة التي أدت إلى انتشار الرواية بهذا الشكل العجيب فمن المؤكد بأن أي كاتب عربي مبتدئ يستطيع أن يثير ضجة في العالم العربي بمجرد كتابة رواية مستقاة من حقائق تأريخية تدين بعض الصحابة أو بعض الدعاة في عصر معين من التأريخ الإسلامي المليء بالحوادث وهنا تجدر الإشارة إلى ما ذكره (أسامة أنور عكاشة) حيث قال (عمرو بن العاص من أسوأ الشخصيات التي ذكرها لنا التأريخ الإسلامي) بينما نجد الكثيرون يعتمدون روايته للحديث والسنة!!
يبدو أن بداية فكرة رواية "شفرة دافنشي" جاءت عند قيام دان براون بدراسة الفن في جامعة أشبيلية في أسبانيا حيث تعلم بعض ألغاز لوحات ليوناردو دافنشي.. ولعل تأثيرات (بلايث) زوجة الكاتب الرسامة ومؤرخة الفن واضحة في الرواية؛ حيث يمزج الكتاب بين تاريخ الفن والأساطير، ويقدم قراءات جمالية ممتعة لكنائس باريس وروما ولأعمال ليوناردو دافنشي.كما ومما يجدر الاشارة اليه أن هناك شركة سياحية استثمرت رواية براون(ملائكة وشياطين) للترويج عن الأماكن التي جاء وصفها فيها بخصوص الأماكن الدينية في الفاتيكان وهذا يذكرنا بعقدة النجاح الأمريكية أو التفكير (البراغماتي) الذي يسعى دائماً إلى المال والنجاح بغض النظر عن الطريقة.ولا ننسى بأنه جعل (التروبادوريون) من ضمن الأخوية وهم الذين ذكر التأريخ بأنهم نتاج تأثر الحضارة الأوربية بالأندلس وهذا دليل على قابلية أي كاتب على التلاعب بالمسميات فضلاً عن الرموز والأرقام .
وعوداً إلى الأمور المريبة التي تصنع في الولايات المتحدة سواء على مستوى الروايات أو الافلام أود التنويه إلى مقال لي لم يجد سبيله للنشر أيام حكم الطاغية وكان عبارة عن نقد لفيلم (الميتركس) حيث أثارتني الأسماء التاريخية والغريبة التي اختارها كاتبا السيناريو وتساءلت إن كانت مجرد اختيارات عشوائية ولكن بعد البحث وجدت بأن (نيو) معناه جديد أو مبتدئ. (ميتريكس)- فضلاً عن معنى مصفوفة- : معناه المنبت أو المنشأ أو الرحم. (مورفيوس): معناه إله الأحلام عند الإغريق. (ترينيتي): الثالوث الأقدس "الأب..الابن..والروح القدس" (سايفر): معناها صفر بالعربي، وأهم نقطة على الإطلاق وأكثرها إثارة للريبة هي تسمية (سيون) " Sion" في الرواية وتسمية "زيون" "Zion"- والتي تقرأ بالعربية صهيون-..و هي كما قال الفيلم بأنها آخر أرض للبشر.كما وأتساءل إذا لم تكن هناك مؤامرة فلماذا نجد بأن عنوان الموقع الذي نجد فيه أعمال براون – المكتوب على ظهر الغلاف في المؤخرة- باسم (نيل فرات دوت كوم)!!!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد فضل شبلول
- الزيارات: 9
في أدب الرحلات: أيام في نابل التونسية
أحمد فضل شبلول
أكثر من اثنتي عشرة ساعة من السفر، ما بين منزلي بالإسكندرية، ونُزل الرياض بمدينة نابل التونسية، استخدمت خلالها السيارة والباص والطائرة. فقد خرجتُ من منزلي في الساعة الثانية عشرة والنصف من ظهر يوم الأربعاء، وذهبت لمحطة أتوبيس السوبر جيت لأركب مع صديق الرحلة التونسية د. محمد مصطفى أبو شوارب، الأتوبيس المتجه لمطار القاهرة (القديم)، ونلحق بالطائرة المتجهة لمطار قرطاج الدولي، بالعاصمة التونسية، حيث وصلنا في حوالي الساعة العاشرة والنصف مساءً بتوقيت تونس، وأخذتْ إجراءات الجوازات، وانتظار حقائب السفر، والتفتيش، حوالي نصف ساعة، نخرج بعدها من صالة المطار، لنجد الصديق الشاعر محجوب العياري، وسليم، في انتظارنا، بسيارة مندوبية الثقافة والمحافظة على التراث، ويحملان باقتين من الورود التونسية ذات الرائحة العبقة.
حينما ذهبت للسفارة التونسية بالقاهرة للحصول على التأشيرة، وجدت أن هناك خصما ـ لم يكن موجودا في الرحلة التونسية السابقة في شهر مارس 2006 ـ قدره 50% على رسوم التأشيرة للمشاركين في ندوات واحتفاليات ثقافية وفنية، وعندما رأى الموظف المختص الدعوة الموجهة لنا، طلب نصف المبلغ الذي دفعته من قبل، وكان قدره مائتي جنيه. الآن يدفع كل منا مائة جنيه رسوم التأشيرة، بدلا من مائتين. فشكرا للسفير التونسي بالقاهرة، وشكرا للقنصلية والعاملين بها.
سبب الزيارة هذه المرة: المشاركة في الدورة الأولى للأيام العربية للكتاب بولاية نابل، والتي اتخذت من "النشر الإلكتروني: نافذة مستحدثة للتعريف بالكتاب العربي" عنوانا لها.
كان محجوب العياري قد حدثني في زيارتي السابقة لتونس (مشاركا في الدورة الحادية عشرة لخيمة علي بن غذاهم للشعر بجدليان التي ينظمها الصديق الشاعر عبد الكريم الخالقي) عن نيتهم لعقد ندوة عن النشر الإلكتروني تنظمها جمعية أحباء المكتبة والكتاب بنابل التي يتولى رئاستها، وطلب مني ترشيح بعض الأسماء العربية التي من الممكن أن تثري الندوة طيلة أيامها الثلاثة، وجلسنا في كازينو "الروتندة" المطل على شاطئ البحر المتوسط، ومعنا سهيل المغيربي (نائب رئيس الجمعية) نستذكر بعض الأسماء، لتوجيه الدعوة لها.
اقترحت بعض الأسماء، واقترح العياري بعض الأسماء، وافترقنا على أمل اللقاء أيام انعقاد الندوة في شهر مايو / آيار 2006.
وها أنذا ألتقي العياري مرة أخرى في تونس الخضراء، ويصاحبنا إلى نزل الرياض الواسع العتيق المطل على البحر مباشرة، ليتسلم كل منا (أبو شوارب، وأنا) مفتاح حجرته، ونصعد إلى الدور الأول (والأخير) في حوالي الثانية عشرة والنصف بتوقيت تونس (الواحدة والنصف صباحا بتوقيت مصر). ومع أوائل نسمات فجر الخميس نخلد للنوم العميق.
في طريقي من الإسكندرية إلى مطار القاهرة، اتصلت بي (دينا) ـ إحدى مذيعات "صوت العرب" ـ طالبة مني أن أحدثها على الهواء ـ في صباح الغد ـ عن موضوع الندوة التونسية، وعن مشاركتي بها، بعد أن قرأتْ خبرًا عنها في بعض الصحف المصرية، وبعض المواقع على شبكة الإنترنت. لم أكن أعرف رقم هاتف قريب للاتصال عليه في تونس سوى هاتف العياري الجوَّال أو النقَّال، فأمليتها رقمه، واتفقنا على الميعاد الصباحي لنتحدث (محجوب وأنا) تليفونيا، لبرنامج "صباح الخير يا عرب"، وعندما التقيت محجوب أبلغته.
بكَّر العياري في الحضور إلى الفندق من أجل البرنامج، وطلبني من الاستقبال، فقد حان ميعاد الاتصال من القاهرة، كنت لم أزل نائما، ولكن نهضت بعد الاتصال، وعندما هبطت إلى صالة الاستقبال، وجدت العياري ينهي مداخلته التليفونية مع دينا. يبدو أنني تأخرت في الهبوط، بعد القيام بإجراءات الإفاقة من النوم.
ولكن عندما طلبني العياري في أوقات أخرى للحديث إلى إحدى وكالات الأنباء، وإلى التلفزيون التونسي، وبعض الصحف التونسية، عن ندوة النشر الإلكتروني، وأهمية انعقادها في تونس، كنت جاهزا من أول دقيقة.
كان أمامنا يوم الخميس بكامله، لنتجول في أنحاء نابل الجميلة وشوارعها النظيفة الهادئة، وكان الجو رائعا في مثل هذا الوقت من العام، فالصيف لم يبدأ بعد، ولم تزدحم المدينة بمصطافيها، وأخذنا سهيل المغيربي وجميل، في جولة إلى مدينة الحمامات التابعة لولاية نابل، التي كثيرا ما سمعنا عنها وعن جمالها، وأنها تشبه إلى حد كبير شرم الشيخ في مصر.
حقيقة لم أزر شرم الشيخ حتى الآن، ولكن وجدت الحمامات مدينة تتمتع بفنادق كثيرة وكبيرة، وتعزف ـ مثل بقية المباني في تونس ـ على اللونين الأبيض والأزرق، في مساحات شاسعة يرتاح لها النظر، وتحبها العين، وينسجم معها القلب، وتتموسق معها الأذن والروح.
كانت "الحمامات" شبه خالية إلا من بعض الزوَّار من التونسيين وبعض الأجانب من جنسيات مختلفة. زرعنا الشاطئ جيئة وذهابا على أرجلنا، وعرفنا أن في تونس أكثر من حمامات، أهمها وأشهرها ما نحن فيها الآن. وأن هناك حمام الأنف، وحمام الشط، والأخير كان يوجد به مقر الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وقد وقع اعتداء إسرائيلي غاشم على مقر ياسر عرفات بهذه المنطقة في الثمانينات.
عدنا من الحمامات لنلتقي بالكاتبة السعودية هيا الشريف، المشاركة في الندوة معنا، وقد أتت من جدة في معية والديها، فوجهنا التحية لأبيها البالغ من العمر 85 عاما لسفره من جدة إلى تونس مع ابنته مؤسسة موقع "خطى" على شبكة الإنترنت.
لقد جاءت هيا، لتتحدث عن تجربتها في إنشاء هذا الموقع، وتعطي نموذجا طيبا للفتاة السعودية المتعلمة والمثقفة التي تساير روح العصر الجديد.
طبعًا لم نشاهد من هيا سوى نظارة عينيها، فقد كانت مرتدية العباءة السعودية السوداء طوال الوقت، حتى في مداخلتها على المنصة، كانت ملتزمة بارتداء الزي السعودي المعروف.
في صباح الجمعة (وهو يوم عمل في تونس، أما الأجازة الأسبوعية فيوم الأحد) قمنا بزيارة المندوبية الجهوية للثقافة والمحافظة على التراث بنابل، حيث يعمل محجوب العياري، وتعرفنا على بعض العاملين بالمندوبية، وعلى رأسهم لطفي المسعدي الذي سألناه عن علاقته بالمبدع التونسي الراحل المعروف عربيا محمود المسعدي، فرد مبتسما: عمِّي.
تعرفنا أيضا على بعض الموظفين والموظفات بالمندوبية من أمثال: نورا وحسناء ولمياء، وذهبنا إلى قاعة الكمبيوتر والإنترنت التابعة للمندوبية، واطلعت على بريدي الإلكتروني المتضخم، فقرأت ما قرأت، وألغيت ما ألغيت، ورددت على بعض الرسائل، بعد أن تعرفت على كيفية عمل لوحة المفاتيح المختلفة بعض الشيء عن لوحات مصر، بسبب اختلاف اللغة الأجنبية، حيث الفرنسية هي السائدة على لوحات المفاتيح التونسية، بينما الإنجليزية هي السائدة في لوحات مفاتيح مصر.
كما ذهبنا إلى مكتب معتمد (رئيس مدينة) نابل الشاب المثقف محمد نجيب محرز، الذي رحب بنا، وتجاذبنا أطراف الحديث في الثقافة والسياسة وقضايا الساعة المتنوعة عربيا وعالميا.
ثم عدنا إلى الفندق، لنستعد لحفل الافتتاح، ونرحب بوصول الشاعر أحمد العجمي من البحرين، ومن الأردن الروائي محمد سناجلة ـ رئيس اتحاد كتاب الإنترنت العرب، والقاص والكاتب المسرحي مفلح العدوان ـ أمين الصندوق،. ثم بدأت طقوس حفل الافتتاح بحضور والي نابل السيد / محمد الأمين العابد، وعدد كبير من المسئولين والرسميين والإعلاميين والشعراء والأدباء التونسيين المعروفين على المستوى العربي، منهم د. صلاح الدين بوجاه ـ رئيس اتحاد الكتاب التونسيين، والمنصف المزغني، والمنصف الوهايبي، ومحمد العزي، ونور الدين صمود، ومحمد الصغير أولاد أحمد، وغيرهم.
وتستمر الندوة في مسارها الطبيعي ما بين جلسات علمية، ومداخلات حماسية، بعضها ينتصر للنشر الإلكتروني، وبعضها ينتصر للنشر الورقي، وبعضها يقف موقفا وسطا. وكان الشعر يخفف من حدة المناقشات، حيث عُقدت أمسيتان شعريتان، قدمت واحدة منهما، وكان على كل شاعر الالتزام بوقت محدد لا يتجاوز خمس أو ست دقائق، لكثرة الشعراء، فاضطررت لمقاطعة الشاعر الفنان سالم اللبان، أثناء إلقائه لقصيدته الطويلة التي يقول في مطلعها "يتعتعك السُّكرُ"، الأمر الذي أغضبه مني طوال أيام الندوة، ولكن تصادقنا في النهاية، وتبادلنا كتبنا الورقية، والتقطنا الصور التذكارية.
كانت أيام الندوة فرصة للتقارب أكثر مع الأدباء والكتاب والشعراء التونسيين، خاصة أنهم كانوا يقيمون في النزل نفسه الذي يقيم فيه ضيوف تونس، كما أن فعاليات الندوة تمت في إحدى قاعات النزل الكبيرة، فحدث الالتحام والتعارف والتجاوب حتى بين التوانسة أنفسهم الذين يقيمون في ولايات مختلفة داخل الأراضي التونسية، وكان للأحاديث الجانبية، والجلسات الخاصة، أهميتها التي ساعدت على التقارب والتعارف، فعادة ما يكون الهامش أهم من المتن في مثل هذه اللقاءات.
انتهت أيام الندوة، ورحل من رحل من الأدباء والكتاب التونسيين، ومكثنا ننتظر موعد إقلاع الطائرة العائدة إلى مطار القاهرة قبل منتصف ليلة الأربعاء بربع ساعة، لنصل في الرابعة من صباح الخميس إلى القاهرة، والسابعة صباحا إلى الإسكندرية.
كانت ثمة فرصة لزيارة العاصمة التونسية، للقاء الصديق الشاعر عبد الكريم الخالقي، الذي سيأتي من مدينته (بنزرت) للقائنا، وكان اللقاء أمام مبنى اتحاد الكتاب التونسيين بشارع باريس، وقضينا وقتا ممتعا مع الخالقي، تجاذبنا فيه أطراف الحديث حول الأدب والشعر والندوات والفعاليات الثقافية المختلفة، كما تحدثنا عن المؤتمر العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب الذي سيعقد في القاهرة في نوفمبر 2006، ومَنْ سيرشح نفسه من الاتحادات العربية، لتولي أمر أمانة الاتحاد بعد سوريا، وأنه لابد من التنسيق بين الاتحادات والروابط الأدبية العربية، حتى لا تحدث خلافات، مثلما حدث في مؤتمر الجزائر 2003 الذي أسفر عن استحداث منصب جديد لم يكن موجودا من قبل في الاتحاد العام، وهو رئيس الاتحاد، فمن المعروف أن المنصب الرئاسي الوحيد، هو منصب أمين عام الاتحاد، مثلما الحال في جامعة الدول العربية، فلا يوجد رئيس لها، ولكن يوجد أمين عام.
وكان ثمة اتصال هاتفي مع الصديق الشاعر نوَّار عبيدي بالجزائر، للتنسيق حول المشاركة في مهرجان شعري كبير في مدينة عنابة الجزائرية في يوليو القادم.
وكان ثمة اتصال هاتفي بين أبي شوارب ود. كمال عمران ـ رئيس الإذاعة التونسية السابق، وعضو مجلس أمناء مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري بالكويت ـ الذي يقيم في العاصمة التونسية، وتم الاتفاق على لقائه في الرابعة عصرا.
عاد الخالقي إلى بنزرت، واتجهت مع أبي شوارب لنهج الزيتونة، الذي حفظته عن ظهر قلب خلال زياراتي السابقة لتونس، ولكنها كانت المرة الأولى لصديق الرحلة، وانتهينا إلى جامع الزيتونة الخاضع للترميم، فلم نستطع دخوله.
بعد أن قمنا بالمرور على تمثال ابن خلدون بشارع الحبيب بورقيبة، وقفنا بالقرب من ساعة الميدان، ليمر علينا د. كمال عمران بسيارته في الساعة الرابعة، ويذهب بنا إلى منزله في المرسى.
احتفي بنا عمران وزوجته الفاضلة احتفاء كبيرا، وقُدمتْ لنا أنواع كثيرة من المشروبات من الشاي الأخضر إلى عصير اللوز، إلى جانب الحلويات التونسية الجميلة، وعندما أصر عمران على تناول طعام الغداء، أخبرناه أننا تناولناه مع عبد الكريم الخالقي في أحد مطاعم شارع فرنسا، وأنه لا يوجد مكان في البطن الممتلئة بما لذ وطاب من أطعمة ومشروبات تونسية.
على الرغم من بعد المسافة بين العاصمة، ومدينة نابل (أكثر من ساعة)، إلا أن كمال عمران أصر على أن يأخذنا في سيارته، لنتجول في أنحاء بعض المدن التونسية المتاخمة للعاصمة، ثم يعود بنا إلى نابل. أشفقنا عليه من طول الرحلة (ذهابا وإيابا) وأنه لم يذق طعم الراحة منذ أن التقينا به، إلا أنه أزاد من إصراره، وكانت فرصة لزيارة مدينة سيدي بوسعيد، التي تطل على البحر من عل، فصعدنا إلى مقام سيدي بوسعيد وقرأنا الفاتحة له. واكتشفنا أن سيدي بوسيعد مدينة صغيرة ذات سحر خاص، أول ما رأيتها قلت لكمال عمران إنها تشبه في تدرجاتها الخضراء، وإطلالتها المتميزة على البحر، مدينة استانبول التي تقع على سبعة تلال، على أن استانبول أكبر في المساحة.
أيضا زرنا بعض القصور التي كانت مخصصة للباي التونسي قديما، ثم تحولت إلى مرافئ جهوية، أو مزارات سياحية، أو حدائق للجمهور.
عدنا إلى فندقنا في نابل، ليخبرني محجوب العياري أن الشاعرة فاطمة بن محمود قد جاءت من العاصمة لزيارتي، وأنها ستعود غدا، وقد عادت فاطمة في الغد، وشاهدت بروفة ديوانها الجديد، ووعدتني بإرسال نسخة بالبريد على عنواني بالإسكندرية، بعد صدوره.
بعد عودتنا من العاصمة التونسية، وجه لنا الفنان الشاب حسام زيدان، الذي كان يصاحب الشعراء بترنيمات من آلة العود في الأمسيتين الشعريتين، دعوة لزيارته بمنزله، فذهب ثلاثتنا: العياري وأبو شوارب وأنا، وكانت ليلة فنية رائعة، استمعنا فيها لهذا الصوت الشاب الدافئ الجميل، وهو يشدو بأغنيات الزمن الجميل، ويعزف بمهارة على آلة العود، ويذكرنا بعزف فريد الأطرش والسنباطي، في تمكنه وبراعته. إن المستقبل الفني ينتظر مشاركة حسام زيدان في الحياة الفنية بقوة، فهو يحمل من العزيمة والإصرار، ما سيؤهله لخوض التجربة بنجاح.
في صباح اليوم الأخير اصطحبنا سهيل المغيربي، لزيارة معرض للخزف باسم الشعراء الخزَّافين، وهم يهدفون إلى إعادة فن الخزف إلى جماله، بعد أن أصبح فنا استهلاكيا، أكثر منه جماليا، وهم مجموعة من الشباب يمارسون كتابة الشعر ويصنعون الخزف بطرق جمالية، وتذكرت حينها صديقي الراحل الشاعر الخزَّاف حسام الدين شوقي، الذي كان من مؤسسي جماعة فاروس للآداب والفنون بالإسكندرية عام 1979.
بعد خروجنا من معرض الخزف، ذهبنا مع سهيل لزيارة مدينة بني خيار المتاخمة لمدينة نابل، والتي لا تختلف عنها كثيرا، وعرفنا أن سهيلا يقطن هذه المدينة التي لا تبعد أكثر من ربع ساعة بالسيارة عن نابل.
كما كانت ثمة فرصة لحضور مهرجان الحصير بمركَّب الثقافة "نابوليس" بنابل، وهو مهرجان من وحي البيئة المحلية، ذكَّرني بمهرجان التراث والثقافة (الجنادرية) بالمملكة العربية السعودية، حيث محاولة الحفاظ على الحرف البيئية القديمة، وتعريف الأجيال الجديدة بها، عن طريق مشاركة صانعيها والقيام بعملهم أمام المشاهدين، كما شارك عدد كبير من الشباب بأعمالهم الفنية التي يدخل عنصر الحصير في تشكيلاتها المختلفة، فكانت تظاهرة فنية جديرة بالمشاهدة، بل جديرة بالتعميم في معظم مدننا العربية التي تخطو سريعا نحو الحداثة أو التحديث، فتلقي وراء ظهورها عبق الماضي وآثاره.
بعد ذلك أخذنا نتهيأ للسفر الطويل من نابل إلى الإسكندرية.
لم أغادر نابل خالي الوفاض، ولكن حصلت على بعض الهدايا القيمة المتمثلة في عدد من الكتب والدواوين الشعرية، أذكر منها على سبيل المثال:
الأعمال الكاملة (ثلاثة مجلدات) للشاعر التونسي د. نور الدين صمود.
فصولي الأربعة (نجمة للفجر، عيون نداجة، جنون لمواسم حكمتي، عهد الياسمين) للشاعر التونسي سالم اللبان.
ديوان "هذه الجثة لي" للشاعر التونسي عبد الله مالك القاسمي.
ديوان "القصائد الأولى" للشاعر التونسي محجوب العياري.
ديوان "أقمار لسيدة الشجرات" للشاعر التونسي محجوب العياري.
ديوان "حرائق المساء حرائق الصباح" للشاعر التونسي محجوب العياري.
ديوان "إعلان حالة طوارئ" للشاعر التونسي يوسف رزوقة.
كتاب "الأشياء" للكاتب التونسي ظافر ناجي.
رواية "باب الفلة" للكاتب التونسي حسنين بن عمو.
المجموعة القصصية "الكروسة" للكاتب التونسي حسنين بن عمو.
ديوان "حديث الصمت" للشاعر التونسي أحميدة الصولي.
ديوان "أحنط ظلي بطين الكلام" للشاعرة التونسية سلوى رابحي.
ديوان "ليالي شهرزاد" للشاعر التونسي صلاح داود.
رواية "المِشرط ـ من سيرة خديجة وأحزانها" للروائي التونسي كمال الرياحي.
صورة من ديوان "مخطوط تمبكو" للشاعر التونسي منصف الوهايبي.
صورة من ديوان "كتاب الماء كتاب الجمر" للشاعر التونسي محمد الغزي.
ديوان "كاكاو" للشاعر البحريني أحمد العجمي.
كتاب "الإنترنت بوصفها نصا" للكاتب البحريني خالد الرويعي.
مسرحيتا "ظلال القرى، وآدم وحيدا" للكاتب الأردني مفلح العدوان.
العدد الأول من مجلة "مرافئ الرأس الطيب" التي تصدرها مندوبية الثقافة والمحافظة على التراث بنابل.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: فاروق مواسي
- الزيارات: 7
عودة إلى النقد الموضوعي
فاروق مواسي
كنت قد تطرقت، في مقال سابق - هنا في هذا الموقع - إلى أننا كثيرًا ما نحكم على العمل الأدبي مرتبطًا ارتباطًا وثيقـًا بالحكم على صاحبه. وقد أشرت إلى تجربة ريتشاردز في كتابه النقد العملي، حيث خلص إلى أن الحكم على العمل الأدبي يجب أن يكون بمعزل عن شهرة صاحبه أو غمريته .
وكانت قصيدة (الإبرة)، التي أثبتّها في تلك المقالة، مدار نقاش. فبعضهم اعتبر أنني ألّفتها (فبركتها )، وخرج باستنتاج مختصره أن هذه القصيدة هراء ، ومن قائل إن هذه القصيدة اجتزأتها من قصة طويلة، وهي بالتالي تقع ضمن السلبي ، ومن قائل إن هي إلا كلام نثري باهت ، ومن رافض أن يتحدث عنها لأنها ليست قصيدة أصلاً. ومن شاك أنها لي فهاجمها لأنها في اعتقاده فاروقية, ولم أحصل على إجابة واضحة تشفع لصاحب القصيدة سعدي يوسف بالجودة، رغم أن الشاعر معروف، ويعتبره هؤلاء الأشخاص بالذات أنه في طليعة الشعراء العرب المحدثين .
غير أن الأمانة تقتضي أن أذكر بعض ما كتبه أحد الأساتذة من المهتمين بالأدب، وذلك بسبب جدية التناول :
".....لا أجد قصيدة (الإبرة)، تتعدى أرق إنسان يجدّ في البحث عن مصدر ضجة تتسلل إلى أذنيه، فيسارع إلى نفي أسباب الضجة الممكنة ، فالشباك غير مفتوح، والمذياع مقفل، والحنفية محكمة الإغلاق. وتتوالى ( لا ) التي تطرد في نفي الاحتمالات المتعددة لمبعث الضجة، وتتوالى النقاط .... الفرج آت. لقد وقع على حل اللغز، إنه الليل الثقيل،
تتسلل وطأة همومه تسللاً دقيقاً خفياً وموجعاً كموقع رأس الإبرة، إذن فقد عرف وأيقن, فاكتفى وكفَّ عن التساؤل.
الشاعر اختزل تجربة امرئ القيس مع الليل مع تحويل التيمة، فإذا كانت هموم الليل تجتاح امرأ القيس كموج البحر، فإنها عند شاعرنا تتسلل إلى أذنيه كما تنفذ الإبر والكلمات (وسدني الصخر)، (بطيء)، (مرهف) تقودنا إلى مقاليد نفسية الشاعر .
غير أنني أنكر على من يحمل هذه الهموم أن يقوى على التفكير المنطقي المرتب والمتسلسل في القسم الأول من القصيدة. وقد جسد هذا الترتيب ذلك التدرج من الخارج (المفترق، الشباك, الباب) إلى الداخل بتعداد محتويات الغرفة بالترتيب من أكثرها ضجة (المذياع) إلى قطرة في المغسل إلى أقلها (رفة في آنية الزهر ........ الخ ) .
وإذا كانت هذه التعددية ( النثرية ) الطويلة تخدم المفاجأة السريعة المقتضبة والمكثفة في القسم الثاني على المستوى الشكلي، إلا أنها تثبت في الوقت نفسه أن الشاعر يعوزه الإلمام بخفايا النفس البشرية والقلق الإنساني ، فالذي يتوسد الصخر لا يقوى على هدوء التفكير المنطقي، وبهذه النقلة الجادة خلق مفارقة بين المقدمات والنتيجة.
وأشير كذلك إلى محاولة الأخ يحيى متاني التي ألغى القصيدة أولاً وأبدى مدى تجاهلها لقضايانا، ثم ما لبث أن تفهم بعضًا منها، ولكنه لم يغير قراره الأول بأن هذه "القصيدة" ليست قصيدة, مع أنه بين إيجابًا فيها ومنها .
وإذا كان هذا التمرين الذهني يقع في دائرة الشعر فإن تجربة مسابقة مجلة ( اليوم السابع) أيام كانت تصدر في باريس - تفيدنا في هذا المجال . فقد شاركت في المسابقة (1518 ) قصة قصيرة ، وكانت القصص تقدم بأسماء مستعارة ، وتبين بعد إعلان النتائج كما يوضح إبراهيم العريس (اليوم السابع عدد 90/ 1/ 29) كون أربعة وستين مشاركًا معروفة أسماؤهم في شتى مجالات - الأدب والفن والصحافة وغيرها . والمفاجأة أن معظم القصص التي فازت أو تم التنويه بها أو وصلت إلى التصفية الأخيرة لا تحمل تواقيع معروفة . ولا بد من الإشارة إلى أن عشرات النقاد اشتركوا في عملية الفرز ...حتى كان الحكم النهائي للجنة ممن لا يشك بأمانتهم وجديتهم .
لماذا أطرح الموضوع ؟
أطرحه لأقول ثانية إننا إذا جردنا العمل الأدبي من اسم صاحبه (اللامع أو المغمور) فإننا نتعامل ومقاييس حذرة ورؤية أعمق ، الأمر الذي يستلزمنا أن ننقب ونجد ، وأن نقرأ لمن يعرفون في الميدان الذي نجول فيه ونصول ، نتعلم منهم حتى لا نهرف بما لا نعرف .
أقول ( نتعلم ) لأن التواضع أمام الذي يعرف هو سمة الباحث - الباحث الجاد عن العلم والمعرفة، والبعيد عن المهاترة ودس الأنف.....
ورحم الله امرأ عرف حده فوقف عنده .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: السيد نجم
- الزيارات: 7
عناصر الطبيعة في شعر شبلول
قراءة في ديوان "بين نهرين يمشي"
بقلم: السيد نجم
الشاعر أحمد فضل شبلول من شعراء الإسكندرية, ينتسب إلى جيل السبعينيات شعرياً, وله ثمانية كتب شعرية (فضلاً عن كتب أخرى في مجال أدب الطفل والدراسات النقدية والمعجمية).
صدر له مؤخراً ديوان "بين نهرين يمشى" عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.
تتميز ملامح الشاعر بقدر من الحيوية الشعرية التي تتمثل في اختيار الموضوعات والبناء الفني للقصيدة, وهو ما ينعكس بالتالي على صوره الشعرية ومفرداته وانتقالات أفكاره داخل العمل الواحد.
لعل ديوانه الأخير يعبر عن هذه السمة أيما تعبير.
لعلها حنكة الصنعة وخبرة الأيام, وهو ما سنبحث عنه ونلتقطة من بين ثنايا القصائد التي تعد ثماني عشرة قصيدة: "وردتان من الروح - مرايا الموت والحجر- شمس سليم - صورة أخيرة للنيل- بين نهرين يمشي - جواز مرور - الطائر والشباك المفتوح - قطار من شروق – شجرة - جمال العروبة - إبليس والأحجار - من قلعة قايتباى وحتى القدس - كوني لي – عيناك - أهواك الآن - البحر والبنايات الشاهقة – إسكندرية - صوفية الإسكندرية".
لعل الإطلالة السريعة للعناوين بداية تشي بقدر تعلق الشاعر بعناصر الطبيعة في عناوين قصائده, سواء أكانت جمادا أو نباتا أو غيرها.
(وردتان- الحجر- شمس – النيل – نهرين – الطائر – الشباك – القدس – البحر – البنايات – إسكندرية – قلعة – شروق – شجرة – الأحجار - قطار..). هذه مفردات من العناوين, تكاد تغلب عناصر الطبيعة أغلب العناوين.
أما متن القصائد فهو الذي يكشف عن حرفية الشاعر وقدرته على توظيف تلك العناصر، بما يلائمها شعرياً. هكذا بدأ الشاعر بعض قصائده: قصيدة "وردتان من الروح" يقول فيها:
"أنت الوردة في قلب شتاء صيفي
ماتت وردات العالم.. إلا أن
فكيف أقاوم سحر الموج المتألق في أوراقك؟
موج.. أم شجر.. يزحف نحوى"
في تلك الأبيات القليلة, لا يخلو بيتٌ من عنصر طبيعي, إلا أن التوظيف لافت وجميل ومكمل للشعرية الرهيفة للشاعر .. "شتاء صيفي", "ماتت وردات العالم", "سحر الموج", ثم صورة الموج والشجر الذي يزحف نحو الشاعر في البيت الرابع.
قصيدة "مرايا الموت والحجر" يقول فيها:
"أريد أن أموت
قبيل أن يخونني الوطن
قبيل أن أداس في الشوارع
وتعبر الفئران فوق جثت
وتأكل القطط"
هنا تبدو عناصر الطبيعة لها توظيف أكثر فاعلية, في مواجهة الشاعر نفسه. لم يوظفها لإبراز الصورة الداخلية التي يرجوها, وإنما يوظفها كعنصر ايجابي مشارك في مواجهته (كعنصر طبيعي أيضاً).. وهو ما يعد توظيفاً مختلفاً عن التوظيف الأول.
قصيدة "شمس سليم" يقول فيها:
"موسوعة مصر أمامي
لم أقرأها بعد
ومؤلفها يتبعني
يحصى خطواتي
وأنا أقرأ شارعنا العربي الآن"
تبدو عناصر الطبيعة هنا وكأنها أداة مشتركة يتم توظيفها بين طرفين متواجهين (الشاعر وسليم حسن) .. فسليم حسن له جهد مشكور في البحث عن جذور التاريخ, والشاعر عند رؤيته للواقع الآني في العالم العربي مناقض له. هذا التناقض الذي صنع الصراع في القصيدة, تشكل من خلال "الموسوعة – مصر - الشارع", فبدت عناصر الطبيعة مؤججة للصراع النفسي ودلالة القصيدة.
قصيدة "صورة أخيرة للنيل" يقول فيها:
"مسافر..؟!
وراءك النهار والبحار والطريق
ونسمة كانت تداعب النوارس المهاجرة
وبسمة تسابق الأحضان للحبيب والصديق
ودمعة بالأفق تلتحم"
تبدو عناصر الطبيعة هنا: "النهار – البحار – الطريق - الأفق"، وكأنها على أحوالها المعروفة عنها, لم تتغير ولم تتبدل, وأن الشاعر وحده هو الذي يتغير في رؤيته لها أو اللحاق بها.
وهكذا بقية القصيدة / القصائد, يبدو الشاعر متعلقاً بعناصر الطبيعة ويوظفها بحسب عدة أحوال:
.. ففي حالة الحزن تكون الصور "شتاء صيفي", "ماتت وردات العالم", "أوغل في عتمة هذا القمر", ".. للغابات الحجرية", "تركوا وردة روحي", "المطر الأسود", "انخلعي من طينك", وهى من قصيدة واحدة.
.. في حالة الأمل والانتشاء تكون الصورة "حطت طيور الربيع", "وغنت زهور البنفسج", "وجاءت شموس النهار", "بين نهرين يمشى", وتلك الصورة المركبة في قصيدة "بين نهرين يمشى":
"ولكنه لم يشاهد خطاي إليه,
وكانت تباعد بيني وبين حنان يديه
طيور الظنون,
ووهم الصحارى
فناديته,
ولكنه كان يمضى إلى نهره"
وتتعدد الأمثلة بتعدد الحالات التي يبنى عليها الشاعر قصيدته.
***
إن ديوان "بين نهرين يمشى", يمثل في مجملة نقلة نوعية، وملمح أصيل في رحلة الشاعر, ويستحق الدرس والتأمل في أكثر من جانب.. فلم تكن تلك الزاوية التي تخيرتها سوى جانب من عديد الجوانب في شعر أحمد فضل شبلول, والى وقفة أخرى وإنتاج أخر قريب.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. مصطفى الشليح
- الزيارات: 7
نقدُ القصيدةِ المغربيّة
الهُويَّة والمعْرفة (1)
أ.د / مصطفى الشليح
المغرب
لعله كانَ سؤالاً إشكالياً: هل يمكن اعتبارُ عدم الفهم، في نقد النماذج النصية المغربية، عتبة أولى للقراءة الواعية بالنسق والتأويل ؟
ثمة إشارات متناثرة في السجل النقدي للقصيدة المغربية إلى أن الوعي بانتساب النص إلى نسق ينتظمه، ويمارس تأثيره فيه، وإلى كون النسق ذاته نتاج تراكم نصي يتوحد حين يتعدد؛ وهما، معاً، يخضعان لجدلية تفاعلية، كينونة وسيرورة، وإلى أن تلك الجدلية تؤمِّن إمكانية السفر في التاريخ من غير امِّحاءٍ لجغرافية الذات والأسماء.
تلك الإشارات، قد تنبري عباراتٍ، كلما تأملنا صنيعَ النقد بالقصيدة المغربية أو صنيعَ القصيدة بالنقد المغربي إذا يتجاذبان ويتأهّبان لبلورة ثقافة الهوية، أمدت التأمل بالمتاه الذي اقترفه الخوض الدراسي قبل الاستصحاب الشمولي لآليات اشتغال البنية الثقافية المغربية، وأمدته بالأسئلة، التي ظلت مرجأة أو لعلها بقيت مطفأة؛ فلما يتيسرْ لغير قليل من الخائضين ملاقاة القصيدة في اشتعالاتها وتحولاتها.
سؤال ثقافة الهوية وارى،عن العيون، أسئلة تختص بهوية الثقافة ومساراتها التي يمكن أن يكون النص الشعري ذا مركزية منها.
ذهب الشعر بعيداً عن المقاربات الافتراضية ليكون المسعى تأريخا واصفا لشكل أدبي.
عدم الفهم كان يمارس فعلا تأويلياً عفوياً بلغة عادية لغياب مبادئ نسق أكبر يؤدي إلى " التأويلية العالمة التي تعيد بناء اللغة "1 من خلال الفهم. هذه المفارقة أسهم؛ في انتشارها, "المسح الطوبوغرافي السياحي" للقصيدة من قبل المنصرفين إليها، فكاد الصنيع النقدي يكتفي بخارجيات النص، وكاد لا يقترب من أفضيته الداخلية إلا لاقتناص شاهد، أو لتقصص معلومة, أو للظفر بما اعتبر من قبيل فنية التعبير، أو بالألوان الفنية للقول الشعري.
إنّ العدول بالفهم ذاته من الانتباه إلى استكناه ماهيته مدين إلى الكتابات النقدية الحداثية أو القريبة من الحداثية، في المغرب، التي أرختْ لقطيعة منهجية مع التلقي الانطباعي للقصيدة، وللأشكال الثقافية بشكل عام, واختارتِ السؤالَ المعْرفيَّ للنص الأدبي حدثاً وسياقاً ونسقاً.
وقد تكون الجامعة المغربية عملتْ على تجذير هذا التحول من خلال برامجها التأطيرية من جهة، وعبر الرسائل والأطاريح التي تقدم للمناقشة من جهات أخرى، والتي أنتجت مداراتٍ ثقافية مختلفة تقرأ بلغة عالمة ما كان يقرأ بلغة حالمة، وتكتب التاريخ استناداً إلى راهنه وليس اتكاءً على كامنه الجمعي في الذاكرة التراثية.
ولعل د. محمد مفتاح أن يكون، وباحثين آخرين، من الذين عملوا على تلوين المساحة النقدية بما يسعفُ في بيان التحول من النقود التأثرية إلى نقد معرفي يقول عنه: "..وهذا ما توخيناه باقتراحنا مفهوما نحتناه من: الثوابت والتاريخ "التواريخ" وبنينا الكتاب على هديه حتى نبدأ نسير نحو مقاربة جديدة لتحليل النصوص ندعوها "النقد المعرفي" على غرار الدلالة المعرفية وعلم النفس المعرفي والأنتربولوجيا المعرفية؛ وسيكون سداه ولحمته مفاهيم مستوحاة من المنطق والرياضيات واللسانيات والسيميائيات والعلوم المعرفية وفلسفة الذهن؛ وهي- كما يدرك حكماء الأمة – علوم هذا العصر"2
هذا النقد المعرفي كان هاجساً تصورياً ومنهجياً، عند محمد مفتاح، منذ كتاباته الأولى التي أسست لمشروعه النقدي الذي ينبني على مبادئ أجملها د. أحمد بوحسن على النحو التالي:
مبدأ الاستمرار المنتظم بإصدار مؤلف كل سنتين تقريباً.
مبدأ الجمع بين الممارسة النظرية والتطبيقية.
مبدأ تناسل ونمو المشروع بخروج مؤلفاته الواحدة من صلب الأخرى.
الفرضية الأساسية للمشروع: الدعوة إلى الجهاد والاتحاد, وهي نواة أطروحته للدكتوراه حول: " الخطاب الصوفي. مقاربة وظيفية "3
الفرضيات الخاصة المتفرعة عن الفرضية الأم.
الانتقاء والترجيح بتشييد البناء النظري لمشروعه وبنقد النظريات المتفاعل معها.
القراءة المضاعفة المراوحة بين الكتابات الغربية والكتابات العربية الإسلامية.
يرى د. أحمد بوحسن أن " أهم أفق فتحه مشروع محمد مفتاح هو قدرة الخطاب العربي على استيعاب مختلف النظريات والمناهج والمفاهيم. ثم قابليته للإفصاح عن نفسه كلما دخلنا إليه بأدوات علمية جديدة وتصور نظري أوسع. والنتائج التي توصل إليها المؤلف أكبر دليل على ذلك. ولهذا فإن رهان المشروع مازال مفتوحاً ما دمنا نؤمن بأن الخطاب العربي الإسلامي مفتوح كغيره من الخطابات الإنسانية على كل مجهود علمي وفكري جاد "4
كانت الأطروحة المركزية لمحمد مفتاح، ناقداً، علامات الدعوة إلى الجهاد والاتحاد في الكتابة الصوفية وفق مقاربة وظيفية تتحرى " طريقاً يتوخى الكشف عن الظاهرة الصوفية، وإيضاح عناصرها، وعلاقات بعضها ببعض ثم صياغة كل ذلك في " نسق " على أنه " نسق " مجتمعي تتعرض بعض عناصره للانخرام، عاجلاً أو آجلاً، إذا ما أحدثت ثورة في البنية التحتية, وأوضح دليل على هذا غياب بعض عناصر" النسق " الأندلسي والمدني بالقياس إلى " النسق " البدوي الذي هو النموذج. ونتيجة هذا أنه قابل الاضمحلال بحذافيره، وقابل للرجوع إلى النموذج الأمثل تبعاً لصيرورة التاريخ ووجهة صانعيه."5
وتبعاً لذلك تبلور السؤال النقدي، عند محمد مفتاح، في البحث عن الأوليات التي حكمت الثقافة المغربية وجْهتها، وعن تفاعل النسق مع محيطه الخارجي، وعن ديناميته التي تكفل حِقبيته.6
دينامية النسق بيان لدينامية الثقافة المغربية وانتظامها؛ " نسق دينامي معقد وغير خطي؛ ومع ذلك فإن خطيته وتعقيده لم يجعلا منه نسقا متسارع النمو متشعبه إلا في أوقات قصيرة .."7.
ولعله كان سؤالاً يهجس بمقدماته، قبلاً، حين يقول : " أما أطروحتنا فنحن نزعم أن الروح الناظم للأدب المغربي هو الدعوة إلى الاتحاد للقيام بالجهاد. ومنهاجيتنا التي نوظفها للبرهنة على الأطروحة منهاجية نسقية اجتماعية معطاة ومبنية.."8؛ وهي الناظرة في " النواة الموجهة للثقافة المغربية بما فيها من علوم شرعية وعقلية وأدبية، والأدبية بما فيها من شعر فصيح بمختلف أغراضه وعامي بتنوع تجلياته؛ والنواة هي: الدعوة على الاتحاد والجهاد ...، " ب " اعتبار الأدب نسقاً فرعياً من نسق مجتمعي عام واعتماد المقايسة لإثبات العلاقة بين الأنساق .."9
النسق الدينامي، في تصور مفتاح، اعتبرناه النسق الأكبر الذي أجرى تحولات أنساق صغرى في الثقافة المغربية, وأجرى ماءً للقصيدة قد يكون ألبسها خصوصيتها أو بعضا منها،
وقد كان للتصوف اليد الطولى في تشييده ـ ونحن نميز, هنا, بين التصوف, تربية وطريقاً وبعض أشكال الطرقية التي راجت، وكانت لها مواقف غير ذات هاجس توحيدي وطني ـ ، وفي ضمان سيرورة الثقافي في المجتمعي، بالحمولة الحضارية للثقافة، وفي سريانه على امتداد تاريخ الأدب المغربي، وعبر الحقب الأربع التي يقترحها محمد مفتاح، والتي تتصل، رمتها، بالاتحاد للجهاد10؛ وليس شرطاً أن نكون متفقين معه فيها. وهذا موضوع آخر.
ذلك النسق الأكبر جامع انطولوجي تتحدر منه أنساق مختلفة تنتظمها علاقة مماثلة تؤذن بالتنامي التاريخي للفعل الثقافي، وتفوض، له، إمرة توجيهية للأشكال التعبيرية ، وتعرب، عنه، من حيث العلاقات التفاعلية القائمة بين عناصره ومكوناته.
هذه الشبكة من التجاذبات الحادثة بين الناقد والثقافة، ثم بينه والإبداع، فبينه والقصيدة، هي التي كانت سؤالنا إذا نحن نتأمل نماذج دراسية اقتربت من القصيدة المغربية دونما عدة منهجية، ومن غير نسق يحدد المفاهيم، فالمفاهيم معالم، وفي غياب رؤية شمولية لماهية تشكل الثقافة المغربية، وبمنأى عن استشفاف حوارية الأنساق واستقلاليتها، وبعيدا عن كون الثقافي ليس رهينا بالسياسي نمواً واطراداً فخبوًا ورماداً.
الرحلة في جغرافية تاريخ السعة النصية للثقافة المغربية خوَّل، لمحمد مفتاح، أن يجعل المسافة التأويلية مؤسسة على نقد معرفي يأخذ " بالمقومات السياقية المستقاة من تفاعل المفاهيم ومساق الخطاب وسياقه ضمن بنية شاملة "11، وأسعفته في تصيير المفاهيم معالم لإبدال قرائي أتى يتلمس العمق الثقافي لبلاغة القصيدة المغربية تحديداً وإن كان لما يرصدْ لها، بعد، مؤلفاً مستقلاً يتناولها؛ علماً أنه، في كتابه " الشعر وتناغم الكون "عاد إلى التصوف نسقاً أكبر، وإلى الشعر أفقاً أقدر على إحداث التناغم، وكأنه يستدرك، على الخطاب الصوفي، ما لم يشتمل عليه؛ وكأنا نحدس أن الهاجس النقدي في كتاباته يتأطر في التناص بين الذات والعالم.
للنسق، عند محمد مفتاح، حد مفهوميٌّ يرى أنه " عبارة عن عناصر مترابطة متفاعلة متمايزة، وتبعاً لهذا فإن كل ظاهرة أو شيء ما يعتبر نسقاً دينامياً، والنسق الدينامي له دينامية داخلية ودينامية خارجية تحصل بتفاعله مع محيطه؛ والدينامية إما خطية أو غير خطية، وغير الخطية إما انعكاسية أو غير انعكاسية؛ على أن نظرية التكرار تؤكد رجوع كل نسق إلى حالة أولية في نهاية أمد طويل، وهذا التكرار هو ما يدعى بالحقبة.. "12.
وكان قد رأى، قبلُ، أنه " ليس هناك تحديد للنسق متفق عليه, فتحديداته تتجاوز العشرين؛ ومع ذلك يمكن أن نستخلص نواة مشتركة من تلك التحديدات. والنواة هي أن النسق مكون من مجموعة من العناصر أو من الأجزاء التي يترابط بعضها ببعض مع وجود مميز أو مميزات بين كل عنصر وآخر. اعتمادا على هذا التحديد يمكن أن نستخلص عدة خصائص للنسق:
أ . كل شيء مكون من عناصر مشتركة ومختلفة فهو نسق.
ب. له بنية داخلية ظاهرية.
ج. حدود مستقرة بعض الاستقرار يتعرف عليها الباحثون.
د . قبوله من المجتمع لأنه يؤدي وظيفة فيه لا يؤديها نسق آخر.
وبناء على هذا الخاصية الأخيرة يمكن أن يستنتج أن هناك أنساقاً فرعية تتولد من نسق عام؛ والأنساق الفرعية تستلزم صفتين اثنتين؛ هما التراتبية والاستقلالية .. "13
ارتأينا عطوفاً على المرجعية النظرية، لمحمد مفتاح، في سوقها للمفاهيم معقولة وللمعالم محمولة على التحديدات، ليتم البيان المائز بين مقاربتين نقديتين عرفتهما القصيدة المغربية، وبين نمطين من انصباب النظر على النص من حيث هو إشكال إبداعي، وليس باعتباره شكلاً تعبيرياً ذيلياً للتاريخ أو معطوفاً على أبجدية التواصل.
قدمنا النمط الأول يتلمس مشروعيته، في الاستماع إلى النص من كونه انعكاساً جمالياً للواقعة الاجتماعية، ولعله كان يؤثر استماعاً إلى ما يفسر به النص من وقائع تعفيه من تفسير الواقعة انطلاقاً من النص.
وأما النمط الثاني من المقاربات فلقد هم به الطرح الإشكالي فاستبقا إلى الإطار لتعيينه، وإلى المدار لتحيينه حتى يتيسر استيعاب النسق المؤطر للنص، وحتى يتسنى استصحاب النص لتفقد الإبدالات التي قد يُسربها إلى النسق، في حمية ديناميته، لتتناسل أنساق أخرى تتحاذى وتتقاصى، عبر تحويلات تفاعلية الواحد المتعدد.
عندما يتدثر الناقد برؤية تصورية ذات برنامج ومنهج محددين، وعندما يسكن المغامرة اللغوية التي يورطه فيها النص مؤازراً بوعي ذي استبصار شمولي ورؤِياوي، وكلما تلفت، حواليه، ليقرأ تاريخ مختلف الأشكال الثقافية، ومؤتلف الأنواع الأدبية، كان الصدور إلى النص باقتدار فاعل يكون كتابة إبداعية ثانية.
أو ليس النقد كلاماً على كلام ؟
الهـوامش
1. رينرروكاتز: تحولات التأويلية. ص47. ترجمة: فريق الترجمة في مركز الإنماء القومي
مجلة العرب والفكر العالمي. العدد التاسع. شتاء 1990
2. محمد مفتاح : مشكاة المفاهيم. النقد العربي والمثاقفة. ص278
المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء- بيروت 2000. ط1
3. محمد مفتاح : الخطاب الصوفي. مقاربة وظيفية.
دار الرشاد الحديثة. الدار البيضاء. 1997. ط1
4.أحمد بوحسن: المشروع النقدي لمحمد مفتاح. ص 121- 132
مجلة فكر ونقد. العدد20. يونيو 1999. المغرب.
5. محمد مفتاح : الخطاب الصوفي .. ص 6. م س
6. محمد مفتاح : المفاهيم معالم. نحو تأويل واقعي. ص 137
المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء- بيروت 1999. ط1
7. نفس المرجع. ص 136
8. محمد مفتاح : التشابه والاختلاف. نحو منهاجية شمولية ص 163.
المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء- بيروت 1996. ط1
9. نفس المرجع. ص 158
10. نفسه. ص 163
11. محمد مفتاح : مجهول البيان. ص9
دار توبقال للنشر. الدار البيضاء 1990. ط1
12. محمد مفتاح : المفاهيم معالم .. ص 135. م س
13. محمد مفتاح : التشابه والاختلاف.. ص 158ـ 159
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رضا محافظي
- الزيارات: 9
مصداقية المؤرخ و مهنية الصحفي
رضا محافظي
محمد حربي مؤرخ معروف له العديد من الكتابات والبحوث حول تاريخ الجزائر وتاريخ ثورتها ضد الوجود الفرنسي. و كثيراً ما أثارت كتاباته و آراؤه جدلاً و أخذاً و رداً من طرف المتابعين والمختصين لما جاءت به من أحكام جديدة ومن توجهات غير متوفرة في غيرها من الكتابات والأبحاث . في محاضرة له في المركز الوطني في الانثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية بمدينة وهران الجزائرية بداية شهر فيفري (فبراير, شباط) 2006 م، ذكر الأستاذ حربي ( حسب ما نقلته جريدة الخبر اليومية بالجزائر في عددها الصادر بتاريخ 06 فيفري 2006 م ) أن كتابة تاريخ الجزائر ليس أمراً سهلاً لأن الأحداث التاريخية بها مليئة بالعديد من الفاعلين ولأن كل طرف فاعل يريد أن يقدم نظرته الخاصة للأحدا . كما ذكر السيد حربي – حسب نفس المصدر - أن الكثير من الشخصيات والقوى الفاعلة في تلك الاحداث تجعل نفسها في موقع المقدم للدروس عن التاريخ حفاظاً على شرعيتها وأنها خلطت بين كتابة التاريخ من أجل البلاد وبين كتابة التاريخ من أجل نفسها .
عادت الى ذاكرتي هذه الكلمات وأنا أطالع في العدد الأول والثاني من صحيفة " المحقق " الجزائرية الصادرين خلال شهر مارس 2006 م أشياء جديدة تتعلق بماضي الرئيس الجزائري الأسبق السيد الشاذلي بن جديد الذي حكم البلاد من 1979م الى 1991م. في العدد الأول من الصحيفة صرح الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد أنه لم يكن أبداً ضابطاً في الجيش الفرنسي وأن والده (الهادي) لم يكن "قايد"، أي موظفاً مدنياً سامياً وسيطاً بين الادارة المستعمرة والأهالي كما كانوا يسمون آنذاك. وقد ذكر في سياق الدفاع عن تاريخه وتاريخ أسرته أن محمد حربي ذاته، الذي كان من الذين روجوا لتلك المعلومة في كتاباتهم، يعرف الحقيقة على اعتبار أنه كان متربصاً في نفس المصنع الذي عين فيه الشاذلي بن جديد مراقباً. في موقف كهذا، من الطبيعي جداً ومن المتوقع أن يخرج السيد حربي وأمثاله من المؤرخين الذين ضمنوا كتاباتهم نفس الشيء حول تاريح الشاذلي بن جديد وتاريخ عائلته، لينبروا بالدفاع عن آرائهم و يقدموا ما لديهم من حجج ودلائل مادية إن كانوا متأكدين مما كتبوا ونشروا. لكن على العكس منذ لك تفاجأنا بأن نطالع في العدد الثاني من نفس الصحيفة أن السيد محمد حربي يعترف أنه نقل المعلومة عن المؤرخ الفرنسي جلبير مونيي وأنه سمعها من الرئيس الأسبق للجزائر السيد أحمد بن بلة. هذا كل ما في الأمر. ليس هناك شيء آخر للاضافة من طرف السيد حربي. لو تعلق الأمر بحادثة تخص الرئيس الشادلي كان الرئيس بن بلة - أو غيره - شاهداً عليها لجاز بطبيعة الحال أخذ شهادته بعين الاعتبار بتحفظ وفي حدود معايير معروفة. لكن أن يتعلق الأمر بشيء يمكن – و يجب – اثباته بوثائق مكتوبة متاكد من صحتها مثلما هو في قضية الحال فإن الأمر يختلف وتصبح له انعكاسات سلبية أكيدة على كل من روج له وعلى مصداقية الكتابة حول تاريخ الجزائر .
نفس الشيء حدث مع المؤرخ الفرنسي بن يامين سطورا المعروف الذي بمجرد نشر الحوار الصحفي مع الرئيس الشادلي بن جديد سارع الى الاعتذار – حسب ما أورده العدد الثاني من صحيفة المحقق دائماً – متعهداً أنه لن يذكر مستقبلاً في مؤلفاته وأبحاثه التاريخية أن بن جديد كان ضابط صف في الجيش الفرنسي. وقد تبع السيدين حربي وستورا في هذا البعض ممن يعمل في الصحافة ممن نقلوا نفس المعلومة في كتاباتهم المختلفة منذ زمن، فقدموا الاعتذارات ولاموا غيرهم لكونهم نقلوا عنهم نفس المعلومة الخاطئة. ولو رحنا نسأل الكتاب الذين كتبوا حول هذا الأمر واحداً واحداً لوجدنا أنفسنا أمام قافلة من الكتاب الذين يلقي كل واحد فيهم اللائمة على غيره ويقول إنه استقى المعلومة من عنده، في محاولة لتبرئة نفسه وتبييض خطئه المفضو. ونفس الشيء بالنسبة للصحفيين والاعلاميين الذين يهرولون وراء كل قيل وقال جرياً وراء السبق الصحفي دون تحر للحقيقة من منابعها الصافية ودون تدقيق للمعلومة قبل نشرها .
ليس هذا المقال دفاعاً عن الرئيس الشاذلي بن جديد وعن تاريخه وتاريخ عائلته، فلذلك منابر أخرى، أفضلها مخابر البحث التاريخي العلمية، ولذلك أيضاً رجال هم أهل اختصاص وخبرة. لكنني أريد هنا أن أركز على العبث الذي يعامل به تاريخ هذه الأمة وتاريخ رجالاتها والطريقة الممقوتة في تحليل الاحداث والحكم على الناس. إذا كان تعامل محمد حربي وبن يامين سطورا مع تاريخ الرئيس الشاذلي بن جديد بتلك البساطة الغريبة التي تتنافى مع أبسط قواعد البحث العلمي الجامعي ناهيك عن البحث التاريخي المتخصص، وإذا كان تراجعهم عما كتباه وقالاه بتلك البساطة مباشرة بعد نشر الحوار الصحفي مع السيد الرئيس، فأي قيمة علمية تبقى لأبحاثهما حول هذا الأمر بالذات وحول غيره من الأمور. لا بد وأن ظلال الشك ستلقى على جوانب كل ما نشر للرجلين ولأمثالهما.
والقضية هنا لا تتعلق بهما كشخصين بطبيعة الحال وإنما كمثالين ساقهما القدر وسط الأحداث فقط ونفس الشيء يطبق على غيرهما من المؤرخين والصحفيين والباحثين والاعلاميين .
يأتي الحديث عن تاريخ الرئيس الجزائري وعن تاريخ عائلته وعلاقة ذلك مع فرنسا الاستعمارية في سياق أحداث كثيرة وتصريحات عديدة لمسؤولين فرنسيين على أعلى المستويات يمجدون فيها جرائمهم في الجزائر وفي غير الجزائر ويضمنون ذلك في قانون حدث حوله جدل كبير ولا يزال مدعاة احتجاجات رسمية وغير رسمية لدى الكثير من الأقطار التي عانت ويلات الاستعمار الفرنسي. مجهودات كثيرة تبذل في فرنسا من أجل دخول التاريخ الإنساني من بابه الطاهر ملبسة جلاديها ألبسة بيضاء تخفي أجساداً لا يزال التاريخ الصحيح يحفظ لها همجيتها. ما من شك أنه ينبغي لهذه الأمة – إن كانت صادقة مع نفسها ووفية لإرثها - أن تعيد النظر في كتابة تاريخها (بحثاً علمياً وإعلاماً يوماً) وأن تسند ذلك لرجال و نساء أكفاء متقدي العقول طهر النفوس، همهم ذكر الحقيقة صافية وبسط تاريخ الأمة لأبناء الأمة بتفاصيله الدقيقة المتيقن من صحتها حتى تتمكن الاستفادة منها والاستعانة بها على استيعاب الدروس الحضارية والنهوض من كبوة طال أمدها.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: مها ممدوح
- الزيارات: 8
كما تدين تُدان
مها ممدوح
كنت قد قررت أن أسير ورائهم لأعرف فيما يتحدثون ولولا أننى وجدت أن هذا انتهاك لحرمه الغير لفعلت
وظللت أفكر أيتحدثون فى الحب ولكن أى حب لأطفال لم يتخطوا حاجز الثانيه عشر بعد 00000مهلاً أنا لم أقل عما أتحدث000 المعذره00 أنا أتحدث عن ظاهره أخذت تتفاقم من دون أن يتصدى لها أحد, عن الأطفال الذين يهربون من مدارسهم لمقابلات غراميه خارج المدرسه وبالطبع هذا شئ مستفذ أليس كذلك؟
المهم أننى لم أستطع أن أسير ورائهم ولم أستطع أن أقتنع أنهم يتحدثون عن الحب أو الزواج أو ما شابه لأنهم لا يزالون أطفالاً000لكم أن تتخيلوا ما يمكن أن يحدث من جراء هذا 000الكثير أليس كذلك؟
ودعك من ما يمكن حدوثه أو حتى من ما يحدث فهناك ما أراه اكبر من هذا فأنا فى الفقره السابقه لم أكن أتحدث سوى عن أطفال لم يعوا حتى أن ما يفعلونه يعد خيانه للأهل وللدين00 ولكن ما رأيك بالذين يفعلون هذا وأهاليهم يعلمون بل وأمهاتهم تشجعهم, متصورات أنهن هكذا سوف يجعلون بناتهن يتزوجن مبكراً... يا الله ألهذه الدرجه رخصت الفتيات أبهذه الطريقه يكون الزواج؟
وأترك هؤلاء أيضاً 000 إنتظر لا تتركهم إنتقل بهم إلى المرحله الثانويه00مرحله المراهقه00 إن كانوا فى الاعداديه يفعلون هذا معتقدين أنه الحب فهم فى ثانوى مدركين تماماً أنه محض تسليه ولا مجال للحب, يفعلون هذا لكى يكتسبوا الخبره, مدعيين أنهم بهذا سيستطيعون الاختيار عندما يأتى الدور عليهم ليحبون0000 وبالطبع لن أصف لكم شعور الشاب وهو يغير الفتاه كل يوم أمام أصدقائه0000 كلامهم يلف الحبل حول عنق الآخر دون أن يشعر أنه هو الآخر حول رقبته حبل.
بالله عليكم أهؤلاء مدركون لما وصل إليه حال الاسلام؟0000لا بل نقل أهؤلاء مدركون ما هو الاسلام؟0000 أيعلمون أنه سيأتى يوم يرى أخته هكذا أو ابنته أو زوجته00000أتسمعون عن رجل خانته زوجته أو تركته وهربت مع غيره؟ أتعتقدون أنها صدفه لا بل راجعوا تاريخه تدركون أنه دمر سمعة الكثير من الفتيات0000اعلموا أنه كما تدين تدان ولو بعد حين وأن ما تفعله سيرد لك سواء خيراً أو شراً......... ولا تعطى لأي فتاه فرصه للخطأ وتقول كان الاستعداد لديها فهى بدونك لن تخطئ000 وابدء بفسك لتنجوا بدينك
- التفاصيل
- كتب بواسطة: مصطفى غلمان
- الزيارات: 7
التجاوز والتجاور في ديواني
"سلام عليكم أيها النائمون" و"طعم لأسماك طائرة"
للشاعر المغربي رشيد منسوم
مصطفى غلمان*
الخروج وحيداً إلى صخرة الشعر، دون احتراق بلذة منتهاه، متوثباً على ظهر حانة بتراء، تقضم ما تبقى من حجارة السجيل، هو أمر في غاية الغرابة. بل إنه يدبر الحاجة الملحة إلى متاهة انحرافية، تجعل من خطيئة الشعر دوراً تحت كل الأدوار المرسومة. أي تحت سلم التراتب بين ما يكون مركزياً وما سيكون هامشياً، ليتحلل المركزي في الهامشي، ويتداول الهامشي ملاذ مركزه في أنثاه اللقيطة.
شيء يصعب انتقاله من مجرد دائرة تفرغ حمولاتها، في حياة عاجزة عن إحداث التقاطع والقطيعة. بل الأدهى والأمر، أن يحدث الوجود الشعري ذاته تحت الحجز المتواطئ أو في النهار اليقظ، حيث كل شيء واضح، لا غبار عليه.ذلك كله ليس لبساً، وليس بعيداً عن حالات تلبس الشاعر رشيد منسوم. فهو وحيد صخرته الشعرية وصعلوكها المتأرجح بين الإمساك اليقظ والذهول المتيقظ.
جاءنا في الزمن النوعي، في النفي الذي يعقم فراغ المعنى من طبيعته الشعرية. من الحد الراكد، خلف استيهام الذات، ذاتا موضوعية لا تقليدانية، تمارس صوتها الزمني في النموذج المؤسس لعلاقات الحس باللون، والصوت بالخط، والإيقاع بالخيال، والتجاوز بمنطق الرؤية، والتذوق بالصورة، والمعنى بحالة التجربة. تعقب الشاعر منسوم ظله على عتبات الفوضى التي أحدثتها رموز مجسه المنحنية، تحت إبهام نظام دلالي يرتوي من كونية ذات معالم إنسانية وتاريخية مركبة، يلزمنا لتفكيكها وتحريكها الغوص بعيدا في أعماق أنتروبولوجيا تستعيد أساطيرها الفردية من فتنتين شعريتين دوختا صمتاً فظيعاً، ظل جاثماً على فردة مشيه لوئيد، متلبداً بما يمكن من تصريف أفعال الملاحقة، حيث كائنات انطوائية، تقبض على ما تبقى من عشب احترابي.
سلام عليكم أيها النائمون:
التجاور وبناء الدوال منذ البداية، يطوقنا الشاعر رشيد منسوم بمجموعة علامات ورموز سحرية في ديوانه"سلام عليكم أيها النائمون"، اللون الأسود يغطي مساحة الغلاف. دائرة تتقاطع فيها البوصلات الحيوانية والأشياء المستهامة، وكتابة أليمة بالأحمر، ثم عنوان المجموع الشعرية، الذي يحقق في العمق طفرة الارتهان الجمالي والتحفيزي. كأنما يحشد زوبعة تفجر فجائي ليعيد ترتيب الجسد الشعري المتكاسل. مهما يكن فالعلامة الأكثر بروزاً ضمن المدخل المنسومي للشعر الخطيئة ـ اقترافه لجنحة الشعر بعد إطلالة سياتل زعيم دواميش منخطفة، دقق من خلالها بعض مفاهيمه في الوجود الافتراضي للشاعر وكائنية التجريب الشعري والقطف المتاخم لخيال الكتابة والدليل الإستيتيكي للكائن الشعري، والشاعر حينما يسأل وصراخ الشعراء داخل الفوضى الأليفة.
من ثمة كان الشاعر منسوم في مظهره الخارجي معبأ لاكتساح أكبر قدر ممكن من الدلالات، عبر نسقية متصاعدة، توخى فيها الرفع من إيقاع التجاور والوحدة، وهو ما كرس لديه شعرية نابضة بالحياة والتأمل. يقول الناقد كمال أبو ديب:" إن الشعرية جوهريا لاخصيصة تجانس وانسجام وتشابه وتقارب، بل نقيض ذلك كله. اللاتجانس واللاانسجام واللاتشابه واللاتقارب، لأن الأطراف السابقة تعني الحركة ضمن العادي المتجانس، المألوف، أما الأطراف الأخرى فتعني نقيض ذلك، أي الشعرية"
ففي قصيدة "قلت لنفسي" مثلا تلوين شعري متناسق، يتخذ من ذات الشاعر بؤرة لتجريد الماهيات من إفرازات التحميل الدلالي، حيث سلطة النص تتكاثف لإبراز معنى التجاور لمجموعة تيمات فلسفية، كالوجود والموت والغربة والشك واليقين والنكران والحزن والضياع والفرح والشقاء، تمتح الشعرية في لا تجانسها ولا انسجامه ولا تشابهها ولا تقاربها، من صوت الحياة وبديلها، تلك المفارقات التي تسبغ وهم الحقيقة بقشور المتانة، ونياط الواقع بفسحة التدوير، حيث تشتغل ـ ربما ـ هذه النسبية المتعالية داخل المجال المعرفي لوحدات نصية لا تستنفد قوتها إلا في إطار لغوي يؤول ولا يعدل، ويمثل ولا يمتثل، يقول الشاعر منسوم:ربما / هم أعداء لي/ قدموا من بحر الشمال/ تنصلوا من ملامحهم/ وتقمصوا صوري/ جاءوا يحملون إلي صور الغيب/ أتأمل الجثث وهي تحدق بي/ قبل أن تمر/ تقلد بسحري/ ابتساماتي/ وحماقاتي/ وتقاسيم وجهي/ كأنما هناك شيء متشابه بيننا....(ص"27-28-من الديوان").
وهو بهذا المعنى يواجه حالات تربص لامحسوم، حول ما يسميه "إيخنباوم" تشكيلاً رؤيوياً غرائبياً، يعقد الصلة المتوترة والجدلية والمعقدة في آن واحد، بين الإدراك والتنافر.
إدراك المعنى، حيث ينبغي للدلالة النصية أن تفضي إلى شيء مدرك ومحسوس، أو مفهوم على الأقل. وتنافر المعنى، حيث حاجز آخر يقاوم الدلالة، وهو ما يترجمه رولان بارت في قوله:"لا يقينية للمعنى حتى مع افتراض وجوده"، يقول منسوم في قصيدة أخرى تحت عنوان"لا أرى": لا أرى برابرة في سفن الشمال يحملون صورتي/ فلماذا عاد الموتى يقفزون من صورهم إلى البحيرات البعيدة؟/ لماذا هاجر البحر نخيل الأنبياء؟/ لنعد إلى صلاة العناكب/ إلى توت القصيدة/ وإلى التماثيل القديمة/ عنقاء واحدة تكفي/ كي نستعيد هواية النفخ/ في لصور القديمة/ كي نصنع للحصى قميصه الأخير/ قلب الفراشة أكبر من فكرة الأرض/ فلماذا نغير من خطانا في اتجاه البئر/ حيث سقطت تفاحة العميان/ حيث غزلوا صوف أحلامنا..."ص:53-54 من الديوان"، وفي كل هذه الأبعاد يستمد الشاعر منسوم نواة تمخضه الدلالي، حيث يستحضر النص لديه وظيفته الشعورية، من تلك التشكيلة الرامزة من المعادلات الذهنية والفلسفية المجردة، والتي تبني عوالم الشاعر منسوم الخاصة، مرتبة في حجر تليق بكاندينسكي حديث ومتحرر من كل قاذورات العصر التقليداني أو الخرافي.
نعم، لا بد من الاعتراف بملكة شعرية مغايرة، تنهل من مرجعيات عديدة ومتعددة، أثرت في وجدان الشاعر رشيد منسوم، وجعلته قادراً على خط طريق جديد، فيه رائحة محمود درويش، كما أمل دنقل، والمجاطي كما نير وداً، وبود لير كما صلاح عبد الصبور. وفيه من الثقافة ما يؤهله لإضافة متحينة للإبحار بعيداً في بهاء القصيد.
انظروا إلى قصيدته"صورتي شاعرا وصورتي قاتلاً" و قصيدة " لا تقرأ شعرا أمام الموتى" ففيهما ما يكفيانه لاجتراح صيرورة شعرية ذات دينامية متجددة. وأحسب أنه فيهما ينقل ببراعة لافتة حدود الشعر حينما يكون عاطلاً عن مزاولة مهمته الجسيمة، أو مغرداً في مزبلة الانهيار، وهو يواري سوأة نضوبه التأثيري، وتقلص قابليته وانكبابه على الركون في مآوي الضمور. ثم هو يوصي بعد كل ذلك بمحاولة الانفعال داخل الحجم الحقيقي للعوالم اللامرئية، حيث ثمة وجوه معتوهة لا تتأمل روابط الحياة ولا تتنفس متاعبها. وثمة أيضا ما لايتحقق أو يحقق جوهر الشعر، وهو يؤول الأشياء وينتهي حيث لا تنتهي سكرات الأموات، يقول الشاعر: "أيها الموتى/ اضغطوا على الزر/ فليس في قصائدي ما تحبون/ ليس هناك نخل لتورثوه أسمالكم الضيقة/ ليس هناك بئر لترمون فيه هواءكم الأخير/ وليس هناك نار لتخرجوا منها إلى ريح تضيق بكم"(ص: 51-52 من الديوان).
ثم إن هناك طعم آخر للذين يودون الحديث بلغات الأسماك، حيث أصداف البحر تهرب لزرقة تحت لحاف الهدير...
طعم لأسماك طائرة: التجاوز واستباق القطيعة كأني برشيد منسوم في ديوانه الأخير"طعم لأسماك طائرة" يعيد ترتيب أوراقه من جديد. فالإضاءات الشبقية التي أذهلتنا بالسلام والتسليم، لم تعد قادرة على لمس أفواهنا المشدوهة. تراجع القيظ الشعري برهة ليناشد حيوات الأعماق بدلافينها اللغوية النثيرة ذات المنحنيات الدافقة المتهدجة، وقروشها الضخمة التي تمضغ بصائرنا ونحن نهم بالاقتراب تواً إلى رأسها الكبير وفمها الشاهق الضخم. وتداعت المنحنيات التي تأخذنا في عز الظهيرة إلى مساحات مريبة غافية، حيث يستعر التأويل بحدة لم يسبق إليها. وهو فعلا تورط جميل، لكنه غير قابل للمراجعة والتراجع: " لأكتب إذن/ لأكتب شعرا يغتال غموضه/ لأكتب شعراً يولد من ظمأ السنبلات/ يولد من يتم دودة الأرض/ يولد من جدول الغزال ب"مشغن"/ فهل تذكرينه؟/ لأكتب شعراً يتدلى ببذخ من كأس العمر/ سرعان ما يتلاشى/ على مرآة الهواء/ علني/ أظفر بسحابة/ تستحق تلك العصافير/ التي تشرب من عينيك سماء العشق/ ولم ترع الجوار...(ص: 36 من الديوان).هل هو توارد الخواطر، أم غليون من تصبيب البين يتمرأى في أغشية لا تروم شيئاً غير اجتثاث أفكار لا معلنة؟
وها هو الشاعر منسوم يجيب عن ذلك بدهاء لا يخلو من شاعرية:"هذا أنا/ أنا المتورط في خديعة انكسار/ زجاجة العالم/ أنا المتورط في خديعة الهيجان/ إلى حد الشعر/ ما جال في خاطري يوماً/ أنا أختطف فراشات المعنى/ من فوق الشاشة/ ولا أن أغرز أزميلاً في سنام ثور نيتشه/ تسونامي/ ليست دوماً حكراً على الطبيعة/ أنا الهالك أيضاً/ في فضيحة موجة النص اللامتناهي/ حين يرتقي البحر/ سلم الخسارات/ ليخنق حمائم الأوراق البيضاء...ص:40-41 من الديوان.
ولعله التجاوز الذي الذي يفضي إلى قطع هاجس المقاييس وجعلها رفضاً مفارقاً لطبيعة الكتابة، بصرف النظر عن مغايرتها ومفارقتها للمنحى العام الذي تذهب في اتجاهه القصيدة المنسومية. يقول أدونيس:"كل إبداع يتضمن نقداً للماضي الذي تجاوزناه، والحاضر الذي نغيره. وكل إبداع تجاوز وتغيير" وهو مسوغ معقول لادعاء تنامي لغة التجاوز في قصيدة الشاعر منسوم، خصوصاً مع تنامي انفلات المعنى في قصيدة "يد لاتكتب شيئاً" وقصيدة "كأني أمسح سحاباً عن ظهر الريح".
والتجاوز ليس معناه الاستحالة أو حتى التساهل في الاختيار والتبرير. بل هو تجنيس معياري لمفهوم الكتابة الشعرية. ولست أدري ما إن كان ذلك يطعم اتجاه الحداثة عبر خطها العبثي لتقبيل يد الأرض، عبر تلاقح لغة الشعر الخالصة بالمفردات التقريرية؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون حالة تلبس بوهيمي سرعان ما ينزاح، بعد استراحة الأسماك الطائرة؟
لامجال للافتراض، فالشاعر رشيد منسوم يتساءل في قصيدة "أنا لا أشبهك يا أيوب" قائلا: هل تكفيك قصيدة/ تشرب من خضرة عينيك حليب الخواء؟ هل يكفيك كثيب من الوهم/ ظل يكبر فوق كف الرياح؟/ كل الذين أحبهم/ غافلوا فاكهة الفصول/ ورحلوا/ على وهن."ص: 58- 59 من الديوان.
ولكنه بعد هذا الانكسار يستجمع قواه ويقول غاضباً وعاصفاً:
تبا لك ياحصان يدي الجريح
من الوريد إلى الورق
متسائلا، كيف أوقعت بك الأنثى في هذا المصيد؟
ولمن سأنشد اعتذارك الجميل؟
أللأشجار غابات القصيد
أم لشلالات مانهاتن
أم للقادمين من السحاب؟ (ص: 41-42 من الديوان).
ربما هو التجاوز المطلق الذي راهن على أكثر من جواب لحصر بنية شعرية يلهب أفقها النصي ذلك التجلي الغامر الذي يبعث في الصوت تهيجا دراماتيكيا حادا وإثارة حالمة، تريد وتبغي مأسسة منظور آخر لشعر لا يسلم ، بل يسالم دون اصطياد مناطق أخرى من عوالم لا مرئية.
* شاعر وصحفي من مراكش
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رهف محمد
- الزيارات: 8
الشعر وحلم تغيير العالم
رهف محمد
اقترن الإبداع الشعري طوال التاريخ الإنسانى بالحلم بالتغيير ولم يحقق أي عمل الدهشة واستثارة الخيال إلا بالأتكاء على كل ماهو مختلف ومتميز في الأفكار والطرح والذي يقدم رؤية مختلفة تحرك الأذهان وتدفعها للخلق. ولكن السؤال هو لماذا أرتبط التمرد الشعري بالنهايات المفجعة ؟
فمنذ الحركة الرومانسية التي اقترنت بالثورة على الكلاسيكية والتاريخ الشعري يشهد سقوط الشعراء صرعى لثوراتهم وتمردهم ورغبتهم في تغيير العالم نحو العدل والخير الإنسانى.
"كان بايرون من مشاهير الرومانسية وكان يقول بأن في نفسه شهوة لإصلاح العالم " ولكن حيويته المتفجرة وتمرده العارم لم يصلح العالم وإنما أطفأت روحه المنهكة.
أما"آرثر رامبو"رائد الشعراء الرمزيين انتهي إلى حافة المرض وعاش وحيداً بعد أن قطعت ساقه في مجاهل أفريقيا ومات بعدها بفترة.
وأما الشاعر لوترمايون "فلقد صب كل لعنانه وأشواكه على العالم من خلال ديوانه "أناشيد مالدورو" الذى كتبه في سن الثالثة والعشرون وتوفى دون أن يراه مطبوعاً.
"لوثرمايون"لم يحلم بتغيير العالم وإنما لعن كل القبح الذى فيه وبصق في وجهه بدون خوف وبشجاعة ثم رحل بهدوء.
وتجسدت ذروة الحلم بالتغيير عند الحركة السريالية التي اعتقدت بقدرتها على تغيير العالم من خلال الفن المافوق الواقعي الذي أستلهم الحلم وعالم اللاوعى فالسريالية هي التلقائية النفسية الخالصة التي يعبر بواسطتها سواء شفاهة أو كتابة . ولكن السريالية أيضاً لم تستمر وأنتهت كحركة ابداعية وأن استمرت ظلالها تستقى حتى الآن في جميع أنحاء العالم
أن سلالة الشعراء الحالمين بتغيير العالم وجعله أكثر جمالاً وأكثر عدلاً لم تعد كما كانت فما نقرأءه من شعر الاعتراف والتفاصيل الحياتية هو رثاء لذلك الحلم الكبير لتلك السلالة من الشعراء الكبار الذين مثلو جانباً نقدياً لمجتمعاتهم المختفية خلف الرتوش والأقنعة ولكنهم أيضاً دفعوا ثمن حلمهم بتغيير العالم ذلك الحلم الأزلي للشعراء الذي لم يعد يحمل سوى معنى طوباوياً.
فكيف للشعر أن يحلم بتغيير العالم إلى عالم أكثر تقارباً وفهماً وإنسانية وعدلاً في زمن الإعلام المعولم للأفكار وللتاريخ وللحضارات ؟
فهل أستنفذ التاريخ الشعري كل الأحلام التي انتهت إلى الانكسار والخيبات وغربت الأحلام الكبيرة ولم يعد ثمة من حلم سوى مصالحة عالم تجاوز قبحه خيال كل الشعراء ، وهل كانت فكرة الشعراء في تغيير العالم إلى عالم أكثر عدلاً وإنسانية ومحبة فكرة حالمة رومانسية وأكبر من أن يحمل رايتها الشعر؟ مجرد أسئلة قد تلوح فى ذهن أي عاشق ومحب لعالم الشعر الإنسانى الجميل وأى متتبع شغوف بالقراءات الشعرية منذ بداية التاريخ الشعري القديم إلى عصرنا الحالي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد دعدوش
- الزيارات: 7
من الذي لا يدري؟
أحمد دعدوش
في مقاله الأخير، يطرح الكاتب الكويتي خليل علي حيدر في مجلة العربي الكويتية (العدد 559 الصادر في يونيو 2005) أحد جوانب النقص في العقلية العربية، والذي لا يتبدى إلا بالمقارنة مع الغرب، عندما يستهل المقال بالحديث عن "فضائل الغربيين، وبخاصة الأمريكان" مادحا فضيلتهم في التواضع والإقرار بالجهل، حيث تكاد تكون عبارة "لا أدري" شائعة جدا في المجتمع الأمريكي حتى بين أهل الاختصاص، في الوقت الذي لا نتردد فيه "نحن أهل ثقافة الحفظ والارتجال وإفحام المجادل بأي ثمن" بالخوض في الحديث اعتمادا على مبدأ "قيل هذا وقيل غيره" و"من أخطأ فله أجر ومن أصاب فله أجران".
كما يأخذ الكاتب على رجال الفقه والفتوى الذين يستقبلون الأسئلة على شاشة التلفاز، ولا يترددون في الإجابة عن أي سؤال يرِد دون أن يتفوه أحدهم يوما بالاعتذار قائلا "لا أدري"، أو"أمهلوني لأراجع كتب الفقه" مثلا. والأمر نفسه ينطبق على المثقفين والساسة والفنانين الذين يستعرضون قدراتهم الحوارية في الإجابة عن أي سؤال يطرح عليهم في المقابلات التلفيزيونية، وحتى لو خرج ذلك عن مجال اختصاصهم.
أظن شخصيا أن الكاتب لم يجانب الصواب في نقد عقليتنا العربية المعاصرة، والتي تنزع إلى المكابرة وادعاء المعرفة في كل شيء، إذ نادرا ما نجد أحدا مهما قل نصيبه من المعرفة يعترف بخطئه، أو يضع لنفسه حدودا لا يتخطاها في حواره، وهذا السلوك يفصح عن نفسه في الكثير من مجالسنا التي يخوض أصحابها في كل شيء، لتنتهي غالبا بالخصومات والمشاحنات التي لا تصدر إلا عن ضيق في الصدر، وضحالة في المعرفة، وعجزا عن تقبل الآخر أياً كان رأيه.
إلا أن العجيب في مقال الكاتب، هو استشهاده بمقطع من كتاب (قضايا الفكر) للكاتب وديع فلسطين الصادر عام 1959، والذي يقارن فيه بين كاتب الأمس وكاتب اليوم، إذ يرى أن عصر السرعة قد أثر على عقلية الكتّاب مما أدى بهم إلى التعجل في الكتابة والنشر لعرض أفكارهم غير الناضجة على القراء، حتى غلب على الكاتب الحديث طابع الادعاء العريض وادعاء المعرفة بكل شيء. ثم يتسرع كاتب المقال على الفور في البحث عن مصدر تاريخي لهذه الظاهرة، ليجد في شعر التفاخر الذي كان ذائعا في التاريخ العربي الإسلامي مبررا لتأصيل الثقافة الاستعلائية ذات الأفق الضيق في العقل العربي منذ تشكله في جذور التاريخ. وقد كان من الأحرى به عدم التسرع في الاستشهاد بالتاريخ كي لا يقع في فخ النقد الذي أعده لغيره من الكتاب المتسرعين في الفقرة السابقة، إذ من غير المنطقي أن يستشهد برأي الكاتب وديع فلسطين الذي يرى أن ادعاء المعرفة بكل شيء أحد سمات الكاتب الحديث، ثم يثبت أن هذه الثقافة الاستعلائية كانت شائعة منذ عصر الجاهلية الأولى!
كما أن استشهاد الكاتب بالحوار الذي شاهده على إحدى الفضائيات بين مجموعتين من الطلبة الخليجيين والأمريكان، لا يمكن أن يفي بالغرض. إذ يدعي أن الطلاب الخليجيين لم يترددوا في "ترديد الاتهامات التي يسمعونها في أجهزة الإعلام وأشرطة الإسلاميين ومانشيتات الصحف حول أهداف السياسة الأمريكية والنفط والمؤامرة الدولية واحتلال المنطقة" ثم يطلق حكمه المؤكد: "بالطبع لم يطالع هؤلاء الطلبة على الأرجح أي كتاب في هذه المواضيع خارج إطار الكتاب المقرر وبرامج التلفيزيون الإخبارية".
وعجبي هنا لا يقتصر على اقتران كلمتي (بالطبع) و(على الأرجح) في حكم واحد، فهو يؤكد في البداية ثم يرجح فيما بعد. بل الأعجب من ذلك إعجابه الشديد بحصر الأمريكان أنفسهم في حدود ما يعرفون ويدرسون ويدركون، في مقابل نقده لخوض الخليجيين في ما لا يحسنون - في رأيه-.
وأتساءل هنا عن معرفة الكاتب بطبيعة مصادر المعلومات التي يستقي منها هؤلاء الأمريكان معرفتهم بما يجري في العالم الواقع خلف أسوار أمريكا، وبما يدبره قادتهم من سياسات السيطرة على العالم، وبما يعدّون من احتلال ثقافي للعقول التي تتلذذ بتبجيل العدو. مما يجعل من قصرهم الحديث على حدود معرفتهم ناشئا عن جهلهم وليس تواضعا، فالفضيلة هنا إن وجدت فإنها لا تزيد على اعترافهم بالجهل، وهو عذر أقبح من ذنب.
أما الموقف الذي ينتقد فيه الطلبة الخليجيين فليس نابعا في رأيي من ادعائهم المعرفة في كل شيء، بل هو نتيجة لنقدهم الجريء لسياسة الاحتلال الأمريكي الوقحة والمطبقة على بلادهم وثقافتهم، وليت شعري ما الذي ينتقده الكاتب في "برامج التلفيزيون الإخبارية" التي لا يرى فيها مصدرا جيدا للمعلومات، فهل هناك ما هو أصدق من الأخبار المصورة التي تنقل لنا كل يوم مشاهد الدمار الذي يحل بأرض هؤلاء الطلبة؟ وهل يحتاج أي عربي أو مسلم يعتز بعقله وحريته واستقلال فكره إلى الاستماع إلى "أشرطة الإسلاميين" كي يتعرف على عدوه الذي لم يخجل من التعريف بنفسه؟
أغلب الظن أن المشكلة ليست مقصورة على ثقافتنا الاستعلائية، ولا على حميتنا الجاهلية، بل في عقدة النقص والاستلاب التي تنهب عقول هذه الجماعة من الكتاب والمثقفين، فبأي منطق يبرر الكاتب استشهاده بشعر الكميت وكعب بن زهير في المفاخرة للتأكيد على تأصل هذه الثقافة في مجتمعنا؟ وأين هو من الإسلام الذي زرع في النفوس فضيلة التواضع في طلب العلم، حتى عجز في بحثه عن الوقوع على شيء من تورع الفقهاء عن الفتوى فيما يخشون؟
يروى عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما قولهما: "من أفتى عن كل ما يسأل فهو مجنون"، وعن عطاء بن السائب قال: "أدركت أقواما يُسأل أحدهم عن الشيء فيتكلم وهو يرعد". وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "أدركت عشرين ومئة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول".
ويروى أن الشافعي سئل عن مسألة فلم يجب، فقيل له فقال: "حتى أدري أن الفضل في السكوت أو في الجواب"، كما يقول الأثرم – أحد تلاميذ ابن حنبل- : "سمعت أحمد بن حنبل يكثر أن يقول لا أدري، وذلك فيما عرف الأقاويل فيه"، وعن الهيثم بن جميل: "شهدت مالكا - أي الإمام مالك- سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري"، كما يروى عن الإمام مالك أيضا أنه ربما كان يُسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها، وكان يقول: من أجاب في مسألة ينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف خلاصه ثم يجيب. وسئل يوما عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل: هي مسألة خفيفة سهلة، فغضب وقال: ليس في العلم شيء خفيف. وقال أبو حنيفة: "لو لا الفرق - أي الخوف- من الله تعالى أن يضع العلم ما أفتيت، يكون لهم المهنأ وعليّ الوزر". [انظر مقدمة كتاب المجموع للإمام النووي].
هذه هي ثقافة الإسلام التي رسخت مقولة "لا أدري" في نفوس العلماء فضلا عن العامة، وربطت هذه الفضيلة بضمير المسلم الحي الذي لا يحتاج إلى رقيب آخر يحصي عليه أخطاءه، فهل يحسن مثقفونا الظن يوما بهذه الثقافة؟ وهل يجدون فيها ما يغنيهم عن النظر في فضائل الأمريكان؟ وهل سيبرؤون بعد قراءة هذا المقال من عقدة الاستلاب؟
أما أنا يا سيدي فلا أدري!