مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

ملاحظات نقدية حول البيان الإسلامي- العالمي لحقوق الانسان

التفاصيل
كتب بواسطة: زهير الخويلدي
نشر بتاريخ: 08 ديسمبر 2001
انشأ بتاريخ: 08 ديسمبر 2001
الزيارات: 9

 ملاحظات نقدية حول  البيان الإسلامي- العالمي لحقوق الانسان
زهير الخويلدي

"الحق تعبير عن النشاط البشري في حين أن القانون تقييد لهذا النشاط"

يحتفل العالم بالذكرى 58 للإعلان العالمي لحقوق الانسان يوم 10 ديسمبر 1948 ورغم كون هذا الإعلان يعد مكسبا هاما في تاريخ البشرية وقيمة ثابتة نادرا ما يجود بها علينا المجتمع الدولي ودليل على وصول الوعي البشري الى مستوى الرشد و تحكيم إرادته الطيبة في تنظيم العلاقات بين الدول والأفراد تنظيما عقلانيا بنبذ الحرب والسعي لتثبيت السلم الدائم إلا أننا نشهد على صعيد الواقع انتهاكات خطيرة لمنظومة حقوق الانسان وحرمان لشرائح كبيرة من التمتع بهذه الحقوق الأساسية التي لا يمكن التصرف فيها وهي الحياة والحرية. وقد شهدت المنظومة الحقوقية ثورة كبيرة في السنوات الأخيرة بحيث صار البعض ينادون بحقوق الشعوب في تقرير مصيرها وحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة والأقليات المنبوذة وحقوق الحيوان والنبات وحق الإجهاض والموت الرحيم والاستنساخ من أجل تهذيب النوع الآدمي وحق التمتع بالتعديل الجيني من أجل التخلص من الأمراض الوراثية والمزمنة بالنسبة للأجيال المقبلة .غير أن هذه الثورة عانقت سماء التجريد وتميزت بمثالية مفرطة تقودها ثقة ساذجة في الانتصارات التي حققتها علوم الحياة في الآونة الأخيرة فهي قد أهملت حجم أشكال الفقر والظلم والحيف التي تسلطت على الانسان في العالم النامي وتكاثر موجات الهجرة السرية والعودة الفاضحة للرق والعبودية ولتجارة الأطفال واستغلالهم للعمل في المنازل أو للسياحة الجنسية ,ونسيت كذلك تراجع الحماية الاجتماعية للدولة للأفراد فقد تدهورت الخدمات الصحية في العديد من بلدان العالم وأضعفت مردودية التعليم المجاني وبرزت دعاوي تميل الى خوصصته مما يعني عودة التخلف والأمية بشكل مغاير كما أن فرص الشغل التي تمنحها بعض السياسات للأيادي النشطة نادرة هذا إن لم نقل معدومة مما يشجع ظهور الفساد والجريمة والسرقة وبعض الأنشطة الطفيلية كالسمسرة والشركات الوهمية التي تتاجر بالعباد والأعراض.
إن منظري حقوق الانسان لم ينتبهوا الى هذه المعضلات ولم يقرؤوا ألف حساب الى التباعد بين سماء التجريد وأرض التطبيق وبين الشعار والممارسة اذ يا ترى لماذا ظل هذا الإعلان العالمي مجرد نداء؟ ولماذا بقي الإعلان العالمي لحقوق الانسان حبرا على ورق ولم تلتزم به الأطراف الحكومية الموقعة عليه والداعية الى احترامه؟ ألا ينبغي أن ننتقل من الحديث عن حقوق الانسان الى الحديث عن حقوق الشعوب وأن نميز بين حقوق الانسان وحقوق المواطن؟ وألا يجب أن نبحث عن محصنات وضمانات تمثل شروط إمكان احترام وتطبيق المنظومة الحقوقية المتكاملة على صعيد الممارسة اليومية؟ ماهي عوائق احترام حقوق الانسان؟ ألا يمثل الدين حجرة عثرة أمام قيام حقوق الانسان؟ لماذا عارض النظام السعودي المعروف بتبنيه المرجعية الوهابية سنة 1948 الإعلان العالمي لحقوق الانسان؟ هل يمكن أن تكون الأسباب سياسية وليست دينية؟ كيف نفسر تحفظات الاتحاد السوفياتي الذي يتبني العقيدة الماركسية؟
أليست سياسات الدول غير الديمقراطية هي أكبر حاجز يمنع احترام منظومة حقوق الانسان؟
ما نلاحظه اليوم أن حقوق الانسان ليست سوى حقوق الانسان الغربي المتفوق الذي أخذته العزة بنفسه فصار يرى ذاته المرجعية الوجودية العليا ومصدر الحضارة وبوصلة التقدم التاريخي ,والحق أن الانسان الغربي هو عضو المجتمع البرجوازي الرأسمالي الأناني المفصول عن الانسان في براءته الأصلية .
زيادة على ذلك إن حق الحرية والحياة ليس في النهاية سوى مظهر لحق الملكية وحق الملكية الفردية يتعارض بطبعه مع المساواة والعدالة والأمن,اذ ليس ثمة إذن أي حق من حقوق الانسان يتخطى الانسان الأناني المنطوي على ذاته والمنشغل فقط بمصلحته الشخصية والمستجيب لتحكمه الفردي الخاص. "فالإنسان ليس منظورا إليه في
هذه الحقوق بمثابة كائن بشري اجتماعي بل على العكس تماما فإن الحياة البشرية نفسها أي المجتمع تظهر بمثابة إطار خارجي عن الفرد بمثابة تحديد حريته." إذا عدنا الى وضعية حقوق الانسان في حضارتنا فإننا نلاحظ العديد من التعثرات والإخفاقات سواء في قبول الرأي العام لهذه الفكرة أو عند تعامل الأنظمة الحاكمة معها,فقد تراوح شعار حقوق الانسان بين التوظيف لخدمة الدعاية السياسية الرائجة والتبني الصادق كحبل نجاة أخير لبعض الكفاءات المعارضة, دون أن نهمل حالة الجمود التي تعيشها بعض الجمعيات القطرية والقصور الحراري الوظيفي التي هي عليه بسبب غياب الديناميكية الداخلية وهيمنة الشيوخ المؤسسين عليها أو نتيجة تدخل السلطات في عملها ورغبتهم في احتوائها واختراقها ,ولكن رغم كل هذا التضييق والتأخر فإن الجمعيات والرابطات التي تعنى بشؤون حقوق الانسان قد تكاثرت والندوات والمؤتمرات المنظمة في هذا الشأن قد ازدهرت والبيانات العربية والإفريقية حول حقوق الانسان والمواطن قد تعددت دون أن يرافقها تحسن وازدهار على مستوى تمتع الناس بحقوقهم في الحياة اليومية . ولرفع الشبه ومن أجل تبيئة هذا الخطاب الحقوقي في الحضارة العربية الإسلامية فان البعض من المفكرين التنويريين أكدوا على عدم وجود تعارض مطلق بين الإسلام ومنظومة حقوق الانسان فقد جاء في البيان الإسلامي- العالمي لحقوق الانسان الذي أعلن في مقر اليونسكو بباريس سنة 1981 ما نصه:
"بسم الله الرحمان الرحيم
مدخل
شرع الإسلام - منذ أربعة عشر قرنا- "حقوق الانسان" في شمول وعمق,وأحاطها بضمانات كافية لحمايتها,وصاغ مجتمعه على أصول ومبادئ,تمكن هذه الحقوق وتدعمها. والإسلام هو ختام رسالات السماء التي أوحى بها رب العالمين الى رسله-عليهم السلام- لبلغوها للناس,هداية وتوجيها,الى ما يكفل لهم حياة طيبة كريمة,يسودها الحق والخير والعدل والسلام. ومن هنا كان لزاما على المسلمين أن يبلغوا للناس دعوة الإسلام امتثالا لأمر ربهم:"ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر",ووفاء بحق الانسان عليهم,وإسهاما مخلصا في استنقاذ العالم مما تردى فيه من أخطاء,وتخليص الشعوب مما تئن تحته من صنوف المعاناة.ونحن معشر المسلمين - على اختلاف شعوبنا وأقطارنا - انطلاقا من عبوديتنا لله الواحد القهار...ومن:إيماننا بأنه ولي الأمر كله في الدنيا والآخرة,وأن مردنا جميعا إليه,وأنه وحده الذي يملك هداية الانسان الى ما فيه خيره,وصلاحه,بعد أن استخلفه في الأرض وسخر له كل ما في الكون. ومن: رغبتنا الصادقة,في الوفاء بمسؤوليتنا تجاه المجتمع الإنساني كأعضاء فيه ...
ومن: حرصنا على أداء أمانة البلاغ التي وضعها الإسلام في أعناقنا... سعيا من أجل حياة أفضل تقوم على الفضيلة,وتتطهر من الرذيلة..يحل فيها التعاون بدل التناكر والإخاء مكان العداوة..يسودها التعاون والسلام,بديلا من الصراع والحروب.
حياة يتنفس فيها الانسان معاني:الحرية والمساواة والإخاء والعزة والكرامة..بدل أن يختنق تحت ضغوط: العبودية والتفرقة العنصرية والطبقية والقهر والهوان. وبهذا يتهيأ لأداء رسالته الحقيقية في الوجود:عبادة لخالقه تعالى.وعمارة شاملة للكون تتيح له أن يستمتع بنعم خالقه وأن يكون بارا بالإنسانية التي تمثل- بالنسبة له- أسرة أكبر يشدها إليها إحساس عميق بوحدة الأصل الإنساني التي تنشئ رحما وموصولة بين جميع بني البشر.
انطلاقا من هذا كله: نعلن نحن معشر المسلمين حملة لواء الدعوة الى الله في مستهل القرن الخامس عشر الهجري- هذا البيان باسم الإسلام عن حقوق الانسان مستمدة من القرآن الكريم و"السنة النبوية" المطهرة.
ومن: تصديقنا بوحدة الدين الحق الذي جاءت به رسل ربنا,ووضع كل منهم لبنة في صرحه حتى أكمله الله تعالى برسالة محمد صلعم فكان كما قال صلع:"أنا اللبنة(الأخيرة"وأنا خاتم النبيين..".
تسليمنا بعجز العقل البشري عن وضع المنهاج الأقوم للحياة مستقلا عن هداية الله ووحيه.
ومن: رؤيتنا الصحيحة-في ضوء كتابنا المجيد- لوضع الانسان في الكون وللغاية من إيجاده وللحكمة في خلقه.
ومن: معرفتنا بما أضفاه عليه خالقه من كرامة وعزة وتفضيل على كثير من خلقه.
ومن: استبصارنا بما أحاط به ربه-جل وعلا- من نعم, لا تعد ولا تحصى..
ومن: تمثلنا الحق لمفهوم الأمة,التي تجسد وحدة المسلمين,على اختلاف أقطارهم وشعوبهم.
ومن: إدراكنا العميق,لما يعانيه عالم اليوم من أوضاع فاسدة ونظم آثمة.
وهي - بهذا الوضع- حقوق أبدية لا تقبل حذفا ولا تعديلا..ولا نسخا ولا تعطيلا.. إنها حقوق شرعها الخلق-سبحانه-فليس من حق بشر -كائنا من كان- أن يعطلها أو يعتدي عليها ولا تسقط حصانتها الذاتية لا بإرادة الفرد تنازلا عنها ولا بإرادة المجتمع ممثلا فيما يقيمه من مؤسسات لأيا كانت طبيعتها وكيفما كانت السلطات التي تخولها. إن إقرار هذه الحقوق هو المدخل لإقامة مجتمع إسلامي حقيقي:
1- مجتمع: الناس فيه سواء: لا امتياز ولا تمييز بين فرد وفرد على أساس من أصل أو عنصر أو جنس أو لون أو لغة أو دين.
2- مجتمع: المساواة فيه أساس المتمتع بالحقوق والتكليف بالواجبات.. مساواة تنبع من وحدة الأصل الإنساني المشترك:"يا أيها الناس إنا خلقناكم ذكر وأنثى"(الحجرات 12) ومما أسبغه الخالق-جل جلاله- على الانسان من تكريم" ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقناهم تفضيلا"(الإسراء 80).
3- مجتمع: حرية الانسان فيه مرادفة لمعنى حياته سواء,يولد بها,ويحقق ذاته في ظلها,آمنا الكبت,والقهر والإذلال والاستعباد.
4- مجتمع: يرى في الأسرة نواة المجتمع,ويحوطها بحماية وتكريمه,ويهيئ لها كل أسباب الاستقرار والتقدم.
5- مجتمع: يتساوى فيه الحاكم والرعية أمام شريعة من وضع الخالق - سبحانه- دون امتياز ولا تمييز.
6- مجتمع: السلطة فيه أمانة توضع في عنق الحاكم ليحقق ما رسمته الشريعة من غايات وبالمنهج الذي وضعته لتحقيق هذه الغايات.
7- مجتمع: يؤمن كل فرد فيه أن الله -وحده- هو مالك الكون كله..وأن كل ما فيه مسخر لخلق الله جميعا عطاء من فضله دون استحقاق سابق لأحد ومن حق كل إنسان أن ينال نصيبا عادلا من هذا العطاء الإلهي:"وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه"(الجاثية 13).
8- مجتمع : تقرر فيه السياسات التي تنظم شؤون الأمة وتمارس السلطات التي تطبقها وتنفذه بالشورى:"وأمرهم شورى بينهم" (الشورى 28 ).
9- مجتمع : تتوافر فيه الفرص المتكافئة ليتحمل كل فرد فيه من المسؤولية بحسب قدرته وكفاءته وتتم محاسبته عليها دنيويا أمام خالقه:"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"(رواه الخمسة).
10 - مجتمع: يقف فيه الحاكم والمحكوم على قدم المساواة أمام القضاء حتى في إجراءات التقاضي.
11 - مجتمع: كل فرد فيه هو ضمير مجتمعه ومن حقه أن يقيم الدعوى -حسبة- ضد أي إنسان يرتكب جريمة في حق المجتمع,وله أن يطلب المساندة من غيره..وعلى الآخرين أن ينصروه ولا يخذلوه في قضيته العادلة.
12 - مجتمع: يرفع كل أنواع الطغيان ويضمن لكل فرد فيه: الأمن,والحرية:والكرامة,والعدالة بالتزام ما قررته شريعة الله للإنسان من حقوق والعمل على تطبيقها والسهر على حراستها.. تلك الحقوق التي يعلنها للعالم :"هذا البيان".

إذا نظرنا الى هذا البيان بعيون نقدية معاصرة يمكن أن نستخرج مجموعة من الملاحظات الأولية:
- يتضمن البيان حنينا الى الماضي ونوع من الوثوقية التي تعتقد في الوصول الى المعرفة المطلقة والفهم الصحيح وادعاء مسلما به منذ البداية يزعم أن الإسلام التاريخي كما مورس منذ أربعة عشر قرنا احترم بشكل مطلق حقوق الانسان ومثل هذا الادعاء ينبغي التحري من صدقيته وتنسيبه حتى لا نقع في العديد من المغالطات
ويمكن أن نتخلص من ثقل الموروث ونتجه صوب المستقبل.
- الصيغة التي كتب بها هذا البيان وشكل عرضه لا تشير صراحة الى الانسان ولا تذهب مباشرة للحديث عن حقوقه ولا تفصل المسائل فيها بالتدقيق والتحقيق بل اهتمت بالمجتمع على حساب الفرد والآخرة على حساب الدنيا وبالغيب على حساب الحياة وبالإلهيات على حساب الإنسانيات بينما الإسلام إذا فهم فهما موضوعيا نراه يدعو الى تحقيق التوازن والاعتدال بين هذه الثنائيات.
- كتب البيان بمنطق النصيحة والشورى والدعوى من جهة وبمنطق الإلزام والفرض والواجب من جهة ثانية وانه يصلح ليكون بيانا عالميا للواجبات التي ينبغي أن يقوم بها المسلم تجاه مجتمعه والكون الذي يحيا فيه وليس ليكون بيان حول الحقوق التي ينبغي أن يتمتع بها في هذا الكون ويعمل مجتمعه على صيانتها.
- لم يشر البيان صراحة عن العلاقة الوثيقة بين منظومة حقوق الانسان ومسألة الديمقراطية ومحور المجتمع المدني والاشتراكية كمذهب إنساني ينسخ الرأسمالية البشعة بل انه لم يميز بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي فلقد تحدث عن الحاكمية والاستخلاف والتسخير وعن المساواة والمسؤولية وترك المحاسبة الى يوم القيامة لكل من يخل بالبيان دون أن يفصل العلاقة بين السلطات ودون أن يبين مصدر السلطات وكيفية ممارستها.
- في البيان هناك أشارة واضحة أن العقل البشري عاجز عن البت في العديد من المسائل وأنه غير قادر عن الحكم الصحيح ولكن هناك إقرار بأن النبي محمد صلعم هو آخر الأنبياء ونحن نعلم أن من استتباعات ختم النبوة هو وصول الانسان الى مرحلة الرشد وإعلان ميلاد العقل وتشريع بضرورة أن تعول البشرية على العقل في تدبير أمورها الدنيوية بالاستفادة من النصوص الدينية المقدسة فكيف نفهم مثل هذا التناقض والإجحاف في حق العقل؟
- الخطاب الذي يرتكز عليه البيان هو الخطاب الهووي المولع بالوله الذاتي والذي لم ينقطع عن الافتخار بالأمجاد ومدح الأجداد وذلك حرصا منه على الخصوصية ودفاعا عن الهوية ومميزات الدين الإسلامي والثقافة العربية وعيب هذا الخطاب أنه متشبث بعرض البديهيات والكلام عن المحصلات واللف والدوران في المقدمات والأوليات بينما هذه أمور يمكن غض الطرف عنها والالتفات الى ماهو جوهري وخاصة الواقع الموضوعي والحياة المادية والنشاط الفعلي للبشر الذي ينبغي أن نتحدث عنها بلغة علمية مباشرة وليس بخطاب أخلاقي تبشيري.
- كان من الضروري تأصيل العلاقة بين القوانين الإلهية والقوانين الطبيعية والقوانين السياسية والتمييز بين الأسس الطبيعية الإلهية والأسس التعاقدية الاتفاقية التاريخية لحقوق الانسان لأن مثل هذا التمييز سيكفل لنا تجنب الوقوع في النزعة الفوضوية الهدامة التي تدافع عن الانسان في المطلق من جهة والابتعاد عن تبرير ممارسات الأنظمة الشمولية الكليانية التي تمارس الحكم المطلق باسم حاكمية الله أو الشعب أو التاريخ بوصفه نفوذ الأمس الأبدي.
- لم يتطرق البيان الى واجبات الحاكم تجاه المجتمع عامة والأفراد كل بعينه خاصة ولم يهتم بحدود سلطة الحاكم وبمستوى علاقات الدين بالسياسة بل لم يخرج عن تقاليد الفكر السياسي الإسلامي الهشة التي أولت عنايتها على وحدة الجماعة وحرمت المعارضة لكونها سبب الفتنة والتشرذم واهتمت بخصال الحاكم المثالية ولم تهتم بكيفية تنصيبه ومدة حكمه.
- وقع البيان في العديد من المفارقات والتناقضات مما يجعله فاقدا لأي تماسك داخلي ولا يحكمه أي منطق حجاجي وبالتالي يكرس الصعوبات ويبقي على الأبواب موصدة عوض أن يعمل على حلها ويبذل الجهد لتجاوزها وإيضاحها ومن بين التناقضات الملكية بين الله والإنسان والسلطة بين الله والإنسان و التناقض بين العدل الإلهي والحرية الانسانية.
 
عندما نراجع اليوم هذا الإعلان نراه خطوة حاسمة الى الأمام ينبغي التنويه بها والإشادة بمن وضعها وعمل الى إخراجها للنور لما نجد فيها من تطرق لحقوق الحياة والحرية والمساواة والعدالة والحماية والمشاركة والتفكير والاعتقاد والملكية والكرامة والتربية والإقامة والهجرة ولكنه بيان في حاجة الى مراجعة من أجل المزيد من التدعيم والإضافة لأن المشكلة ليست في البيانات بل في ضرورة تأسيس مؤسسات حقيقية محايدة ومستقلة عن كل الدوائر الحكومية والدولية تعمل على غرس ثقافة حقوق الانسان في تربة الإسلام,كما أن مضمون البيان كان فضفاضا وعموميا تغلب عليه النزعة الوعظية الإرشادية وهو أشبه بخطبة جمعة أكثر منه بيان حقوقي قادر أن يؤثر في ما يزيد عن مليار وثلاثة مائة مليون معتنق للديانة الإسلامية يهتم بالإنسان بصفة عامة كفكرة مجردة من جهة التكليفات والعبادات دون أن يشخص حال المسلم كما هي في الواقع المعاش ودون أن يركز على المعاملات والجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
من هذا المنطلق لا نقول إننا في حاجة أكيدة الى إعلان عالمي إسلامي جديد لحقوق الانسان ينسخ سلفه ويقوم ما اعوج منه بل نرى أننا في انتظار تأصيل نظري وعملي حقيقي لحقوق الانسان داخل الحضارة الإسلامية والعربية بالتحديد إذا كانت الدائرتان يتكاملان ويستوعب الواحدة منهما الأخرى ولا يتناقضان أو يفترقان كما يريد البعض من الضالين.هذا التأصيل النظري والعملي ينبغي أن يتجاوز كل خلط بين المسطحات وكل التلفيقات الغائمة التي لن تنتج إلا أقوالا مغشوشة تزيد من الفصام وتبعد الفكر عن عالم الحياة وتغرقنا في الأوهام وتسبب التوتر بين الأديان والفتنة بين المذاهب والطوائف,كما يجب أن يرتكز على عملية تأويلية اجتهادية شاملة تعيد تأصيل الأصول بحيث يصبح الدين مجالا للتفاهم والتساكن بين الأنا والآخر والهوية والغيرية تختفي من مفرداته لغة الإقصاء والتهميش والتكفير لتحل محلها لغة المحبة والتكاتف والتصالح والصفح والعمل الصالح لما فيه خير الوطن والملة والإنسانية جمعاء ويكون هذا التجديد الاجتهادي في إطار القيم البشرية الكونية التي اتفقت جميع الأديان والفلسفات والموروثات الثقافية على وجاهتها وحاجة النوع البشري إليها من أجل الاستخلاف والتسخير والائتمان والتعمير في الأرض.
على ضوء هذه الملاحظات النقدية يمكن أن نقترح بعض الاستشرافات تعتمد بالأساس على بعض الآيات الكونية والأحاديث النبوية الشريفة وعلى بعض المأثورات الأساسية التي تمثل نواة الإشكال الحقوقي الإسلامي والتي نذكر منها ما يلي:
- لا إكراه في الدين فقد تبين الرشد من الغي.
- المؤمن هو من أحب لغيره ما يحب لنفسه.
- اذهبوا فأنتم الطلقاء.
- لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
- في أموالكم حق معلوم للسائل والمحروم.
- شركاء في ثلاث:الكلأ والماء والنار.
- متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.
- أنتم سواسية كأسنان المشط.
- لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى.
- أنت مذكر وليست علهم بمسيطر.
- بشر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم يوم القيامة.
- عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه.
- المسلم هو الذي لا يخاف في الله لومة لائم ويقول الحق ولو كان مرا.
- التوقف عن القتل وإزهاق الأرواح عمدا وذلك لقداسة الحياة التي وهبها الله للإنسان.
- إلغاء الرق والعبودية الجديدة التي تتمثل في الاستغلال الاقتصادي والاستعباد الاجتماعي.
- استهجان الغش والفساد والمحسوبية لأنها اعتداء على قيم الجدارة والاستحقاق والأهلية.
- الكف عن الظلم والتسلط لأنه يؤدي الى القمع والكبت والخوف ويسبب خراب العمران وزوال الدول.
يترتب عن ذلك أن الإسلام دين الحق ويدعوا الى الحق ولا يعارضه بل يفرض على الانسان أن لا يتنازل عنه إذا امتلكه وأن يدافع عليه وأن يطالب به إن افتقده وأن حقوق الانسان تمثل الكليات الكبرى التي تعتبر عن مصالح الناس ومقاصد الشرع وهي حرمة النفس والعرض والمال والحياة والدين.
"إن كل تحرير ليس إلا إعادة العالم الإنساني والعلاقات الانسانية الى الانسان ذاته...ولا يتحقق التحرر الإنساني إلا حين يقر الانسان قواه الخاصة بوصفها قوى اجتماعية وحين ينظمها."
إننا في حاجة أكيدة اليوم زمن العولمة الى بلورة نظرية متكاملة حول حقوق الانسان تستند على أسس فلسفية كوسموبوليتية لا تتعارض مع المبادئ الكونية التي نادت بها الأديان وأكد عليها الإسلام بوصفه الدين القيم والمصير الذي انتهت إليه الروح في حركتها نحو وعيها بذاتها. فماهي الشروط الفلسفية لظهور حقوق الانسان وتمتع الجميع بها على الصعيد الكوسموبوليتي؟

تجلّيات الرّفض في ديوان (لوعة الهروب)، للشّاعرة (فاطمة الزّه

التفاصيل
كتب بواسطة: وفاء العمراني
نشر بتاريخ: 25 نوفمبر 2001
انشأ بتاريخ: 25 نوفمبر 2001
الزيارات: 7

 [كسرت المصير الدائريّ المغلق
الشّمس الخالدة وهبتني أريجها الباذخ
اجتـثـتّني من الشّرعة الإقتباس المثال
أسلمتني لموج السّؤال... ]


تجلّيات الرّفض في ديوان (لوعة الهروب)، للشّاعرة (فاطمة الزّهراء بنّيس)

وفاء العمراني

يكاد ( الرّفض ) يكون اليوم: هو العنوان العريض المستجدّ بهذه المرحلة، و مرجعيّة الوقت المضادّة التي تداعب أحلام أقلّية من (الرّافضين )، أمام ما يمور به عصر ما بعد الحداثة من تخاذل و انهزاميّة على جميع الأصعدة (أستثني من هنا الجانب الفنّي
و الأدبيّ).
لا أريد أن يفهم من كلامي الدّعائيّ للرّفض على أنّه دعوة أخرى للإلتزام كتلك الدّعوات الماركسيّة التي كانت رائجة في منتصف ستينيات و سبعينيات القرن الفائت والتي طالت باسم الواقعية الإشتراكية مختلف جوانب الحياة السّياسية و الإجتماعية و الفنّية و الثّقافية... رغم أنّني و بشكل أو بآخر لا أحيد كثيرا عن هذا الطّرح، فما أتحدّث عنه (الرّفض) هو في آن واحد: أسلوب حياة جديد و طريقتي تفكير و إبداع مختلفتين، (و كي لا يظل كلامي مجردا أسوق هنا نموذج: الحركات المناهضة للعولمة كأبرز وجه من وجوه الرفض الذي ما يزال الشعر و الأدب عموما متأخرا عن رصد جوهر هذه الحركات الرافضة) و إذا ما كنت أسوق هذا الكلام هنا في سياق قراءتي لديوان [ لوعة الهروب ] فلكون الشّعر أوّلا و أخيرا فعل رفض، و لكوننا ـ للأسف ـ نعدم حتى الآن، في المنجز الشعريّ للشعراء المغاربة الشباب وجود أصوات لها قدرة التّغريد خارج العشّ، أصوات بنفَسٍ جديد تحتفي بموضوعتي: الرّفض و الخروج، و الّلتان ظلّتا شبه غائبتان إلاّ إذا استثينا بعض النّتف المتناثرة هنا و هناك. الغياب الّذي يعكس وجها من أوجه الأزمة الّتي يتخبّط فيها الجيل الجديد من الشعراء.

-لوعة الهروب:

وسط زحام من نماذج شعريّة يغلب عليها الإحتفاء بتفاصيل الحياة الصّغيرة (و أنا هنا لا أقيّم و لا أفاضل ) أطلّ علينا ديوان [ لوعة الهروب ] للشّاعرة[فاطمة الزّهراء بنّيس] كنسيج متفرّد و كصوت أنثويّ له قدرة تجاوز الطّابويات و الخطوط الحمراء و التّفكير (شعرا ) بصوت مرتفع. قد يبدو لنا من خلال العنوان: لوعة الهروب ـ باعتبار أيّ عنوان اختزالا و تكثيفا لمجمل قصائد ديوان أو (كما هو الحال هنا ) عنوان قصيدة يرتئيها الكاتب من زاوية نظر معينة أنها الشجرة التي تغطي الغابة أو بتمثيل أدق: (الوردة التي تحمل في داخلها البستان ) وفق تعبير جلال الدين الرومي ـ يبدو لنا أنّنا أمام امرأة منكسرة و هاربة، لكنّنا و نحن نرحل بين دفّتي هذه الأضمومة الشّعرية نجد أنفسنا أمام عنوان مضلّل حدّ التّيهان و هروب من نوع آخر، هروب مفخّخ بالجمر و مسقوف بحلقات الدّخان المتطاير من حرائق هذا الديوان:
(فأهرب... أهرب... أهرب...
لأعانق ما توقّد من الجمر ) ص 103
نجد أنفسنا أمام قصيدة لا تعرف كيف تحابي و لا كيف تضع مساحيق الزّينة فوق ملامحها، قصيدة رفض بهويّة أنثويّة باذخة، هويّة أنثى تعي كينونتها: تحبّ... ترفض... تغضب... تجدّف... و تركع (عكس الخراب ).

-تجليات الرفض:

إذا ما حاولنا تقصّي حضور (الرّفض ) داخل ديوان [لوعة الهروب ] في مجمله، فإننا سنعدم ـ على المستوى السّطحيّ المبسّط ـ توظيفه بين ثنايا القصائد الثمانية و العشرين، ذلك أنه لا يمكن رصد هذه التيمة البؤرية في هذا المتن الشّعري إلاّ كبنية تشتغل في العمق و تقوم بدور المحرّك، لكنّنا و من جانب آخر إن عملنا على استقصاء تمظهراتها و تفرّعاتها المختلفة فإنّنا نستطيع على الأقلّ رصد ثلاث صور من صور الرّفض المركزيّة بهذا المتن
و هي:
 1 ـ رفض سلطة الرجل
2 ـ رفض سلطة الأعراف
3 ـ رفض القهر السياسي

1 ـ رفض سلطة الرجل:

قد يكون موضوع رفض سلطة الرّجل هو أحد المواضيع الأثيرة لدى المرأة العربيّة الكاتبة، و رّبما يعزى الأمر إلى ما تراكم من سنوات القهر التي دفعت فيها المرأة و لا تزال ثمنا باهظا دون حتّى أيّ مبّرر يذكر، و من هنا نجد الشّاعرة [فاطمة الزّهراء بنّيس] كغيرها من المبدعات و قد أضحت النّاطق الذي يعبّر عن ما يختلج في صدر المرأة من رفض لهذه السّلطة والرّغبة بالصّراخ في وجهها:
( أنا ما كتبت
إلاّ لأخترق جدار الصّمت
لأهب طوقا آخر للأنوثة ) ص 41
هي رغبة الجهر بالموقف الغاضب، رغبة الإنتقال من إطار البوح الخافت و المونولوغ الدّاخلي إلى أفق الحوار و المساءلة، رغبة الخروج من دور المرأة / القربان إلى المرأة / الرّفض:
( لا تستغربوا...
إذا اندفعت من البكم
صرخات تتخبّط في اللّعاب ) ص 55

2 ـ رفض سلطة الأعراف:

تعتبر سلطة الأعراف و التّقاليد المتحكّمة في آليات تحرّك أيّ مجتمع هي الأخطر إطلاقا، لما تمارسه هذه السّلطة من ضغوطات على الفرد: ذكرا كان أو أنثى، و لما لها من قدرة التّشويه والتّدمير للذّوات المبدعة التي تمنح نفسها حقّ الشذّوذ عن القاعدة و السّباحة ضدّ التّيار، و انطلاقا من هذه الرّؤية، ينبعث صوت [فاطمة الزّهراء بنّيس ] في [لوعة الهروب ]
و كأنّه جملة اعتراضية تدمن مشاكسة المحظور و العبث بمراسيم القبيلة:
( أتنكّر لماضيّ
الموعود بالخرافات
فيرحّب بي الحاضر ) ص 106
تكتب [فاطمة الزهراء بنّيس] رافضة لقيم مجتمعية تسوس المرأة باسم العرف تارة
وباسم الدّين تارة أخرى، قيم تجبرها أن ترتكن إلى الغرف المظلمة و تمنعها أن تنقل حبّها من الكواليس إلى مستوى من التّداول حرّ و طبيعي:
( أنوثتي جوارح
تضرب مسمار العقيدة
فأنبجس
طوفانا من الصّواعق ) ص 99

3 ـ رفض القهر السياسي:

يكاد هذا الجانب يكون أحد الجوانب الأكثر تغييبا في المنجز الشعريّ للجيل الجديد في كلّيته، فالحديث عن القدس و عن الوطن و همومه في الشّعر، أضحى عند الذّائقة المكرّسة صرعة شعريّة بائدة، لذا يبدو صوت [فاطمة الزّهراء بنّيس] في القسم المعنون ب
[قصائد للوطن] و كأنّه قادم من زمن آخر: زمن جيل 68، جيل مساءلة المتعاليات
و رفض الظّلم بأوجهه المتعدّدة و منطلقاته المختلفة:
( عاشقين أن نقاوم العويل
على صهوة
اكتسبناها من النّضال القديم ) ص 83
نحن هنا أمام امرأة لا تني تحارب ـ انطلاقا من خندق الشّعر ـ على جميع الجبهات،
و تطلق طلقات الرّحمة على عالم شائه يحاول بشتّى الوسائل أن يجرّدها من أبسط حقوقها: الحرّية، هي الواقفة مع ذلك فوق الحطام، عزلاء... عارية القدمين... تطلب اللّجوء من (وطن العراء )... و تصرخ:
( آه... يا أخي
هيّا نقطف ثمر الجريمة
و ليكن
ما يكون ) ص 85

بيت القصيد:

أكيد أنّ هناك زوايا أخرى في ديوان [لوعة الهروب ] لم نتمكّن من رصدها و مقاربتها، فما حاولنا استقصاءه هنا، استثنائيّة هذه التّجربة من حيث ما تضمره من طاقة رفض و تحريض، خاصّة و أنّ الشّاعرة استطاعت منذ محطّتها الجماليّة الأولى أن تجترح لنفسها مسلكا مغايرا، نتمنّى أن تعمل في اقتراحاتها الشّعرية اللّاحقة على تعميقه و تكريسه و تطويره بعيدا عن طوفان قصيدة التّشابه و النّمط، السّائدة و المعمّمة للإحتفاء بالغياب و بذات مكتفية بذاتها.
 
 منير بولعيش
طنجة ــ المغرب

 

البياتي والمخاض

التفاصيل
كتب بواسطة: رحاب حسين الصائغ
نشر بتاريخ: 18 نوفمبر 2001
انشأ بتاريخ: 18 نوفمبر 2001
الزيارات: 8

( البياتي والمخاض )

رحاب حسين الصائغ

برتابة أغلقت المذياع، ووضعت جسدي في مواجهة الشباك الذي قرب سريري، دخان مساماتي يتسلق منافذ وحدة قاتلة تتمسك بالصمت. ما الذي يحدث؟ كل شيء يفقد صوابه حتى النوم، نهضت فزعة لا أريد الاستسلام، أخذت كتاب من رفوف مكتبتي للشاعر عبد الوهاب البياتي كان (سيرة ذاتية لسارق النار) استسغت من القصائد ما أنساني الليل المضني، والذي حدث داعبني (المخاض) عنوان لقصيدة وما للمخاض من سطور محاكة لتلك القصيدة التي يقول في المقطع الأول منها: (1) قال:
أقتليني، فأنا أحب عينيك
ومن أجلك أبكي
كانت الكنائس القوطية الحمراء في بطاقة البريد
تستحم بالشمس
وبيكاسو غلاف العدد الأخير من مجلة "الحياة"
يرنو لضياء العالم الأخير
لغة تملك اعترافات، كأنه يقول: لا أستطيع ممارسة الحياة مع الأشباح. بريق الأمل في العودة خفت لمعانه وسأعيش وعصر ممتد فيه المخاض، على ما لا نهاية، البياتي شعره كمسحة قطن فوق خدش عميق، ولكن القطن بلا معقمات، بل مبلل بعذابات عقيمة ترفل بظنون رؤوسها عارية إلا من أسنان الظلام، البياتي يريد البوح بالمخاض القادم، لذا نجده في المقطع الثاني من قصيدة المخاض: (2)
قبل أن تولد في ذاكرة البحر وفي ذاكرة الورود والعصفور
ماتت على النوافذ وفي الدفاتر الوحشة: نيسابور
تاركاً حضورها الغائب في حدائق الليل وفي أجنحة الزهور
صوت يحرك الزمن في مكان ما، نظراته تعكس أرث مؤلم
اصطحبه منذ الولادة مبحوح بمبررات لا بعزلها عن العالم
قوام المقطع الثاني، يواصل الظهور بشاعرية شمولية لذات أنيقة يرحل فوق جسد عرف سيئات المخاض، والمخاض حالة الولادة، والمرأة تمر بالمخاض وهي أعسر مرحلة من مراحل الحمل والولادة، وسمات المخاض معاصرة للألم الممتزج بالفرح المجهول، ربما يكون الوليد مشوه، ربما يكون في أحسن صورة، وصورة المخاض نسيج من المعانات والرغبة بالخلاص، واليكن ما دام لابد من حدوثه من أجل اكتشاف إسقاط الألم المصاحب للحذر والانتظار، عجيب الشاعر عبد الوهاب البياتي في هذه القصيدة حين يقول في المقطع الثالث: (3) قال:
(( أقتليني، فأنا أحب عينيك))
وضاع الصوت
ثمة صراع أزلي وحوار يرافق القصيدة، بينه وبين المرأة وبين المشاع الداخلي الصوت المنطلق في ثنايا المشكلة، نمط من التوهج على شكل احتلال يعبر عن المضمون الدلالي ويصاحبه هواجس المخاض، وعرش المرأة الإنجاب وقيمة وظيفتها الحياتية، في المقطع الرابع من القصيدة يعود إلى حالة الخوف التي تصاحب المخاض قائلاً: (4)
شوارع المدينة
موحشة، بعدك، حتى الموت
لاشيء بعد الإحساس بالوحشة، وجدت هنا كلمة "موحشة" صورة لأمرأة تحمل باقة ورد ذابلة وحركة ذراعيها لا تفضي إلى شكل الحياة، ولكن البياتي يذكر شوارع المدينة، وأي مدينة هذه التي يصفها بالموحشة، لا بد أنها مدن المنافي التي تحمل الوحشة حتى الموت، صدر الشاعر يضيق وهو يحلم بلحن متناسق يشبه جولة صباحية في مدينته الأم.. لكن بعد أن أصبح لشوارعها قضبان متشابكة كسجن لا يكون فيها الرجل نبيلاً من قبل جلاوزتها... تعلو أصوات الماضي في نفسه وما يعتلج روح التواقة إليها، لذا يتحول بخطواته قافلاً إلى المذياع في منتصف الليل ونشرة الأخبار لعله يهدئ غليان فكره، ونسمعه في المقطع الخامس: (5)
كان مذيع نشرة الأخبار في منتصف الليل
يعيد الموجز. الأطفال كانوا
نائمين. كانت
السماء حبلى، شارة غامضة،
...
المستنقع الجاثم في أحشائه
رأيت نيسابور في سريرها عارية تضاجع التنين
يتحسس دقائق لم يلاحظها رجل من قبل، وطن اغتصب الفكر، وحياة المرأة زاوية يتعصرها الألم وترابط ممتد يبقيان في أعنف حالة من حالات الوضع المزري، وأي حمل هذا شارته غامضة، ربما حمل غير شرعي، أو هو بالفعل حمل غير شرعي يقود إلى مستنقع الفاجعة، أين لحظات المخاض ومتى يحدث؟ يراوده القلق من غشاوة ترافق النفوس الضعيفة تحمل من التخلف ما يجعل المخاض حلم، وبهزة من رأسه المثقل بالأفكار يكمل المقطع الخامس: (6)
ومذيع نشرة الأخبار في منتصف الليل
يعيد الموجز.انتظرت: أن تستيقظي أيتها
الكاهنة- العذراء. فالعالم في العصر الجليدي
على أبوابه الجنود والطغاة
بدقة يجمع خطوط الفارق بين الذي يحدث، والذي يأول، والذي سيصار إليه.يفهم ذلك من إعادة الموجز وانتظاره استيقاظ الكاهنة في العصر الجليدي، ويؤكد حقيقة الزمن المريض بالوهم والوهن الذي يحمل المعلن للزمن القادم، وصيغة التحول من ذاكرة الليل وإعادة الموجز. والجنود على الأبواب والطغاة والعصر الجليدي كلها دلالات إلى منحنيات الواقع،ومعطيات التجلي عند الشاعر، جمال حالة المخاض عند المرأة، وجمال أخر يحمل المخاض في حالة حدوث التغيير والصحو من سبات الواقع المعاش، ولكن البياتي يعلم جيداً انه يتعذر حدوث المخاض والزمر التي تقود المجتمع إلى أعمق حالة من الانحطاط، وإعادة الموجز أكبر دليل، يفهم أبعاده الفرد العربي، وما وقعها على المفكر، والشاعر حينما يدخل عالم الحرية من خلال بناءالمفاهيم
الأخلاقية متقرباً من الرمزية المقصودة لتتجلى حكمته وبلاغته في مضامين البحث وتراكيبه الفنية والجذابة ويصبح الجمال والفكر وجهين متلازمين للوجود المنظم الحر يكابد من أهوال الدهر.

 


المصدر: عبد الوهاب البياتي/ سيرة ذاتية لسارق النار/ الجمهورية العراقية وزارة الإعلام/ مديرية الثقافة العامة/ ديوان الشعر العربي الحديث/ (47)/ مطبعة الأديب البغدادية/ رقم الإيداع 107 في 20/ 2 / 1974 / تصميم الغلاف: هاشم سمرجي/ الرسوم الداخلية/ يحيى الشيخ.


 

الجاحظ والأعشري والأرنب

التفاصيل
كتب بواسطة: دياب الهيموني
نشر بتاريخ: 05 نوفمبر 2001
انشأ بتاريخ: 05 نوفمبر 2001
الزيارات: 8

 الجاحظ والأعشري والأرنب

بقلم: دياب الهيموني

لأنني أرفض لغة القهر وما تتضمنه من تجريح أو ما شابه، فإنني برغم الوجع أحافظ على هذه القناعة، وفي ظل المناخ السياسي السائد على منطقتنا ومع تغير خارطة الطقس بين لحظة واخرى، يصبح الصمت موجعا، وحتى المقارنة بين ما هو مر وما هو أمرّ يكون موجعا أكثر. ولست احتاج إلى إضافة غيظ جديد في قلوب من لا يستطيعون أن يسمعوا الآخر حتى لو كانت النوايا حسنة، فالأمر لا يحتمل النوايا الحسنة أو النصائح المجانية في هذا العصر، لأننا سنجد ألف جلاد يجلد كلمات المقال، ويحللها في مختبرات الأحزاب والأيدلوجيا. لا، لست أكتب لأشحذ همم خاوية ضد أحد، وإنما أكتب بمداد الوجع لأن من حقي كإنسان أن أطرق الخزان (كما جاء في رواية غسان كنفاني).
ولأنني خبرت أن الكثيرين يقرأون ليفهموا ما بداخلهم أكثر من رغبتهم بفهم ما هو مكتوب، فيكون ردهم قاسيا على أحرف تعرت من ذاتها لتغطي عورات هذا الواقع الذي هو أحد من السكين، فكم تحتمل الأوراق من لهب ينفخ كثيرون ليحرقوا طفولة الكلمات.
ولم يكن بدا من الكتابة، دون رموز، وبمباشرة عكسية، كان لا بد من إحضار أحد كتاب العصر العباسي، ليتحدث نيابة عنا، فأستنسخت فوق الصفحات الجاحظ، وطلبت منه أن يقص القصة ويقول الرواية بعباراته وبصراحته المعروفة، بشرط أن لا يسمي الأشياء بمسمياتها، تاركا للقارئ أن يفهم ما يريد، لأنها طبائع الأشياء في هذا الوقت العصيب.
يقول الجاحظ (العصري) في كتابه (نفخ المراجل في قلي الفلافل): حدثنا الأعشري عن أبيه أن غلاما من غلمان بني جهلة زار القدس يوما مع سيده باطون ابن حديد، ونام على مداخل القدس ينتظر أن يقوم الفرنج بفتح البوابات للدخول إلى المسجد الأقصى، وفيما هو كذلك أغذته غفوة من تعب وسفر، والكلام هنا للأعشري. ويضيف: أن الغلام هب من نومه فزعا، يصرخ وهو لا يدري ما يهذي، فما كان من سيده إلا أن قام بجلده حتى أدماه. انتهى كلام الأعشري.
يقول الجاحظ: لم يخبرني الأعشري ما الذي أفزع الغلام، وكذلك لماذا قام سيده بجلده؟
الجاحظ يضيف في كتابه (علم التواصل في جمل المحامل): حدثني غلام لابن أبي قصعة قال: سمعت حديثا من سيدي سمك بن قملة يقول في مجلس له أن الأعشري كان يوما في مجلس الشاكي يسمع قصص الآحاد والقرون والكل كأن على رؤسهم الطير يستمعون إلى الراوي إنترنت بن فضاء وفيما هم كذلك هب الأعشري يصيح: وجدتها وجدتها! وما فتئ بكررها، حتى غضب منه الحاضرون فهجموا عليه بضربونه بالايدي والنعال حتى ما عدت تعرفه من كثرة ما سال من دمائه. انتهى كلام الغلاف آسف الغلام.
يقول الجاحظ: لم يعرف أحد ولم يسأل أحد الأعشري ماذا وجد؟
يضيف الجاحظ: اجتهدت أن أعرف أسرار الروايات في قصص الأعشري، وبعد البحث
والتعري آسف التحري، وجدت الأسرار كلها عند الأعشري، فقصدت بيته لأسأله، فأخبرني أبنا له أن أباه قد ذهب للحج، وعدت أدراجي وأنا أستغرب،فموسم الحج لم يحن وقته بعد، وفيما أنا في الطريق شارد الذهن أفكر في هذا الأعشري، وجدت كليلة الشاعر الكبير، فسألني عن حالي فقلت لها الحكاية، فضحك حتى انفلقت شفتاه، وقال:
ألم تكتشف سر الحكاية؟ قلت لا، قال إسمع مني سر الحكاية.
يقول الجاحظ: يقول كليلة: حدثني جدي أن ثعلبا في الغابة كان يقف في طريق الأرنب فيسأله: لماذا أذنيك طويله، فلا يجد الأرنب جوابا، فيقول له الثعلب: لا تريد أن تجيبني، ويضربه، واستمر الحال حتى ضاقت الدنيا بالأرنب، فذهب إلى الأسد ملك الغابة يشكو الثعلب، فوعده الأسد خيرا، وقال له: سأمنع الثعلب من ذلك. واستدعى الأسعد الثعلب وقال له: أنا أفهم أنك تحب أن تضرب الأرنب، ولكن أليس لك حجة غير أذنية؟ فسأله الثعلب: ليس لدي حجة غيرها، فقال له الأسد: اطلب منه تفاحا فإذا أحضر تفاحا أحمر تسأله لماذا التفاح أحمر؟ فتضربه، وإن كان أخضر تسأله لماذا التفاح أخضر؟ فتضربه وهكذا. فانطلق الثعلب في طريق الأرنب، وناداه: لن أضربك،
أحضر لي تفاحا، وهنا وقف الأرنب قائلا: وماذا تريد لون التفاح يا سيدي؟ وهنا هجم الثعلب على الأرنب يضربه وهو يقول له: أسألك دائما لماذا أذنيك طويلة. يقول الجاحظ: قررت إعتزال الكتابة بعد هذه الكتابة.

في حوار مع الشاعر إدريس علوش

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد سعيد الريحاني
نشر بتاريخ: 25 أكتوبر 2001
انشأ بتاريخ: 25 أكتوبر 2001
الزيارات: 6

في حوار مع الشاعر إدريس علوش،
الكاتب المغربي محمد سعيد الريحاني:

"لا ديموقراطية بدون ديكتاتورية الواجب وقدسية الحق وشرعية الفعل والمصداقية لدى الجماهير والاعتزاز بالذات واحترام الرأي الآخر ".


سؤال: كم الساعة الآن..؟                    

جواب: الساعة الحادية عشر والنصف


سؤال: إلى أي حد الوقت مهم في حياة الإنسان..؟                       

جواب: الحكمة القديمة تقول:"الوقت من ذهب" ولكنني لن أبالغ إذا ما عدلت الحكمة قليلا لتصبح "الوقت أغلى من الذهب".

 
سؤال: هل أنت متفائل بالألفية الثالثة..؟                    

جواب:  متفائل للغاية. لا شيء يمنح للإنسان قوة غير تفاؤله بإمكانية تحقق رغباته وآماله وأحلامه ومشاريعه ومخططاته.

 

سؤال: ماذا تعني لك المبادرة الوطنية للتنمية البشرية..؟                        
جواب:  المبادرة الوطنية للتنمية البشرية هي تحول تاريخي في تدبير الشأن العام في المغرب بالانتقال من أولوية الدولة إلى أولوية الإنسان. فلا استثمار خارج الاستثمار في الإنسان الذي يبقى في نهاية المطاف هو الاستثمار الوحيد المضمون في ربحيته ورهانه.

 
سؤال: والمغرب في أفق 2050كيف تراه..؟                                                        
جواب: لا يمكنني استشراف المستقبل وبالخصوص بنصف قرن من الزمن. لكن إذا كان المقصود هو كيف تتمنى أن ترى المغرب في أفق 2005، فأعتقد كمغربي أنني سأكون أسعد ولو في شيخوختي أن أرى المغاربة أسماكا طليقة في محيط سليم.

 
سؤال: من وجهة نظرك هل تغير المغرب..؟                                                     
جواب:  "التغير" في اللغة يحتمل معنيين. المعنى الأول إيجابي وهو التغير إلى المبتغى إلى الأمام ويسمى في هذه الحالة "تطورا" وقد عرف المغرب تطورا على عدة واجهات خاصة واجهة الحريات. أما المعنى الثاني لكلمة "التغير" فهو معنى سلبي وهو التغير إلى ما لم يكن في الحسبان ويسمى في هذه الحالة "مسخا"  ولنا في رتبة المغرب في التصنيف السنوي للتنمية البشرية الذي تصدره الأمم المتحدة مثل على ذلك.

 
سؤال: الصحافة في المغرب كيف هي الآن..؟                                                           
جواب: " ماتت الصحافة، عاشت الصحافة". عرف الإعلام في المغرب منذ فجر الاستقلال هيمنة قطبية تجاذبتها الدولة في شخص الإعلام الرسمي المسموع والمرئي والمكتوب والأحزاب في شخص المطبوعات والدوريات المكتوبة إلى حدود سنة 1968 التي كانت "سنة فاصلة" في تاريخ الإعلام بالمغرب والتي تميزت بميلاد أول قناة تلفزية حرة ، القناة الثانية، التي كسرت إلى حد ما هيمنة التلفزة الوحيدة حتى تلك الساعة. وفي التسعينيات، جاء دور الأعلام الحزبي، فبدأت أولى تباشير الصحافة الحرة المستقلة مع "مغرب اليوم" و"الزمن" وغيرهما. ونحن اليوم نعيش عصر الصحافة المغربية المستقلة بامتياز. هذه الصحافة التي ساهمت في رفع سقف الحرية في البلاد إلى حد صارت فيه تشكل معارضة للحكومة أحيانا في ظل ضعف المعارضة البرلمانية. فاحتلال الإعلام المستقل لمكانة الأعلام الحزبي سابقا أساسه ليس صحة الخبر أو عدم صحته بل في الحرية في نقل الخبر وهذا ما يفتقد إليه الإعلام الحزبي المغربي الذي تعاني أحزابه من جهة أخرى أزمة ديمقراطية داخلية.

 

سؤال: هل تعتقد في وجود مجتمع مدني في المغرب..؟                         
جواب : مفهوم المجتمع المدني في المغرب مفهوم حديث العهد بالوجود ينبني في أهم أركانه على تحالف المثقف والجماهير. لكن في ظل النسبة العالية للامية في البلاد وتدني المستوى الثقافي لدى الباقين من غير الأميين  وتنامي البطالة واستفحال التفكير الانتهازي الظرفي الانتخابوي... يصعب من مامورية العمل الجمعوي المدني في هذه الظرفية الانتقالية من تاريخ المغرب. لكن الوعي بهذه الصعوبات قد يكون قادرا على تذليلها.

  
سؤال: هل تشكل الأصولية خطرا على الأفق الحداثي لمغرب المستقبل..؟          
جواب: الحداثة مسار تطور طبيعي لأشكال التفكير والحياة في أي ثقافة من الثقافات تؤطره الحرية والعقلانية. لكن الحداثة ليست خطابا إنها ثمرة مخاض لقحته "المصداقية" لدى الجماهير. ولا أعتقد أن مسارا ينبني على الإرادة الخالصة والمصداقية في الفعل يثير خصوما او أعداء. ثم إن الأصولية ليست سوى شكل من أشكال التفكير الأولي أفقها الحتمي هو "الحداثة" وإن كان تحت شعار "أسلمة الحداثة" ولنا في تاريخ أوروبا وأمريكا المثل على ذلك.

 
سؤال: كيف السبيل إلى بناء الديمقراطية في المغرب..؟                                      
جواب: السبيل لبناء الديموقراطية في أي بلد ينبني أولا على ديكتاتورية الواجب وقدسية الحق وشرعية الفعل و"المصداقية لدى الجماهير" والاعتزاز بالذات واحترام الرأي الآخر .

 
سؤال: ما هو أهم كتاب قرأته في حياتك..؟                                            
 جواب: أول كتاب قرأته في حياتي كان كتاب "هكذا تكلم زرادشت" للفيلسوف الألماني المعروف فريديريك نيتشه وأنا طالب في سن الثالثة والعشرين من العمر. ولا زلت أتذكر القشعريرة التي كانت تلسعني وانا أركض بين دفتي هذا الكتاب المتفرد.

 
سؤال: آخر كتاب تقراه الآن..؟                 

جواب: أعكف حاليا على قراءة الأعمال المسرحية الكاملة للكاتب المسرحي النيجيري وول سوينكا، أحد أهم رواد المسرح في الأدب الإفريقي والحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1968..

 

 

النقد السياسي العربي

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد شاويش
نشر بتاريخ: 17 أكتوبر 2001
انشأ بتاريخ: 17 أكتوبر 2001
الزيارات: 8

النقد السياسي العربي بين الموضوعية والاستلاب
محمد شاويش - برلين

أ- النقد الموضوعي، النقد المطابق:
ينبثق "النقد" في التجربة الفردية من شعور الفرد بالإحباط عندما يخفق في تحقيق هدف من أهدافه، وفي هذه الحالة لا بد له من أن يحمّل شيئاً أو إنساناً مسؤولية إخفاقه، والمعتاد كثيراً أن يحمّل الفرد المسؤولية لأشياء أو بشر آخرين ولا يحملها لنفسه ، لكننا نراهن على أن تربية اجتماعية ملائمة قد تعطينا أفراداً قادرين على النقد الذاتي. والمشاهد في مجتمعنا أن النقد الذاتي شيء نادر جداً، بحيث أننا يمكن أن نعده موهبة نادرة هي أقل انتشاراً من موهبة الرسم أو الموسيقى أو الشعر أو موهبة الاختراع في الميادين العلمية والتقنية.
لأقل مباشرة أن النقد الذاتي عندنا هو شيء أساسي جداً لا نستغني عنه أفراداً ومؤسسات، لكن المسألة لا تنتهي بتقرير هذه الحقيقة العملية التي قد يتوقف عليها بدون مبالغة بقاء الوجود العربي كله، إذ ليس من الواجب أن نرحب بكل "نقد ذاتي"،  ذلك أن النقد الذاتي، مثله مثل أي نقد عموماً قد يكون موضوعياً وقد لا يكون، وفي الحالة التي لا يكون فيها النقد موضوعياً من الممكن أن يكون ضاراً جداً. وفي بعض الحالات يلزمنا أن نعرف السياق الذي يأتي فيه لنحدد وضع هذا النقد الذاتي من الموضوعية ومن الفائدة.
النقد الذاتي مثل أي نقد يمكن أن يستند إلى معايير عملية (تتعلق بالأفعال ونتائجها العملية) ويمكن أن يستند إلى معايير أخلاقية (أي إلى منظومة أخلاقية محددة)، ومن المألوف في المسائل السياسية أن يختلط النوعان من المعايير، فنحكم على فعل سياسي ما من منظور أخلاقي ومن منظور نتائجه العملية أيضاً. ولا شك أن الأيديولوجيات الموجودة في المجتمع تقوم بوظيفة "التعيين" كما سميتها ذات مرة في مقال عن "سيكولوجيا الأيديولوجيا"، وأعني بهذه الوظيفة أن الأيديولوجيا "تعيّن" (لأتباعها طبعاً) ما هو "خير"  وما هو "شر"، والنتيجة العاطفية لذلك أنها تحدد متى يغضبون ومتى يحزنون، وعلى أساس البناء الفكري الأيديولوجي أيضاً يفرح المناصر لأحداث ويحبط من أخرى وإلى آخره، والأيديولوجيات المتناقضة ينتج عنها عواطف متناقضة  تجاه الحدث الواحد، فموت عبد الناصر كان كارثة للقوميين (وكانوا أكثرية العرب آنذاك) ولكنه كان خبراً ساراً للإخوان. وقس على ذلك، والنقد الذاتي عند مناصري أيديولوجيتين متناقضتين نتوقع أن يسير في اتجاهين متناقضين، فيلوم واحد منهما نفسه لأنه يفعل شيئاً بينما يلوم نقيضه نفسه لأنه لا يفعله، ولو ظللنا في النطاق النظري المحض لظننا أن المجتمع لا يمكن أن يصل إلى إجماع على توجه نظراً لتناقض الأيديولوجيات فيه، ولكن الواقع لحسن الحظ يتضمن كثيراً من الأهداف والأحكام القيمية التي يجمع عليها أفراد المجتمع أو يكادون يجمعون، فثمة ما يشبه الإجماع في مجتمعنا على ضرورة التخلص من التفاوت في التطور التقني والعلمي، وفي الغنى الاقتصادي بيننا وبين الغرب.
الموضوعية في النقد تعني بناءه على معايير غير ذاتية، تجعله قابلاً للتقييم، والنقد غير الموضوعي هو على العكس ينبني على معايير متغيرة بحسب المصالح أو الأمزجة بحيث لا يكون منسجماً ولا ينضبط في إطار يجعلنا نستطيع الحكم عليه بالصواب أو الخطأ.
إذا أردنا أن نصوغ نموذجاً نظرياً أقترح أن نقول إن ثمة هدفاً معيناً يحدده المجتمع لنفسه في زمن معين، وينطلق نقده لذاته من منظور موقع العناصر المنقودة في مسار المجتمع المتوجه نحو هذا الهدف، فيحكم على هذه العناصر انطلاقاً من  تأثيرها على حركة المجتمع في هذا المسار. وفي مكان آخر كنت اقترحت استعارة مفهوم "الوعي المطابق" لنصف به ذلك الوعي الملائم لمسعى مجتمعنا لتجاوز حالة الانحطاط التي تجعله ضعيفاً مهزوماً متأخراً عن ركب البلدان القوية الحضاري، والنقد الذاتي المطلوب يجب أن يشتق في رأيي من هذا الهدف أيضاً وينبني على "الوعي المطابق" فيكون هو "النقد المطابق".
إنه ذلك النقد الذي يتناول تموضع العناصر الاجتماعية المنقودة في سياق الكفاح العربي لتحقيق هدف التخلص من الوضع الدوني الذي تشغله مجتمعاتنا حيال البلدان القوية القائدة للحضارة في العالم: هل هي متموضعة بحيث تشكل عائقاً أمام تحقيق هذا الهدف أم تشكل محفزاً ومشجعاً له؟.

ب- النقد المَرَضي، النقد الاستلابي:
ومن أنواع النقد غير الموضوعي نوع "مرضي" (بفتح الميم والراء)، لأنه لا النقد صحي دوماً ولا النقد الذاتي، فكلاهما يمكن في حالة معينة تحليله على أنه نتاج استلابي، وأعيد القارئ إلى كتابات قديمة لي في "نظرية الاستلاب" نشرتها في كتاب مشترك مع الدكتور حسين شاويش، وما أريد أن أستشهد به هنا هو تحليل موقف الاحتقار من الذات أو من الآخرين، وهو موقف أرى فيه في بعده العميق محاولة للتملص من الوضع الدوني كما تحدد عبر منظومة مرجعية استلابية مسيطرة، والاحتقار هو محاولة لنفي الانتماء إلى الأدنى عبر نبذه (بإظهار الاشمئزاز منه)، وطبيعته الوجدانية المرافقة (طبيعته العاطفية) تتجلى بأشكال تصل إلى العنف اللفظي أو الجسدي، وكثير من كتابات "النقد الذاتي" العربية يتجلى فيها بوضوح هذا الانفعال الاستلابي المصدر، فاحتقار المجتمع المحلي ونبذه يتم على أساس مرجع المنظومة الاستلابية المسيطرة المستبطن (مثلاً نموذج المجتمع الفرنسي كما يتصوره ياسين الحافظ)، ونقاط الاختلاف مع هذا التصور المستبطن للمرجع الاستلابي تعامل على أنها "أدلة" تعطي الحق للذات باحتقار من نحتقره، ويمكن للنظر الدقيق أن يرى أن "عقلانية" النقد هنا هي بالفعل غائبة، إذ لا ينتبه الناقد حتى إلى ضرورة البرهنة على أن "تفوق" المرجع و "دونية" نقيضه المحتقر (بفتح القاف) مرتبطة ارتباطاً ضرورياً بهذه السمات المميزة للموضوع الأدنى، ففي هذا النقد الاستلابي الذي هو فعل لفظي يحركه "دافع استلابي طبقي" نلاحظ ما أدعوه "ظاهرة التلوين"، فالحكم العاطفي على الموضوع "يتلون" بسمات الموضوع الخارجية التي قد لا يكون لها صلة منطقية بالمضمون الظاهر للحكم، (أي بدوافعه المعلنة أو التي يعيها صاحبها)، فالمواقف السياسية لحكام أنظمة الخليج مثلاً لا علاقة لها بكونهم ينطقون بلهجة بدوية! ولكن المشاهد أن هذه اللهجة أو ما وراءها من أصول بدوية مفترضة توضع كأنها "سبب" للمواقف ومبرر بالتالي للموقف الاحتقاري منها، ولعلنا نذكر في سياق مختلف قليلاً هجوم الشيخ محمد الغزالي على "الفقه الصحراوي"، وأنا شخصياً أعطيه الحق بضيقه بوجهات النظر الفقهية المتنطعة المتعصبة البعيدة كل البعد عن العالم والعصر الموجودة عند أوساط معينة في السعودية والخليج، ولكني لا أرى لوجهات النظر هذه علاقة ضرورية بالصحراء أو بالبدو، وبالعكس، فالحجاب المتعسف للمرأة مثلاً كان في بلادنا سمة للمدن وليس للريف ولا للصحراء! ولتفسير ذلك في اعتقادي تجب العودة إلى الظروف التاريخية الملموسة لنشوء هذه المدرسة الدينية التي تتميز في اعتقادي بميلها إلى أشد الفتاوى تعسيراً، لا الاكتفاء باحتقار هذه الحالات ، وجعل سبب وجودها الوحيد "تخلف" أصحابها!، إذن "تلوين" الفقه المحتقر بالصحراء والبدو تحول استلابي في النقد.
هذا التحول التلويني الاستلابي وخيم العواقب ومن واجبنا الانتباه إليه ونقده بكل دقة وصرامة، وعدم السكوت عليه.
إن نقد المجتمعات العربية الأخرى كثيراً ما لا يتم على أساس صحي وسأضرب الآن مثالاً أراه مهماً جداً وراهناً.
لدينا هذه المصيبة الكبيرة التي هي الطائفية، وبالذات الطائفية بين السنة والشيعة، وعند كل من الفريقين أوساط متعصبة لا تمانع في إغراق المجتمع بالدم وتحويل العلاقات بين الجيران وأبناء الوطن الواحد إلى علاقات عدائية تجعل المذابح الطائفية والتقسيم السياسي أمراً حتمياً يبدو أحياناً قدرياً.
تتمتع الطائفية "الشيعية" بخبرة تاريخية تجعلها تمارس أفعالها (وجرائمها التي لا تقل إجراماً عن نظيرتها السنية في الحالة العراقية) بصمت بلا إعلانات نظرية تذكر ولا بيانات تلفزيونية،  أما الطائفية "السنية" فعلى العكس من ذلك، هي طائفية معلنة بالبيانات والأشرطة التلفزيونية، تتباهى بجرائمها ومذابحها وتنظّر لها بكل وقاحة وبانعدام مطلق لأي وازع أو خجل.
في الموقف من هذه الطائفية المنتسبة إلى السنة هناك موقفان شائعان كل منهما هو بحد ذاته مصيبة كبرى تدلنا على مدة عدم ملاءمة الوعي عندنا لأهداف النهضة المرجوة، وكيف يمكن أن نعد غياب الوعي سبباً لانحطاطنا القائم وعاملاً على اندفاعنا في طريق منحدر يقود إلى درجات أكثر انحطاطاً بعد مما نحن فيه.
الموقف الأول هو الصمت عن الجرائم الطائفية التي يرتكبها مجرمون يحبون أن يسموا أنفسهم "أهل السنة والجماعة" زوراً وبهتاناً، إذ هم أقلية في الأكثرية السنية تتميز بتكفير العالم كله، وأول من تكفرهم أغلبية أهل السنة (مثلاً لأنهم: "قبوريون"، صوفيون"، "أشاعرة وماتريدية"، إلى آخر هذه الأفكار الثابتة التي ظلت ردحاً طويلاً تغذى بها عقول التلاميذ الصغار في بعض بلدان الخليج، والتي انتقلت بعد انقلاب بعض الشباب على قياداتهم الدينية والسياسية إلى بلدان عربية وإسلامية كثيرة لتنبني على أساسها حركات عنيفة مفرطة في الغلو والشراسة)، هذا الصمت يتم بدعوى أن هؤلاء "مقاومة" تقاوم الأمريكان في العراق.
كثير من الاستسلام خير من هذا النوع من المقاومة! لن يفيدنا في شيء "مقاوم" يضع في "برنامجه" إبادة الشيعة، بل موقفه الفعلي هو أكثر المواقع إجراماً: الموقع الذي ينفذ فيه مخطط التقسيم الطائفي بدعوى مقاومة الاحتلال.
مع الأسف ثمة تقصير من الطرفين في إدانة الطائفيين، ومن المحزن سكوت شيعة ذوي اعتبار ومصداقية عند المسلمين كلهم عن الإدانة الواضحة للطائفيين الشيعة، ومن هؤلاء مثلاً "حسين فضل الله" وأهل المصداقية العالية في لبنان.
وثمة تقصير فادح في أوساط علماء السنة الذين يكتفون بإدانة الجرائم الطائفية دون تسليط الانتباه والضوء على القاعدة التكفيرية التي ينطلق منها هؤلاء: إنها هذا المبدأ الوخيم الذي استمر لسنين طويلة يعلّم في مدارس الخليج والسعودية، وكان آنذاك يستعمل أيديولوجياً كجزء كفاحي ولكنه نظري بحت من الأيديولوجيا التاريخية التي شرعنت لقيام الدولة السعودية وهي الأيديولوجيا الوهابية. هذا المبدأ هو الذي يسمونه "مبدأ الولاء والبراء"، ويعني في الحقيقة أن كراهية كل من هو ليس من "الفرقة الناجية" واجب ديني، وفكرة "الفرقة الناجية" هي في الحقيقة ليست بعيدة عن فكرة "الشعب المختار"، وعلى أساسها يتوجب كره العالم كله باستثناء هذه الأقلية التي تسير على هدى ما يزعمونه "مبادئ السلف" كما تتحدد من خلال التأويلات الحديثة لبعض مبادئ ابن تيمية (وهي تأويلات ضيقة الأفق بعيدة كل البعد عن الإحاطة بمجمل نشاط ابن تيمية الفكري الذي مهما قلنا فيه كان أكبر بكثير وأوسع من المستوى المحدود لأفكار أنصاره الجدد المزعومين هؤلاء) وكما تتجلى في الحروب الوهابية في الجزيرة كما يعيدون تأويلها واستبطان تجاربها المتخيلة، وأسوأ ما في هذا المبدأ هو عد الشيعة مشركين يباح دمهم، ومن البديهي طبعاً عند هؤلاء العداء لليهود والنصارى (وهو في الحقيقة ليس مبدأ إسلامياً بل هو مبدأ جاؤوا به من عند أنفسهم، إذ القرآن يقول بصراحة إن أهل الكتاب "ليسوا سواء" وإن الواجب هو معاداة المعادين فقط، بينما يحبنا الله إن بررنا وأقسطنا بمن لم يقاتلنا ويخرجنا من ديارنا ويظاهر على إخراجنا!)، لكنهم يقولون أيضاً "إن الرافضة هم شر من اليهود والنصارى".
وجود هؤلاء ودورهم التخريبي الكبير أمر حقيقي وواقعي لا يجوز إنكاره، وأدعو المنكرين إلى فتح الإنترنيت وقراءة ما يكتبه هؤلاء في منتدياتهم، ليعرف أن طائفيي العراق "السلفانيين" كانوا في حربهم الطائفية على الشيعة منسجمين مع هذه "المقدمات النظرية". وحتى بعد الحرب الأخيرة التي شنها أولمرت في لبنان تجد فيهم من يناقش في السؤال التالي: هل يجوز الابتهاج بانتصار "إسرائيل" على "الرافضة"، قياساً على ابتهاج المسلمين الأوائل بانتصار الروم على الفرس؟ (على اعتبار أن الشيعة الذين يسمونهم بالاسم الاحتقاري "رافضة" مشركون ليسوا أهل كتاب على حين أن اليهود على كل حال أهل كتاب!).
الموقف الثاني من هذه الطائفية هو موقف يهاجمها بعنف، ولكنه "يلوّنها" كما قلت في فقرة سابقة فينسب هذه الطائفية الإجرامية إلى مجتمع كامل وشعوب عربية كبيرة هي جزء لا يتجزأ من نسيجنا الاجتماعي.
ليست السعودية كلها تؤخذ بجريرة هؤلاء ، وليس أهل السعودية كلهم "مصبوبين" بصورة نهائية في هذا النموذج، وقد أتيحت لي الظروف أن أتعرف، غالباً عبر الإنترنيت، على شباب سعوديين على أعلى مستوى من الأخلاق والتفتح الذهني والبحث عن الأفكار الجديدة المفيدة، بل لعلم الذين يأخذون مواقف عنصرية من أهل الخليج والسعودية خصوصا ويتهمونهم اتهاماً جماعياً بالجهلً: السعودية وفقاً للإحصائيات هي أكبر بلد عربي مستهلك للكتب!، هناك ناس تتعلم من التجارب في السعودية وهذا الشكل المتطرف من الوهابية المنتشر في أوساط شعبية ليس هو الشكل الوحيد، فالفارق كبير بين الشيخ "بن جبرين" الذي يكفر الشيعة ويدعو لخذلانهم في لبنان وغيره، والشيخ سلمان العودة أوالدكتور محسن العواجي الذي نراه في مقال أخير له ينقلب  على ذلك المبدأ الوحشي الذي نسبوه إلى الإسلام زوراً وأسموه "الولاء والبراء" إذ يقول: "اللهم انصر المظلومين من ذرية آدم على من ظلمهم وبغى عليهم يا رب العالمين، اللهم إنا نحمدك أن نصرت الروم على الفرس يوم فرح المؤمنون بنصرك لهم فيما بعد، ونصرت السود المستضعفين في جنوب أفريقيا على من ظلمهم من البيض العنصريين من حزب (الأبارثايد)، و نصرت الفيتناميين المظلومين على المعتدين الأمريكان، فا للهم انصر كل مظلوم فوق كل أرض وتحت كل سماء فأنت رب العالمين و أرحم الراحمين ورحمتك وسعت كل شي، وما أرسلت نبيك إلا رحمةً للعالمين، والخلق كلهم عيالك، وأنت القائل سبحانك ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القرى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)".
 لا يقدر هذا الدعاء حق قدره ويعرف "معناه التاريخي" إلا من درس طويلاً وخبر المنطق "الوهابي الشعبي" الذي كان حتى الآن لا يعترف بمفاهيم من نوع "السود المستضعفين" أو "الفيتناميين المظلومين"، فكل هؤلاء عند الوهابية الشعبية التي تعبر عن نفسها في مواقع الإنترنيت "السلفية" الكثيرة هم أعداء وفق مبدأ "الولاء والبراء" لأنهم غير مسلمين! لا فرق فيهم بين ظالم ومظلوم، ولا حتى بين من يساند العرب والمسلمين ومن يعاديهم، فسيان شارون و "ناطوري كارتا"، ولا فرق بين بوش و "راشيل كوري"!، والحديث القائل إن "الخلق عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله" التي عاد العواجي بحسه السليم إلى التذكير به لا يعني عند هؤلاء إلا "الخلق المسلمين" بتعريفهم طبعا للمسلمين! ولعل الآية الكريمة "ليسوا سواء" هي في نظر هؤلاء منسوخة!..
تلك مجتمعات عزيزة هي جزء من ذاتنا الاجتماعية لا يجوز سلخها بجريرة اتجاه جاهل تكون عبر تاريخ معقد ساهم فيه أعداؤه المفترضون الآن بنصيب وافر، فقد نمى ذلك الاتجاه المتعصب المنغلق تحت سمع العم سام وبصره، وكذلك تحت سمع البريطانيين وغيرهم وأبصارهم، وكانوا يستلطفونه، لأنه ساهم لفترة طويلة في عزل السعودية والخليج عن كل القضايا الأساسية للأمة العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ثم ألف القوة الضاربة التي أخرجت السوفييت من أفغانستان وساهمت في هزيمتهم في "الحرب الباردة".
المجتمع السعودي والمجتمعات الخليجية جزء من الذات العربية، يهمنا أمرها، ولا يجوز أن نحاول عزلها أو نبذها، وبعض من يحاولون فعل ذلك على كل حال يحاولون فعله لأسباب لا تتعلق فعلاً بكراهيتهم للتعصب، بل بكراهيتهم لكل ما له علاقة بكلمة "عربي" أو "مسلم"، لذلك لا تراهم حقاً ضد التعصب أينما كان، بل هم انتقائيون يكرهون نوعاً من التعصب ويناصرون آخر!، ما يجري في تلك المجتمعات يجب على المثقف العربي المخلص أن يتابعه ويبدي آراءه النقدية فيه المبنية على ما أسميته "النقد الموضوعي"، وليس على أساس النقد غير الصحي أو المستلب.

 

على أجنحة الأفكار

التفاصيل
كتب بواسطة: أحمد بلخيري
نشر بتاريخ: 03 أكتوبر 2001
انشأ بتاريخ: 03 أكتوبر 2001
الزيارات: 8

على أجنحة الأفكار

أحمد بلخيري
باحث مسرحي / المغرب

  تحت عنوان شاعري هو "على أجنحة أفكارهم"1، نشر أحمد طايل، المصري الجنسية، كتابا، تضمن حوارات أجراها مع عدد من المثقفين هم : ابراهيم أصلان، جار النبي الحلو، عايد الرباط، أحمد الخميسي  عن أبيه المتوفى عبد الرحمن الخميسي، يوسف القعيد؛ وكلهم مصريون. هذا إضافة إلى الشاعرة العراقية المقيمة بلندن وفاء عبدا لرازق.
  كانت الأسئلة متعلقة، في عمومها، بالبدايات الثقافية بالنسبة للأشخاص المحاورين (بفتح الراء)، وقضايا الواقع، والكتابة. على أن أطول حوار في الكتاب هو ذلك الذي كان مع الروائي يوسف القعيد. إن هذا الحوار الأخير بالخصوص يعد وثيقة مهمة لمعرفة آراء يوسف القعيد في عدد من القضايا. كما أنه، أي الحوار، يساعد في معرفة عالم يوسف القعيد الروائي. وليس في هذا الحكم أي تبخيس لباقي الحوارات، ولكن طول هذا الحوار جعله أكثر غنى بالمقارنة مع باقي الحوارات الأخرى، التي لاتخفى فائدتها  هي الأخرى.
  في بداية كل حوار كانت هناك جملة، يمكن اعتبارها مفتاحا لعالم الكتابة عند كل واحد على حدة. وهكذا نجد بالنسبة لإبراهيم أصلان الجملة التالية: "شاعر القصة القصيرة"، ولجار النبي الحلو: "وشاطئ الحكايات"، ولعايد الرباط: "والدراما التاريخية"، ولعبد الرحمن الخميسي: "جان كوكتو العرب"، وليوسف القعيد: "المواطن المصري". لكن الجملة التي خصصت للشاعرة العراقية لم تكن مفتاحا لإبداعها، وإنما كانت "إطلالة عربية مع الشاعرة العراقية وفاء عبد الرازق". قد يكون سبب الفرق بين الجملة المخصصة لهذه الأخيرة، والجمل/المفاتيح المخصصة لأولئك راجعا إلى كون صاحب الحوارات أكثر إطلاعا على مجالات الكتابة والإبداع لدى مواطنيه المصريين، بالمقارنة مع إطلاعه على إبداع الشاعرة العراقية المذكورة.
  بين ابراهيم أصلان في الحوار الذي أجراه معه أحمد طايل كيف أن الطموحات والأهداف كانت في مرحلة الشباب ضخمة وكبيرة، ولم تقل مع تقدم العمر، ولكن مع هذا الأخير ازداد الوعي. هذا الأخير هو الذي جعل ابراهيم أصلان يتخلص من بعض الأحلام أمام صخرة الواقع. في طليعة هذه الأحلام المجهضة حلم "الوحدة العربية". يقول أصلان في هذا الصدد وهو يشير إلى أحلام جيله جيل الستينيات من القرن العشرين: ".. وفي ظل ظروف كتلك التي تربي عليها جيلي وفي ظل انهيار المشاريع الضخمة مثل الحديث عن القومية العربية التي يعتبر الحديث عنها خروجا من أي منطق! كنا نعيش في ظل مجموعة من الأحلام القومية الضخمة وإحساس بكبرياء ضخم جدا انهار تماما عام  1967 ". لكن هذا الحلم، وانكساره خصوصا، لايعود إلى الجيل المقصود، أي جيل الستينيات. ذلك أن هذا الجيل "عاش أحلاما وخيبات أمل كبيرة أيضا دون أن يكون له دخل في هذه أو تلك!!". لكن من هي أو ماهي الجهة بالضبط المسئولة عن هذا الانكسار وهذه الخيبات؟. لم يفصخ ابراهيم أصلان عنها مباشرة في الحوار.
  وقد شمل الحوار معه أيضا معضلة حقيقية تتعلق بالواقع الثقافي العربي الراهن. ذلك أن استهلاك الثقافة "ليس جزءا من الممارسة الحياتية للمواطن"، خلافا "للمواطن في دول أكثر تقدما"، الذي تعتبر الثقافة ركنا أساسيا من حياته اليومية حسب أصلان. لكن إذا كان الوضع هو على هذه الحال، فما هو الدافع إلى الكتابة؟. يجيب هذا الأخير قائلا :" إنني عندما أكتب أعبر عن نقاط فيما هو مشترك وإنساني بيني وبين الناس، وإنني إن كنت لاأستطيع أن أتبنى رؤية سائدة في أن أحقق تكاملا مع الآخرين من خلال أن أعيش برؤاهم السائدة فإنني أدعوهم من خلال عمل أن يشاركوني رؤية العالم فأحقق التوازن أو التكامل". تحقق الكتابة إذن التكامل والتوازن النفسي بالنسبة للكاتب، كما أنها- عنده- دعوة للأخرين لمشاركته رؤيته التي تختلف عن رؤية سائدة.
  وبعد أن أشار إلى مرحلة الستينات وجيلها، أقر بأن المرحلة المقصودة كانت "مفصلا أساسيا ليس بالنسبة لمصر فقط بل لشباب العالم كله، نحن نتذكر-يقول أصلان- مظاهرات الطلاب في فرنسا وفي اليابان والثورة الثقافية في الصين، كان العالم بأكمله يعيد طرح رؤى مغايرة بحساسية مغايرة". والملمح والسمة الأساسيان التي تخص الكتابة عند هذا الجيل في مصر هي "أن الكتابة السابقة عليه كانت تبدأ من معنى معين أو ايديولوجية محددة ثم تبرهن الكتابة عبر العمل على ذلك، حيث كان العمل الأدبي أو الفني يحمل رسالة من أجل القارئ، وقد أصبحت هذه الرسائل مكررة ولاتعبر عن مجمل الناس، وجيل الستينات لم يأت كي يحمل رسالة، لم يأت ليعبر عن معنى شائع أو متداول أو مفهوم بالنسبة للعالم من حوله، لكننا رحنا نسعى من خلال العمل الأدبي والإبداعي للتوصل إلى معنى للتوصل إلى حقيقة" حسب رأيه. هذا الجيل كانت "الهموم الاجتماعية هي الأساس في عملهم". ومن السماء التي تنتمي إليه أمل دنقل وبهاء الطاهر والعديد من الأسماء.
  وبعد أن تحدث عن مفهوم الشخصية في كتابته، التي تنمو وتتحرك في علاقاتها مع باقي الشخصيات الورقية، ولذلك هي ليست جثة كما يرى، وبعد أن تحدث عن مفهوم  التراث الذي هو مرتبط بالحياة الاجتماعية من خلال التقاليد والقيم والأعراف، جوابا عن سؤال في الموضوع، أبرز أن مصادرة الكتب أمر مسيء (وأنا أكتب هذه المقالة قرأت خبرا عن منع مسرحية "خمسون" لفاضل الجعايبي التونسي من قبل السلطات التونسية بعد عرضها في باريس!!. أ. بلخيري). وقد اعتبر أن الرقيب لايمثل مصر، ولا الحكومة تمثل مصر كلها، "لأن مصر أكبر جدا من أي فرد أو جماعة".
 إضافة إلى ماسبق، تضمن الحوار إشارات إلى تأثير الحي الشعبي الذي يعيش فيه في كتابته. وهنا قسم السرد إلى سرد اجتماعي وسرد سياسي وسرد جنسي. وعادة ما يهيمن السرد الذي "تقوم به مؤسسات عبر قرون ومؤسسات سياسية دينية واجتماعية". لكن خطورة هذا السرد الأخير تكمن في كونه "يقوم على التفكير بدلا من الناس والتخيل بدلا منهم". ولذلك فهو ذو "منطق تديجني". لكن منطق "السرد الشعبي أو السرد الشفاهي منطق مختلف فهو مختلف جدا".
  وقد استفاد ابراهيم أصلان من عمله الوظيفي في التلغراف كما يقول. إن التلغراف "جعلني أزداد يقينا ببعض الأشياء فأنا أومن بأن كل ما يمكن استبعاده من النص يستبعد"، و"عدم اللجوء إلا لكتابة كل ماهو مفيد و ضروري". إن الأمر يتعلق باختصار بتشذيب الكتابة وحذف الزوائد فيها. ورغم سيادة المجاملة في النقد، حسب رأيه، بحثا عن "المنافع الصغيرة" التي "تدر ربحا ولكنه ضار"، فإن "هذا لايمنع من وجود أصوات مازالت تتمتع بالنزاهة".
  هذه هي أبرز القضايا التي تضمنها الحوار الذي أجراه أحمد طايل مع إبراهيم أصلان. أما حواره مع جار النبي الحلو فكانت العلامة /المفتاح هي "شاطئ الحكايات". وهي علامة لغوية تحيل على "بستان الحكايات" وأدب الطفل. لكن جار النبي الحلو ليس كاتبا للأطفال فقط ولكنه كاتب قصصي وروائي. وحسب تقديم أحمد طايل فإن الحلو "قام بكتابة سيناريوهات" و"تحولت معظم أعماله الأدبية إلى أعمال درامية..ليس في مصر فحسب..بل الوطن العربي.. وتمت أيضا دبلجة بعض أعماله إلى اللغة الصينية والألمانية".
  بدأ جار النبي الحلو حواره، جوابا عن سؤال، بالتأكيد على فرادة وخصوصية كل كاتب للقصة القصيرة. هذه الأخيرة تعبر عن "آلام المهمشين" وتحمل على عاتقها "عبء التنوير". وهو يعتبر يوسف إدريس أول كاتب للقصة القصيرة في مصر من الناحية التاريخية من خلال مجموعته القصصية "أرخص ليالي"، حيث "قدم قصصا مصرية". أما قبله فالموجود "كان مجرد ترجمات" و"محاكاة للترجمات". كانت بدايته الأدبية إذن في القصة القصيرة، ومنها إلى الرواية فقصص الأطفال فمسرح الأطفال ثم كتابة السيناريوهات للتلفزيون. هذا الترتيب قد يكون مطابقا للواقع وقد لايكون؛ ولكنه هو الموجود في الحوار. وقد يبدو للوهلة الأولى أن وصف القصة بكونها قصيرة يفيد أنها سهلة حين كتابتها، ولذلك ينبه الحلو إلى أنها "أصعب الفنون في الكتابة وإن تصورت نفسك تسبح في نهر القصة القصيرة وأنت غير ممسك بأدواتها جيدا، الأدوات الفنية.. الثقافية..الخبرة..الوعي، سوف تكتشف أنك في النهاية تسبح في مكان ضيق للغاية..!! ". وهو رأي يبدو أنه صادر عن خبرة ومراس. ومثلما نبه إلى صعوبة كتابة القصة القصيرة، نبه كذلك إلى أن "الكتابة للطفل من أصعب الأشكال الفنية الأدبية الإبداعية". وعلى هذا الأساس وانطلاقا من هذا الإدراك فقد قال: "عندما أكتب إلى الطفل مسلسلات بالتلفزيون فإنني أخاطبه كرجل محترم ..وعقل محترم. كتبتله "الجبرتي".. كتبت له مسلسل "حكايات منسية" من تاريخنا العربي كانت من أهم المسلسلات التي حازت على جوائز عدة وتمت دبلجتها إلى الصينية..كتبت له حوادث الشعوب..".
  نترك جار الني الحلو وحكاياته، ومنها "حكايات جار النبي الحلو"، التي اعتبرها رواية وليست مجموعة قصص قصيرة، إلى عايد الرباط. هذا الأخير قدمه أحمد طايل بكونه "من أشهر كتاب الإذاعة والتلفزيون". كما أنه ترجم العديد من الكتب المتعلقة بالأنظمة السياسية. إن اطلاعه على الثقافة الغربية ناتج عن كونه خريج قسم اللغة الإنجليزية بجامعة عين شمس. وقد كانت بداية التعارف بينهما لما علم أحمد طايل بأن عايد الرباط بصدد إنجاز مسلسل تلفزيوني عن الشيخ محمد عبده، فتحركت رغبة طايل في اللقاء معه قصد إثبات معلومة تتعلق بمكان ولادة الشيخ وهي قرية" حصة شبشير مركز طنطا "، وهي القرية التي ولد فيها أيضا أحمد طايل، وليس "محلة نصر" التي هي مسقط رأس والد الشيخ واسمه عبده خير الله. إنه الوفاء لمكان الولادة. ويبدو من خلال الحوار أن عايد الرباط كاتب صاحب رأي ومبدأ يدافع عنه، "لذلك فصل من الإتحاد الإشتراكي بقرار جمهوري". ولأن الأمر كذلك فقد تضمن الحوار مواقف كان يتم تمريرها أحيانا عن طريق الإبداع التلفزيوني. "ففي الفترة التي انتشر فيها الإرهاب وساد المفهوم الضيق للدين وانتشرت التفسيرات الخاطئة بدأت تنفيذ فكرة المكتبة الإسلامية المتلفزة وهي محاولة لفهم القرآن والسنة فهما صحيحا" كما يقول عايد. وقد شن هجوما في الحوار على الوصوليين من النقاد وأشباه النقاد، إلا أن الساحة النقدية لحسن الحظ يوجد فيها نقاد فعليون، ومنهم في رأيه عبد العزيز حمودة وسامي خشبة...وهو بحكم خبرته في مجال الدراما التلفزيونية فقد شخص مكامن الإسفاف الذي يمكن أن يعتري هده الأخيرة. إن الإسفاف قد يكون في الحوار أو في الفكرة أو في الحركة. وبتعبيره "إن الإسفاف هو إسفاف في الحوار-إخراج لفظ غير لائق- وفي الفكرة- تقديم فكرة غير محترمة- وفي الحركة تقديم حركات لاتناسب أن تدخل البيت المصري" .
  إذا كان المجال الذي يبدع فيه عايد الرباط هو "الدراما التاريخية" و"الدراما التلفزيونية"، فإن مجال الإبداع عند عبد الرحمن الخميسي بصفة خاصة هو المسرح فضلا عن القصة القصيرة وإنتاج وإخراج الأفلام السينمائية والكتابة للموسيقى. لكن "الحوار" مع هذا الأخير هو في الحقيقة  "حوار" افتراضي وليس حقيقيا. ذلك أن كل الحوارات التي تضمنها الكتاب كانت مع مبدعين أحياء إلا حوارا كان عن مبدع ميت من خلال ابنه. وعليه، فإن المبدع الراحل عبد الرحمن الخميسي لم يكن طرفا مباشرا في الحوار وإنما كان موضوعه، حيث كان الحوار مع ابنه الدكتور أحمد الخميسي.
  هناك آراء هي في الحقيقة للابن وليست للأب. مثال ذلك مايلي: " إن الخميسي أول وآخر من عرب الأوبريت الأجنبي وهذه التجربة بالفعل لم تتكرر..وكانت الدولة في حينها تريد أن تحيي المسرح الغنائي الذي انتهى فعليا بوفاة سيد درويش.. وقد يقول البعض إن هناك محاولات الموسيقار "محمد عبد الوهاب" ولكني أقول إن عبد الوهاب قام بمحاولات تأليف مشاهد حوارية غنائية ولكنه لم يستطع الدخول إلى هذا البيت الضخم..من هنا كان أوبريت "الأرملة الطروب" تجربة رائدة بالفعل..لأن التعريب بالفعل مسألة صعبة والصعوبة هنا تكمن في أن تأخذ عملا مغنى بلغة مختلفة عن لغتك وتحوله إلى اللغة المصرية أو اللهجة المصرية". نحن إذن أمام رأي للابن وليس للأب المبدع. لكن مع ذلك، في هذا الحوار تعريف بإبداعات عبد الرحمن الخميسي، الذي اعتبره محمد مندور-حسب ابنه- شاعرا بالدرجة الأولى. فالشعر وفق هذا الرأي موجود حتى في الكتابة القصصية عند هذا المبدع.
  لكن إذا كانت مجالات الإبداع عند الخميسي متعددة ، فإن مجال الإبداع كان كذلك عند الشاعرة العراقية المقيمة بلندن وفاء عبد الرازق، التي قدمت نفسها للقراء من خلال الحوار كما يلي:"عرفت من خلال ديواني (هذا المساء لا يعرفني) ومجموعتي القصصية (إذن الليل بخير) ثم روايتي الشعرية (تفاصيل لا تعرف الذاكرة) إنها رواية مختلفة تعتني بالتوثيق للأماكن والعادات والتقاليد في البصرة إضافة إلى الأهازيج الشعبية أي بمعنى ذاكرة الناس والشارع، كتبت الرواية هنا بروح الشاعرة فكانت المدينة هي موسيقاي إذ هي البطلة الأولى وأنا والشاعر بدر شاكر السياب البطلان المرافقان لها". لماذا البصرة بالضبط؟ لأنها من مواليدها. وهي شاعرة بالدرجة الأولى، لذلك اكتسح الشعر الرواية في كتابتها الروائية، وليس العكس، حسب قولها، تماما مثل عبد الرحمن الخميسي الذي تسلل الشعر إلى كتابته القصصية حسب الرأي السابق الذكر.
  لقد شن عابد الرباط هجوما على النقاد إلا قلة قليلة منهم؛ أما وفاء عبد الرازق فقد هاجمت النقاد (مع تصنيفهم) والمبدعين على حد سواء، وبطبيعة الحال ليس كل النقاد وكل المبدعين. ويبدو أنه من المفيد نقل تصنيفها للنقاد بلغتها. تقول هذه الأخيرة جوابا عن سؤال يتعلق بأدعياء الأدب والنقد:" هو من وضع نفسه بهذا المأزق لأنه يتعامل مع النص بفوقية عالية، فأغلب النقاد في الصحف أو المجلات الثقافية نقودهم غير مجدية لأن الناقد يتحدث عن نفسه وعن نظريته التي تصبح كالسيف لقطع رقبة المبدع وإنتاجاته، هذا إذا تجرد من الخصوصيات والمحسوبيات، النقد الذي يتبنى فكرة بناء الحياة في العمل والذي يكون تلك الشحنة من الطاقات التي رافقت المبدع أثناء مخاض الكتابة قليل، والنقاد المبدعون يعدون على الأصابع، والوضع يحرضني على قول إن الساحة لاتخلو من مدعين سواء على الصعيد الإبداعي أو النقدي وللأسف الشديد هناك من تأتيهم الأعمال كاملة وتسجل بأسمائهم، إني أتساءل كيف يكتب الإنسان على نفسه، ويأتي ناقد كاتب ليكمل الدورة.
  أصنف النقاد إلى ثلاثة أنواع، ناقد يبحث عن المبدع الاسم الذي يضيف إليه ولا يبحث عن النص ويتعب نفسه في الوصول إليه، يغربل ويبحث للحصول على انتاجات لم يتعرف عليها النقاد للأسباب ذاتها، وناقد ينتظر منة دولار أو أية خصوصية نفعية ليرفع النص إلى السماء ويمارس علمه التنظيري وكأن النص وصاحبه أية قرآنية وعلى الجميع أن يحفظها غيبا كما حفظ هو ثمنها في الجيب، وناقد مبدع يملك الأمانة الفنية، بمعنى أنه ينحاز للعمل لا لهوية صاحب العمل أو مركزه، أما النوع الرابع والذي لم أعده ضمن الثلاثة السابقين فهو الناقد الهدام وكأن مهمته التشريح ولو كتب هو مرة ستجد نصوصه خاوية والمصيبة هي أنهم يتكلمون بنرجسية".
  حين قرأت رأيها هذا في كتاب "على أجنحة أفكارهم"، حسبت أنها تتابع الوضع الإبداعي والنقدي المغربيين عن كثب، لكنني استنتجت أننا في البلاد العربية في الهم سواء؛ لا فرق، من هذه الناحية، بين المغرب والعراق وسواهما من الأقطار العربية.
  لم تقتصر آراء وفاء عبد الرازق في الحوار على المجالين الإبداعي والنقدي، ولكنها عبرت عن آرائها حول العلاقة بين الثقافة والسياسة أو المثقف والسياسي. وفي هذا السياق، لاحظت أن المثقف الحقيقي مستهدف من السياسي. فهذا الأخير يخاف من صوت الأول ومن فعاليته في المجتمع. كما لاحظت أيضا ظهور ثقافة غير نظيفة حسب وصفها لها. هذه الثقافة "تفتقر إلى النزاهة وخاصة من القائمين على المهرجانات أو المؤسسات الثقافية، فيؤدي ذلك إلى انعزال المبدع الرافض للمساومة وتقوقعه على نفسه. إضافة إلى أن المثقف لا يستطيع المشاركة في القرار السياسي بينما السياسي هو صاحب القرار الأول والأخير في الشأن الثقافي. وعلى هذا الأساس ارتفعت أصوات عاليا وانخفضت أصوات وأسماء لها قيمتها الثقافية والإبداعية لكنها عزلت بسبب تخلي السياسة عن ما يمكن أن يرفع المستوى العام للفرد برقي الكلمة الحرة والرأي الحر". هذا فضلا عن "الثقافة الحزبية والتي تؤدي بدورها إلى إلغاء الآخر وإبعاده عن تكتلاتهم". مرة أخرى، كما لو أنها تتابع راهن الشأن الثقافي المغربي. ولكنها مأساة الرأي الحر والفكر النقدي الحر في البلدان العربية.
  تختلف هذه البلدان جغرافيا، ولكنها تتوحد في عزل وتهميش ومحاربة هذا النوع من الفكر. إن"الثقافة دائما هي ضحية استغلال السلطة الرسمية، والمثقف العربي يجد نفسه متأخرا لا يستطيع اللحاق بركب الثقافة العالمية وإن أراد الوصول عليه أن يترك عالمه العربي هاربا إلى أحضان الثقافات الأخرى باحثا عن مساحة من الحرية". وهو كذلك ضحية "سماسرة الكتاب". هذه بعض الآراء التي عبرت عنها الشاعرة العراقية المقيمة بلندن وفاء عبد الرازق في الحوار. وهي لا تؤمن بمقولة الأدب النسائي، لأن الأدب إنساني لا يتحدد بالجنس.
  كان الحوار الأخير في الكتاب مع الروائي يوسف القعيد. تم التطرق أيضا  في هذا الحوار إلى علاقة المثقف بالسياسي والعلاقة بين الأدب والسياسة. فبالنسبة للعلاقة الأولى يرى يوسف القعيد أنه "برحيل عبد الناصر ومجيء السادات بدأ تراجع المشهد الثقافي المصري  ووصل إلى غيابه التام وهو الحاصل الآن منذ أن بدأ السادات هجومه على الأفنديات ابتداء من منتصف السبعينات وحتى الآن. وهو يقصد بالأفنديات جماعة المثقفين". يبسط القعيد آراءه ومواقفه بكل وضوح. وهو يرى أن علاقة السياسي بالثقافة اليوم في مصر استمرار لعهد السادات، ذلك أن "مبارك فعل مع الثقافة ما فعله السادات من قبله. هذا الأخير لم يضيق الخناق على الثقافة والمثقفين فقط ، حسب رأي يوسف القعيد، ف"ليت دور السادات توقف عند هذه الحدود. لكنه مكن الإسلام السياسي من مصر لتصوره القاصر أن الخطر عليه سيأتي من الناصريين أو اليساريين، مع أن اغتياله قد جاء بيد واحد من الذين فتح لهم أبواب العمل والقتل والاغتيال". لماذا يستشعر الحاكم الخطر محدقا به؟. لسبب بسيط ولكنه جوهري: إنه انعدام الديمقراطية.
  كان من نتائج التقارب المصلحي بين نظام السادت والإسلام السياسي، انفراد ممثلي هذا الأخير "بالساحة العامة من عام 1975 وحتى الآن أي أكثر من 30 سنة". "في هذا الزمن اغتيل فرج فودة. وجرت محاولة لاغتيال نجيب محفوظ. ومنع سيد القمني من الكتابة. وهدد كاتب سيناريو شرع في كتابة سيناريو عن العبارة الغارقة، إن استمر في الكتابة. وهدد أسامة أنور عكاشة بالقتل لمجرد أنه انتقد حجاب الفنانة حنان ترك. إن شعار هذا الزمن سواء بساداته أو بمباركه هو نفس شعار جوبلز وزير إعلام هتلر: كلما سمعت كلمة مثقف تحسست مسدسي". إنها هيمنة السياسي على الثقافة خوفا منها؛ وهو خوف من النقد والحقيقة وإن كانت نسبية. خوف يجعل من السياسي مستبدا. وقد سبق لعبد الرحمن الكواكبي أن كشف عن هذا الاستبداد وطبائعه في كتابه القيم "طبائع الاستبداد".
  لكن يوسف القعيد دقق أكثر بخصوص هذا الموضوع. ذلك أن النظام يرحب ببعض المثقفين ليس "عن اقتناع ولكن من باب الرغبة في الاحتواء". وفي إطار هذه الرغبة يقول القعيد: "إنهم يدعونني كثيرا من أجل الظهور في تلفزيونهم ولكن ليس من أجل الكلام عن رواية جديدة لي. أيضا من المستحيل أن أقول عكس ما أقتنع به من أجل إرضائهم لأنني أحب أن يكون كلامي مع كتابتي في خندق واحد". إنه درس بليغ بالنسبة للمثقفين المصابين بالإزدواجية والمقنعين، لأسباب يعلمونها في نفوسهم قبل غيرهم.
  أما عن علاقة الأدب بالسياسة فيرى القعيد أن "في كل أدب سياسة حتى لو كانت قصيدة حب فإن فيها قدرا من السياسة. من الخطإ تصور السياسة على أنها العمل السياسي المباشر. وكلما كان تناول هذه السياسة بعيدا عن المباشرة والظهور المباشر للكاتب لكان ذلك أفضل". ولما كان الأمر كذلك، فإن مشروع القعيد الأدبي يقوم على وجود خلل في الواقع، يحاول هو من خلال الكتابة تحريض القارئ " لحل هذه المشكلة".
  تحدث في هذا الحوار أيضا يوسف القعيد، انطلاقا من أسئلة محددة، عن قرية الضهرية، القرية التي ولد فيها القعيد، وعلاقته بمحمد حسنين هيكل، وقد أعجب به القعيد؛ وعلاقته بنجيب محفوظ الذي تعرف عليه منذ النصف الأول من ستينيات القرن الماضي. وحسب القعيد، فإن نجيب محفوظ كان مخلصا للكتابة محافظا على استقلاليته. و رغم أنه يمكن أن تختلف معه فإنه "لا يكرهك ولا تكرهه أبدا".
     كما تحدث أيضا عن كتابته بالعامية، حيث كتب نصا وحيدا بها لحد الآن هو:"لبن العصفور". وتحدث كذلك عن تحويل روايته "الحرب في بر مصر" إلى فيلم سينمائي ، ورغبة صلاح أبي سيف في تحويل رواية "يحدث في مصر الآن" إلى فيلم سينمائي، التي تحولت فعلا إلى فيلم سينمائي عنوانه"المواطن المصري"، والظروف المحيطة بتحويلهما إلى فيلين سينمائيين، لاسيما ما يتعلق بالرقابة.
  وقد استعمل يوسف القعيد في هذا الحوار مصطلح "النص المفتوح". وهو "النص الذي يحتوي بداخله على الشعر والقصة والرواية والمشهد المسرحي وربما الدراسة". وهو مصطلح يناقض ماسماه القعيد "الفروق القديمة"، أو بتعبير آخر شائع نقاء النوع. والفضل في ظهور هذا النص، الذي "يحتوي كل الأشكال الأدبية"، يعود إلى الأدباء، فلم " يبشر به نقاد أو باحثون" حسب رأيه. لكن متى ظهر ومن أين أتى هذا النص؟. يعتقد يوسف القعيد أنه لم يأت من الغرب، "ولكنه موجود في بعض كتابات تراثنا الأدبي إن كتابات النفري فيها كل الأشكال الأدبية التي عرفناها من قبل. أيضا فإن كتابات الحلاج -على قلتها- فيها أنفاس من الشعر ومحاولات للحكي والقص". لكن هل المصطلح في حد ذاته إبداع عربي؟.
   يلاحظ قارئ الحوار الذي أجري مع يوسف القعيد أن هناك حنينا إلى ستينيات القرن الماضي، أي إلى المرحلة الناصرية. وبالمقابل، هناك تبرم من الحاضر. إنه الحاضر/ العصر الأمريكي، الذي أثر على دور مصر الثقافي بالنسبة للبلدان العربية. لكن مع ذلك، هناك أمل معقود على دور المثقف المتحالف مع المواطن، رغم الإكراهات والظروف. ألم يضع أحمد طايل في بداية الحوار تحت اسم يوسف القعيد عنوانا فرعيا دالا هو: "المواطن المصري"؟ بلى.  
  كانت تلك بعض القضايا والآراء المنتقاة، التي وردت في كتاب "على أجنحة أفكارهم" لأحمد طايل. لقد كانت أسئلة هذا الأخير متنوعة، تمكن من خلالها من إبراز جوانب تتعلق أحيانا بشخصية المحاور (بفتح الواو)، وأحيانا أخرى تتعلق بآرائه ومواقفه ومنظوره للكتابة والإبداع. ومن هذه الناحية، فالكتاب وثيقة مهمة للدارسين والباحثين والنقاد، الذين يعنيهم إبداع   المبدعين الذين أجري الحوار معهم، كل على حدة. 
 
  1 أحمد طايل. على أجنحة أفكارهم إطلالات ثقافية.القاصد للطباعة والنشر. ط/1. 2006.

 

مدخل إلى الأدب العجائبي

التفاصيل
كتب بواسطة: صابر محمود الحباشة
نشر بتاريخ: 22 سبتمبر 2001
انشأ بتاريخ: 22 سبتمبر 2001
الزيارات: 9

مدخل إلى الأدب العجائبي

صابر محمود الحباشة


انتشر مصطلح "الأدب العجائبي" في السنوات الأخيرة مرادفا للفظ الأعجميّ littérature fantastique وقد تصدّى لبيان أوجه انطباقه على أنماط من السرد العربي عدد من الباحثين يعسر أن نحصيهم عدّا، والجامع بين جُلهم رغبة جامحة في استثمار مقولة هذا الجنس الأدبيّ وهي غربية المنشأ لا شك في ذلك لتأصيل استتباعاتها الإجرائية في النصوص والمتون العربية سواء منها القديمة أو الحديثة وفي ذلك جهد لا ينكر ونيّة في توسيع دائرة المقاربات النقدية العربية بفتحها على نوافذ كان الغرب قد انصرف إليها منذ مدة، ونكتفي في هذا الحيز المختصر بالإلماع إلى أمّهات القضايا النظرية كما عرفها الغرب (وبالتحديد فرنسا) لعلّ في ذلك مزيدا من تدقيق هذه الأصول النقدية التي تُعتبر ضرورية لملامسة موضوع العجائبيّ. ونكتفي في هذا الإطار بعرض سريع لبعض آراء تودروف وكايوا في المسألة.
 
** مقاربة تودوروف للعجائبي
يشترط تودوروف Todorov أن تتوفر ثلاثة شروط في حدّ العجائبي.
-أولا: أن يجبر النصُّ القارئَ على اعتبار عالم الشخصيات عالم أشخاص أحياء ويجبره كذلك على التردد بين تفسير طبيعي وتفسير خارق لها.
-ثانيا: أن يكون ذلك التردد محسوسا من قبل إحدى الشخصيات وفي الوقت نفسه يبقى التردد ماثلا ويصبح غرضا (أو موضوعا) من أغراض الأثر. وفي حالة القراءة الساذجة يتماهى القارئ الحقيقي مع الشخصية.
-ثالثا: من المهمّ أن يتبنى القارئ موقفا ما إزاء النصّ: كأن يرفض سواء التأويل المجازي (الاستعاريّ) أو التأويل "الإنشائي" هذه الضرورات الثلاث ليست ذات قيمة متساوية، فالأولى والثالثة تمثلان حقّا الجنس الأدبي، أمّا الثانية فيمكن ألاّ تكون مشبعة وعلى كلّ فغالبية الأمثلة تستجيب للشروط الثلاثة .
وقبل أن يورد تودوروف هذه الشروط الثلاثة، بيّن عددا من المفاهيم والمتصوّرات السائدة في دراسة الأدب العجائبيّ، مستعرضا بعضها، من ذلك قول الفيلسوف والمتصوّف فلاديمير صوليفيوف :"في الأدب العجائبي الحقّ، نحتفظ دائما بإمكانية خارجية وشكلية لتفسير بسيط للظواهر، لكن في الوقت نفسه يكون هذا التفسير خاصّأ تمام باحتمال داخليّ" (أورده توماشفسكي ، ص288).

ويعلّق تودوروف قائلا:" توجد ظاهرة غريبة يمكنم تفسيرها بطريقتيْن، بواسطة ضروب من العِلل الطبيعية أو الخارقة، وإمكانية التردّد بينهما تُنشئ المفعول العجائبي" .
كما يشير تودوروف بعد ذلك إلى أنّ التعريفات الحديثة (التي ظهرت في الخمسينات والستينات) لمفهوم "العجائبيّ" في فرنسا، وإن اختلفت عن تعريفه هو له، فهي لا تتناقض معه. ويعجّل بإيراد أمثلة على ذلك، فهذا كاستاكس يكتب في الخرافة العجائبية في فرنسا يقول:"يختصّ العجائبي بإقحام مفاجئ للعجب في إطار الحياة الحقيقية" (ص8)
أمّا لويس فاكس فيقول في كتابه الفنّ والأدب العجائبيان :"يريد السرد العجائبي أن يقدّم لنا، وهو يسكن العالم الحقيقي حيث نوجد، أناسا مثلنا موضوعيين فجأة في حضرة ما يتعذّر تفسيره"(ص5).
أمّا روجي كايوا فيقول في كتابه في صُلب العجائبيّ :"كلّ العجائبيّ هو قطع النظام المعروف. قطع المرفوض في صميم القانون" (ص161).
ويرى تودوروف أنّ هذه التعريفات الثلاثة متشابهة حتى أنّ عباراتها تكاد تعوّض بعضها بعضا، وعيب هذه التعريفات أنها لا تقدّم – مثلما هو الحال في تعريفات صوليفيوف وجيمس وغيرهما – (إضافة إلى أنّها تقتضي وجود أحداث من صنفين: صنف من العالم الطبيعي وصنف من العالم الخارق) – لا تقدّم إمكانيةَ توفير تفسيرين للحدث الخارق وتبعا لذلك يختار الواحد منا تفسيرا منهما. ويعترف تودوروف بأنّ تعريفه الخاص إنما هو مشتقّ من تعريفات صولوفيوف وجيمس وغيرهما، وهي تعريفات ثريّة، لما فيها من تركيز على السمة الاختلافية للعجائبيّ (باعتباره قاسما مشتركا بين الغريب والعجيب ).

ويستخلص تودوروف من ذلك قاعدة عامة تتمثل في أنّ الجنس الأدبيّ يُحدُّ بالنظر إلى الأجناس المجاورة له . وقد قدّم رسما توضيحيا جعل فيه العجائبي على تخوم ميدانين متجاورين. الغريب العجائبيك العجائبيك العجيب الصِّرْف كالغريب ك العجيب الصِّرف .

 *مقاربة كايوا للعجائبي
يرى روجي كايوا محرر فصل "الأدب العجائبي" بدائرة المعارف الكونية الفرنسية Encyclopaedia Universalis أنّه بصفة تقريبية يمكن اعتبار كل نصّ مكتوب يقدّم كائنات أو ظواهر تخرق الطبيعيّ مع نفي تدخل الآلهة أو الشفعاء الذين هم محلّ اعتقاد وعبادة، يمكن اعتباره أدبا عجائبيا.
إذ لا يمكن أن تعدّ الأساطير وقصص نشوء الكون والكتب المقدّسة وحيوات الصالحين وبركاتهم، أدبا عجائبيا رغم أنّ الخارق للطبيعيّ فيها عنصر متضمن ومقوّم من مقوّماتها. إذ العجائبي ميدان وسيط يستثني الخرافات التي تُقصّ على ألسنة الحيوان والحكايات المَثَلية حيث تُشخَّص الفضائل والرذائل مثلا أو الكائنات من كل نوع، مثلما أنّه يستثنى كذلك كلّ خبر ذي سمة بلاغية اصطلاحية أو تعليمية يستجيب لمقصد بديهيّ عند مؤلّفه. ويستخلص كايوا مما سبق أنّ ميدان الأدب العجائبي بقي له إن يمتد، في ظل الاستثناءات الواردة أعلاه على جنسين تقليديين هما أساطير الجن وقصص الأشباح، وإليهما ينضاف نوع ثالث محدث يسمى عادة "الخيال علمي".
ويشرع كايوا أثر هذا التحديد الخارجي لميدان الأدب العجائبي في تعريف أصالة هذه الأنواع الثلاثة وربما جينيالوجيتها، وهي أنواع توجد مع بعضها بعضا وتتجافى في آن واحد. فقصص الجنّ مثلا، كون عجيب ينضاف إلى العالم الواقعيّ دون أن يضربه ولا أن يفسد انسجامه.
وبالمقابل فإن العجائبيّ دائما كما يرى كايوا، يعرض فضيحة، تمزقا، قطيعة مستغربة تكاد تكون غير محتملة في العالم الواقعي. وبعبارة أخرى فعالم قصص الجنّ حيث تكون ذوات قدرات بعيدة عن أن تكون متطابقة فبعض تلك الكائنات شديدة القوة، والأخرى شبه عزلاء، ولكنها تلتقي جميعا دون مفاجأة تقريبا، وبالتأكيد دون هلع اللهمّ إلاّ ذاك الهلع الطبيعي الذي ينتاب الضعيف أمام الجبّار.
ويعرض كايوا في هذا المقام مثال الرجل الشجاع يصارع غولا يقذف ألسنة من اللهب أو بعض العمالقة عملقةً فظيعة، وينتصر عليها، بل هو قادر على أن يجعلها تهلك.. مثل هذا المدخل المبتسر إلى الشقّ النظري "لا يسع الدارس جهله" إذا ما استعرنا عبارة الفقهاء، أي إنّه من باب الضروريّ الذي يحتاج إليه بوصفه لبنة أولى على من يروم التعمّق أن يعود على المظانّ والأمّهات في هذه المسألة...
ولعلّ السؤال المطروح ههنا يكمن في مدى وعي الخطاب النقدي العربي الحديث بارتكاز الرواية والسرد القروسطيّيْن على مدخل العجائبيّ، وهل مارس هذا النقد عمله بنجاح عبر شبكة تحليل دقيقة تصنف ضروب العجيب وتحلل مدلولاتها، أم إنّ التحليل ظلّ مكتفيا بعبارة الخيال أو لعلّ الموقف التقليدي – الذي أورده ابن النديم في الفهرست وأبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة من احتقار للقصص الخيالية ووصفها بالغثاثة وما إلى ذلك من عبارات الاستهجان – بقيَ كامنا في خلفيات الخطاب النقديّ الذي يعدّ وريثا وممثلا للثقافة العالِمة التي تتجاهل وتهوّن من الثقافة الشعبية .

الأفق الرومانتيكى

التفاصيل
كتب بواسطة: عبد الجواد خفاجى
نشر بتاريخ: 19 سبتمبر 2001
انشأ بتاريخ: 19 سبتمبر 2001
الزيارات: 9

الأفـق الرومـانتـيـكى فى ديوان " ما تبقى من سيرة الوجد "
 دراسة : عبد الجواد خفاجى

" ما تبقى من سيرة الوجد " ديوان للشاعر الليبى ( محمد المزوغى ) .. صدرت طبعته الأولى عام 200 عن دار المخطوط العربى للنشرـ ليبيا .
ومحمد المزوغى شخصية معروفة فى الأوساط الثقافية الليبية ، بدأ كتابة الشعر منذ أواخر السبعينيات، ومارس الكتابة النقدية وتحقيق المخطوطات التراثية وتفرَّغ فترة لإعداد البرامج الإذاعية فى اللغة والنقد والأدب والتفسير ، ثم تولى منصب مدير تحرير صحيفة أخبار بنغازى ورئيس قسم الإعداد البرامجى بإذاعة بنغازى .. أخرج العديد من المطبوعات منها مجلة الثقافة العربية ، ومجلة المنتدى الطبى ، ومجلة الإخاء ، يعمل حاليّاً رئيسّاً لتحرير مجلة الثقافة العربية التى تصدر فى الجماهيرية الليبية . *

وفيما اتضح من السيرة الذاتية هذه أن الشعر لم يكن الهمُّ الأوحد للشاعر ، كما اتضح أن هذا الذى بين أيدينا هو الديوان الأول للشاعر ، وهو الذى بدأ الكتابة الشعرية منذ أواخر السبعينيات ، أى منذ ما يقرب الثلاثين عامًا ، لو كانت مسكونة كلها بهاجس الشعر فعلاً لقرأنا للشاعر أكثر من عشرة دواوين . *

الديوان جاء فى 112 صفحة من القطع المتوسط ، تحتل النصوص الشعرية ـ فعليًّا ـ منها 72 صفحة تحوى 24 نصًّا شعريًّا تتنوع بين الطول والقصر ، يقع أقصرها فى صفحة واحدة بينما جاء أطولها فى سبع صفحات . * جاء فى مدخل الديوان أن القصائد كتبت خلال عشرين عامًا ، وإن لم يعنَ الشاعر بإثبات تاريخ إنتاج القصائد ، إلا أننا نرجح ـ استنادًا إلى السيرة الذاتية ـ أنها كتبت خلال عقدىِّ الثمانينيات والتسعينيات . * "
وما تبقى من سيرة الوجد " عنوان جامع يشير إلى اتجاهين .. اتجاه ما تبقى ، واتجاه ما تبدد ، والمرجح أنه ذو دلالة كميَّة أكثر منها معنوية ، إذ الديوان يحوى ما لم يتبدد بفعل النسيان أو التلف أو الضياع ، وربما أن ما فُقِد من التجربة جُلَّها ، وإذا كان الأمر غير هذا فأين وكيف بدد الشاعر ما يقرب الثلاثين عامًا وهى مسافة طويلة نسبيّاً ، لا تتناسب وحجم المنتَج شعريّاً فى هذا الديوان .

مدخل :
" ما تبقى من سيرة الوجد " ليس عنوانًا لإحدى قصائد الديوان ، أو بالمعنى هو عنوان جامع لتجارب الديوان يضفى عليها صيغة جامعة مؤطِّرة , بما يشى بأنها تجربة واحدة ذات فواصل متتابعة كميًّا ، وإن بدت على المستوى الفنى والرؤيوى متداخلة متصلة . وهو عنوان لافت على المستوى الفنى ، إذ يشير إلى ما تبقى ، أو بالمعنى يلفت إلى الوفرة الضائعة ، والى الماضى المسكون بسيرة الوجد ، والى قِدم وأصالة التجربة ، وإن بدا لنا بعض آثارها الباقية ، وإن كان العنوان يلفت أكثر من هذا إلى السيرة التى يتركز فيها المحكَى حول شخصية بعينها ، أو بالمعنى يتمحور الفيض الشعرى فى النصوص حول ذات بعينها تتلبسها حالة من الوجد الدائم . غير أن مفردة " الوجد " المضافة إلى سيرة تستدعى الذات الفاعلة / الموجدَة ، كما تستدعى سيرة "الكرم " حاتم الطائى ، وكما تستدعى سيرة "الشجاعة " عنترة بن شداد . وهكذا نحن ـ نحويًّا ـ أمام المصدر كمعنى مطلق ، بيد أنه يستدعى ذاتًا فاعلة فى الوجد ، ترقى به إلى درجة الذيوع أو الشهرة ، أو بالمعنى بدت كما لو كانت وحدها مختصَّة بالوجد ، وبالوجد فقط ، وإن كانت مفردة الوجد كلغة تعطى دلالتها فى البعد الوجدانى لهذه السيرة التى تنفتح على الداخل الإنسانى أكثر من انفتاحها على الخارج ، ومن ثمَّ فإننا وقبل أن نعاين نصوص الديوان نتوقع من حيث المبدأ أننا أمام طقس رومانتيكى يسكن المنطقة الشجنية من الذات الشاعرة ، وهى منطقة يوتوبية حالمة مهمومة بالبحث عن المطلق الجمالى ، وفى أقصاها هى مسكونة بالحلم الصوفى الذى يهيئ الذات الشاعرة لمعانقة هذا المطلق اليوتوبى . وبالعموم فإن مفردة " الوجد " لا يخلو منها قاموس الرومانتيكيين ، كما لا يخلو منها قاموس المتصوفة ، هى فى الحالتين مفردة مفصلية تشدُّ كلا الاتجاهين حتى يتداخلا .

عن الأداء الشكلى :
بمطالعة قصائد الديوان توقفت مبديًّا عند الملمح الغناى الشائع فى كل جوانب الديوان ، إذ يتوجه التعبير الشعرى باتجاه العاطفة والشعور الذاتى الصرف ، مستقلاً تمامًا عن أى أطر موضوعية تربط الفكر بالشعور ، إضافة إلى توفر العناصر الإيقاعية المتنوعة التى تربط الفكر بالشعور ، إضافة إلى توفر العناصر الإيقاعية المتنوعة التى تأتى فى أولها التفاعيل ، حيث اعتمدت القصائد على البحور الشعرية كأساس موسيقى ، وثانيها التقفية المتنوعة ، وإن كان الشاعر قد عمد ( على غير أساسٍ فنىٍّ ) إلى تقطيع أبيات القصيدة على طريقة الشعر الحر ، أو شعر التفعيلة ، وهو اتجاه خادع كان قد فعله الفيتورى منذ خمسين عامًا أو تزيد ، عندما عمد إلى تقطيع قصائده العمودية على طريقة شعر التفعيلة رغم الاختلاف الجوهرى ـ على مستوى الرؤية أو الفن ـ بين الاتجاهين ، وتلك إشكالية محسومة أعفى نفسى وشاعرنا عن الخوض فيها فى مثل هذا المقام الذى نحتشد فيه للدخول إلى عالم النصوص ، وإن كان لابد من قول ما فإن ما فعله شاعرنا هنا يعطى مؤشرًا على الفهم المغلوط لعملية التحديث الشعرى عندما تتوقف عند مجرد هذه المغايرة الشكلية التى تعجز حتى عن خداع البصر للوهلة الأولى . فمنذ بداية الصفحة الأولى و نحن نطالع :
 " إن لم أجد حسنًا ألوذ بظله وأطيل فى محرابه التهليلا .. أبحرت فى ذاتى ، وعدت بمبهرٍ يدع الجمال ـ إذا أطلَّ ـ ذليلا .
" ندرك على الفور أننا أمام بناء عمودى يعتمد بحر الكامل ، وينتهى بقافية لامية مطلقة ، وإن كان الأشرف لمثل هذه الفقرة أن تُكْتب هكذا :
 " إن لم أجد حسنًا ألوذ بظـله........ وأطيل فى محرابه التهليلا
أبحرت فى ذاتى، وعدت بمبهرٍ ..........يدع الجمال ـ إذاأطلَّ ـ ذليلا .

" وفى ظنى أن الشاعر عمد إلى طريقته هذه فى التقطيع لسببين : أولهما محاولة الإيهام بالتحديث الشعرى ، وهى محاولة غير مشروعة إن لم تكن لها آليًّاتها المنهجية على مستوى الرؤية وموجهاتها وعلى مستوى الفن الشعرى نفسه . أما السبب الثانى فى ظنى هو البحث عن الكم ؛ فالديوان الذى بين أيدينا لو كُتِب بالطريقة العمودية المعتادة لنقصت المساحة المسكونة بالقصائد إلى العشرين صفحة على الأكثر . ولقد اتضح لنا من الأساس الإيقاعى هذا أن الشاعر مقتدر على الكتابة على عدة أبحر شعرية ذات التفاعيل المفردة والمزدوجة ، فقد كتب على الكامل والبسيط والمتقارب والوافر والمجتث والمتدارك ، وإن كان البسيط قد استولى على المساحة الأكبر من النصوص ( ثمانى قصائد فى حدود 28 صفحة ) يليه الوافر ( خمس قصائد فى حدود 14 صفحة ) .غير أن قصيدة ( لا تقل ) اعتمدت على تداخل تفعيلتى المتدارك والمتقارب ، حيت يقول فى مطلعها
: " لا تقل لى لماذا أنت حزينُ / لا تقل لى فلست أملك ردّا / ليس يجدى الكلام / كم بحت للنجم / وكم قلتُ : إننى حرت جدّا "
والحقيقة أن المتدارك والمتقارب كثيرًا ما تداخلا معًا فى التجارب الشعرية المعاصرة ، وما دمنا بصدد الحديث عن هذا الأساس التفعيلى ، فإن المشكل فى ديوان شاعرنا أن نجد قصيدتين تخلى الشاعر فيهما عن الوزن والقافية تمامًا هما قصيدة ( لا يولد أحدٌ منتعلاً ) جاء فى مطلعها
: " يا هذا الحلم المورق فى الليل / تسألك الروحُ / بعضَ البرقِ / يتألق فى أفق الليل خطابًا قمريًّا : / يدعوك العشقُ / أبارك معراجَك فاصعد .... الخ
 " صـ 70 والقصيدة الثانية هى ( استحلفك بمجد العشق ) يقول فى مطلعها :
 " يغفو كثيرًا فى أعماقى ذاك الوهج ُ / وتهتز الأيام / إذا اهتزت بالصحو جفونُهْ / وأرى العالم غير العالم / أتغلغل فى سر الأشياء ..." صـ 18 .
 والحقيقة وأمام التزام الشاعر بالوزن الخليلى والقافية يصبح التساؤل واجبًا عن إمكانية التخلى عن هذا السمت الإيقاعى كلية : هل هى محاولة " تنثير " الشعر عندما يهدم الشاعر الأساس الإيقاعى كلية لينحو بتجربته نحو النثر ؟! وأخشى أول ما أخشى فى هذا المقام أن يكون فى مظان الشاعرأن ذلك سيجعل المنتَج هنا قصيدة نثرية ، فالحقيقة أن " قصيدة النثر " كمصطلح قائم بذاته تختلف تمامًا عن مجرد محاولة تنثير الشعر على غرار ما فعل شاعرنا هنا ، فليست كل كتابة شعرية تخلت عن الوزن والقافية يمكن اعتبارها قصيدة نثر ، كما أنه ليس كل كتابة التزمت بهما يمكن اعتبارها شعرًا ، وتلك إشكالية محسومة فى المحفل النقدى الآن .
وثمة ملحوظة أخيرة على تجارب هذا الديوان شبه شكلية أيضًا : أن بعضها اتسم بقصر النَفَس على غرار ما أسماه الأقدمون " النتفة " تلك التى تجىء فى تلاثة أو أربعة أو خمسة أبيات وإن كان الشاعر قد قطَّعها رأسيًّا ـ كما سبق القول ـ محتلاً بها مساحة الصفحة أو الصفحتين ، مثال ذلك قصيدته (إبحار ) التى جاءت فى ثلاتة أبيات على الكامل وقصيدته ( حتى بكى ) التى جاءت فى بيتين على البسيط ، وقصيدته ( أنا ) التى جاءت فى أربعة أبيات على المجتث ، وقصيدته ( وردة البوح ) التى جاءت فى خمسة أبيات على البسيط ، وقصيدته ( امتداد ) التى جاءت فى خمسة أبيات على المجتث .

طبيعة التجربة الشعرية :
يكفى للوقوف على طبيعة التجربة الشعرية فى هذا الديوان أن نتوقف عند النصوص التى تعلن عن الذات صراحة .. الذات التى لم تتحول إلى إشارة ، وهى تعلن عن نفسها بضمير " أنا " فيما يشبه الدوران الداخلى فى فلك الذات نفسها :
" وتعرفنى الدروب / أنا الغريب " صـ 42 و
" كل زادى / حنينٌ / لم يزل يهوَى ارتيادى / أنا بيديه / خيطٌ من ضياء " صـ 44 و
" أنا مَعْنىً تفرَّد / فى كتـاب / أبت ألفاظه ذُلَّ القيـ اد / أنا صحوٌ / تراوده كؤوس " صـ 46 و " أنا طلل / فهل تبكى علىَّ / وهل ترانى " صـ 64
و " يا هذا الأمل / أنهكنى السفر / وذل الغربة يملؤنى / وأنا مسكون بالألم الكونى .. " صـ 70
و " وها أنا كدت أفارق طينى / ولم يبدُ لى / من رؤاه النهار " صـ 74 و " أنا إن أحبُّ / فإنى / بكلِّ كُلِّى أحبُّ " صـ 76
و"ما لمت جرحًا / أنا أطلقت آهته / وموقد النار لايشكو من الشرر" صـ 78
و" عشرون عامًا / أنا الجوَّال تعرفنى / كل المجرات /أطويها وتطوينى " صـ 82
و" أنا عاشق أسلمت قلبى كله / للحسن أين رأيته يختال " صـ 99
و " أنا ذلك الملاح / أنهى رحلة / ودعته للنوم الطويل / رمال " صـ 100
و " قلبٌ أنا ذو امتداد / على الليالى وبأسٍ / حياته العشق لكن / فى عشقه كم يقاسى " صـ 104
و " فالصحو مرير / وأنا بعد بحزنى الآخر / مثقل بالوهم " ص 20 .

هذه هى المواضع التى يعلن فيها الذات عن نفسها كذات تئن وتشقى وتحزن وتعشق وتحب وتتعذب وتستسلم غافية للشعور بالغربة والأسى واليأس ، وإن كان ثمة صحو فهو صحوٍ مفضٍ إلى معاودة تأمل وضعية الذات من جديد فى شقاها مع الوحدة الماثلة
" ليلٌ يحدق فى وجهى / وأغنية حزينة / ترتمى فى وقْدِ مجمرتى / هذه الطريق مشت بى / لست أدرى / ولا تدرى الطريق / متى يا ليل خاتمتى؟ " صـ 50 .

 وثمة مواضع كانت الذات تعلن فيها عن فذاذتها فى عشق الحسن والجمال ، وتعلن عن توجهها نحو الشعر لا لشىء إلا لتعبر عن هذه المشاعر الذاتية ، ولكى تعرب عن توجهاتها الجمالية فى الحياة ، أو لكى تصفها فى الأغلب ، وغير ذلك لكى تترجم عذاباتها وتصفها أيضًا . ربما لكل ذلك كانت التجربة وصفًا للأجواء النفسية الشعورية الداخلية وإفضاء عنها وحولها . ولننظر كيف يصف الشاعر تجربته وهو يفضى عنها فى الوقت الذى يفضى عن الأجواء النفسية والفيافئ الداخلية الملونة بالعاطفة :
" وقصيدتى أفقٌ / تمدد معلنًا عنى / فكل العاشقين وراء / فى لجة الأشواق وهج حروفها / وبها من السر القديم / بهاء / هى نبض قلب فى هواكِ ، / وآهة حيرى ، / ورجفة خاطر / ورجاء / هى نشوة الأحلام / يسكبها المدى / فى مسمعيك / فغنِّ يا أشذاء " صـ 32 .
على هذا النحو وصف الشاعر تجربته ، وهى ـ كما اتضح لنا ـ ملفعة بالأحلام السعيدة وبالعشق الفريد وبالشوق المتوهج أو المتأجج للحسن الأصيل ، وقصيدته هى نفثة المصدور ، وآهة المُعَنَّى ، وهى خطاب الرجاء إلى المحبوبة ، وهى ترجمان الخواطر المضطربة ، وأغنية المدى فى مسمع المحبوبة .. إنها تجربة مغلَّفة فى الوقت ذاته بقيم جمالية يوتوبية تصبو إليها ، وتحلم بها متحققة على أرض الواقع ، ولعل هذا ما يجعل الذات متفاخرة بهذا العشق الجارف نحو قيم جمالية عظمى مستحيلة ، ولعل هذا أيضًا سبب انكفاءة الذات على نفسها فى كثير من الأحايين ملتمسة هذا العالم اليوتوبى بداخلها كعالمٍ جمالىٍّ لا يضاهى :
" لا أستبيح الكأس أهدت / رشفة لسواى / أتبع فى الغرام أصولاً / إن لم أجد حسنًا / ألوذ بظله / وأطيل فى محرابه التهليلا / أبحرت فى ذاتى / وعدت بمبهرٍ / يدع الجمال / ـ إذا أطل ـ / ذليلا . " صـ 10
إن تعلق الذات الرومانتيكية على هذا النحو بالقيم الجمالية المطلقة غالبًا ما يعود عليها بالأحزان ، وقد عجزت عن إدراك شىء حقيقى يضاهى ما تصبو إليه ، وربما لهذا هى ذات صاحبة حزن ملازم .. الحزن هو القوس الآخر لمثل هذه التجارب ، وهو فى الغالب الأعم حزن يفتقد إلى المبرر الموضوعى:
 " لا تقل لى / لماذا أنت حزين / لا تقل لى / فلست أملك ردًا / ليس يجدى الكلامُ / كم بحتُ للنجم / وكم قلت : إنى حرت جدّا / ولدتنى على الدروب ليالٍ / حمَّلتها السماء / ريحًا وبردا / فتلفعت بالظلام وحيدًا .... الخ " صـ 108 .
وأمام هذا الحزن الملازم تفر الذات أو تهج إلى الماضى ممتطية الذاكرة هاربة من كل ما يربطها باللحظة الماثلة الخانقة :
" ونهضت والقلب يذكر عهدًا / صور سكرى بالشذا / وطيوفٌ تتراءى كالموج / جزرًا ومدّا " صـ 108.
وهى فى محطات التذكر تقف على أطلالها متذكرة ماضيها الجميل الآفل :
" فى قلبه / رحلت عهودٌ / كُنَّ كاساتى وحانى / قد عشتها وتدلهت / بهواى أزمنة المكان / كم دللتنى وظَلَّلتْ روحى / هنالك وردتان / وروى حكايات الهوى قمرٌ / وغنتْ نجمتان " صـ 62 .
إن الهروب إلى الماضى يقابله على نفس الصعيد الهروب إلى الحلم قرين الوحدة والصمت ، كما أنه الحزن قرين الوحدة والليل والسهر والسهاد والأرق ، وفى كلٍّ سيظل الشعور بغربة الذات وتغريبها عن عالمها اليوتوبى .. سيظل الشعور ماثلاً فى الذات ، ومن ثم نرى ديدن الذات هو التساؤل الحائر عن نهاية لكل هذا العناء والشقاء الملازمين لها فى واقعها ، وربما لذلك تكثر أساليب الاستفهام التى تنم عن الحيرة الممضة
" والغربة النكراء تشرب من دمى / الخوف يطلقه علىَّ مساء / حزنٍ خفىٌّ لست أدرى كنهه " صـ 34 
فيما ستظل الذات مبحرة نحو فيافئ المحبوبة وكأنها تلوذ بها :
" ركبتْ بحارَ الحبِّ / كلُّ سفانى / وتغلغلت فى روحها العنقاء / وتركتُ خلفى المغريات كثيرة / عيناك وحدهما / هما الاغراء " صـ 35
 لكنه كثيرًا ما يعود من رحلاته المكوكية هذه بخفىّ حُنين وقد غلبت همومه أشواقه
 " كأنما فى بحار / لا انتهاء لها / قد رحت أحدث / بعد الجهد خذلانى / كأنما فى صحارى التيه / راوغنى / وجهى وضاع سدى بحثى / وأضنانى ... " صـ 57 .
وربما لهذا تكثر أساليب النداء التعجبى الذى ينم عن الحسرة واللوعة :
" فيا اغترابى ويا همى / وياهمى / ويا جنونى وأمواجى / وبركانى " صـ 57
وتكثر أيضًا أساليب النداء إلى المجهول وإلى الأمل الشارد ، إلى الذات الغاربة ، فيما سيظل مسافرًا ابدًا إلى روعة مجهولة ناءٍ وراء الحجب الغيب الكثيف :
 " مسافرٌ / أين ؟. / / لازاد يبلغنى / ما أرتجيه / ولا نجم يواسينى / تفرَّق الصَّحبُ عنى / حين أفردنى / طبعٌ وفىٌّ لأحلام المجانين / وما وفىٌّ لى / غيرُ الشعر أكتبه / حينًا ، / ويكتبنى جُلَّ الأحابينِ " صـ 81
وكذلك :
" مسافر أين ؟ / أقدامى تسائلنى / ما عاد فى الكون دربٌ فيه تلقينى " إلى أن يقول :
 " وما بدا منك لا شمسٌ ولا قمرٌ / سوى النداء / الذى ما زال يضنينى / يا شوق لم يخبُ رغم الجرح بارقه ... " صـ 83
فيما يظل التمنى قائمًا أبدًا ، والحلم بإمكانية ملامسة المطلق الجمالى سواء من خلال السلام مع الحياة أو الوصال مع المحبوبة أو إمكانية أن يتحول عالمنا إلى واحة يوتوبية :
" لو أن العالم يصبح قرية عشق / لا نهزم البؤس / وولد القادمُ / إنسان الحب / وأزهر أزهر هذا الكون .... " صـ 15.
فيما ستظل الذات مشمولة برؤيتها المثالية التى ترى أن أدواء العالم يمكن أن تنمحى بالحب .. ذلك الذى يتيح للإنسان مساحة روحية للتحليق الجمالى وملامسة المطلق من قيم الحق والخير والجمال ، ويتحقق الحلم الجمالى فى الواقع ، وينمحى من ثمَّ هذا الزمن الشرير :
 " لو أن العالم يصبح قرية عشق / لانهار الزمن / أو احترق الحاجز بين الصحو .. / وبين الحلم / وتجلى المطلق فى الإنسان " صـ 106
وربما ستظل الذات الشاعرة حالمة بالعودة إلى البدء ، إنه الترامى نحو الماضى الإنسانى ، حيث الفطرية والنقاء :
" يا حلمى الأوحد / أين السُّلًّم أين ؟ / يعود بروحى / لسماوات البدء / فقد طفح الشوق / وآن الوعد .. " صـ 71 ، ويتكرر النداء على الحلم " يا هذا الحلم المؤرق فى الليل / تسألك الروح / بعض البرق ... " صـ 70 .

يتأكد لنا مما سبق أن تجارب الديوان مشمولة بالمشاعر الجارفة والتوجهات الرومانتيكية ، حيث يتركز التعبير الشعرى فيها حول الذات فى محاولة لتصوير حالات متوالية من الحيرة والتساؤل والحلم والتمنى واليأس والنكوص والصحو والإغفاء ، وإنها لحالات وليدة طقس شعورى تأملى فلسفى يوتوبى صوفى حالم ، احتل فيه خطاب المحبوبة مساحة شعرية كبيرة ، وإن كانت مستبعدة أومغيَّبة عن الحضور كطرف مباشر فى الخطاب ، فيما استولى على بقية المساحة الشعرية الأكبر محاولة استبطان الذات ، والحديث عن تفردها وصبابتها وصبوتها وعشقها المستحيل ؛ لذلك لو حاولنا ترصُّد الاستخدامات اللغوية التى تشير إلى هذا الملكوت الداخلى الزاخر لها لنا هذا الكم الفائق الذى يحتضن معه أفياء الذات الفسيحة وملكوتها المخصوص المتسع حيث الحلم والتأمل والرؤى والتذكر والتمنى ، والعشق ، والحزن ، والإشراق ، واليأس ، وقبل ذلك سنلحظ حضور الأنا مثل ( كلى – ذاتى – وجهى – أعماق .. ) وغير ذلك ضمير " أنا " وكثير من ضمائر المتكلم المستترة ، ولعلنا سنورد هنا فيضًا من غيثٍ لا يستهان به من الاستخدامات والمفردات التى تصف الذات فى صبوتها وصبابتها وتعلقها بالمطلق واليوتوبى ، وفى حزنها الصامت وآمالها المحلقة ويأسها الضليع ومشاعر الغربة المتدفقة مثل :
 ( الهوى – الجنون – العشق – أظن – بكت عينى – حزنى – شوقى – آهة حيرى – خاطر – رجاء – نشوة الأحلام – حلم – غربة نكراء تشرب من دمى – الخوف يطلق علىَّ مساء – حزنى خفى – شوقى غريب – هزة إيحاء – ركبت بحار الحب – غريب ماله أفق يلوح – فى عينيه أسرار حيارى تحاول أن تبوح - تجمد فيها صمت طويل – أحاول أن أجذب الغيث – ينأى اليأس بى – أصحو من وجودٍ كان وهمًا ويلقى ظله حلمًا جموح – أنا غريب – على قلق أجيئك – كل زادى حنين – أنا صحو تراوده كؤوس ليفنى فى مسافات المراد ... "
ولن نذهب كثيرًا أبعد من وصف الشاعر نفسُه لتجربته الشعرية فى أكثر من موضع ، وهو يصف بالشعر تجربته الشعرية :
" لعلها تحمل المسكون من ألقى / إلى مدىً / لم تكن تحويه بارقتى – لديه تغفو جراحاتى / وما سفحت من قهرها / ورؤى وهمى / وأسئلتى / قد صغته حلمًا / تدرى العذابات ما أطعمته / من شراينى وأوردتى .. " صـ 53
وفى موضع آخر : " وينأى اليأس بى / فيحنو / خاطر طلقٌ سموح يمد يديه / يكتبنى خطابًا / فترتعش البلاغة والشروح / وينجاب الضباب / ويدنو كون من الأسرار / ممتد فسيح / ويذوى الحرف / يطوى الصمت معنى / تكسَّر دونه / اللفظ الصريح " صـ 41
أما عن تجربته الوجدانية فثمة تلخيص جميل لها يتضمنه نص " لا تقل لى " حيث القول :
" لا تقل لى / لماذا أنت حزينٌ / لا تقل لى / فلست أملك ردّا / ليس يجدى الكلامُ / كم بحتُ للنجم / وكم قلتُ : إننى حرتُ جدّا / ولدتنى على الدروب ليالٍ / حملتها السماء / ريحًا وبردا / فتلفعت بالظلام وحيدًا / ونهضت والقلب يذكر عهدا / صورٌ سكرى بالشذا / وطيوفٌ تتراءى كالموج / جزرًا ومدّا / عالمٌ روحه الجمال / وفيه الحب ساقٍ / يدير شمسًا وشهدًا / والندامى ، فانٍ يقول : / أنا الحسنُ / باقٍ تهاوى للحسنِ عبدَا / طال سيرى / ولم أرَ لطريق الليل / حدًّا ولا لحزنى حدّا " صـ109 ..

ثمة أطياف متوالية مختلطة من المشاعر تغلب عليها رغبة الذات فى التغنى بقيم مطلقة ، ينبلج معها فعل الذاكرة حيث الترامى إلى الماضى ، سواء الماضى الشخصى أو الماضى الإنسانى ، ومن ثم فإن المعاين لهذه التجربة سيظل مرتطمًا بالذات المبحرة إلى هذا الماضى نحو عالم مثالى ، فيما تتبدى خصيصة أخرى – أكثر بروزًا فى التجارب الرومانتيكية عمومًا – يلخصها الشغف بالأنثى المحبوبة ، أو الأنثى المثال اليوتوبى الجميل ، أو النموذج الوجودى الذى يخلع عليه الشاعر صفاته اليوتوبية ، وفى هذا تتبدى النظرة الرومانتيكية إلى المرأة ، وإلى معنى الوصال الرومانتيكى حيث التصالح النهائى مع الكائنات والوجود والطبيعة بتحقيق الوصال مع المحبوبة ، أو بمعنى أن المحبوبة تصبح بؤرة ارتكازية تنطلق منها الذات لمعانقة الوجود ، وقد وضح فى تجربة شاعرنا مدى هذا الترامى نحو هذا العالم الرومانتيكى الذى تظل المحبوبة محوره الأثير .
وفيما لاحظنا اختفاء المظهر المجتمعى للحياة الإنسانية فى تجربة الشاعر ، ونحن نعاين تجربة ممحورة حول الذات الشاعرة فى تجاربها الشعورية الخالصة ، وإن كانت قد لامست على استحياء قضايا إنسانية عامة . لاشك أن مثل هذه التجارب المحلقة أبدًا فى الأفق الروانتيكى يعز عليها أن تتوقف عند التقاط التفاصيل التى تخص واقعها المسيَّج بزمكانية محددة ، يعز عليها أن تتوقف لالتقاط التفاصيل الدرامية التى تعكس الإنسان وقضاياه وهو يخوض صراعًا جوهريًّا مع الحياة فى واقع ملئ بالمفارقات والمتناقضات والانهيارات السريعة المتلاحقة ..
يعز عليها أن تتوقف فى مثل هذه المنطقة وهى التى تفر ُّمنها فى الأساس ، ومن ثم كان لابد أن يخفت البعد الاجتماعى فى هذه التجربة الشعرية ، كما خلا وجه الطبيعة المسيجِّة للذات من مظاهر الحياة المجتمعية . قد يتحدد الإنسان فى مثل هذه التجارب بمعناه العام ، كما يتحدد المكان بمعناه العام ( الطبيعة / الكون) كما يتحدد الزمان بمعناه العام ( الماضى / المستقبل / الأبد ) حتى مفردة " ليل" مثلاً فى قوله: " يا ليل " لا يقصد بها ليلة بعينها ، وإنما يقصد عموم الليالى ، ومع هذه العموميات تتعامل الذات الفارة من واقعها ومؤرقاتها ، ومن ثم لا تبدو مهمومة بغير الفرار إلى المطلق المجرد ، ومما لا شك أننا لاحظنا احتفاء التجربة – كغيرها من التجارب الرومانتيكية – بالطبيعة كمكان مطلق أثير لدى الذات ، حيث تبدو الطبيعة أمًا رؤمًا تفتح أحضانها للذات الشاعرة فى لحظات الأرق والضيق والحزن ، وهى المادة الخام التى يلونها الشاعر دائمًا بمشاعره ، فيجعلها تهتف بالشجن لأنه حزين ، أو ترنم طربًا لأنه سعيد . لهذا يعد توظيف عناصر الطبيعة ومخاطبتها وإجراء الحوار معها وتجسيم المشاعر الذاتية فى عناصرها من أخص خصائص اللغة الشعرية فى مثل هذه التجارب ، يتجاور مع ذلك التركيز على الأفعال التى تبرز المشاعر والوجدان ولعل هذا هو الملمح اللغوى الواضح بجلاء فى تجارب هذا الديوان . فثمة كم لا يستهان به من مفردات تنتمى لحقل الطبيعة حتى لأن المشاعر نفسه بدا فى بعض الصور كما لو كان جزءًا من مشهد الطبيعة التى تنقاد له أو وراءه أو تتدعى له أو معه ، وفى بعض المواضع تدلِّله :
" خلفى الكواكب / ما حوتها سماء / البرق تسكن روحه قدمى " صـ 30
و " تَهَشُّ الطيرُ / إن تسمع خطاه / ويُبْلَعُ فى فم الأفعى الفحيح / ويزهو – إن مشى - / سهلٌ / ويدنو سحاب / تستقى منه السفوح " صـ 39
و " وأسرج النجم فى ليلى وأكوانى " صـ 58
و " لعلنى ألتقينى فيك / ثانية .. / فيورق الصخر بستانًا " صـ 59
و " كم دللتنى وظللت روحى / هنالك ورد تان / وروى حكايات الهوى قمرٌ / وغنَّت نجمتان / وتهادى وهج الكون " صـ 63
وفى مواضع كثيرة يبدأ فى مخاطبة الليل إلفًا " ليلٌ يحدق فى وجهى " صـ 50
و " وعيناك ياليلُ / ما بحت به لغتى " صـ 53
و " كم بحت للنجم " صـ 108
و " أظل أبحث عن ليلٍ / أناشده صـ 90
ومن المفردات التى تنتمى لحقل الطبيعة ، وهى شائعة فى كل نصوص الديوان نجد : " الشمس – الوردة – الكون – النجوم – الليل – سنا – الضوء – الثلج – العاصفة – البحر – الكواكب – الفضاء – الشفق- الجبال – البرق – المدى – السماء – الأفق – الطير – الوادى – الصخر – الشاطئ – الأمواج – الصحارى – البستان – الشموس – النخيل – الشجرة – القمر – الماء – الطين – المجرات – البراكين – الريح – النار – الوحل – البرد – الجزائر – الضباب – الظل ...... الخ " حشد لا يستهان به من مثل هذا القاموس .

البعد الصوفى للتجربة :
يمكننا لنقف على البعد الصوفى للتجربة أن ننظر إلى المعشوقة التى حفلت بها النصوص . ومن المعروف أن المرأة المثال / المعشوقة / النموذج الجمالى المطلق هى إحدى منطلقات الشعر الرومانسى فى الغالب ، وقد يصل الإحتفاء بها والتعلق بها حد التقديس فى كثير من التجارب الشعرية ، بيد أنها ليست بالضرورة متجسدة فى دم ولحم ، ومن الملاحظ أن المفردات التى تنتمى إلى حقل المرأة / الأنثى بمعناها الحسى فى نصوص الديوان تكاد تكون معدومة باستثناء مفردات " عيناك " فى قصيدة "أفق يعلن عنى " عندما قال :
" تركت خلفى المغريات كثيرة / عيناك وحدهما / هما الأعزاء " صـ 35
ورغم هذه الندرة من مفردات المعشوقة الأنثى ، نجد المعشوقة تشكل بعدًا أساسيا من أبعاد رؤية الذات الشاعرة ، وهى حاضرة أيضًا بصورة غير مباشرة فى الخطاب الشعرى كطرف رئيس ، تحاوره الذات فى كثير من المواضع ، الأمر الذى لا نشك معه أن المعشوقة ليست بالضرورة نموذجا حقيقيًا من دم ولحم ، بيد أنها قائمة وموجودة كفكرة مثالية جمالية رائعة فى صميم الذات الشاعرة ، وكمعشوقة تسافر فيها وإليها ، متمنية الوصال معها ، وهكذا هى دائمًا معشوقة فى أفق علوى محجوب .. هى الحاضرة الغائبة دائمًا ، وهى المطلق الجمالى ، ومن ثم فهى فكرة مثالية تصعد إليها الذات بالتسامى الروحى الصوفى . ولكى ندرك هذا الحس الصوفى فى التجربة كان علينا أن نعى أن غياب الأنثى المجسدة بأعضائها ومفرداتها فى التجربة مع قيام تجربة العشق ، إنما يعنى هذا تساميًا بالتجربة عن الحواس الاعتيادية؛ إذ أنها تتعلق بمعشوقة غير مجسدة .
وقد وضح هذا التسامى عن جِبِّلة الجسد بشكل مباشر وصفه الشاعر فى قصيدة " خروج " عندما خرجت الذات عن حلمها الصوفى إلى الجسد ، ثم ما لبثت عذابات الطريق الموحل أن انتهت إلى العمى ، ثم الانطفاء ؛ لتعود أدراجها مرة أخرى إلى تساميها الروحى كطريق أساسى للبحث عن الحقيقة الروحية :
 " أعلو دخانًا / على أنقاض أسرارى / يضمنى الكون روحًا / فى مجاهله / تسعى إليكِ / على أطياف تذكار / لعل فى وجدها المنسىِّ / ومضَ سنًا / يغاذل الطهرَ فى أغوار أغوارى .. " صـ 91 .
غير أن الشاعر يعلن عن تحفظه منذ البداية عن الترامى نحو تجربة نسائية حسية ، ربما لأنه يتبع منهجًا صارمًا فى الغرام والعشق . هذا المنهج الصارم يشترط الحسن المبهر والطهر المطلق ، وربما البكارة أيضًا وهذا النموذج ضنين فى الواقع :
" لا أستبيح الكأس أهدتْ / رشفةً لسواى .. / أتبعُ فى الغرام أصولا / إن لم أجد حسنًا / ألوذ بظله / وأطيل فى محرابه التهليلا .. / أبحرت فى ذاتى / وعدت بمبهرٍ / يدع الجمال / إذا أطل ذليلا " صـ 10
ولعل هاهنا تصريح بأن البديل عن المعشوقة الحية التى تتفق وتوجهات الذات ومنهجها فى الغرام كان هو الذات نفسها ، إذ تبحر فى جوانياتها تلمسًا لهذا المبهر الجمالى ، وفى هذا بدت الذات عاشقة لذاتها .. إنه نوع من الإحتفاء بالداخل والاستغناء به عن الواقع ، ولعل هذا الإنكفاء على الذات والاكتفاء بها هو ما يفسر سر الاحتفاء الكبير بالذات فى التجربة الشعرية هذه .
ولعل عشق الذات هنا مختلف عن عشق الجسد أو الوجه أو ما إلى ذلك من الإفتنان الخارجى على نحوما نعرف من أسطورة ( نارسيس / نرجس ) .. إنه أمر لمختلف ومغاير هاهنا ، إنه نوع من العناية والبحث فى جوانيات الذات عن ممكنات جمالية مؤهلة لملامسة المطلق الأزلى للوجود كله ، وفى هذا يتجلى المعنى الصوفى :
أتحسب أنك جرم صغير........ وفيك انطوى العالم الأكبر .
ثمة إفضاح عن هذا التوجه نحو ملامسة المطلق الأزلى فى القصيدة الثانية من الديوان ( لأنى أراك فكيف أرانى ) ، والخطاب فيها موجه إلى الذات العليا السرمدية التى بدأت بإرادتها بداية القرون .. هنالك كانت الذات الشاعرةا تحب وتظن وتهوى وتعشق .. إنه البعد الأزلى فى الذات عندما تحيا كروح هائمة متسامية نحو المطلق :
" وكنت أظن بأن الذى كان عرشًا فؤادىَ / تخيرته قبل بدء القرون / مجلىً على الكون منه تطل / فمنه إليك جنون الهوى / ومنك إليه فنون التجلى .... الخ " صـ 12
والملاحظ فى هذا الصدد أن النصوص حافلة بمفردات وتراكيب وعبارات تعطى إشارات ودلالاتها الصوفية ، وإن كان بعضها شائعًا فى القاموس الصوفى عمومًا . نلتقط بشكل عابر من هذا القاموس مفردات من عينة : " محراب – الكون – الهوى – التجلى – الحضور – عرش – سر – حروف – الوجد – الصحو – العشق – الروح – الحقيقة – البهاء – الوحى – الغيب – الوجود – الفناء – الإشراق – الحلم – المطلق " .

أما بعد :
فتلك إطلالة على ديوان شاعرنا محمد المزوغى تناولتا من خلالها الطبيعة الرومانتيكية للتجربة ، وإن كنا قد رصدنا بعض جوانبها التعبيرية واشتراطاتها الجمالية كتجربة مألوفة فى الشعر العربى المعاصر ، أتمنى أن أقرأ لشاعرنا تجارب أخرى تبحث لها عن بصمة التميز بعيدًا عن منطقة الشيوع وأكثر اقترابًا من قضايا الإنسان ، وهموم الواقع العربى فى أمة تموت أمام أعيننا قطعة قطعة .

التلمود

التفاصيل
كتب بواسطة: نبيل عودة
نشر بتاريخ: 12 سبتمبر 2001
انشأ بتاريخ: 12 سبتمبر 2001
الزيارات: 7

الباحث عمر امين مصالحة يثري المكتبة العربية ببحث جديد: التلمود - المرجعية اليهودية للتشريعات الاجتماعية بقلم : نبيل عودة الكتاب: التلمود المؤلف:عمر أمين مصالحة اصدار: مسار- معهد ابحاث وتخطيط واستشارة، جت (2006) (215 صفحة من الحجم الكبير) بعد كتابة الاول عن "اليهودية- ديانة توحيدية ام شعب مختار" الذي صدر قبل سنة ، يعود الباحث عمر امين مصالحة الى اليهودية من زاوية اخرى ليكمل الصورة امام القارىء العربي، عن خبايا الديانة اليهودية واصول التشريعات الاجتماعية الحياتية في الديانة اليهودية، المعروفة باسم التلمود، في بحث جديد شامل يحمل اسم "التلمود-المرجعية اليهودية للتشريعات الاجتماعية". وقدم للكتاب الاستاذ موفق خوري- نائب عام مدير وزارة الثقافة . الباحث عمر امين مصالحة، الذي يعد اليوم الدكتوراة في جامعة سانت بطرسبورغ (لينينغراد سابقا) هو من مواليد1956، من قرية دبورية الواقعة على الطريق الى جبل الطور المشهور في المسيحية ، ،وهو مترجم وباحث في الشؤون الفلسطينية والاسرائيلية، ومتخصص ايضا في الديانة اليهودية . له العديد من الابحاث المنشورة في الصحافة العربية والعبرية، الى جانب ترجمة العديد من الكتب الدراسية وقصص الاطفال، ويعمل مدرسا في ثانرية "عمال" في الناصرة. ما يميز ابحاث عمر مصالحة، موضوعيته العلمية، واعتماده على المصادر الاصلية لمواضيع بحثه، هذا ما جعل كتابة الاول من افضل الدراسات عن اليهودية،التي كتبت باللغة العربية ، والمتميزة بالمصداقية والدقة العلمية ، دون التدخل والتعليق واستنتاج مواقف شخصية، وهو بذلك اثبت نفسه كباحث ثقة ، يمكن الاعتماد عليه في فهم اليهودية، واليوم يطل علينا بكتاب هام جدا لقراء العربية، حول التلمود كمرجعية للتشريعات . ويبدو ان هذا البحث، غير مسبوق في اللغة العربية، بموضوعه من حيث الالمام والشمولية وبموضوعيته غير القابلة للتهاون بنفس الوقت . يشرح عمر مصالحة ان التلمود، يتشكل من عنصرين: الاول هو الجانب التشريعي والقانوني (هلاخي) الذي يذكرنا باحكام الفرائض والتشريعات الواردة في اسفار الخروج والاويين والتثنية ، والثاني: العنصرالقصصي،الاسطوري (اجادي) بما يشمله من اقوال مأثورة واخبار وخرافات وخيال، الى جانب السحر والتراث الشعبي. في الفصل الاول، يمهد الباحث عمر مصالحة لبحثه باستعراض نشوء اصول التشريعات اليهودية بدءا من الموقف في جبل سيناء ، حين تسلم النبي موسى ، حسب القصة التوراتية ، الوصايا العشر من الله ، ثم دخول ارض فلسطين ، ومرحلة القضاة في التاريخ اليهودي (هشوفطيم)... وصولا الى اقامة مملكتي اسرائيل- المملكة الشمالية والتي سميت "مملكة اسرائيل"، والمملكة الجنوبية والتي سميت "مملكة يهودا" ... مستعرضا اسماء ملوكها ، وصولا الى هدم الهيكل واعادة بنائة وهدمه من جديد، والاحداث التاريخية التي عصفت بالمملكتين منذ ذلك التاريخ ، مثل الاحتلالات المختلفة... وتشتت اليهود .. سبيهم !! ويطرح الباحث اجزاء المشناة. التي تشمل مواضيع واسعة للغاية، مثل: 1- الزراعة وقوانينها - ويشمل الري والحرث والحصاد ، والموضوع الزراعي في المشناة يكاد يكون برنامجا زراعيا كاملا، وبالطبع له جانبه الديني، حيث يرتبط بالعبادة اليومية والتبريكات . 2- العبادات والمواعيد - عن تبجيل السبت والعبادة فية ومواعيد الصيام والاعياد والاحتفالات والتقويم العبري . 3- النساء - ويشمل قوانين الزواج والطلاق والجنس بين الزوجين. 4- الجنوح والجنايات - ويشمل التشريعات المدنية ومسلكيات التصرف اليومي، وانواع العقاب، ونظم التجارة والسياسة . 5- المقدسات - مخصص لاعمال الضحايا (القرابين) مهام رجال الدين وواجباتهم. 6- الطهارة - ويشمل امور التطهر من النجاسة ، ويتحدث عن الصلة بين بني البشر والانسان اليهودي والكائنات الاخرى، وما يجوز اكله من الحيوان. يبين الباحث الخلافات والتناقضات في التشريعات اليهودية ، ومع ذلك تحولت هذه التناقضات الى شرائع مقدسة لدى المجتمعات اليهودية. ثم يعالج اقسام المشناة الستة "سدريم" واسفار كل قسم، التي تشمل كل تفاصيل حياة الفرد اليهودي في جميع مناحي حياته اليومية والعامة. يوضح الباحث عمرمصالحه للقارىء العربي جذور الدين والعقيدة اليهودية، التي لا تدع للفرد مساحة للاجتهاد.. انما اموراً جاهزة وفرائض نهائية. صحيح ان الباحث لا يعالج وقع هذه الفرائض على الانسان المعاصر، لكن القارىء يستطيع ان يصل الى النتيجة الاساسية ، بان الدين اليهودي يتعامل مع الانسان باحكام وعقلية لم يعد شيء يربطها بالواقع الانساني المعاصر، وهذه اشكالية كل الديانات السماوية، ربما كون الديانة اليهودية ديانة محدودة بالعدد، يجعلها اشبه بالمحمية الطبيعية، ومع ذلك نجد في الغرب ، والى حد ما في اسرائيل، تيارات يهودية لم تعد تستطيع التماثل مع قيودات الدين الاصلية، فأنشأت اتجاهات حديثة ليبيرالية، تقوم بينها وبين التيار الديني اليهودي المحافظ ( الاورتوذكسي ) حرب عنيفة ، لدرجة عدم الاعتراف بيهوديتهم ورفض التعامل معهم على كل المستويات. يفسر عمر مصالحة مصادر كلمة المشناه، والذي جاء من "شنه" الذي يعني بالعربية كرر أو ردد وذلك لان اسلوب التعليم كان يفرض على الطالب ان يردد ما يسمعه من المعلم. وقد استعمل هذا الاصطلاح للدلالة على دراسة "الشريعة الشفوية" . الكتاب يستعرض اسماء مؤلفي المشناه والتلمود حيث بدأها الحاخام هليل الاول في بابل. ويستعرض الباحث ما اشتملت عليه المشناه. اما اسم التلمود فهو مشتق من الجذر العبري "لمد" أي درس وتعلم ، وهو نفس الاصل السامي لكلمة "تلميذ" العربية . ويشرح الباحث ان التلمود من اهم الكتب الدينية عند الشعب اليهودي، وهو الموجه والمنظم للحياة الاجتماعية، وهو الثمرة الاساسية للشريعة الشفوية، أي تفسير الحاخامات للشرائع التوراتية. ويؤمن البعض ان نصوص التلمود أوصي بها من الروح القدس نفسه (روح هكودش) باعتبار انها مساوية للشريعة المكتوبة(التوراة). ليس من السهل استعراض الكتاب بكل تفاصيله. فالكاتب لا يترك أي فرغ للتأويل، بل يطرح جميع التفاصيل بتناقضاتها احياناً، ليوضح جذور الدين اليهودي، ببحث واسع لم يغفل أي تفصيل. الكتاب يثري المكتبة العربية بمرجع هام جداً وضروري لفهم احدى اقدم الديانات ومصادرها، وطرق تفكيرها، بعيداً عن الاستنتاجات الارتجالية، وبهذا يخدم الباحث الحقيقة العلمية المجردة. عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. نبيل عودة -

قراءة في ديوان مع تعقيب من الشاعر

التفاصيل
كتب بواسطة: د. جميل الحمداوي
نشر بتاريخ: 29 أغسطس 2001
انشأ بتاريخ: 29 أغسطس 2001
الزيارات: 10

قراءة في ديوان (أول المنفى ) للشاعر المغربي علي العلوي
 
 الدكتور جميل حمداوي

يعد( ديوان المنفى) أول ديوان شعر ألفه الشاعر علي العلوي، شاعر من المنطقة الشرقية بالمغرب، وقد صدر هذا الديوان عن مؤسسة النخلة للكتاب بوجدة سنة2004م في ثمانين صفحة من الحجم المتوسط. وقد ذيل الديوان خارجيا بلوحة أيقونية تعبر عن الاغتراب الذاتي والمكاني الذي يعاني منه الشاعر في هذا العالم الذي يحفه الخوف والحزن والرعب والارتحال بحثا عن سعادة الذات والكينونة الحقيقية.
 ومن يتأمل عناوين الديوان( همس الوداع- أول الموت- غياب- سرير العين- سنابل  الحزن- الطيف مفقود- لك كل هذا البكاء- جرح الذاكرة- صمت الرحيل- موعد مع  المنفى...)، سيجد الرؤية المأساوية هي المهيمنة على الديوان بسبب ترديد الشاعر لتيمات الحزن والمنفى والاغتراب والارتحال والضياع والتمزق النفسي والوجداني والتغني بالعزلة والوحدة والكآبة. وتتخلل هذه الرؤية رؤية وجودية  ضمنية أسها الضياع والعبث والملل والفراغ كما في قصيدته (ظل الفراغ):
وأشعر أني مزيج
 من النسمات
 وبرد السحر
 واني وحيد
 وأني بعيد
 وأني فراغ يفيض
بظل الشجر(ص72).
هذا، وتستند قصائد الشاعر إلى بؤرة الارتحال والنفي والاغتراب الوجداني  والموضوعي، وذلك بالانتقال من بلد ه الأصلي إلى منافي الغربة والوحدة بحثا عن  الاستقرار والمستقبل والملاذ الآمن:
 ونذوب في أدغال عزلتنا
 فلما حان موعدنا
تشردنا
 فعدنا
 ثم شردنا الرغيف
 من كان يدري
 أننا سنصير أطيافا هنا؟
 ومن الذي أحيا مآسينا
 على وقع الخريف؟(ص5).
 ويتغنى الشاعر بالمعاناة داخل وطنه واغترابه فيه بسبب العذاب والسنين العجاف  وطول الليل الدامس بسبب الظلم وانتشار الفقر والعطالة التي تنشب أظفارها في  نفوس الشباب وتتركهم يلتجئون إلى المنافي الغريبة البعيدة يتلذذون بالحزن والسواد والبكاء :
 جراحك
 لا...لن يطول
 لا...لن يطول
 فرغم توالي
 السنين العجاف علينا
 فلا يا صديقي
 غيابك
 لا...لن يطول
 سهرت الليالي الطوال وحيدا
 وجبت مدار السما عاليا
 وقلت:
 الرحيل..الرحيل
لعلي ألاقي طيور المساء هناك
فترحل بي حيث أنسى النصيب وحيث أكون الغريب(ص:11-12).
 إن الحل الذي يختاره الشاعر في الأخير للخروج من التمزق النفسي والتآكل  الذاتي والذوبان الوجداني بسبب قسوة الواقع الموضوعي هو الرحيل نحو فضاءات  أرحب ، وهي ليست بدورها أفضل من الأولى لانعدام الدفء الحميمي و الحب وصفاء السريرة والسعادة الحقيقية. ومن ثم، تصبح الأوطان بالنسبة لهؤلاء المنفيين  أمثال الشاعر فضاء حقيقيا للاغتراب والضياع و والحزن والخنوع والموت:
 أنت ميتة
 وهمو ميتون
 فلا تحزني ياسعاد
 ولا تتركي للبكاء صدى
 أوشعاع
 لاتكوني يدي
 أو بلادي
ولا تشرعي جسدي للضياع
فأنا منهك منذ
أول يوم رجعت إلى هاهنا
 وأنا مثقل بالندى
 مثل أولئك المنفيين
بداخل أوطانهم
ومحاط بأصوات كل الجياع(ص67).
ويغدو المكان والزمان معا بالنسبة للشاعر بمثابة رماد داكن من السواد و الحزن والعذاب والسراب والضياع والصمت:
دورة كاملة
 حول المكان
ثم يبدو كل شيء
مثلما كان:
 الحضور
 سوف يبدو كالغياب
 والسواقي كالسراب
 وجميع الذكريات
 سوف تبدو مركبا
 فوق السحاب
فلتعبدوا
 دورة التاريخ
 من أولها
 بعض التواريخ
 سطور من يباب
 ولتعيدوا
 ماتبقى من حكايا
فلعل الحكي
ينسينا العذاب(ص17-18).
ويلوك الشاعر جراحه ويذرف دموع الاغتراب والابتعاد والطرد والارتحال لايعرف  أين سيتجه في هذا العالم الذي لا قرار له ولا قلب، إذ فقد آدميته وإنسانيته وتحول إلى عالم الإسمنت والمادة والنفي:
ياصديقي
 كل يوم يترك في ذاكرتي جرحا
 وفي أمكنتي منفى
 فلا الجرح شفى جرحي
 ولا المنفى ملاذي
 أين نمضي؟
 كيف نمضي؟
 كلما أنظر في وجهك
 تغشاني
 سيوف من معاناتك
 حد القبر
 إني مثلك الآن صديقي
 تائه في هذه الأرصفة الحبلى...
 ولا أدري إلى أين أسير(ص26).
 وعليه، فالقصائد الموجودة في الديوان تندرج ضمن القصيدة النثرية، على الرغم من وجود كثير من الأسطر الشعرية التي تتوفر على إيقاعات تفعيلية ( متفاعلن- مفاعلتن- فعولن- فعلن- مستفعلن-فاعلاتن-...)، أي إن هناك مزجا في البحور وتنويعا في التفعيلات لاأدري إن كان ذلك عن وعي أم عن بديهة عفوية. ويستعين الشاعر في تشغيل هذا الإيقاع بإيقاع داخلي يعتمد على التكرار اللفظي:
لاأبالي بالليالي
لا أبالي بالذي يأبى(ص26)
 ويستند أيضا إلى التكرار الصوتي(اللام، الطاء، الميم، النون....)، والتكرار التركيبي:
 جراحك
 لا...لن تطول
 عذابك
 لا...لن يطول(ص11).
وتقوم أصوات المد والمماثلة والتوازي اللفظي بإضفاء نغمات إيقاعية على
القصائد التي ينساب منها نغم شاعري بسبب الأشطر القصيرة وتكرار بعض الوحدات النغمية الناتجة عن التفعيلات العفوية التي حققت بعضا من التناسب الهرموني  للقصائد الشعرية. ولم يسقط الكاتب فيما يسقط فيه الشعراء الشباب من النثرية الجافة التقريرية، بل استعمل جملا إنشائية تتلون مع الاستفهام والنفي  والإثبات والنداء والتعجب... وذلك من أجل خلق الوظيفة الإيحائية الشعرية وتوصيل رسالته في ثوب رمزي انزياحي.
وتطفح معاجم القصائد بالذاتية والوجدانية الحزينة ناهيك عن حقول دلالية لاتخرج عن سياق المأساة والمعاناة والضياع والاغتراب الذاتي في المكان والزمان. كأن الشاعر في الحقيقة معلق بين الزمان والمكان يتأرجح بينهما تأرجحا سيزيفيا.
وتعتمد الصورة الشعرية على ومضات الرؤيا وتوظيف الاستعارة والتشخيص والأنسنة والترميز دون أن يسقط الشاعر في الإبهام والغموض اللذين يجعلان القصيدة النثرية طلسما ولغزا لايمكن فكه أو الوصول إليه ولو بآليات سيميائية بالغة في الدقة والتفكيك والتأويل والتشريح.
وعلى مستوى الضمائر، يتحكم الشاعر في تقنية الالتفات فينتقل من التكلم (الذات) إلى المخاطب( الغير) من أجل خلق تواصل درامي قوامه التعاطف والمعايشة الوجدانية المشتركة.
وفي الأخير، يحمل ديوان أول المنفى لعلي العلوي رؤية مأساوية ووجودية قائمة على الاغتراب والنفي والتمرد والهروب من الواقع الموضوعي إلى الذات من أجل الانطواء عليها ذوبانا وانهيارا بسبب ثورة الشاعر على أوضاع الواقع وأعرافه ونواميسه الثابتة والمتردية. كما يحيل الديوان على ثنائية الغربة والحنين إلى الجذور. وقد أفرغ الشاعر تجربته الوجدانية في قالب شاعري نثري أحسن صياغته إلى حد كبير ، كما استطاع أن يمتلك ناصية اللغة الشاعرية واستخدام التعابيرالمجازية الموحية والمستنسخات التناصية( اليباب- دثروني- الوريد- في البدء- الصلاة-..). وأنصح الشاعر أن يتفادى بعض الأخطاء الإملائية والنحوية وخاصة استعمال أسماء الإشارة وتعريف الأفعال التي تؤثر على إيقاعية القصائد واللجوء إلى الضرورة الشعرية على الرغم أن الشاعر يكتب قصيدة نثرية متحررة ، وينبغي أن يضبط الإيقاع التفعيلي جيدا الذي به سيوفر لقصائده الشعرية في المستقبل هرمونيتها الحقيقية ومعادلتها التناسبية في التأثير على المتلقي والوصول إلى وجدانه وشعوره النابض بالوجدان المتدفق والحيوية الجامحة.
وعلى الرغم من هذه الملاحظات البسيطة، فالشاعر له موهبة شعرية حسنة وملكة نابضة ومتدفقة بالوجدان الجياش . فإذا طور هذه الموهبة وصقلها بالثقافة والدربة الإيقاعية في المستقبل وطعم قصائده بالثقافة والفن، أو بالتناص والإيحاء الجمالي القائم على الرمز والأسطورة وتوظيف الموروث المحلي والعربي والإنساني سيكون له شأن كبير في الساحة الشعرية العربية المعاصرة، وما ذلك بعزيز على شاعر قدير وكفء مثل الشاعر "الوجدي?" علي العلوي.

 

 تعقيب على مقال:
"قراءة في ديوان (أول المنفى ) للشاعر المغربي علي العلوي"
للدكتور جميل حمداوي

علي العلوي - المغرب

أنجز الدكتور جميل حمداوي قراءة في ديواني الشعري "أول المنفى"، ونشرها بموقع "مجلة العرب" على شبكة الإنترنيت بتاريخ 25 أكتوبر 2006. وكانت هذه القراءة عبارة عن مقاربة لقصائد الديوان على المستويين الدلالي والإيقاعي: فعلى المستوى الأول، خلص صاحبنا إلى أن القصائد تطغى عليها "تيمات الحزن والمنفى والاغتراب والارتحال والضياع والتمزق النفسي والوجداني والتغني بالعزلة والوحدة والكآبة. وتتخلل هذه الرؤية رؤية وجودية ضمنية أسها الضياع والعبث والملل والفراغ ". وأضاف الدكتور أن معاجم القصائد تطفح " بالذاتية والوجدانية الحزينة ناهيك عن حقول دلالية لا تخرج عن سياق المأساة والمعاناة والضياع والاغتراب الذاتي في المكان والزمان". أما على المستوى الإيقاعي، فقد اعتبر أن قصائد الديوان " تندرج ضمن القصيدة النثرية، على الرغم من وجود كثير من الأسطر الشعرية التي تتوفر على إيقاعات تفعيلية ( متفاعلن- مفاعلتن- فعولن- فعلن- مستفعلن- فاعلاتن...) أي إن هناك مزجا في البحور وتنويعا في التفعيلات لا أدري إن كان ذلك عن وعي أم عن بديهة عفوية".

وفي آخر القراءة قدم لي الدكتور جميل حمداوي جملة من النصائح بقوله: "وأنصح الشاعر أن يتفادى بعض الأخطاء الإملائية والنحوية وخاصة استعمال أسماء
الإشارة وتعريف الأفعال التي تؤثر على إيقاعية القصائد واللجوء إلى الضرورة
الشعرية على الرغم أن الشاعر يكتب قصيدة نثرية متحررة، وينبغي أن يضبط الإيقاع
التفعيلي جيدا الذي به سيوفر لقصائده الشعرية في المستقبل هرمونيتها الحقيقية
ومعادلتها التناسبية في التأثير على المتلقي والوصول إلى وجدانه وشعوره النابض
بالوجدان المتدفق والحيوية الجامحة".

كانت تلك إطلالة سريعة على القراءة موضوع التعقيب؛ أما وقد جاء في القراءة ما جاء، فإني أعلن   منذ البداية أن الدكتور جميل حمداوي كان بعيدا كل البعد عن أي ضبط منهجي وعلمي في مقاربته لديوان "أول المنفى"، إذ إنه لم يحدد في البداية ما الذي يريده من قراءته، كما انه لم يشر لا من بعيد ولا من قريب إلى المنهج الذي سيسلكه في ذلك. فضلا عن هذا، فإنه قد وقع في أخطاء معرفية وعلمية تتعلق بالعروض ما كان ينبغي له أن يقع فيها، خاصة وأنه حاصل على دكتوراه الدولة في اللغة العربية وآدابها، إضافة إلى كونه أستاذا للغة العربية بالتعليم الثانوي. لقد اعتبر صاحبنا أن قصائد الديوان تندرج ضمن القصيدة النثرية، وهذا خطأ فظيع جدا، إذ الصحيح هو أنها قصائد تفعيلية. ولكي أوضح الأمر أكثر أدرج الجدول أسفله، والذي يتضمن عنوان قصائد الديوان، يقابلها البحر الذي نظمت عليه كل قصيدة على حدة:

البحر الذي نظمت عليه
عنوان القصيدة
الكامل
همس الوداع
الكامل
أول الموت
المتقارب
غياب
الرمل
سرير العين
الرمل
سنابل الحزن
الوافر
الطيف المفقود
المتدارك
لك كل هذا البكاء
الرمل
جرح الذاكرة
الرمل
صمت الرحيل
الكامل
موعد مع المنفى
المتقارب
هجرة السنابل
المتقارب/المتدارك
غياب أخير
المتدارك
مهد الافتراق
الكامل
بحار الصمت
الكامل
لوعة الروح
المتقارب
لحن الرحيل
الكامل
جمرة الفراق
الكامل
كأس البكاء
المتدارك
نبض المعنى
الرمل
سفينة الصمت
المتدارك
موت جديد
المتقارب
ظل الفراغ
المتقارب
ومضة الآتي
الكامل
لحن الرماد

 في الواقع، لقد أرسل لي الدكتور جميل حمداوي نسخة من قراءته المذكورة عبر البريد الإلكتروني، مما جعلني أنبهه إلى أخطائه المشار إليها. وفعلا استدرك صاحبنا جزءا من أخطائه تلك، وقد تبين لي ذلك من خلال نشره للقراءة بمواقع أخرى مثل: موقع الورشة الثقافي، وموقع المغرب. ومما جاء في القراءة المعدلة أن "القصائد الموجودة في الديوان  تندرج ضمن قصيدة التفعيلة أو ما يسمى بالشعر الحر، حيث ينوع الشاعر بحوره الشعرية ويمزج بينها، ويتجلى ذلك التنويع في استعماله للبحرين:المتقارب(فعولن) والمتدارك (فاعلن) بكثرة ويمزج بينهما في قصيدة واحدة بكل زحافات التفعيلة وعللها نقصا وزيادة على غرار الشعراء التفعيليين وسيرا على توصيات كتاب قضايا الشعر العربي المعاصر لنازك الملائكة والتنويع الإيقاعي على غرار بدر شاكر السياب وأدونيس. كما يرتكن الشاعر إلى تفعيلة الخبب(فعلن) القريبة من أجواء الشاعرية النثرية، ويكثر من التدوير الذي يمتد عبر الأسطر الشعرية ويلاحق الجملة الشعرية نظما وتركيبا وإيقاعا".

يتبين من المقطع الآنف أن لدى صاحبنا خلطا فظيعا في البحور والأوزان، ذلك بأنه قال إني أستعمل بحري المتقارب والمتدارك بكثرة، وهذا كلام غير دقيق، إذ يتضح من الجدول أعلاه أن البحر الأكثر ورودا في ديوان "أول المنفى" هو بحر الكامل، يليه بحرا الرمل والمتقارب، فالمتدارك، ثم الوافر. أما قوله إني أمزج بين بحري المتقارب والمتدارك في قصائدي، فهذا أمر مجانب للصواب، حيث إني لم أمزج بينهما إلا في قصيدة واحدة بعنوان "غياب أخير". وأما قوله إني أرتكن إلى تفعيلة الخبب، فهذا غير صحيح بالمرة، لأني لم أنظم ولو قصيدة واحدة على هذا البحر؛ ومن أراد أن يتأكد من الأمر، فبإمكانه الرجوع إلى ديوان "أول المنفى" المنشور بموقع المثقف.

من جهة أخرى قال الدكتور إني قد عرّفت بعض الأفعال، وفي ذلك إشارة إلى مقطع شعري من قصيدة "صمت الرحيل" ورد كالآتي:

وها صورتك الصامتة التنبئ
بالجرح الذي
يسكن روحي ( ديوان "أول المنفى" صفحة 29)

واضح أن التعبير - أو شيء آخر ربما -  قد خان صاحبنا حينما قال بالحرف إني عرّفت بعض الأفعال، مع العلم أن الفعل لا يعرّف، وإنما الاسم فقط هو الذي يعرف ب"الـ". أما تلك التي تدخل على الفعل فهي موصولة تدخل على فعل المضارع. ومن ذلك قول الفرزدق:

 ما أنت بالحكم الترضى حكومته  ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل

فإذن، قد وردت "الـ" في البيت الشعري المذكور بمعنى "الذي ترضى"، كما أنها وردت في المقطع السابق بمعنى "التي تنبئ". طبعا قد عاب عليّ الدكتور جميل حمداوي استعمال "الـ" في قصيدتي تلك، إذ ربط جواز ذلك بالضرورة الشعرية؛ إلا أنه لو استطاع أن يتعرف إلى الوزن الذي نظمت عليه القصيدة، والذي هو بحر الرمل، لما قال ما قال، ذلك بأن الضرورة الشعرية قائمة، ولو لم يتم استعمال "الـ" الموصولة لحدث كسر عروضي سيخل بوزن القصيدة.

إلى جانب ذلك تحدث صاحبنا عن وجود  أخطاء إملائية ونحوية في الديوان، مع أنه لم يدرج ولو مثالا واحدا على ذلك. وهذا يدل - حسب رأيي- على أمرين هما: إما أن الرجل ليس له علم بالقواعد الصرفية والنحوية للغة العربية (مع الإشارة هنا إلى أن قصائد الديوان جاءت مشكولة) وإما أنه يسعى من ذلك إلى استفزازي، والنيل من قيمة الديوان الذي أشاد به شعراء وكتاب من المغرب و خارجه سواء من خلال قراءات موضوعية، أو من خلال إشارات هنا أو هناك. وعليه فإني أتحدى الدكتور جميل حمداوي أن يأتي  بخطأ نحوي أو إملائي يتضمنه ديوان "أول المنفى"، باستثناء خطأ مطبعي مس اسم الإشارة "أولئك" الذي ورد في الديوان  كالآتي: "أولائك".

في الأخير أقول إنه كان بإمكان الدكتور جميل حمداوي أن يقدم قراءة موضوعية وعلمية لديوان "أول المنفى" لو أنه تريث قليلا في إصدار "أحكامه النقدية"، ولو أنه استعان بالقراءات الدقيقة التي أنجزها للديوان كل من الأستاذ رشيد بلمقدم، والشاعر ميلود لقاح، تلك القراءات التي نشرت بجرائد داخل المغرب وخارجه، وكذا بمواقع ثقافية وأدبية على شبكة الإنترنيت. هذا، وإني اختم تعقيبي هذا بالقول إني لست متحاملا على قصيدة النثر، لا بل إني أقر بأن ثمة قصائد نثرية تحمل من الشعرية والتدفق الإبداعي ما لا يتوفر في عديد من القصائد العمودية والتفعيلية التي لا يربطها بالشعر إلا الوزن في كثير من الأحيان. هكذا أقول إن هذا التعقيب جاء في سياق الرد على تلك القراءة غير الدقيقة، والمليئة بالأخطاء المعرفية والاختلالات المنهجية، والتي أراد من خلالها الدكتور جميل حمداوي أن يمارس استعلاءه البغيض، وأن يقدم النصائح في غير محلها، مع أني لست ضد النصح الرصين والنقد العلمي والموضوعي الذي يسعى إلى البناء، وليس إلى الاستفزاز والتجريح.     
        

الشيطان في نفسي (نبيل عودة)

التفاصيل
كتب بواسطة: الدكتور محمد خليل
نشر بتاريخ: 26 أغسطس 2001
انشأ بتاريخ: 26 أغسطس 2001
الزيارات: 12


مراجعة نقدية

الشيطان الذي في نفسي (قصة الكاتب نبيل عودة)
بقلم الدكتور محمد خليل
 

كانت العرب تعتقد أن لكل شاعر شيطانا، يوحي له أفكاره، ويلهمه نظم أشعاره، وكان يقول أحدهم في آخر: شيطانه أنثى وشيطاني ذكر! وقد اعتاد الأدباء والنقاد العرب أن يطلقوا اسم الجن، وأحيانا الشيطان، من وادي عبقر، كثير الجن، وذلك من باب استحضار ربة الشعر، أو ملكوت الشعر، بالنسبة لكل شاعر وشاعر
من المجموعة القصصية التي تحمل العنوان ذاته ((الشيطان الذي في نفسي)) تأليف الكاتب نبيل عودة، وتقع في 222 صفحة من القطع الكبير، وهي صادرة عن قسم الثقافة العربية، الناصرة، 2002.
للكاتب إسهامات إبداعية، وجهوده ملحوظة وعديدة، في إنتاج وصياغة حركتنا الأدبية المحلية، وله العديد من الإصدارات: القصصية والروائية والمسرحية، والمقالات والمراجعات النقدية، في الأدب والثقافة والسياسة. فله منا تحية مودة وتقدير، مع تمنياتنا له بالمزيد من العطاء والإنتاج الإبداعي، ودائماً إلى الأمام.
تعرض تلك المجموعة القصصية لموضوعات متعددة، تلامس مختلف جوانب حياة المجتمع والناس، ومنها: الاجتماعية والنفسية والثقافية والسياسية، لكن أكثر ما يميزها، أنها ليست فنية أدبية فحسب، بل إنسانية وواقعية بالدرجة الأولى. فهي تنبع من صميم واقع المجتمع وحياة الناس. ويحسب القارئ، أن تلك ميزة بارزة فيها، وهي سمة قلما تفارق أدبنا المحلي، إذ تكاد تلازم معظم ألوانه تقريباً. وقد أظهرت بعض تلك القصص، من خلال موضوعاتها المطروحة، كما يبدو، تأثّرا بالأدب العالمي لا العربي فحسب. ومثال ذلك قصة ((الدرجات)) التي تحاكي، من حيث فكرتها، أسطورة سيزيف.
يُشار هنا، إلى أن احتفاء المجموعة القصصية، في غالبيتها العظمى، كان منصبا على الواقع، الذي جاء على حساب الخيال، فيما ظهر الأخير مهمشا وحييا، إلى حد كبير. في المقابل، أبدى الكاتب سعة في الثقافة، وغزارة في المعرفة والخبرة، لاسيما في مشكلات المجتمع وهمومه التي يعرض لها، وبالذات ما يسود فيه من أعراف وعادات وتقاليد بالية، ما زالت تثقل كاهل المجتمع، وتحول دون تطوره وتعيق تقدمه، إنه يعي جيداً ما يدور من حوله أو يحيط به، كما يتجلى ذلك في قصص المجموعة.
يُقدّم الكاتب تلك القصص بأسلوب ممتع، حتى يتمكّن، كما يبدو، أن يبلّغ رسالته إلى أكبر قدر ممكن من الناس، كما يلحظ القارئ أن أكثر ما يغلب على تلك المجموعة القصصية، أسلوب السرد المباشر، بلغة ضمير المتكلم أو الغائب، وقد توسعت في التفصيل في عرض الأحداث ووقائعها، لدرجة أنها كانت تصل، أحيانا، حد الشفافية والصراحة والجرأة، وفي الوقت نفسه، تشف عن نقد بناء، يضع الإصبع على الجرح، دون مواربة أو مداهنة، كما أنها تغوص في أعماق شخصياتها، كشفا وتعرية لها على حقيقتها، تماما كما هي، أمام القارئ.
وتشتمل المجموعة على مخزون كبير، ومشبع بالمفردات والتعابير الأدبية، التي برزت من خلال أحداث ومضامين مثيرة ومؤثّرة، كذلك، تشعرك القصص ببساطتها، فهي قريبة منك وأنت قريب منها، ربما يعود ذلك إلى أنها جاءت مطعّمة ببعض الأمثال الشعبية، واللهجة العامية، بَلْهَ أنها تلامس حياة الناس وهمومهم. فالأدب، في نهاية المطاف، ليس مرآة المجتمع أو الكاتب فحسب، بل ومرآة نفس كل واحد بيننا، وهو ما يذكرنا بعميد الأدب العربي الذي أجرى حوارا متخيّلاً بين كاتب وقارئ، على النحو الآتي " قال أحد الكتّاب لبعض قرائه: أي الكتب أحب إليك؟
قال القارئ: الذي يعرض عليّ صورة نفسي.
قال الكاتب: فإن عرض عليك صورة قبيحة؟
قال القارئ: إذاً أعلم أنه لم يُرد إلى تصويري، وإنما أراد إلى تصوير غيري من الناس! " (طه حسين: جنة الشوك ، ص118).
العنوان أولاً، يعدّ عنوان الأثر الأدبي، وكل أثر فني آخر، طرف الخيط الذي يمسكه القارئ حال التقائه به أو تماسه معه، للمرة الأولى. ثمة تسميات كثيرة، تحمل سمة الأولية في ترتيبها، يمكن أن نصف بها العنوان، منها: نقطة التماس، أو إشارة المرور، أو الشرارة، أو العتبة (وتعني من بين ما تعنيه المكان المقدّس أو الدرجة الأولى)، أو المِفتاح، أو نقطة الاستطلاع، على طريق العلاقة ما بين المتلقي والنص، وذلك قبيل بدء المتلقي رحلته الاستكشافية، في رحاب النص، والتفاعل معه، بغية استنطاقه، واستقراء دلالاته، وفك شيفرة رموزه.
تلك تسميات، قد تغري المتلقي وتشده إلى النص، مثلما يُمكنها أن تُحدث العكس أحياناً ، فتنفّره عنه وتبعده منه، وهي تُحيل إلى وظائف العنوان.
يُشار إلى أن وظيفة العنوان لم تعد محدّدة، كما كانت عليه إلى عهد قريب، مثال ذلك: كأن تختزل القصة، ولم تعد تعبيرية أو مرجعية باتجاه واحد فحسب، أو كأن تحصر اجتهاد القارئ، أيضا في اتجاه واحد مكشوف، ليس أكثر. من هنا قد لا يكون من المستغرب، أن يكتشف القارئ، اليوم أكثر من أي وقت مضى، بأن العنوان أصبح يخفي أكثر مما يبدي، فهو يحمل في طياته أنظمة دلالية سيميائية، موحية وأخرى رامزة، إذ إنه يعدّ نصا قائما بذاته، لكن بصورة مصغّرة، لذا نجد إمبرتو إيكو يقرر: إن على العنوان أن يشوّش الأفكار لا أن يحصرها! والمعنى: أن العنوان حمّال أوجه متعددة! كذلك، ليس بالضرورة أن يكون العنوان مطابقا لأحداث القصة، هذا لم يعد شرطا واجبا. العنوان، يمكن أن يؤسّس، أو يُحيل إلى غير اتجاه إبداعي واحد، في مجالي التفكير والتخييل، وتلك هي إحدى تجليات النسيج الحداثي، الذي لا يني عن التحرك في كل اتجاه أو انزياح ممكن. من هنا، تنبُع أهمية وضرورة أن يتسلح القارئ بالكفاءة الثقافية، والأدبية، والمنهجية.
خلاصة القول، يمكن للقارئ أن يتوصّل، كما يُفترض، إلى الاتساق بين العنوان والمضمون، من خلال السياق التأويلي، إن لم يتوصّل إليه في مجرد ظاهر معناه. * ويحسب المرء أن مقصدية الكاتب من قصته ((الشيطان الذي في نفسي)) تكمن في دلالة عنوانها تحديداً، وبذلك تكون قد نأت قليلاً عن الشيطان المتعارف عليه، ذلك الذي يكره البشر، ويعمل على إبادتهم، وإلحاق كل ما هو شر وأذى بهم، إن كان ثمة شيطان أصلاً، كما يعتقد بعضهم، وإنما قد يكون رمى إلى ذلك ((الشيطان)) الخاص به هو، أي بالكاتب نفسه، وكل مبدع آخر، وهو ما أكده الكاتب وأبرزه في عنوان القصة تحديدا، كما تقدّم. وإن كنا لا نسقط، أيضا، الاحتمال الآخر من حساباتنا بالكامل، وما ذلك إلا من باب التوسّع، يُعزّز هذا الاعتقاد ما لمسناه ورأيناه من أحداث القصة ذاتها، لاسيما تلك العلاقة الغرامية التي كانت تنمو وتتصاعد، بين زميل الراوي الموظف ولولو، خارج إطار الحياة الزوجية الشرعية، وعن تلك المغامرات العبثية بينهما، قبل الزواج، ومن بعده، إنه شيطان الحماقة والخيانة والانتقام والثأر والغرائز، وقد ألمح الكاتب إليه غير مرة حين قال " هل ما ارتكبه حماقة؟! خيانة لزوجتي وأولادي؟! أم انتقام من أهلها؟! ...أم هي غرائز بشرية لا قدرة للعقل على توجيهها...إلى أين تقودنا غرائزنا؟! لا أدري"؟! (ص77). هل حقا هي غرائزنا التي تتحكم فينا وتقودنا؟! هذا سؤال قد يُسأل، أو ما يُمكن أن يشي به ذلك الكلام من صراع أزلي محتدم، بين الغرائز من جهة ، والعقل من جهة أخرى!
وقد سبق أن أشار إلى الشيطان ذاته، الشاعر اللبناني المعروف إيليا أبو ماضي في ((الطلاسم)) حين قال: ((وأرى ذاتي شيطانا وأحيانا ملاكا))! فالإنسان، كما يبدو،  يجمع في داخله الملاك والشيطان، في الآن ذاته، هو الشيطان حال كونه شريرا، وهو الملاك حال كونه خيّرا!
يُشكّل العنوان، نقطة ارتكاز أساسية في القصة، ومن هذا المنطلق، كان يُفترض بالكاتب أن يُبقي على حضوره، ماثلاً في أجواء القصة، لكن الملحوظ أنه (الكاتب) قد انساق، وراء فتنة السرد، وذلك حين أفرط، بشكل لافت، في سرد أحداث القصة، وكشف أوراقها بأدق التفاصيل، ما أدّى إلى إقصاء حضور العنوان إلى الظل لبعض الوقت. فيما ظهر السارد مستقلاً عن الأحداث، عالما بكل شيء فيها منهمكا، في الوقت نفسه، بالعمل على تطوير الحبكة، وإنجازها في مراحلها كافة، وقد بدت متلاحقة ومتسارعة، بشكل تصاعدي، وصولاً إلى نقطة الذروة، ما جعلها مثيرة في ترابطها العضوي والترتيبي، ومؤثّرة في أحداثها وتداعياتها، إلى حد كبير، على المستوى الفردي والجمعي سواءً بسواء. لقد ولجت القصة جوانب عدة من حياة شخوصها، منها: الاجتماعية والعاطفية والنفسية، وأبقت على الباب مفتوحا على مصراعيه، أمام مشاركة القارئ وتفاعله معها، ولا سيما في محاولة معالجة الإشكالية المعروضة، والبحث عما يناسبها من حلول، بما أثارته من تساؤلات ومشاعر جدية حينا، ومربكة أحيانا، في وجه القارئ، وإن كان من أعمار ومستويات مختلفة، لكنها بقيت تنتظر الإجابة، لذلك نترك للقارئ فرصة قراءتها، والتفاعل معها. وأحيانا قد يختبئ الكاتب نفسه خلف كتابته، أي خلف ذلك الأثر الأدبي الذي يحرره. ما يمكن أن يُشكّل قناعا بالنسبة له، بكل ما للكلمة من معنى، إنه يختبئ خلف قناع، فالكتابة قد تشبه القناع إلى حد كبير! تماما مثلما يتسمّى الأديب، أحيانا، باسم مستعار، لكن على الرغم من ذلك، ما كان لهذا القناع أن يحجب عن القارئ رؤيته!
وفي الحق، إن هذا التفصيل بالسرد، الذي فاض به يراع الكاتب، في قصته تلك قد أدى به إلى مطها، أكثر مما هو مطلوب، كي يقول لنا في النهاية: ماذا أفعل بالشيطان الذي في نفسي؟ الأمر الذي جعل القصة تعاني من ترهل أو تورم، لكنه، لحسن الحظ، لم يأت خبيثاً بل جاء حميدا، إذ يبدو أن الراوي قد حاول التمويه، والإغراء بالقارئ، وحرفه عن مساره في تتبع ((الشيطان)) الذي في نفسه، والانعطاف وجهة تلك الأحداث العارمة، بما تضمنته من شبق الجنس، وتأجج العواطف والغرائز والإثارة، وحسبه إن كان قد نجح بالإيقاع بالقارئ في تلك الدوامة! واستطاع ببريق تلك الأحداث المستعرة، أن يصرف نظره، ولو إلى حين، عن الأهم؛ ((الشيطان)) الذي في نفس الراوي، إلى المهم؛ الشيطان الذي في نفس زميله الموظف ونفس لولو عشيقته، وربما في نفس كل واحد من الناس.
يُولي الكاتب أحداث القصة حصة الأسد منها، بينما نراه يوجز أثناء الكلام عن شيطانه هو، ولم يخصّص له، فيما عدا العنوان، سوى بضعة أسطر فقط، كما ينعكس ذلك في ثنايا القصة، حتى ليخيّل للقارئ كأنما لم يتناوله إلا عرضا، أو أن يكون حقا، قد رمى أو أومأ إلى كل شيطان، وهو ما نستبعده إن أردنا أن نكون قطعيين في الحكم. وإلا وقع الكاتب في ما يمكن أن يقع فيه بعض الكتّاب أحيانا، وهو الابتعاد عن مركزية البؤرة في الأثر الأدبي، والانغماس في الأطراف، وإذ ذاك تصبح القصة عادية، لا أكثر ولا أقل، الأمر الذي كاد يؤدي إلى حرف القارئ عن المقصدية الحقيقية للعنوان والقصة، وهو ما لم يرم إليه الكاتب!
 ليس يساورني أدنى شك، أن الراوي هاهنا، هو الكاتب ذاته، وربما يكون قد كنّى عن كل مبدع آخر، على الرغم من ذلك التفصيل في السرد، والذي استغرق وقتا وحيزا كبيرين، قد تغيّا التركيز على مضمون العنوان وفحواه بشكل خاص ((الشيطان الذي في نفسي))! وهو ما نرجّحه، لا الشيطان الذي في نفس زميله الموظف، أو في نفس عشيقته لولو، وربما في نفس كل إنسان!
يُلمح الكاتب إلى ذلك ((الشيطان)) الذي في نفسه، من خلال ما أورده، على لسان الراوي، في غير مكان من تضاعيف القصة ذاتها، وهو ما يُمكن للقارئ أن يستدل إليه منذ البداية، إنه يقول "...نظرت إليه خطفا وقد بدأ حب الاستطلاع يتملكني.. بل مدفوعا بهوايتي المجنونة إياها، بالنظر إلى الوجوه وتعابيرها، وتغذية ذاكرتي بما هبّ ودبّ من التفاصيل الغريبة.." (ص64). وفي مكان آخر من الصفحة نفسها يقول "لا أدري ما الذي جعلني مستثارا لهذه الدرجة. ربما ما يمر بي هو جزء من عملية الإبداع؟ البحث عن وجوه جديدة لقصص جديدة، كشف عالم جديد، أو عادة سيئة بدأت تأخذ مكانها في نفسي"! وكذلك، قوله في مكان آخر "وسألت نفسي، كيف يجوز أن أحشر نفسي، لتقديم مساعدة، لم تطلب مني أصلاً؟ نفضت السؤال وبعثرت كلماته، وقلت مطمئنا نفسي إنه لولا وجود هذه الميزة الحشرية عند لفيف من الناس، لما وجد الأدب والأدباء أصلاً" (ص66). ثم جاءت تلك العبارة لتختم القصة بأكملها: "أكدت له ذلك بهز رأسي. ولكن.. ماذا أفعل بالشيطان الذي في نفسي" (ص78)! هذا ((الشيطان)) الذي يسكن في داخل الكاتب، يبدو أنه قد اختمر إلى أن نضج، وبالتالي فقد حان أوان انطلاقه، إنه راغب بل مصمم على الخروج والانعتاق، ومن الصعب حبسه لوقت أطول! إنها الفكرة التي تتخلّق في "رحم" كل مبدع، إلى أن تكتمل، إنه الإبداع الذي يسكن في الصدور، يريد أن يولد ويخرج إلى النور!
وفي السياق ذاته، فقد كان العرب يعتقدون أن لكل شاعر شيطانا، يوحي له أفكاره، ويلهمه نظم أشعاره، وكان يقول أحدهم في آخر: شيطانه أنثى وشيطاني ذكر! وقد اعتاد الأدباء والنقاد العرب أن يطلقوا اسم الجن، وأحيانا الشيطان، من وادي عبقر، كثير الجن، كما كان يُعتقد، وما ذلك، إلا من باب استحضار ربة الشعر، أو ملكوت الشعر، بالنسبة لكل شاعر وشاعر.
وتُلمح القصة إلى رواية ((الشيطان في الجسد))  للأديب الفرنسي ريمون راديغه Radiguet الذي كتبها سنة 1919 ، لتدل على فهم للحياة ، قد لا يتيسر لكل إنسان !
ويلحظ القارئ على القصة، تغييب عنصر الخيال فيها، فالأحداث التي فيها، جاءت
تحاكي الواقع، كما يبدو، إلى حد كبير. فالخيال، كما يُحبذ أو يُفترض، كان يجب أن يفوق الواقع ويتفوق عليه، لو أتيح له المجال. وكان يُفضّل أن تعمد القصة إلى وصف الحدث، أو تصوير الشخصية، بدل السرد المطوّل، كذلك أظهرت القصة انكشاف الشخصيات على القارئ، إلى حد كبير، ناهيك بأنها كانت تُفسّر أكثر مما تُصوّر. 
إلى ذلك، فالقصة تشعرك بالمتعة الحقيقية، وأنت تقرأها، لما يظهر فيها من تسلسل يتناغم مع حركية أحداثها، وأفكارها وغرائزها وصراعاتها، التي تجسّدت في شخصياتها، وهو ما يشدك إليها، على الرغم من أن ما طغى عليها من زخم في السرد المفصّل، كاد يُنسينا، ذلك ((الشيطان)) الذي في نفس الراوي!

المراجـع:

* ابن منظور: لسان العرب، ج4، دار الفكر، بيروت، 1990، مادة عبقر.
* بسام قطوس: سيمياء العنوان، جامعة اليرموك، إربد، 2002.
* جميل حمداوي: السيميوطيقا والعنونة، عالم الفكر، ع3، 1997.
* رولان بارت: المغامرة السيميولوجية، ترجمة عبد الرحيم حزل، مراكش، 1993.
* طه حسين: جنة الشوك، دار المعارف ، القاهرة، 1977 .
* ياقوت الحموي: معجم البلدان، ط2، ج4، دار صادر، بيروت، 1995، مادة عبقر.

 

 


الشيطان الذي في نفسي

قصة بقلم : نبيل عودة

أمسك سماعة التلفون بشيء من التردد . نظر الي نظرة فيها ضيق . . ربما لوجودي في مكان يضايقه؟ تردد لحظات مراوحا بنظراته بين قرص التلفون وبيني. كنت مطمئنا لجلستي وراء المنضدة في مكتبي المكيف الهواء والمريح . لم اكن انوي التحرك من مكاني .. نظرت اليه وحثثته على الاسراع بحركة من يدي .. دون ان انبس ببنت شفة . كان وجهه المليء ، بذقنه التي لم تحلق منذ ايام ، يخفي بعض اضطراب نفسه وقلقه .. نظرة خاطفة لعينيه اظهرت لي تردده، ارتباكه ، وربما رهبته من شيء ما ؟ هل هو عاشق ؟ هل هناك امر آخر لا يريد ان يطلع عليه أحد ؟ لم اقف كثيرا امام ما تردد في ذهني من خواطر وأسئلة. التلفون يستعمله العشرات ، ولم يكن وجودي في مكتبي سببا لتردد احدهم في استعماله . واصلت التلهي بأمور عملي ، متناسيا اياه او متظاهرا بالنسيان .
حسم تردده بحركات عصبية ، ضاغطا ازرار الارقام التي تطلق صفيرا خافتا فيه شيء من الموسيقى.
انطلق صوته متمتما يحمل في نبراته قلقه الداخلي من أمر اجهله . غرق بذاته منصتا للرنين من الطرف الآخر . نظرت اليه خطفا وقد بدأ حب الاستطلاع يتملكني .. مدفوعا بهوايتي المجنونة اياها ، بالنظر الى الوجوه وتعابيرها ، وتغذية ذاكرتي بما هب ودب من التفاصيل الغريبة ...
اعترتني رغبة بترك ما بيدي والالتفات اليه ، للتشبع جيدا من حركاته وتعابيره . زجرت رغبتي  ، وواصلت محاولة تجاهله ، بينما احاسيسي تسجل ما يبدر عنه . لا ادري ما الذي جعلني مستثارا لهذه الدرجة . ربما ما يمر بي هو جزء من عملية الابداع ؟ .. البحث عن وجوه جديدة لقصص جديدة ؟ كشف عالم جديد ؟ .. او عادة سيئة بدأت تأخذ مكانها في نفسي ؟!
انتظر بعض الشيء حتى جاءه الجواب من الطرف الآخر . تغير وجهه بسرعة ، وازداد اطراقا وتلعثما في الحديث ، واسرع يقول ، بعد ان بذل جهدا لا بأس به ، وبارتعاش واضح :
- نمرة غلط .. آسف ..
واعاد سماعة التلفون .. واتكأ مجهدا على طرف المنضدة ، محتارا ظاهر الارتباك ، ثم كرر لنفسه ، كأنه يحاول ان يقنع ذلك الذي رد عبر التلفون :
- نمرة غلط  !!
وتحرك بتثاقل ، وعدم رغبة واضحة ، خارجا من الغرفة ..
حاولت العودة لما كان في يدي من عمل ، الا ان نفسي لم تطاوعني، عالجت في ذهني الحالة التي المت بزميلي ، وتوقعت ان يكون وراءها أمر فيه عناصر تصلح لابداع قصة جديدة . هذه النبوءة المجنونة حين تمسني ، تجعلني اتغير . لا اعود انا هو انا نفسي . اسندت ظهري على المقعد ، ونظرت نحو التلفون الصامت .لا بد من وجود حكاية وراء ما مرامامي  . اعدت في ذهني تمثيل ما كان ، منذ لحظة دخول زميلي ، حتى خروجه بالحالة التي خرج بها .. مترددا مرتبكا ، غامضا ، وتأكيده المضحك  ، بعد ان اغلق السماعة ، ان النمرة غلط .
لماذا لم يحاول ان يتصل مع النمرة الصحيحة ؟ ولماذا كل هذا الارتباك والتردد .. بل وبعض الخوف ؟!
ولأمر لا افهمه في نفسي ، ولن افهمه كما يبدو ، التقطت سماعة التلفون ،وبواسطة الضغط على زر الذاكرة ، كرر التلفون الاتصال مع نفس النمرة ، التي سبق لزميلي ان اتصل بها .
جاءني صوت رجل من الطرف الآخر . لم اكن ادري ما انوي فعله ، . ولم اكن قد رسمت في ذهني صورة تقريبية عما يمكن ان اسأل عنه .
اول فكرة راودتني ان زميلي عاشق ، وانه بسبب صاحب الصوت ، ادعى ان النمرة غلط . خرجت من ترددي على تكرار الصوت من الطرف الآخر مستفسرا عما اريده .
جمعت نفسي او شيطنتي وقلت :
- نتكلم من شركة التلفونات .. هل طلبتم تغيير رقم تلفونكم ؟
فوجئ محدثي بما أسأل عنه ، واحتار كما يبدو ، اذ سمعت تلعثمه .. ثم اجاب بوضوح :
- أبدا .. لا ادري شيئا عن الموضوع .
- آسف .. سأفحص .. مع من نتكلم ؟
- بيت المحامي رامي الحيفاوي .
- شكرا ، آسف على الازعاج .
اعترتني ضحكة صامتة ، شاعرا اني اضع يدي على طرف خيط يقودني الى اكتشاف ممتع .ترددت منتقدا تطفلي على خصوصيات زميل . هززت كتفي محاولا ابعاد التردد من نفسي ، مؤججا في الوقت نفسه اندفاعي لمعرفة ما خفا عني ، معللا تمسكي بكشف ما خفى ، بطبيعتي التي لا تهدف الايذاء ، وانما محاولة اسداء المساعدة اذا امكن ، وسألت نفسي : " كيف يجوز ان أحشر نفسي لتقديم معونة لم تطلب مني أصلا ؟ " نفضت السؤال وبعثرت كلماته .. وقلت لنفسي انه لولا وجود هذه الميزة الحشرية عند لفيف من الناس لما وجد الأدب والأدباء اصلا .
كل مشاعري متيقظة لالتقاط موضوع ذي شأن ، لا ادري كنهه ، ولو اني بدأت بوضع تقديراتي الاولية عنه . لو أجابه من الطرف الآخر صوت آخر ، صوت انثى مثلا ، هل كان يسارع للقول ان النمرة غلط ؟ هذا لوحده يمدني بمادة لوضع عشرات الاحتمالات .
شعرت بأن عناصر التردد والاعتراض ستبدأ بالفوران في داخلي .. فنفضت نفسي ، وانتصبت واقفا مصمما على حل المعضلة التي تكونت امامي .
استعرضت في ذهني بعض ما كان ، التردد والآرتباك اللذان اعتريا زميلي . النمرة غلط ، عدم الاتصال بالنمرة الصح .. تأكيده لنفسه ان النمرة غلط .. كأنه يحاول ان يقنع الذي في الطرف الآخر من الخط .. تضايقه الواضح .. لهجته المتلعثمة  ، وخروجه  كالمهزوم من معركة . في الطرف الآخر المحامي رامي الحيفاوي .. هل هو من حيفا ؟ ام ان الاصل غلب على الاسم ؟
راودتني فكرة ، فلم اتردد . جلست ورفعت سماعة التلفون ، واتصلت بصديق لي ، محام :
- استاذ عادل ؟ .. سلامات ..
عرفني من صوتي . رحب وأطنب واستحثني على زيارته .. و.. قاطعته :
- اريد ان استفسر عن موضوع صغير ..
- تفضل .
-  المحامي رامي الحيفاوي ، تعرفه .. ؟
- بالطبع .. زميلي وصديقي ، درسنا سوية ، وكانت لنا غرفة مشتركة بالايجار ..
-  هل هو من حيفا ؟
- أجل ، مكتبه في " الهدار " .. هل تريد منه شيئا ؟
- أبدا .. لا شيء خاص .. ولكن زميل لي وكله بقضية تأمين . قل لي هل هو متزوج ؟
سؤالي كما يبدو فاجأه . شعرت بأنه يفكر بهذا السؤال . . الذي لا صلة له بموضوع توكيل محام .. ولكنه اجابني مترددا ، غير فاهم ما ارمي اليه ، وهذا جعله ، كما يبدو .. يمدني بكل ما يعرفه عن زميله الحيفاوي ، منتظرا تفسيري :
- متزوج  وأب لطفلتين ، على حد علمي .. وزوجته اسمها لولو كما أذكر ، معلمة في مدرسة ابتدائية، ولكن ..
- سأشرح لك كل شيء فيما بعد .. لدي سؤال غريب آخر ، هل هي جميلة ؟  اعني هل رأيتها مرة ؟
- كثيرا .. تصلح لان تكون عارضة ازياء .. ولكني لم افهمك بعد ..
كدت اصفر من المفاجأة ..واعترتني رهبة عابرة ، شاعرا اني ارتكب حماقة لا معنى لها .
ما دخلي انا في قضايا الناس ؟
شكرت صديقي عادل ووعدته ان ازوره قريبا واوضح له كل شيء . ولعله الآن يقرأ قصتي هذه ، ويهز رأسه ، ولكني اثق انه سيحفظ السر ، الذي انا في سبيلي الى كشفه .
اعدت سماعة التلفون شاعرا ببعض الكآبة الخفيفة ، التي سببها موقفي الغريب ، في ملاحقة خصوصيات الناس ، ولكني كنت متأكدا اني بدأت .. ولن اقف ، خاصة بعد ما حصلت عليه من معلومات ، قوت يقيني  فيما ذهبت اليه من تقديرات وتأويلات .
أرسلت في طلب زميلي ، فجاءني تسبقه عيناه القلقتان ، بوجهه غير المحلوق منذ ايام. كان هادئا بعض الشيء ، مطمئنا ان سره في أمان  واستقرار ، دعوته للجلوس وانا انبش في اوراقي على المكتب .. كمن يبحث عن شيء مهم ، وقلت له بلهجة تحكمت بها بحيث لا يعتريه ادنى شك على صدق ما اقوله ، معتمدا بالوقت نفسه عنصر المفاجأة الذي يبقيه غير واثق من نفسه وموقفه ، ولو كان كل المنطق الى جانبه . قلت :
- اتصل المحامي رامي الحيفاوي ، يسأل من اتصل به ، قلت له ان عاملا عندنا اتصل بالخطأ ، اصر ان يعرف الاسم ، فأخبرته بأسمك ..
فوجئ بالاسم الذي ذكرته، وبان الارتباك والخوف الشديد في ملامح وجهه ، وبدون تفكير قال بصوت مذهول :
- لماذا اخبرته بأسمي ؟ قل له نمرة غلط وكفى ..؟!
- لماذا ارتعبت ؟
- لا .. لا شيء ..
- ضغط على جبينه بقبضة يده اليمنى واطرق مليا ، وتمتم لنفسه بكلمات لم يصلني منها الا بعض الأحرف ..
- كان يجب ان لا تخبره باسمي .
اشفقت عليه من حالة الذهول ، ولكني قررت الاستمرار في اللعبة . قال فجأة كمن اكتشف شيئا :
- كيف عرف نمرة التلفون ؟
أجبت بهدوء وبلا اهتمام ظاهر :
- لا ادري ، اتصل به واسأله ؟
وأخذت سماعة التلفون ومددتها نحوه ، فانتفض :
- لا ، ولا بأي شكل .
لوح بيده بسخط ، والذهول يشع من عينيه .
قال محاولا ان يخفف عن نفسه :
- مصيبة .. ربما تكون قد ورطني ؟!! وربما تكون صدفة غير مفهومة ؟!
- لم تكن تتوقعه حين تلفنت ؟
- .....
- هل اردت الحديث مع لولو ؟
حدق بي طويلا وهو مصعوق من ذكري لهذا الاسم .. وانا اواصل التظاهر اني غارق في اوراقي وفي عملي ، بينما عقلي متيقظ لالتقاط كل حركاته وتعابيره .
شتمني مبتسما ابتسامة بلهاء .. متيقنا ان في الامر لعبة .. اذ لا يعقل ان اعرف كل هذه المعلومات من مجرد اتصاله بنمرة غلط ، او بنمرة صح ، فهو لم ينبس امامي ببنت شفة ، لم ينفس عن حرف فيما يخصه ، نعمل سوية منذ ثلاث سنوات ، لم يحدث احدنا الآخر حول  خصوصياته ، فكيف اباغته الآن في صميم اسراره ؟
- اسمع .. لم اعد احتمل .. صارحني اصارحك ؟!
ابتسمت زاجرا ضحكة مجنونة في صدري :
- اتفقنا .. ولكن لا ترجع بوعدك ؟
اطمأنت نفسه قليلا ، وارتخت عضلات وجهه المشدودة من التوتر . قال وهو يأخذ نفسا طويلا  ، مخرجا علبة سجائره من جيب القميص :
- وعدتك .. على ان يبقى  سرا بيننا ؟
اشعلنا سيجارتين ، وبين حلقات الدخان حدثته كيف توصلت للمعلومات التي فاجأته بها. ابتسم مطلقا ضحكات صاخبة ، متحررا من خوفه ، من الكآبة والرهبة ، مطمئنا بعد معاناة . ذكرته :
- والآن ماذا لديك لتضيف ؟
تغيرت سحنته المرتاحة ، واختفت ابتسامته . اطرق صامتا للحظات ، وكأنه يتردد في الافصاح عن خبايا قلبه ، ثم قال دون ان ينظر الي :
- بالنسبة لك قد تكون حكاية عاشق مغامر ..صائد نساء محترف .. اني لست كذلك .. ما بيني وبين هذه المرأة ليس صبابة عابرة .. نحن لسنا مجرد عاشقين.
نظر في عيني ، فلمحت التردد ينعكس على وجهه ، كأنه يستصعب ان يبوح بما يلذه او يعذبه .. وفي نفس الوقت يأخذ نفسا طويلا ، ويحسن جلسته  التي بدأها مترددا محتارا على طرف المقعد ، مما بعث الاطمئنان ليقيني ، انه في سبيله  للبوح بما لديه ، ، وتملكتني فكرة من الجوالمحيط بنا انه بحاجة لزميل  يصارحه بما لديه ..
قلت لنفسي انه وقع على الزميل الملائم .. يستطيع ان يفهمه ، وأن يبادله الرأي بالرأي ، ويشد ازره اذا ما كان بحاجة الى ذلك .. ثم سألت نفسي : " هل استطيع ان اصون السر ؟ " أجبت تلقائيا بالايجاب . فسخرت من نفسي وذكرتها بما باحت به من اسرار . فأجبت باني ما بحت بسر اطلاقا ، انما انشأت حكاية موازية ، مستعينا بجوهر الحدث وليس بأشخاصه ، بهدم الاصل وتركيبه مجددا . سخرت متسائلا : " ما الفرق ؟ " فحسمت الجدل الذي بدأ يفور داخلي بأن حثثت زميلي :
- احك بلا تردد ، وكن  مطمئنا ..
- انا لولو ابناء صف واحد .. نحب بعضنا البعض .. منذ ايام المدرسة الثانوية . تواعدنا ان نكون لبعضنا البعض .. مهما حدث .. هي ذهبت لدار المعلمين ، وانا انخرطت في العمل . كنت اريد ان اكون نفسي بسرعة .. ان يصبح لي بيت .. وأن تصبح لولو زوجتي .. لذلك ضحيت بالدراسة الجامعية .. والداي لم يفهما موقفي ، ولم يكن من الممكن ان يفهماني . انجح اولادهم يخرج للعمل الصعب وكل الظروف البيتية والمادية متوفرة له للدراسة الجامعية والتقدم في الحياة .اليوم افكر بخطأي . اشعر اني خسرت على جبهتين .. جبهة الدراسة وجبهة الحياة .. خسرت المركز الاجتماعي .. وخسرت امنية حياتي .. أحيانا يتملكني الندم والغضب لاني لم اواصل دراستي . ولكن هذا ما كان .. حبنا كان اقوى من كل المنطق ، احلامنا كانت اكبر من عالمنا ، لولو كانت ، وما زالت..  كل عالمي ، مع لولو كل شيء يطيب لي ، الشقاء والمعاناة والألم .. في سبيل لولو تتحول الى سعادة .. كنا نحلق في فضاء من الرغبات والاحلام .. من الأمنيات والآمال .. نلتقي دوما .. نتعانق ونتبادل القبلات والضحكات الوردية ..
احافظ عليها كما يحافظ الانسان على بؤبؤ عينه .. رغبتي فيها لا تعرف الحدود ، ولكني اريدها طاهرة عذراء لليلة العرس ، كل ما يخصنا كان ابيض جميلا . كنت اواصل الليل بالنهار في سبيل تحقيق ذاتي . بسمتها كانت تكفيني ، صوتها المزغرد يملأ دنياي .
عالمي انحصر في شيئين.. العمل ولولو . ربما في شيء واحد كبير .. أكبر من السماء .. اوسع .. اوسع من الأفق . عميق .. أعمق من البحر .. لولو .. لولو هي شغلي وأملي وأحلامي وحياتي . هي الماضي والحاضر والمستقبل .
تقدمت لطلب يدها حسب الاصول .. فرفضتني عائلتها ؟!
تهدج صوته وأطرق مليا محاولا السيطرة على دمعة كادت ان تفلت . كأن ما يؤلمه يعود بكل حدته وقساوته الآن ، وفي هذه اللحظات .. لقد بهرني بقدرته على السرد .. بحيث تمنيت لو اسجل حديثه كتابة .. حتى لا تفوتني منه كلمة او اشارة موحية .
استعاد هدوءه رغم مسحة الحزن التي ارتسمت على محياه.
- عانينا كثيرا بعد رفض عائلتها لي . قد تستغرب ان العائلة لا تزال تقرر في زواج ابنائها ؟! والدها كان مستبدا . دقة قديمة. قديمة جدا .. اكثر مما يتخيله العقل . فكرت : " اذا اخبرته بما بيننا يلين امام الحقائق ، فيقبلني مكرها ؟" ما حدث هو العكس . فرض على اهل بيته ما يشبه الاحكام العرفية  . اضطهد والدتها واخواتها .. ضلوع مجتمعنا القاصرة ؟!  حرض اولاده على تتبع خطوات البنات .. ماذا اقول لك ؟ .. لم يمض الا وقت قصير حتى نجح بتزويجها لمحام من حيفا ..لا ادري كيف حدث ذلك . لم استوعبه .. صدمت .. ربما لم اصدق امكانية زواجها من غيري ؟  انها معي دائما في احلامي وفي صحوي .. هذه النقطة مستعصية علي حتى اليوم . هل كان علي ان اخطفها ؟ وهل كانت تطاوعني ؟ لم يكن من السهل محادثتها وهي داخل المراقبة والحصار .. فقدت امكانية الاتصال معها.. بعد ان تجددت علاقتي بها اخبرتني  انها اتصلت معي قبل عرسها باسبوعين للأتفاق على شيء.. لكنها لم تجدني ، ولم يكن من المتيسر امامها ايجاد فرصة  اخرى للأتصال ، وصارت تشك اني تخليت عنها لانها مخطوبة لانسان آخر.. وكان عرسها بالنسبة لها اشبه بالجنازة...
تزوجت لولو وانهارت احلامي وتناثر عالمي الجميل . اصبت بالمرارة والضيق من الحياة نفسها .. تملكني القنوط والاحباط .. وراودتني فكرة الانتحار .. ولولا امي التي لاحظت وضعي النفسي الغريب ، وشددت مراقبتها لي .. فربما كنت انتحرت .
قد اكون واهما من فكرة الانتحار والقدرة على تنفيذها .. كل ما ادريه اني وصلت لوضع لم يعد للحياة فيه شأن في نفسي . تركت عملي وانطويت على نفسي لأشهر عديدة.. لا شغلة لي الا شرب القهوة والتدخين والتفكير بلولو وبعذريتها التي تهتك قسرا.. وبالعار والشنار الذي لحق بي وكأني مسؤول عن عذريتها.. احيانا اصرخ بصمت ، بدون صوت .. أنا اقول الحقيقة .. شيء يصرخ في صدري .. يستغيث .. يرفض ما يحدث .. يثور .. يشتم .. يقاتل .. ويلعن كل شيء .. يكفر بكل شيء ..يثور غضبي احيانا على لولو .. أكرهها .. اهشم وجهها الوادع .. اغرز اظافري في لحمها الناعم الطري الابيض .. ارى الدم ينقط من سجائري .. أقذف بالفنجان والسجائر وغلاية القهوة ..ضاربا "الاسكملة" بقدمي ، فتتناثر القهوة .. والدم .. في كل مكان .. فأصرخ بصوت مسموع ، لا اقوى على كبته .. متألما مستثارا ، ولا اعود الى نفسي الغاضبة الا بين يدي امي ، وهي تضم  رأسي الى صدرها .. فأبكي كطفل صغير ، بحرقة .. وربما باعتذار ، عما اسببه لأمي من معاناة وقلق وألم .. ودموع تحاول ان تخفيها عني .. تشعرني بالخجل من نفسي .
امي ، الله يرحمها .. قصر عمرها بسببي ، ماتت وهي توصي اهل البيت علي ، كانت امنيتها ان اتزوج ، فلم افعل ذلك الا بعد موتها ، وحسرتها علي في قلبها ..
هل تظن اني نسيت ذلك ؟!
عندما أعود لهذه الذكريات يثور الذئب في اعماقي ، وحش كاسر يبحث عن فريسته . لا تظن ان علاقتي بلولو تأثرت ... انا لا انتقم منها ، هي وسيلتي للانتقام  ؟
ابدا !! لولو حبيبتي ، ولن اجعلها وسيلة للأنتقام . اذن كيف انتقم ؟ بآية طريقة ؟ بأي اسلوب ؟ الا تعتبر علاقتي الممنوعة بها من باب الانتقام ؟ ببساطة وصراحة .. لو راودني شعور بأن علاقتي مع لولو فيها دافع من دوافع الانتقام ، لما ترددت في قطع ما بيننا . حبي لهذه الانسانة ، والذكريات الجميلة الطاهرة التي بيننا ، ذلك اغلى على نفسي ، واعز  عندي الف مرة .. من اي انتقام كان .
ولكني انتقم .. انا اعرف ذلك !!
لا ادري كيف يتحقق انتقامي ولا نتائجه على من احب . شعور الانتقام يراودنا نحن الاثنين . هي ايضا تنتقم .
توقف عن الكلام مجهدا وقد حل الغضب مكان الحزن في تعابير وجهه . اشعل سيجارة وأخذ نفسا طويلا ، نفث الدخان  ببطء .. وتقطع ، وقد حسبت انه انتهى من مونولوجه المؤثر . . غيران شيئا يتحرك في داخلي حاثا على المزيد . صببت فنجاني قهوة من " الترموس " . أخذت شفطة وتذوقت طعم الهيل في القهوة ، وحثثته :
- اشرب.
ولسان حالي يقول : " المزيد " .
يبدو عليه انه فهم قصدي . شرب نصف فنجان القهوة دفعة واحدة ، وطلب المزيد . ملأت له الفنجان ، وتركت " الترموس " تحت تصرفه .شرب نصف فنجان آخر ، وكأن فمه مبطن ضد الحرارة، وقال :
- انقطعت صلاتي تماما مع لولو . انا لم احاول الاتصال بها حفظا لكرامتها وسمعتها . ربما تلك هي ارادتها . ربما ارادت تطمين والدها وانقاذ امها واخواتها من طغيانه ومما يتعرضن له بسببها ؟ هناك الف ربما ..  وعشرات التأويلات والاحتمالات . . وما دامت هي لا تتصل ، فلأحترم رغبتها ، رغم اني لم اهضم ما حدث .
خرجت من وضعي النفسي المضطرب الذي لازمني بعد زواجها ، وبدأت اعود لحياة طبيعية او شبه طبيعية .. ولكن بفتور .. وبعد تردد طويل تزوجت . لا شك ان فقداني لأمي وهي توصيني بالزواج ، وتوصي الأهل برعايتي ، كان سببا في خروجي من ازمتي وزواجي . انا احب زوجتي حبا عاديا .. احترمها .. لا استطيع ان احبها مثل لولو .. ولكنها غالية على نفسي . عندي منها ثلاثة اولاد . احبهم بجنون . هم اعادوني الى توازني ، أجد فيهم الصفاء والطهارة التي كانت ايام عشقنا المبكر انا ولولو .
ومضت الايام .. اشياء كثيرة تغيرت وتتغير .. حتى لولو بدأت تتحول الى ذكرى جميلة . . اما حين اسلسل الحدث ، وهذا صار قليلا ما يحدث ، فأثور بغضب مدفوع بمشاعر النقمة . في السنة الاولى من زواجي كثيرا ما ناديت زوجتي باسم " لولو " . اقنعتها بأني احب هذا الاسم . ربما لم تصدقني زوجتي ، ولكنها لم تسألني عن سبب هذا النداء .. وحين رزقت بابنة ، وكانت تلك امنيتي ، قالت لي زوجتي وهي تقدم لي طفلتنا :
- أنظر كم هي جميلة ولطيفة لولو ..
وساعتها بكيت .. بكيت كما لم ابك من قبل .
يقال وبحق ان الجبال لا تلتق ابدا ، انما الانسان...
التقيت لولو في احدى الرحلات الى مصر.. ثماني سنوات من القطيعة ، وفجأة القاها امامي . ارتعشت من رأسي الى اخمص قدمي . غبشت عيناي من دمعتي فرح .. او ربما حزن .. او حزن وفرح في نفس الوقت .أمسح الدمعتين ، لولو صارت اكثر انوثة ، نظراتها مهمومة ، ارتعاش عينيها يفضحها .. نقف في قاعة الفندق الرحبة نتأمل بعض .. ننظر في عيني بعض .. تبتسم لي بحياء ، ابتسم لها بذهول .. تخفض عينيها ، اقترب منها والهث باسمها :
- لولو .. لولو ..
تنظر الي بعينين تملؤهما الدموع والاشواق ، صدفة مجنونة تلك ؟ ما كان بيننا بدأ يتحول الى ذكرى .. وفجأة اجدها امامي . كانت لوحدها وكنت لوحدي .. وباندفاع مجنون ، طوينا وراءنا الزمان والمكان . عبرنا الماضي والتاريخ والجغرافيا. جددنا ما كان ، واندفعنا لاحضان بعض بلا تردد وتفكير . غسلنا حزننا واشواقنا باتحاد جديد . لم ارغب بامراة كما رغبت بها ولم ترغب برجل كما رغبت بي . عشق ووجد وصبابة .ظمآنان وقعا على نبع ماء . اسكرنا الحب الممنوع . قالت لي ان نفسها لن تطمأن الا اذا ضاجعتها على فراش زوجها . أهي النقمة وراء رغبتها المجنونة هذه ؟ هل هو انتقام لا يعرف الحدود ؟ هل زوجها المقصود بالانتقام ؟ أم والدها ..؟ ام تنتقم من ذاتها هي ؟ ربما من كل عالمها ؟
كثيرا ما قالت لي انها تشعر بالذنب  وتريد ان تنتقم لنفسها لأنها ضعفت ورضخت لمشيئة عائلتها .
هل تستغلني بهف تحقيق انتقامها ؟ كان بامكانها ان تفعل ذلك مع غيري ، ومن زمان ، اذا كان الانتقام هدفها من العلاقة الممنوعة بيننا . . ؟ تبكي وتصر انها تحبني حقا ، ولا تريد ان تفقدني مرة اخرى . انا ايضا لي حسابي . اقول لها ذلك ، فترجوني ان انسى موضوع حسابنا ......... وان نعيش لحظتنا الهانئة ، وتهمس لي :
- انه حقنا الذي حرمونا منه وهو افضل ثأر ..
- وهل يؤخذ الحق بهذا الشكل خطفا ؟
- يكفي انه حقنا وليفهمه كل منا كما يشاء .
كنت على يقين انها تنتقم من عالمها .. وانها ما كانت لتفعل ذلك بعلاقة مع شخص آخر غيري . علاقة مع شخص آخر معناها انها تنتقم من نفسها فقط . علاقتها معي هو حقها الذي حرموها منه . . وانتقام لا يعرف الرحمة من قيم ومثل واشخاص حرموها من حلم حياتها وحقها الطبيعي .. وقالت ان تزويجها بهذا الشكل هو  اغتصاب متكرر لا يعاقب عليه القانون ، وانها  منذ اتحدنا جسما وروحا شعرت  بعظمة العلاقة بين رجل وامرأة .
في لقائنا الاول ، في بيتها في حيفا قالت لي بطريقة اقرب الى الشراسة واللؤم وتعذيب الذات :
- هيا انتقم لي منهم .. منهم كلهم .. من كل الذين ابعدوني عنك .. وأبعدوك عني ، اريدك هنا فوق فراشه ، أكره هالة القدسية الكاذبة ، اقيء على شرفهم المهترئ .. اكرههم .. اكرههم ...
زجرتها وافهمتها اني لن اقبل ان اكون وسيلتها للأنتقام  والثأر.. وان حقدي على من فرقونا لا يقل عن حقدها ، وربما لهذا السبب طاوعتها واريدها على فراش زوجها .. ولكني ارفض ان يتحول حبنا الى  دوافع حيوانية محددة بالانتقام والثأر .
بكت كثيرا وقالت انها تشعر نفسها كزانية ، وهي لا تريد لهذا الشعور ان يراودها .. وهو دافعها للتفوه بما قالته . وصارحتني ان زوجها لطيف معها ، ولا يفشل لها طلبا .. ولكنها لا تشعر معه باللذة والانسجام ، جسدها يرفضه لأنه يتمناني ، وهذا الشعور يرافقها منذ زوجت .. وهي لا تذكر انها وصلت معه الى قمة المتعة التي تصلها معي
.زوجها يعارك محاولا بكل قدراته ان يوصلها .. اصيب بالحيرة واستشار طبيبا ، فلم يساعد الامر ..  واقتنع كما يبدو انها باردة جدا .. لو رأى شبقها المجنون لما صدق عينيه . تقول انه اخطأ وليتحمل نتائج خطأه. خلال فترة خطوبتهما صدته ورفضته ، مع انه شاب مثقف ، له مركزه الاجتماعي ، وامكانيات مادية ، وشخصية قريبة لقلوب الفتيات ، كان عليه ان يفهم ما لم تستطع البوح به جهارا .ان يفهم انها لا تستطيع ان تكون له ... بهره جمالها ، واستعجل الزواج ظانا ان الزمن يجمع بين القلوب ، ويقرب بين الافئدة ، فلم يجن الا برودها ، وها هي تعطي نفسها بسخاء لغيره ... لحبيبها !!
كثيرا ما حاولت ان افلسف ما بيننا من حب ملتهب وانتقام مشترك لا حدود له .
قلت لها مرة :
- يجب ان لا تجرفنا غرائزنا ، ممارستنا لحبنا هو احسن ثأر.
- ما بيننا ليس غرائز . حبنا هو حقنا بالحياة وثأرنا ايضا .
- لا تنسي اننا من تركيبة اجتماعية تنفر مما نحن به ، حتى لو كان حقنا ؟ وسنعامل باحتقار اذا ما انفضح امرنا ؟
- هل تريد ان تقول ان ما نفعله حماقات ؟ حبنا حماقة وشذوذ ؟ ما بالك تتراجع عما قلته قبل لحظة ؟
فأحتار فيما انا قائله واتردد امام اسئلتها .أضعف امام العتاب المنطلق من عينيها ، واغرق في رجاء شفتيها .. وحين تثور غريزتي ، اصبح كالثور الهائج ، وكأن هذا اول اقتحام لعذريتها .. لا ادري لماذا يراودني هذا الشعور كلما ولجتها .. كأن شيئا  في نفسي يرفض ان يصدق ان لولو لم تعد عذراء . لولو عذراء ابدية ، تتجدد عذريتها  بعد كل اقتحام ، وحين لا ارى آثارا للدم بين ساقيها  ، تعاودني الفكرة المجنونة بأن لولو عذراء بعد .
ومنذ سنتين نلتقي اسبوعيا . سافرنا لمصر عدة مرات .. تمتعنا بلا حدود ، احيانا تقول انها تغار من زوجتي علي ، تقول ذلك وتبكي لانها لا تريد ان تسيء لزوجتي .يراودها شعور سيء انها تخطفني من زوجتي واولادي . طمأنتها ان ما بيننا لا يجعلني اهمل بيتي . . وان حبي لها لا ينفي حبي لزوجتي واولادي .وتقول اننا مهما نصل في علاقتنا ، فسعادتها ناقصة ، وان السبيل لتخفيف ما هي به ، ان تحمل وتضع ابنا ، او بنتا مني .
حذرتها من فكرتها المجنونة ، ولكنها تصر ! منذ اشهر وهي تصر ان تحمل مني ، تريد طفلا مني حتى تكتمل سعادتها ويهدأ بالها .. لان العلاقة بيننا ستنتهي يوما ما .. واعتقد انها حامل ، على الأغلب مني .. امس أجرت فحصا ، اردت ان اعرف النتائج .. أنا في حيرة من امري .. هل ما ارتكبه حماقة ؟ خيانة لزوجتي واولادي ؟ ام انتقام من اهلها ؟ ربما هو اخلاصي للماضي ؟ للأيام الحلوة الهانئة التي كانت ؟ ام هو حقنا التاريخي ؟ ام هي غرائز بشرية لا قدرة للعقل على توجيهها ؟
لا اعرف كيف اتصرف . كنت احبها واريدها لي وحدي . اليوم احبها واقبلها رغم وجود شريك آخر .. زوجها .لا اعرف ان كنت اكرهه او اشفق عليه ؟ ولكني احسده .هي تدري اني لا استطيع ان اكون لها وحدها ، واني لن اتخلى عن زوجتي واولادي .هي تقبلني كما انا .اما انا فاعيش بدوامة لا اعرف لها قرار . يجرفني عشقها . اريدها بقوة وبرغبة وبحقد . . واعرف ان ما بيننا لم يعد ذلك الحب الحالم البريء . لم يعد اندفاعي ذلك الاندفاع الطاهر . القاها اليوم لاشبع جوعي اليها ، لأرتوي من رحيقها الذي لا ينضب ، لاهتك عذريتها التي لا تنتهي . تشدنا النشوة المجنونة الى الماضي الجميل الذي كان .الى الاحلام الضائعة .. نعيشها خطفا. هي حزينة لانها ليست كذلك .. ليست من هذا النوع .. هي تقول انه حقنا الذي حرمونا منه ، وليتحملوا هم النتائج . لا تكره زوجها ولا تنتقم منه ، ولكنها لا تحبه . حبنا الماضي تغير ، صار لحظات متعة ونشوة ، جنون  للدخول والانصهار في بعض . مفهومنا للحب تغير . . ونحن تغيرنا . احيانا نقررانه هذا هو ، وصلنا لنهاية الطريق ، ولكل منا حياته الخاصة .. بيته الخاص .. أولاده .. هل نضحي بأولادنا في سبيل ذاتنا ؟ وهل يليق هذا بنا ؟ ألا يكفينا ما تمتعنا به ؟ ألم يرض غرورنا ، ويهدئ من لوعتنا ، وينسينا غضبنا ؟
نودع بعض .. نبكي بحرقة .. نتبادل آخر عناق .. آخر قبلة .. فلا تمضي اربع وعشرون ساعة  الا ونكون نحن الاثنين ، امام التلفون ، يبحث كل منا عن الآخر..
ونعود لنلتقي مندفعين بحماس اشد ، ورغبة ممتدة لا تعرف نهاية ولا قرار.
الى اين تقودنا غرائزنا ؟ لا ادري !!
واليوم تترسخ العلاقة بيننا بطفل ، انا مضطر لتحقيق رغبتها ، ربما هذا هو آخر المشوار بيننا ؟ لا بد ان نصل لنهاية . نهاية للاندفاع بلا ضوابط .. سنبقى على حبنا ، سيكون لها ابن اوابنة مني .. قد يكفيها ذلك .. وأنا .. هل استطيع الابتعاد عنها ؟ الن يشدني الحنين لها .. ولابننا المشترك ؟
هز رأسه بضيق وقال :
- لا ادري !!
صمت ، اخذ نفسا من سيجارته ، نظر الي بشيء من الحيرة ، وقال مؤكدا على شيء سبق وان طلبه :
- السر هو سر .. انت عند كلامك ؟
- أكدت له ذلك بهز رأسي ، ولكن .. ماذا افعل بالشيطان الذي في نفسي ؟


 

الصفحة 20 من 28

  • 15
  • 16
  • 17
  • 18
  • 19
  • 20
  • 21
  • 22
  • 23
  • 24

المتواجدون الآن

22 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

مهارات حياتية

  • الثقة بحكمك الخاص حين يكون الدليل غير مكتمل
  • لماذا لا يعني الأمان النفسي أن تكون مرتاحاً
  • طرح قلق حول نبرة شخص دون أن يصبح الأمر شخصياً
  • تطوير وعي ذاتي حول كيفية تأثير مزاجك على فريقك
  • التعرف على متى تُسقِط مشاعرك الخاصة على الآخرين
  • حين تشعر مبادرة الرفاهية بأنها استعراضية لا حقيقية
  • حين يتشابه الإنجاز العالي والإرهاق
  • إعادة بناء الثقافة بعد فترة نمو سريع ومربك
  • حين يبالغ عضو فريق في الوعود ويقصّر في التنفيذ باستمرار
  • إدارة الطاقة، لا الوقت فقط

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك