مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

القمة العربية

التفاصيل
كتب بواسطة: زياد أبو شاويش
نشر بتاريخ: 16 نوفمبر 2002
انشأ بتاريخ: 16 نوفمبر 2002
الزيارات: 5

القمة العربية : وقطعت كونداليزا قول كل رئيس

بقلم : زياد أبوشاويش

ذات قمة ، قال العقيد الليبي معمر القذافي ، وهو المعروف بجرأته على إخوانه من رؤساء آخر الزمان ، كما بطرافته  وصراحته : لقد وجدنا أمامنا وفوق أماكن جلوسنا في القمة ، قرارات جاهزة وكان علينا أن نوقع فقط  ..... وواضح أن العقيد يشير بإصبع الاتهام لزملائه قادة الأمة  بأنهم يتلقون التعليمات والأوامر من خارج الدائرة العربية ، لصياغة قرارات مفترض أنها الأهم والأخطر على مستقبل الأمة العربية ومستقبلها .
نحن سنحسن الظن هذه المرة بقادتنا ونتطلع لقمة تعالج مشاكلنا ، وتخرجنا من حالة اليأس والهزيمة الى آفاق أكثر إشراقاً وأملاً في غد يؤمن فيه الإنسان العربي على نفسه وبيته ولقمة عيشه ، وأكثر قليلاً ، على كرامته المجروحة منذ أمد بعيد .
ولان هذه القمة تعقد في السعودية وبالقرب من أقدس الأمكنة الإسلامية ، فلابد أن تنعكس أجواء الجوار الكريم لرسول الله محمد وصحبه الأطهار على هذه القمة ، نظافة، وعزةً، وصدقاً مع النفس ، ومع الشعب الذي أعطى هؤلاء الرؤساء والقادة كل ما أرادوه، من تأمين مستقبلهم على عروشهم وكراسيهم ، الى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، بل أكثر من هذا فقد منحتهم شعوبهم صكوك ملكية البلاد والعباد لهم ولورثتهم عطاءً لا انتقاص فيه ولا تقتير .
إذن ما الذي ينقص من واجبهم حتى نؤديه لهم فيمنون علينا بقرارات تراعي ما ذكرناه آنفاً ؟ .
مقديشو تختصر مشكلة الصومال ، وهجرة أهلها القسرية تلخص مأساة الأمة من أقصاها الى أقصاها فماذا أنتم فاعلون ؟.
بغداد "قلعة النسور" تحترق كل يوم، ولا ينقطع نهر الدم فيها مترافقاً مع حزن الفرات ، مصارع الأحبة وظلمة الغد وأنين الجرحى يصبغ كل شيء ، ويتلون العراق بدم القلب والروح ويتوج مأساة العرب من المحيط الى الخليج ، فماذا أنتم فاعلون ؟ .
فلسطين تنادي ، فيشق صدى صوتها عنان السماء، كما أعماق النفس وسويداء القلب ، وينكل نازيو العصر بأبنائها ، وتقدم بحزنها ودم أعز قادتها نماذج فريدة لبطش الصهاينة وهمجيتهم،
وتحاصر إسرائيل بدعم حليفتكم شعبها ، وتضرب عرض الحائط بكل مبادراتكم ودعواتكم للسلم والتطبيع ، فماذا أنتم فاعلون ؟ .
تئن السودان ولبنان تحت وطأة التدخل الأجنبي والاملاءات من كل حدب وصوب ، ويتصارع الأهل بسبب ومن غير سبب ، فتوفر لهم حليفتكم كل مقومات الحرب الأهلية وتزود بعضهم بالسلاح كما الدعم السياسي ، وتحرض الأخ على أخيه تحت عناوين الشرعية الدولية والتشويه الكاذب والمتعمد لكل من خالف رأيها وظهر مناهضاً أو حتى منتقداً لربيبتها إسرائيل فماذا أنتم فاعلون ؟ .
البحر من أمامكم والأمريكيون من ورائكم ، فماذا أنتم فاعلون ؟ .
يرى البعض من المتابعين والذين يتعبون ذهنهم بالبحث عن أفضل الوسائل لمساعدة هؤلاء القادة ، بأن تأجيل المشكلات أو ترحيلها لزمن آخر، أو لقمة قادمة هو الحل الأمثل لأي عقدة تعترض منشار قادتنا وهم يفصلون لنا ويعلمونا كيف نصبر، وكيف نحتسب كل خسائرنا عند رب العباد ولا يتوانون عن ذكر الله وقراءة القرآن لجلاء الهم والغم عن قلوبنا المتعبة وأرواحنا المكدودة ، وربما يأتي يوم نقترح فيه نحن الشعب العربي المغلوب على أمره حلاً يرضي هؤلاء الذين يجتمعون لحل كل المعضلات السابقة ، وغيرها من الأزمات المتوفرة في ربوع بلادنا الحبيبة ، فقراً ، وتصحراً ، وبطالة ، وأميةً ، ومعها معضلة حلت بهم وبنا اسمها الديمقراطية ، فلا القادة يشرحون لنا معناها وكيف نتعامل معها ، ولا الكتاب والمفكرين يترفقوا بنا فيغادروا السجون ويكفوا عن التحرش بكم وشرح الموضوع لنا .
إذن فهذه قمة القمم ومربط خيلهم ، وعليها يتوقف الكثير . ولأن الأمر كذلك ولأن أمريكا حريصة كل الحرص على تقديم العون لنا عبر قادتنا الأشاوس ، ولأنها لا تقبل أن تكون أقل منا حرصاً على مصالح الأمة ومستقبل أبنائها ، بل ومساعدتهم في تحرير أرضهم المحتلة ، ووقف العدوان عليهم من الذين يسوون والذين لا يسوون ، وجدتها أي أمريكا ترسل السيدة كونداليزا رايس لطمأنتهم وتعزيز صمودهم وجعل قمتهم ذات مضمون ، كما تقديم الإرشاد فيما يتعلق بصياغة القرارات الهامة والخطيرة التي ستنجم عن اجتماع أعمدة الأمة وكبارها بحكم خبرتها العميقة في قواعد اللغة العربية نحواً وصرفاً !!
وهكذا وجدناها تحط رحالها في أسوان حيث الجو الجميل في هذا الوقت من العام ، وقرب المكان من علامات تراث وحضارة غابرة، وصروح تشير الى عظمة هذه المنطقة ، فماذا فعلت السيدة رايس هناك بخلاف التشمس والإطلال على عراقة تاريخ مصر وحضارتها ؟.
ولماذا قابلت وزراء خارجية الدول الأربع ممن يسمون دول " الاعتدال" ؟ وربما الإجابة هنا سهلة والتبرير منطقي ، لكن الملفت وربما في سياق الحرص الشديد من جانبها على أمننا وأمن بلداننا وشعوبنا الطيبة والصبورة ، أنها قابلت أيضاً مسئولي الأمن في هذه البلدان ، وهي المقابلة التي لها سوابق لم ينتج عنها بصراحة سوى المزيد من التأزم وسوء العلاقات بين الدول العربية المعنية مباشرة بالصراع مع إسرائيل .
لقد تجاهلت بشكل متعمد وضع احتلال الجولان ضمن المعضلات التي توجب على قادتنا الوقوف أمامها ومعالجتها بروح المسؤولية والكرامة التي تنتقص منها أمريكا وإسرائيل كل يوم ، لسبب بسيط يتعلق بكلام سابق للرئيس بشار الأسد قال فيه أن الجولان أرض عربية سورية نحن أولى بتحريرها وسنفعل ، ونحن ببساطة نصدق أي رئيس يتحدث عن التحرير في ظل علاقته السيئة بالولايات المتحدة الأمريكية .
وبالعودة للسيدة رايس ، فان حرصها وإدارتها على لقاء مسئولي أجهزة الأمن في هذه الدول وتوجيه دفة القرارات نحو مصالح محددة تتعلق بما تريده حليفتها الأهم في المنطقة قافزة عن كل متطلبات ومصالح الدول العربية ، إنما تقدم المساعدة الأكبر لهؤلاء القادة الذين سمحوا لأنفسهم بالظهور كما لو كانوا يتلقون الأوامر منها ومن بلدها لقول وتقرير ما تريده هي وليس ما يرتبه عليهم موقعهم الأول في المسؤولية عن وطن وشعب يعاني الأمرين من سياسة الولايات المتحدة وإدارتها الراهنة في كل مكان تحل فيه ، ومنذ مدة طويلة تدمينا وتؤخر حل كل معضلاتنا على تنوعها وضخامتها .
إن من حق أي مواطن عربي أن يعتقد هذا ، بل وأسوأ منه في ظل غياب كامل للحقيقة حول زيارة رايس لأسوان ولقاءا تها المشبوهة بهذا التوقيت هناك . كما أن انعدام الشفافية والمصداقية في أجهزة الإعلام التابعة للأنظمة العربية تمنح أي مواطن الحق في طرح القضايا كما يراها ويتصورها ، ولا يوجد في وطننا العربي من يثق في أمريكا ووزيرة خارجيتها باستثنائكم أيها الرؤساء والقادة ، فإلي متى يطول ليلنا ؟ ولماذا ونحن نعطيكم كل شيء كما أسلفنا لا تخبرون صديقتكم رايس بما يتوجب عليها وعلى بلدها عمله تجاه أراضينا المحتلة ؟ .
اسمعوا أيها الأحبة ، ويا من من  شدة حبنا لكم نبقيكم فوق رؤوسنا الى الأبد ، ولا نبخل عليكم بحريتنا  ، نحن والله لا نريد لكم إحراجاً ولا حصاراً من أصدقاءكم وحلفاءكم الأمريكيين ، بل نريد أن نساعدكم حتى لا تعودوا من قمتكم بخفي حنين ، فلا أنتم أرضيتم الأسياد ولا أنتم أرضيتم العبيد ، ونحن نعرف حدود قدرتكم وإمكانياتكم ولا نلومكم ، وكما قال : " لا يكلف الله نفساً الا وسعها " ، ومن هنا أقترح عليكم الآتي /
أن تتبنوا ذات الموقف الأمريكي لأغلبية البرلمان عندهم " الكونجرس " والذي دعا لانسحاب أمريكي من الأرض العراقية خلال العام القادم ، ووضع جدولة واضحة لهذا الانسحاب لا تتجاوز بأي حال عام 2008 . فما رأيكم أيها الأحباب ؟ .
أليس في هذا درء للشبهات عنكم وعن موقفكم أو اتهامكم بمعاداة المصالح الأمريكية في وطننا العربي باعتبارها تحظى بالأولوية ويجب مراعاتها في كل قرار تتخذوه عبر القمة أو غيرها ؟.
لا أعتقد أن الإدارة الأمريكية تطالبكم بأن تكونوا أمريكيين وإمبرياليين أكثر منها ، وما دام الكونجرس قد قرر ذلك وهو على الأقل مجلس منتخب بشكل حقيقي ليمثل الشعب الأمريكي ويحافظ على مصالحه ، وقد رأى هذه المصالح  في الانسحاب من العراق خلال عام ، وقد أتاح لكم فرصة ذهبية أنتم الغير منتخبين لأن تأخذوا مصالح حليفتكم بعين الاعتبار دون خشية من أي نزق أمريكي في التعامل مع سلطانكم الراسخ بالتزكية التي منحناها لكم .
إننا بصراحة نتطلع إلي قرار من القمة تعلنون فيه احترام إرادة شعبنا العربي الملتقية هذه المرة مع إرادة ممثلي الأمة الأمريكية بجدولة الانسحاب الأمريكي من العراق ، ولن نقبل أقل من ذلك .
كما نطالبكم بالرد على مظالم العدو الإسرائيلي والذي تشاهدون نماذجها يومياً عبر شاشات التلفزيون وفضائياته ، رداً يحفظ لكم ما بقي من هيبتكم ، وتبريراً لجلوسكم على عروش نحملها على أكتافنا ورؤوسنا حتى الوجع .
وليس أمامكم ونحن ندعوا لكم بالهداية والتوفيق ، مراعين قربكم من رموز عزتنا كأمة الا أن تقولوا لرايس .................. كفى .
أو أن تقولوا لنا بصراحة : نحن لاشيء ، ونحن أشباه رجال ، وأنها كانت مقنعة أكثر من كل ما تراه عيونكم وما تحسه أفئدتكم ...... ليصدق فيكم المثل بصيغته الجديدة " قطعت كونداليزا قول كل رئيس " .... وعظم الله أجرنا بكم .
زياد أبوشاويش
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

 


 

ديمومة الثورة

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد علي صابوني
نشر بتاريخ: 13 نوفمبر 2002
انشأ بتاريخ: 13 نوفمبر 2002
الزيارات: 5


ديمومة الثورة


محمد علي صابوني


في كل سنة تمرّ على ذكرى /ثورة 23 تموز/ يحضرني قول الزعيم الخالد جمال
عبد الناصر:
<<إن قوة الإرادة الثورية لدى الشعب تظهر في أبعادها الحقيقية الهائلة إذا ما ذكرنا أن هذا الشعب البطل بدأ زحفه الثوري من غير تنظيم ثوري سياسي يواجه مشاكل المعركة، كذلك فإن هذا الزحف الثوري بدأ من غير نظرية كاملة للتغيير الثوري. إن إرادة الثورة في تلك الظروف الحافلة لم تكن تملك من دليل للعمل غير المبادئ الستة المشهورة>>. هذا القول الذي ورد في الباب الأول من <<الميثاق الوطني>> الذي قدمه جمال عبد الناصر للمؤتمر الوطني للقوى الشعبية في أيار 1962 يضع الإطار الصحيح لكيفية رؤية /ثورة 23 يوليو/ وإنجازاتها ولتطور مسارها في مصر وعلى المستوى العربي عموماً. فحينما تقوم ثورة بعظمة /ثورة تموز/ عام 1952، وتحدث تغييرات جذرية في المجتمع المصري ونظامه السياسي والاقتصادي والعلاقات الاجتماعية بين أبنائه، وتكون أيضا ثورة استقلال وطني ضد احتلال أجنبي مهيمن لعقود طويلة (الاحتلال البريطاني لمصر)، ثم تكون أيضا وبنفس الوقت قاعدة دعم لحركات تحرر وطني في عموم أفريقيا وآسيا، ثم تكون كذلك مركز الدعوة والعمل لتوحيد البلاد العربية ولبناء سياسة عدم الانحياز ورفض الأحلاف الدولية في زمن صراعات الدول الكبرى وقمة الحرب الباردة بين الشرق والغرب.. حينما تكون /ثورة تموز/ ذلك كله وأكثر، لكن دون /تنظيم سياسي ثوري/ ودون /نظرية كاملة للتغيير الثوري/ كما قال الزعيم عبد الناصر في /الميثاق الوطني/ فان هذه شهادة كبرى للثورة ولمصر ولقائد هذه الثورة نفسه جمال عبد الناصر. فإنجازات /ثورة يوليو/ ومسارها التاريخي أكبر بكثير من حجم أداة التغيير العسكرية التي بدأت الثورة من خلالها، وهي مجموعة /الضباط الأحرار/ في الجيش المصري. كذلك، فان الأهداف التي عملت من أجلها الثورة طوال عقدين من الزمن تقريبا، أي حتى وفاة جمال عبد الناصر عام 1970، كانت أيضا أوسع وأشمل بكثير من <<المبادئ الستة>> التي أعلنها /الضباط الأحرار/ عام 1952. وإذا كان واضحا في هذه المبادئ الستة كيفية تحقيق المرفوض (أي الاحتلال وتحكم الإقطاع والاحتكار)، فان تحقيق المطلوب (أي إرساء العدالة الاجتماعية والديمقراطية السليمة) لم يكن واضحاً بحكم غياب /النظرية السياسية الشاملة/ التي تحدّث عنها ناصر في <<الميثاق الوطني>>. ولم تكن هناك رؤية فكرية مشتركة لهذه المسائل بين أعضاء /حركة الضباط الأحرار/ حتى في الحد الأدنى من المفاهيم وتعريف المصطلحات، فكيف بالأمور التي لم تكن واردة في /المبادئ الستة/ أي بما يتعلق بدور مصر العربي وتأثيرات الثورة عربيا ودوليا وكيفية التعامل مع صراعات القوى الكبرى ومع التحدي الصهيوني الذي فرض نفسه على الأرض العربية في وقت متزامن مع انطلاقة ثورة يوليو.
أهمية هذه المسألة المتمثلة في ضيق أفق أداة الثورة (الضباط الأحرار) ومحدودية (المبادئ الستة) مقابل سعة تأثير القيادة الناصرية وشمولية حركتها وأهدافها لعموم المنطقة العربية ودول العالم الثالث، إنها تفسّر حجم الانتكاسات التي حدثت رغم عظمة الانجازات، وإنها تبين كيف أن الثورة كانت تيارا شعبيا يسير خلف قائد ثوري مخلص لكن من دون أدوات واضحة تربط ما بين القائد وجماهيره، وبين الأهداف الكبرى والتطبيق العملي أحياناً. وبرغم هذه السلبية الهامة التي رافقت <<ثورة 23 تموز>> في مجالي الفكر والأداة، فان ما صنعته الثورة داخل مصر وخارجها تحت القيادة الناصرية كان أكبر من حجم السلبيات والانتكاسات. وإذا كانت الانجازات المادية للثورة في داخل مصر تتحدث عن نفسها في المجالات كافة، الاقتصادية والاجتماعية والتربوية... الخ، فان الانجازات الفكرية والخلاصات السياسية لهذه الثورة، خاصة في العقد الثاني من عمر الثورة، هي التي بحاجة الى التأكيد عليها بمناسبة أو بغير مناسبة.
فالقيادة الناصرية لثورة 23 تموز طرحت مجموعة أهداف فكرية عامة وعددا من الغايات الإستراتيجية المحددة، إضافة إلى جملة مبادئ حول أساليب العمل الممكنة لخدمة هذه الغايات الإستراتيجية والأهداف الفكرية العامة. فاستناداً إلى مجموعة خطب عبد الناصر، والى نصوص <<الميثاق الوطني>> وتقريره، يمكن تلخيص الأبعاد الفكرية لثورة <<23 يوليو>> الناصرية بما يلي:
رفض العنف الدموي كوسيلة للتغيير الاجتماعي والسياسي في الوطن أو للعمل الوحدوي والقومي.
الاستناد إلى العمق الحضاري الإسلامي لمصر وللأمة العربية انطلاقا من الإيمان بالله ورسله ورسالاته السماوية، والتركيز على أهمية دور الدين في بناء مجتمع قائم على القيم والمبادئ الروحية والأخلاقية.
الدعوة إلى الحرية، بمفهومها الشامل لحرية الوطن ولحرية المواطن، وبأن المواطنة الحرة لا تتحقق في بلد مستعبَد أو مسيطَر عليه من الخارج. كذلك، فان التحرر من الاحتلال لا يكفي دون ضمانات الحرية للمواطن، وهي تكون على وجهين:
الوجه السياسي: الذي يتطلب بناء مجتمع ديمقراطي سليم تتحقق فيه المشاركة الشعبية في الحكم، وتتوفر فيه حرية الفكر والمعتقد والتعبير، وتسود فيه الرقابة الشعبية وسلطة القضاء.
الوجه الاجتماعي: الذي يتطلب بناء عدالة اجتماعية تقوم على تعزيز الإنتاج الوطني وتوفير فرص العمل وكسر احتكار التعليم والاقتصاد والتجارة.
المساواة بين جميع المواطنين بغض النظر عن خصوصياتهم الدينية أو العرقية، والعمل لتعزيز الوحدة الوطنية الشعبية التي بدونها ينهار المجتمع ولا تتحقق الحرية السياسية أو العدالة الاجتماعية أو التحرر من الهيمنة الخارجية.
اعتماد سياسة عدم الانحياز لأي من القوى الكبرى ورفض الارتباط بأحلاف عسكرية أو سياسية تقيّد الوطن ولا تحميه، تنزع إرادته الوطنية المستقلة ولا تحقق أمنه الوطني.
مفهوم الانتماء المتعدد للوطن ضمن الهوية الواحدة له. فمصر تنتمي إلى دوائر افريقية وإسلامية ومتوسطية، لكن مصر مثلها مثل أي بلد عربي آخر ذات هوية عربية وتشترك في الانتماء مع سائر البلاد العربية الأخرى إلى أمة عربية ذات ثقافة واحدة ومضمون حضاري مشترك.
إن الطريق إلى التكامل العربي أو الاتحاد بين البلدان العربية لا يتحقق من خلال الفرض أو القوة بل (كما قال ناصر) <<إن الإجماع العربي في كل بلد عربي على الوحدة هو الطريق إلى الوحدة>>... وقال ناصر أيضا في <<الميثاق الوطني>>.
<<طريق الوحدة هو الدعوة الجماهيرية... ثم العمل السياسي من اجل تقريب يوم هذه الوحدة، ثم الإجماع على قبولها تتويجاً للدعوة وللعمل معاً>>.
أما على صعيد مواجهة التحدي الصهيوني، فقد وضعت قيادة <<ثورة يوليو>> منهاجاً واضحاً لهذه المواجهة، خاصة بعد حرب عام 67، يقوم على:
1 - بناء جبهة داخلية متينة لا تستنزفها صراعات طائفية أو عرقية ولا تلهيها معارك فئوية ثانوية عن المعركة الرئيسة ضد العدو الصهيوني، ومن خلال إعداد للوطن عسكريا واقتصاديا بشكل يتناسب ومستلزمات الصراع المفتوح مع العدو.
2  -وضع أهداف سياسية مرحلية لا تقبل التنازلات أو التفريط بحقوق الوطن والأمة معاً، ورفض الحلول المنفردة أو غير العادلة أو غير الشاملة لكل الجبهات العربية مع إسرائيل.
3 -العمل وفق /ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة/ وان العمل في الساحات الدبلوماسية الدولية لا يجب أن يعيق الاستعدادات الكاملة لحرب عسكرية تحرر الأرض وتعيد الحق المغتصب.
4 -وقف الصراعات العربية/ العربية، وبناء تضامن عربي فعّال يضع الخطوط الحمراء لمنع انزلاق أي طرف عربي في تسوية ناقصة ومنفردة . / كما حدث مع السادات فيما بعد /
هذه باختصار مجموعة خلاصات فكرية وسياسية نجدها في ثورة 23 تموز، خاصة في حقبة نضوجها بعد حرب عام 1967.
لكن أين هي مصر الآن وأين هي المنطقة العربية من هذه الخلاصات الفكرية والمواقف الإستراتيجية؟
هنا يعود الأمر بنا إلى ما قاله جمال عبد الناصر عن كيف أن الثورة بدأت دون /تنظيم سياسي ثوري/ ودون /نظرية سياسية ثورية/، وهنا أجد تفسيرا أيضا لما وصلت إليه مصر والأمة العربية بعد وفاة جمال عبد الناصر، حيث فقدت الجماهير العربية اتصالها مع القائد بوفاته، ولم تكن هناك بعده أداة سياسية سليمة تحفظ للجماهير دورها السليم في العمل والرقابة والتغيير. أيضا، مع غياب ناصر، وغياب الأداة السياسية السليمة، أصبح سهلا الانحراف عن المبادئ، والتنازل عن المنطلقات، والتراجع عن الأهداف.
/ثورة 23 تموز/ كانت من حيث الموقع الجغرافي في بلد يتوسط الأمة العربية ويربط مغربها بمشرقها، وكانت من حيث الموقع القاري صلة وصل بين دول العالم الثالث في أفريقيا وآسيا، وكانت من حيث الموقع الزمني في منتصف القرن العشرين الذي شهد متغيرات واكتشافات كثيرة في العالم حروباً وأسلحة لم تعرف البشرية مثلها من قبل، كما شهد القرن العشرين صعود وأفول ثورات كبرى وعقائد وتكتلات ومعسكرات... وشهد أيضا اغتصاب أوطان واصطناع دويلات... كذلك فإن ثورة 23 تموز، من حيث الموقع الفكري والسياسي، كانت حالاً ثالثة تختلف عن الشيوعية والرأسمالية، قطبي العصر الذي تفجّرت فيه الثورة، فقادت <<ثورة 23تموز>> ثورات العالم الثالث من اجل التحرر من كافة أنواع الهيمنة وبناء الاستقلال الوطني ورفض التبعية الدولية. أما اليوم، ونحن في مطلع القرن الحادي والعشرين، فإن مصر تغيّرت، والمنطقة العربية تغيّرت، والعالم بأسره شهد ويشهد متغيّرات جذرية في عموم المجالات... لكن يبقى لمصر دورها الطليعي في إحداث المنطقة العربية إيجابا أو سلبا، وتبقى الأمة العربية (التي هي أمة وسطية في مضمون حضارتها) بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مشروع فكري نهضوي وإصلاحي معا، إلا أن هذا المشروع يتطلب أولا إصلاحا ونهضة في حال الأدوات السياسية العربية، سواء أكانت في الحكم أم في المعارضة أم في الخارج. إن العطب الآن هو في الفكر والأدوات معاً، والأمل في إصلاحهما معاً، فظروف قيام ثورة 23 تموز وقيادتها المخلصة النادرة، أمران لن يتكررا في المدى القريب، وان حصل ذلك، فلن يكون النجاح ممكنا ومستمرا َ من دون <<نظرية سياسية سليمة>>و من دون <<تنظيم سياسي سليم>>!!.

 

الجبهة الشعبية بين العقدة الموضوعية والطموح الذاتي

التفاصيل
كتب بواسطة: زياد ابوشاويش
نشر بتاريخ: 31 أكتوبر 2002
انشأ بتاريخ: 31 أكتوبر 2002
الزيارات: 4

الجبهة الشعبية بين العقدة الموضوعية والطموح الذاتي

بقلم : زياد أبوشاويش

لاشك أن المرء يتنسم في موقف الجبهة الشعبية برفض المشاركة في حكومة اتفاق مكة ، تاريخاً مجيداً حلم الكثيرون في عودته ، وداعبت طموحاته وجدان وأحلام قطاعاً واسعاً من الشعب الفلسطيني . وقد فوجىء البعض بالموقف الحاد للجبهة من المشاركة في الحكومة ،بل واعتبروه موقفاً مغامراً ،أو نرجسياً بالحد الأدنى باعتبار أن كل المؤشرات والظروف لا تسمح لا للشعبية ولا لغيرها ببذخ الرفض وتداعياته الخطيرة .

من هنا كان لابد من إعادة الروح لكل ما مثلته الجبهة ذات يوم وتحديداً في الحفاظ على هوية التناقض ومحدداته مع العدو باعتباره تناقضاَ جوهرياً لا يحل سوى بزوال أحد طرفيه سياسياً على الأقل . وأسجل هنا أن كل من استغرب موقف الجبهة لا يعرفها حقيقة ، أو أن ملامح الجبهة غابت منذ زمن الى الحد الذي ما عاد الناس يستطيعون رؤية تلك الملامح بصورة صحيحة ، أو دقيقة .

كما أسجل وأنا مطمئن لدقة ما أقول بأن هذا الموقف وبالرغم من اقترابه لحد المغامرة أو المقامرة ، هو أكثر موقف حظي بتأييد قيادة الجبهة الشعبية وكادرها منذ ما يقرب الثلاثين عاماً ، وبصورة أوضح منذ اعتمدت الجبهة برنامجها المرحلي الذي يقترب كثيراً من برنامج القيادة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية عام 1978 ، وربما يقول البعض بان هناك قرارات للمكتب السياسي واللجنة المركزية حظيت بأغلبية تقترب من هذه ، لكن تلك الأغلبية كانت تجاه قضايا سياسية أو تنظيمية غير مفصلية .

إن المتتبع لمواقف الجبهة ومنحنياتها منذ السنة الثانية  للانتفاضة الأولى سيجد في الموقف الراهن انكساراً حاداً باتجاه الأعلى ، وسيجد طرحاً نوعياً يحتاج لتعليل ، كما يحتاج لرؤية ثاقبة تحيط بكل الظروف والمستجدات التي تضيء على هذا الموقف ، ومقاربة الذاتي والموضوعي في الأمر ، والوصول لاستنتاجات تخدم هذا الموقف أو تدعو لتجاوزه باتجاه موقف آخر أكثر دقة وواقعية إن لزم الأمر .

وقبل أن تتوه من بين أصابعي تلك الحلقة المركزية التي تمثل الناظم لكل الشرح والتحليل اللاحق لابد من تأكيد رؤيتي وتقييمي لهذا الموقف المغامر باعتباره الموقف الأكثر صوابية للجبهة الشعبية منذ أمد طويل ، والمحاط بأكثر الظروف الموضوعية صعوبة وتعقيداً .

لعله من المفيد لفت الانتباه إلي أمر غاية في الأهمية يسهل علينا قراءة الموقف الجديد وعمق انتمائه للجبهة وتاريخها ورموزها بغض النظر عن السقف السياسي لحكومة الثنائية الخاطئة .

هذا الأمر المتعلق بالوثيقة الأدبية الرئيسية للجبهة الشعبية بعنوان الاستراتيجية السياسية والتنظيمية  ، والتي أزعم أنها الوثيقة الأكثر نضجاً في تاريخ ثورتنا المعاصر ، تلك الوثيقة التي تحدد بشكل صحيح خارطة المعركة بكل تفاصيلها ، سواء على صعيد الجغرافيا أو الأدوات والوسائل أو معسكر الأعداء والأصدقاء ، وانتهاءً بالعلاقة مع الجماهير  وكيف نتعامل معها .

هذا الفهم العميق للمعركة باعتبارها جزءً من الحرب الأشمل التي تخوضها الأمة العربية من أجل حريتها ووحدتها ، وكيفية الربط بين التكتيكي والاستراتيجي ..... الى آخر مقولات الجبهة الصحيحة والناضجة . هذه الرؤية التي وضعت الجبهة الشعبية في طليعة حركة التحرر الفلسطينية والعربية ، لم تستمر كما كانت البوصلة الموجهة للجبهة ، وهنا لابد من الإقرار بأن الجبهة واجهت إرباكاً فكرياً سياسياً ، انعكس على مجمل مواقفها ، وبدت كما لو غاب عنها اليقين بين مطرقة الواقع الصعب وسندان الظرف الذاتي الأصعب ، وقد تجلى ذلك في العديد من المواقف المعلنة بحدة وبمستندات فكرية ومبدأية صحيحة سرعان ما تضمحل وتتلاشى لصالح موقف نقيض يستند لمقولات عفا عليها الزمن ولم تعد تحظى بالمصداقية الكافية لحشد الناس حولها ، هذه المقولات المتعلقة بوجود عدو لا نستطيع مواجهته بغير الوحدة الوطنية ، وبالظروف التي  تغيرت فكان لزاماً تغيير الموقف. والحال أن الجبهة وصلت الى أضعف حالاتها على كل الصعد وضربت مصداقيتها . وحتى لا يكون كلامنا في الإطار النظري سأضرب مثالاً واحداً رغم وجود العشرات ، لكن نكتفي بهذه : كم مرة اتهمت الجبهة الشعبية قيادة اليمين وتحديداً حركة فتح بالخيانة، ثم عادت لتلتقي مع ذات من اتهمتهم بالخيانة؟ ، وكم مرة امتنعت عن المشاركة في إطار ما، ثم عادت للانخراط فيه ؟ حتى أن الأمين العام للجبهة ومؤسسها الدكتور جورج حبش قال ذات يوم بكل أريحية وصدق مع النفس : " الجبهة الشعبية تضع رجلاً في البور وأخرى في الفلاحة " .

وربما يتساءل أحد القراء حول أهمية ما عرضناه من تاريخ الجبهة المشوب بالتردد في قطع مؤلم مع بنيتها الفكرية السياسية ، والتي مثلت على الدوام الركيزة الأساسية لجذب الأعضاء والمناصرين للجبهة ، وبنظرة واقعية ثورية ميزتها ، وانعكست إيجاباً على بنيتها التنظيمية وتماسكها الداخلي ، الأمر الذي لم يكن بذات السوية فيما ذكرنا حول غياب الناظم وبهتانه .

إن أهمية ما سقناه آنفاً يرتبط بالموقف الجديد، وما إذا كان ينسجم مع رؤية الجبهة للآخر وللذات ،وهل مثل هذا الموقف يمكن البناء عليه لمستقبل واعد يخدم أهداف الشعب الفلسطيني ويدفع باتجاه تصويب كل الموقف الفلسطيني، من أجل بناء جبهة وطنية عريضة تؤطر كل القوى تحت برنامج سياسي كفاحي يغير المعادلة ويعزز دور الجبهة في ذات الوقت ؟ .

وللذين تساءلوا عن مبررات موقف الجبهة برفض المشاركة في الحكومة بوزير ولبعض من ظنوا أن الأمر يتعلق بحجم الامتيازات وغير ذلك من النظرة الخاطئة والفهم الخاطىء للموقف نقول ومن خلال تتبع دقيق ومعرفة يقينية بالجبهة أن هذا الموقف ما كان ليتغير لو عرض على الجبهة عشرة وزارات وليس وزيراً واحداً ، وليس الأمر في هذا ثقة أو عدمها في صحة الموقف أو عبقريته فقد وصفناه بالمغامر ، ولكن لأن اتفاق مكة في حد ذاته، وبالطريقة التي جرى فيها الحوار، والمظلة التي وقع تحتها، والبرنامج الملتبس الناجم عنه ، كما استبعاد الجبهة بشكل غير مقبول عن هذه الحوارات ، لم يترك خياراً أمام الجبهة سوى الرفض ، ولابد أنه كان في وجدان كل من اتخذ هذا الموقف تاريخ الجبهة وآمال كادرها ومناصريها في عودة ذلك العبق الطيب لتاريخ مثل مفخرة للنضال الوطني الفلسطيني والكرامة الوطنية ، ونعم لم يكن من وجهة نظري السقف السياسي الهابط للحكومة هو السبب الوحيد فقط ، بل معه أمر آخر ، لكنه ليس عدد الوزارات أو الامتيازات قطعاً ويقيناً .

والآن يحضر السؤال الأهم والمقصود من وراء كل العرض والتحليل ، والقائل : أين يكمن صدق الموقف وصحته ؟ وهل الظروف المحيطة ووضع الجبهة الداخلي يسمح باتخاذ موقف راديكالي من الحكومة المسماة بحكومة وحدة وطنية ؟.

إن الإجابة السطحية وربما الواقعية تقول : لا بالبنط العريض . إذن كيف كانت الحلقة المركزية لكل الطرح تقول بصدقية الموقف وصحته ؟ .

في الظروف الموضوعية نجد أغلبية ساحقة من القوى الوطنية الفلسطينية مع المشاركة ولا تتقبل موقفاً مزايداً عليها ، كما يوجد ظرف عربي إقليمي مؤيد لهذه الحكومة وساعياً لتسويقها للأمريكان والغرب عموماً ، يتساوى في ذلك معسكر الاعتدال ومعسكر الممانعة .

وعلى الصعيد الدولي لا يوجد معسكر اشتراكي أو اتحاد سوفييتي متفهم وقادر على معادلة النفوذ الإمبراطوري المساند للعدو ، والضاغط باتجاه سقف أكثر انخفاضاً مما تم إقراره للحكومة الجديدة فما بالكم بسقف أعلى تطالب به الجبهة الشعبية  .  وفي الظرف الموضوعي أيضاً وجود الاحتلال وخياراته الدموية والتصفوية تجاه شعبنا ومقاومته وحصاره الخانق في كل اتجاه وعلى كل صعيد ، وهو يعمل بشكل يومي على إضعاف قدرة المقاومة على الصمود والاستمرار ، مما يعزز الصورة الواقعية لبرنامج الحكومة باعتباره تعاملاً ذكياً مع سمات مرحلة صعبة تتطلب قليلاً من التنازل والمرونة وهو ما تم تسويقه وتشريعه من خلال برنامج الحكومة بمحدداته المعروفة . ومن هنا ولكل ما تقدم فان الظرف الموضوعي بتجلياته المادية ووقائعه على الأرض كما بتجلياته النظرية والتسويقية لا يؤشر لخدمة أو تسويغ موقف الجبهة الجديد ، بل يصب في خانة تخطئته وتعزيز وصفه بالمغامر بمعناه السلبي ، ذلك أن المغامرة تكون صحيحة وضرورية في ظرف ما وتجاه هدف ما .

وفي العامل الذاتي المتمثل في تكوين الجبهة وتماسكها وقدرتها على تبرير موقفها بالعمل على الأرض ، كما بتبريره النظري السياسي في أوساط الشعب، والقدرة على إقناع أكبر عدد من الناس بصوابية هذا الموقف، وليس فقط بتقديمه من الزاوية الوطنية الأخلاقية التي تصدق كغطاء لكل موقف رافض للسلام مع العدو، والمنادي بإغلاق طريق الصلح أو التهدئة معه في كل زمان ومكان . قلنا في هذا العامل المهم والقادر من وجهة نظرنا على صنع رافعة وطنية حقيقية لموقف الجبهة ، هل وضع الجبهة الراهن يشكل هذه الرافعة ؟ .

قبل الإجابة عن كل المعطيات السابقة في الذاتي والموضوعي لابد أن نؤكد على الحقائق التالية : من خلال تجربة الثورة الفلسطينية الممتدة لعشرات السنين أثبتت إسرائيل أنها لا تقدم أي تنازلات جدية الا عندما تتألم ، أي عندما يشعر المجتمع الصهيوني الوافد على أرضنا أن استمرار القتال، والمعركة بكل أبعادها تدميه، وتوقع به الخسائر، وما عدا ذلك أوهام سلام لا تقدم ولا تؤخر ، وهذا لا يغيب صورة القوى الهامشية في الكيان الصهيوني والساعية أيضاً لمصلحة الكيان ولكن من خلال منهج آخر وفهم مختلف ناتج عن إدراك باستحالة إنهاء المشكلة معنا بالقوة أو بتجاهل حقوقنا والاستخفاف بها .

والحقيقة الثانية تقول أن كل مرونة وتنازل من جانبنا كان يسفر عادة عن مزيد من الضغط من جانب هذا العدو لمزيد من التنازلات وأن أكثر السلوكيات همجية وعدوان على شعبنا سواء بشكل مسلح أو ببناء المستوطنات وتهويد القدس وتطويقنا بالجدار جاءت في فترة وأثناء المواقف الأكثر مرونة والتي اتخذتها قيادتنا ومؤسساتنا الشرعية ، وأن منهج شايلوك اليهودي المعروف ما برح يسم الموقف الإسرائيلي ويشكل مرشده الروحي في التعامل مع حقنا في وطننا ، وحيث لم يكف هذا العدو المتغطرس قبولنا بنسبة 22% فقط من أرضنا وحقوقنا .

وهو ما برح يطلب المزيد من التنازلات والمزيد من الأرض والمياه وكل ما يمت لعوامل تشكيل أو قيام دولة قابلة للحياة لشعبنا في حدود 1967. ناهيك عن القدس وحق العودة .

ومن هاتين الحقيقتين ننطلق ، بل نعود لتفحص موقف الجبهة وصوابيته التي لا شك فيها برغم كل منغصات الموضوعي وآلام الذاتي وأحلامه  الضائعة .

بعد تثبيت اليقين بصوابية الموقف ، بل وضرورته الوطنية عموماً وللجبهة الشعبية خصوصاً دعونا نعيد تفحص الموضوعي والذاتي مرة أخرى ولكن من زاوية الرؤية المتطابقة مع موقف ثوري نزيه يتلمس الحق بين كل صعاب التضاريس الوعرة ومطبات الطريق ونتوءاته الحادة والمؤلمة ، بواقعية تعتمد المنهج السليم والعلمي الذي اختطته الجبهة وأنتج الوثيقة الأكثر نضجاً في تاريخ ثورتنا المعاصر كما أسلفنا .

إن أهم مقومات الموقف السياسي الناجح هو إيمان أصحابه بصوابيته من جهة وبضرورته الأخلاقية من الجهة الأخرى . إن هذا الأمر يدخل في إطار العامل الذاتي لتبرير الموقف وتسويقه ، وهنا رأينا اللغة واللهجة التي شكلت الإعلان الواضح وغير المتردد ولا الخجول الذي صدر عن الجبهة ، وكان بحق موقفاً شجاعاً من الزاوية السياسية والأدبية .

وفي ذات العامل فقد أتى الموقف الجديد للجبهة لوصل من انقطع من تاريخ سياسي للجبهة وسمها بطابع افتقدته جماهيرنا فيها لفترة طويلة من الزمن ، كما ليمثل حلقة الوصل بين جيل من الكادر والأعضاء يعرف عن تاريخ الجبهة ولم يعايشه ، ولكنه يتمنى عودته ، وبين جيل عاش القسم الأكبر من هذا التاريخ لكنه شاخ ولم يعد قادراً على إعادة عقارب الزمن الى الوراء ، وكان لزاماً إعادة خلط مكونات الجبهة لتنتج حاملاً أكثر تماسكاً وقدرة على تمثل برامج وقيم تبنتها الجبهة الشعبية ومواقف نوعية تحتاج لبنية وعقلية نوعية ومبدعة .

إن العامل الذاتي الضعيف استدعى موضوعياً موقفاً جديداً وخلاقاً لرأب الصدع في صفوف الجبهة وعودة روح الفريق الواحد في الداخل والخارج ، كما إلقاء نظرة مدققة على المواقف وطرائق العمل وغير ذلك من معالم الطريق سابقاً ، للاستفادة لاحقاً في إعادة الروح للجبهة .

وفي أهمية العامل الذاتي المسوغ لموقف الجبهة وتبريره وطنياً يأتي أيضاً العامل الذاتي بمعناه الوطني العام وضرورة وجود معارضة مميزة كالجبهة اكتسبت مصداقية تاريخية عبر ما قدمته من نموذج مشرف للموقف الفلسطيني الرافض لواقع الهزيمة مقروناً بممارسة ثورية صادقة .

الأمر الذي ربما شكل تلك الرافعة التي ذكرناها لوضع كل الموقف الوطني على سكته الصحيحة.

وفي العامل الذاتي أيضاً وجود نسبة لا بأس بها من جماهير الشعب الفلسطيني ترفض أي تنازل أو مرونة تجاه عدو لا يترك أمامها سوى خيار الرفض والمقاومة . مع عدم إهمال تلك الفصائل الفلسطينية الممثلة في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، رغم ضعفها وقلة أنصارها ، وعدم تمكنها من الحصول على مقاعد في التشريعي ، ناهيك عمن رفض الانتخابات أصلاً باعتبارها تسويقاً وقبولاً لأوسلو وأحد افرازاته السياسية والمفروضة علينا أمريكياً شئنا أم أبينا . ولعل هذا تحديداً يدفع الجبهة الشعبية لإعادة النظر في موقفها الخاطىء تجاه دخول الانتخابات وضياع اليقين كما أسلفنا .

إذن نحن لا نتحدث عن العامل الذاتي هنا باعتبار ما هو واقع فقط بل باعتبار ما هو متوقع أيضاً على ضوء الموقف الجديد واليات عمله المحركة للراكد من المياه وكنس الآسن منها .

الأمر الذي يوجب على الجبهة الشعبية كثير من الترتيبات والعمل الجاد الذي لن ندخل بتفاصيله. وفي المقلب الآخر من رؤية الموضوعي بما يتطابق مع الموقف الصحيح ويبرره ، إنهاك العدو الأمريكي في العراق، واقتراب موعد الرحيل لقواته عن أرض العراق ، وهي الهزيمة التي ستكون أم الهزائم ، والتي ستغير معادلة الموضوعي باتجاه خدمة موقف الجبهة الشعبية على المدى البعيد باعتباره مقدمة ورافعة لموقف فلسطيني أكثر صوابية ولحكومة ومنظمة تحرير تمثل بحق وحدة شعبنا الوطنية في الداخل والخارج  والتفافه حول مؤسساته وممثليه بما يغير ميزان القوى ويفرض معادلة حل أخرى ، الأمر الذي لا يجب النظر إليه باعتباره قاب قوسين من التحقق والركون لذلك ، بل الاستفادة القصوى لتقريب ساعة النصر في بلدنا . وفي العامل الموضوعي أيضاً اتضاح حجم المأزق الصهيوني ،ليس بنتائج حرب تموز على لبنان وهزيمته فيها وحسب ، بل بحجم مأزقه الناجم عن اندفاعه الغير موزون باتجاه تظهير مواقفه العدمية والعدائية تجاه شعبنا بالدرجة الأولى وكل البلدان العربية والمحيطة به ثانياً.

وعلى الصعيد الدولي لعلنا لاحظنا تقدم قوى اليسار المناهضة لليبرالية الجديدة وطغمتها العسكرية في أمريكا اللاتينية ، وربما لا يكون لهذا تأثير مباشر على منطقتنا العربية والشرق الأوسط عموماً ، لكن تداعياته المستقبلية ووجوده كجرح دامي في الخاصرة الأمريكية قد يساعد في الهزيمة المتوقعة للأمريكيين بالعراق ، الأمر الذي يساعد في المواجهة مع إسرائيل.

وفي الواقع العربي، ورغم كل الانتكاسات التي حدثت والشروخ بل والانهيارات في الجدران العربية والتضامن الهش بين أقطاره فان بقية من مقاومة ما زالت تجد لها مكانة بين ظهرانينا في أكثر من بلد عربي وبأشكال مختلفة ، وممانعة تعزز الرفض لكل مرونة غير ضرورية كما نجدها في برنامج الحكومة الفلسطينية الجديدة بهذا الشكل أو ذاك ، والتي لا ترتبط بشكل اتوماتيكي بالموقف من حماس أو من فتح ، وهو ما يجد تجلياته في قوى غير حكومية وأحزاب قومية ووطنية ودينية خارج السلطة تتبنى ذات الموقف وذات الرؤية .

إنني أعتقد أن موقف الجبهة الشعبية ليس موقفاً للمزايدة أو المساومة ، ولا حتى لتمييز الذات أو ما شابه ، كما أنه ليس موقفاً عدمياً على طريقة قل كلمتك وامضي  . بل موقفاً مبدأياً يؤسس لمرحلة جديدة ، ليس عنوانها فقط عدم المشاركة في حكومة وطنية بسقف هابط ، وإنما لمنهج جديد يصل الماضي بالحاضر ويجاهد لإعادة الروح للجبهة ولدورها الكبير الذي اقترب من الاضمحلال ، وهو بهذا يرفع راية التحدي أمام كل ما مثلته الجبهة وما تطمح في تمثيله ، وعندما تجد الجبهة الشعبية نفسها وحيدة في خضم الجدل الدائر على الساحة الفلسطينية ، ربما يجعلها ذلك بل من المؤكد أنه سيجعلها تخرج أفضل ما لديها لحشد قواها وتعزيز دورها وحمل راية يصعب حملها في هذه الظروف ،أو العودة الى مربع الإرباك وعدم اليقين بالتراجع لاحقاً عن هذا الموقف وتقديم اعتذار علني .

إن أمام الجبهة الشعبية الوقت الكافي لمراجعة كل تاريخها ومواقفها وتظهير أفضل ما لديها ، وهذا واجبها وما دمنا وصلنا الى هنا فان أفضل ما نقوله لقيادتها : لا يوجد شيء مستحيل   ولا توجد قوة على الأرض تنزع إرادة مناضل مقتنع بصحة موقفه ، ولكل ذلك لم يبق أمامكم سوى التقدم للأمام ،وحاذروا التردد والخوف لأنكم هذه المرة على حق وعلى صواب .

زياد أبوشاويش

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

احبسوا شعب مصر

التفاصيل
كتب بواسطة: د. إيهاب فؤاد
نشر بتاريخ: 24 أكتوبر 2002
انشأ بتاريخ: 24 أكتوبر 2002
الزيارات: 5

لعله نداء غريب،لكنه واقع لا تنكره العين المجردة،ولا يستثنيه العقل من بؤرة الشعور ولو للحظة من الزمن، نعم احبسوا شعب مصر بأسره،اكتموا كل صوت يعلو،كمموا أفواه الناس،اخفضوا أصوات المنادين، لكنها ستظل حقيقة وإن حاول الكثيرون إخفاءها وتجميلها،اندهشت واندهش معي الكثيرون وأنا أطالع نبأ الحكم الصادر من المحكمة العسكرية بالتالي: قضت محكمة عسكرية تتبع الشرطة المصرية أمس الأحد 25/2/2007م بحبس أمين الشرطة محمد خلف حسن إبراهيم لمدة 6 أشهر؛ بسبب رفضه حراسةَ سفارة الكيان الصهيوني الكائنة في إحدى العمارات السكنية في محافظة الجيزة.الأمر غريب، ومثير في آن واحد،لكن لماذا نحاول أن نخفى الحقيقة، إن ما فعله أمين الشرطة يشعر به كل المصريين دون أن يواروا ذلك أو يخفوه عن العيان،إن البغض الأزلي، والكره الذي يسرى في الدماء لذلك الكيان المغتصب، ولتلك الجرثومة التي ولدت و انتشرت، ولذلك الداء الذي استشرى في لحظات ضعف الأمة وغفلتها،ألا يستقرأ المسئولون نبض الشعب، لماذا نحاول أن نجمِّل الصورة، ونبدو وكأننا حمائم سلام،والحقيقة أننا بتنا نهادن على حساب مشاعر الأمة بأسرها،إن الشعب المصري لايمكن أن ينسى بحال تلك المجازر التي ارتكبها الصهاينة في حق الأسرى العزل من المصريين عام 1956،وما حدث بشهادة الإسرائيليين أنفسهم ما نقلته مجلة "الشرق الأوسط" عن باحث "إسرائيلي" قوله إن هناك مذابح بشعة جرت خلال حرب يونيو (حزيران) 1967 وأوضح آرييه يتسحاقي الأستاذ في جامعة بار ايلان في تل أبيب أن القوات "الإسرائيلية" أجهزت على ما يقرب من 900 جندي مصري بعد استسلامهم خلال هذه الحرب. كان القادة العسكريون الصهاينة يستقلون طائرات الهليكوبتر لاصطياد الجنود المصريين في الصحراء¡ وهم بدون سلاح أو مؤن. ويقول صحفي "إسرائيلي" إن عسكريا "إسرائيليا" اخبره انه أطلق سراح أسيرين مصريين ثم اخرج مسدسه وقتلهما من الخلف ،كيف نحاول تمييع تلك المشاعر في النفوس وإسرائيل التي تسيل الدماء من أيديها بالضحايا الأبرياء في مذابح مذبحة بحر البقر 8 أبريل 1970 والتي وقعت بتأثير وجع حرب الاستنزاف من قلب إسرائيل حيث قامت الطائرات الإسرائيلية القاذفة في الثامن من أبريل عام 1970 بالهجوم على مدرسة صغيرة لأطفال الفلاحين البسطاء في قرية بحر البقر، إحدى القرى التي تقع على أطراف محافظة الشرقية، ودكتها بالقذائف لمدة زادت عن عشر دقائق متواصلة وراح ضحيتها من الأطفال الأبرياء تسعة عشر طفلاً وجُرح أكثر من ستين آخرين. وجدير بالذكر أن القرية كانت خاوية من أية أهداف عسكرية مذبحة صيدا 16 يونيه 1982 والتي وقعت إبان العدوان الإسرائيلي على لبنان حين أجرت قوات الاحتلال الإسرائيلي في لبنان عملية قتل جماعي لما لا يقل عن 80 مدنياً ممن كانوا مختبئين في بعض ملاجئ المدينة، مذبحة صابرا وشاتيلا 16 ـ 18 سبتمبر 1982 وشاتيلا، مذبحة الحرم الإبراهيمي 25 فبراير 1994 ـ الجمعة الأخيرة في رمضان والتي حصدت المصلين الآمنين داخل المسجد ، مذبحة قانا 18 أبريل ،1996وأخيراً بمذابح المدنيين العزل فى لبنان ولن تتوقف ، ولايمكن للشعب أن ينفصل عن روحه في فلسطين وإن حاول الإعلام بعضاً من الوقت أن يشوه الصورة، فهو رباط مقدس بأرض الرباط، وبحرم عزيز ، مغتصب، وتجرى المحاولات لهدمه، وصمتنا مطبق،وكلامنا مريب، لايمكن لرجل الشارع العادي الذي لايمارس السياسة والذي ينأى بنفسه عنها درأً للأذى أن يرى ما يحدث من قتل وتدمير، وهدم للبيوت ثم بعد ذلك يبتسم لإسرائيل،لايمكن ذلك أن يحدث، بل لقد قرأته على لسان صغيري ابن الثالثة من العمر حين عُدت أمس في وقت متأخر من الليل وسمعته وهو يقول أنا الشعب الفلسطيني،أخذت استرق السمع حتى لا أفسد على أذني سماع صوته الندى،وهو يترنم بجزء عزيز على نفسي، وبوطن نحِنُ إليها ونتمنى على الله أن يمتعنا برؤيته متحرراً، وأن ينعم علينا بصلاة في المسجد الأقصى،نعم هذا هو لسان حال الشعب المصري الذي صوره طفلي الصغير أنا الشعب الفلسطيني، فلماذا نقسوا على أمين الشرطة الذي رفض أن يحرس سفارة كيان مغتصب،إذا أردنا أن يكون الحكم موافقاً للواقع فاحبسوا كل المصريين لأنهم ذلك الشرطي الأمين الذي عبَّر عن الشعب في حدود ما يمتلك وفى حدود مكنون نفسه د.إيهاب فؤاد

في الذكرى الرابعة للغزو .. العراق ينتصر

التفاصيل
كتب بواسطة: زياد ابوشاويش
نشر بتاريخ: 20 أكتوبر 2002
انشأ بتاريخ: 20 أكتوبر 2002
الزيارات: 6

في الذكرى الرابعة للغزو .. العراق ينتصر
بقلم : زياد أبوشاويش
يثار التساؤل مرة تلو أخرى بين المرء وذاته ، وبين أبناء الأمة ، وبين قوى الخير والسلام في العالم ،هل ينتصر العراق حقاً ؟ وهل ينتصر فعلاً إذا كان انتصاره بالحق أمر مفروغ منه ؟وهل
 مؤشرات النصر واضحة أم ضبابية ؟ وهل يمكن للعراق المبتلي بكل هذه النوائب وبجراحه النازفة أن يهزم الوحش الإمبريالي ويقصيه بعيداً عن أرضه ؟ وهل الطريق معبدة لتحقيق النصر؟ أم تحتاج لمزيد من العمل الدءوب لتمهيدها ؟ وهل الضوء يرى في نهاية النفق ؟ وما هي درجة سطوعه ؟ .
أسئلة تراودنا في كل صباح ،في اليقظة وفي الحلم ،وتكثر علامات الاستفهام وتتعمق ، تجاه قضية تمثل النموذج الأشد وضوحاً على معالم المأزق الأمريكي ومشروعه الإمبراطوري ، كما على مأزق عملائه في وطننا العربي ، وربما في كل العالم . وكلما اشتد هذا المأزق وتعمق كلما زادت فرص النصر واقترب موعده ، فهل نحن حقاً أمام مأزق حقيقي للمشروع الإمبريالي الأمريكي بالعراق ؟ وهل الصورة بمجملها تؤشر لهزيمة أمريكية مدوية على الطريقة الفيتنامية فوق أرض العراق البا سل ؟.
في عرض سابق لحدود القوة الأمريكية تحدثنا حول الحلم الإمبراطوري لليبراليين الجدد في البيت الأبيض ، وقلنا أن التطور التكنولوجي مع وفرة الموارد ، وهما أساس هذا المشروع المبني على أوهام القوة العسكرية العاتية والقادرة على كل شيء ، لن تبقى حكراً على الأمريكيين ونبهنا الى أن هذا الطريق هو طريق افتراضي، غير واقعي وغير عقلاني ، وأنه طريق يقود في النهاية الى جهنم . وليس من الحكمة خداع الذات والغير بالحديث عن الديمقراطية والعدالة ، الى غير ذلك من الفبركات الإمبريالية المفضوحة ، ذلك أن الأهداف النبيلة والإنسانية العظيمة لا يمكن ولا يجوز تحقيقها بأخس الأساليب وأكثرها وحشية ونزق.
لقد ترافق صعود الإمبراطوريات القديمة والدول المهيمنة تاريخياً مع وجود نبي أو رسول يقوم بتسويغ التمدد الإمبراطوري أخلاقياً ، ويهذب من سلوكياتها ويعقلنها ، وتنبئنا الأساطير القديمة والحقائق التاريخية أيضاً بأن أفول هذه الدول والإمبراطوريات يترافق عادة مع بهتان تلك القيم الأخلاقية وذبولها ، واتضاح زيفها، من خلال ممارسات ظالمة وغير إنسانية .
وفي عرض آخر حول استراتيجية بوش الحمقاء ، تناولنا جوهر الخلل في هذه الاستراتيجية والمتمثل في استخدام أساليب وطرق عسكرية قاسية وعنيفة لتحقيق أهداف ناعمة وإنسانية حسب الادعاء الأمريكي من جهة ، والاعتماد على حامل سياسي مزيف ومهزوز من الجهة الأخرى . وقلنا في حينه أن هذه الاستراتيجية تستهدف تقليل الخسائر البشرية في صفوف القوات الأمريكية للإبقاء على حد معقول من الدعم الشعبي للغزو الظالم للعراق ، وتسويقه أمام الرأي العام الأمريكي ومن ثم الدولي ، وقلنا أن هذا لن ينجح والحال أن الخسائر زادت وأن الحرب على العراق باتت مكشوفة أمام الجميع، باعتبارها حرباً لا مبرر لها، ولا أفق أمام نتائج توخاها الاحتلال، وأعلنها هدفاً لحربه العبثية على العراق .
والآن ونحن نقف على أعتاب العام الخامس للغزو الأمريكي للوطن العراقي ، ونرى بوضوح معالم المعركة الدائرة الآن على أرضه وفي سمائه ، ماذا نرى ؟ وما هي معالم هذه المعركة وآفاقها واحتمالاتها ؟.
وحتى يكون الأساس المعرفي متوفراً لبناء رؤية صحيحة لما يجري وآفاقه، لابد أن نستخدم الأسلوب العلمي المنطقي للقياس، والذي يضع الفرضيات والمقدمات ومن ثم الحقائق والوقائع ويجري المقارنة مع النتائج بدقة وشفافية ليخرج بالاستنتاجات الأقرب للدقة والصواب .
وهنا لابد أن نضع خارطة المعركة بكامل عتادها أمام أعيننا وندع الحقائق تأخذنا بشكل منطقي ومتسلسل الى غايتنا المحددة وهي الإجابة عن السؤال الأهم والذي يمثل خلية المنشأ لكل قراءتنا للأمر والذي يقول : هل العراق ينتصر أم ينكسر ؟.
المقدمات / عالم جديد ينشأ بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ، ويبدأ عالم جديد أحادي القطب ، ينهي الحرب الباردة بالضربة القاضية ، ويبدأ في إنشاء إمبراطوريته المهيمنة مع بقاء بعض القوى المتمردة ، والتي يمثل إزالتها خطوة ضرورية لاكتمال المشروع ، مع عقل مسيطر يشرف عليه يحتوي أسوأ ما في الرأسمالية المتطورة وقدرتها على التكيف، في ظل تكنولوجيا غاية في التطور، وقادرة على وضع العالم تحت رقابتها ، الأمر الذي خلق وضخم الوهم بالقدرة على إخضاع الأمم الأخرى وإدارة شئونها وإعادتها الى القرون الوسطى إن اقتضى الأمر .
وفي المقلب الآخر من الصورة للعقبات وجود خطر حقيقي يهدد مصدر الطاقة الرئيسي وخزان الوقود الأهم على سطح الكرة الأرضية والموجود حصراً في منطقة الشرق الأوسط ، والعراق يشكل نسبة كبيرة منه لا غنى عنها ولا مجال لتجاهلها .
وفي مكونات العتاد المهمة تقع إسرائيل باعتبارها الحليف الأهم على الصعيد الأيديولوجي والعسكري للإمبراطورية الناشئة وضرورة حمايتها والحفاظ على تفوقها الذي يخدشه بل ويكسره وجود عراق قوي متطور ، وبقيادة عروبية ترى في الولايات المتحدة عدواً لكل طموحاتها في التحرر والوحدة ، وفي أحسن الظن داعماً لعدو يغتصب أرضاً ومقدسات عربية .
وفي المقدمات أيضاً انفراط عقد التضامن العربي لدرجة تتحول فيها الأرض العربية لقواعد متقدمة للإمبراطورية الأمريكية تشن منها الحرب على العراق الشقيق ، وتقدم كل التسهيلات المتوفرة بما في ذلك الدعم المالي واللوجستي لقوات الغزو .
ليس هذا فحسب بل يتم تسويق الأكاذيب الأمريكية عبر هؤلاء ومن وسائل إعلامهم لتصبح الأجواء مهيأة للعدوان ، ناهيك عن فبركة التهم للنظام العراقي وغير ذلك مما تتبعناه في التحضير لضرب العراق كمقدمة ضرورية من وجهة نظر الليبراليين الجدد المتصهينين لفرض الهيمنة على المنطقة والعالم وتأمين خزان الوقود وحماية الحليف الأهم "إسرائيل".
إذن في المقدمات تم تحديد الأهداف وتم تسويغ الحرب أخلاقياً باعتبارها ضد الإرهاب وضد الديكتاتورية ، ولأنه لابد من وجود مبشر أو نبي كما في الأساطير والتاريخ القديم خرج علينا الرئيس الأمريكي برؤاه التوراتية وبحربه الصليبية الجديدة على الشر وطالباً دعم العالم له ولرؤيته المجنونة للحرب على" الإرهاب" ومستعيناً بفتاوى بعض رجال الدين المتصهينين .
ولعل التاريخ سيسجل بوضوح أن جورج بوش الابن هو الرئيس الأكثر حمقاً في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية ، رغم نجاحه مرتين في الانتخابات الرئاسية .
وفي المقدمات أيضاً وجود داعم مهم للغزو من أبناء العراق نفسه وممن أسموا أنفسهم معارضة ، وكذلك جار متربص بالعراق ونظامه ويستضيف فوق أرضه أهم معاقل هذه المعارضة وقواتها ، حيث مثلت إيران السند الأهم وغير المباشر لهذا الغزو .
ولولا هذه " المعارضة" والتي تحولت الى أداة رخيصة بيد أمريكا لكان الغزو أكثر صعوبة وأعلى تكلفة ولفكرت الولايات المتحدة وقادتها المتغرطسون ألف مرة قبل الإقدام على دخول الأراضي العراقية .
الوقائع والحقائق بعد بدء المعركة / تدخل القوات الأمريكية الأراضي العراقية وتجتاح مدنها بسرعة كبيرة ومعها قوات بدر وميليشيات عملاء أمريكا وكل الجواسيس المتربصين بالعراق وأهله ، كما الموساد الإسرائيلي ، ومع القوات الأمريكية عدد من القوات العسكرية من بضع عشرات من الدول الحليفة ، وتسقط بغداد بعد أقل من شهر على بدء العدوان على العراق
وتبدأ المقاومة العراقية حربها على الاحتلال بقوة وعنفوان في أقل من شهر أيضاً بعد الغزو ورويداً رويداً يشتد عودها لتصل الى مرحلة لا يستطيع معها الرئيس المعتوه الا أن يقر بأن المشروع الأمريكي في العراق يواجه خطراً حقيقياً وأن الإعلان عن النصر وانتهاء العمليات الكبرى كما أسماها في حينه لم يكن دقيقاً وأن ما نواجهه في العراق لم يكن متوقعاً ، وأن هناك حاجة لإعادة النظر باستراتيجية المعركة وتكتيكاتها ، ولتخفيف الضغط الداخلي عن إدارته المجنونة قام بتشكيل لجنة لدراسة الموضوع العراقي ووضع تقديرات وتوصيات تساهم في وضع انجح السبل والوسائل للخروج من المأزق العراقي بأقل الخسائر .
وفي الوقائع والحقائق أيضاً نرى صورتين متناقضتين ، إحداهما مشرقة وتبشر بمستقبل عظيم للشعب العراقي وكنس الاحتلال ، وأخرى قاتمة وشديدة السواد الى حد الرعب ، وتعمل في الاتجاه المعاكس للأولى .
في الصورة المشرقة نرى وحدة الموقف الوطني لمثقفي العراق وخيرة أبنائه حول هدف التحرير ، وانعكاس ذلك في الحرب الثورية التي يخوضها منا ضلوا العراق البواسل من كل أطياف المجتمع العراقي بطوائفه وأعراقه واتجاهاته الفكرية ، ويوجهون بنادقهم للاحتلال وعملائه ، ويحققون مكاسب يومية تتراكم بشكل مضطرد باتجاه الانقلاب القريب لصالح هذه المقاومة ، والإقرار الأمريكي بالهزيمة كما في فيتنام .
وفي الصورة الأخرى القاتمة نرى نذر حرب أهلية طاحنة تحرق الأخضر واليابس وتضع كل المشروع الوطني العراقي لدحر الاحتلال وإقامة عراق حر ديمقراطي على كف عفريت ، حيث القتل على الهوية ، والتنابذ والمشاحنات والجثث والمفخخات التي تطال أبناء العراق الأبرياء ولا تفرق بين العدو والصديق ، وتستنزف الجزء الأكبر من قوة الشعب العراقي وجهده الذي يفترض أن يتوجه أساساً نحو العدو الأمريكي المحتل لأرضنا والداعم لإسرائيل .
إن عملاء الاحتلال بالعراق يتحملون المسئولية الأكبر عن هذه الحرب وهذه الصورة القاتمة ،ولعل سياسة الاحتلال تتطلب هكذا حالة سبق أن روج لها من أتوا على ظهر الدبابات الأمريكية ، والذين يمارسون الآن القتل والاغتيالات سواء بالإعدام الوحشي لقادة العراق الوطنيين وعلى رأسهم الشهيد صدام حسين ،أو بفرق الموت التي تشكل القوة الرئيسية للجيش العراقي الحالي ومغاوير الداخلية والذين يزرعون الموت والخراب ، كما هتك الأعراض وتدنيس شرف الماجدات العراقيات ، في سلوك متعمد يستهدف تدمير النسيج الاجتماعي والقيمي للشعب العراقي الذي بقي متماسكاً على مر القرون ، رغم كل المحن والأهوال التي مرت به ، ولعل حزن دجلة القديم الحديث يشكل المضاد الحيوي الضروري للصمود في وجه هذه الصورة القاتمة ليزيلها ويلقيها في مزبلة التاريخ مع كنس الاحتلال وعملائه .
في ظل هذا الواقع بصورتيه أسس السيد بوش لهزيمته في العراق بوضع استراتيجية جديدة نوهنا عنها ، باعتبارها عملاً أحمقاً لا منطق له وغير منتج ، ولتبرير ما نقول نشير الى إمكانية تحقيق أهداف الخطة الجديدة من عدمه ، وفي هذا يصبح السؤال التالي مقدمة ضرورية لفهم السياق والواقع الذي تجري فيه هذه الخطة وهذه الاستراتيجية .
إن جوهر الخطة ينصب على تحميل العراقيين مسئولية الأمن في بلدهم وتقوم أمريكا بقطف ثمار ذلك عبر تحقيق الأهداف التي سبق تقديمها في سردنا لمقدمات المعركة ، فهل هذا واقع الحال الآن في العراق بعد شهرين على تطبيق الخطة الجديدة ؟. الإجابة ببساطة : كلا .
وفي الشق المتعلق بتسويق الغزو بأهدافه السياسية النبيلة والحضارية على الطريقة الأمريكية ، هل نجح المشروع السياسي في العراق ؟ وهل تشارك أغلبية القوى والأطياف السياسية العراقية في إدارة شئون البلد أو في الاستفادة من خيراته ، وهي كثيرة وكبيرة ؟ .
وهل حوامل ومرتكزات المشروع الأمريكي في العراق قوية بدرجة كافية لإيصاله إلي أي مكان بخلاف المنطقة الخضراء ؟. الإجابة أيضاً على كل هذه الأسئلة وبوضوح شديد : كلا كبيرة .
وحتى نختصر على القارىء الكريم دعونا نلقي نظرة على النتائج في آخر طبعة لها ومن مصادر الاحتلال نفسه . ومن خلال الوقائع والحقائق أيضاً :
1 – تفكك التحالف الدولي الداعم للولايات المتحدة حيث سحبت الكثير من الدول قواتها أو توشك وهي : بريطانيا الحليف الأبرز وبرنامجها للانسحاب المتدرج من العراق ، ايطاليا ،اليابان،هولندا ،سلوفاكيا ، المجر ،أسبانيا ، تايلند ، الدنمرك ...... وغيرها .
2 – الخسائر الكبيرة التي لحقت بقوات الغزو وهي كالتالي : 3216 قتيل أمريكي حتى يوم الجمعة 16 / 3 / 2007 ، 133 بريطانياً ، 32 ايطالياً ، 18 أوكرانياً ، 19 بولندياً ، 11 أسبانياً ، 13 بلغارياً ، 6 دنمركياً ، 5 سلفادورياً ، 4 سلوفاكياً ،3 لاتفياً ، 2 استونياً ، 2 هولندياً ، 2 تايلندياً ، وواحد قتيل لكل من تشيكيا وكازاخستان والنمسا والمجر ورومانيا . هذا بخلاف الجرحى وهم بالآلاف وخصوصاً في صفوف الأمريكيين ، وعدد كبير من المعدات بما فيها الطائرات والعربات المدرعة ودبابات أبرامز عالية التكلفة والمجهزة بأحدث المعدات المتطورة.
3 – اضطرار الولايات المتحدة للجلوس مع إيران وسوريا في سياق البحث عن مخارج لأزمتها في العراق وإجراء محادثات سرية وعلنية مع الحكومتين الموصوفتين بالمروق والمطلوب محاصرتهما ، وهذا يدل على حجم المشكلة واضطرار إدارة بوش المهزوزة الى بلع كل حديثها عن الدول المارقة وغير ذلك من الترهات والاعتراف بالعجز عن حل المشكلة بالطرق العسكرية أو بالقوة ، مع تهويش يدعو للسخرية حول أن الجلوس مع هاتين الدولتين لا يعني الإقرار بسياستهما تجاه العراق أو بتطبيع العلاقات معهما .
4 – تساقط رموز الحرب وصقورها الأبرز في سياق الفشل الذي لحق بالغزو وأهدافه وانقلاب الموازين في الكونجرس الأمريكي وازدياد الرفض واتساعه لسياسة الإدارة الحالية في العراق والدعوات الواسعة النطاق في أوساط مؤسسات المجتمع المدني والكتل الجماهيرية في أمريكا وكل بلدان العالم للانسحاب الفوري من العراق ، واتضاح عقم الحرب كما دعواها الكاذبة .
5 – بدء تململ العملاء بالمنطقة وضغوطهم باتجاه إيجاد حل يبعد شبح الحرب ومفاعيلها عن أنظمتهم ، خصوصاً تلك المذهبية التي تجد انعكاساتها داخل أقطارهم .
6 – توحد كل القوى العراقية والمثقفين حول موقف واحد تجاه ما يجري على الأرض العراقية من تدمير وقتل وانفراط عقد التحالف الطائفي الشيعي الأبرز بخروج حزب الفضيلة منه وبدء العد التنازلي لسقوط حكومة المالكي العميلة ، رغم كل المساحيق التي  تضعها لإخفاء معالمها الشوهاء وتسويق نفسها للشعب العراقي أو للسيد الأمريكي ولي نعمتها .
7 – الإعدامات المتسرعة والهمجية لرموز العراق الكبيرة والتاريخية سواء في الشخوص والبشر أو في الحضارة والحجر والتعاون المفضوح بين سلطات الاحتلال والعملاء في هذا ودلالاته الواضحة والمعبرة وانعكاس ذلك في الغضب الذي يجتاح نفوس العراقيين والشعب العربي من المحيط الى الخليج وآثاره اللاحقة على سير المعركة باتجاه إضعاف الاحتلال وعملائه وتكريس العدد الأكبر من الناس وحشدهم في المعركة وهو ما نراه حالياً .
8 – الإرباك الذي يسود صفوف المحتلين وعملائهم ، وخطواتهم المتسرعة وغير المحسوبة فيما يتصل بالغارات الجوية والمداهمات العشوائية لأماكن مدنية ، وتركها بعد إحداث دمار كبير فيها ، وارتكاب جرائم قتل واعتقال تدل على العصبية والخوف والارتجال ، بما في ذلك الحملة الهمجية والغير مبررة على الجالية الفلسطينية ببغداد وفي تعاون غير أخلاقي ومنحط بين الاحتلال ومغاوير الداخلية لقتل واعتقال العدد الأكبر من أبناء شعبنا الفلسطيني المكافح  هناك .
9 – استمرار الأزمة الاقتصادية والمعيشية في العراق وازدياد نسبة الفقر والبطالة والعجز عن تأمين متطلبات الحياة العصرية من كهرباء وماء صالح للشرب والوقود ... الي آخر هذه المسائل ، وازدياد التهريب والجرائم والفساد وكل ما يمكن أن ينتجه احتلال في القرون الوسطى وليس كما تدعي الإدارة الأمريكية .
في النتائج والاستنتاجات / لقد حرصنا أن نقدم ما هو كبير وضروري لفهم ما يجري من وقائع وحقائق يمكننا البناء عليها لتقديم استنتاج أو رؤية أكثر دقة وصوابية للمعركة الجارية على أرض العراق والتكهن بنتائجها القريبة قدر المستطاع ، وتجاهلنا الكثير من الوقائع والحقائق على أهميتها وتنوعها وذلك حتى نتمكن من إمساك الحلقة المركزية في الإجابة على السؤال الجوهري الذي طرحناه على أنفسنا في مقدمة المقال وعلى متنه ، واعتبرناه خلية المنشأ لكل الخارطة وعتادها . وقد يتساءل أحدنا عن مكان المقاومة العراقية في هذه الخارطة ، مكانتها وخزانها وحاملها الاجتماعي والسياسي ، نقاط قوتها ونقاط ضعفها ، ماذا أنجزت وماذا عليها أن تنجز ؟ وهي أسئلة مشروعة وضرورية لفهم النتيجة واحتمالات المستقبل ، كما تحديد موقعها في سياق عرض الوقائع والحقائق ، وهنا فقد رأينا أن هذه الأسئلة الضرورية والمشروعة ربما أجبنا عليها في سياق عرض الصورة المشرقة من جانب وخسائر العدو وأزماته المتنوعة التي عرضناها في الجانب الآخر ، ومع ذلك فقد يكون مفيداً وضرورياً أن نعرج على ذلك في ختام مقالنا واستنتاجاتنا .
إن أوضح نتيجة نراها لهذا الغزو وافرازاته العسكرية والسياسية هي تلك المتجسدة في المقاومة العراقية الباسلة وهي الحقيقة التي تفقأ عين المحتل وعملائه وتجعلهم يبحثون بشكل هستيري وأحياناً بطريقة مهينة عن حل يجعل من مشروعهم أمراً قابلاً للحياة ليس أكثر ، حالمين بتغيير الظروف أو بإمكانية وهمية بهزيمة المقاومة والقضاء عليها ، ولعل الخلط المتعمد لمفهوم المقاومة مع الإرهاب يمثل التجلي الأبرز لهذه الهستيريا ، كما يشكل التطور المستمر في تكتيكات المقاومة وأدواتها القتالية ووسائطها المتقدمة تكنولوجياً، الهم الأكبر والإزعاج الأخطر لقوات الاحتلال وعملائه ، والذي يرفع عدد القتلى في صفوفهم بطريقة غير محتملة ، وعلى الخصوص الجنود الأمريكيين وقوات التحالف.
إن المقاومة هي أم الحقائق في العراق وتدرك أمريكا وحلفاؤها أنه لا يمكن تجاوزها في أي حل محتمل للأزمة العراقية المستفحلة ، وهي الأسا س في هذا الحل سواء كان سلمياً أو عنفياً .
والحقيقة الأخرى هي أن المشروع الأمريكي الشرق أوسطي قد تعثر على أبواب بغداد وأن الخطة الجديدة أثبتت عقمها من خلال ما نراه من عمليات نوعية باتت تستهدف القوات الأمريكية بشكل أكبر من ذي قبل وتوقع خسائر أعلى في صفوفهم . وما رسمه بوش الابن في خطته الجديدة حول تنظيف المناطق وإبقاء العسكر فيها مع مجموع الإجراءات التي ذكرها لتطويع السكان ..... الخ من الخطوات المذكورة قد تم إفشالها على يد المقاومة حيث نرى تعمد من جانب المقاومين لاستهداف القوات الأمريكية وعملائها في ذات الأماكن الممشطة .
والحقيقة الثالثة هي اتساع رقعة المقاومة لتشمل كل العراق من أقصاه الى أقصاه وشمول الخسائر لقوات التحالف وجنوده لتطال معظم الدول المشاركة . وفي الحقائق السياسية خفوت الاتهامات الأمريكية لسوريا وإيران والإقرار بدورهما في حل المعضلة العراقية الأمر الذي يرتب نتائج جديدة ونوعية تطال كل أزمات المنطقة ، بما فيها لبنان وفلسطين والملف النووي الإيراني . إن انفضاض الرأي العام الدولي من حول الإدارة الأمريكية بعد اتضاح زيف الذرائع التي سيقت لتبرير الحرب على العراق يشكل هزيمة أمريكية أخلاقية ترفع الغطاء عنها ، الأمر الضروري للغاية لتحقيق النصر وإلحاق الهزيمة بالغزاة الأمريكان .
وأخيراً فان الإقرار الأمريكي باستحالة الحل العسكري أو العنفي للأزمة في العراق يرتب عليهم منطقياً وقف استخدام هذه القوة للحل ، وهو أمر قد لا تفعله الإدارة الأمريكية في الحال ، لكن لابد لهذه الإدارة عاجلاً أو آجلاً من الانسجام مع استنتاجها والبحث عن حل سلمي عنوانه الرئيسي انسحاب كامل للقوات الغازية من العراق ، ومشاركة فاعلة للمقاومة العراقية وللشعب العراقي في تقرير شئون بلده .
إن الصورة التي قدمناها تقود منطقياً الى استنتاج وتوقع مهم هو أن النصر أصبح وشيكاً للعراق وشعبه ومقاومته على المحتل الغازي وعملائه ، لكن هذا النصر وتحرير العراق لن يكون آلياً أو حتمياً إن لم تؤخذ مجموعة المعضلات والمعوقات بعين الاعتبار وهو ما ذكرناه في سياق عرض الصورة القاتمة عن الحرب الأهلية ومخططات الإدارة الأمريكية لإرباك الوضع الداخلي في العراق وخلط الأوراق في محاولتها التخفيف من حجم الضغوط عليها والخسائر الهائلة التي تتكبدها يومياً على الأرض العراقية .
وبعد ...........
لقد قدم العراق الشقيق خيرة أبنائه وقادته دفاعاً عن حق العراق في حياة كريمة، وحرة، بعيداً عن مخالب الغزو والظلم الأمريكي، وهو يستحق قيادة أفضل من هؤلاء القادمين مع الاحتلال وتحت حمايته ، كما أنه يستحق أن يحظى بالهدوء والسلام بعد كل الحروب والحصار والمعاناة التي تكبدها على مدار العشرين عاماً الماضية ، ومطلوب من كل البلدان العربية ومن جماهير أمتنا تقديم كل الإمكانيات والدعم للمقاومة العراقية وممثليها الشرعيين ، كما في ذات الوقت مقاطعة عملاء الاحتلال ومن لف لفهم ، حتى يتمكن شعبنا العربي في العراق الحبيب من تضميد جراحه وإعادة بناء ما هدمته الحروب والاحتلال ، وهذا لن يكون الا بعد زوال الاحتلال وهزيمة العدوان الأمريكي الهمجي ، وخروج آخر جندي أمريكي من العراق ، الأمر الذي بات قريباً ، وربما أقرب مما يتصوره البعض ، وان غداً لناظره قريب .
زياد أبوشاويش
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

 

 

 

 


 
 

 


 

عفا الله عما سلف ... لم يعف الله عما سلف .

التفاصيل
كتب بواسطة: زياد ابوشاويش
نشر بتاريخ: 13 أكتوبر 2002
انشأ بتاريخ: 13 أكتوبر 2002
الزيارات: 4

عفا الله عما سلف ... لم يعف الله عما سلف

بقلم : زياد أبوشاويش


الحكومة الفلسطينية الجديدة حازت على الثقة بأغلبية ساحقة . إذن هي حكومة الأغلبية .

وحركة حماس حازت نصيب الأسد منها ، وهو رغم ذلك أقل من الاستحقاق الانتخابي لها..

والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين صوتت ضد هذه الأغلبية وتشكر على شجاعتها السياسية والأدبية ، ومعها فقط صوت الأخ حسن خريشة أمين سر المجلس . ورغم أن الأصوات الثلاثة بدت غريبة في وسط هذا الجمع الممثل للأغلبية ، إلا أن من استمع إلى مداخلات الأعضاء شعر بأن ما قاله الأخ حسن يمثل ضمير شعبنا بكل الصدق الذي تحمله أمانة الكلمة واحترام أرواح الشهداء قديمهم وحديثهم ، ورغم اختلاف الطرح بين ممثلي الشعبية والأخ حسن فقد كان القاسم المشترك بينهما هو حب فلسطين والحرص على مصلحة الوطن والشعب ومستقبل نضاله الوطني ، كما الاعتزاز بكرامة هذا الشعب وهوية مقاومته الوطنية .

لقد دخلت حماس أخيراً قفص السلطة الذهبي ، وضاعت المقاومة ، أو أوشكت . وعليها أن تسأل من سبقوها إلى ذلك ، هل تمكنوا من التخلص من إدمان الهيبة والمكانة ووقوف الناس على أبوابهم وغير ذلك من امتيازات السلطة ؟ وهل تعتقد قيادة حماس أن دخول الحمام مثل الخروج منه ؟ هذا ما أشك فيه ، وأرجو الله أن يخيب ظني ، ولكن ما الذي بقي لنا بعد اليوم كشعب في الوطن وفي الشتات ؟ وهل حقاً كانت هذه الحكومة هي حكومة وحدة وطنية ؟ أم كانت حكومة تهدئة وطنية ، مع الذات ومع العدو ؟ وحتى مجرد الإشارة لمقاومة الاحتلال في برنامجها دون تحديد استدعت رداً أمريكياً حاداً وصفها بأنها أمر يدعو للقلق .

لقد عبر الأخ حسن خريشة بشكل واضح لا لبس فيه بأن هذه الحكومة وسابقاتها إنما أتت بطلب أمريكي تم فرضه على المرحوم الشهيد ياسر عرفات ،  وأن وزارات كثيرة تم تسمية من يتولون حقائبها من جانب الإدارة الأمريكية ناهيك عن رئيس الوزراء ، وأن تشكيل الحكومة لم يأت نتيجة إرادة فلسطينية ، ولا من أجل مصلحة الشعب الفلسطيني ، بل املاءً وفرضاً لا يجوز قبوله . إن هذه الرؤية تشكل جوهر الموقف الرافض لها بغض النظر عن مكونات هذه الحكومة وما إذا كانت تمثل نسبة كبرى من المجلس التشريعي أو غير ذلك .

ولعل الأمر الوحيد الذي يجعلها خارج إرادة العدو الأمريكي هو أن يتم تشكيل هذه الحكومة كجزء من مكونات منظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها السياسي ، والذي يقر بشرعية الكفاح المسلح كطريق رئيسي لنيل حقوقنا الوطنية ، بما في ذلك إقامة الدولة المستقلة ، وعودة اللاجئين ، وبأفق ومنظور وطني خارج إطار أوسلو . ولان هذا قد لا يكون ومن الصعب إنجازه في ظل الاحتلال واختلال ميزان القوى بدرجة كبيرة لمصلحة العدو ، كان على الجميع أن يفكروا ملياً في طريقة وبرنامج يجعل من اتفاق مكة مدخلاً حقيقياً لوحدة وطنية حقيقية أساسها المقاومة ومشروعها الوطني ، الذي يجب أن نقر بأنه قد وضع على سكته الصحيحة مرة أخرى باتفاق مكة الذي أنهى الاقتتال الداخلي وأعطى الفرصة لإعادة النظر في كل شيء ولا داعي للعودة لطرح أهمية هذا الاتفاق ، لكن وبكل أسف تم استغلال الاتفاق لمصلحة فصائلية ، وتقاسم نفوذ ناله كل من شارك في هذه الحكومة دون أن يكون لثقافة المقاومة أي نصيب منها أو فيها ولا داعي لإعادة نبش النصوص ودلالاتها ، فهي أوضح من أن يتم تفسيرها بغير ما انطوت عليه من إقصاء لهذه الثقافة وأوشكت على تحريمها .

إن أي شعب في الدنيا وخصوصاً من يقع تحت الاحتلال أو صاحب قضية وطنية معرض لأن يختلف وتختلف مكوناته السياسية حول برنامج اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي  أو غير ذلك من قضاياه ، إلا في الجانب الثقافي المكون الأساسي للوجدان والعقل الجمعي لهذا الشعب ، وفي هذا فان شعبنا يملك بحق ثقافة مقاومة متميزة تشكل بوضوح القسم الأكبر من مكونه الجمعي عقلاً وجداناً ، وهنا لا مجال لذكر الأدباء والشعراء وماذا كتبوا وكيف كتبوا ، فالأمثلة أكبر من أن تعد وتحصى ، إنها في كل مناحي حياتنا من الولادة مرورا بالزواج إلى الممات .

وهي في كل نشاط نقوم به سواء على الصعيد المادي أو الروحي . فأين الحكومة الجديدة من كل هذا ، وهي تتحدث على استحياء عن المقاومة ؟.

ربما يفهم المرء أن الظروف غير مواتية لعودة العمليات النوعية العظيمة التي أقضت مضاجع العدو وجعلته يقبل بالتهدئة وينسحب من غزة ، لكن الذي لا يمكن التساهل ازائه أن يتم تجاهل ثقافة المقاومة وتعبيراتها البرنامجية والتركيز على ثقافة السلام الوهم بدلاً عن ذلك .

إننا نعتقد أن الوحدة الوطنية في تجليها الأهم لم تتحقق ، وأما التوقف عن الاقتتال ووقف هدر الدم الفلسطيني كما الجهد والمال فهو أمر حظي برضى كل الناس وتأييدها ولكن شتان بين هذا وبين تحقيق الوحدة الوطنية وإطارها الشرعي والأهم منظمة التحرير الفلسطينية الممثل لشعبنا في الداخل والخارج ، والتي تعمل خارج سيطرة العدو بالحد الاردنى . وهذه الرؤية لا تقلل من أهمية وقف الاقتتال وضرورته لبناء وحدة وطنية ، لكن ذلك هو أمر طارىء ولا يبنى عليه ، في إطار تقييم لمكونات الفكر الوحدوي بإطاراته الوطنية المعروفة .

إن أهم تجليات الوحدة الوطنية هو مشاركة أوسع قطاع من الشعب في النضال لتحرير فلسطين ، وليس حكومة في جوهرها لتحرير بعض فلسطين ، فهل رأينا الأمر على هذا النحو ؟.

وبغض النظر عن موقف الجبهة الشعبية الصحيح هذه المرة والمنسجم مع تاريخها وجوهر برنامجها والذي نتمنى استمراره هذه المرة والبناء عليه  ، فان طريقة عفا الله عما سلف، تطال هذه المرة ليس دماء من سقطوا في حمامات الدم الداخلية المدانة فقط ، بل كل ثقافة المواجهة والعنف الثوري الذي نادت به وتنادي كل أدبيات الفصائل داخل هذه الحكومة وخارجها .وفي الحالتين فان الموقف الوطني الصحيح والنزيه يجب أن يرد بأن الله لم يعف عما سلف . وكما يلاحظ أي مراقب لمجريات التشاور والحوار قبل الإعلان عن حل آخر المشاكل في طريق الإعلان عنها وهي وزارة الداخلية ، فان جوهر الخلافات كانت للأسف تتعلق إما بمكاسب هذا الطرف أو ذلك معبراً عنها بتسمية هذا الوزير أو ذاك ، وإما الاختلاف حول درجة التنازلات التي يجب أن تقدم برنامجياً حتى يكون الإعلان عن الحكومة إيذاناً برفع الحصار المالي عن الموظفين الحكوميين ، وبالتالي يتم تقبلها بغير عناء كبير بين الناس .

وقد خلى البرنامج بكل أسف من الاعتذار للشعب الفلسطيني من كلا طرفي الصراع عما ألحقاه من دمار وقتل ، واكتفى بكلام طيب لأهالي الشهداء والوعد بالتعويض ، كما لم نسمع عن آلية لمعالجة أي صراع في المستقبل ولا لمعالجة الواقع الراهن مما دفع بأحدهم وأظنه الأخ صائب عريقات المشهور بواقعيته السياسية حتى الاندلاق  للقول بأن هناك مخطوفاً من أصدقاء الشعب الفلسطيني لا تستطيع الحكومة أن تفرج عنه في تعليقه الذي اتسم بالسخرية أو النقد لبرنامج طموح وغير واقعي ، وأردف : " إن كانت الحكومة تعلم أين هو فتلك مصيبة ، وان كانت لا تعلم فالمصيبة أكبر " ولم يقل لنا الأخ صائب كيف تعالج هذه بل جعلها مادة وأساس للمطالبة ببرنامج واقعي يأخذ المواقف والمطالب الدولية والأمريكية بعين الاعتبار ويختصر على الشعب الفلسطيني وقيادته "الباسلة" الطريق والجهد في رفع الحصار وعودة المفاوضات إلى سكتها مع العدو . وهذا يظهر التباين الكبير بين رؤية ورؤية ولا حاجة للمقاربات على هذا الصعيد فقد قتلناها وغيرنا نقاشاً ، وأوشك الطرفان أن يتلاقيا .

لعله من المفيد لشعبنا ولكل من ساهم في إنجاح الحوار الوطني، أن نعيد النظر في كل ماجرى لتحديد أدق لمكونات المرحلة ومفاصلها الرئيسية بما في ذلك الأسلوب الأمثل لتعديل ميزان القوى، والأمثل لجعل العدو يفكر كثيراً قبل أن يقدم على اجتياح مدننا واغتيال قادتنا وأبناءنا .

إن المناشدات للإدارة الأمريكية تجري منذ عشرات السنين ولا حياة لمن تنادي والوقت مناسب لفرض بعض شروطنا على أرضية نبذ سياسة عفا الله عما مضى والعودة للينابيع كما اسماها ذات يوم الأخ هاني الحسن في مذكرته الشهيرة لقيادة فتح .

الحكومة حازت على ثقة ممثلي الشعب في الداخل ، ونحن نريدها حكومة وحدة وطنية حقيقية

ونريدها مكوناً أصيلاً من مكونات بنائنا الفوقي سياسياً وفي كل الاتجاهات ، فمتى يحوز هذا الشعب الصابر والمكافح على ثقة حكومته فتجعله أساساً لبرنامج كفاحي حقيقي تعتمده سراً أو علانية من أجل نيل حقوقه الوطنية ؟ لقد طال الانتظار وبحت حناجرنا فمتى يرتاح أهلنا ويطمئنوا ؟ لنقول بكل ثقة ومحبة : عفا الله عما سلف ، ونصفق لحكومة وحدة وطنية حقيقية .

 زياد ابوشاويش

                      

رد على مقال: المجلس التشريعي الفلسطيني/ عام من الحصار الخارج

التفاصيل
كتب بواسطة: العيد دوان
نشر بتاريخ: 03 أكتوبر 2002
انشأ بتاريخ: 03 أكتوبر 2002
الزيارات: 4

هذه الرسالة تعقيب على مقال تحت عنوان: المجلس التشريعي الفلسطيني/ عام من الحصار الخارجي والداخلي بقلم/ الدكتور يوسف كامل إبراهيم أستاذ جامعي - -فلسطين -غزة

يذكرني ها المقال انتخابات الجزائر عام 1991. فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ وكان بيدها أيضا معظم البلديات وشهد لنا العالم بنزاهتها. بل إن ألد خصوم الإسلاميين اعترفوا بذلك. في ذات الوقت تآمر بعض الجزائريين مع "إخوان لهم" من الأجانب ففعلوا فعلة أركعت الجزائر مدد سنين. كنت تاريخها مسئولا في إحدى المجالس المنتخبة ومع أن الجزائر موحدة وأن فرنسا تبعد عنا بأكثر من ثمانمائة كيلومتر إلا أننا عانينا الأمرين وطبق علينا الحصار في بلادنا بأوامر من الحكومات الغربية وربما تحت رعاية إسرائيل "الغالية". أتذكر جيدا وقاحة الغربيين لما قرروا إرسال وفد مشترك يضم فرنسا انجلترا بلجيكا وألمانيا الذين بعد أن صفقوا لنزاهة الانتخابات طالبوا رئيس الجمهورية بإلغاء الدور الثاني للانتخابات التشريعية بع أن تأكد لديهم أن الجبهة الإسلامية هي التي ستستحوذ على أغلبية المقاعد. رفض الرئيس أن يرضخ لمطالبهم فانتهز عساكرنا الفرصة واستولوا على الحكم كما يعلم الجميع. وما علينا الآن غلا إحصاء النتائج والركون إلى الزاوية ومعنا ما ترك لنا من الدموع والحسرات.

أقرأ للدكتور ملاحظاته وهو يحصي الصعوبات التي تواجهها حماس الفائزة ديمقراطيا وأنا أتألم من روع المشهد الذي صوره لنا. وعلى اختلاف الأوضاع فإني أتوجع للحالة التي وضع فيها حماس الفائز ديمقراطيا والعاجز عن الحكم بسبب جور العالم بما فيه العرب. لحسن الحظ فإن حماس لم تنقطع عن المقاومة التي يمكنها أن تمتص الغاضبين إن منعوا من ممارسة حقهم الديمقراطي. أقول هذا الكلام وأنا أتذكر حالنا في الجزائر لما حرمنا من هذا الحق وبقينا حائرين أنقاتل دفاعا عنه أم نركن إلى الجبن تجنبا للضرر؟ وحدثت الحماقة أن راح البعض يقاتل وانسحب أو سجن ونفي آخرون وانفجرت الجبهة الإسلامية وفاض التنور.

تراني أفضل وضع حماس الذي قد يصبح مرجعا يعيننا على فهم العقلية الغربية المنافقة في معالجة القضايا. فالإخوة من حماس إذا غضبوا فعليهم أن يصبوا جم غضبهم في أعدائهم. وإن ما يعانونه ليس أعجب مما كانت عليه فلسطين منذ عشرات السنين. وحالتهم هذه ليست حالة مرضية خاصة وأنهم يحملون مشروعا حضاريا يعترف الجميع بمشروعيته. نكاد ننسى أن فلسطين مستعمرة وأن بريق الديمقراطية لم يعد الأقىصى. "فالاختطافات والقيود الداخلية والحواجز العسكرية الإسرائيلية وعدم قدرة المجلس لممارسة عملة التشريعي أو الرقابي والحصار السياسي الذي أعاق تحرك الكثير من النواب والاقتصادي والذي منع الكثير من الموظفين من الحصول على مرتباتهم مما دفعهم للإضراب وشل عمل المجلس التشريعي من الناحية الإدارية"و ما إلى ذلك مما أحصاه صاحب النص لا يعدو أن يكون محركا لقلوب أحباب فلسطين ليبقوا أحياء إلى حين النفير العام الذي لا شك فيه.

يا دكتور، أنا جزائري مسلم لا أفهم ما بفلسطين إلا من خلال المسجد الأقصى المبارك. أترضون وترتاحون إن سمح لكم بدفع الرواتب واستغلال المعابر لتروا من خلالها أراضيكم تدنس من قبل اليهود؟ أيرضيكم أن يسمح لكم ممارسة الحكم وأرضكم ممزقة؟ أتصور أن الذين يتنقلون بين هذه المعابر يألمون أكثر مما هم عليه من العنت والجور. فلا نتضجر مما أصاب الفلسطينيين من عدم دفع الأجور وما ضرب عليه من حصار ما دام اليهود يستعمرون فلسطين. فالذي يجب أن نفكر فيه جليا: كيف نجعل من فلسطين جنة الأمة الإسلامية فوق الأرض؟

والسلام

العيد دوان

المجلس التشريعي الفلسطيني

التفاصيل
كتب بواسطة: د. يوسف كامل ابراهيم
نشر بتاريخ: 28 سبتمبر 2002
انشأ بتاريخ: 28 سبتمبر 2002
الزيارات: 5

المجلس التشريعي الفلسطيني
 عام من الحصار الخارجي والداخلي

بقلم/ الدكتور يوسف كامل إبراهيم
أستاذ جامعي - -فلسطين -غزة

الانتخابات التشريعية الثانية التي جرت في نهاية يناير 2006 كانت محطة هامة في الحياة السياسية الفلسطينية شهد لها العالم بنزاهتها، وكانت مثار إعجاب الجميع، ومبعثاً للفخر لكل فلسطيني ولكل غيور على الشفافية والنزاهة والديموقراطية، الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية التي أعقبت سابقتها بعشر سنوات كاملة أسفرت عن وصول حركة المقاومة الإسلامية  حماس إلى سدة الحكومة، وبعد مرور عام على انخراطها في العملية الديمقراطية..أي بعد عام كامل من الانتخابات مازالت تواجه صعوبات جمة في ممارستها للعمل البرلماني  أهمها:
* اختطاف ثلث نواب المجلس التشريعي ومعظمهم ممثلين لحماس وعلى رأسهم رئيس المجلس التشريعي الدكتور عبد العزيز دويك
* القيود الداخلية والحواجز العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية التي منعت الكثير من النواب من الوصول إلى مقر المجلس التشريعي مما أعاق انعقاد الكثير من الجلسات، مما أحدث فراغا واضحا وخطيراً في المؤسسة التشريعية وحاول تفريغها من مضمون عملها وعدم قدرة المجلس لممارسة عملة التشريعي أو الرقابي
* عدم قدرة نواب حماس من التنقل بين قطاع غزة والضفة الغربية مما أعاق عملية التكامل والتشاور بين جميع الأعضاء وعقد جلسات تشمل جميع الأعضاء في مكان واحد
* الحصار السياسي الذي أعاق تحرك الكثير من النواب والتواصل مع البرلمانيين في العالم وتوصيل الرسالة الفلسطينية وشرح واقع الحصار على الشعب الفلسطيني
* إغلاق المعابر وخاصة معبر رفح ومعبر الكرامة أمام حركة النواب ومنعهم من السفر لفترات طويلة وعدم قدرتهم في التواصل مع العالم الخارجي
* الحصار الاقتصادي والذي منع الكثير من الموظفين من الحصول على مرتباتهم مما دفعهم للإضراب وشل عمل المجلس التشريعي من الناحية الإدارية
* حصول بعض الأضرابات التي أخذت الطابع السياسي والتي منعت الكثير من موظفين المجلس التشريعي من الوصول إلى أماكن عملهم
* التهديدات التي كانت تصل بعض الموظفين والتي تدعوهم لعدم ممارسة عملهم في أطار المناكفات السياسية بين الكتل البرلمانية المشاركة في المجلس التشريعي
* دخول الكتل البرلمانية في المجلس التشريعي كمتنافسين وفرقاء وليس كشركاء ، فكل كتله برلمانية كانت تنطلق من خلال أجندتها السياسية الخاصة مما أربك وشل عمل المجلس التشريعي
* الاحتقان السياسي الذي ساد الشارع الفلسطيني ورفع وتيرة الاستقطاب السياسي مما أدى إلى تغيب أو مقاطعة بعض الكتل البرلمانية لجلسات المجلس التشريعي  
إن شل وارباك عمل المجلس التشريعي الفلسطيني لم يكن في صالح أحد من الفرقاء وإنما كان خسارة لجميع أبناء الشعب الفلسطيني الذي كان يتطلع لحياة أفضل ومشاركة سياسية أعمق من الجميع ووضع الجميع أمام مسئولياتهم الوطنية ،
فالشعب الفلسطيني كان يأمل بأن يرى أعضاء المجلس التشريعي تحت قبة البرلمان موحدين لخدمة أبناء الشعب الفلسطيني مبتعدين عن المناكفات السياسية ، وأن يتم التخلص من الأفكار والأجندة الفئوية والحزبية ليتخذوا مكانها أفكار تخدم الشعب بغض النظر عن أي شيء آخر،  فلم يكن هذا الشلل والإرباك الذي أصاب المؤسسة التشريعية سوى خدمة لخطة إسرائيلية لتقويض النظام السياسي والشرعية الفلسطينية سواء كان ذلك بعلمنا أو بغير علمنا.

 

المأساة الجزائرية (3)

التفاصيل
كتب بواسطة: العيد دوان
نشر بتاريخ: 28 سبتمبر 2002
انشأ بتاريخ: 28 سبتمبر 2002
الزيارات: 5

(3)

إعلان الاستقـلال،  البداية الحقيقية للحرب القـذرة

 

إن الادعـاء بأن الحـرب القـذرة قـد اندلعت إثـر إلغـاء الانتخابـات التشريعيـة سنـة 1992، باطـل وليس منصفـا صاحبـه. ولا هي بـدأت يوم 05 أكتوبـر 1988 إثـر مـا سمـي بأحـداث الخبـز المصطنعـة. ولا حتى سنـة 1982 على يـدي مصطفى بويعلي وأنصـاره مـن الثائريـن ضـد النظـام الجزائـري المتعفـن. فما هـذه التواريـخ وغيرهـا إلا محطـات كشفـت عن قليـل من المعانـاة والشقـاء التي ذاق أغلـب الشعـب الجزائـري ويلاتـه، حتى بلـغ درجـة خطيـرة من القنوط. فالحـرب القـذرة، إنما نشبت عند نهاية الحـرب المقدسـة فإعــلان الاستقـلال، متوعـدة السـواد الأعظـم مـن الجزائرييـن بالحيـاة الكالحـة تحت سيـاط الاستعمـار الجديد وتحت إمرة جبهة التحرير التي كان لها الشـرف في رفـع لـواء النصـر. الا أن أهلـه قد غفلوا حتى استحـوذت عليه قـوى الشـر فحكمت الجزائـر بالحديد والنـار باسمـه. والغريب أن هذا الشعـب قد رضـخ لجميـع أشكـال الـذل والهـوان، وكأنه يفضـل ظلـم أبنـاء عمومتـه علـى قهــر أعدائـه من المرتزقـة المعمّرين! وبلـغ اليـأس مـداه ليتحـول الاستقـلال إلى نقمـة، حتى غـدا عند الجزائـرييـن رمـزا للقهــر والعبوديـة. وذهب الكثير إلى القـول أن عمليـة الاستقـلال ما هي في الأصـل إلا خدعــة حربيـة لإخـراج الشعـب مـن استعمـار وقهـر الفرنسيين إلى استغـلال وعبوديـة حـزب فرنسـا من الجزائريين وباسـم الوطن والثوابت الوطنيـة. اعتقـاد لا يخـلو من الصحـة بالنظـر إلى الحاصل الناتج  بعد أربعين سنـة من الاستقلال المقنـع!

  هكـذا يعـود السـؤال التقليـدي إلى أذهـان العامـة والخاصـة : هـل بقـي للاستقـلال معنى إذا بقيت أعنـاق الشبـاب مشرئبـة إلى قتلـة آبائهـم وأجدادهـم وينافسونهـم في أنمـاط عيشـهم، نابذيـن قيمـهم وأعرافـهم التـي هـي من أسبـاب بقائـهم ومن دواعـي حربهـم؟؟ ألم يكـن من الأحـرى لهـم - في هذه الحـال -  أن يقبلـوا فكـرة الاندمـاج مـع الفرنسييـن ويكتفـوا بالتسـاوي فـي الحقـوق والواجبـات لينعمـوا برغـد العيـش ويحتمـوا بقـوة فرنسـا وهيبتهـا بين الأمـم، وهـو مـا يصبـو إليـه - بكل أسف -  معظـم من يـدب فـوق أرضنـا الطاهـرة التي عمتهـا القـذارة بفعـل هذه الحـرب المصطنعـة ؟ وقد كـان هذا ممكنـا منذ زمـن الاستعمـار وهو من اقتـراح فرنسا نفسها وتبنـاه بعض الجزائريين أمثال فرحـاة عباس من الذين لا يزالـون يسألـون السهـول والجبال والقبـور عن بلـد اسمه "الجزائـر"! فلا هم سمعـوا الجـواب ولا هم وجـدوا البـلاد! والقلـة من الذين كافحـوا الاندمـاج والانسـلاخ هم مذ ذاك عرضـة للإسعبـاد والمسـخ بعد ما ذاق أسلافهم مـرارة الاستعمـار والاستدمـار.

 

  من الاستعمـار الفرنسي إلى العبوديـة الجزائرية.

 

 - "هـذا الكـلام حـق ومثلـج للصـدور ولكنـه خطيـر ومثيـر ولم يحـن أوانـه بعد. وقد يجلب لك الضـرر لنفسك وأهلك، فـلا تعبـث بالنـار"، قال لي أحـد أصدقـائي النائميـن على قـول الحق مثلـي. فالرجـل، حين سمـع هذا الكـلام، أصابـه الذعــر، لأنـه لم يألـف هذا الأسلـوب الصريـح. فلم يكـن يسعنـا - قبـل اليوم- أن نتجـرأ على الخـوض في موضـوع كهـذا أو نشكّـك في استقـلال تشوبـه الّريب منذ الإعـلان عنـه بعد أن "فهمنا" الجنرال ديقول!!

   فكلنـا نعلـم كيف تحقق هـذا الاستقـلال في تلـك الظـروف الغامضـة ومـا أحيـط بـه مـن شبهــات قبـل وأثنـاء المفاوضـات مـن أجـل تقريـر المصيـر. لكـن لا أحـد يتجـرأ على إعطائـه حقـه من الدراسـة والتحليـل فيجلي ما توارى عن الشعب من النوايا الخبيثـة والمقاصـد الدنيئـة. وهنـا يحضـرني ما قالـه الجنرال ديقول معلنـا عـن بعض نوايـا فرنسـا: " لقـد آن الأوان لجنـي الثمـار عـن بعـد".وهو يعني بذلك فـرض التبعيـة الشاملـة على الجزائـر دون بقـاء القـوات المسلحـة فوق أراضينا.  والرجـل يحب بـلاده ويعبدهـا لكنـه يمقت بـلادي ويلعنهـا. لذلك سعـى مستميتا إلى استقلالهـا - بعد أن فهمنا- ليجنب بـلاده ويـلات هذه الحـروب القـذرة التي هي الآن على أبـواب فرنسـا بل هي في عمق "الضواحي" لمدنها! والرجـل ذكـي جـدا ويـرى أبعـد من حكامنا لما دعـم معاهـدة إفيـان التي كرّست التبعيـة وقنّعت الاستقلال. فلولاه ما ذاقت  فرنسـا طعـم الراحـة والاستقـرار ولأصابها ما أصابنا ولما أحـرزت مكانها بين الأمـم! من هنا يمكن القول أن فرنسـا هي المستقلـة لا الجزائـر!

   وليعلـم صديقي العزيـز أن لا استقـلال ولا حريـة مـا دمنـا في اتباعيـة عميـاء ولا شـيء يميـّزنا عن الذيـن مـا نـزال نعتبرهـم أعـداءنا. وقد كـان جديـرا بنـا - في حـال اختيـارنا العيـش في حريـة مطلقـة- أن نبقـى فـي كنـف فرنسـا بعيـدا عن الالتـزام بقواعـد الأخـلاق والسلوك وما تمليـه علينا منظومتنـا من الديـن والعـادات والتقاليـد التي نزعـم أننـا نقدسهـا. وكان بوسعنـا – والأمـر كذلـك- أن نربـح عشـرات السنيـن من الـدوار في حلقـة مفرغـة، باحثيـن عـن حلـول لغـدنا، بعيـدا عن أمسنـا  مبتورين من أصولنا.

   يفهـم مـن هـذا أن الاستقـلال نقمـة على الشعـب الجزائـري، وما هـو إلا عقوبـة قاسيـة سلّطت على الجزائريين الذيـن سانـدوا الثـوار والمناضليـن مـن أجـل العيش الكريم في ظل الحريـة!! وهذا صحيـح إلى حـد بعيـد، علـى اعتبـار ما يحـدث هـذه الأيـام في أوسـاط الشبـاب الذيـن يفعلـون كل شـيء من أجـل الظفـر بإقامـة بفرنسـا، ناهيـك عن الذيـن يسعـون إلى حمـل الجنسيـة الفرنسيـة عينهـا بعـد أن كـان ذلك ضـربا مـن ضـروب الـردة والخيانـة. بل هو عند خاصـة المسلمين كفـر وعـار وخـروج عن الملـة. 

    مثـل هـذا الكـلام، قد لا يستوعبـه مـن تشبـع إلى الثمالـة بالعصبيـة القوميـة، هـذا الوبـاء الخطيـر على الإنسانيـة، كمـا ينعتـه أينشتاين. وصديـقي من هـؤلاء المتعصبيـن، لا يـزال يعتقـد أنـه لا يحـق لغيـر"العائلة الثورية" أن تمـارس الحكـم في هـذه البـلاد. وهـو يعلـم أن الـذي أوصلنـا إلـى ما نحـن فيـه من أزمـة وتوتـر في العلاقـات، يعـود - في أساسـه - إلـى إحسـاس السـواد الأعظـم منّا  بالإقصـاء والتهمـيش.

    قـد يستـاء صديـقي وأمثالـه مـن هذا الموقف ويرمينـي بالخيانـة والعمالـة وهو أمـر يسيـر. ولكن لـو فكـروا جليا لشاطـروني الرأي ولتأكـدوا بأنفسهم أن مثـل هـذا الموقـف يمليـه ما نحـن فيـه مـن الظـروف القاسيـة التي نعيشهــا في بـلاد أنعم الله عليها بفائض من الخيرات. وهـم يعلـمـون يقينـا أن الـذي نحـن فيـه مـن السقـوط والهـوان، ما هـو إلا ثمـرة مـن ثمـرات استقـلال مقنـّع. وأن حالـة الحـرب هـذه، مـا هـي إلا انفجـار منطقـي بسبـب تعبئـة مشحونـة، خطـّط لهـا منـذ أمـد بعيـد فولّـدت هذه الحـرب القـذرة.

    فهـذه الحـرب القـذرة، لا تكمن في الاعتـداءات المنظمـة علـى المواطنيـن العـزل ليـلا وعلى حيـن غـرة، فيذبّحـون مثلمـا يذبّـح الكبـاش ثم تلـقى التهمـة على الجماعـات المسلحـة المنعوتة  بالإسلاميـة!  أمـر أمسـى عاديـا، لكن لا أحـد يصدقـه! خاصـة وأن من الضحايـا - على العمـوم - مـن كانـوا أنصـارا للنزعـة الإسلاميـة أو متعاطفين معها أثنـاء تلك الانتخابات الكاشفـة الفاضحـة! فلـم نسمـع يومـا أن تجمعـا سكنيـا معاديـا لهـذا الحـزب المطعـون قـد أصيـب أهلـه بـأذى في أموالـهم أو أنفسـهم. ولم يبلـغ إلينـا أبـدا أن مـن أعــداء هـذا الوطـن أو مجرميهـا من شـدّ عليـه الخنـاق طـوال هـذه الأزمـة المتواصلـة! بل إن هؤلاء قد عاشـوا عيشـة الموفورين وزادوا ثــراء على ثـراء طـوال مـدة التناحـر بين المسلمين!  فـي المقابـل، يشهـد الجميـع أن القتـل والدمـار لا يلحـق إلا الأبـرياء وأمـلاكهم ممن لا ذنـب لـهم إلا أنـهم أعلنـوا الـولاء لمـن يخالونـهم على حـق. فـزادوا فقـرا على خصاصـة وقتلا على مـرض!  ولم تستثـن هـذه الآلـة القاتلـة الأجـانب من الذيـن جـاءوا في مهمـات علميـة أو اقتصاديـة أو حتى دينيـة، بل إن القائميـن على شـؤون هذه الآلـة صبـوا جم غضبـهم علـى النزهـاء منـهم ومـن الذين بقـوا يحسنـون الضـن في ضيافـة الجزائـريين. وهـي رسالـة واضحـة إلى الـرأي العـام العالمـي كـي يتراجـع عـن موقفـه المسانـد لحـق الدفـاع عـن النفـس الذي وقفـه أول مـرّة بعد إعلان حالة الطوارئ إثـر انقلاب 92 المشؤوم .

 

المأساة الجزائرية (2)

التفاصيل
كتب بواسطة: العيد دوان
نشر بتاريخ: 27 سبتمبر 2002
انشأ بتاريخ: 27 سبتمبر 2002
الزيارات: 5

عن الحرب القذرة!

 

  زعمت بعض الصحف الفركوفونيـة بالجزائـر – نقلا عن أمهاتها بفرنسـا  – أن ضابطا جزائريا كتب كتابا يـروي فيه  مذابـح الجزائريين وهو يهـزأ بهم! وقتهـا قلت : "إن ذلك من باب الكذب والبهتـان الذي ألفتـه "لوماتان" ومثيلاتهـا". ولكن أن تكتب جريـدة فرنسيـة بمقـام "لوموند" وفي صفحتها الأولى : "ضابط جزائـري يصدر كتابا حول مذابح الجزائريين"!! فهذا يقتضـي الكثيـر من التركيـز والاهتمام وإن كان مثيـرا للتهكم والسخريـة. فمن أين للعسكريين الجزائريين أن يكتبـوا، وهم لا يقـرؤون ولا يحسنـون الكتابـة إلا القليـل منهـم؟ والقليـل هذا قـد فقـد الأسباب بمجـرد ارتدائـه لبـاس العسكـر! وإنـهم إن فعلـوا – حسب علمنا- لا يفهمـون ولا يفهمـون. ويصنفـون مع الأمييـن، لا يفقهـون من شـؤون الدنيـا إلا ما يفسـد حيـاة العبـاد. لأنهم بين متطـاول عابـد للـذات أو ملهـوف عاشـق للملـذات أو مرعـوب فقد حـب الحيـاة. لكن سرعـان ما غيـرت موقفي لما عرفت أن الكاتب المزعـوم من جيل الاستقـلال لا يعـدو سنّـه الثلاثين. قلت في نفسي: " إن بعض الظن إثم" فقد يخـرج عن المألـوف وقد يتجنب عـدوى وبـاء أسيـاده..! فسعيت إلى اقتنـاء الكتـاب وتحصلت عليه بعد كثير من العنـاء والخـوف بعد أن منع من التداول. ولما اطلعت عليه في ليلة واحـدة ثم أعـدت قراءته، عرفت أن وراءهـا صائغـا يحسـن ترتيب الحـروف والكلمـات. وعـرفت أن الكتاب قد شـارك في إخـراجه أكثـر من واحـد بعد أن تبين لي أن الضابط المزعـوم لا يحسن حتى الكـلام، أما الكتابة فهوعنها براء. تأكـدت من ذلك بعد زيارتي لفرنسـا خلال هذا العام 2001. تذكـرت أن جيل هذا العسكـري - من الضباط أصحاب المدرسـة الأساسية- أسـوأ من سلفـه. فهولا يملك أدنى  قدر من الثقافـة الحضاريـة ما عـدا ثقافـة العنف والقتل والتخريب! وأنا على يقين أنهم قـادرون على الإدلاء بشهـادة الـزور وإفشـاء الأسرار مقابل إقامـة بإحـدى العواصم الأوربيـة. أمـر تأكـدت منه بنفسـي - بكل حسـرة - بعد زيارتي الأخيـرة لباريس أين كتب لي أن ألتقي ببعض بائعي المعلومات والشهادات المـزورة!

 

  الجدال حول: "من يقتل من بالجزائـر؟"

 

   صـدر الكتـاب المسموم في صلب الجـدال الذي أثـارته الصحافـة الفرنسيـة بإيعـاز من دوائـر السـوء متبوعـة بأبواقهـا الجزائريـة حـول موضـوع: "مـن يقتـل من في الجزائـر؟". ونحن الجزائريين نعرف جيـدا أن تلك الدوائـر "العولميـة" هي المحـركات  لتلك الحملـة الإشهاريـة المنظمـة. استغلت خلالها سذاجـة هذا الرجـل الجـريء ومن على شاكلته، وشـاع كتابـه ذلك في وقت قياسي. وأقبـل عليه القـراء بنهـم لا مثيـل له، إشبـاعا لفضولـهم بعد أن أثيـرت مجـددا مسألـة الجماعات المسلحـة ومن وراءهـا؟ فقد تعمّـد تجـار الألفـاظ من أصحاب القلـم وبارونات "السمعي البصـري" الإيهـام بأن ما يحـدث في الجزائـر مـن قتـل وتخـريب، هو مـن عمـل المخابـرات بأيـدي عناصـر مـن الجيش الجزائـري! وهـو أمـر مفـزع وعلى خطورتـه، يصعب تكذيبـه لتزاحـم القرائـن الدالـة عليه. 

    في خضّـم الأحـداث وفي ثنايا هذا الطـرح المثيـر، ظهـر الضابـط البطـل صاحب الكتـاب، كشاهـد عيـان مؤكـدا أن وراء تلك المجـازر عناصـر من الجيش الجزائـري... بل يؤكـد – دون حيـاء- أنه شـارك هـو بنفسـه في بعض عمليـات الإبـادة تلك، وقد كان مكلـفا فيها ببعـض المهـام حسب وثائق رسمية ذيّـل بها كتابـه المزعوم. ولا عجب فهو ضابط برتبة ملازم ومعظم العمليـات ينفذهـا أمثالـه. يـروي لنـا كيف يخطط حمـاة الجزائـر لاغتيـال أطفـال ونسـاء وشيـوخ هذا الشعب من أبنـاء الجزائـر. ويحكي كيف يمـوت البؤسـاء والمساكيـن على أيـدي حماتـه، إشباعـا لنزواتهـم الصاديـة وقضـاء لحاجـات أعـداء الله والوطـن من أنصـار العولمـة!!

   عندما نشـر الكتاب، كنت منهمكا في إعــادة كتابـة مذكراتي الخاصـة بمعتقـل رقـان،  أين قضيت حـولا كامـلا من الزمـن تحت رحمـة الشمس والزوابع الرمليـة. فلأول مـرّة أجـد رجـلا من النظـام - على صغـره - يشاركنـي الرؤيـة علنا بخصوص العمـل المسلـّح أو ما اصطلح عليه اسـم الإرهـاب. ولقـد كتبت وأنا في المعتقـل أن النظـام الحاكـم، ومن خـلال بعض المسئولين، كان يتغاضـى عـن نشـاط الجماعـات المسلحـة، بل هو الذي قد يكون وراءهـا. وكأنـه كان يمهـد بذلك لهـذه الحـرب التي ما تـزال تلتهـم أطـراف الجزائـر إرضـاء لزعمـاء العولمـة والمنظمات المستترة! وسجلت وقتـئذ بعـض القرائـن الدالـة على ما أقـول دون أن أصـدق تمامـا مثل هـذا الإدعـاء المثبط للعزائم. وبعد عشـر سنيـن من التقتيـل والتخريب، هـل بقـي مـن يعتقـد من العقـلاء أن العمـل المسلـح من نسـج الإسلامييـن وبمحض إرادتهم، أم أن وراء العمليـة كلهـا عباقـرة التخطيـط والتكتيـك في الحـروب القـذرة؟ وما بعض الإسلاميين – في رأينا- إلا مطايا لتجـار الأوطـان لتخريب بيـوت المسلمين!

    أرجـأت عمليـة الكتابـة تلك إلى وقت لاحـق، رغبـة في المشاركـة في تسليـط الضـوء على هذه الحـرب التي عرضت عليّ خدماتهـا فأبيت حبا في وطني! وقد دفعـت الثمـن غـاليا بسبب هـذا العنت... و كرهتنـي هـذه الحـرب فأبقتنـي حيا أشهـد عـرض طحينهـا يبـاع في الأسـواق لمن لم يـذق طعـم القلـق والأرق جـراء لسعاتهـا.

  فماذا عسانـي أقـول وأصحـاب هذه الحـرب أحيـاء يرزقـون، ومنهـم من لا يزالـون يحرقـون وينهبـون ويقتلـون وهـم يضحكـون ويسخـرون؟.. ولكن هل يحـق لي السكـوت وأنـا أسمـع وأرى وأمـلك الكلمـات واللسـان ؟ أم هل لي أن أكـون إمّعـة، أميـل حيث يميـل العـوام فأقـول أن ما يحـدث بالجزائـر مـن الهـدم وإتـلاف الممتلكـات والأرواح، مـرده غضـب الإسلامييـن جـراء إيقـاف المسـار الانتخابـي كما يزعمـون؟؟ أم أكتفي بإلقـاء التهمـة على الطغمـة العسكرية التي كـانت وراء دوامـة العنـف قصـد إقصـاء الإسلاميين وإبعادهـم عن الحكم بعد أن وقفـوا ضدهـم في سياسـة مسخ الشعب وإذلالـه؟ أم أكتفـي - مثل مثقفينا- بالنظريـة القائلـة أن أعـداء الجزائـر الخارجيين هم الذين دبـروا هـذه المكائـد، إمـا ثـأرا أو عقابـا أو رغبـة في توفيـر الأمـن لبلدانهـم أو خدمـة لنظـام العولمـة؟ أو أسلك طريق النعامـة لأقـول أن الصهاينة هم الذين ورطـوا إخواننا لجرهـم إلى خـوض حـرب خاسـرة؟! كـل هـذا صـواب وصحيـح ولكـن يبقـى القـول أن الجزائريـين هم الذيـن خرّبـوا بيوتـهم بأيديـهم دون أن يمـدّ أعداؤهـم يـدا واحـدة إلا بالإيعـاز والإشـارة لتغذيـة نـار الحـرب! ويتحمـل النظام الجزائـري كامل المسؤوليـة في هـذه الكارثـة، إن بسبـب تـورط جهـات في الحكـم عن طريق بعض القائمين عليه أو بعـض مؤسساتـه لضعفـه وعجـزه على حـل مشكلاتـه نتيجـة لسقـم في جسمـه!

    فالدولـة الجزائريـة عليلـة ونظامهـا مصـاب في لبـه وهو من أعقـد الأنظمـة في العالـم. ولا أحـد يملك القـدرة على فهمـه أو استنباط القواعـد الثابتـة من سيرتـه في تسيير شـؤون البـلاد. فرغـم توفـر جميـع المقومـات الحضاريـة التي تجعـل من الجزائـر أعظـم دولـة في العالـم إلا أن انعـدام الانسجـام بينها، ساهـم في تحطيمهـا وأعطـى الفرصـة لأعدائهـا كي يتسربـوا إليهـا عبـر نظامهـا ذي الثغـور والفجـوات. ومن أكبـر عيوبـه أنـه ما مـن مؤسسـة رسميـة، صغيـرة أم كبيـرة، إلا ولهـا قرينـة في الظـلام وراء الحجـاب، وإليهـا يعـود الحكـم الفصـل.. وهنـا مكمـن الـداء!

      يشهـد اليوم بعض "التائبين"، من الذين كانـوا يعـون ما كانـوا يفعلـون، أنهـم خاضـوا هـذه الحـرب بوحـي مـن العفـاريت العسكرييـن، ضنـا منـهم أنـهم سيعجّلـون في الإطاحـة بالنظـام الحاكـم آنذاك. أما وقد طـال الأمـد واستحـوذ العسكـر على كـل التنظيمـات المسلحـة، فقـد كانـت الغلبـة لمـن يمـلك المعلومـات والدهـاء والقـوة العسكريـة. وكذلك سنـة الحيـاة!

    وقد كتبت وأنـا تحت رحمـة الحـرارة هنـاك "بمثلث الموت" في معتقل رقـان أن النظـام الجزائـري إذا صمـد أكثـر من ستـة أشهـر فـلا يمكـن الإطاحـة بـه عـن طريـق العنف المسلـح! وهـو الوقت الـذي يسمـح له بترتيب أمـوره بعد عمليـة اختـراق صفـوف خصومـه. ولا يمكـن زعزعتـه عـن طريـق التنظيـم في الجمعيـات أو الأحـزاب، ذلك أنـه إذا عـرف أهلهـا تمكـن مـن إضعـاف شأنهـا ثم القضـاء عليهـا. لهـذا نجـده يحث المواطنيـن علـى الانضمـام إلى هـذه الجمعيـات المختلفـة التي يساهـم في إنشائهـا عن طريـق عملائـه. فهـذا النظـام قـد ورث عن فرنسـا ما به يسلـط حكمـه على أي تنظيـم مهمـا بلـغ أصحابـه مـن الحنكـة والدهـاء. يكفـي أن يعـرف من فيـه وما هـي أهدافـهم ليتحكـم فيـهم. فـلا يتوقـف أمـام أي شـيء ولا يراعـي إلّا ولا ذمـة في سبيـل تحقيـق أهدافـه أو دحـض خصومـه وتكـريس حكمـه. فهو وحـده يتحمـل مسؤوليـة حـرب قذرة أودت بحيـاة عشـرات الآلاف من الجزائـريين منذ عشـرات السنيـن. أما ما قيـل وما يقـال عـن "أعـداء الثـورة والوطـن ثم الإرهـاب والأيـدي الخارجية"، فما هي إلا مصطلحـات وألغـاز يتستـر وراءهـا قـدام الـرأي العـام لجـرّه إلى التعاطف معـه في حروبـه القـذرة ضـد هذا الشعـب المقهـور. وتلك هي لغـة الخشـب التي اعتـاد استعمالهـا لإماتـة ما تبقـى لـديـه مـن عــزة وكرامـة.

الحرب القذرة في الجزائر

التفاصيل
كتب بواسطة: العيد دوان
نشر بتاريخ: 27 سبتمبر 2002
انشأ بتاريخ: 27 سبتمبر 2002
الزيارات: 4

بسم الله،

السلام عليكم و رحمة الله،

وبعد،

هذه بعض المقاطع من كتابي الذي أزمع نشره مستقبلا، تحت عنوان:المأساة الجزائرية.

إليكم التوطئة:

 "المأساة الجزائرية " رؤيـة شاملـة وتصـور جامـع لحـرب بـدون اسـم، أوشكت على قتل الجزائــر في ريعــان شبابهـا! قـراءة جزائـري شهـد لسعاتـهـا السامة ما يـزال حيـا يألـم جرّاءهـا شاهدا بأسهـا. حـرب أنجبتهـا الصراعــات الداخليـة، بعدما تغـذّت من فضـلات مشـارق الأرض ومغاربهـا ورعاهـا جزائريـون وأرضعوهـا حتى فطمت وشبّت على حب أهلهـا. تراهم اليوم يتبرءون منها ويلعنونها! هي محاولـة متواضعـة نبعـت من ملاحظــات جزائـري حـزيـن، مـدّة سـنين، نجـا بأعجوبـة من ثفـال هذه المطحنـة العصريـة. أرجو أن تكون هذه المحاولة مبصـرة ومنيـرة للباحثين، إخالهـا مثيـرة لعشـاق الكلمـة المفيـدة كي يكتبـوا ليدلـوا بشهاداتهـم، إحقاقـا للحق وتبرئـة للذمـة. ولئـن بدا للبعض أنـي تجنبت الحقيقـة في شيء، فليعذرونـي وليعلـمـوا أن ذاك عن حسـن نيـة. وما أنا إلا عاكس سأراعـي في النقل الأمانـة ما استطعت، على قـدر إيمانـي واعتقـادي. كما أرجـو أن يكـون هذا الكتـاب مطيـة يغـذي الحـوار الذي غـاب عن مائـدة إخوانـي الجزائريين، فأعـدم بذلك الوصـال بينهـم حتى بانـوا عن بعضهـم وارتمـوا في أحضـان حـرب قـذرة أمست تلهمهـم العـداوة والبغضـاء. فبـعد عشريـة كالحـة، انفـردت خلالهـا الجزائر بأقـذر حـرب عرفتهـا البشريـة، بقـي لي أن أقـول- دون حيـاء- إننـي لا أزال على قيـد الحيـاة لكنـي مرتـاح البـال بعـد طـول التحمل و المعانـاة ، وأنا الذي رجمتنـي آلـة القتـل والدمـار واستغنت عن خدمـاتي بعدمـا أبيت اللعب بالنـار. وأراني الآن أزر وازرة لا أطيقهـا، مضطـرا للعيش جنبـا إلى جنـب مع مـن أحـرقوا وخـرّبوا وقتّـلوا ودمّـروا ودبـّروا. أحيـا في حـرج الأفكـار الموقـدة بداخلـي، فأنفجـر ببعض الكلمـات عساهـا تريحنـي وتـروّح عن نفسي بعدمـا ارتديـت لبـاس الخـوف مـدد سنيـن. أمـر هــزّ أحشائـي ودفعنـي إلى الكتابـة زمــن الردة والخيانـة في جـو من الرعب والرهبـة وثغـر السلم يلـوح مبتسما. وأكتب لإثارة عواطف شهــود هذه الحـرب عساهـم يهتـزّون ليدلـوا بشهاداتـهم مبشرين أو منذرين زمـن "المصالحـة "! وما اختيـار موضـوع الحـرب القـذرة، إلا مراعـاة لمقتضيات الأحـوال. فهـولا يخلـو مـن عناصـر الإغـراء والإثـارة. حسبك سمـاع ليهـوى فـؤادك العليل وهوكـاف لتشـويق أصـم السامعيـن واستهـواء أمـلّ القارئيـن. وإن الخـوض في هـذا الموضـوع مثـل العراك والقتـال، صاحبـه يكوى بنـار الحـرب لكنه قد يشفـى غليلـه بنشـوة النصـر! ومنتهـى النصـر عنـدي أن أظفــر - بعد إرضـاء القـارئين - براحـة البـال وطمأنة الفـؤاد. وإذا تمكنت من تقريب صـورة هذه الحـرب وجعلت الناس يمقتونهـا، فذلك خيـر. وذلك سلاحي في هذه المعركـة التي سأخوضهـا للكشـف عـن بعـض خبايـا هذه القـذرة. الملاحظ الدقيـق لشـؤون الجزائـر الحديثـة، يـدرك أن النظـام الحاكـم يتعامـل مـع الشعب بنفس الأساليب الموروثـة عـن الإستعمار. فلقد التـزم في ذلك بالسياسـة "الأبويـة" والقاضية بتكميم أفـواه المعارضين. ففرض سيطرتـه عن طريق العمالـة والارتـزاق وسياسـة التوريط التي مكـنتـه مـن خصومـه. فأخضعهـم لسيـرة أملاهــا عليهم. وحيـن يتعـذر عليه ذلك، يحـرك بطانـة السـوء لديهم لخلـط الأوراق بإثـارة النعـرات وزرع الشكـوك. لذلك فإن هذا النظـام لا يوافق على تأسيس حـزب سياسي أو جمعيـة إلا إذا ضمـن نصيبـه أو زرع فيها عيونـه. لم تحض الجزائـر منذ انفتاحها بمعارضـة حقيقيـة تقـف نـدا تباري نظـام الحكـم، باستثنـاء الجبهـة الإسلامية للإنقـاذ بعـد أن تم "إنقاذهـا" من أيـدي عمـلاء النظـام من قبل بعض الغيورين على وطنهم. لكنها دفعت ثمنـا غاليـا نتيجـة لعقوقهـا. فقد حكـم عليها بالإعـدام، وهي الآن فـي أروقـة المـوت تنتظـر التنفيذ دون حـق الطعـن في الحكـم الجائـر. أما حـزب القـوى الاشتراكية، الذي كان يحمل بريقـا من معارضـة غير كاف لصـد الاستبـداد، فهو معـرض للصراعـات الداخليـة و"ضرتـه" السياسيـة، التجمع من أجل الثقافـة والديموقراطية، وهو له بالمرصـاد. والجبهـة الإسـلامية للإنقاذ بعد "إنقاذهـا"، راحت ضحيـة جرأتهـا السياسيـة وحماقـة بعض أنصارهـا عندما عملت على الوتـر الصريـح، فأعربت عـن نواياهـا دون التواء، متجاهلة قواعـد الدبلوماسيـة. فتعرضت بالسـوء - بشكـل مباشـر- للذين كانـوا وراء البـلاء النـازل على الجزائريين في حياتهم، فمست الجنرالات وأشـاروا بأصابـع الاتهـام للعمـلاء من "حـزب فرنسـا" وأربـاب المـال والأعمـال. وكأنهـا بذلك ألبت حولهـا قـوى الشـر ودفعت أعداءها - وهم كثـر- إلى تضافر الجهـود دفاعـا على مصالحـهم باستماتـة لا مثيـل لها. فشاهدنـا عجبـا وسمعنـا أغـرب الحكايـات عن ألـد أعـداء الأمـس، تجمعهـم الأسفـار والسهـرات يتآمـرون ضـد هذا الحزب الـذي وقـف بحـق ولكن بغير رويـة مستقبلية في وجـه هذا النظـام الطاغيـة. وكان أن انفـردوا بالحكم، بعـد أن اصطنـعوا هـذه الحـرب القـذرة ليجعـلوا منهـا غطـاء لمشاريعهم الجهنميـة! وبعـد كل الذي حـدث، هل الجبهـة الإسـلامية للإنقـاذ مسؤولـة على كل هذه الدمـوع والمآسي المحرقـة، أم أن مثلهـا مثل العبـد رهـن إشـارة سيـده ؟! فلا يجـوز للعاقـل أن يرمـي باللائمـة على أي كـان دون أن يلـم بحيثيـات الموضـوع ويقـدر الأمـور حـق قـدرها. ولننصت معا إلى السنـوات العشـرة الغابـرة تحكـي لنا مـا أبطنتـه من أسـرار. ولنقـض بعد ذلك بالعـدل ولنعط كـل ذي حق حقـه ولننصف! من خلال هذه المحاولـة المتواضعـة، سوف أجتهـد – إن شاء الله- لإزالـة بعض الغبـار عن هـذه الذميمـة القاتلـة، وأكشـف عن بعض ملامـح وجههـا القبيـح. وما أنا إلا مـرآة سأراعـي الأمانة في النقـل ما استطعـت. وسأحاول - إن شـاء الله - معالجـة بعض القضايا بالتـزام الموضوعيـة، تاركـا معشــر القــراء يرتـدون ما يشاءون مـن الحقائــق المطروحـة ..?

التسييس الديني

التفاصيل
كتب بواسطة: فدوى أحمد التكموتي
نشر بتاريخ: 20 سبتمبر 2002
انشأ بتاريخ: 20 سبتمبر 2002
الزيارات: 7

التسيس الديني

فدوى أحمد التكموتي

 

شلل أفكار، ومرجعيات تقليدية جدا ثوارثها الآباء عن الأجداد ومصدرها ليس دينياً. ولكن للأسف الشديد، في الوقت الراهن يستخدم الدين كوسيلة للوصول إلى الغاية وتحقبق المصالح.

أفكار تـنادي بالقيم والأخلاق والتمسك بالدين، ليس من منطلق الحلال والحرام ولكن من منطلق يجوز أو لا يجوز والممكن وغير الممكن. والفرق بين المفهومين الأولين والمفاهيم الأخيرة شاسع جدا. فعندما نقول الحلال والحرام ندخل إلى عالم الدين، عالم مثالي خال من أي غرض آخر سوى التقوى والتوحيد بالله، والإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء والمرسلين، وإشاعة الخير والحب والسلام مع النفس البشرية لذاتها وفي تعاملاتها مع الآخرين. وهذا ما وقع مع جميع الأنبياء والمرسلين عندما أتوا بالكتب المقدسة، وعندما كانت النفس البشرية تواقة إلى الإيمان بخالق الكون ورسله وانبيائه ومحبة للخير والسلام، ولا يزحزحها عن إيمانها أي شيء لأن جميع التعاملات التي كانت تجمعها خاضعة للدين ولمصلحته، حبا في كسب رضا الخالق والولوج إلى جنة الخلو. أما مفهوما (يجوز او لا يجوز) فيدخلان في إطار ما توارث عن الآباء والأجداد. فهذا الفعل يكون إما نافعا ومحبا لما صنعه الأجداد أو مضرا ومكروها من منظورهم. فهو غير خاضع للدين بل خاضع للعيب. فمثلا في العربية السعودية، في مجال التعليم الأساسي، يدرس في مادة التوحيد للصف الثالث أو الرابع إبتدائي أن من يقوم بتصوير فتوغرافي لشخص أو صور إحدى الأشياء فهذا غير جائز وعيب لأنه حرام يشوه صورة الخالق. ما معنى هذا؟ 1

وكأن صعود الإنسان إلى القمر عبر المكوك الفضائي ماهو إلا فعل شيطاني لأن الإنسان بادر بإكتشاف الكون الذي خلقه الله وأنه من المتشابه ويحرم فعله. وهذا يتنافى مع ما جاء في الديانات السماوية، لأن الله عز وجل حث على العلم، وأخص العلماء بمرتبة عالية في الدنيا والآخرة. ومثال آخر من السعودية ايضا حول قيادة المرأة للسيارة. كان غير جائز لأن الأجداد لم يعهدوا هذا من قبل. فقد كانت القيادة للرجل في كل شيء أما المرأة فكانت مهمشة على السطر إن لم تكن خارج السطر ومتخذين بذلك الدليل من المصدر الإلهي لإقناع الشعب السعودي. ولكن بعدما صرح به الملك عبد الله بن عبد العزيز في إحدى لقاءاته الصحفية الأخيرة وردا عن سؤال إمكانية قيادة المرأة للسيارة في السعودية، فأجاب "ممكن"؟2

وهذا يحيلنا إلى مفهومي الممكن و الغير الممكن، بمعنى انه قابل للنقاش في إطار المصلحة. والفرق شاسع جدا ما يظهر بين مفهوم الحلال والحرام والممكن والغير الممكن. وكما يقال بأن السياسة هي فن الممكن، نستخلص أن المصلحة تقتضي التسييس الديني حتى يكون هناك إقناع المجتمع بكل شيء في السياسة الداخلية والخارجية.

كما أن المجتمع العربي له قابلية كبيرة بالأخذ بهذا المفهوم بعدما أصابته الإحباطات المتكررة (حرب 48 , حرب 56 ,حرب 67 ,حرب 73 , حرب 82 , وحرب 2006).

فخلال هذه السنوات كانت تنشط الحركات الإسلامية في المنطقة العربية (الإخوان المسلمين بمصر , جبهة الإنقاد الجزائرية، منظومة الزوايا بالمغرب و الحركات الإسلامية في كل من السودان واليمن . . .) 3 . بالنسبة للحرب الأولى كانت الأسلحة الفاسدة. أما الثانية والثالثة فبعد ثورة يونيو52 , حيث وعد قياديّوها الشعب العربي بالنصر فكانت الهزيمة والنكسة، وتخلوا عن وعدهم. أما الرابعة فكانت صرخة بين مؤيدي السلام ومحبي الحرب. اما 82 و2006 فلها نفس النتيجة رغم إختلاف السبب، ونتاجها هواللعب بأقدس شيء عند النفس البشرية وهو الدين للوصول إلى الغاية. أو لم يدركوا أنهم يؤيدون فكرة الغاية تبرر الوسيلة وهي نظرية ليبرالية محضة تلغي الدين وتقصيه، ونظرية ميكيافيلي في كيفية الوصول إلى السلطة من خلال كتابه الأمير. فالتسييس الديني مغلف بثوب ديني ويحتاج إلى طقوس ومريدين. فلماذا يؤخذ الدين مطية للوصول إلى غاية أو مصلحة؟ فالمجتمع العربي فعلا يريد التغيير بعدما اصابته الإحباطات المتكررة. فقد مل ماهو شيوعي أو إشتراكي أو رأسمالي فكانت النتيجة تشلل فكره وأخذ جرعات كافية من التقاليد البالية التي يوجد وتحويها فكرة واحدة هي العيب ويجوز ولا يجوز وليس الحلال والحرام. فوجد نفسه وبدون أن يشعر أن يدخل في مخطط التـسـيـس الديني , وفي معتقده أن من يوجهونه يخدمون المصلحة العامة والدين أولا. أو حتى أنه تناسى ذلك، فهو يبحث عن الجديد والتغيير، لكن لا يعرف ما هو السبيل الحقيقي حتى لا يصبح دمية صغيرة وكل خيوط لعبها عند الساحر المحنك.
أما النتيجة فلا يمكن الحسم فيها نهائيا، وصدور حكم مطلق غير قابل للطعن غير مهيأ حاليا لأننا لا نعرف ماذا سيكون في الغد القريب. لذلك فالتغيير في المنطقة العربية لا بد ان يكون في كل شيء دون المساس بالكتب المقدسة (القرآن، التوراة, الإنجيل). فلا بد أن يكون في الفكر الرجعي الذي يحمل شحنات من التقاليد التي تحويها فكرة العيب والجائز والغير الجائز, حتى نقول فعلا أن المجتمع العربي تغير .

الصفحة 32 من 48

  • 27
  • 28
  • 29
  • 30
  • 31
  • 32
  • 33
  • 34
  • 35
  • 36

المتواجدون الآن

50 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

مهارات حياتية

  • الثقة بحكمك الخاص حين يكون الدليل غير مكتمل
  • لماذا لا يعني الأمان النفسي أن تكون مرتاحاً
  • طرح قلق حول نبرة شخص دون أن يصبح الأمر شخصياً
  • تطوير وعي ذاتي حول كيفية تأثير مزاجك على فريقك
  • التعرف على متى تُسقِط مشاعرك الخاصة على الآخرين
  • حين تشعر مبادرة الرفاهية بأنها استعراضية لا حقيقية
  • حين يتشابه الإنجاز العالي والإرهاق
  • إعادة بناء الثقافة بعد فترة نمو سريع ومربك
  • حين يبالغ عضو فريق في الوعود ويقصّر في التنفيذ باستمرار
  • إدارة الطاقة، لا الوقت فقط

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك