عن الحرب القذرة!

 

  زعمت بعض الصحف الفركوفونيـة بالجزائـر – نقلا عن أمهاتها بفرنسـا  – أن ضابطا جزائريا كتب كتابا يـروي فيه  مذابـح الجزائريين وهو يهـزأ بهم! وقتهـا قلت : "إن ذلك من باب الكذب والبهتـان الذي ألفتـه "لوماتان" ومثيلاتهـا". ولكن أن تكتب جريـدة فرنسيـة بمقـام "لوموند" وفي صفحتها الأولى : "ضابط جزائـري يصدر كتابا حول مذابح الجزائريين"!! فهذا يقتضـي الكثيـر من التركيـز والاهتمام وإن كان مثيـرا للتهكم والسخريـة. فمن أين للعسكريين الجزائريين أن يكتبـوا، وهم لا يقـرؤون ولا يحسنـون الكتابـة إلا القليـل منهـم؟ والقليـل هذا قـد فقـد الأسباب بمجـرد ارتدائـه لبـاس العسكـر! وإنـهم إن فعلـوا – حسب علمنا- لا يفهمـون ولا يفهمـون. ويصنفـون مع الأمييـن، لا يفقهـون من شـؤون الدنيـا إلا ما يفسـد حيـاة العبـاد. لأنهم بين متطـاول عابـد للـذات أو ملهـوف عاشـق للملـذات أو مرعـوب فقد حـب الحيـاة. لكن سرعـان ما غيـرت موقفي لما عرفت أن الكاتب المزعـوم من جيل الاستقـلال لا يعـدو سنّـه الثلاثين. قلت في نفسي: " إن بعض الظن إثم" فقد يخـرج عن المألـوف وقد يتجنب عـدوى وبـاء أسيـاده..! فسعيت إلى اقتنـاء الكتـاب وتحصلت عليه بعد كثير من العنـاء والخـوف بعد أن منع من التداول. ولما اطلعت عليه في ليلة واحـدة ثم أعـدت قراءته، عرفت أن وراءهـا صائغـا يحسـن ترتيب الحـروف والكلمـات. وعـرفت أن الكتاب قد شـارك في إخـراجه أكثـر من واحـد بعد أن تبين لي أن الضابط المزعـوم لا يحسن حتى الكـلام، أما الكتابة فهوعنها براء. تأكـدت من ذلك بعد زيارتي لفرنسـا خلال هذا العام 2001. تذكـرت أن جيل هذا العسكـري - من الضباط أصحاب المدرسـة الأساسية- أسـوأ من سلفـه. فهولا يملك أدنى  قدر من الثقافـة الحضاريـة ما عـدا ثقافـة العنف والقتل والتخريب! وأنا على يقين أنهم قـادرون على الإدلاء بشهـادة الـزور وإفشـاء الأسرار مقابل إقامـة بإحـدى العواصم الأوربيـة. أمـر تأكـدت منه بنفسـي - بكل حسـرة - بعد زيارتي الأخيـرة لباريس أين كتب لي أن ألتقي ببعض بائعي المعلومات والشهادات المـزورة!

 

  الجدال حول: "من يقتل من بالجزائـر؟"

 

   صـدر الكتـاب المسموم في صلب الجـدال الذي أثـارته الصحافـة الفرنسيـة بإيعـاز من دوائـر السـوء متبوعـة بأبواقهـا الجزائريـة حـول موضـوع: "مـن يقتـل من في الجزائـر؟". ونحن الجزائريين نعرف جيـدا أن تلك الدوائـر "العولميـة" هي المحـركات  لتلك الحملـة الإشهاريـة المنظمـة. استغلت خلالها سذاجـة هذا الرجـل الجـريء ومن على شاكلته، وشـاع كتابـه ذلك في وقت قياسي. وأقبـل عليه القـراء بنهـم لا مثيـل له، إشبـاعا لفضولـهم بعد أن أثيـرت مجـددا مسألـة الجماعات المسلحـة ومن وراءهـا؟ فقد تعمّـد تجـار الألفـاظ من أصحاب القلـم وبارونات "السمعي البصـري" الإيهـام بأن ما يحـدث في الجزائـر مـن قتـل وتخـريب، هو مـن عمـل المخابـرات بأيـدي عناصـر مـن الجيش الجزائـري! وهـو أمـر مفـزع وعلى خطورتـه، يصعب تكذيبـه لتزاحـم القرائـن الدالـة عليه. 

    في خضّـم الأحـداث وفي ثنايا هذا الطـرح المثيـر، ظهـر الضابـط البطـل صاحب الكتـاب، كشاهـد عيـان مؤكـدا أن وراء تلك المجـازر عناصـر من الجيش الجزائـري... بل يؤكـد – دون حيـاء- أنه شـارك هـو بنفسـه في بعض عمليـات الإبـادة تلك، وقد كان مكلـفا فيها ببعـض المهـام حسب وثائق رسمية ذيّـل بها كتابـه المزعوم. ولا عجب فهو ضابط برتبة ملازم ومعظم العمليـات ينفذهـا أمثالـه. يـروي لنـا كيف يخطط حمـاة الجزائـر لاغتيـال أطفـال ونسـاء وشيـوخ هذا الشعب من أبنـاء الجزائـر. ويحكي كيف يمـوت البؤسـاء والمساكيـن على أيـدي حماتـه، إشباعـا لنزواتهـم الصاديـة وقضـاء لحاجـات أعـداء الله والوطـن من أنصـار العولمـة!!

   عندما نشـر الكتاب، كنت منهمكا في إعــادة كتابـة مذكراتي الخاصـة بمعتقـل رقـان،  أين قضيت حـولا كامـلا من الزمـن تحت رحمـة الشمس والزوابع الرمليـة. فلأول مـرّة أجـد رجـلا من النظـام - على صغـره - يشاركنـي الرؤيـة علنا بخصوص العمـل المسلـّح أو ما اصطلح عليه اسـم الإرهـاب. ولقـد كتبت وأنا في المعتقـل أن النظـام الحاكـم، ومن خـلال بعض المسئولين، كان يتغاضـى عـن نشـاط الجماعـات المسلحـة، بل هو الذي قد يكون وراءهـا. وكأنـه كان يمهـد بذلك لهـذه الحـرب التي ما تـزال تلتهـم أطـراف الجزائـر إرضـاء لزعمـاء العولمـة والمنظمات المستترة! وسجلت وقتـئذ بعـض القرائـن الدالـة على ما أقـول دون أن أصـدق تمامـا مثل هـذا الإدعـاء المثبط للعزائم. وبعد عشـر سنيـن من التقتيـل والتخريب، هـل بقـي مـن يعتقـد من العقـلاء أن العمـل المسلـح من نسـج الإسلامييـن وبمحض إرادتهم، أم أن وراء العمليـة كلهـا عباقـرة التخطيـط والتكتيـك في الحـروب القـذرة؟ وما بعض الإسلاميين – في رأينا- إلا مطايا لتجـار الأوطـان لتخريب بيـوت المسلمين!

    أرجـأت عمليـة الكتابـة تلك إلى وقت لاحـق، رغبـة في المشاركـة في تسليـط الضـوء على هذه الحـرب التي عرضت عليّ خدماتهـا فأبيت حبا في وطني! وقد دفعـت الثمـن غـاليا بسبب هـذا العنت... و كرهتنـي هـذه الحـرب فأبقتنـي حيا أشهـد عـرض طحينهـا يبـاع في الأسـواق لمن لم يـذق طعـم القلـق والأرق جـراء لسعاتهـا.

  فماذا عسانـي أقـول وأصحـاب هذه الحـرب أحيـاء يرزقـون، ومنهـم من لا يزالـون يحرقـون وينهبـون ويقتلـون وهـم يضحكـون ويسخـرون؟.. ولكن هل يحـق لي السكـوت وأنـا أسمـع وأرى وأمـلك الكلمـات واللسـان ؟ أم هل لي أن أكـون إمّعـة، أميـل حيث يميـل العـوام فأقـول أن ما يحـدث بالجزائـر مـن الهـدم وإتـلاف الممتلكـات والأرواح، مـرده غضـب الإسلامييـن جـراء إيقـاف المسـار الانتخابـي كما يزعمـون؟؟ أم أكتفي بإلقـاء التهمـة على الطغمـة العسكرية التي كـانت وراء دوامـة العنـف قصـد إقصـاء الإسلاميين وإبعادهـم عن الحكم بعد أن وقفـوا ضدهـم في سياسـة مسخ الشعب وإذلالـه؟ أم أكتفـي - مثل مثقفينا- بالنظريـة القائلـة أن أعـداء الجزائـر الخارجيين هم الذين دبـروا هـذه المكائـد، إمـا ثـأرا أو عقابـا أو رغبـة في توفيـر الأمـن لبلدانهـم أو خدمـة لنظـام العولمـة؟ أو أسلك طريق النعامـة لأقـول أن الصهاينة هم الذين ورطـوا إخواننا لجرهـم إلى خـوض حـرب خاسـرة؟! كـل هـذا صـواب وصحيـح ولكـن يبقـى القـول أن الجزائريـين هم الذيـن خرّبـوا بيوتـهم بأيديـهم دون أن يمـدّ أعداؤهـم يـدا واحـدة إلا بالإيعـاز والإشـارة لتغذيـة نـار الحـرب! ويتحمـل النظام الجزائـري كامل المسؤوليـة في هـذه الكارثـة، إن بسبـب تـورط جهـات في الحكـم عن طريق بعض القائمين عليه أو بعـض مؤسساتـه لضعفـه وعجـزه على حـل مشكلاتـه نتيجـة لسقـم في جسمـه!

    فالدولـة الجزائريـة عليلـة ونظامهـا مصـاب في لبـه وهو من أعقـد الأنظمـة في العالـم. ولا أحـد يملك القـدرة على فهمـه أو استنباط القواعـد الثابتـة من سيرتـه في تسيير شـؤون البـلاد. فرغـم توفـر جميـع المقومـات الحضاريـة التي تجعـل من الجزائـر أعظـم دولـة في العالـم إلا أن انعـدام الانسجـام بينها، ساهـم في تحطيمهـا وأعطـى الفرصـة لأعدائهـا كي يتسربـوا إليهـا عبـر نظامهـا ذي الثغـور والفجـوات. ومن أكبـر عيوبـه أنـه ما مـن مؤسسـة رسميـة، صغيـرة أم كبيـرة، إلا ولهـا قرينـة في الظـلام وراء الحجـاب، وإليهـا يعـود الحكـم الفصـل.. وهنـا مكمـن الـداء!

      يشهـد اليوم بعض "التائبين"، من الذين كانـوا يعـون ما كانـوا يفعلـون، أنهـم خاضـوا هـذه الحـرب بوحـي مـن العفـاريت العسكرييـن، ضنـا منـهم أنـهم سيعجّلـون في الإطاحـة بالنظـام الحاكـم آنذاك. أما وقد طـال الأمـد واستحـوذ العسكـر على كـل التنظيمـات المسلحـة، فقـد كانـت الغلبـة لمـن يمـلك المعلومـات والدهـاء والقـوة العسكريـة. وكذلك سنـة الحيـاة!

    وقد كتبت وأنـا تحت رحمـة الحـرارة هنـاك "بمثلث الموت" في معتقل رقـان أن النظـام الجزائـري إذا صمـد أكثـر من ستـة أشهـر فـلا يمكـن الإطاحـة بـه عـن طريـق العنف المسلـح! وهـو الوقت الـذي يسمـح له بترتيب أمـوره بعد عمليـة اختـراق صفـوف خصومـه. ولا يمكـن زعزعتـه عـن طريـق التنظيـم في الجمعيـات أو الأحـزاب، ذلك أنـه إذا عـرف أهلهـا تمكـن مـن إضعـاف شأنهـا ثم القضـاء عليهـا. لهـذا نجـده يحث المواطنيـن علـى الانضمـام إلى هـذه الجمعيـات المختلفـة التي يساهـم في إنشائهـا عن طريـق عملائـه. فهـذا النظـام قـد ورث عن فرنسـا ما به يسلـط حكمـه على أي تنظيـم مهمـا بلـغ أصحابـه مـن الحنكـة والدهـاء. يكفـي أن يعـرف من فيـه وما هـي أهدافـهم ليتحكـم فيـهم. فـلا يتوقـف أمـام أي شـيء ولا يراعـي إلّا ولا ذمـة في سبيـل تحقيـق أهدافـه أو دحـض خصومـه وتكـريس حكمـه. فهو وحـده يتحمـل مسؤوليـة حـرب قذرة أودت بحيـاة عشـرات الآلاف من الجزائـريين منذ عشـرات السنيـن. أما ما قيـل وما يقـال عـن "أعـداء الثـورة والوطـن ثم الإرهـاب والأيـدي الخارجية"، فما هي إلا مصطلحـات وألغـاز يتستـر وراءهـا قـدام الـرأي العـام لجـرّه إلى التعاطف معـه في حروبـه القـذرة ضـد هذا الشعـب المقهـور. وتلك هي لغـة الخشـب التي اعتـاد استعمالهـا لإماتـة ما تبقـى لـديـه مـن عــزة وكرامـة.