بسم الله،
السلام عليكم و رحمة الله،
وبعد،
هذه بعض المقاطع من كتابي الذي أزمع نشره مستقبلا، تحت عنوان:المأساة الجزائرية.
إليكم التوطئة:
"المأساة الجزائرية " رؤيـة شاملـة وتصـور جامـع لحـرب بـدون اسـم، أوشكت على قتل الجزائــر في ريعــان شبابهـا! قـراءة جزائـري شهـد لسعاتـهـا السامة ما يـزال حيـا يألـم جرّاءهـا شاهدا بأسهـا. حـرب أنجبتهـا الصراعــات الداخليـة، بعدما تغـذّت من فضـلات مشـارق الأرض ومغاربهـا ورعاهـا جزائريـون وأرضعوهـا حتى فطمت وشبّت على حب أهلهـا. تراهم اليوم يتبرءون منها ويلعنونها! هي محاولـة متواضعـة نبعـت من ملاحظــات جزائـري حـزيـن، مـدّة سـنين، نجـا بأعجوبـة من ثفـال هذه المطحنـة العصريـة. أرجو أن تكون هذه المحاولة مبصـرة ومنيـرة للباحثين، إخالهـا مثيـرة لعشـاق الكلمـة المفيـدة كي يكتبـوا ليدلـوا بشهاداتهـم، إحقاقـا للحق وتبرئـة للذمـة. ولئـن بدا للبعض أنـي تجنبت الحقيقـة في شيء، فليعذرونـي وليعلـمـوا أن ذاك عن حسـن نيـة. وما أنا إلا عاكس سأراعـي في النقل الأمانـة ما استطعت، على قـدر إيمانـي واعتقـادي. كما أرجـو أن يكـون هذا الكتـاب مطيـة يغـذي الحـوار الذي غـاب عن مائـدة إخوانـي الجزائريين، فأعـدم بذلك الوصـال بينهـم حتى بانـوا عن بعضهـم وارتمـوا في أحضـان حـرب قـذرة أمست تلهمهـم العـداوة والبغضـاء. فبـعد عشريـة كالحـة، انفـردت خلالهـا الجزائر بأقـذر حـرب عرفتهـا البشريـة، بقـي لي أن أقـول- دون حيـاء- إننـي لا أزال على قيـد الحيـاة لكنـي مرتـاح البـال بعـد طـول التحمل و المعانـاة ، وأنا الذي رجمتنـي آلـة القتـل والدمـار واستغنت عن خدمـاتي بعدمـا أبيت اللعب بالنـار. وأراني الآن أزر وازرة لا أطيقهـا، مضطـرا للعيش جنبـا إلى جنـب مع مـن أحـرقوا وخـرّبوا وقتّـلوا ودمّـروا ودبـّروا. أحيـا في حـرج الأفكـار الموقـدة بداخلـي، فأنفجـر ببعض الكلمـات عساهـا تريحنـي وتـروّح عن نفسي بعدمـا ارتديـت لبـاس الخـوف مـدد سنيـن. أمـر هــزّ أحشائـي ودفعنـي إلى الكتابـة زمــن الردة والخيانـة في جـو من الرعب والرهبـة وثغـر السلم يلـوح مبتسما. وأكتب لإثارة عواطف شهــود هذه الحـرب عساهـم يهتـزّون ليدلـوا بشهاداتـهم مبشرين أو منذرين زمـن "المصالحـة "! وما اختيـار موضـوع الحـرب القـذرة، إلا مراعـاة لمقتضيات الأحـوال. فهـولا يخلـو مـن عناصـر الإغـراء والإثـارة. حسبك سمـاع ليهـوى فـؤادك العليل وهوكـاف لتشـويق أصـم السامعيـن واستهـواء أمـلّ القارئيـن. وإن الخـوض في هـذا الموضـوع مثـل العراك والقتـال، صاحبـه يكوى بنـار الحـرب لكنه قد يشفـى غليلـه بنشـوة النصـر! ومنتهـى النصـر عنـدي أن أظفــر - بعد إرضـاء القـارئين - براحـة البـال وطمأنة الفـؤاد. وإذا تمكنت من تقريب صـورة هذه الحـرب وجعلت الناس يمقتونهـا، فذلك خيـر. وذلك سلاحي في هذه المعركـة التي سأخوضهـا للكشـف عـن بعـض خبايـا هذه القـذرة. الملاحظ الدقيـق لشـؤون الجزائـر الحديثـة، يـدرك أن النظـام الحاكـم يتعامـل مـع الشعب بنفس الأساليب الموروثـة عـن الإستعمار. فلقد التـزم في ذلك بالسياسـة "الأبويـة" والقاضية بتكميم أفـواه المعارضين. ففرض سيطرتـه عن طريق العمالـة والارتـزاق وسياسـة التوريط التي مكـنتـه مـن خصومـه. فأخضعهـم لسيـرة أملاهــا عليهم. وحيـن يتعـذر عليه ذلك، يحـرك بطانـة السـوء لديهم لخلـط الأوراق بإثـارة النعـرات وزرع الشكـوك. لذلك فإن هذا النظـام لا يوافق على تأسيس حـزب سياسي أو جمعيـة إلا إذا ضمـن نصيبـه أو زرع فيها عيونـه. لم تحض الجزائـر منذ انفتاحها بمعارضـة حقيقيـة تقـف نـدا تباري نظـام الحكـم، باستثنـاء الجبهـة الإسلامية للإنقـاذ بعـد أن تم "إنقاذهـا" من أيـدي عمـلاء النظـام من قبل بعض الغيورين على وطنهم. لكنها دفعت ثمنـا غاليـا نتيجـة لعقوقهـا. فقد حكـم عليها بالإعـدام، وهي الآن فـي أروقـة المـوت تنتظـر التنفيذ دون حـق الطعـن في الحكـم الجائـر. أما حـزب القـوى الاشتراكية، الذي كان يحمل بريقـا من معارضـة غير كاف لصـد الاستبـداد، فهو معـرض للصراعـات الداخليـة و"ضرتـه" السياسيـة، التجمع من أجل الثقافـة والديموقراطية، وهو له بالمرصـاد. والجبهـة الإسـلامية للإنقاذ بعد "إنقاذهـا"، راحت ضحيـة جرأتهـا السياسيـة وحماقـة بعض أنصارهـا عندما عملت على الوتـر الصريـح، فأعربت عـن نواياهـا دون التواء، متجاهلة قواعـد الدبلوماسيـة. فتعرضت بالسـوء - بشكـل مباشـر- للذين كانـوا وراء البـلاء النـازل على الجزائريين في حياتهم، فمست الجنرالات وأشـاروا بأصابـع الاتهـام للعمـلاء من "حـزب فرنسـا" وأربـاب المـال والأعمـال. وكأنهـا بذلك ألبت حولهـا قـوى الشـر ودفعت أعداءها - وهم كثـر- إلى تضافر الجهـود دفاعـا على مصالحـهم باستماتـة لا مثيـل لها. فشاهدنـا عجبـا وسمعنـا أغـرب الحكايـات عن ألـد أعـداء الأمـس، تجمعهـم الأسفـار والسهـرات يتآمـرون ضـد هذا الحزب الـذي وقـف بحـق ولكن بغير رويـة مستقبلية في وجـه هذا النظـام الطاغيـة. وكان أن انفـردوا بالحكم، بعـد أن اصطنـعوا هـذه الحـرب القـذرة ليجعـلوا منهـا غطـاء لمشاريعهم الجهنميـة! وبعـد كل الذي حـدث، هل الجبهـة الإسـلامية للإنقـاذ مسؤولـة على كل هذه الدمـوع والمآسي المحرقـة، أم أن مثلهـا مثل العبـد رهـن إشـارة سيـده ؟! فلا يجـوز للعاقـل أن يرمـي باللائمـة على أي كـان دون أن يلـم بحيثيـات الموضـوع ويقـدر الأمـور حـق قـدرها. ولننصت معا إلى السنـوات العشـرة الغابـرة تحكـي لنا مـا أبطنتـه من أسـرار. ولنقـض بعد ذلك بالعـدل ولنعط كـل ذي حق حقـه ولننصف! من خلال هذه المحاولـة المتواضعـة، سوف أجتهـد – إن شاء الله- لإزالـة بعض الغبـار عن هـذه الذميمـة القاتلـة، وأكشـف عن بعض ملامـح وجههـا القبيـح. وما أنا إلا مـرآة سأراعـي الأمانة في النقـل ما استطعـت. وسأحاول - إن شـاء الله - معالجـة بعض القضايا بالتـزام الموضوعيـة، تاركـا معشــر القــراء يرتـدون ما يشاءون مـن الحقائــق المطروحـة ..?