(3)

إعلان الاستقـلال،  البداية الحقيقية للحرب القـذرة

 

إن الادعـاء بأن الحـرب القـذرة قـد اندلعت إثـر إلغـاء الانتخابـات التشريعيـة سنـة 1992، باطـل وليس منصفـا صاحبـه. ولا هي بـدأت يوم 05 أكتوبـر 1988 إثـر مـا سمـي بأحـداث الخبـز المصطنعـة. ولا حتى سنـة 1982 على يـدي مصطفى بويعلي وأنصـاره مـن الثائريـن ضـد النظـام الجزائـري المتعفـن. فما هـذه التواريـخ وغيرهـا إلا محطـات كشفـت عن قليـل من المعانـاة والشقـاء التي ذاق أغلـب الشعـب الجزائـري ويلاتـه، حتى بلـغ درجـة خطيـرة من القنوط. فالحـرب القـذرة، إنما نشبت عند نهاية الحـرب المقدسـة فإعــلان الاستقـلال، متوعـدة السـواد الأعظـم مـن الجزائرييـن بالحيـاة الكالحـة تحت سيـاط الاستعمـار الجديد وتحت إمرة جبهة التحرير التي كان لها الشـرف في رفـع لـواء النصـر. الا أن أهلـه قد غفلوا حتى استحـوذت عليه قـوى الشـر فحكمت الجزائـر بالحديد والنـار باسمـه. والغريب أن هذا الشعـب قد رضـخ لجميـع أشكـال الـذل والهـوان، وكأنه يفضـل ظلـم أبنـاء عمومتـه علـى قهــر أعدائـه من المرتزقـة المعمّرين! وبلـغ اليـأس مـداه ليتحـول الاستقـلال إلى نقمـة، حتى غـدا عند الجزائـرييـن رمـزا للقهــر والعبوديـة. وذهب الكثير إلى القـول أن عمليـة الاستقـلال ما هي في الأصـل إلا خدعــة حربيـة لإخـراج الشعـب مـن استعمـار وقهـر الفرنسيين إلى استغـلال وعبوديـة حـزب فرنسـا من الجزائريين وباسـم الوطن والثوابت الوطنيـة. اعتقـاد لا يخـلو من الصحـة بالنظـر إلى الحاصل الناتج  بعد أربعين سنـة من الاستقلال المقنـع!

  هكـذا يعـود السـؤال التقليـدي إلى أذهـان العامـة والخاصـة : هـل بقـي للاستقـلال معنى إذا بقيت أعنـاق الشبـاب مشرئبـة إلى قتلـة آبائهـم وأجدادهـم وينافسونهـم في أنمـاط عيشـهم، نابذيـن قيمـهم وأعرافـهم التـي هـي من أسبـاب بقائـهم ومن دواعـي حربهـم؟؟ ألم يكـن من الأحـرى لهـم - في هذه الحـال -  أن يقبلـوا فكـرة الاندمـاج مـع الفرنسييـن ويكتفـوا بالتسـاوي فـي الحقـوق والواجبـات لينعمـوا برغـد العيـش ويحتمـوا بقـوة فرنسـا وهيبتهـا بين الأمـم، وهـو مـا يصبـو إليـه - بكل أسف -  معظـم من يـدب فـوق أرضنـا الطاهـرة التي عمتهـا القـذارة بفعـل هذه الحـرب المصطنعـة ؟ وقد كـان هذا ممكنـا منذ زمـن الاستعمـار وهو من اقتـراح فرنسا نفسها وتبنـاه بعض الجزائريين أمثال فرحـاة عباس من الذين لا يزالـون يسألـون السهـول والجبال والقبـور عن بلـد اسمه "الجزائـر"! فلا هم سمعـوا الجـواب ولا هم وجـدوا البـلاد! والقلـة من الذين كافحـوا الاندمـاج والانسـلاخ هم مذ ذاك عرضـة للإسعبـاد والمسـخ بعد ما ذاق أسلافهم مـرارة الاستعمـار والاستدمـار.

 

  من الاستعمـار الفرنسي إلى العبوديـة الجزائرية.

 

 - "هـذا الكـلام حـق ومثلـج للصـدور ولكنـه خطيـر ومثيـر ولم يحـن أوانـه بعد. وقد يجلب لك الضـرر لنفسك وأهلك، فـلا تعبـث بالنـار"، قال لي أحـد أصدقـائي النائميـن على قـول الحق مثلـي. فالرجـل، حين سمـع هذا الكـلام، أصابـه الذعــر، لأنـه لم يألـف هذا الأسلـوب الصريـح. فلم يكـن يسعنـا - قبـل اليوم- أن نتجـرأ على الخـوض في موضـوع كهـذا أو نشكّـك في استقـلال تشوبـه الّريب منذ الإعـلان عنـه بعد أن "فهمنا" الجنرال ديقول!!

   فكلنـا نعلـم كيف تحقق هـذا الاستقـلال في تلـك الظـروف الغامضـة ومـا أحيـط بـه مـن شبهــات قبـل وأثنـاء المفاوضـات مـن أجـل تقريـر المصيـر. لكـن لا أحـد يتجـرأ على إعطائـه حقـه من الدراسـة والتحليـل فيجلي ما توارى عن الشعب من النوايا الخبيثـة والمقاصـد الدنيئـة. وهنـا يحضـرني ما قالـه الجنرال ديقول معلنـا عـن بعض نوايـا فرنسـا: " لقـد آن الأوان لجنـي الثمـار عـن بعـد".وهو يعني بذلك فـرض التبعيـة الشاملـة على الجزائـر دون بقـاء القـوات المسلحـة فوق أراضينا.  والرجـل يحب بـلاده ويعبدهـا لكنـه يمقت بـلادي ويلعنهـا. لذلك سعـى مستميتا إلى استقلالهـا - بعد أن فهمنا- ليجنب بـلاده ويـلات هذه الحـروب القـذرة التي هي الآن على أبـواب فرنسـا بل هي في عمق "الضواحي" لمدنها! والرجـل ذكـي جـدا ويـرى أبعـد من حكامنا لما دعـم معاهـدة إفيـان التي كرّست التبعيـة وقنّعت الاستقلال. فلولاه ما ذاقت  فرنسـا طعـم الراحـة والاستقـرار ولأصابها ما أصابنا ولما أحـرزت مكانها بين الأمـم! من هنا يمكن القول أن فرنسـا هي المستقلـة لا الجزائـر!

   وليعلـم صديقي العزيـز أن لا استقـلال ولا حريـة مـا دمنـا في اتباعيـة عميـاء ولا شـيء يميـّزنا عن الذيـن مـا نـزال نعتبرهـم أعـداءنا. وقد كـان جديـرا بنـا - في حـال اختيـارنا العيـش في حريـة مطلقـة- أن نبقـى فـي كنـف فرنسـا بعيـدا عن الالتـزام بقواعـد الأخـلاق والسلوك وما تمليـه علينا منظومتنـا من الديـن والعـادات والتقاليـد التي نزعـم أننـا نقدسهـا. وكان بوسعنـا – والأمـر كذلـك- أن نربـح عشـرات السنيـن من الـدوار في حلقـة مفرغـة، باحثيـن عـن حلـول لغـدنا، بعيـدا عن أمسنـا  مبتورين من أصولنا.

   يفهـم مـن هـذا أن الاستقـلال نقمـة على الشعـب الجزائـري، وما هـو إلا عقوبـة قاسيـة سلّطت على الجزائريين الذيـن سانـدوا الثـوار والمناضليـن مـن أجـل العيش الكريم في ظل الحريـة!! وهذا صحيـح إلى حـد بعيـد، علـى اعتبـار ما يحـدث هـذه الأيـام في أوسـاط الشبـاب الذيـن يفعلـون كل شـيء من أجـل الظفـر بإقامـة بفرنسـا، ناهيـك عن الذيـن يسعـون إلى حمـل الجنسيـة الفرنسيـة عينهـا بعـد أن كـان ذلك ضـربا مـن ضـروب الـردة والخيانـة. بل هو عند خاصـة المسلمين كفـر وعـار وخـروج عن الملـة. 

    مثـل هـذا الكـلام، قد لا يستوعبـه مـن تشبـع إلى الثمالـة بالعصبيـة القوميـة، هـذا الوبـاء الخطيـر على الإنسانيـة، كمـا ينعتـه أينشتاين. وصديـقي من هـؤلاء المتعصبيـن، لا يـزال يعتقـد أنـه لا يحـق لغيـر"العائلة الثورية" أن تمـارس الحكـم في هـذه البـلاد. وهـو يعلـم أن الـذي أوصلنـا إلـى ما نحـن فيـه من أزمـة وتوتـر في العلاقـات، يعـود - في أساسـه - إلـى إحسـاس السـواد الأعظـم منّا  بالإقصـاء والتهمـيش.

    قـد يستـاء صديـقي وأمثالـه مـن هذا الموقف ويرمينـي بالخيانـة والعمالـة وهو أمـر يسيـر. ولكن لـو فكـروا جليا لشاطـروني الرأي ولتأكـدوا بأنفسهم أن مثـل هـذا الموقـف يمليـه ما نحـن فيـه مـن الظـروف القاسيـة التي نعيشهــا في بـلاد أنعم الله عليها بفائض من الخيرات. وهـم يعلـمـون يقينـا أن الـذي نحـن فيـه مـن السقـوط والهـوان، ما هـو إلا ثمـرة مـن ثمـرات استقـلال مقنـّع. وأن حالـة الحـرب هـذه، مـا هـي إلا انفجـار منطقـي بسبـب تعبئـة مشحونـة، خطـّط لهـا منـذ أمـد بعيـد فولّـدت هذه الحـرب القـذرة.

    فهـذه الحـرب القـذرة، لا تكمن في الاعتـداءات المنظمـة علـى المواطنيـن العـزل ليـلا وعلى حيـن غـرة، فيذبّحـون مثلمـا يذبّـح الكبـاش ثم تلـقى التهمـة على الجماعـات المسلحـة المنعوتة  بالإسلاميـة!  أمـر أمسـى عاديـا، لكن لا أحـد يصدقـه! خاصـة وأن من الضحايـا - على العمـوم - مـن كانـوا أنصـارا للنزعـة الإسلاميـة أو متعاطفين معها أثنـاء تلك الانتخابات الكاشفـة الفاضحـة! فلـم نسمـع يومـا أن تجمعـا سكنيـا معاديـا لهـذا الحـزب المطعـون قـد أصيـب أهلـه بـأذى في أموالـهم أو أنفسـهم. ولم يبلـغ إلينـا أبـدا أن مـن أعــداء هـذا الوطـن أو مجرميهـا من شـدّ عليـه الخنـاق طـوال هـذه الأزمـة المتواصلـة! بل إن هؤلاء قد عاشـوا عيشـة الموفورين وزادوا ثــراء على ثـراء طـوال مـدة التناحـر بين المسلمين!  فـي المقابـل، يشهـد الجميـع أن القتـل والدمـار لا يلحـق إلا الأبـرياء وأمـلاكهم ممن لا ذنـب لـهم إلا أنـهم أعلنـوا الـولاء لمـن يخالونـهم على حـق. فـزادوا فقـرا على خصاصـة وقتلا على مـرض!  ولم تستثـن هـذه الآلـة القاتلـة الأجـانب من الذيـن جـاءوا في مهمـات علميـة أو اقتصاديـة أو حتى دينيـة، بل إن القائميـن على شـؤون هذه الآلـة صبـوا جم غضبـهم علـى النزهـاء منـهم ومـن الذين بقـوا يحسنـون الضـن في ضيافـة الجزائـريين. وهـي رسالـة واضحـة إلى الـرأي العـام العالمـي كـي يتراجـع عـن موقفـه المسانـد لحـق الدفـاع عـن النفـس الذي وقفـه أول مـرّة بعد إعلان حالة الطوارئ إثـر انقلاب 92 المشؤوم .