- التفاصيل
- كتب بواسطة: وائل المنزلاوى
- الزيارات: 18
التراتيل الخاشعة تغوص فى البحر الأصفر الكبير, تتلاشى........ ( اجعلنى على خزائن الأرض إنى حفيظ عليم) قال يوسف النبى فى يوم قريب, لكننى لم أعد أشم ذلك اليوم, ولم أعد أرى السبع بقرات السمان, حتى البقرات العجاف إلتهموها وحدهم و تركوا لنا جماجمها...... أرى النيل يغرق فى البحر الأجاج, يغوص, يندفع نحو الأنياب المسنونة القابعة فى القاع, أمد يدى كى أخذ منه شربة قبل أن يغرق تماما, أقربها من فمى, تخترق الروائح المتعفنة خياشمى, أقذف المياه النتنة فوقهم, يرقصون و يضعونها فى زجاجات صغيرة يعلقونها فى رقابهم...... ما زالوا يزحفون نحوى بآلاتهم المعدنية, يقتربون من نبتة الصبار الخضراء التى بقيت بين التلا ل الرملية-لكنها بلا أشواك- يدوسون عليها, يسحقونها تحت عجلات آلاتهم ويزحفون من كل اتجاه, يلتفون حوله, يصنعون دائرة كاملة تحاصره, الدائرة تصغر, يقتربون منه, آلاتهم المعدنية تغرس مخالبها فىأحجاره....فى ذلك اليوم البعيد جاء طائر أسود, لم أدرى هل جاء من عند إخوة يوسف أم جاء من تلك البلا دالبعيدة الكائنة خلف المياه المالحة, رغم أنه كان يغتال العصافير الصغيرة إلا أننى تركته, تزوج من طير أبيض شريد, أبناؤه الرماديون أكلوا الطيور البيضاء, ثم بدأت تلك الروائح الكريهة تنبعث من كل مكان, لم أعد أستطيع تحديد مصدرها, ومنذ ذلك اليوم وأنا كل يوم أرانى أحمل فوق رأسى خبزا تأكل الطير منه..... ما زالوا يلتهمون فى الأحجار, أشعر أننى سأقع تحت كعوب أحذيتهم بعد لحظات قليلة, أنظر إلى أبى الهول بأنفه المقطوعة: ألم ينحتوك لكى تحمى الأهرامات, فلماذا تتركهم يفعلون ذلك؟ لو صرخت فقط لامتلأوا رعبا و ولوا فرارا, أم أنك حجر أصم أبكم؟...... العربات واللوريات تزحف هى أيضا, تحمل فوقها الطوب الأحمر والأسمنت والزلط, فوقها تحلق سحب الغازات النتنة, يقتربون والهرم يرتجف من تحتى, يميل على جانبه الأيسر, رئيسهم يحمل فى يديه نموذجا لناطحة سحاب سوداء, تقف فوق سطحها قاعدة سداسية تحمل طائرا اسودا عملاقا, يزداد ميل الهرم, تنزلق قدمى, أتشبث بيدى فى احدى أحجاره, وأبقى معلقا.....
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أيمن جعفر
- الزيارات: 20
تصدير : ـ
" حينما نفقدُ المكان و الزمان .. تكون غربة !
حينما نفقدُ الأحبّــــة .. تكون غربة !
و حينما تتصحَّـرُ الأحاسيس .. تكون كذلك غربة ! "
أ.ج
***********
في السماء اللازورديّـة تتدثر الشمسُ الكسلى بالسّـحب المكفهرّة ، التي لا تختلف ُ كثيرا ً عن أحاسيسه هـوَ . يجوبُ شوارع لندن وحده ، و يصافح وجوه الناس و يلحظ تلكم الإبتسامة المرتسمة على شفاههم ، فيما هو قد هجرته الإبتسامة مذ أمد ٍ بعيد !!
كان يسيرُ لا يلوي على شيء ، لا لشيء ٍ سوى صرف بضع الوقت أو ربما البحث عن شيء ٍ ما هو بحاجة ٍ له اليوم ، لكنه لم يتعرَّف إليه على وجه الدقة . خطوات ٌ سريعة و أخرى بطيئة أو لنقل فوضويّـة بعض الشيء ، و هو أمر ٌ لا يبدو له ذات أهميّــة فما يشغله الآن ، يجعله
في بعد ٍ عن الإلتفات له . دونما تخطيط ٍ مسبَـق ، و صدفة ً ألفى نفسه أمام المقهى اللندنيّ الذي يهوى ، فوجدها فرصة ً لإرتشاف فنجان قهوة ٍ في هذا الجوّ البارد .
طلبها ـ أي القهوة ـ مرَّة ً كما يحلو له ارتشافها ، قطرة ً قطرة ً ، متجرّعا ً مرارتها ، و متذكرا ً
ما يسعه الوقت بتذكره . هذه المرّة ، و رفقة َ القهوة تذكرَ ما كان من أمره مذ قرابة السّـاعة ، إذ تذكرَ سؤاله المباغت له ، و الغريب : " لماذا الحبرُ مرٌّ ؟؟!! "
يتذكرُ أنّــه أجابَ في قرارة نفسه ، بتحليل ٍ فلسفيّ ، أقربَ إلى التشاؤميّ منه إلى التفاؤليّ ، بأنَّه كذلك لأنَّ الحروف تصطبغ ُ بالمرارة و بطعمها ، جرّاءَ غَرْفها من أحاسيس مرّة دائما ً .
لكنه استدركَ،حينها ، ببطلان الحكم على الأحاسيس بالمرارة دوما ً ، و حكمَ ـ في مثل هذه اللحظة ـ بأنَّ الأحاسيسَ لا تكون في كلّ الأحوال كذلك ، مرّة ً !!
اهتدى إلى استنتاج ٍ آخر يفضي إلى أنَّ الأمور تنالُ دوما ً بكلّ ما هو مرّ ، فالصبر المعتَصـم به لنيْـل ما تصبو إليه النفس مرّ ، و كذا كل شيء .
سخرَ في ذات نفسه ، و هو يتذوّق مرارة القهوة ، فحتى هذه القهوة التي يرتشفها
صباح \ مساء مرّة الطعم !!
الرياحُ تداعبُ خصلات شعره ، و تعبثُ بأوراق كرّاسته التي يدوّنُ فيها كتاباته بفضوليّـة جليّـة . انتبه ، ثم ما لبث َ أنْ وضعَ يده عليه لئلا تتطاير ورقة منه، و حرمَ بذلك الرياح من لذة فضولها . حدَّقَ العنوان في عينـيْـه : " أحاسيس ٌ صحراويّــة ٌ " . تساءل في قرارة نفسه عن أيَّـة ساعة ٍ من ساعات الإلهام أو الهذيان حتى ، تلك التي فيها اختارَ هذا العنوان !!!
لِــمَ اختارَ ـ بادئ ذي بدء ـ أوّل كلمة " أحاسيس " ثم أتى على وصفها بالصحراويّــة ؟
أيَّــة أحاسيس ٍ هي ذي الصحراويَّــة الشكل و المضمون ، و أي طعم ٍ لها ؟
أهي َ كقهوته هذه مرّة ٌ ؟
و لماذا عَــنْوَنَ كرّاسته ،التي يعتبرها مسْوّدّة ً لكتاب ٍ جديد ٍ له،بهذا العنوان ؟؟
استثارته تلك الأسئلة ، و حرّكتْ فيه الرغبة لتصفح كرّاسته . تصفحها بتؤدة . ادلهمّـتْ
أحاسيسه على نحو ٍ غريب . اختنقَ .. امتعض َ .. تواثبتْ مشاعره ، و ترانيم حزينة مفجعة ذات صدى في قلبه تتعالى . صفع َ الكرّاسة في لحظة لا وعي ، و تركَ ثمن الحساب ،
و استأنف مسيره الفوضويّ !!
إذ ذاك شرعَ المطرُ اللؤلؤيّ بالتساقط ، و على حين غرّة سمعَ بصوت ٍ غير مسموع :
" أتعلمينَ أيَّ حزن ٍ يبعثُ المطر ؟
و كيف تنشجُ المزاريبُ إذا انهمر ؟
وكيف يشعرُ الوحيد ُ فيه بالضياع ؟
كالدم المراق بلا انتهاء ٍ ـ كالجياع ! " (1)
تكهربت روحه على وقع هذه الأبيات ، و لا يدري أيّــة دهاليزَ سلكتها تلك الأبيات في قلبه ، لتوقظ أحزانه الغافية ، و التي شرعت في الإنهمار ، تماما ً كالمطر !!
أيَّ حزن ٍ يبعثُ المطر ؟؟!!
و كيف يشعر ُ الوحيدُ فيه بالضياع ؟؟!!
زلزلته هذه الكلمات ، جعلته يسيرُ ببطء .. يتنكأ جراحه التي تنزّ سيولا ً . يحدّقُ في المطر .. في حزنه و في غربته . إذ ا ً فالمطر مثله حزين ٌ و غريب . ترى أوَجَدَ ـ أخيرا ً ـ حزينا ً و غريبا ً مثله ؟؟
المطرُ يغتربُ عن وطنه السماء ، يأتي إلى الأرض غريبا ً ، في كل مكان يأتي ، يجده في الشوارع ، و على الأرصفة ، يلتصق بالنوافذ و الأبواب ، على المعاطف و الملابس ، على المصابيح و الأشجار ، و في كل مكان .
يأتي المطرُ و تفرحُ به العناصر ، و ترقص لمرآه النباتات ، لكنه حزين ، و يشعر بالغربة . برودة غربة ٍ تسري في أوصاله ، لا تدفئها أيَّـما حرارة ٍ على الأرض ، فيظلّ المطر دوما ً
باردا ً ، فيما هو بالداخل يحترق .. و ينتحب . ربما شفقة ً عليه تنتحبُ الرياح .
" المطر أبيض ٌ
و كذلك أحلامي .
تُرى هل تفرّق الشوارع بينهما ؟
المطرُ حزين
و كذلك قلبي .
ترى أيهما أكثر ألمـا ً ...
حينَ تسحقهما أقدام العابرين ؟" (2)
تومضُ تلك الأبيات في عقله . تغتالُ تفكيره . يلعنُ في ذات نفسه حفظ الأبيات هذه و تلك التي
تهيّـجُ مشاعره ، و تجعله في حالته هذه .
يفكرُ أكثر بالمطر ، و بغربته . المطرُ يهطل غريبا ً و حزينا ً ، مثله ، يعاني الحرمان و يقتله الحنين كذلك مثله . بَـيْـدَ أنَّ المطرَ يموتُ غريبا ً كذلك حينما تنطفئ روحه ، فهل يموت هو كذلك غريبا ً ، محروما ً من قطعة أرض ٍ في وطنه ؟؟
تنتفضُ روحه ، و استحالت الصورُ وحوشا ً كاسرة ً تنهشه ، و تطعنه بلا رحمة . فهل يموت هو كذلك غريبا ً ، مثل المطر ؟
هل تنتهي غربته هذه في لندن بالفناء ، و تنطفئ جذوة حياته في هذه الأرض الغريبة ؟؟
انتفاضته تزداد ، و المطر يفتح ذراعيه له . يضمّـه و يهمسُ فيه بأنها الغربة .
منذ أنْ وطأت قدماه هذه المدينة ، للدراسة ، و هو على أمل العودة للوطن ، و هو يتجرّع كؤوس الأيّــام العلقميّــة ، و يمنّي النفسَ و يقول : " غدا ً أعودُ و أنسى "!!
تراه ُ هل لا يعود ُ و في غربته ـ بعدُ ـ يُنسى ؟؟
كانت الساعات ُ سلحفاة ً تعبرُ مسارات الوقت ، و حياته ليلٌ بلا فجر ، و بلا قمر !!
صباحاته مظلمة ٌ لا شمسَ فرحة َ فيها تشرق ، و قلبه أرضٌ ملغومة ٌ بالألغام تتفجّـر بين الفينة و الأخرى . الآن تتراءى له الصور السوداء الحزينة ، التي بعثها المطر إليه ، و راقبَ
بمقلتيه الروحيّـة كيف وجدَ الأمل نفسه عابرَ سبيل ٍ ، غريب ، على أرصفة قلبه يتسكع !
في كلّ ليلة يكتبُ في كرّاسته جملة " غدا ً أعودُ و أنسى " . ترى أيَّــة جملة ٍ سيكتبها الليلة ؟
أسيكتبُ : " لا .. لا .. لا لن تعود .. فاحزن أيها القلب و متْ أسَـفا ً و أسى " ؟؟
يلفّ وجهه شحوبٌ غريب ، هو ناجم ٌ قطعا ً عن شعوره باحتماليّـة موت الأمل في داخله ، هكذا
فجأة ً ، و بكل بساطة !!
ألسنا نزرع الأمل في القلوب ، و الحلمَ نرعاه طفلا ً و شابا ً و كهلا ً و شيخا ً في العقول ، و نشذب مشاعرنا و نهدهدها بهذا الأمل ؟
فما حالنا إذن إذا أصبحنا ذات َ لحظة ٍ لنجدَ حديقة الأمل التي غرسنا شتلاتها ، و رعينا أشجارها ، و سقينا بدم الحرمان نباتاتها ، و سَيَّجْـنا أطرافها ، أصبحتْ يبابا ً كالصَّـريم ؟!
و ما حالنا إذا وافانا خبر موت الفجأة لحلمنا الذي أحطناه برعايتنا و حناننا ؟؟!!
لا شيء يعادلُ الفَـقْدَ المباغت ألما ً . و لا شيء أمضّ من الموت غريبا ً .
أزاحتْ ذاكرته الستار عن ذكريات يومه هذا . اليوم عيد الفطر ، و كم تمنى أنْ لو تلقى تهنئة من أيّ شخص ، فالجميع في الوطن حبيبه . لم يتلقَ شيئا ً ، لا اتصالا ً ، لا رسالة ً في هاتفه أو في بريده الإلكترونيّ . حتى حينما أمسكَ بزمام المبادرة ، و أرسلَ لأكبر عدد ٍ ممكن ٍ منهم الرسائل ، لم يتلقَ الرد . اتصل بأهله صباحا ً ، لم يردّ عليه أحد . لا يدري لمَ .
الإحتمالات عدّة ، لكنه لن يقف عندها بكثير من التساؤل . المهم أنّــه لم يتلقَ اليوم تهنئة ً .
لم يشاطره أحدٌ فرحة العيد . لم يجد أيّـما شيء من مراسم العيد .
لا زال ـ إذن ـ وحيدا ً ، يحتفل مع روحه المكلومة بالعيد . يتذكر هذا و يلوحُ طيف سؤال ٍ عن
هؤلاء الذين تزدحم بهم شوارع مدينة الضباب تحت بكاء السّـماء و غربة المطر :
" مَـنْ هنا سيهنئه بالعيد ؟
مَـنْ يحفلُ لأمره ؟ مَــن ْ يتصدّقُ عليه بابتسامة ٍ أو نظرة ٍ رؤوم ؟ "
يطعنه احساس الغربة هذا . فما الذي يعني لهؤلاء عيد الفطر ؟؟
المطرُ الغريبُ يبكي ، و لا أحدَ يحفلُ له . الرجال و النساء يحتمونَ بالمظلات و يدعونه ينهمرُ مدرارا ً ، دونما اكتراث ٍ به . الأطفال الصغار يستقبلونه بالفرحة ، و يلعبون .. يفرحُ هو لبعض الوقت ، لكن سرعانَ ما ينصاعونَ لأوامر آبائهم و أمهاتهم بالكفّ عن ذلك . يتركوه وحيدا ً مجددا ً ، غريبا ً . في هذه المدينة التي لا يربطه بها سوى ارتباط وجوده الجسديّ فقط ، كيف له الإحتفال بالعيد ؟؟
تتابعت خطواته ، و عقله يسبحُ في الذكرى ، و يغرق في تأملاته . عبثا ً ، مشيه ، وجوده .
و كل شيء هنا لا يجلبُ له النفع ، فما قيمة ذلك أمام لحظة ٍ في وطنه ، و بين أحبته ؟؟!!
يستعرضُ أشرطة أعياده الماضية ، و يسبر غوْرَ سعادته آنئذ .
صوت أمه ، و هيبة والده ، و ( العيديّـة ) التي فرحَ بها في صغره ، و همسُ ابنته الوحيدة
و تلعثمها و هي تقول له : " بابا .. عي .. عيدك .. مبا ..آآ .. رَّ..ك .. مبارك " .
و زوجته ، و أصحابه ، و أهله ،و كل شيء في العيد يتذكره . تتفجّــر الصورُ بركانا ً .
يختنق . عبثا ً يحاول كسرَ اسار
هذه الصور العذبة وقتها ، السميّــة الآن !!
توقفتْ الأمطار عن التساقط ، فيما لو تتوقفْ أمطارُ الذكرى التي ما فتئت تتساقط سوداء .
أفاقت الشمسُ و نزعتْ عنها جلباب السحب . نظرتْ إليه برقة ٍ ، بَـيْـدَ أنه لم يحفل لأمرها
فقد كان جافلا ً ، مفكرا ً في غربته و موت المطر !!
ربما خرجَ اليوم ليحتفل بالعيد ، و ليمنح القلم اجازة ً لبعض الوقت ، لكنه الآن يجدُ في نفسه
ما يستحق غَـرْفَـه و تدوينه في كرّاسته " أحاسيس صحراويّــة " و ربما اهتدى إلى كُـنْـه اختياره لهذا العنوان .
( تمَّـــت )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ماهر نصرت
- الزيارات: 16
لم أكن أعلم في بادئ الأمر أن في تلك الحفرة القذرة تقبع امرأة حسناء يتملكها الرعب ، بعد أن شاهدت أحد الجنود يرمي بجسده هناك ، بعيدا"عن جحيم قاذفاتنا وعنفوان دويها … كانت أعمدة الدخان تتصاعد من مصفحات تناثرت بجثث طواقمها على الطريق وألسنة اللهب تلتهم بشراهة بقايا أكوام الحطام ، أقتحمت الأدغال لأقف فوق تلك الحفرة المتطرفة كمغوار ثائر ، أصوب فوهة بندقيتي إلى صدر من بداخلها وأردد بصوت عنيف كببغاء ضجر مالكه عبارة ( out … out … out … ) .
وجدتها ترتجف كالذي يساق إلى حبل المشنقة وتتوسل بهلوسة كلمات لم أعي معناها وهي تنظر نحوي مثقلة الدموع ، مهدمة القوى ، وكأنها توغلت في عمق نفق مهجور تتوارى خلف جدرانه وحوش البرية وأشباح المقابر.
كان هناك صوت بعيد لطائرة تقترب ورفاقي المحاربين رحلوا بنصرهم وهتافهم يشقون طرق الأدغال المنحدرة نحو حافات المياه وجحور الأمان …
أدركت في لحظة من الرأفة أيقظت بقايا إنسانيتي بأني قد غدوت جلاّدا" للجمال والرقة … فها هي فتاة في ربيعها السابع عشر ذات عينين زرقاوين وخصر ممتلئ وبشرة شقراء فاتنة ، تتقرفص مرعوبة في حفرة مليئة بالحشرات ، وقفت حائرا" أمام ذلك الكائن العجيب تتملكني الشفقة وتذكرت شهامة والدي في القتال يوم أمسك أسيرا" مهشم الساق ، فحمله فوق ظهره أياما" متواصلة ليوصله إلى المفرزة الطبية خلف جبال (ميمك) ومنذ ذلك الحين وأبي يتألم من فقراته … رحت أطمئنها بكلمات متعثرة وبشيء أعرفه من الإنكليزية ، وأزيز الطائرة يقترب …
أحست بالأمان قليلا"بعد أن مددت لها يدي لأخرجها من قبرها ، رفعتها إلى السطح وتزحزحت عنها متصرفا" بأخلاق رجل أصيل يصون حرمة امرأة ، أمرتها بإلقاء السلاح والانطلاق أمامي بسرعة في الأدغال ،
كنت معجبا"بجمالها … أتأملها أثناء المسير ببصر محروم وروح معّذبة ونسيت أنها من أعدائي ، أحسست برغبة عظيمة تشدني نحو أسيرتي … أحاول أن ألتصق بجسدها الأشقر … أرتشف من شفتيها حرمان الماضي وأهرب بنشوتها بعيدا"عن تترية الحاضر … أتشرنق بحنان امرأة تلملم شظايا كياني وتوقظ إنسانيتي من سراديب غفوتها …تحملني فوق بساط أنوثتها مجردا"من مخالب شقائي وتقذفني كعنصر جديد للطبيعة .. أنجذب .. أمتزج .. أتحد مع مكوناتها كإنسان له مشاعر يهوى الحب والرقة ويهرب من العنف والهمجية ، الحب … ذلك الشيء الأسطوري الذي أدركته منذ مراهقتي ،كنت أقف لتلك الرائعة ( بثينة ) أبنت جارنا عند مفترق الطريق بشخصية هندسية مزيفة كأني مدير مصرف أو عالم ذرة أنتظر قدومها بشوق ( كانتظار الضعيف للرحمـة ) وعندما تغدو أمامي بجسدها اللعوب وهي تتوسط رفيقاتها الطالبات أتوغل لحظتها في صراع مع ذاتـي أكافح عبثا" كي أصحح خفقات قلبي المضطرب التي لازمتني ليومي هذا بما يعرف طبيا"( بارتجاف الأذينين المزمن ) ، قذفت لها في أحد الأيام أقصوصة كتبت فيها ، ( أنت أيتها السمراء الرائعة … يامن تعتقلين روحي وراء قضبان الحب حيث اللوعة والضمور… بدأت ذرات جسدي بالتفكك وأواصر مداراتي بالتباعد فأرحميني قبل أن أتناثر متلاشيا ) ، أجابتني بأقصوصة هي أيضا" أرسلتها بيد أبن أختها فراس الملعون الذي أصبح طبيبا" للعيون فيما بعد ، كتبت فيها ( أنتظرني أيها المخترع ، سأتحد معك بذراتي وأمنحك فضاء آت مداراتي ونصنع قنبلة ذرية ) ، وقبل أن أكمل سيناريو حبي العذري الجميل (لبثينة ) شاء القدر أن يقذفني في أعاصير أعوام قاسية لم أجد فيها غير صواعق الحرب ودوي الدمار فقدت فيها انطلاقة شبابي مرابطا" فوق قمم الجبال وتحت سقوف الملاجئ حيث الرهبة والخوف ، أرتجف بردا" وأتضور جوعا" وأحشو مدفعي بآلة الموت الجهنمية لأطلقها صوب المدى حيث الأعداء كما يدعون ..
وأزيز الطائرة يقترب …
كانت طائرة مروحية وها هي فوقنا مباشرة ، تطلق صوتا" يزلزل الأرض ويتحدى الطبيعة ، تتأرجح تارة" بإعصارها الجارف قرب قمم النخيل ، وترتفع تارة" أخرى مستديرة بعنف تطارد خطواتنا بضراوة ... كنت وأسيرتي نقفز مسرعين فوق أحراش ملغومة بالحفر والأفاعي أحاول أن أختبئ وإياها بعيدا"عن منظار قناّص مهلوس يرتشف من زجاجة شمبانيا على ما يبدو وضعها بجانبه في قمرة القيادة رسمت عليها صورة لراقصة عارية ، يريد أن يفجر رأسي برصاصة تحيلني إلى ذكرى 0
أخذت الطائرة ترشقنا بوابل من الرصاص وتكبح جماح خطواتنا المتعثرة أصلا" ، تيقنت في لحظة يأس بأني لم أنجو بهرولتي المتسلحفة تلك من أرنبة ذلك الصحن الطائر ، حزمت أرادتي كمحارب يتقدم نحو الموت بخطى" ثابتة وخبأت فارسة أحلامي في حفرة منزوية خلف نخلة عجوز وتحصنت وسلاحي بساتر متواضع أستعدادا" لملاقاة أعدائي …
حان وقت المنازلة ، وهاهي الطائرة تقترب مني كصقر ينقض على فريسة ، وجهت بندقيتي المتخلفة نحوها وكنت أعلم بأني أحتاج إلى معجزة لكي أسقط تلك القلعة من عليائها ، وقفت عنيدا" خلف الساتر ألتزم بموقف تحد غير متكافئ وأردد بكبرياء ( أهلا" بالموت أن كان هو السبب الوحيد الذي يعيد لمدينتي كرامتها ) .
وأنا منشغلا" بضبط بندقيتي ( آلة المصير) شعرت بصعقة كهربائية مرعدة وخزتني في مؤخرة قدمي ، زلزلت جسدي وأشلّت حركتي ، أدرت رأسي إلى الخلف كثمل أفرط في شرابه وأذا بأسيرتي الحسناء تحمل قضيبا" رماديا" كالذي يستخدموه في صعق أجساد السجناء … أدركت أنها النهاية وحاولت عاجزا" أن أسدد فوهة بندقيتي لرأسها لكنها سبقتني في خطف السلاح من يدي ولكمتني بقوة على مؤخرة رقبتي ، وبحركة متمرسة أطلقت شعلة تنوير حمراء ، هبط على أثرها ثلاثة جنود كأنهم رواد فضاء ، حملوني على عجل فوق سرير مشبك أنزلوه معهم من السماء ومن ثم إلى المعتقل حيث أكاديمية الخلاعة الأمريكية وغموض المصير.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: وسيم دويكات
- الزيارات: 18
قلت لنفسي: "كلمتا غزل من عاشقة مراهقة دمرت منظومة الأمن أو كادت، كسرت الأسوار وانطلقت إنذارات حارة. هو كذا الحب يدمر يزلزل ويفضح. هو أنت الذي لا تطيق الغزل".
*
وجلستَ، ارتميت بعبارة أدق. تنبشُ جريدة في حضن "الجورة"*. تقرأُ ضَجِراً لتهرب من لهب الحاجز وغبار الشمس، حتى الشمس هنا ترتدي الغبار كسلاً. تقرأ ... لتعرف، لتحلل، لتنسى على أقل تقدير.
كيف تهرب؟! ولا تستطيع الحراك من "جورتك" التي تزوجتْكَ غصباً وطمعاً في هندامك. "الجورة" كالنساء، تغار من بضع صبايا ستلتقيهن بعد ساعات على هامش ورشة عمل قصدتَ رام الله لأجلها؛ فكرة مجنونة راودتك.
*
لحظة جنون، تداعيت فيها إلى ذاكرتك اللعينة. تذكرتَ أنها قالت لك ذات لقاء: "عيناكَ جميلتان وخبيثتان كعيون رجال المقاومة"، قالتها فأصيب أمن دولتهم في مقتل.
"نعم سمعوها، والله سمعوها" تقول في نفسك وترفس التراب عند موطئ قدمك. معك حق، فمخابراتهم لا ترصد الكلام فقط، وإنما تتجاوز ذلك إلى نبضات العاشقين وهمساتهم الراجفة الخائفة. تستدرك: "نعم ... فلقد سمعت في قهوة الصباح عن إنذارات حارة للاشتباه بنية بعض البلابل التحليق والتزاوج".
اثنتان وعشرون دولة لم تزحزح عرشهم، فجاءت كلمات عاشقة عابثة لتدمر جداراتهم الاسمنتية والأمنية، لتلازمك بالتبعية لعنة الحاجز والهوية. وتقول بصوت مارسيل خليفة: "ليتني تركتها بحضن ستي عندما أوقفوني عالحدود"
بالأمس قال لك ناصر: "تأتي الحاجز، تمد يدك لتتناول هويتك، يشير إليك الجندي الأسمر: لا داعي فووووت". فرحتَ بكلامه فرحة طفولية بقرب انتهاء اللعنة.
*
تتلفن لها من جوالك الذي سرى معك ومع الندى، تنتظر جوالها المدلَّل النائم في الحرير، وبعد انتظارك تردُ أخيراً، تتشكى من إزعاجك لها في هذه الساعة المبكرة، قبل أن تشكو أنت لعنتك: "عزيزتي... منذ صارحتني بغزلك الظريف المميت ولعنة الحواجز بانتظاري دوماً، لا أكاد أمر على حاجز إلا وأُصلب، حاجز رئيسي فرعي طيار مهدِّي ...يجب أن يلتهم كمبيوترهم هويتي". وتبعث كلماتك المسكينة في نفسها ضحكة فتية هاهاهاها. تشكرك على خفة دمك المتخثر بضجر الانتظار وتدعو لك بسلامة الوصول.
أيُّ ابنة مدينة هي، الساعة العاشرة ويزيد وتتأفف من إزعاجك. ماذا تقول أيها الفلاح الذي ما فاته يوماً صحو الشمس والكلاب والديكة؟!! هي طبائع النساء المتمدنات عزيزي.
*
وتعود إلى حصارك، مضرجاً بلعنتك الكبرى، تقزمها إلى لُعينات. تلعن حظك، أنت الذي لا تؤمن بحديث الأبراج مهما صدق كلامها.
تقرعك الأسئلة...
مئتا شخص كانوا معك مروا، مئتا شخص جاؤوا بعدك مروا، وآلاف سيأتون ويعبرون، يمسحونك بنظرات شفقة وبعض الصلوات ويمضون، وأنت وحدك المهيأ كل مرة لملئ "الجورة" لساعات. تتساءل: "لماذا يمرون سريعاً دون تأخير ودون "جورة"، ألا يعشقون مثلي، أليس لهم حبيبات يتغزلن بعيونهم، أم ليس لهم عيون أصلاً .... !!؟".
مئتا زيارة وكنت وحدك المؤهل، "الجورة" شهادتك بامتياز. "مبروتش مبروتش" قال لك ضابط المنطقة ساخراً حين مر على وجعك الندي المغبرّ هنا.
*
ثلاث ساعات وغبار وحسابات، وانتهت أزمتك.
بعد أن التهم الكمبيوتر المركزي هويتك، وقرمش أرقامها التسعة يميناً وشمالاً، عض عليها بسأم، بصقها لك بعد أن اكتشف أن ملامحها لإنسان فاظي... نعم فاظي.
تصل رام الله بغير الموعد الذي أردتْ، تنظر إلى ساعتك، تجد أن ورشتك انتهت قبل أن تصلها. لا مكان يحتضنك هنا قبل عودتك مثل مقهى "إيفيل" المزروع في شارع ركب، تحتسي قهوة باهظة الثمن.
تتلفن لها من جديد، تغني مارسيل خليفة مجدداً:
" كنا صغيرين والأشجار عالية
وكنتِ أجمل من أمي ومن بلدي
من أين جاؤوا وكرمُ اللوز سيَّجه أهلي وأهلك بالأشواك والكذب
في البال أغنية يا أخت عن بلدي
نامِ لأكتبها،
رأيت جسمكِ محمولاً على الزرد وكان يرشح ألواناً
قلتُ جسمي هنا،
فسَّدوا ساحة الوطن".
* الجورة: حفرة بالقرب من حاجز حوارة العسكري على المدخل الجنوبي لمدينة نابلس، يوضع فيها كل من تثبت ملامحه الرومنسية أنه خطر على أمن اسرائيل ريثما تفحص هويته وتهدأ مزاجية الجنود.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: انشراح حمدان
- الزيارات: 22
تجلس متشبثةً ببعض كرامةٍ وبقايا عنفوان يعكسهما بريق عينيها المتحدي وقد استوطن القهر والألم مجرى الدماء منها وهاهي تتمعن في أنقاض بيتهم المتهاوي أمام ناظريها.
رأيتها داخل خيمةٍ جادت بها وكالة غوث اللاجئين بعدما أصبحوا في العراء ، لكنها خيمة عصرية ليست ككل الخيام، بها من أسباب الرفاهية والتطور التقني ما لا يُتوقع.
في زاويةٍ منها تشرئب ثلاجة 20 قدم بها كل ما تهفو إليه البطون ، وفي زاوية أخرى يقع جهاز ( تلفزيون ) ملون 30 بوصة يبث مئات القنوات الخاصة الفضائيات العربية المواكبة لكل متطلبات العُري والخلاعة إلا مَن رحم ربي. أما الركن الثالث ففيه مكتب زينب وبقربه مكتب أخيها أحمد وعليه زهرية حمراء منقوش عليها (كوكا كولا) فيها وردة بيضاء ، وبيد زينب زهرة بنفسجية قطفتها من حديقة خيمتهم ، تنتظر أن تأتي أمها بزهرية أجمل من تلك التي على مكتب أحمد ، فقد ذهبت الوالدة تمارس هواية الـ( shopping) في أحد المراكز القريبة من خيمتهم، ربما تحضرها لها من (جنين سنتر) أو (رفح مول). وضعت زينب زهرتها البنفسجية وقامت تتراقص فوق السجاد الشيرازي على أنغام (كليب آه ونص) هي تعيش مستمتعة بحياتها في ظل ما يحويه القرن الواحد والعشرون من رفاهية العولمة والديمقراطية وحريات الشعوب خصوصاً حرية الإنسان العربي.
عادت الوالدة بسلة الأمنيات ذات الثقوب الكثيرة فمال النسيم بأفراح زينب جذلاً ونامت على متكأ الأحلام.
في الصباح أشرقت شمس الشمّوسة فتبخرتْ قطرات الندى المنثورة على أزهار الحديقة وكأنها لؤلؤٌ من اللجيَن ، كذلك مَرّ شعاع رقيق على وجوه النائمين فاستيقظت زينب ونهضت عن سريرها ، طوَتْ لحافها الوثير ورتبت
مفرشه ثم راحت تغسل وجهها وعادت تقول :
ـ أحمد
ـ استيقظ يا أحمد بسرعة
ـ هيا يا أخي لا أريد أن أتأخر عن المدرسة فاليوم لدي حصة اضافية *
أيقظته واتجهت إلى مكتبها وإذا بها تصيح بهلع :
ـ يا إلهي لقد نسيت أن أستخرج حقيبة كتبي من تحت الركام.
وعادت..
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد إبراهيم محروس
- الزيارات: 21
كم أدهش مديره بأفكاره .. الآن العالم فضاء من حوله الأخيلة تتراقص و تنقض عليه بعنف ، صهيل أحصنة أفكاره يؤرقه يضغط على عقله ، يجعله متنمراً ، يريد أن يدافع حقه المسلوب ، يريد أن يفعل شيئاً لم يفعله من قبل . وضع كوب الماء جانباً ، و قد أخذ قراره بالمواجهة ، و صهيل الأحصنة يعلو في عقله و يعلو ..
دفع باب غرفة الاجتماعات بقدمه و دلف للداخل .. و التصفيق يدوى .. صرخ .. صرخ وسط ذهول الجميع .. ثم سقط على الأرض و قد فارقت روحه الحياة و قضى نحبه .. و التصفيق ما زال مستمراً عن طيب خاطر .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد إبراهيم محروس
- الزيارات: 24
فارق السن بينهما رهيب .. لا يستطيع أن يقول لها انه مغرم بها .. نظراته تقول .. حركاته مكشوفة لها بكل تأكيد .. انه في الخمسين و هي ما زالت في الخمسة و العشرين كيف يستطيع أن ينطق وقتها .. و رغم أنها سكرتيرته الخاصة و رغم انه اختارها من وسط العديدات .. شيء فيها جذبه منذ أوّل لحظة ، و لكنه لم يكن يظن انه بعد كل هذا العمر يقع في الحب ، الحب كان يمثل له دائماً عقبه في سبيل تحقيق أحلامه .. اليوم يتمناه ، لقد عاش حياة جافة مبتئسة حياة من أجل المال ، المال فقط كان شعاره .. لم يحي أبداً ظل متقوقعاً على نفسه ، انه في خريف العمر و هي مازالت زهرة تتفتح على ربيع الحياة ، هل ترضى بهذا الحب .. مستحيل !
العمر الخريفي لا يستطيع أن يتفاعل مع ربيع حياتها .. يجب أن تبتعد عنه ، سيوقع اليوم على نقلها من مكتبه .. جلس .. قَرب الورقة يريد أن يوقع عليها .. القلم يتصلب بين يديه ، يخرج توقيعه مهزوزاً .. يمزق الورقة .. و يضغط على زر لاستدعائها .. تقبل عليه باسمة الثغر كعادتها .. يفوح منها عطر الحياة .. تقف قبالته .. تنتظر أوامره .. يصمت لوهلة .. ثم يقف ، يقترب منها بوجهه و يضع على شفتيه ابتسامة رقيقة و هو يقول :- هل تتزوجيني ؟ تراجعت للوراء و هي تشهق ، و خرجت من بين شفتيها كلمات قصيرة خافتة لم يسمعها .. ألح عليها أن تعيد ما قالت .. تدرج وجهها بحمرة الخجل و هي تقول هامسة ! – أخيراً نطقتها ..
وتعانقت أيديهما في شوق محبب .. ولكنه كان يتساءل هل يمكن أن يتعانق الخريف والربيع ؟!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد إبراهيم محروس
- الزيارات: 20
مأمور البلد قال – انه سيشرف على التجهيزات بنفسه ، لن يدع فرصه تفوته ليوقف بحار الدم التي امتدت لسنين عديدة . وافقه لقد تعب ، أتعبته السنون .. الهرب جعله كالمشرد الذي يبحث عن مأوى دون جدوى ..
حرك قدميه باتجاه كبيرهم ، انه يعرف المطلوب تحديداً و لكن لمَ ؟ لمَ يفكر الآن في التراجع ؟
ربما أتت رصاصة غادرة فتنهى حياته الآن .. ربما لن يقبلوه بالكفن الذي بين يديه .. كثيرات هي التي دارت بذهنه و هو يتقدم إلى كبيرهم ، و لكن ابتسامة شاحبة على وجه الكبير جعلته يراجع نفسه و جعلته يطمئن قليلاً و هو يقترب و يقترب ..
لا فائدة من الثأر ، الثأر حرب داخلية سرية يضيع فيها العديد من شباب قريته كل عام ..
أمه قالت له – اختفى .. أرجع جوب البلاد ..لا تعود لكنه تعب و تعب حقاً .. و لا مناص الآن ليسلم بالأمر الواقع .. ابتلع ريقه مرة أخرى و هو بين يد الكبير الذي أشار إليه ، أن يرتمي على الأرض بين يديه .
مأمور المركز هزّ رأسه أن يفعل .. نفذ الأمر و هو يتلمس الكفن بين يديه بأصابعه فأقشعر جسده و انتفض .. اقتربت السّكّينُة في يد الكبير من رقبته ، ظن أنها النهاية ثم ابتعدت السّكّينُة عن رأسه لتجز رأس شاه مربوطة بجواره .. أطلق المأمور تنهيدة راحة و ابتسم و ارتفعت الزغاريد .. ظل هو على الأرض دون حراك .. و دماء الشاه تغرق من حوله .. مرت دقيقة قبل أن يربت المأمور على كتفه أن يقف .. و لكنه لم يتحرك .. هزّة المأمور ظل ساكناً ، مال عليه و حاول أن يمد يده إليه ليقف .. و لكنه كان قد فارق الحياة و دون أن يدفع الثأر .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد إبراهيم محروس
- الزيارات: 23
أتوبيس ( 6 )
محمد إبراهيم محروس
دفع بجسده بين الكتل المتجمعة ، مرت برهة وجد بعدها مقعداً شاغراً ، ألقى بثقل جسده عليه ، و أراح جسده للوراء ..
أكثر من ثلاثين عاماً مضت و هو يركب ( أتوبيس 6 ) تذكر يوم تعيينه عليه ، كم كان فرحاً ببذلته الجديدة التي كادت أن تصبح جزءاً من تكوينه الشخصي .
سنوات كثيرة لم يظن يوماً أنه سيتمنى أن يجلس في الأتوبيس . أن يريح قدميه.لقد كان فيما سبق كتلة من النشاط ، لقد مرّ عليه التاريخ كله في هذا الأتوبيس .. فرح بالتأميم .. شارك الشعب أحلامه ، شاهد ملايين البشر و ملايين الوجوه . تذكر النكسة .. اليوم الذي فرّ به من الأتوبيس . مزق التذاكر و جعلها تتطاير في الهواء كما الأحلام التي تطايرت فجأة .. و غاب عن العمل أسبوعاً كاملاً ، و عندما عاد أجبروه على أن يورد ثمن التذاكر .. ساعده زملاؤه .. رفض التنحي .. خرج الى الشارع مثل الجميع يطالب بالعودة
بالنصر .. سُّر بحرب الاستنزاف .. رفض الاستسلام .
أطفال المدارس ، الشيوخ ، الشباب ، الرجال ، و أشباه الرجال ، بنات الليل .. الجميع مروّا عليه .. تذكر يوم أن دعته فتاة ليل إلى بيتها و رفض بشدة ، زوجته حامل و هو لا يرغب .. ذلك ذنب لا يغتفر .. النكسة ويل و بلاء .. الحرب .. موت جمال . نعم إنه أحبه ، لثاني مرة في حياته مزق التذاكر و تركها للرياح .. و هذه المرة دفع ثمنها من جيبه الخاص ..
طوال حياته أو منذ تعيينه كمحصل تذاكر أو كمساري ، كما يقال ، لم يدفع ثمن تذاكر غير هذين الدفترين اللذين مزقهما في ساعات ثورة عنيفة ..
تساءل مثل الجميع متى سنة الحسم ؟
الجنون و المظاهرات ، العابثات و أصحاب الرايات .. و تمت المعجزة ، رأى الجنود العائدين ، تمنى أن يكون له جناحان و يحملهم و يطير بهم يجوب
العالم ..
عاصر الانفتاح .. و حبة فوق و حبة تحت .. رأى مثل الجميع ما يحدث ، و لم يعلق .. رفض معاهدة السلام ، سكت لأن رأيه لا يهم ..
ساعد الراكب الهاوي للكلمات المتقاطعة على حلها . شجع تلاميذ الثانوية العامة و هم يذهبون للامتحان .. وربما أجابهم على بعض الأسئلة .. و توقع لهم ما سيأتي في الامتحان ..
أحياناً تصدق نبوءته .. حضر كل شئ و لم يحضر أي شيء . متفرج فقط كان يكيفه هذا الدور ، و يعرف جميع زملائه .. مرن الكثيرين منهم ، كان يركب أي أتوبيس يصادفه أثناء عودته للبيت .. أحاديث الناس ما زالت تدور في رأسه و تؤرقه - العيشة بقت نار – الناس لحست الأسفلت – صدام غلط – نعم غلط و لكن أهذا هو الحل – مستحيل .. من يكسب المليون – موت سعاد حسنى أم موت الشيخ ياسين - نحن نحاكم شعب و ندمره لأجل فرد لأجل شخص
مستحيل ! هذا جنون !
" اللي بيضرب في العراق بكرة يضرب في الوراق .."
لم يعرف وقتها لماذا الوراق تحديداً و لكنه ضحك من قلبه ..
" بن لادن لقمة وقفت في زور أمريكا و شوكة في ظهر الشعب العربي .. إيران ، ولا سوريا ، و لا الوراق ، ياه " .
عاد إلى واقعه عندما وجد يداً تربت على كتفه . رفع رأسه . وجد زميله القديم أمامه ، فأجفل صديقه و هو يقول له : " تذاكر يا أستاذ .. تذاكر ."
و كأنما أصبح لا حقَّ له الآن في أن يركب دون أن يدفع ثمن التذكرة . أخرج من جيبه جزءاً من مبلغ المكافأة .. دفعه إلى يد زميله ثم خطف منه صندوق التذاكر .. و راح يمزقها و يرميها من الشباك لثالث مرة في حياته ..
و الركاب من حوله في حالة ذهول ، و زميله يقف يخبط كفاً بكف غير مصدق .. بينما راح هو يقهقه ضاحكاً ..و ( أتوبيس 6 ) يتمثل أمامه كأنه
لا نهاية له .. لا نهاية له .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالله النصر
- الزيارات: 21
حلــــــــــم
هنيهات، فتكوم في بردته مطفئاً الشعلة ثم غاب في الحلم..
في الصباح، تفاجأ بجسده يهمس لسقف الغرفة.. في موقف يئد فرح التحليق، استنجد الأنفاس إلى كوة أخذته باتجاه الشمس تاركاً عصواه وفِراشه يمارس طوفان المياه عليها السطوة. عَبَرَ أمله الكوة بذراع طويل عاد إليه موحلاً. غسله.. أراد أن يرفعه أعلى من الشمس، أعلى من السماء عَبْرَ الكوة الأخرى، فكانت هي الأخرى مليئة بصراخ وئيد للمنكوبين أمثاله.
في الغرفة التي شارفت على الهلاك بما فيها، بكلتا يديه بدأ يائساً حفرَ قبرٍ مائيٍ فوق قبْرَيْ والديه الطينيين. دَلَقَ طموحهما وحلمه في الماء الغائر.. بدأ يكتب لهما بحروف ذائبة تهانيه على بطاقة متموجة يخترقها الكثير من القش وماخفَّ من محتويات الغرفة وبعض الوريقات المالية.
21/11/1425هـ
رجالٌ ما عاهدوا
بالأمس، بكامل جرأته رمى عمامة القماش وصرخ عالياً:
· اسحقوا العار. اسحقوا العار.
اتخذ هذه الصرخة شعاراً له. بل ووصمت به، فالتف حوله أغلب القوم، ودافعوا عنه دفاع المستميتين.
اليوم، فجأة، خرج في قوم آخرين، فقال بصوت أكثر علواً:
· إنني ما كنت لأهتم بالشرف لو اقتصر رجالي على إقامة شعائرهم في أماكنها الخاصة، وتسامحوا مع الذين يختلفون عنهم في المذهب.
لم يندهش قومه الأولون أو يحترقوا، فمن بُعْد كانت القبعة الذهبية التي تلمع فوق رأسه تعشي أبصارهم.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د.محمد عبد الحليم غنيم
- الزيارات: 27
الأسماك
بدأت المفاوضات بين السمكة الكبيرة والسمكة الصغيرة ولكنها لم تستمر طويلا ،كانت الصغيرة ممنونة لهذا الكرم غير المعهود من الكبيرة ، لذلك وافقت على كل ما طرحته الكبيرة ، قالت الصغيرة :
- كما ترين ، لي العينان والأنف والفم والشعر أما الأذنان فلا أريدهما ، اتركهما لك فى مقابل فروة الرأس
فقالت الكبيرة :
- لك ما أردت
مع ابتسامة رضا غمرت الصغيرة فابتسمت بدورها وتجرأت أن تسأل سؤالا بدا لها محرجا :
- اللحم وأعرف لأنك ترسيلنه إلى مصانع السردين لكن ما تفعلين بالعظم ؟
ابتسمت الكبيرة ابتسامة غامضة فشعرت الصغيرة بالحرج وأحست أنها تخطت الخطوط الحمراء ، ومع ذلك قالت فى خوف وتردد معا :
- إنها عظام رجل فقير ربما كانت ناخرة
ومصت شفتيها فى أسى وتعجب ،فنظرت إليها الكبيرة فى إشفاق وهتفت فى نفسها "كم غبى السمك الصغير ؟"، ثم قالت فى عطف ظاهر :
- ما زلت صغيرة !
نزلت الكلمة كالصاعقة على السمكة الصغيرة بيد أنها عملت فكرها مثل تلميذ نجيب ، يريد أن يثبت تفوقه أمام أستاذه وصاحت فى سرور بالغ :
- نصنع منه دقيقا ، وسيكون سعره مرتفعا
ربتت الكبيرة على كتفها فى رقة وكأنها قسيس يبارك مؤمنا صغيرا ، شعرت الصغيرة بالطمأنينة وأخذت يد الكبيرة وقبلتها فى إخلاص ظاهر .
د.محمد عبد الحليم غنيم
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد غانم
- الزيارات: 2350
جلست شاردة الذهن خلف مكتبها , في جمود لوحة بديعة التكوين , تستعيد كل كلمة من كلماته , كما لو أنه يرددها بصورة مستمرة و بقوةٍ متزايدة لا يدركها الملل , كان يجلس بالقرب منها , و لكنها تصورته يعتلي منبرا , و يلقي من فوقه خطبته , فيجبرها بنبرات صوته الهادئة و العميقة على الإصغاء , دون أن تستطيع أن تبدي أمامه أي تململ أو ضجر , و كأنها كانت تتوقع منه مثل ذلك الكلام , فيما كانت نظرات عينيها الشذريتين تنصب على عينيه الواسعتين , و شعره الموشح بالشيب , و لحيته المشذبة التي تضفي على ملامح وجهه الجدية و الوقار , و ربما شيء من الرهبة , تلك التي زرعتها شخصيته فيها منذ اليوم الأول الذي انتقلت فيه إلى القسم , حيث اعتادت مناداته بالحاج , إسوةً بالبقية , من غير أن تعرف إن كان قد حج فعلا ليستحق ذلك اللقب أم لا , و رغم أنه لم يتعدَ الخمسين من العمر , كما سمعت أحد زملائها يقول ذات مرة , غير أنها تظنه أكبر من ذلك بكثير , بل وجدت صعوبة في تخيله شابا متحررا من تلك الرزانة الشديدة التي تلف كل تصرفاته حيناً , و العصبية المفاجئة التى تحوله إلى انسان آخر في لمح البصر حيناً آخر , عندئذٍ كانت تتجنب الاحتكاك به قدر الإمكان حتى تهدأ ثورته , المغالية في عنفها , و تتراخى قسمات وجهه , و تكف نظراته عن حملقاتها المخيفة , و يعود لينزوي خلف كثبان صمته من جديد .. و لكنه اليوم كان في أكثر حالاته هدوءا و صفاءً , أخذ يبتسم لها ابتسامة واسعة جعلها مقدمةً لما أراد أن يحدثها بشأنه كصديق يهمه أمرها , أو كأخٍ أكير , رغم أنه لو تزوج في شبابه , و رٌزق بأبنة , لأضحت الآن في مثل عمرها تقريبا ..
تنقلت نظراتها ما بين السجادة المطوية فوق مسند كرسيه و المسبحة ذات الحبات الصفراء الكبيرة الموضوعة فوق مكتبه , و التي يضعها كالسوار الواسع حول معصمه عندما يكف عن التسبيح بها , متمتماً بآياتٍ و أدعية هامسة , بعينين تظنهما قد غادرتا المكان , و راحتا تحلقَان في عالمٍ آخر , لا يبصر فضاءه سواه , ثم أخذت تتمعن في قسمات وجهها الناعمة , المكتسية ببريق المكياج الباهر , وخصل شعرها الكستنائية المنسدلة , مثل ستارة خفيفة , فوق جبينها العريض في المرآة الصغيرة التي أخرجتها من حقيبة يدها , كما لو أنها ترى نفسها في شكلٍ مختلف , يمكن أن يغير حياتها بصورة جذرية ..
عاد إلى الغرفة , و قطرات الماء تبلل وجهه , تناول السجادة و فرشها في ركنٍ قريب من الشباك , و لكنه لم يستطع إقامة الصلاة بسهولة , و وهجها يغشاه أكثر من كل يوم أخر , ضحكاتها فراشات تحوم حوله , و تؤطر سجادته , كما باتت تفعل في ليالي تهجُده الممسوسة بهواجس عربيدة لا تلبث أن تواتيه بين آونةً و أخرى , تلجئه إليها وحدته في ذلك البيت الصغير , متصدع البنيان , و الأشبه في خلوه من الأثاث تقريبا بصومعة ناسك .. استعدلت في جلستها احتراما لتكبيره , و شدت طرف التنورة للأسفل , فغطت ركبتيها , و قاربت بين ساقيها ناصعتي البياض , و اللتين أوشكتا أن تمسا طرف بنطاله , و هو جالس تلك الجلسة الساحرة بقربها , مثلما كاد صدرها المستتر خلف قميصها الحريري يلامس ذراعه , كعصفور يحوم حول غصن متيبس , قبل عدة أيام فيما كانت تطلعه على إحدى المعاملات , فبدت له أزراره الفضية نجوماً تتلألأ في سماءٍ بعيدة , لا يمكن أن تصلها يداه ..
أنهى صلاته المرتبكة , و راح يحرك شفتيه سريعا , و بصورةٍ آلية , من غير أن يدرك معنى لما تهمسان به , زفر أنفاسه بعمق , نهض عائدا نحو مكتبه , تسللت نظراته إليها , بينما كانت تنكب على الأوراق أمامها , تمنى أن يدفعها أي سبب كان للإقبال نحوه و الجلوس إلى جانبه , كأن تود الاستزادة من حديثه لها حول ضرورة ارتداء الحجاب , فينهال رذاذٌ من فتنتها الغضة , بشتى تفاصيلها الجذابة , على صحراء حياته الشاسعة من جديد ...