- التفاصيل
- كتب بواسطة: ماهر نصرت
- الزيارات: 15
ها أنذا عدت ثانية بصحبة دموعي لأقف أمام صورتك المشرقة أتأملك بعد سنوات من ظروف قاسية أبعدتني عنك مرغمة ، ها أنذا مرة أخرى أسيرة حبك الذي حفظته كأسمى ومقدساتي ، ها أنذا أسيرة سراب عبـيرك فهو كنسيم الرابية في فجر الربيع ، كنت أشعرك في أحلامي ويقظتي ، لم أنس أبدا" ذاك المساء الساحر الذي ضمنا سوية " خلف الأشجار نغازل القمر ، رائعا" كنت… مازالت حرارة شفتيك تداعب شفتي ، لمسات يدك الجريئة كانت تشدني إليك وأنا أرتجف ، أحاول أن ألتصق بك أكثر ، ألتحم مع جسدك الأشقر في لحظات جنون تنقلني وشفتيك الى عالم اللاوعي… عالم لم تطأه قدما إنسان من قبل … نتسلق قمـة … نطفو فوق نسمة … نختلي في زورق نجوب به آماد البحر وندع الأمواج تقذفـه حيثما تشاء … نغور في أعماق صدفة مهجورة نمتلك فيها بعضنا ونجعلها مملكتنا الأبدية ، يا لجنوني العذب ، يا لروعة انطلاقي وشرودي …
عدت ثانية أنهض كل صباح مبكرا" ، أقبّل أزهار حديقتي التي قدستها من أجلك ، أنظر هناك … تلك الفراشات عادت تحلّق متموجة ببهجة وسرور ، تتغازل فيما بينها تقف كل واحدة منهن أمام الأخرى فخورة ، متكبرة ، تغيض صاحبتها بجمالها .. ما أروع ألوانها .. ما أروع الحب ..
ومضيت أتأملك ……
أتأمل ليلتنا الساحرة خلف الأشجار وأتذكر وقاحة أناملك الدافئة ، أشعر أنك بجانبي الآن .. كأن دفء كفيك يرفعني نحو سماء من سراب .. نطوف الاثنان معا" على بحار لاشواطىء لها .. نسابق الطيور المهاجرة ونخترق أروقـة السحاب .. نحلّق عاليا" فوق سماء الشرق كطيرين عاشقين يهجران الدنيا .. لا نلتفت ورائنا .. نبحث عن بلاج جزيرة مهجورة نستلقي فوق الرمال ونستسلم للشمس .. للمشاعر.. للرغبات ..
أصحيح يا حازم أحببت غيري ؟ لاأصدق ، لو كان ذلك حقا" فأنك تحطمني وتقذف بي صوب الفناء ، لم أقترف ذنبا" أستحق به لوعتي هذه سوى أني أحببتك مخـلصة وما زلت ، حازم تكلم ، أتوسل إليك .. كانت نظراتك صادقة يوم التقينا ، أحسست أن نبرات صوتك المرتجفة وقتها لا تكذب ، أنك تحبني أليس كذلك ؟ أخذت لمسات يديك الساحرتين خلف سور المنـزل في تلك الليلة المقمرة تفجر في جسدي بركان من الرغبة ، لم أشعر بعدها ما حصل لشفـتّي . مازالت حرارتهما غامضة ، أحسست لحظتها أنك تسرق سنين عمري في جنون ارتشافك المتوحش لهما ، كنت وكأنك تشحن برضابي بطاريتك الروحية ، وعندما تغلغلت يدك متسللة إلي شعري ، روحي أغمي عليها .. جسدي سقط صريع لمساتك الساحرة .. أذكر وقتها أنك تضمني بعنف ، تريد أن ! .. أنك مجنون .. مجنون …
حازم ، لماذا لانرحل عن المدينة إلى ما وراء الطبيعة والشمس ، وراء الصوت والصدى ، لاندري إلى أين ولا نريد أن ندري ، ندعو موجة صماّء تحملنا بعيدا" حيث الشهب الهاربة والنجوم المتألقة ، نتحول إلى نيزكين ، إلى ذئبين ، إلى عصفورين ، نصنع حضارة بأيدينا ، حضارة عذراء لاتلوثها ثرثرة منافق أو غدر حاقد ، حازم أنتظر ، أتوسل إليك ، أسمعني قبل أن ترحل ، لن أدع تلك المرأة التي أسمها أنوار أن تخطفك مني ، أليس يا حازم أسم عذراء أجمل من أنوار ؟ سأقتلها ، سأقتلك معها ! أنتما أعدائي ! سأقتل العشاق جميعا" ، سأقتل الفراشات الكاذبة ، سأمزق الزهور المزيفة ، حازم أرجوك .. أني متعبــة .. أني …. .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد إبراهيم محروس
- الزيارات: 15
حـادثة
بقلم : محمد إبراهيم محروس
راحت أمي تسحبني بيدها وتسوقني خلفها تجاه محطة القطار.. كنت وقتها في الخامسة من عمري، ولكنني أعي كل ما يدور حولي..
كانت فيّ ذاكرة فوتوغرافية قادرة على التقاط أدق الصور وتخزينها، كنت فرحاً بالجلباب الأبيض والطاقية الجديدة ويزداد شوقي لمعرفة كل شيء.. رحت أنقل بصري بين جوانب المحطة وروادها الكثيرين.. وأوقفتني أمي بجوارها وهي تدفع ثمن التذكرة.. لم أكن أعرف سبب السفر لكنني كنت مسروراً أنني سأركب القطار الذي لم أركبه من قبل..
جاء القطار كمارد هائل يسحق كل من يقف في طريقه، ثم توقف في صوت مزعج.. اشتد زحام الناس وتدافعهم للركوب.. بدأت أمي تسرع الخطى, وتشدني من يدي ,وتثب بي للداخل.. كان الزحام رهيباً وأصوات الباعة المتجولين صاخبة مزعجة تدوي كصوت آلاف المقارع تدق الرؤوس.. طال وقوفي بجوار أمي حتى لاحظ أحد الرجال تململها وانحناء ظهرها من كثرة الوقوف, وهي تحاول أن تتجنب أيدي الباعة وأرجل الواقفين قبل أن يقول: "رايحة فين يا ست؟"
لم تعره انتباهها ولكن عندما كرر سؤاله أجابته في لامبالاة. "السيد البدوي يا خويا"..
"شي لله يا سيد يا بدوي.. شي لله يابو فّراج".
وقام مفسحاً مكانه لأمي وهو يقول: "اتفضلي يا ست الطريق لسه طويل"..
جلست أمي وأخذتني في حجرها ,وراحت تداعب رأسي بيدها ,كأنها تحاول أن تبث فيها أفكاراً ورؤى جديدة.. لم أكن أهتم بكل ما يحدث.. كنت أهتم أكثر بفرحتي بالسفر، وأخذت أتابع بعيني أعمدة التلغراف وقضبان السكك الحديدية وهي تمر أمامي بسرعة مدهشة، وأحاول أن أعدها.. كنت وكأنني أحلم وصوت الباعة راح يزداد صخباً، أخذتني غفوة لذيذة ورحت في النوم.. صحوت على صوت أمي وهي تهزني قائلة: "يلاّ قوم.. وصلنا"..
أخذنا نتحرك بقوة الدفع الذاتي تجاه باب القطار وقفزنا.. وقفنا على رصيف المحطة وسط زحام شديد وخانق ,وراحت أمي تلتقط أنفاسها بصعوبة قبل أن تأمرني بالتحرك..
خرجنا إلى الشارع.. كان الزحام هناك مختلفاً وأشد ضراوة حتى تظن أننا في يوم الحشر العصيب.. صرنا جزءاً من الزحام المتحرك بعنف، واشتد ضغط أصابع أمي على يدي الصغيرة ,وأنا مسوق خلفها, أوقفتنا إحدى النسوة وتطلعت إلينا قبل أن تسأل: "ماتعرفيش ياختي سكة السيد البدوي منين؟!"
أجابتها أمي: "أدينا هنسأل.. وربنا يسهل.."
تابعت المرأة قائلة: "أمال إنتِ منين يا حبيبتي؟!"
ردت أمي في اقتضاب وهي تسرع السير, والمرأة خلفها تحاول ملاحقتها: "من القنال.."
كنا نخترق الزحام وأنا أعي ما يدور والمرأة مستمرة في ملاحقة أمي بأسئلتها العجيبة هاتفة: "القنال دي اللي كان في الحرب؟!"
قالت أمي وهي تسرع خطواتها وأنا خلفها مجرور ولست محمولاً: "أيوه.. اللي كان فيه الحرب!"..
"قالت احنا كسبنا الحرب دي؟"
أجابتها أمي مزحة: "بيقولوا!!"..
و"رجعتم تاني لبيوتكم يا حبيبتي؟!"
أجابت أمي وهي تحاول الهرب من تلك المرأة المصرة على ملاحقتنا ,وترمقها من حين لآخر بنظرات غيظ قائلة: "الحمد لله رجعنا بعد الهجرة والعملية هديت"..
وتستمر أسئلة المرأة متتابعة كأنها وكيل نيابة محترف يستجوب مجرماً عتيق الإجرام. "وإنتِ جاية هنا ليه؟! مش بلدكم بعيدة عن هنا كتير؟!"..
"أيوه بعيدة.. بس أنا جاية عشان..."
وقطعت أمي كلامها وهي تحدق فيّ كأنها ستفشي سراً حربياً يجب ألا يعرفه أحد, ثم همست للمرأة بكلمات لم أسمعها.. ضحكت المرأة بعدها ,وراحت ترمقني بعينيها قبل أن تقول: "ربنا يخليه ليك، ويطرح فيه البركة".
انشغلت المرأة اللحوح عنا بالنظر إلى أحد محلات القماش.. وانتهزتها أمي فرصة وولت بالفرار.. جلسنا على الرصيف نلتقط أنفاسنا وعندما هدأت أمي قليلاً أخذتني وسارت وكنت هذه المرة محمولاً ولست مجروراً، وظهرت لنا قبة السيد البدوي وأقبلت ناحيتنا روائح بخور عطرة، أنزلتني أمي من على كتفيها وبدأت تسير نحو المسجد كأنها تؤدي عملاً رسمياً وهي تكرر كل فترة: "مدد يا شيخ العرب.. مدد يابو فراج.. مدد".. زعيق الباعة والمارة كان يتصاعد من حولنا والمولد على أوجه.. بين بائع ومشترٍ ولص.. زعيق وزياط وأصوات المجاذيب تزاداد صخباً.. واسترعى انتباهي مجذوب بعينه.. كان يرتدي ملابس تجمع بين الطربوش وسروال جيش وجلباب ممزق وقبقاب قديم يطقطق به في مشيته, كأنه يحمل بين أسماله البالية تاريخ مصر كلها.. ويخرج من بين شفتيه كلام ملأه الحزن والقلق والترقب ويصرخ فى الناس: "أنا قلت له: ما تروحشي.. هيضحكوا عليك.. برضه راح.. بس لمّا ييجي وحياة أمي لأوريه.. مدد يا شيخ العرب.. مدااااد.. حي"..
وتدفقت دماء الحيوية في وجه أمي بعد أن غادرنا المقام.. رأتنا المرأة اللحوح مرة ثانية, قأقبلت مسرعة هاتفة: "إيه؟! لّسه ما حصلش؟!"..
"لسه ياختي أديني أهو مستنية الفرج"..
أطلقت المرأة ضحكة صافية وهي تقول: "قومي معايا.. إنتِ باين عليكِ خايبة.. أمال حرب إيه اللي إنتم حاربتوها بس؟!"
وأطلقت المرأة ضحكة أكثر صفاء.. ما بين قيام وقعود.. هرولة وهرجلة.. تحيات.. أسئلة وأجوبة.. ولقمة أمضغها.. ابتهالات وتواشيح.. وحلوى ألوكها بين أسناني.. احتكاكات.. اختلاط الحابل بالنابل.. لت وعجن.. ومدد يا شيخ العرب مداااد, وبطريقة ما أصبحنا داخل ذلك السرادق الضخم الممتلئ بالناس من كل شكل ولون شيوخ وشحاذين.. حواة ونساء.. وحلقات ذكر صاخبة الحركة..
وأنا أقف في متعة ونشوة لا مثيل لها.. اقترب منا رجل ضخم الجثة.. في عينيه حول واضح وخطواته ثابتة تدق الأرض وكلما زاد اقترابه، لمحت نظرة مصحوبة بالخوف والترقب والراحة في وجه أمي.. قال الرجل في غلظة وهو يشير لي: "جايباه عشان الـ.......
" قاطعته أمي قائلة: "أيوه......"..
"طب هاتيه".
تعلقت أمي بي ثم تركتني بين يدي الرجل وهي ترتجف، وكنت هذه المرة مقلوباً ولست محمولاً أو مجروراً ورحت أتابع أمي بنظراتي, وهي ترتجف وتبكي والمرأة اللحوح تحاول تهدئتها وأنا في حالة من اللاوعي وناولني الرجل لامرأة تظهر ملامح القسوة واضحة على وجهها..
وجدت نفسي في غرفة تمتلئ بالروائح الكريهة ,وظننت أن المرأة سوف تسلقني وتقدمني لذلك الغول على العشاء.. شرعت أبكي.. تأملتني المرأة قليلاً, ثم حملتني بين ذراعيها, وأجلستني على مقعد خشبي, وأخذت أبكي وأسب وأبصق, وهي لا تهتم, كأنها معتادة على تلك التصرفات.. كتفني الرجل في بساطة, وباعد بين ساقيّ, واقتربت مني المرأة ,وبيدها شفرة قد غمستها في سائل أحمر, وأنا أصرخ وألعن وأزعق وأبصق ولا فائدة.. غرقت ملابسي بالدماء ولفت على يدي قطعة شاش بداخلها بقايا آدمية.. وأخرجتني المرأة القاسية لأمي.. عندما رأتني تهلل وجها وزغردت.. وأطلقت المرأة اللحوح زغرودة أشد قسوة وسرسعة والألم كالنار يسري في جسدي, ولا أستطيع تحمله, وأصرخ, وأصرخ ,وأتألم, وأشتم وبالطبع أبصق.. ودعت المرأة اللحوح وهي تقول: "خلّي بالك منه".. هوّ احنا صحيح كسبنا الحرب؟!
أومأت أمي برأسها قائلة: "أيوه.. وحياة شيخ العرب كسبناها"..
وزغردت المرأة مرة أخرى.. ولمحت المجذوب إياه على باب المحطة وسمعت صوت عالياً مجلجلاً: "وحياة أمي لأوّريه.. أنا هاعرف ازاي أمسك البلد دي.. أنا قلت له مايروحش.. بس لما ييجي.. مدد يا شيخ العرب مدد.. مدد يابو فرّاج مدد.. مداااد".
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمود الابطح
- الزيارات: 15
انكمشت على نفسها كطفل خائفٍ في ليلةٍ عاصفةٍ هوجاءَ....نظرت إلى أعلى بعينين تتراقصان بوهج من نور تسلل بخفة عبر ثقوب جدران أضافت إلى وحشة الليل وحشةً .. فكانت سدا يمنع حتى وصول ضوء القمر الباهت إليها.....
كان السكون يلف المكان.......سكون لايخرقه سوى صدى آهات مخنوقه لفتاة أثقلها الوهن..كانت تشد على صدرها بعنف......
ولكن ولما لم يسعفها صمودها انهالت راكعة على الأرض مع أنها.....ظلت تنظر الى أعلى
يامن يوجد في كل مكان....
يامن يلهف اليه كل إنسان......
يامن لايحيطه وقت ولا زمان.....
يالطيف ياقدير
الطف بي وساعدني بمشيئتك........
وأخفضت رأسها .. انكمشت على نفسها مجددا .. كان التعب قد شلها شلا, ولكنها أبت الاستسلام , فرفعت رأسها بصعوبة جعلتها ترجف كورقة في مهب الريح
إلهي ياعالما بالأحوال كلها........
ياعالما بحال من تأكلهاأافكار الماضي .. من أغرقتها الهموم بزوايا ظلمتها
وصاغت منها الحزن أنشودة
ورنمها الوجع لحنا
فكان نومها مسهدا وليلها الشديد سرمدا
زفرت زفرة طويلة ثم أكملت ........
إلهي يامن كان مرشد دربي
يامن كان مزيل كربي
الخلاص ياإلهي
لم يكن ماتشده بعنف الى صدرها سوى جرح قد نحتته الحياة في قلبها نحت المحترفين .. جرح ماكان في استطاعة أحد ان يعالجه... كان الجرح ينزف , وكانت قطراته تختلط مع قطرات من نوع آخر.......نزف عينيها اللتين لم تبخلا عليها بمشاركتها الموقف
_________________
أنت الامل ليت الامل فيك ماخاب
خنت العمر مابين يوم وليله
محال أحبك دام جرح الهوى طاب
طيفك في بالي غاب وأعلن رحيله
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حيدر هبر
- الزيارات: 10
رصيف الموت
حيدر هبر
اعتادت ان تجلس أمامي بشكل غريب فلقد كانت تضع مؤخرتها على حافة المقعد وتضع قدميها على المنضدة باتجاهي ولم اعلم حتى هذه اللحظة ان كانت تستفزني ام تثيرني.. لم يكن لدي الوقت الكافي لكي أسألها.. عام واحد لا يكفي لمعرفة انسان عادي فكيف استطيع معرفتها وهي مميزة الى حد بعيد.. لقد كانت شيئا خارقا لم تستطع الحياة احتماله فتخلصت منها.. منذ اليوم الاول لفراقها وانا ابحث عن طريقة للاتصال بها حتى أني وقعت بيد بعض الدجالين بل اصبحت أضحوكة عند البعض الآخر حتى تأكدت بأنه لا يمكن الاتصال بالأموات، وعندها شعرت بيأس شديد وفكرت بالانتحار ولكن كان الامر صعبا جدا حيث اني شربت الخمر كي اهون الأمر على نفسي وقد اسرفت حتى الثمالة وبعد ان خرجت من الدار لم أستطع المشي الى الشارع فقعدت على الرصيف وأسندت ظهري على إحدى المحلات التجارية حيث سيطر علي الغثيان وبدأت اشعر بالاختناق ولقد ساعد الليل على ذلك ولم يسعفني البرد الشديد للشعور بالهواء وهو يداعب أنفي حيث كنت دافئا بسبب نوعية الخمر الذي احتسيته.. لقد كنت كسولا جدا وعاجزا عن فعل اي شيء حتى اني لم أكن أقوى على الانتحار ذاته خصوصا أنني لم أفكر بطريقة معينة.. لم أعرف فراغ الفكر يوما ولكن في تلك اللحظات لم يكن في بالي شيء لقد كان رأسي فارغا ومعتما فقط صورتها كانت تظهر بين لحظة واخرى بالذات عندما كانت تطفئ سيجارتها وتسحقها(ما العمل الآن..؟) لم تكن لدي فكرة عما سأفعله, حيث بقيت على هذا الحال يتناوبني الغثيان والليل وصورتها حتى سمعت احدهم يقول : (هل تنتظر احداً...؟)
إلتفت الى مصدر الصوت فوجدته متسولا مستلقيا بجانبي وقد أحاطته الاوساخ وكان يبدو وكأن دهرا مر عليه في هذا المكان ولكن الغريب اني لم أشاهده عند مجيئي إلى هنا والأغرب من ذلك هو أنني قلت له (نعم … انتظر زوجتي!)
- هه.. عليك أن تنتظر قليلا فلن تمر الآن
-ماالذي تقوله انها ميتة..؟!
عندما سمع مني ذلك بدأ بالضحك حتى أخذ يسعل بعدها ثم قال:
- بالطبع ميتة والا لما جئت الى هنا لرؤيتها.
- ماذا تقصد...؟
- ألا تعرف انك تجلس على رصيف الموت!
شعرت بالقشعريرة عندما قال ذلك خصوصا اني شممت حينها رائحة رطبة اشبه بسرداب في المقابر فقلت له:
- ولكني لا أومن بالاتصال بالاوراح
- أنا لست عرافا وأنت حر إذا صدقت أو لا..انظر هذه أول دفعة من الاموات قادمة!
لا أعرف ما الذي أنتابني حينها لقد كنت مرعوبا ومشتتا ولكني نظرت حيث أشار وإذا هم رجال ونساء واطفال يسيرون على الرصيف وكأنهم في حالة تسوّق وكانوا يمرون بجانبي وينظرون الي باستهجان وفجأة سقطت قربي كرة صغيرة تبعها طفل شاحب الوجه لياخذها فسالته(هل انت ميت؟) فضحك وقال (هه.. وانت؟!) لقد امسكت يده وكانت باردة جداً .. ولكن سرعان ما هرب مني .. نعم لقد كانوا امواتا وحينها نهضت لابحث عن زوجتي وقضيت وقتا طويلا ومزعجا وانا اتفحص الوجوه الشاحبة ولكن بدأ الحشد يقل شيئا فشيئا دون ان اراها فاستوقفت امرأة شاحبة ايضا وسألتها عن زوجتي ووصفتها لها فقالت (هناك مطعم في بداية الرصيف يجلس فيه المنتظرون!) وتركتني بعد ذلك دون ان تفسر لي معنى المنتظرين ولكني لم اضيع الوقت فقد ذهبت مباشرة الى هناك وبحثت بكل اركان المطعم ولكني لم اجدها وانتابني حينها شعور بالعجز فجلست على احد المقاعد وفجأة ظهرت في المطعم بسروالها القصير وشعرها المهمل وهي تنفث دخان السيجارة وكما هي عادتها جلست على مقعد ووضعت قدميها على الطاولة باتجاهي وسحقت عقب سيجارتها ولكن بعنف هذه المرة ونظرت الي وكان في عينيها حزن شديد وأسئلة كثيرة ثم قالت (لِمَ فعلت هذا..؟!).
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد بدر بن محمد
- الزيارات: 15
قصة قصيرة...؟ رحلة حلم ...!
جالس في وحدتي ..في سريري المزركش بألوان الحياة ..المغطى بمكعبات بنية كالجذوع ..صفراء كحياتي..سكرية كوجهي..
والشبّاك يمنحني صقيع الثلج في الخارج.., وبخار الماء المتكاثف على الزجاج يسيل على خدّه كدموع تحفر خطوطا كشلالات الشَّعر المتسربلة على وجه تلك الفتاة الطفو لي , بصورتها المسبلة على حائطٍ يضاء بلمبة جانبية زهرية النور...
الى جانبي شرابي الذي يؤانسني في هذه الوحدة التي اعتدتُ عليها منذ زمن..
وموسيقاي المتنوعة الهادئة تغمرني كلحافٍ ..أتكوّر به بعدما فتحت نافذتي قليلا على امتداد يدي لألمح السماء ..
كتبي المبعثرة على طاولة الأشياء , ودفاتري التي تُجنبني ضجر الصمت, وتحملني الى عوالم الحياة , بعيدا عن رتابة التقوقع الغارق في الألم.. في الحزن .. خلف حجا بات النظر...
أمي المنهمكة في محرابها الأبدي تحضّر الطعام ...تتنقل كدوري الشجر بين آلات الاوركسترا الخاصة بها لتعزف لنا لحن البقاء..,
أحسُّ بها في كلّ ضجة تحدثها في مطبخها وكأنها تحدثني عن قربها بجانبي في كل وقت كي تعالج الصمت في فضاءات أذني,,,
كما إنها لا تجد بدّأ من فتح باب غرفتي لمشاهدتي وبثّ رسالة حنان منها بابتسامة متدفقة كينبوع حسنٍ ., كغيمةٍ بيضاء تخترقها أشعة وجهها , وجديلة شعرها الجانبية التي تتدلّى من تحت شالها الحريري المشدود الى الخلف بتقنية الخبرة العتيدة..,
تبثّ فيَّ أمانا .. تسائلني عن حاجتي ,ترتب طاولتي من دون أذن , تغطيني من غير حاجة, تلامس خدّي بيدها ,تعانقني وتقبلني كوردة عاطرة في خريف الغرفة..
أردد ابتسامة مثقلة , عاجزة عن التحليق في فضاءات حزنها , تحملني أفكاري الى مسافات بعيدة من التجوّل ,
وأشرد في حلمٍ يكرر نفسه...!!
يزورني كصديق ,يبلل ذّاكرتي بندى الجمال , وبشعلة الحياة يغمرني,يحملني لصباح جديد,
عاهدت نفسي به أن أبتسم وأمنح جسدي للريح , أغرّد ككنار..أتراقص كفراشة في دروب البراري , أطبع قبلاتي على جبين الشجر ..على الحجر.. على أرصفة الحدائق ..وأعمدة الإنارة على وجوه المارّة ..أنحني أمامهم رافعا قبعتي بحركة نبيلة أشاهدها دائما في حلقات السيرك العالمي..بتواضع ومحبة أقبل الأيادي .. أضمُّ الوجوه الى صدري أقدِّم تحياتي بفرح طفولي يتسامى .. يبعثني في ألق السعادة كنجمة... ينثرني كعبير على وجوه الحيارى والتائهين .. وأمسح بنسيمي دمعة الدامعين...
أسير كملاك تجدَّدَ في صباح أبدي وأفتح صدري . ينبعث النور مني كاشراقات الفجر ..عصاي السحرية تنقلني بين البيوت أرشرش محبتي رسالتي بكاسات من فرح وتتدفق السعادة في كل الأماكن..
فيملأني الحبور وأبتسم ابتسامة رضا خفيفة..؟!
يوقظني صوت غريب ..ولطمة خفيفة متكررة...
ألمح وجه أمي مرتجفا ودموعها تشقُّ باقة الورد..أغمض عيني بتثاقل كبير قليلا وأفيق..؟
فأراها مبتسمة كعادتها تحمد الله وتشكر ذاك الغريب الذي يبشّرها بزوال شيئا ما يسمى حمى...
يغادرون ..
وأغمض عيني كي أكمل مشواري ..تدخل أمي من جديد.. مهللة متلألئة كبدر مكتمل ..,
تمطرني قبلاتها كشتاء كانون ..
تسألني لتزيل بشكوكها عن حالتي؟ من أين أتيت بهذه الابتسامة ؟؟!
_كنت فراشة وزرت الحقول..,
تبسمت وقبلتني ودعتني للنوم و... بجزع مخفي ..
لكن لا تبتعد كثيرا...؟؟!!!
وخرجت ..وأحسستُ بدمعة حارقة على خدِّها حاولت التقاطها ..تحولت الى فراشة ..وذابت..!
أردت اللحاق بها ... فذكّرتْني أنني مقعد.......!!!!؟
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد دلومي
- الزيارات: 12
لما أفقت من نومي كانت الحرارة قد بلغت حدا لا يطاق وغمامة كثيفة من دخان أسود أخذت تتسرب إلى غرفتي , قفزت من سريري مثل المجنونة , فتحت الباب باحثة عن منفذ للهروب لكن ألسنة النيران الممتدة عبر الباب مثل الأذرع التي تريد اختطافي جعلتني أضرب الباب بعنف , كان الفندق يحترق وكنت آخر من يعلم , أذرع الغرفة جيئة وذهابا, أُولول مثل المجنونة, أركض من ركن إلى ركن , لا أعرف كيف أتصرف في وسط هذا الحريق الذي يزيد استعارا , السنة النيران تمتد إلى الطابق السابع ’ محدثة صوت أشبه بالدوي , أسمع صوت الزجاج الذي يتحطم بفعل الحرارة فيخيل إلي أن الفندق يتهاوى , النيران تحاصرني وتضرب علي طوقا من كل الجهات , ها أنا وجها لوجه مع الموت , يمد إلي ذراعيه , أسال نفسي , تراه كيف يكون الموت ؟؟ أيأتينا بوجه بشري , أو بوجه غير الوجوه التي ألفناها في الحياة الدنيا , لم أعد أرى شيئا من كثافة الدخان الذي بدأ يغزو الغرفة بجنون ’ أشعر بالاختناق , تنتابني نوبة من سعال حاد لم أعد استطيع التنفس كأن يدا تريد كتم أنفاسي , أصوات النيران التي تزأر أقوى من أصوات البشر الذين يصرخون في الشارع , بل أقوى من صفارات إنذار سيارات الإسعاف , أنفاسي تضيق وكلما ضاقت اشتدت ضربات قلبي , إنه الموت فاغرا فيه يريد ابتلاعي ,أبتهل إلى الله أتوسله رحمة , أقف في وسط الغرفة ذليلة كسيرة أستجدي الله رحمته ولطفه , اليوم أتذكر الله وقدرته , في وقت المحن وعندما يكاد الموت يعانق أرواحنا ننسى كل شيء إلا الله , شعرت بالخجل وأنا بقميص نوم شفاف وقصير مفتوح في أعلى الصدر ويتوقف امتداده عند منتصف الفخذين .
لم أعد اقدر على الوقوف , نبض قلبي يتسارع , نوبات السعال الحاد تهجم علي ؛ حتى خيل إلي أن قفصي الصدري يقتلع مني اقتلاعا , جسدي بتصبب عرقا مثل السيل المنهمر يلتصق بقميص النوم الشفاف مبرزا تفاصيله وتضاريسه التي تغزل بها كثير من الرجال , هاهو هذا القد الممشوق قاب قوسين او ادني من أن يصير رمادا , لا أعرف كيف يشعر الذين تفصل اللحظات والثواني بينهم وبين الموت وهاهي اللحظات والدقائق تفصلني عن الموت ولم أعد أقوى حتى على حمل نفسي , تراها سكرات الموت ..؟ أكاد أتهاوى من خوفي ومن ضعفي وانعدام حيلتي ’ زجاج النافذة يتحطم ويتناثر في أرجاء الغرفة احمل نفسي حملا لهارب إلى وسط الغرفة , أترنح يمينا , أترنح شمالا مثل التائهة في صحراء أو مثل ثملة أثقلها السكر
حلقي جف من الظمأ ’ تمتد إلي يد الشخص الذي دخل من النافذة محطما زجاجها ويناولني ماءا ’ أشرب بغير انتظام يتسرب الماء من فمي , أبلل جسدي , أنظر إلى الرجل محاولة أن أتبين تفاصيل وجهه فلا أستطيع إلى ذلك سبيلا , ينزع من على وجهه قناع التنفس يضعه على وجهي , أتنفس هواء نقيا , أريد أكثر أريد المزيد , أشعر أن رئتاي تطلبان المزيد ’ أشهق و ازفر , يهمس صوت الرجل الذي لم أتبين منه إلا خيالا طالبا مني ستر جسدي , ويحه أيعتقد إني استحي منه والموت يمد إلي ذراعيه , لم أشعر بالحياء فالموقف اكبر من أن يجعلني أحس بالخجل ’ فتحت حقيبتي وتناولت أول قطعة من لباس صادفتها أناملي ولبستها على عجل .
أتوسل الرجل الذي لم أتبين ملامحه بعد إنقاذي وقبل ان انزع قناع التنفس كي أتكلم معه واطلب منه ذلك وجدته يمد إلي يده بحنان ويلتقطني بلطف مثل طفلة صغيرة ليحملني على ظهره ويشدني إليه بأحزمة متينة , يقفز من النافذة متمسكا بحبل , يقفز من طابق إلى طابق مثل الرجل العنكبوت , أصرخ في رعب لكنه يطلب مني السكون وعدم الحراك كي لا أفقده توازنه , في كلامه ثقة كبيرة بالنفس , كلامه فيه حياة وعذوبة وسط الموت يضحك وفي ضحكته رنة جميلة تشبه الموسيقى الحالمة .
سقط مني القناع فجأة ونحن نتداول استعماله مرة بمرة , صرخت جزعة , لكن الرجل الذي يلتصق صدري بظهره ولم اعد أرى منه إلا قفاه يمدني بجرعات من أمل , كان يضحك من الموت ويتحداه في عجب حتى شعرت بصغر الموت أمام ضحكاته الحالمة التي تصل إلى القلب وتعانق سويدائه , كنا نتدلى من الحبل مثل عرجون تمر أثقله النضج , كان يقول لي أننا لن نموت لو فكرنا في الحياة و لو فكرنا في الموت سنموت إذا علينا ان نفكر في الحياة , كان راسخ القناعة بالنجاة , أما أنا فتتأرجح مشاعري المضطربة بين إعجاب برجل لا أعرف له شكلا ولا اسما ولا عنوانا , يعبث ويضحك من الموت وبين موت يريد نزعي ِ من الحياة . ولم يتوقف كلامه عند الموت والحياة والرجاء والأمل
بل رحل بي إلى حقب التاريخ الآفل وطلب مني أن أغمض عيناي واضع راسي على ظهره وأنصت وأتخيل , ليسرد علي بعدها عن قارة اطلنطس التي اختفت في عرض المحيط , والتي كتب عنها أفلاطون وعن تقاليد شعبها وحضارتهم بل رحت أتخيل نفسي أطوف شوارعها وادخل معابدها وارى و أتبضع من أسواقها , وأجول في حدائقها الساحرة , وعمرانها البديع كانت حضارة ا لم تعرف لها الأرض مثيلا , وقبل أن أصحوا من حلم أطلنطس طار بي إلى حضارة " الأنكى والمايا" عند الهنود الحمر وأدخلني معابدهم وغطست في أنهارهم المليئة بالذهب والأحجار الكريمة , وتجولت في غاباتهم الحالمة , لم يكن الرجل عاديا كان حلما , كان ساحرا , أنساني الموت الذي يطاردني ويتربص بي الدوائر , هذا الرجل المشدودة إلى ظهره ولا أعرف له شكلا ولا أرى له وجها والذي أراه من قفاه , بدا لي كفارس قادم من أعماق التاريخ الغابر , بدا لي حكاية جميلة وهبتها الحياة لي دون نساء الدنيا , شعرت بمشاعر غريبة وأنا أضم صدري إلى ظهره , أحتضنه في حنان غريب وتمنيت أن تتسرب روحي إلى روحه لنصبح روحا واحدة تمنيت ان أكون نبض قلبه الذي أحس بخفقه وأنا أضع راحة يدي على صدره وأتشبث به بكل قوة ’ هذا الرجل الحلم الذي بدد أحاسيس الخوف عندي وصنع منها مشاعر أخرى غريبة لم أشعر بها طيلة حياتي رغم تجارب الحب التي مررت بها , إلا أن هذه المرة الشعور يختلف , يختلف بمقدار دقات قلبه التي ترقص على راحة يدي وبمقدار الخطر الذي يواجهه من أجل إنقاذي وبمقدار الحكايات التي يحكيها لي وضحكاته الجميلة , كل شيء فيه يختلف , كل شيء فيه مميز حتى خفق قلبه , كنت أتمنى أن انظر إلى وجهه وأطبع على جبينه قبلة وأخرى على خده وأخرى على أنامله , امتدت أناملي دون شعور مني إلى جبينه , تحسسته واسعا جميلا ومسحت على وجهه بلطف أرسم له صورة في خيالي , أتحسس شاربه الخفيف . لحيته المعقوفة الصغيرة , تضاريس وجهه كانت تغسلها الدماء التي تنزف من جبينه وأنفه جراء الزجاج المتحطم واصطدامه بالأسوار , لقد تحسست دمه بيدي , نظرت الى يدي كانت حمراء لم اشعر بالخوف من الدم بل تخيلت يدي الحمراء وردة حمراء بلون الدم القاني , شعرت بإشفاق غريب عليه بل لم يكن إشفاقا , لا أعرف كيف اسمي هذا الشعور فقد كان إحساسا غريبا مزيجا بمشاعر الأمومة التي تخاف على طفلها الوحيد والأخت والحبيبة والصديقة والإنسان , كانت مشاعر مختلفة تتضارب بداخلي جعلت قلبي ينبض بعنف حتى تخيلت انه سيخترق ظهر الرجل ويستقر مع قلبه في صدر واحد , هل تراه الحب يدق قلبي وأنا معلقة بين السماء والأرض ..أتأرجح بين الموت والحياة ؟؟ هل تراه الحب يطرق باب قلبي ؟
كنت أريد أن أساله عن معنى الحب عنده , هل هو وليد لحظة آنية , أم تراكم لأحداث جميلة ام هو غير هذا كله ؟؟ .
في الوقت الذي نسيت فيه أني أمام خطر داهم و كانت روحي في عالم آخر لا تعبا بالخطر ولا بالموت التي تنتظر خطأ بسيط لتنقض علينا , كانت الأيادي تفك الأحزمة التي تربطني بظهر الرجل وتختطفني خطفا , وراح الرجل يبتعد عني تمنيت لو يستدير لأرى وجهه تمنيت ان اقبل يده ان امسح دمه , حاولت ان اصرخ وأنادي عليه لكن الذين من حولي حملوني الى سيارة الإسعاف فتحوا بابها وضعوني في الخلف , ومن سريرها رحت أتأمل الرجل وأنظر إلى قفاه وهو يبتعد عني , كان يمشي بهدوء وثقة ’ انطلقت بي سيارة الإسعاف بصفيرها الحاد مرت بجانبه , خفق قلبي ’ تسربت روحي من بين جنبي , وفي الوقت الذي استقمت محاولة رؤيته كان قد اختفى بين الجموع في الشارع , وكان مثل حلم جميل تسرب من بين أناملي ’ لقد أنقذني وسرق قلبي .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حنان الزريعي
- الزيارات: 16
دفء ثلجك
بقلم / حنان الزريعي
استيقظت هلعة حين تململت ظلمة الغرفة لوميض البرق ، نظرت حيث يرقد زوجها بجوارها .. " ما أجمل هدوء استكانتك للنوم .. لو بإمكاني الاختباء تحت جفنيك المغمضين " ، اتكأت على يدها تنظر إليه بشغـــف وألــم .. " هل يشعر بأنني أنظر إليه ؟ .. لا أظـن .. لمْ أعدْ أمتلك ذلك السحر الذي طـالما قـــال بأنني أمتلكـه " .
انكسرت ظلمة الغرفة مرة أخرى بومضة نور سريعة .. شديدة .. تعلن مسبقاً قوة الرعد الآتي ، ومن شدة خوفها أغمضت عينيها بقوة ؛ واضعة يديها على أذنيها كي لا تسمع صوت تصافح الغيوم .. مرّ الرعد بعيداً وكأنه أعلن الهدنة مؤقتاً مع خوفها . مالت برأسها على كتفها وعينيها ما زالتا تحيكان وشـاح شغف تغطي به مــن أحبته .. " حتى هزيم الرعد لمْ يوقظك ؟ " ، توقعتْ استيقاظه أو على الأقل تململه .
جلست معتدلة متعمدة أن لا تُحدثَ أية حركة ؛ تسللت من تحت الغطاء ليلف البرد دفء جسدها ويلبسه ثوبه ، اتجهـت حيث النافذة ، أزاحــت الستارة قليلاً .. لترى الليل والشتاء وقد أعدّا حفلتهما .
نظرت حيث زوجها الراقد بسلام .. " أيعقل أنه لم يتذكر !؟ " .. غصّة احتمت بحلقها ، ولم تشعر إلا ودمعة ساخنة تنحدر على خدها .. وبدأت حفلتها هي الأخرى ، رائحة التراب المبلل بدموع السماء ، ندف الثلج المتطايرة والمتراكمة تباعاً على أرضية الحديقة، تراقص الشجيرات معانقة أغصانها أجساد الرياح الراقصة .. جميعها جلبت الحزن لها .
بسبابتهـا داعبت بلور النافذة المغطى بالبخـــار .. لاهـيــة .. لـتكتب دون أن تشعــر .. " أحبك " ، نزلت بإصبعها تحت كلمتها الأولى – والتي خطتها قبل قليل – لتخط على البخار المتكاثف .. " 4 يناير " .. وبحركة غاضبة بكفها .. أزالت ما كتبته .
لِمَ عليّ أن أحبّ بهذا القدر ؟ .. لِمَ عليّ التألم لحبي لـه ؟ .. لـو كنت باردة المشاعر مثله ؛ لما رخّص العشق دموعي ، ولكنتُ نائمة الآن بقلب أصمّ المشاعر .
كمْ انتظرَتْ هذا اليوم بشوق ، أعدّت له كل شيء ، حتى هديتها له خبّأتها عنه في الخزانة ، وفي النهاية جاءها متأخراً على غير عادته .. ظنته قاصداً ما فعله ليفاجئها ؛ على أنه برّر تأخيره بعطل أصاب سيارته عند عودته للمنزل .. " ربما هي خدعة جميلة منه كي يفاجئني فيما بعد " ، لمْ يعلّق حتّى على العشاء الذي أعدّته عن عمد فاخراً .. هي كلمة مجاملة لا تدري إن قالها لعلمه أم لا .. " شو حلو هالفستان اللي لابــسـتـيـه " ، ابتسمــت لحظتهــا .. إذن فـهو يـذكـر ومـا هي إلا لـحـظـات إلاّ و ... ، " حبيبتي .. ما قادر اجمّع بالمرّة .. طول اليوم شغل .. وبكرة عندي شغل من الصبح بكيّر " ، نهض من على المائدة ليقبلّها ويهمس لها .. " تصبحي على خير حياتي " .. غرقت الصور أمامها ، مــوجة ألـم أزالت خطوط أمـل ، رُسمت على رمال انتظارها هذه الليلة .. بالذات .
أسدلتْ الستارة والتفتت إليه .. آه لو بإمكاني إعلان الحرب على نومه الآن .. أخاف أن أكرهه بقدر حبي له ، لا البرق أزعج بوميضه عينيه المغمضتين ، ولا الرعد بقادر على إيقاظه ، فكيف سيشعر بالأرق الذي سببه لي وبالألم الذي تركه بداخلي . ألا يذكّره هذا الجو العاصف وهذه الليلة بالذات بشيء .. فبسبب اختياره لهذا اليوم - قبل سنة - تبللتُ بالمطر ، حتى تسريحة شعري وزينتي وفستاني ؛ والتي أخذتْ من وقت مصففة الشعر خمس ساعات كاملة .. قد فسدت يومها .. ألا يذكرْ !؟ ..
أنيرت الغرفة بنور أبيض مشعّ ؛ صرخت على إثره سهام ، راكضة نحو سريرها لتختبئ تحت غطائها ؛ من الرعد الذي تخافه ..
وصلها هزيم الرعد رغم إحكام وضع يديها على أذنيها ؛ فإذا بزوجها يهــزّها من كتفيها ، أبعدت يديها وفتحت عينيها ؛ لتجد زوجها ممسكاً بها ، وعينيه نصف مغمضتين .. " سهام .. شو حبي .. ! "
" أقلقٌ عليّ .. أم أزعَجَته صرختي ؟ " ، حدّثت نفسها ، نهضت من سريرها لتتجه حيث الباب ؛ باحثة عن مفتاح الإنارة ، فأضاءت الغرفة .. ألفت زوجها مستغرباً وقد اتكأ على ذراعيه .
ستعلن له الليلة بأنها لم تعدْ تحبه .. نعم .. فبرودته وقسوة تجاهله لها لم تعدْ تحتملهما .. وليكن ما يكن .. قاطع صوته مؤامرتها و نفسها ..
" شو سهام .. ليه صاحية لهلا .. " ، تابع مبتسماً بسخرية عهدتها منه وأحبتها أيضاً فيه .. " ولا الرعد رعبِك " .
" يوسف .. " قالت بحدّة واضعة يديها على خصرها ، وكأنها تنوي العراك .
- مالك معصبة .. شو هو أنا اللي صحيتك ..
- إيه أنتَ .. ولا كأنو عندك خبر .. طبعاً المهم ...
قاطعها يوسف صارخاً .. " لا إله إلا الله .. هو أنا إجيت جنبك .. ولا بدّك تتمشكلي معي والسلام " .
نظرت إليه وقد تمنت الآن .. أن تشعل ناراً بقلبه ، وأخرى قالت نيابة عنها .. " ما عدت أحبك .. "
لم تشعر كيف انزلقت هذه الكلمة منها ، رغم أنها قالتها عن عمد ، خافت من نظراته والتي صوّبها نحوها بصمت قاتل ؛ فإذا بها لحظات ليضحك مقهقهاً ، جُنت أكثر واتجهت غاضبة نحوه .. " وعم تضحــك ! .. شايف قديش أنت بارد .. "
- لأنو مو من قلبك هالحكي .. طلعت هالكلمة منك وصوتك بيرجف وبدو يبكي .. فهمتي .
نظرت إليه بصمت ، ماذا تقول .. " ومغرور أيضاً ! " ، نهضت باتجاه الخزانة ، فتحتها لتخرج منها علبة صغيرة ؛ ملفوفة بعناية بورق احمر لامع ، اتجهت نحو زوجها ؛ حيث لا يـزال متكئاً على ذراعيـه ، وضعت الهديــة بجواره قائلـة بغضب .. " خُذْ .. " ، نظر إليها مستغرباً .. " شو هاد .. ! "
صرخت بيأس .. " وكمان لسه ما فهمت شي .. " ، أجاب بصوت ناعس فاركاً مقدمة شعر رأسه .. " والله حبيبتي مو فاكر .. شو عيد ميلادي ؟ .. لا .. لا .. إحنا شتا .. أنا بالصيف ولـدت .. "
نهضت غاضبة .. " أنت ما عدت تحبني .. خلص .. تزوجتني هيك .. المهم تلاقي مين يطبخـلك ويـنـظفـلك البيت .. ويـربيـلك الأولاد .. مـع أني بحمد الله أنو لـسه ما في أولاد .. و .. "
قاطعها وقد ضرب جبينه بكفّ يده .. " آه حبيبتي .. يا عمري .. أسف كتير حبي .. ذكرى زواجنا .. والله هلا لابـتـديت أجمّع .. لك يلعن أبو النسيان شو لئيم .. والله يا عمري الشغل واخذ كل وقتي .. وإلك بكرة أحلى هدية .. "
شعرت بالإهانة من كلمته الأخيرة .. " هدية ؟ " .. أهذا ما كانت تنتظره منه .. يكفي أن يقول لها كلمة جميلة ويتذكران سوية يوم زفافهما ، هربت منها دمعة حاولت أن تتوسل لها أن تختبئ حتى تختلي بنفسها ؛ لكنها أبت ، لِمَ لا تخجل السماء دمعها أمام الأرض .. الوديــان .. البحر .. النهر .. ؟ لِمَ لا تخجــل مــن دمعها أمامهم جميــعاً .. ؟ أ لأنهم يبادلونها عشقاَ بعشق ؟ .. دفئاً بدفء ؟ ، كيف للخجل الجنوح نحوها فدموعها أيضاً ملك لعشقها له ، أما هو فبارد كذاك الثلج المتراكم في الخارج .. لا بل الثلج يذوب أمام مداعبة الشمس لردائه .. ولم تعدْ تشعر ببرد الغرفة ولا بالبرق والرعد المتناوبين .. كان يكفي أن يضمّها إليه لتشعر بأنها الوحيدة في حياتـه .. وهــذا كل شيء .
"سهومة .. بتعرفي .. " ، اعتدل في جلسته وقد أشعل سيجارته ، وقد بان عليه التأثر ، لا يضايقه أمر سوى رؤيتها حزينة باكية .. ماذا عليه أن يفعل .. هو هكذا .. لا تفارقه الجدية حتى في علاقاته الحميمة .. لكنه يعشقها .. بطريقته .. مضت ثوان شعرت بأنها ساعات .. " ما الذي عليها أن تعرفه ؟ " .. نظرت إليه .. إلي دخان سيجارته ..
" أنتي بتمتلكي سلاح محظور دولياً .. والله يذكروا بالخير كوفي عنان ، لو عرف بوجودو .. ما بضمن شو بصير .. " ، ابتسم متابعاً بنظراته دخان سيجارته .
" أيسخر مني .. " ، ظنت أنه سيقول كلمة .. أي كلمة .. لكن أن يسخر ..
نظر لعينيها وكمن يفكر بصوت عال ، قال : " حياتي .. أوعي الوسواس .. لأنو سر الدمار .. الوسواس حبي سلاح دمار شامل .. وبعدين يا مجنونة أنا بعشقك .. " .
- أنا مجنونة ؟
ضحك قائلاً .. " لسببين .. الأول إنك حساسة زيادة عن اللزوم .. وعواطفك متل نهر جارف .. والثاني إنك عشقتي هالعبد لله .. واللي ما تذكر أروع يوم بحياتو " .
نظرت إليه .. أهو من قالت له أنها لا تحبه ، أهو من أرادت إعــلان الحـرب على نومه ، بسبب تجاهله اللامقصود لذكرى زواجهما ، أليس مرور عام على زواجهما بدون مشاكل معلنة ؛ بكاف أن تعتبره أجمل هدية .. أليس هو هدية القدر لقلبها ..
أنيرت الغرفة بقوة مع أنها مضاءة ، خجلت من أن تسدّ أذنيها خوف الرعد ، وإذا بهزيم الرعد قوياً هذه المرة ، وعلى إثره انقطع التيار الكهربائي ، اختبأت بسرعة تحت غطائها .. فجاءها صوت ضحكات زوجها من خوفها .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: التجاني بولعوالي
- الزيارات: 16
من السماء إلى الأرض
بقلم: التجاني بولعوالي
شاعر وكاتب مغربي مقيم بهولندا
- 1-
يهامسني هذا المساء الخريفي القارس في دلال، ينفخ في شراييني الكلمى نفثاته الساحرة، أنتشي كما أني تجرعت نخب المدام، وأمتطي صهوة الخيال بعيدا عن خزرات تمزق نسيج الفراغ، بعيدا عن كيان يشتهي السكون حورية هي الحسن الزاحف من فردوس الكلمات..
إني انزويت في ركن وضيع من الحافلة المدرسية الهرمة، التي تقلنا كل يوم أربع مرات، من البيت إلى المدرسة، ومن المدرسة إلى البيت! وهي تحرق تحت وطأة عجلاتها المشحوذة في كل مرة أكثر من 16 كيلومتر، في صمت.. وضعت رأسي على زجاج الشرفة، لأعلن انفصالي عن رحم الكينونة، صوفي المزاج.. يدق أوتاد خبائه في الذاكرة، يبذر حبات تطرفه في خفاء، ويردد أني لا أعرف عدا أشياء لا تُعرف!
إني أسبر ثنايا هذا الدجى الخريفي الفسيح، والحافلة تشق بنا طريقها نحو نقطة البدء، التي تنطلق منها كل يوم، باستثناء أيام العطل التي كلما تكاثرت، اعترى وجوهنا الشاحبة ما يشبه الانشراح، أقلد كل الطيور، أرقص رقصتي في النوى، كي لا يراني أحد، فأضحك من سذاجتي البيضاء، وأتهم ذاتي بالغباء، وابتسم إخفاء لامتعاضي الممتد.
غيرت ردائي لألج جبة الحلاج، غير متأله، بل شاعرا تكتسح فوهات الشداه أغواره، وينقر التشاؤم أجداثه المهجورة، فوار يخيم على جدران الفراغ، أنات حروف تصرخ، تتحدى، زمن للتحدي هذا، أنا هبة الرجاء، فمن أين أروي خلاياي الظمأى، متى تطفق سيمفونيتي، فالجمهور يترقب، وأنا... في ذاتي تشتهي جراثيم الفضول قد الانتحار، وهو يغتسل من جنابة الموت، يرتدي فستانه الوردي، يمسك خنجر الخليل، يقصد فنائي في غرور، أنتفض، أصيح في ارتياع، وصناجات الذعر تدوي بين أعطافي المنهوكة، فينعكس صداها عبر أجرافي الرمادية، أصرخ، لم أصغ لصراخي، ولا لصيحات طفل كان يلهو في حقولي، وينظم من زهر الأقاحي شكل الدعابة.
أموس تذوي، هالني رسمها المهتري، كأطمار معتوه يفترش مهملات الأثرياء، وأنا أعد.. أستعرض شذرات من تاريخي المنحول، وشطآن ذاتي يتحسس لذتها موج أبيقوري، تيأس من بحرها الأزرق، تلعنه في السر، وألعن في الجهر صمتي، انزياحي عن أنثى، ترسم على قسماتها الأرجوانية جغرافيا الشبق العربي، تبعث من مؤقيها النجلاوين لمحات هي الرجاء، والرجاء هي، أسطر البداية، أستوحي من "جميل" خطوطا، لأحيك جسري إليها، وأقول أني بدأت، فيردد صوت جدتي المبحوح: الأخ يغدر، والدهر يقهر.. والحب يكبر، يكبر في الذوات فتضيق، وفي الملامح فيذهب البريق.
على سطح زجاج الشرفة أنا.. بشكلي المتهدل، بشحوب صوفي يغرم نفسه.. ويحب الله، وأحب (؟) ولا آبه بهدير الحافلة التي تمزق سكينة الليل، ولا بأجساد التلاميذ المتهالكة، التي تملأ فضاءها المزدحم، وقد أضناها يوم حافل، بخشونة المقاعد، وثقل المحافظ والكتب، وواجبات المدرسين التي تشبه أوامر رجال الشرطة!
- 2 -
عبر زجاج الشرفة، فضاء متألق يستهويني لجلوس أريحي تحت البدر السارح في قصيدة عنوانها السماء، أخلد امتداد السكون العنيد، الذي تنغصه من فينة لأخرى، قهقهات التلاميذ المشبعة برائحة المراهقة المرهقة، والوجد المثخن بالجراح تهزني صواعقه إليك، أنت الجالسة قبالتي، وهي تهب على أهداب جفنيك الساحرين، تغبرين عن حاسة مني، كلما باغتني الليل وهو محفوف بالاغتراب، أو غرد الحزن في مملكتي مواله العتيق، فاعتزل الصخب، وأزاول صمتي.
أستفيق من أوهامي، عقلي حروف استفهام، على ذاتي ينسج عنكبوت الاغتراب، وفوق نطقي تكتظ أجناس من الكلمات، وفي غفوتي أبصر "لونجا" تروي عربيدا ريفيا من لعابها، وأضيق.. فأزمع على طعنه باحتجاجي، لكن يد أمي تمتد إلى عاتقي، فألتفت وأنا أرمق سماء البيت، أرى صورة شيخ وهو يرتدي جلبابا أبيض، يجلله بالمهابة، فأدرك أنه جدي، أرى أشياء عديدة، كل واحد منها يحمل ذكرى مخزونة في سراديب اللاوعي، أرى كتبا، أرى... أفكر ولا تفسير، أحرك رواسبي الجاثية، فأعي حينئذ أنه طيف وما بعده الصحو..
برودة المقعد الخشبي تسري في دمي، تغازل كياني النحيل، ونظري يشق بجناحيه بكارة الفضاء اللا متناهي، هذه نجوم مترامية.. هذه سحب تتسابق.. هذه تضاريس "تمسمان" الشامخة شموخ الريف.. هذه شناخيب تتمايل وإيقاع ذاتي.. أنسى وجودي على حافة الكتمان، أزيغ، أجري مجرى آخر، يقذفني الآن نحو قاع المجهول، أكاد أغرق، وبأعجوبة، أنقذ قلبي من مخالب الافتراس، فأقول أني جربت، فأنا ذو تجربة!
إني أتيت، فأوراق الليل تساقطت على أرجائي، تحدثني لا أفقه ما أنفث، إنني افتقدت كل اللهجات، بحثت عن لساني إذ هو، هو.. تلمست خفقات ذهني إذ هي، هي.. تساءلت في انطواء عما جرى، إني أنساني انبثاقها الأنثوي أنا، لغتي امحت، وحتى الحروف انهوت من أغصان الأبجدية، فتمزق ستر الشوق في أليافي.
تخطو أمامي، ألاحقها في ظمأ أخرس، تسحبني من حيزي، أستلذها رغيفا من شهوة، وأنشد لو أني أحل في بسمتها الوردية، أو تغمرني عبرتها الممزوجة بملح الشبق، ألتفت، صاحبي "سيزيف" يربت على كتفي الأيسر، أستاء وأكرر ما قالته الشمس وهي تغطس في عرض البحر، وأمشي تارة منصتا، وأخرى هاذيا!
نورس يغادرني، وأبي يغادر الفردوس، أمي بجواره تمسح رسوم الانشراح التي لم تستمر، تجفف خيبتها المرة، تتمزق كوامني من هول النكسة، تضطرم حشائشي الخفية، نار في الأحداق، وشرارة في الأعماق.. يا مهجتي، نبالي فتتها صرف الدهر، "لونجا" تستخدم المسدس، أتوارى خلف الكلمات، كلما طفقت فوهة أو صاحت فوهات.
- 3-
بالدموع الخفية ودعتك يا وطني، وحتى الهموم جمعتها في حقيبتي، وشطبت اسمي من كل الجدران، إني فضلت أن أنوء، ألا أرى من حياني، وألا يعلم أحد أني اخترت الجفاء عنوانا، وأن قاتلتي أنثى من صنف بشر.
ما فتئت أنخرط في فضاء الحافلة، أمل هذا الليل الذي كلما آنت لحظة الرواح، في انجذاباته أضيع، وبين سطوره يغني شرودي، فأغيب عن جثماني، وأتيه في خواء الخواء، ألمح "لونجا" من جديد، وهي ترفل في مرقص الكلمات، تعكسها المرايا حرفا عذريا، تهتز أشياؤها في خشوع، فتتدلى من شرفاتي أعلاق الرغبة، تتمايل في غنج حلو، ترشف ولا تثمل، أفارق دمي، أنسلخ، و... ما يزال هدير الحافلة يتسلق أنحائي، تعاتب بمقلتيها الثملتين شخصي، الذي ينزاح عنها، تغتالني لأفيق من سهوي المزمن، أفتح ذاتي المذبلة، أرمقها أمامي، خلفي.. تتفاقم في خيالي الهواجس والاستفهامات، ها.. ها الآن ينطبق عليك فكا الشراك، لتغدو سجين رؤاها، وتختم أجواءك بالشمع الأحمر، لتحاصر أديرتك غربان الشؤم، ولا خلاص مما أنت فيه، فالكون ينهار إذا ما أماطت الأنثى عن عريها أو سرها، والكل يخلد الليالي الحمراء، وحتى الخطيب في عهدنا تناسى الحقيقة!
- عاهتي أنني لا أرفل.
- وأنا عاهتي أنني أرفل، وبهذا الفعل أحقق قسما من وجودي.
- عذرا، فالأذواق تختلف..
- لكن، الحقيقة لا تختلف، حتى أن الإنسان في حقيقته واحد.
- غير أنه في تصوره متعدد.
- وإن تعدد التصور، توحد في ماهيته.
- ....................................
يا نوارس الصمت التي ترين على كبدي المعنى، خففي الوطء، وبددي لحنك الحزين، فنار الشجن تلتهم كهوف ذاتي، وعرافة القرية ذات الخصلات المطلية بالحناء، تجلدني كل ليلة بأمحوضة لا تنسى، وما يعرفه الصحاب عني، ليس ما تمليه مشعوذتي من دروس عشقية، أو ما يساورني وأنا ثملان، يا نوارس الصمت، لا تخطي في محضر الغيب سيرتي المشؤومة، وتقولي لشيخ الحومة، أني المعتوه الذي فتن نساء القبيلة، أني المخاتل الذي اختطف بنت السلطان من مزبلة القصر!
- دعيني أمضي لحالي..
- وماهية حالك يا صغيري؟
- أمي تدعو كل فجر، ليبارك الله في فلذة كبدها، ويحفظه من ويلاتك!
- ماذا..؟
أجل، يا عبرتي الخجلة من التدلي، يا مهجتي التي يقتصها لحن الهزار من جذور الجذور، صرت صغيرا في زعمها، تصارحه بخدعة من نار، وتقول أنها فاكهة من أشجانه، ولا تدري أنها محرمة، وأن قافلة الدهر استقتها إلى رحابه، فشيدت خيمتها بجواره معتقدة أنه الجدير بها.
- إني ما اعتقدتك هكذا، تطلبين الطموح طلابا.
- إني اكتمل ذوباني فيك.
- والطامة الكبرى أني لم أحس بعد!
- أنت في كآبتك يسقط الملايين، أنت شيطان إنسي!
- إنسي شيطاني!
- إن الصروح التي أسرفت في بنائها قسطا من عمري، تتهاوى الآن.
- ولا أراها.
- إني أراها وحدي.
- وأين هي؟
- إنها في ذاتي.
- نرجسية أنت، تلفظين كلاما فلسفيا، وفي الحين لست فيلسوفة!
- بل فيلسوفة نفسي!
- 4 -
تهاتفني من خلف القناع ولا أراها، تتجول رفقة الدجى، تسامر جنوني حين أتطرف، وأتقلد خطى أفلاطون في سموه، وتقول، فيحسبها الجالس جنبي موجا ليليا.. بين تضاريس الوجود أدرك هويتها، وفي تجاويف السماء ألمح قدها الفاتن، فتسحرني، وتخلبني نكهته فأترنح، وأذوب على زجاج النافذة، الذي هو متكأ رأسي منذ حين، لأراها تتراقص في بؤبؤي عيني، وفوق أنوار "تفرسيت" المتموجة..
- فيم تتأمل؟
- في ذاتي في هذا الخلق المنظوم.
الكينونة في تقلب زئبقي، توفق في صورتها بين ألوان قوس قزح، فيظهر على ثراها من هو راض، ومن هو مثلي يسند قلبه بعد تمرد وإجهاد، إلى جدار الصمت، ليردف الكائنات أعلى.. أسفل.. أ..
تنتصب "لونجا"، يذكرني قوامها الممشوق بصيف الشاطئ، تتسلل نحو أحشائي لتحل في، أنحتها تمثالا، وأرجو لمس راحتها البضة في الخفاء، حتى لا تراني أو أراها! إن لفحة من لفحات الخريف تفيض على مبسمها الفواح، فأحدج فيها وجهي العبوس، وهو يبسم، وطموحي المشروخ، وهو يتألق، ثم تختفي وراء أسوار المبنى، فينهار طموحي، وألتقطه بسرعة، فأكتشف أني الهائم من دون دليل.. فأزجر شخصي المذهول وأبكته.
يلتفت من إغفاءته المعهودة، أتطلع نحو الفوق، رؤوس تمتد، عيون تسترق النظرات في نهم، يحضرني "الحجاج"، وهو يستل من الغمد منجلا فضيا، ويشرع في .. أتطلع ثانية.. أنجذب لوجه أنثوي يحدجني، ينخرني شيء ما من الداخل، فتذوي أعشاب الرغبة في عمقي، ويفتر شغفي شيئا فشيئا، أتقوقع حول سري، وأهيم في فلاة الكتمان، مثل صوفي يطلق لذاذات النفس اللوامة، ليتخذ الخربة النائية صومعة له، أو مثل عاجز لا يطيق على اقتطاف فاكهة العشق، من كرمة تظلل سائر القلوب، ويردد ما قاله الذئب العجوز؛ أن نكهتها مرة!
- 5 -
ما انفك الليل يضاجع أشيائي المقرورة، ويشحن سكونه البارد في دمائي، تأتي "لونجا" من غير أن أدري، تشدو في متاهتي الموشومة باليتم أهزوجتها السارية، تعزف على حفيف الأوراق، أضع نبضات قلبي على لحنها الشجي، وأفيض نشاطا، ويكون صحو، ويكون تماس، ويكون حلول.
إنك تمشقين في كل لحظة نفسي، أجنح إليك، ألاحق في مجازفة سحرك الوهاج، وأرسم قدك المتراقص وفق إيقاع ذاتي، فوق زجاج الحافلة، وفي عيني.
من شمالك، يأتيني هزال هذا الشوق، فيفقدني حتى ما ورثته من وعي، أحرق الخريطة، وما عليها من مدن، بجمرة كالتي في أعماقي، وأرشف قهوتي من قدح فارغ، ويثملني لونك القزحي، وفاكهة فيك تتجسد..
أنت، حين يتلاشى وجودك في الخفاء، أكسر قيثارتي التي بها أنحتك لحنا خالدا، وأمزق فواصل السمفونية، فألقي بذاتي في عين الصمت، لأعلن عزلتي أو أهجرك.
ترصدني عيون الليل في تحير، ينهار فراغي، ويغيض الأسى، فأخجل من نفسي، فيتمرآى وجهي على الزجاج، ثم ابتسم.. لما أدرك أن الرحلة قد انتهت، وأننا على مشارف الوصول إلى بيوتنا الدافئة، أنتصب، فأحذو حذو النازلين من الحافلة، نازلا من السماء إلى الأرض!
(*) استمرت هذه الرحلة الواقعية والنفسية سبع سنوات كاملة!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سمير جمول
- الزيارات: 15
الســـــــــــيف المغبر
دخل مسرعا ووجهه يقطر غضبا , امتشق سيفا قديما كان معلقا على الجدار وقد ( اعتلاه ) الغبار صعد على مقعد خشبي قبالة التلفاز الذي كان مايزال يذيع نشرة الأخبار والتعليق ... والتعليق على التعليق منذ زمن ولو استطاع الغبار ان ( يعتليه ) ايضا لفعل .
ضحكت زوجته بسخرية قائلة: ماذا تفعل يا( أخو)...العرب
- سأحارب .. وسأسترد كل ما أخذ وبالقوة
وبنفس انبرة الساخرة .....انز يا أخو ...... العــــ....لقد سبقوك تاركين لك وهما تعافوا منه وأعتقد بل أجزم انهم يبحثون عن ند لهم فلم تعد منافسهم .
نظر حوله بعد أن نبا سيفه وغادرته النخوة بائسة وانتحر الضميرعلى عتبة خطاباته .. أيعيدهذا السيف الى مكانه فقد أقلق راحته بعد سنين طويلة من الرقاد ؟؟؟؟؟؟؟ ام يحاول ثانية ربمايقبلون به في ساحةالوغى ....؟؟؟؟؟
لم يطل به التردد , طلب من زوجته ان تعيده الى مكانه فقد انعكست صورة الزمن الهرم بتجاعيده على يديه وتكاثفت خيطان العناكب على ذلك الرأس الذي انحنى وفارقته نشوة الشموخ ولم ..ولن ...يقو على الصراخ فما قد كان...., كان كثيرا على أن يستعاد والمسافة بينه وبين الآخرين لم تعد تقاس .
تكور على نفسه فوق ذلك المقعد الخشبي ناسيا و متناسيا صوت المذياع الاخباري وتاه في مجاهل اللامكان واللازمان فما عاد شيء يفك رموز احجيته سوى المعجزة .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ستار نوري
- الزيارات: 17
بدت لي صورته عن قرب ، على هذه الشاكلة . فكنت بين مصدق ومكذب . وهجست لنفسي سرا ، انه لا يمكن ان يكون قاسم كليكل ، الرجل الذي لا يحفل بشيىء او بشخص قط . لعله شخص آخر قريب الشبه منه . على مهل دنوت ، حين فرغت من هم نازعني الوصول اليــه ..لكنه تلاشى كالبرق بين اطلال متزاحمة ، مخلفا طيوفا طاردت خيالي ، وهو يمتع جمهورا واسعا من اناس اكتظوا حوله طربا مساء كل خميس ، وقد انتشى ببضع رشفات عرق ، مفتاح عقدته السرية ، لتعمر مزاجه الدافق بالفرح . فيما تهيأ مريدوه لاستقباله مترنحا باغنية جديدة اطلقها بنشوة غامرة ..
لا ادري، ربما استمتع البعض باغنياته حقا ، كما استمتعت بها ، لكن متابعيه يقولون انهم يشعرون بالمتعة التي يضفيها على اماسيهم بفضل طريقته الساخرة . حتى بات مولعا بتغيير العديد من نصوص الاغاني المعروفة بشكل يناسب امزجة محبيه ، وكأنه
ادرك بالضبط ما خالج نفوسهم من هواجس بقدر او باخر . وذلك ما كان يعنيهم او يمتعهم بشكل خاص ، على ما اظـن . لكنه لا يتوقف عند هذا الحد ، انما يتلاعب بالالحان الغنائية المعروفة ايضا ، فيغني احدى الاغاني الشهيرة لام كلثوم ، او عبد الحليم حافظ ، بطور داخل حسن مثلا، وهذا ما حصل بالفعل عدة مرات ، لكن احدا لم يستغرب او يستنكر ذلك . بل على العكس ، ربما وجد فيها البعض فرصة للتندر واثارة التعليقات المضحكة من جانبهم ..
استقر في عيون الكثريين ، كطيف جميل، قبل ان يظهر نجم (مجيد راضي) الذي اسماه قاسم تحببا (إمجيّد) ، و شاركه ذات الشهرة عندما انضم اليه فيما بعد فكوّنا ثنائيا لاقى قبولا واسعا من الجمهور . مارس قاسم دور المطرب والشاعر ،بينما برز مجيد باتقان العزف الشفاهي المنفرد على جميع الآلات الموسيقية . لكن ذلك لم يكن عرفا ثابتا لديهما ، فقد يحصل العكس ، فيقوم مجيد بدور المطرب ، بينما يؤدي قاسم دور العازف
بدلا عن مجيد ، وقد تراهما يغنيان ويرقصان معا ، وفقا لمزاجهما ..
استغرقت اللعبة زهاء السنتين او اكثر ، قبل ان تاتي الحرب المجنونة مع ايران .. فالتحق مجيد باحدى القطعات العسكرية في القاطع الجنوبي من الجبهة ، فيما راحت مفارز الجيش الشعبي تطارد قاسم كليكل اينما حل على الرغم من كبر سنه ، مما اضطره إلى الاختفاء عن الساحة والظهور في احوال نادرة ..حتى جاء خبر استشهاد مجيد في احدى المعارك الطاحنة التي حصدت ارواح الكثرين معه .. فاقصى قاسم نفسه من الظهور ثانية بدون مجيد ..
* * *
مثل صوت صفارة انذار مزعج ، اطلق نعيقه في سماء صيفية صافية عند الغروب ، مما حمل زميلي وصديقي حمزة الحلاوي على التشاؤم ونحن باتجاه السوق الكبير مرددا القول بقلق وانزعاج :
ــ اغراب اسود ؟! ياستار يالله .. ياستار يالله .. توددت اليه محاولا التخفيف عن ازمته المنبعثة عن دواخله بعمق. لكن نبوءته صدقت هذه المرة ، حين اطل على شاشة التلفزيون وبشكل مفاجئ ، مذيع البيانات العاصفة، مقداد مراد ، بصوته المدوي لينقل الاخبار الواردة من الجبهة ، معلنا عن تجدد المعارك الضارية في القاطع
الجنوبي .. ودعني الحلاوي بقلق،وهو يروم الالتحاق بوحدته ثانية قائلا :
ــ أ لم اقل لك ، انه اغراب البين ؟ ثم اردف:
ــ هذه المرة ، ما راح اتعدي سلامات !!.. قلت محاولا تهدئته :
* لاتبالغ في تشاؤمك يا اخي ، انها مجرد صدفة ، وهذه خرافات قديمة .. ستعود بالسلامة ، بعد ان تنتهي المعركة ، كسابقاتها ، ونلتقي ثانية،ان شاء الله . قاطعني بالقول :
ــ مو كل مرة تسلم الجرة ،كما يقولون..اخوي اريد احملك امانة ، اذا وصلك خبر استشهادي ، او اسري . ارجوك تتصل بامي بالحلة وتطلب منها ان تسامحني ، بعد ان تحملت من اجلي المزيد .. قالها بحسرة وألم وكأنه على يقين ان شيئا ما سيحصل له ..!! بعد يومين على التحاقه بوحدته العسكرية في الحبهة، وصلني خبر اصابته في المعركة ، وجرى نقله الى المستشفى الجمهوري ، الذي تحول إلى مستشفى شبه عسكري فصار يستتقبل جرحى و مصابيّ الحرب في معظم الاحيان بدلا عن المرضى .. وخلال تجوالي في ممرات المستشفى وانا بصدد البحث عن صديقي الحلاوي ، لمحت بوضوح من خلف زجاج غرفة العناية المركزة ، قاسم كليكل ، بعد غياب طويل ، رقد مريضا ..!! و بعد الاطمئنان على سلامة صديقي .. رحت استفسر عن المرض الذي كان يعانيه كليكل ، من احد الجرحى الراقدين في ذات الردهة . بادرني زميلي الحلاوي الحديث عنه باعجاب وألم قائلا :
ــ انه يعاني مرضا في القلب .. ولكنه انسان عجيب !!.
* وما سر العجب فيه ؟
ــ تصور يا اخي ، انه يعاني من انسداد في شرايين القلب ، ومع ذلك اصر على التبرع بالدم للجرحى .. متجاوزا نصيحة الاطباء ، واحتمالات الخطر المحدق بحياته
فيما لو استمر على هذا النحو ، وعندما منعه الاطباء ، تحايل على الجميع لينفذ مافي رأسه ويتبرع لجندي
مصاب كان في حالة خطرة ، في وقت خلا فيه مصرف الدم من رصيده !!
* ولكن كيف استطاع ان يتسلل من غرفة العناية المركزة وهو في حالته تلك ؟! الا تجد في ذلك مبالغـة ؟
ــ لا .. لا لم يكن في حالته هذه ، قبل هذا الحادث ..الا ان حالته اخذت في التردي وساءت كثيرا فيما بعد .. والغريب في هذا الرجل الشهم ، انه قام بخدمة الجرحى
على الدوام ، على الرغم من عدم موافقة الاطبــاء والمرضى . ومع اصراره وتوسلاته اليهم جعلتهم مضطرين لتحقيق رغبته على مضض .. فهو يحرجك كثيرا وانت ترى دموع رجل بهذا السن ،تسيل على خديه راجيا منك قبول خدمته ..و هذا ما حصل معي،حين جيء بيّ إلى هنا ..
تمنيت لو يشفى تلك اللحظة كي اعرف منه حقيقة الرجل الذي صادفته من قبل . الا ان الفرصة جاءت على عجل وباسرع مما توقعت ، وانا اودع عزيزا رافقته إلى تلك المملكة الموحشة قبل هطول الظلام بقليل . وحين ادركت المكان ثانية ، ساقتني الرغبة مجددا للتعرف الى صاحب الطلل الذي وقف عنده الرجل الشبيه بقاسم متضرعا إلى قبره ، سائلا قبول اعتـذاره ، وكأني اسمع صدا صوته يتردد بوضوح في آذني تلك اللحظة ،كما كان
يناديه اول مرة قائلا:خوية ارجوك اتسامحني ..خوية مقصر بحقك..وقفت أقرأ لوحة كتب علـيها (( الفاتحة على روح الشهيد البطل مجيد راضي نابت البــــــيضاني
استشهد في معركة الشيب في قاطع ميسان بتاريخ 16 / 2 / 1983 .. )) شعرت بالحزن الذي خالطة شيء من الفرح و التفاؤل و انا اتذكر وفاء وصدق ذلك الرجل العليل ..
- التفاصيل
- كتب بواسطة: م. علي ناصر
- الزيارات: 14
" يا للرشاقة و الخفة ، قد ممشوق نضر كالسوسن ، خصر دقيق كعود الرمان ، و شفاه كأوراق شقائق النعمان ، هيفاء ، غصن بان ، عينا مها وغرة قبرة تقفز .. "
أوصاف رائعة تراود خيال الأستاذ عبد الستار ، كلما خطرت أمامه السكرتيرة الجديدة الفاتنة .
تساؤلات أخرى اخترقت تفكيره و قلقه ، لعل مدير الحسابات الخبيث أحد مصادرها :
" وجدت لك سكرتيرة تعيد الشباب لمن نسي عمره! "
ماذا قصد مدير الحسابات و لماذا لم يحتفظ بها لنفسه ؟!
" في الحقيقة أنت تستحق كل خير يا سيادة المدير العام ، لا تسيء الظن ، تعلم أن شقيق زوجتي يعمل لدي ، و جواسيسها كثيرون هنا ، أما أنت ما شاء الله ، لن يجرؤ أحد على التفوه بكلمة واحدة ، الورد جميل يا أستاذ ، واشتهيت لك وردة معطرة "
-- أستاذ ! تفضل ا لبريد العاجل ، يوجد فيه فاكس من فرنسا ، يرحبون
بزيارتكم على حسابهم للإطلاع على المصانع الجديدة .
شفتان قرمزيتان تعزفان على أوتار القلب ، النبض يسرع ، ما زال التغريد يصدح.
لم تطرب أذناه لموسيقى من قبل كهذه ، آه ، بلى ، تذكر صوت هند "زوجته " عند لقائهما الأول ،
تجهم وجهه قليلاً، ثم شابته ابتسامة صفراء ، تذكر الأيام الخالية قبل بضع عشرة سنة ، وتساءل :
" لماذا تغيب موسيقى الحب بعد سني الزواج الأولى ؟ "
توقفت الشفاه عن الحركة ، لم يحر جواب .
نظر في العينين الواسعتين ، كانتا صافيتين ، ليلاً مقمراً فيه نجمتين مذعورتين ، هاربتين منه ، إليه .
-- عفواً أستاذ هل أخطأت ؟
--لا يا ابنتي ..
لكنها ليست ابنته ، كيف خرجت هذه الكلمة من بين شفتيه الآثمتين! ابنتي !
تساءل :
" شعور الأب هذا أم شعور العمر؟! "
إنه أب لابنة تصغر هذه بقليل ، ما يزال في الأربعينات ، فلماذا تخرج كلمة (ابنتي) من فمه !
أليس إعجابه بها إعجاب رجل بامرأة؟ وهذا الشغف والانجذاب أليس حباً و عشقاً !
" لا ،لا يمكن "
خاطب نفسه مقاضياً إياها على تهورها :
" أنا من أحب هند حب قيس لليلى فكيف لي ترك منى أحلام شبابي وهي تحت سقفي ، وفي قلبي حبها مكنون "
الحب ثانية يدخل المخيلة بعد نسيان ، فقد أصبحت باهتة كلمة الحرفين المعجزة ( الحب )
عاد إلى حساباته المنسية : لماذا أصرت هند الزوجة على استخدام امرأة للطهي و التنظيف و إعداد قهوتهما الخاصة ، بعد أن أعلنت أيام الخطوبة أن لن تلمس شفتاه غير ما تعد هي في المطبخ !
تنهد بعمق و هو يحاول تذكر آخر فنجان قهوة حضّرته هند الحبيبة فلم يفلح .
ربما كان ذلك قبل مجيء الأولاد ، وبالتأكيد قبل أن يصبح مديراً عاماً .
احتساء القهوة من يدي أم أحمد البسيطة كاحتساء مرق دجاج بارد ، وربما أخذ شهية احتذاء زوج أحذية قديمة لضرورة حفر تراب الحديقة !
رائحة البن المعطر بالهال تسرح فيه ....
هند القديمة تظهر من خلال السكرتيرة متواضعة ،
عطرها يصارع ليجد مكانا لأنفه الحساس ،
صراخ عميق يصدر عن صدر شهي ..
" تفضل القهوة يا أستاذ "
" ماذا تريد يا سيادة المدير العام ؟
القهوة أم الصدر الرحب ؟
أم عطره.....
أم الأنوثة بكل ما فيها من مستنقعات ضحلة وعميقة!
أنت المدير العام أم عبد الستار ؟ وهي هند أم السكرتيرة ؟ ماذا تريد ؟ الحب ، الناطور ، العنب، الحنان! ربما ! نعم ، بعض حنان أيها الكهل الحزين ..."
أغمض عينيه متحاشياً النظر نحو فخي النهدين الفتيين الثائرين على ضيق المكان. لكن الإغماض حبسهما تحت الجفنين الآثمين بمرأى الفاحشة ،كما تحتفظ الشمس بفضتها فقاعات من إشعاع بعد لمحها ، كانت قطرات المطر تنساب عن أسمرين منتفخين ، أسمرين أم ..
التفت يميناً و فتح عينيه ، ما زالا يتحديان الكهولة و الرجولة و الصرامة ، والمديرية ! أحس بلعابه يملأ رئتيه ، فسعل سعالاً حاداً .
طفرت الدموع من عينيه .. أحس بالاختناق و الخيانة ..بحث عن منديل ورقي على طاولته دون هدى ، فارتطمت يده بفنجان القهوة ، انسكب بعضه .
-- " فداك يا أستاذ "
أحس بالحنان، إنها هند القديمة ..
" تفضل اشرب بعض الماء "
شرب
-- " فيها الهناء و الشفاء " ..
حمد الله ، و لعن الشيطان . عطر القهوة الممزوج بأحلام يقظة شبابيةقديمة استعاشها ثانية مستذكراً لقاءه الأول مع حبيبة الشباب زوجة الحاضر.. بقايا صورة من خيال كاد يشيخ..
عطر البن بقي يملأ منخريه و صدره ، فأحس من جديد بانتعاش ..
رشف قليلا من القهوة الباقية قي الفنجان .. وأبى في البداية ابتلاعها ..حاول تذوقها في فمه أطول وقت ممكن..
" عفوا أستاذ .. سأعد ّ فنجان قهوة آخر، ثوان فقط"
و اتجه الغزال نحو الباب..
تسمرت العينان في مقبض الباب ...
إلى الأسفل فتح الباب ..خرجت ,
أرتفع إلى الأعلى ..
إلى أسفل ، فتح الباب ثانية , صينية القهوة .. بخار البن و العطور ، القد والجمال، دخلوا جميعاً مع الحياة النابضة بروح الشباب الجديد.
في صباح اليوم التالي ، كان قد طلب من هند فنجان قهوة .
قالت: "ولماذا الخادمة إذا ..هيا .. الأستاذ ينتظر القهوة يا أم أحمد "
وجاءت القهوة بعد ربع ساعة .. رشف منها رشفة واحدة أحرقت لسانه ، ملأت فمه بالثمالة ، فنهض مدّعياً وجوب الإسراع إلى العمل ومتجنبا مناقشة عديمة الجدوى حول الحب والزواج والقهوة مع هند ..
--جاءت على خير يا أستاذ، سكبُ القهوة دليلُ خير.. ولم تتأذ ّ أي من الأضابير ..هاك الفنجان الجديد ..إنّه أسخن وألذ ..أرجو أن تعجبك قهوتي يا أستاذ..
-إنّها ألذّ قهوة ارتشفتها منذ مدّة بعيدة ، كيف تحضّرينها يا.. ما اسمك ؟ -- اسمي هند يا أستاذ
-- ماذا ؟ -- هند
-- هند ؟! -- نعم جميل! "
-- " قهوتك لذيذة يا هنـ ..د .. كيف تحضّرينها ؟ "
-- " سر المهنة يا أستاذ " وضحكت بغنج و دلال ، فظهر اللؤلؤ المتناسق ، أسنان من ثلج ناصع ، متراصة كفرقة رقص ، كتف إلى كتف، و ضواحك ! يا لها من ساحرة ! تعطر الضحكة عمق القلب ، والثغر رقّة و نعومة .
" سر المهنة ! " عبارة هند الزوجة قبل أن تصبح كذلك ! كانت ترددها دوماً عندما يسألها عن سر إعجابه بها ، و إعجابها به ، أو قوة حبهما .
كانت تقول : " الله سبحانه صانع الحب ، ونحن جزء من حب ، إنها إرادة علوية ، فلا نهاية إذن لهذا الحب الإلهي ، حب مصنوع بطريقة ٍ سرية لا يعلمها إلاّ معلّمها الأكبر ، إنه سر المهنة! سر المهنة ! "
إنها قهوة هند القديمة ، هل عادت إليه هند الحبيبة ؟ هند ما قبل خمس عشرة سنة ! هل عادت نضرة كقرص عبّاد شمس ! و لماذا لا تكون هي ؟ فالقهوة قهوتها ، و الثغر ثغرها ، والرشاقة لها وكذا سحر الجمال والفتنة!
و السرّ ؟ سرّ الحب ، ينكشف الآن ، فالقلب عاد شابّاً يخفق بعد سبات طويل ...
و الابتسامة تشقّ طريقها بين الصخور الناتئة و ركام الأيام ، الأعوام .
الكاهل المثقل بغبار القنوط يشعر بالراحة ، ينتفض ، كما اتسع الصدر
و رحب ، صار حراً كجناحي عصفور دوري شقي !
" أي سر فيك يا هند الصغيرة ! لا، لا ، لست صغيرة و لست كبيراً، قهوتك المعتقة أزالت قطران الهموم من صدري ، نظفت رئتيّ من سموم الإرهاق و الكدر ، حتى الاسم مسح عنيّ الكهولة الشائخة" --" هند"
--" نعم أستاذ عبد الستار ! "
لا زالت موجودة إذن ..
أحس أنّه كان يحلم والحلم يغدو حقيقة : -- عفواً ! لا...لاشيء ، لا شيء
--أستاذ ! أشعر أنّك لست على ما يرام ، تفضل اجلس علىالأريكة ، ستشعر براحة أكبر ، لن أدخل عليك أحد قبل أن تنال قسطاً من الراحة ، اتفقنا؟
" أين أنت يا هند الزوجة ، تعالي وتذكّري هند القديمة !
ما الذي يفقد المرح و الحب؟
الأولاد أم الزواج؟
أم العمر و الانشغال في العمل ؟
بل هذه الوظيفة التعيسة ، مظاهر ، و نفاق و مجاملات.
******
استيقظ صباحاً على ضجيج أبنائه اليومي المزعج ، كم يكره الاستيقاظ على صراخها و بكائهم !
و بدأت السيمفونية اليومية ، بدأت المواعظ والتأنيب اليومي لتأخرهم بالاستيقاظ المبكر .
تململ في فراشه وقد ازداد الصداع كرة ثلج سوداء ثقيلة تحتل مركز رأسه الخلفي ، ارتمى رأسه على الوسادة ، فرك عينيه ، وهج واحمرار و بالونات تلمع في الفضاء ، تذكر لبرهة بكره لحظات إيقاظها القديمة إياه ورائحة البن تملأ جو الغرفة " هيا إلى الشرفة قبل أن تبرد القهوة !"
و عندما كان يتكاسل تأتيه أنوثتها معطرة بقبلة الصباح الدافئة ، تسبق برودة الفجر المتسللة من شق الباب ، زقزقة العصافير تصبّحه أيضاً بخير جديد .
هل كان ذلك نفاق بداية الزواج أم أن الزواج قاتل حب متمرس ؟!
نهض بتثاقل وهمس لزوجته بلطف :
-- يا حبيبتي أرجوك لا ترفعي صوتك عند إيقاظ الأولاد ..
قاطعته بعصبية و صوت عال : " أنا دوماً المذنبة في هذا المنزل !! الأولاد من جهة و أنت من أخرى ، حضرتك تسهر في مكتبك حتى وقت متأخر وتأتي والكل نيام ، نم باكراً تصح باكراً ، فلا تزعج نفسك و لا تزعجني " -- ما هذا الكلام يا هند؟ أنت من يتكلم هكذا ؟ -- نعم أنا ، أريد أن أموت كي ترتاح و أولادك من هند .
-- لماذا تقولين هذا الكلام ؟ و ما الداعي له ؟
--طبعا لا تعرف ، البيت مسؤوليتي وحدي و ليس مسؤوليتك ! تذهب صباحاً و لا تعود قبل المساء ، من يربي الأولاد ؟ أنت لم تعد عبد الستار الذي كنت أعرف ، شغلتك الوظيفة عني و عن بيتك .
-- على رسلك يا حبيبتي ، تروّي قليلاً و نناقش كلّ شيء .
-- لا أريد المناقشة ، فكل شيء انتهى . -- حبيبتي !
-- أي حب تنادي به ؟ كان و مات . لن أصدق حبك بعد الآن .. لم أسمع كلمة حب منك منذ سنوات .....
--...........
-- حبة أسبرين أستاذ ! وهذا كأس ماء بارد . رفع رأسه ببطء " لا ، شكراً ، هات البريد ! " -- إنّه أمامك يا أستاذ ...
كابوس جميل يخيم عليه ، يحيط به ، يحط على رأسه ، لم تستطع عيناه الارتفاع بالنظر إليها ، قلّب أوراق المناقصة الأخيرة مع الشركة الفرنسية ، داعبت أصابعه فاكس الدعوة المجانية له و لمن يصطحب لزيارة باريس لمدة أسبوع واحد.
مضت فترة طويلة مذ زار باريس مع زوجته هند قبل سنوات ، هل ستكون معه هذه المرة أيضاً؟ لقد أقسم ألاّ يصطحبها ثانية إلى أوروبا ، كيلا تباهي زملاءه بجليل اقتراحاتها التي جلبت لزوجها المدير العام والوطن أفضل العقود، " ألست خريجة كلية التجارة والاقتصاد والأولى على دفعتي ! " " هل أصطحب هند الصغيرة! لا، لا ، لن أكرر أفعال الآخرين " -- لم لا تصطحبني معك إلى باريس يا أستاذ، فأنا أتكلم الفرنسية بطلاقة.
رفع رأسه إليها ، مزهرية ورد جوري ، اسمها هند ،
-- لماذا أسماك أبوك هند ؟
دارت إلى جانب المكتب، أسندت ساعديها على زجاجه، و هتفت " ربما كان يعشق هند ما قبل أمي! "
جرأة كبيرة ، أحاديث خاصة ، دخول مباشر في التفاصيل ، حواجز كثيرة تخترقها هذه الهند في اليوم الأول من عملها لديه كسكرتيرة.
تجربة الحب من أول نظرة تتكرر معها ، مراهقة و فتوة وعنفوان
و الحب الأول مع هند ." لا أيها المدير العام ، أراها تأكل منذ اللحظة هيبتك و وقارك . ماذا لو حضر أحد الحسودين و رأى الفتنة في وجهك تملأ كيانك ! "
اعتدل المدير العام عبد الستار في مقعده ، فارتدت هند للوراء
و انتصبت عود بان : " هل تأمر بشيء يا أستاذ ! "
--لا مع السلامة
تنفس الصعداء ، لم يضطر لصرفها ، في الواقع لم يجرؤ على ذلك ، يا لها من فتاة ذكية ! فهمت مراده و طلبت الانصراف قبل تفوهه بالأمر ، قرأت أفكاره المنصبية ، فانسحبت على الفور قرب الخط الأحمر الذي رسمه مدير الحسابات أو فطنتها أو إحساس المرأة فيها .
رفع سماعة الهاتف ، شكر مدير الحسابات على اختياره الذكي ، ولكن لن يقبلها فقد تسحب نظر و قلوب الضيوف المستثمرين ،و تعطل نجاح الشركة ، في حين يحافظ هدوء أبي سمعان مدير أعماله وسكرتيرته على وجودهم .
أعاد عبد الستار السماعة وهو يقول في نفسه :
" تكفيني هند واحدة ! "
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سمير جمول
- الزيارات: 11
لسان وسلم
عبارات حفظها تعود ان ينثرها في كل الأنحاء فقد كانت سلسة بحيث تستطيع عبور كل الآذان مرورا بالدماغ الى القلب اوبالعكس لاأدري ..؟؟ المهم أنه عندما صعد ليرى تلك الآذان تحطمت الدرجات وسقط السلم متداعيا ..فقد عجزالسلم عن ان يكون مطيته ..لقد صمم لمن يملك ايد وارجل لاكتل من اللحم الرجراج...... و(لسان)
معنى كلمة الوطن