مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

التفاصيل
كتب بواسطة: ماهر نصرت
نشر بتاريخ: 11 يناير 2001
انشأ بتاريخ: 11 يناير 2001
الزيارات: 12

                           أنـه أبـي                                         

 

           قصة قصيرة                                                                                       ماهر نصرت / العراق

 

 

           كنت سعيدا لحظة شرائي جهاز الفيديو ( سي دي ) من متجر يبيع بضاعته الرديئة بالقسط المريح ، أحمل صندوق حلمي وأعدو منطلقا" نحو وكري كطائرٍ سجينٍ أطلق سراحـه للتو فوق رابية خضراء ساحرة ، كنت أرى الناس وكأنهم يشيرون نحوي بفخر واعتزاز وأنا هائما" أخطو بكبرياءٍ ورفعـه كخطى قائدٍ متألقٍ خرج بجنده للتو من حربٍ ضروسٍ منتصرا ، أخذتني نسمات أحلامي نحو أروقة مدرستي ، أطوف فوق رؤوس أولئك التلاميذ  أولاد الذوات وأصيح بأعلى صوتي أني قادم .. سأخترق عنصريتكم وتفاخركم أيها المتكبرون وسأناقشكم غدا" عن أحداثِ آخرِ فيلمٍ أمريكي هبط الى السوق ، وصلت البيت كأني طائرا" على بساطِ الريح تطاردني الفراشات  والنسمات ، هناك بين أزقــة الماضي الصدئة وشناشيل الحضارة المتأخرة وأمام باب دارنا الخشبية المرقعة كباقي أبواب الحي وقفت أمي تنتظرني بصبر يكاد ينفذ ، وما أن رأت طلائع قامتي حتى بانت على محياها علامات البهجة والسرور  … فاليوم هو يوم مبتسم في تأريخ عائلتنا المسحوقة منذ أن فقدنا والدنا قبل اثني عشر عامـا" ،  فأمي

 ( الخرساء ) التي لاتفهم من حياتها سوى الطبخ والغسيل وجدت نفسها في صباحِ يومٍ عصيبٍ أنها معيلة لصبي وطفلتين وهي لاتمتلك من المال ما يكفينا حتى صباح اليوم التالي ، فأيجار البيت أستحق قبل شهرين من تأريخ أختفاء والدي ، وبائع الخضار رفض أعطائنا أحتياجاتنا ما لم نسدد فاتورة حسابه المتأخره  وصاحب المخبز أرسل العامل يطالبنا بدفع ثمن الخبز للأيام الماضية ... وبائع النفط هو الآخر راح يسرع عربته ويضرب حماره بقسوة عندما يقترب من باب دارنا  فيغضب الحمار ويتمرد بعد أن كان يعدو سعيدا" مبتسما ، حتى أصبحنا العائلة الخامسة والثلاثون في الحي التي تستحق العطف والمساعدة ، فكم من ليلةٍ خلت وبطوننا جائعة وكم من شتاءٍ مضى ونحن نرتجف تحت شر اشف أغطيتنا ، قبل ستة أشهر حصلنا بأعجوبة من منظمة إنسانية على ثلاثِ بطانيات ووسادتيِ إسفنج  ، وبعدها بشهرٍ تصدق علينا مديردائرة خالي ومنحنا تلفزيون يعمل بالضرب ، وقبلها تكّرم علينا خطيب جـارتنا ( أعزه الله ) ومنحنا طباخ نفطي صغير  لنطهي عليه طعامنا بدلا" من أكوام الحطب التي تتطاير منها سحب الدخان وتزعج أنف خطيبته المغرورة حوراء  .

دخلت البيت أتقدم كرنفال الأستقبال ووضعت جهاز الفيديو  أسفل صورة والدي بطقوس الإجلال والعظمـة مثل قربانٍ يرمى تحت قدمي ألـه … ورحت أناشد أبي في لحظة حنين زلزلت أعماقـي وجعلت دموع الحسرة تنساب بشوق الذي لم يرى أبيه ألا في صورة مغوشة علقت فوق جدرانٍ مهترئة وأنا أردد بوعي شــارد  ( لماذا رحلت عنا يا أبتي ، هل كل من خرج عند الصباح ليجلب الخبز لأطفاله لم يعود هكذا كما فعلت انت ؟ أم أنك لم تستطيع أعالتنا فانتحرت كما فعل جارنا ( أبا  خالد ) ؟ أم يا ترى قد أحرقتك نار الحرب وراء وجبة تجنيد أجبارية قام بها رجال ( صدام ) عندما كانوا يخطفون الناس من الأسواق ومحطات وقوف السيارات بحجة عدم مشاركتهم بميلشيات الجيش الشعبي  … عد ألينا ، فها أنذا قد كبرت ووجدت عملا" فيه من الرزق ما يكفينا  .. عد ألينا ياأبي فنحن نحبك وسنضمك الى صدورنا ونفخر بـك كأب حنون الى الأبد   … ) .

ومرت الأيام كالسحاب مع جهازنا  المؤنس كنت أستأجر بين حينٍ وآخر أقراص الـ ( سي  دي ) من بائعين يتمركزون بمناضدهم الصغيرة بين أروقة الأسواق وعلى جنبات الطرق حيث أرتال الناس المتعاكسة والتبادل التجاري الناشط ، يتجمع حول تلك المناضد ثلل من الشبابِ والمراهقين يبتاعون ما تميل أليه أذواقهم من أغانٍ معاصرة فيها من الصخبِ والضجيجِ ما يرقص مشاعرهم ويخفف آلامهم ، وأقراص أخرى لاأعلم لماذا يتداولوها بالسر من تحت أسطح المناضد وعند الزوايا وخلف الأسوار ، صادفني في إحدى المرات أن أستأجر قرصا" ظهر مع ألبوم الموظة يقال أن فيه مشاهد مروعة عن تعذيب معتقلين في سجون النظام السابق ، عدت أدراجي الى البيت متلهفا لرؤية تلك المشاهد ، كانت أمي وشقيقتي يجلسون على مقربة مني وهم ينتظرون رؤية أحداث ذاك القرص بعد أن سمعوا الكثير عن أهواله من أهل الحي .

وها هي المشاهد العجيبة تتوالى علينا من خلال شاشتنا الصغيرة ، فيها رجال عراة مقيدون تضرب أجسادهم بأسلاكٍ من نحاس وهم يصرخون ويتوسلون ، وآخرون ذو أجساد تنزف دما" حوصروا بغرفة مليئة بالأعضاء البشرية يعذبون بهراوات جلادون قساة وهم ويرتجفون ، كان بعضهم مصابا" بالجنونِ والبعض الآخر تشنجت أعضائه وبات لايشعر على مايبدو بآلام الضربات وراحوا يتساقطون واحدا" تلوّ الآخر .

 وفجأة … صرخت أمي بعد أن قفزت من حصيرتها وأخذت تضرب جسدها وتمزق ثيابها في نوبـة هستريا لامثيل لها ، والعجيب أنها عادت تنطق ثانيـة" بعد خرسٍ لازمها أثنتا عشر عاما" وهي تصيح بجنون ( هذا هشام   …  هذا هشام … هشام  ) !!!  

كان هشام رجلا" نحيفا" ضامرا" يرتجف بصمت وقد تشنجت أعضائه ومازال السوط يضرب جسده ،  أتعلمون من هو هشام  ؟   أنــه أبي  …

  

   

 

 

 

 

 

Maher_nasrat @yahoo.com

     

 

التفاصيل
كتب بواسطة: ماهر نصرت
نشر بتاريخ: 10 يناير 2001
انشأ بتاريخ: 10 يناير 2001
الزيارات: 12

   قصة                           ذاكرة الحضارات                     ماهر نصرت / العراق

 

 

هناك صوب الشرق ، تنتصب جبال شاهقة ذات قمم مدببة تعانق السماء ، يخترق هدوء وديانها خرير مياه عذبـة تنحدر مسرعة من فوهات عيون أزلية تناثرت هنا وهناك ، غرست الطبيعة حولها باقات من زهورٍ رائعة ، تداعبها أجنحة فراشات تحلّق متموجـة في فضاء آتها المترامية بسعادةٍ لانظير لها ، وفي خطٍ متوازٍ من منخفضٍ بعيد ارتفعت بنسق أشجار النخيل تقف متراصة بطلعها البهيج تحاور بحفيفها الساحر طيورا" ملونـة تسر الناظرين ، بعضها يشدو مغردا" بلحنٍ متقطعٍ حزين ، والبعض الآخر يبدو فرحا" يتغازل بصوتٍ رقيق نبرته فيها كبرياء ...  وعلى مسافةٍ قريبةٍ من وادٍ عميق ، تلتقي الجداول متحدة لتصنع نهرا" كبيرا" يخترق مدينتنا الأثرية ويمضي مرتحلا" بين غاباتٍ كثيفة تمتد بمحاذاتـه على أمتدادِ البصر ....  بعض أسراب الإوز تحلّق عاليا" ، تتراصف بنسقٍ منظمٍ يتقدمها قائد السرب ، تراه بين الفينةِ والأخرى يتفحص تشكيله بنظرةٍِ ثاقبة ليتمسك الجميع بنظامٍ صارمٍ عند الطيران ، فتعود الطيور مطيعة ، منضبطة ، صافات أجنحتها بسعادةٍ وغرور تطارد أحلامها نحو الغرب ....

تجمعت خلف مدينتنا الأثرية في منطقة تسمى بــ ( وادي الجن ) مياه متسربة لتكوّن بحيرة صغيرة ذات منفذ واحد ، تحتل تلك البحيرة كائنات مخيفة ، بعض الضفادع تتحول في لحظات الخسوف أو عندما يصبح القمر محاقا" إلى نوعٍ من أنواع العقارب السوداء البشعة ! وأسماك تبدو  بأشكالٍ مرعبة تحمل رؤوس خفافيش مشعرة ترهب الصيادين ، وكائنات برمائية لا نعرف سلالاتها تتحول فجأة الى أفاعي طائرة تهاجم فرائسها بضراوة  ، بعضها يتـقرفص بحركةٍ عجيبة ليظهر على شكل سلاحف متوحشة تفزع القلوب  !

بعد ثلاثة أيام من رعشات زلزال خفيف ضرب شمال المدينة أخذت مياه تلك البحيرة تتسرب في شقوقٍ أرضية ظهرت فجأة ، أستطلعنا الأمر ، ورحنا نغوص مع تلك الشقوق بفؤوسنا ومعاولنا بحذر شديد .. واصلنا لأيام عـدة توغلنا نحو المجهول وأذا بنا نعثر بين طبقات الوحل على آثارٍ وكتاباتٍ مسمارية تعود إلى عصورٍ بعيدة ،  كنا لا نصدق مانرى ، فنحن نقف فوق أطلال حضارة خالدة برق منها شعاع العظمة والدهاء وتفاخرت الدنيا بعلمائها وشجعانها وروعة  فنونها ..

وصلنا بعد اختراق شبكة أنفاق مخيفة إلى غرفة صغيرة تفوح منها رائحة التاريخ ، هناك على مصطبة متآكلة ( علها كانت تابوتا ) بقايا عظام نخرة ، وفوق رفٍ منزوٍ تقف ثلاث من التماثيل الذهبية تحكي بانحنائها قصة الاضطهاد والعبودية ، وبين هذا وذاك صفت جنبا" الى جنب صناديق مكعبة أقفل بعضها بأسلاكٍ تداخلت رؤوسها بطريقة مشفرة تثير نظرات الأعجابِ والتأمل ، تعاظمت جرأتي ، وأستطعت أن أفتح إحداها بضرباتِ فأسٍ عنيفة أوجعت ذراعي ، كان داخل الصندوق ألواح طينية نقشت عليها كتابات ورسوم سومرية ، لاشك أنها تحكي عن الإله ( مردوخ ) أو الإله ( أنونيت عشتار أكـد ) أو شيءٌ عن قراصنة القوافل ، أو لعلها كانت قصة الحب المشهورة التي أنتحر فيها الحبيب بعد أن اختطف أبن الملك المشعوذ حبيبته ….

يحتوي الصندوق أيضا" على أختامٍ حجرية وقطع نقود معدنية رسمت عليها صورة أحدهم  ....كان في قعر الصندوق قطعة ذهبية مستطيلة نقشت عليها زخرفة من رموز عجيبة دعاني تلهفي الجنوني الإسراع إلى ( بابان ) خبير الآثار ذلك العجوز المعقد ( صاحب الكرش المندلق ونبرة الصوت القبيحة  ) لكي يترجم لي تلك الرموز من مجلده الوحيد ( الكتابة المسمارية ) الذي يسبب صداع الرأس المزمن لكل من يكمل قراءته ! أتضح بعد الترجمة الدقيقة أن تلك القطعة ماهي الا  أداة تسجيل صورية  خُزنت عليها مشاهد حقيقية عن حضارة السومريين والفراعنة وأقوام صينية نشأت قبل الميلاد وشيء"عن الصحون الطائرة مع شعوب تتخذ من أروقة الكون مواقع لها ، أهدتها مركبة فضائية جاءت من مجرة ( أندورا  سيفال )1 الى ( أددوشا ) أحد عظماء مملكة أشنونا2 ( هذا ما كتب حرفيا" على خاتمة القطعة ) ،

قفزت من مكاني على قدمين راحت تلتهم الطريق لأبحث عن طريقة علمية في ورشتي تعيد إظهار ما خزّن فوق تلك القطعة ، استعملت متحسسات رأس الفيديو لألتقط معلومات التسجيل الصورية ولكن دون جدوى ، أستعنت بعد ذلك ببرنامج الـ ( ASCII ) لفك شفرات المعلومات البيانية بعملية تصوير تشبه الى حدٍ ما طريقة التصوير المتبعة في ( جهاز الأسكنر )3 ، وبعد جهدٍ عظيم ومشقة وصبر نجحت في الوصول الى ما أصبو أليه  ، كانت لحظات مروعـة انتقلت فيها عيناي  وما تحويـه الى أعماق التأريخ  ، وراح جسدي يرتجف  وسط جو من الرعب عصف بأجواء غرفتي في جوف الليل ، وهبط عقلي مذعورا" يشارك بصري معجزته وهو يشاهد من على شاشة ( المونتر )4 مشاهد حقيقية لآلاف العمال وهم يحملون صخورا" كبيرة فوق عربات ورافعات  ضخمة يواصلون   تحت لهيب الشمس  بناء هرم كجبلٍ شاهق ، عشرات من النحاتين يقومون بتعديل أشكالٍ هندسية  لصخورٍ كبيرة .... ثلاثة من الكهنة  يرفعون  فوق روؤسهم عين  ذئب ويهتفون بأصواتٍ مخيفة فترتفع في الهواءِ صخرة كبيرة  وسط ضربات من برقٍ ورعد لتستقر على أحد أركان الهرم المعجزة  ، يرحل  نظري نحو صحن طائر بحجم ساحة كرة القدم مليء بمصابيح وفسيفساء مدهشة يحوم فوق أحد الأهرامات ليلا"ويطلق حزاما" من أشعة ليزرية على فتحة في أعلى الهرم تمتد الى الأعماق ويختفي وراء السحاب بسرعة عجيبة .

مجموعة من السفن الصغيرة وسط البحر يقودها ربابنة أشداء يطاردون حيوانا" ثائرا" يشبه الأخطبوط يضرب بخرطومه  أحدى الزوارق فيحيله الى حطام ....

يتحول المشهد فجأة ويظهر مئات من العمال المنهمكين في بناء دعامات لتثبيت حدائق متناسقة فوق هضبة تتصاعد متدرجة ( أعتقد أنها جنائن بابل المعلقة ) يقذفون مياه السقي الى أعلى الروابي بطريقة عجيبة ( سأبينها لكم بعد أن أكمل بقية المشاهد )، أسوار قلاع شاهقة تحيط بهيكل زقورة ودعامات متينة  ثبتت عليها أبراج خشبية محكمة يتنقل عليها مئات العمال يواصلون بناء أجزائها بتآلف حميم كتآلف النحل  في خلاياه .

مشاهد لاقوام أخرى غلاظ الأجساد ، منتفخي العضلات ، مشوهي الوجوه ، تشبه إشكالهم صور الإنسان البدائي المثبتة في كتب التاريخ المدرسية ، يشقون طرقا" لعرباتهم الخشبية بين مرتفعات صخرية شديدة الأنحدار، ( تذكرني تلك الوجوه عندما كنت مع طاقم الطائرة  العجوز ( اليوشن ) ونحن نحلّق صوب الغرب بسرعة نصف ماخ 500 كلم / ساعة فحدث انفجار مفاجئ في مؤخرة الطائرة بسبب توغلنا المفرط داخل غيوم رعدية متلاطمة أدى الى انفصال وحدة ( الإستبلايزر )5 للدفة الخلفية فهبطنا بمظلاتنا فوق أدغال كثيفة لنجد أنفسنا وسط أقوام متوحشة من آكلي لحوم البشر ، فقدت في معركة معهم سبابتي والإبهام ، فاستيقظت صارخا" من كابوس غفوتي المرعب لأجد نفسي محاطا" برفاقي الطلبة في كافتيريا القسم الداخلي ) .

لنعود من فضلكم الى كاسيتنا الصوري ،

تتحول المشاهد فجأة الى الفضاء .. نجوم براّقة لاحصر لها تتناثر في سدم الكون تشير الى عظمة الخالق ، جزر كونية متناثرة تحلّق في أروقة السماء حيث اللازمان واللامكان تدعم فلسفة النظرية النسبية ( لأينشتاين ) ، أنشطارات ذرية هائلة ، نوات عاريات ‘ بروتونات مضطربة ‘ إلكترونات متنافرة ، موجات ، إشعاعات ، أيونات ، شهب متمردة وأخرى هاربة تتصادم جميعها وتتنافر وسط غبار كوني لاهث  يملأ الفراغ بين  مجراتٍ  لامعة تبهر الأبصار وتصفع وجوه الملحدين .

نجوم قيد التكوين ، وأخرى تلفظ أنفاسا" محتضرة ، تجانس مذهل بين الأجرام ومداراتها  ، والجحافل المجرية حبيسة لمركز قوة جباّر ، عظيم الشأن ، شديد اليقظة ، محكم القبضة ، لاأجلٌٍ بدون قرار ، ولاخروجٍ عن مدار ، ( ولا الليل سابق النهار ، وكل في فلك يسبحون )  6.

يقترب بي المنظر من كوكبٍ وهاّج تدور حوله المئات من اقمارٍ صناعية عجيبة تعمل بالطاقة النووية بدلا" من تلك الأرضية المحملة بأجنحة الخلايا الشمسية البدائية ، تدور حول الكوكب بمدارٍ أهلليجي محكم لازيغ فيه ، محطات فضائية  ذات أشكالٍ معقدة تديرها كائنات فضية ، أجسادها كبيرة ، رؤوسها صغيرة لكلٍ منها عين حمراء تتمركز في منتصف الرأس ، راحوا ينظرون نحوي فأشرت لهم من خوفي وصحت ( مرحبا" ) فلم يجني أحد .

يتحول خط نظري منبهرا" الى عمق الشاشة  صوب كوكب عملاق يحتوي على فوهة ضبابية بحجم الأرض تتقاذف منها العشرات من مركبات فضائية براّقة تنطلق  بسرعات مذهلة ، تدور حول الكوكب وتعرج  بعيدا"عن مداراتها نحو ثقوب سوداء تبتلع الضوء والزمن .

ينقلني مشهد جديد الى معركة أسطورية ين أقزام ذوو آذان طويلة يقودون صحون طائرة مهولة ظهر بعضها بحجم مدينة بأكملها ،  تطلق أشعة ثاقبة صوب نجم ناري ملتهب فيقذف النججججـــ ....

توقف العرض فجأة وغرقت الشاشة في ظلامٍ دامس ......... بعد ثوان ظهر صوت كأنه وحيف أعصار يقترب أعقبه صورة  لكائنٍ مرعب لا أستطيع أن أصفه لارتجاف قلمي عند الوصف ، كان ينظر إليّ بعينين حمراوين جاحظتين تقذف شعاع الموت ... أقشعر جسدي وأرتعد عقلي مذعورا" ، أحسست لحظتها بانجذابي الشديد نحو شيىء يأخذني صوب الفناء ، أحاول بملءِ طاقتي أن أصرخ واقفز بعيدا" عن سطوة جلادي ، رأيت بأمِ عيني ستائر نوافذ غرفتي  تُنتحي جانبا" ليدخل شبح أو شيء ما من النافذة .. أغمي علّي  من هول الرعب ، فأستيقظت بعدها مرتعشا" لأجد نفسي قد فقدت بصري وصورة ذلك الكائن مازالت تلاحقني في ظلماتي ...  أرجوكم أنقذوني  .... 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 1( أندورا سيفال )تعرف اليوم تلك المجرة بـ ( قنطورس A ) العملاقة ذات الإشعاعات الراديوية القوية والتي تقع في النصف الشمالي من القبة السماوية .

2 ( أشنونا ) مملكة عاصرت الحضارة السومرية في العراق تمركزت في الشريط المحاذي لنهر ديالى عند ربعه الأخير .

3 ( الإسكنر )  جهاز صغير يشبه بنظام عمله أجهزة الإستنساخ ، يستطيع  قراءة الصور والأشكال والرموز وغيرهامن البيانات التمثيلية وتحويلها الى معلومات رقمية يفهمها  الكمبيوتر .

4 ( المونتر ) جهاز عرض صوري لعمليات الكمبيوتر وهو يشبه الى حدٍ ما جهاز التلفزيون ، تنقصه وحدة التغيير الأملمية المسماة بــ( وحدة أنتخاب القنوات  ).

5( الإستبلايزر ) هي منظومة الزعانف الخلفية التي تحفظ توازن الطائرة وتساعدها أيضاً على الإستدارة الأفقية والتسلق العمودي .

6( القرآن الكريم )

 

 

زوجة الرضيع

التفاصيل
كتب بواسطة: احمد العدوى
نشر بتاريخ: 10 يناير 2001
انشأ بتاريخ: 10 يناير 2001
الزيارات: 15

زوجة الرضيع

 

أمّ تَجْلسُ في فراش المستشفى

الرضيع الجديد بين ذراعيها

زوجَ بجانبِها فرح

عائلة ترقبُ هذا الطرح.

 

تُحدّقُ في عيونِ الرضيعِ

الداكنة العميقة ببراءته

وتحبُّه أكثر فأكثر

في كل ثانية تَمْر.

 

 

كَانتْ غضة الطرف

و وُضِعتْ طفلا

له ستصعد جبلا

إنها الآن أحسن حالا.

 

 

حَصل الرجل على وظيفة

حصلت هي على وظيفة

هكذا يدفعون الفاتورة

لَكنَّهم يلتمسون منه بسمة

تُذهب زمنَ الوحشة

لإعطائه حياة رغدة

على كليهما تأجير

من عمرهما حياة.

 

 

يومَه الأولَ في المدرسةِ

وهو يبْكي على كتفِ أمِّه

لكن قبلةً

تُوقفُ الدموعَ

يتّكئ الولد الصغير

يلتمس الدرع

حينئذ تُقاومَ البُكاء

كالصخرة الشماء.

 

الآن التحى له وجها

جاءَ اليومُ حيث صار فحلا

ملأ البيت صوتا

و أصبح يملك جيبا

يحمل فيه مالا.

غدا يطلب زوجة

تذهب به إلى بعيد

و يفارق تلك الجلسة

حيث كانت الكلمة

حيث كانت اللحظة

كم كان –لها- نعمة.

 

 

 

عيونها الزرقاء صارت رطبة

حين كانت فرِحة

و الطفل أمسى بزوجة

و فارق – عندها – الحياة.

 

 

على نفس الفراش

نفس المستشفى

أنبت له – الله- ولدا

آمن كلامها أن الطفلا

سيعلم معنى كونه أبا.

...............................................................................................................................السلام عليكم , كتبت هذه القصة في شكل أسطر.

 

الحكاية

التفاصيل
كتب بواسطة: ابراهيم عثمان
نشر بتاريخ: 25 ديسمبر 2000
انشأ بتاريخ: 25 ديسمبر 2000
الزيارات: 14

الحكاية

 

     كانت الحكاية قد انتهت منذ يومين تقريبا..أو هكذا خيل لي.. ولا بأس  أيها السادة أن أعيد على مسامعكم بعض تفاصيلها المملة.     

    هكذا كنت أظن.. وهكذا وجدت نفسي أتعامل بحذر شديد مع هذه القصة.

  رغبة مجنونة كانت تقودني الى ساحات العرض، لاستمع الى أحد الرواة القادمين   من الجنوب. كان يروي قصصا طريفة ومسلية.. مصحوبا بكمانه وجواده   وبنديره.  هكذا أنا.. وتلك هي عادتي أيها السادة.. كنت ومازلت مولعا  بالحكي وتقليم أظافري قبل النوم.. ولا بأس أن أذكركم بوظيفتي التي لم أهنأ بها    أكثر من يومين.

    في اليوم الأول استقبلوني عند باب الشركة.. وفي اليوم التالي أنهوا خدماتي بمرسوم وزاري شاركت في صياغته نقابة العمال المسرحين.

        يومها بكيت طويلا وحاولت ان انتحر.. مواطن صالح كلف بمراقبتي منذ

 سنتين تقريبا.

  طلبت منه احدى الجهات أن يترصد حركاتي في الذهاب والإياب..و أن يدرس همساتي  وسكناتي انطلاقا من نظريات علم النفس الإجرامي. سجل ذات يوم في مدونته بقلم  أحمر" هذا الرجل  يشبه ديناصورا يعيش في غابة من  الأسمنت". كانت هذه العبارة كافية لكي تجعل مني بين عشية وضحاها رجلا يخيف الأنظمة والدول..رجل يخيف الخناجر والسكاكين والدبابات والصواريخ وكذلك القنابل العنقودية وجميع الأسلحة النووية..

     هكذا سمعتهم يتحدثون، أو هكذا خيل لي.أو هكذا قرأت في صحيفة يومية  لا أذكر اسمها ، ولا أعرف من يحررها. كتب ذات يوم محررها في عموده وبلغة  ركيكة ما نصه :" في طريقها الى الغابة عثرت راعية على بقايا ديناصور بجبال بني  صالح ". في اليوم التالي كتب محرر آخر معلقا على هذا الخبر  الذي هز فضول الناس قائلا:" صحبة فرقة من الدرك الوطني وعالم  انثروبولوجي..  انتقلنا الى عين  المكان ، حيث قام العالم رفقة فريق من الخبراء بمعاينة الجثة .. وفي ندوة صحفية مشتركة نشطها حارس الغابة نيابة عن مديره قال :" كنا نتوقع ظهور هذه الحيوانات  المنقرضة من جديد خاصة في البلدان التي تكره الشمس الظهور بها.

  لذلك فاني عندما حاولت أن أضع  حدا لحياتي، أجهضت المحاولة وبلغ عني قبل  أن أتمكن من لف قطعة الحبل حول عنقي.

   أحد القضاة قال لي وهو يستجوبني في قاعة الجلسات:

- أنت مجرم بالفطرة !.

- أنا بريء .أنا لست مجرما يا سيدي.. أنا رجل يعشق الحياة ويتفنن في عشقها.

- أنت مجرم لأنك عندما لم تجد من تقتل قمت بشنق نفسك!.أليس كذلك؟!.

- لقد سئمت الحياة، لذلك قررت أن انتحر..لم أجد ما آكل أو أشرب...هذا

 كل ما في الأمر.

 صوت آخر قال لي بلهجة حادة وصارمة:

 - من الذي أذن لك بالانتحار؟!.

 - إن الانتحار هو من سمات الرجال العظماء الذين يتركون فكرهم في هذه الحياة،

       ويمضون لاكتشاف عوالم أخرى ينظرون لها.فريديريك نيتشه انتحر هو            الآخروكذلك  لويس التوسير وجيل دولوز. 

    ضحك القاضي طويلا من هذه التبريرات الميتا فيزيقية..ترك مقعده ..

    اقترب مني .. أخذ يدور من حولي ..تحسس أطرافي بقلم كان يمسكه.

    عاد الى مكانه حيث يجلس مستشاراه..طلب من المستشار الذي يجلس

    الى يمينه أن يقدم له الصحف التي تناولت انتحاري بشيء من الدهشة والريبة

    قال لي من جديد: لماذا حاولت أن تنتحر؟.هيا تكلم فالسكوت لن ينفعك  هنا.

   - أنا لم انتحر وانما فكرت فقط في الانتحار.. أردت أن امتحن شجاعتي.

     هل هناك من مانع يا سيدي؟!.

     - تمتحن شجاعتك أم تدين غيرك.

     قال هذه الكلمات ثم رفع الجلسة وخرج من الباب الخلفي .

      بقيت قابعا داخل قاعة الجلسات أفكر بكلام القاضي ..كانت نظراته

    قاسية.وكان منطقه مجردا من أي حس انساني.كان يكيل لي تهما قاسية

   جدا .. إحدى هذه التهم :"أنني واحد من كبار الإرهابيين  ايغالا في الإرهاب"

     كانت القاعة تروح وتجيئ..وكانت صورة الميزان الموضوعة عند رأس القضاة

 قد مالت كفتها نحو الشمال.

    صحف الصباح كتبت بالبنط العريض على صدر صفحاتها الأولى: "مواطن  يغتال نفسه بقطعة حبل داخل المحكمة والنيابة العامة ما تزال تحقق معه منذ  شهرين دون أن  تتمكن من استدراجه الى الانتحار مرة ثانية".

     تضاربت الأقوال بشأني كثيرا..اختلط الحابل بالنابل.   

  سكان الحي الذي كنت أقطنه ظلوا يتحدثون عني لمدة شهرين.. وعندما  طالعتهم الصحف بجريمتي تناسوني في يومين.

   والدي المسكين طرد هو الآخر من العمل قبل وفاة والدتي بيومين فقط.. خالي وعمي هما من تكفلا بمراسيم الدفن وتقبل العزاء نيابة عني وعن والدي.

   الاطباء أجمعوا في تقاريرهم الطبية بعد أن شرحوا جثتها بأنها ماتت موتة طبيعية.

    أما عرافة الحي فقد فندت مزاعمهم العلمية على طريقتها الخاصة.. نظرت الى  كفها طويلا، ثم رفعتها في وجه الشمس وقالت متحدية الطبابة والأطباء:

 - ألم أقل لكم أن جارتنا المسكينة ماتت وهي تحلم بمسكن ووظيفة ودراجة  وتلفاز.. هكذا هي العجوز بغدوشة.

    الناس هنا لم يصدقوا صدق تنبؤاتها إلا عندما عرفوا منها أن شقيقي الأكبر قد  هاجر على ظهر سفينة محملة بالدواب والكلاب.

    كانت السفينة متجهة قبل أن يعلنوا عن غرقها في احدى الجزر البعيدة التي تقع  على طرف الكرة الأرضية غربا إلى أستراليا.

   هكذا أعلنت مصادر الارصاد الجوي قبل أن يتحول الجو الى جسد امرأة باردة   يصعب التكهن بهزاتها العنيفة وبدرجات حرارتها المرتقبة للموسم الصيفي  المقبل. 

   وقبل أن يصل خبر وفاته الى قبيلته المدفونة في إحدى الأحراش الجبلية القريبة من

 جبال هوارة..كتبت صحف الصباح الصادرة في المهجر تعاليق رزينة ومسؤولة.

   صحيفة ناطقة باللغة الاسبانية كتبت على صدر صفحتها الأولى الموشاة يخطوط عريضة:" بينما كانت السفينة المحملة بالدواب والكلاب تقترب من الميناء..قفز منها شاب في عرض مياه البحر فتلقفته حيتان القرش، ومزقته  بأستاتها الحادة ".  

   أما صحفنا المحلية، فإنها ولأسباب أمنية وأخرى أخلاقية امتنعت عن التعليق ما عدا واحدة كتبت تقول:"قبل أن يتمكن الشاب الوسيم من الغطس والتسلل الى  الميناء في ساعة متأخرة من الليل.. تمكن حراس الشاطئ من افراغ رصاص  بنادقهم في جمجمته وظهره. وبعد أن فحصوا جيدا أوراق هويته المبتلة ، تبين لهم  أن هذا الشاب كان ينشط ضمن مجموعة إرهابية تشتغل بتهريب الأسلحة وتبييض الأموال" التي تأتيها عن طريق المخدرات.

   وللتعليق على هذا الحادث كتب صحفي في عموده اليومي هذه الكلمات:"ان ما  لا يمكن أن يفهم في هذه الروايات الكثيرة التي تروى في غالب الاحيان بصيغة المتكلم هو عندما يموت الجزائري هروبا من الخوف والجوع والحقرة يتهم بالارهاب  وتبييض الاموال.  

   لكن والحق يقال أن جميع التعاليق التي قرأتها كانت بعيدة عن الصواب بعض الشيء ما عدا تعليقا واحدا قرأته في صحيفة وطنية محايدة..كتب صاحبه يقول:

يبدو أن هناك من المفكرين من يملك عبقرية الاستشراف.. فها هو الفيلسوف الفرنسي الذي عايش الثورة الجزائرية كمجند وأسر من طرف مجاهديها ثم أطلق سراحه قد اعتنق الاسلام فيما بعد.. والغريب في الامر ان هذا الفيلسوف يعزو اعتناقه للاسلام الى هذه الحادثة.

   كان هذا الكلام قد كلف الصحفي الذي كتبه سبعة أشهر سجنا مع غرامة مالية  وتعليق صدور صحيفته لمدة يصعب التكهن بها، الشيء الذي جعل رفاقه يتقمون عليه، لأنه عرضهم وعرض أسرهم الى البطالة بمقالة لا تسمن ولا تغني من جوع.

   كل شيء أصبح ممكنا في هذه البلاد.. ولا أحد بامكانه أن يدعي الحياد ازاء  هذه المجازر التي ترتكب هنا وهناك. الأخبار لا تسر والطرقات المحروسة  صارت أكثر عرضة للمشادات والمناوشات والتحرشات..المداشر والقرى والأرياف النائية أصبحت خالية تتراكض فيها الذئاب والضباع بحثا عن فريسة مذبوحة، أو مشضاة.

   راعني أيها السادة أن أتذكر هذا المشهد المخيف قبل أن أعثر ذات مساء، وأنا  أتجول بالقرب من شاطئ البحر على جثة ابن خالتي مريم الذي أخنطف من بيته   منذ شهرين  مدفونة في الرمال، ورأسه معلقة فوق عمود كهربائي مغروس في  الاسمنت .

    كانت عيناه مملوءتين بالرمال، وأنفه مجدوعا، وأذناه مقطوعتين، وأسنانه

 مكسرة ، وشعره الخروبي محروقا، ورقبته مذبوحة ، وصدره ملطخا بالدماء.

   حاولت أن أتسلق العمود الكهربائي وأنزله، لكني لم أستطع.. استنجدت بالمارة

 طالبا مساعدتهم، ففروا هاربين من هول الفاجعة.. اقترب مني سائح ألماني

 وسألني قائلا:

- هل تسمح لي بأن آخذ معك صورة تذكارية؟!

- أخذ صورة مع ميت تحرمه الشريعة والأعراف!.

- مادام هذا حرام لماذا يقتل بهذه الطريقة البشعة ؟

- لا أعرف !.. لكن أذكر أني قرأت لفيلسوف غربي وأظنه روجيه غارودي

 قوله:" كيف يعقل أن لا يكون الجزائري ارهابيا، وهو الذي مورس عليه الارهاب

 لأكثر من قرن".

   سكت الرجل قليلا ..ابتعد مسرعا.. جاء آخر وقال:

- والتمثيل بالأموات ألم تحرمه الأديان والقوانين والفلسفات !.

  شعرت بالخزي والعار يتكاثفان في داخلي..طأطأت رأسي أرضا كمن يبحث

 عن ابرة في كومة من التراب عندما لم أجد جوابا مقنعا أرد به على أسئلة هذا

 الرجل الأشقر الطويل ذي العينين الزرقاوين، والأظافر المتسخة.

   بدأ الناس يهجرون الشاطئ.. سارعت الى تركه أنا أيضا قبل أن تورطني

 جثة ابن خالتي في قضية فقهية جد معقدة.

   كانت رائحة الجثة قد بدأت تملأ الشاطئ منذ يومين نتونة.. وفي عرض البحر

 كانت السفن تراقب المشهد في حذر عن طريق ما تحدثه الأمواج من صخب عند

 ارتطامها بالصخور.. وكانت اشجار النخيل بعنفوانها الصحراوي تغازل  الزيتون المغروس على طول امتداد الشاطئ الفضي الذي يضم المدينة الى صدره كما تضم  الام  الحنون وليدتها.. وكانت صورة ميرسول وهو يضع يده على مسدسه خوفا من ظهور ذلك العربي المتعجرف أخذت تتراقص أمام عيني .. أصبت بدوار شديد وأنا أتخيله يجوب الشاطئ طولا وعرضا بحثا عن رجل عربي تجاسر على  صديقه  الفرنسي.

  صدقوني أيها السادة منذ أن قرأت تلك الرواية الغريبة التي احتفى بها النقد

 الادبي الحديث وأنا أتصور نفسي مجندلا في إحدى الطرقات أو الشواطئ والديدان

 تنهش أنفي وفمي، والذئاب والكلاب تتقاتل فوق جثتي.

   كان مؤلفها رجلا موهوبا اشتهر بمواقفه الانسانية والسياسية، وبحبه لطبيعة الجزائر الخلابة التي تغنى بشمسها وهوائها وآثارها، وعشق نسائها الجميلات ، وساح في زرقة بحرها اللازوردي في أعراسه التي أقامها في كل من جميلة وتيبازة. 

   كان لهذه الامكنة سحرها الصوفي.. فالأولى حسب رأيه:" "ترمز عندئذ  الى أمثولة الحب والصبر التي يمكنها أن تقودنا الى قلب العالم النابض".. أما الثانية   فهي"تسكنها الآلهة، والآلهة تتكلم بحديث الشمس ورائحة الافسنتين، والبحر المدرع بالفضة والسماء الزرقاء اللاظية ، والخرائب الملتحفة بالازهار، والنور الذي يتدفق تدفقا عظيما بين أكوام الحجارة".

  تلك هي كلماته الجميلة.. لكنه عندما حاول أن يرتكب جريمته الأدبية، أشرك   فيها جميع هذه العناصر من شمس وبحر وماء وهواء ونساء..ربما ان نيته كانت بالدرجة الاولى  تشويه هذه الارض ووسمها بالعار.  

    كانت رصاصة واحدة كافية لاسكات هذا الجسد النابض بالحياة. هذا الجسد العربي المستلقي على ظهره فوق صخرة كانت تلوح من بعيد في عرض هذا  البحر ذي الشاطئ الفضي الجميل الموغل في صخب الأمواج واصطفاق الحيتان .

   ها هو ذا يتوسد يديه ملتصقا بالأرض عندما اخترقت جسده  أربع رصاصات انطلقت من مسدس رجل سيحاكم بتهمة الالحاد لتناوله سيجارة في حضور جثمان والدته المسجى في معرض الجثث بدلا من القتل المتعمد.

   شيئ غريب أن أتذكر اليوم هذه التفاصيل عن جريمة أدبية ظلت تتواصل معي.

 تثقب ذاكرتي المولعة بالسباحة ضد التيار.. ولا بأس أن أعلن اليوم وبقوة عن

 وجودي الذي يعود لأول اغتيال حدث لأول رجل في التاريخ.

   كان جدا لجميع الرجال الذين عرفهم التاريخ قبل أن تسكنه ضربة  فأس هوت

على رأسه من شقيق .. حدث هذا في غفلة وبدافع الغيرة..هكذا تحدثت الأناجيل وكتب التاريخ وموسوعاته.

آه  أيها السادة !..كيف لي أن أفسر هذا العشق الأبدي الذي يزرع الأمكنة

خوفا وموتا.. تلك كانت رؤية أخرى .. وربما أننا لا نستطيع أن نعيش في جميع الأحوال دون خوف أو موت .. ولكي أكون واضحا معكم أكثر دعوني أروي لكم    

هذه القصة التي عشتها في بلدتي قبل أن أفر خوفا من الموت.

  كان لي ابن خالة يسكنه حب أبدي للبحر.. ومن قبل كان ذلك العربي الذي

ألف حول اغتياله كاتب فرنسي ولد فوق هذه الأرض التي حولته الى فنان  مشهور بفضل طبيعتها الخلابة رواية نالت نجاحا باهرا في دنيا الأدب والفكر.. كان المسكين يتجول على شاطئ البحر..وفجأة ظهر له رجل في كامل أناقته ..أخرج

مسدسا من جيبه وبأعصاب هادئة أفرغ في رأسه أربع رصاصات ومضى.

وللتعليق على هذا الحادث قال أحد المهتمين بالشأن الجزائري آنذاك ..كانت رصاصة واحدة كافية لإسكاته إلى الأبد.

وقال آخر: كانت  كل رصاصة من الرصاصات الأربع قد وجهت بعناية شديدة

الى عناصر تكوين شخصيته.

  النقاد الذين تناولوا هذه الرواية الغريبة بالتحليل لم ينتبهوا إلى هذه الفكرة  يومها

وإلا لوصفوا قائلها بالإرهابي..أكثرهم ذكاء اشار إلى فكرتها الفلسفية  متناسيا

أن هذا الفعل الاجرامي الذي أهملته المحكمة عند محاكمتها للمجرم بتهمة الالحاد

سيتطور مع مرور الزمن وسيصبح آلة تحصد الأرواح مجانا.  

 هكذا صرحت عرافة الحي ايها السادة وهي تنهض واقفة أمامي مجسدة  في

جثة ابن خالتي الذي اقتيد من بيته ذات مساء صيفي حار، وجيء به إلى هذا الشاطئ المهجور الذي  يقضي فيه جزءا من أيام الصيف والشتاء ,

سابحا مغازلا متأملا الأمواج والطبيعة.

  وضعوا رأسه فوق حجر كان مرميا هناك على حافة الشاطئ الممتد بين

أمواج البحر وأشجار السنديان والزيتون..تداولوا فيما بينهم كلمات غير مسموعة قبل أن يعطي كبيرهم أوامره لواحد من أعوانه أن يقيده جيدا، ثم يجهز عليه بمدية حادة.كانت موتة بشعة منفرة حقا.

  في المساء تجمع سكان الحي الذين تعودوا أن يتحلقوا أمام بيتي ليتسمعوا الي

بشغف شديد وأنا أتفنن في سرد الحكايات الواحدة تلو الاخرى لعلي أنسيهم في

مآسيهم وأحزانهم.  

 قبل أن أنهي حكايتي سمعت أصواتا  قادمة من الشارع الخلفي الذي شهد أول جريمة قتل .كان الرجل المقتول أشبه بتفاحة يانعة..خرج من بيته باكرا لكي يصل الى مدرسته ..توجه الى محطة السيارات..أخذ مكانا الى جانب السائق..وفي

الطريق الرابط بين شيحاني والدرعان ، أحس بحركة غير عادية..التفت الى الوراء..تحسس مسدسه الذي أعطي له للدفاع عن نفسه..تذكر أن اسمه قد ظهر أكثر من مرة على إحدى القوائم المطلوبة للموت.. سارع الى إشهاره..لكن صاحب المحشوشة كان أسرع منه ..طلب من السائق أن يركن السيارة  إلى اليمين ويتوقف..أنزل طريدته ..ثم أمر السائق بأن يبلغ الشرطة ورجال الدرك.  وبعد أسبوع اكتشف شاب من سكان حي سيدي مانع رأسا مرمية على الطريق.. اقترب منها.. صرخ مذعورا :

- قتيل ..قتيل أيها السكان!.

  كالطوفان خرج الناس .. وكالطوفان عادوا الى بيوتهم مذعورين خوفا من

الصاق التهمة بهم. لكن هذه المرة لم يصدقوا أن ابن خالتي وهذا المدرس قد قتلا

بنفس التهمة التي قتل بها ذلكم العربي وفي ذلك اليوم القائظ الحار، الا عندما اكتشفوا أن نتونة جثة ابن خالتي ورأس هذا المدرس بدأتا تفوح رائحتهما من قصصي . عندئذ قرروا اعدامي بتهمة أني راو.. راو يسرد قصصا تطفح

بالحزن والأسى ، ليذكر الناس بخلافاتهم الوهمية حول حقهم في العيش في هذا

الوطن الجميل الذي يتسع للوطنيين والقوميين وللاستئصاليين وكذلك الأصوليين  .

 كانت نيتي أيها السادة أن أنسيهم أحقادهم وأضغانهم وأن أبعدهم عن تلك الأسئلة المجنونة التي راجت في السنوات الأخيرة حول فكرة من قتل من؟ ولماذا قتل ؟ وكيف قتل؟ ومتى قتل؟وهل من أمل في أن ننتصر على أحقادنا؟ وهل من علاقة

لما يحدث من تدمير وتخريب بالثورة  ورجال المقاومة ؟.أسئلة كثيرة تجذرت في داخلي . أخذت تكبر معي وتطاردني من زمان الى زمان .أحد هذه الاسئلة هو : لماذا لا نكتب التاريخ بمنهج التواصل مع الاجيال بدلا من هذه المناهج المستوردة من مؤرخي الاستعمار ومستكتبيه.

 الفكرة رائعة أيها السادة.. لكن من سيعمل على تحقيقها ؟..أحسستت بخنجر

حاد ينغرز في خصري قبل أن انهي الحكاية.

  انصرف الناس الى بيوتهم .. حاولت أن أجد قاعدة فقهية أو نظرية علمية أحتكم إليها في حيرتي هذه ؛ فوجدتني أحكم على نفسي بالإعدام دون

أن أكون متحزبا أو مجرما أو قاتلا أو خائنا.            

.

العنقاء

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد المنصور الشقحاء
نشر بتاريخ: 24 ديسمبر 2000
انشأ بتاريخ: 24 ديسمبر 2000
الزيارات: 15

                                 

 

 

 صالح , اكبر الأبناء عرف بصمته وغموضه، والقيم على منا شط والده الزراعية والتجارية، كما انه كاتب رئيس المركز الذي اتخذ من القرية النائمة في حضن الصحراء وبين جبال بركانية تطامنت قممها حتى تتفجر ينابيع المياه وتكثر المزارع وأحراش المراعي مملكة خاصة، تزوج صالح ابنة عمه شيخ القبيلة التي تنتسب لها أسرته معيدا العلاقة المنقطعة داخل الأسرة إلى تلاحمها، بينما كانت زوجة والده الأخيرة تنمي حس المواجهة في أولادها الجيل الثالث في الأسرة لمقاومة سيطرة صالح على مقدرات العائلة.

بينما الجيل الثاني انشغل بتكوين ذاته بعيدا عن سطوة الأسره وقيم الجماعة وبقي صالح ممثل الجيل الأول مكشوفا أمام مطالب زوجات والده وحاجات إخوانه وأمهاتهم وقد تم تزويج شقيقته لقريب يقيم خارج القرية، كما إن زوجته لم تحمل رغم مرور عشر سنوات على اقترانه بها لم يترك خلالها عرافا أو طبيبا وامتلأ المنزل بالرقى، وعوضت العقم بان وجهته بمساعدة والدها إلى تولى مهام هامة خارج الأسرة وعند أهل القرية .

 

2 ــ

حسناء , بدوية تعلمت من الصحراء حركتها وأخذت من الرمال اللون الذهبي ومن والدتها وأهل خيام الشعر من البدو الرحل بحثا عن الماء والكلأ، كيف تزرع البهجة فيمن حولها ولما توقفت السماء عن إنزال المطر اقتربت الخيام من القرية وتوزع الرجال للعمل في المزارع والأسواق فالتحق والدها بالمزرعة الكبيرة التي يملكها والد صالح يشرف على طلبات المياه ويوصل منتج المزرعة من الحليب والخضار للمنزل.

في حفل عشاء نهاية الشهر الذي معه يتم صرف رواتب العمال ومعرفة حاجات المزرعة التقى صالح حسناء؛ كانت تمرض والدتها، لفت نظره جمالها وطلب نقل المريضة إلى مستوصف القرية وهناك اقترب أكثر منها بعد قيام الطبيب بتحويل المريضة إلى المستشفى في الدوادمي لمزيد من الفحوص.

وفي غداء خاص بمناسبة شفاء المريضة خطب صالح حسناء مما اغضب زوجته التي هجرة الدار ولم يعترض والده عندما عرف بالأمر، إنما شجعه وقدم له مساعدة جزلة أثناء حفل الزواج عبارة عن سكن مستقل وتنازل له عن دخل محلات تجاريه في سوق القرية.

لما حملت حسناء رحل صالح إلى مدينة الدوادمي حتى تكون بجوار المستشفى وترك القرية بما فيها للآخرين؛ ولحقت به زوجته الأولى بعد وفاة والدها وتقاتل إخوتها الذكور على التركة فكان أن قام صالح بطلب المساعدة من والده الذي دعمه ماليا حتى اشترى منزلا واسعا وعوضه عن المحلات التجارية في القرية بمبلغ مجز معه بدأ صالح تجارته الجديدة في مجال الأثاث المنزلي بناء على نصيحة والد حسناء .

 

3 ــ

أنا, سهج تخلقت في بطن أمي بهدوء وسكينة، لم يغب يوما صوت أبي عن سمعي حتى وأمي تفحص حملها في العيادة الخاصة بقسم النساء في مستشفى الدوادمي، وأنا في الثامنة من عمري توفيت والدتي.

عثرت عليها زوجة أبي ميتة في الفراش؛ كنت في المدرسة ووالدي مسافر إلى الرياض لعقد صفقة تجارية جديدة، زوجة أبي جاءت وأخذتني من المدرسة، والدي قطع رحلته؛ وعاد ارتبك الطبيب في تحديد الوفاة، وتأخر دفنها, تدخل جدي وبعض أفراد الأسرة فتوقف البحث عن أسباب الوفاة وتم دفن أمي في اليوم العاشر على وفاتها في مقبرة القرية.

تولت زوجة أبي شؤوني فكانت تنام في فراشي إذا سافر والدي, اعتدت أنفاسها والتصاق جسدها بجسدي, تتدخل في اختيار ملابسي وتتابع استذكاري للدروس وتحث والدي على إحضار معلمين لمساعدتي في تعديل درجاتي لبعض الدروس, كانت تسميني "علي " بسبب شعر رأسي القصير وشغبي الغلامي: تقبل والدي الأمر لرغبة في داخله لم تتحقق.

تباعدت زيارتي للقرية وكان جدي وإخوة أبي عند زيارتهم لنا يقيم لهم والدي حفلات عشاء يدعو لها الجيران والأصدقاء، ولما ينصرف الضيوف يرتفع حوارهم فأعرف أن والدي لم يعد له مكان في الأسرة .

لما حصلت على الثانوية العامة ولرغبتي في مواصلة التعلم قدم والدي أوراقي للجامعة في الرياض وفي جده، فكان أن قبلتني جامعة جده في التخصص الذي ارغب بينما كان قبول جامعة الرياض في قسم أخر على ضوء درجاتي في بعض المواد.

أقنعت والدي بجامعة جده وان للطلاب المغتربين سكنا أمنا, جاء الفصل الدراسي الأول مرتبكا، معه كثر تردد والدي إلى جده، ومعها أغراه احد تجار الأدوات المنزليه تعرف عليه بالشراكة, وفي حفل عشاء أقامه التاجر في منزله لوالدي للتعرف على بعض رجال الأعمال كان قرار والدي الانتقال إلى جده .

داخل الجامعة مارست حقوقي كاملة بين الزميلات وهيئه التدريس وفي قاعات وممرات الكلية؛ في السكن بقيت أياما وحيده حتى جاءت ميسون، سمراء ممتلئة تتعرى في الغرفة غير مبالية بوجودي؛ تفتح باب الحمام وأنا استحم بدعوى اخذ منشفتها أو معجون الأسنان.

انتقل والدي إلى جدة، وفي اليوم الثالث سافرت زوجته للقرية حتى تقنع إخوتها بإعطائها بعض النقود من تركة والدها لمساعدة أبي، أحضرنا خادمة وسائقا يقوم بتوصيلي للجامعة, والدي شعر بالحرية أكثر فأخذ يفكر في مستقبلي، لم تنقطع زوجة والدي عن نومها في فراشي عندما يسافر والدي ولم تهمل مناداتي باسم " علي " عندما تراني البس بيجامة رجالية مخططه داخل المنزل وعند الخروج للسوق تكون أهم مشترياتي بنطلونات جينز وشورتات ألبسها عندما نقرر قضاء بعض الوقت في شاليه على البحر قام والدي وبعض أصدقائه باستئجاره للتنزه .

لما تخرجت من الجامعة جاء العمل معلمة في مدرسة قرية في جنوب جده تبعد مئة كيلو متر؛ رفض والدي هذا الخيار، وأمام إصراري على العمل تمكن من تبديلها بمدرسة تبعد خمسة وأربعين كيلو في الشمال.

في المدرسة وفي الطريق الصباحي والمسائي اكتشفت أن " علي " ترسب في أعماقي وأنا أجد إحداهن تحتضن كفي في خلسة من مرافقاتنا في السيارة، ولما قمت بزيارتها بسبب غيابها أخذتني إلى غرفتها وهناك ضمتني طربه وهي تقبل عنقي ولما وقفنا حذاء المرآة أخذت تحدق في ثم زرعت قبلة طويلة على شفتي قطعها طرق الخادمة للباب تدعونا للشاي.

قال أبي ونحن في السيارة عائدين من المستشفى الذي ترقد فيه زوجته، إن شريكه عامر يرغب الزواج مني؛ كانت المكاشفة متوقعه من أبي ولكن الوقت غير مناسب، فشريك أبي يغرقني بالهدايا كما انه يطري جمالي إذا قابلته في منا سباتنا الخاصة فوالدي يعتبره احد أفراد الأسرة.

وتذكرت أنني عندما كنت في الثانوية أن زميلة تقرب والدي، قالت في الفصل أني لقيطة بعد شجار على أمر يخص الأسرة، لم أناقش أبي حينها وبكيت في غرفتي وأنا استعيد نظرات طالبات الفصل تأخرت في تبديل ملابسي وبين دموعي جاءت زوجة والدي؛ ضمتني إلى صدرها ومررت كفها على راسي فأخذت اشكوا لها اتهام قريبتي؛ قبلت جبيني وأغلقت فمي بكفها .

نسيت الأمر وها أنا أتذكر ذلك وأبي يسألني رأي في طلب شريكه، وعلاقتنا المتوترة بأفراد الأسرة؛ فأبي ترك كل شيء ليتفرغ لي ويتبع نجاحي وهاهو يسعى لتثبيت الأمان في ما تبقى من طريق .

جاء زواجي من شريك أبي فخما وفي فندق فاخر في لندن جاءت ليلتنا الأولى مرهقة؛ وفي الليلة الثانية فجر حبي مكنوناتي الأنثوية بعد أن دفعني لمشاركته الشراب حتى نشعر بلحظة الأنس أكثر كما قال ونمتع تألق التواصل بفقدان العقل. وخلال تنقلنا لإزجاء الوقت والتنزه اعتدت شرب كاس من مسكر فاخر ينتقيه زوجي بعناية.

عرفت أن زوجة زوجي التي ترقد في المستشفى منذ عام توفيت ونحن في طريق عودتنا من رحلة شهر العسل؛ ولما وصلنا، كان ابناه الفتيان في منزل خالهم بعد هجرهم لمنزل والدهم، ومع الوقت اكتشف والدي إن ثروة شريكه مصدرها أموال زوجته المتوفاة وان هناك قضية في المحكمة تطالب زوجي برد الأشياء التي استولى عليها.

 

4 ــ

السامري , بعالمه الخاص وسياقاته المعرفية؛ همس في أذني بأسمى السري " طيف " بينما كنت أتنقل كفراشة في احد المتاجر، لاختار المناسب من القماش لتفصيله لحفل نهاية العام الدراسي بالمدرسة التي اعمل بها, جاء صوته يطري نوع القماش؛ حدقت فيه وأسدلت الخمار على وجهي, تبسم كانت بسمته تيارا كهر بائيا سرت لذعته في جسدي؛ واتجه معي إلى قسم العطور اختار لي مجموعه من الروائح ثم ترك بطاقة تحمل اسمه ورقم هاتفه واختفى.

انشغلت بمرض والدي؛ ترقد البطاقة في حقيبة يدي وأنا أقف وحيدة أمام غرفة العناية ألفائقة التي يرقد فيها والدي؛ زوجي مسافر وزوجة أبي أصابها مرض والدي فمرضت، وتم ترقيدها في أحدى غرف المستشفى, في المنزل وأمام قلق الخادمتين على والدي برز الرقم أكثر؛ جاء صوته مطمئنا؛ عاتبني على تأخري في الاتصال؛ شكوت له مرض والدي فسكن قلقي.

زوجي أصبح وحيدا بسبب مرض والدي فهجر المتجر وحبس نفسه في غرفة بفناء المنزل؛ يدخن كثيرا ويتجرع مشروبه المسكر الذي لا أدري من أين يوفره؛ يراجع أوراقه وحساباته؛ كنت اجلس معه اقلب الأوراق وألطف ألمي بمشاركته الشراب كما هي عادتي منذ أول ليلة في زواجنا، ثم ادخل غرفتي للحديث بالهاتف مع سامر حتى موعد نومي.

بعد ثلاث سنوات مع القضاء والشرطة ووالدي في المستشفى تدخل أهل الخير بين زوجي وأقارب زوجته ألسابق، وجرى حل المشكلة المالية؛ نصحنا الأطباء بنقل والدي للمنزل مع تجهيز غرفة طبية، وأعارنا المستشفى ممرضه للمتابعة؛ حضر بعض أخوة أبي للمعاينة وارتفع صوتهم فطردتهم زوجة أبي, وفي تلك الليلة نمت في فراشها وشعرت أن روحها الطيبة تطوقني.

في مساء يوم وبعد مكاشفة ليلية كنت اجلس مع سامر في مقعد على البحر الممتد أمامنا نلاحق موجه المتكسر على صخور الشاطيء ونلعق الإيسكريم؛ حديثه الحالم ينزعني من همومي؛ تقاسيم وجهه تزرع الأمان وهو يضم كفي بيده اليمنى، هجرني النوم فخرجت إلى الفناء؛ لم أجد زوجي في الغرفة جلست اقلب الأوراق المتناثرة على الأرض كشف حسابات البنك يفضح التلاعب في المستندات؛  شعرت بالتعب وعرفت انه رحل؛ تركت كل شيء وعدت لغرفتي .

في منزل والدي المغلق بعد وفاته ورحيل زوجته إلى أهلها حتى يبت القضاء شكوى إخوة أبي لحصر نصيبه في الشركة ليتم توزيع الإرث؛ كان لقاء الحقيقة, مع غياب الشمس أوصلني السائق إلى السوق وجلست على مقعد انتظار في ساحة المحلات ألتجارية أتأمل تفاصيل المرتادين وأجمع تبعثري، ولما لمحته نهضت تخللت أصابعه أصابعي فتح باب السيارة ولما جلست اتجه للباب الأخر؛ طلبت منه الذهاب إلى منزل والدي.

وقف في وسط غرفة الجلوس يتفحص المقاعد والستائر المسدلة، دخلت غرفتي القديمة تكومت العباءة على الأرض؛ وقفت أمام المرآة تعريت؛ نثرت شعري وأزلت الماكياج وحمرة شفتي بمنديل ورقي بللته بلعابي؛ أخرجت من خزانة الملابس قميص أحمر موشى بزهرات عباد الشمس الصفراء قصير غطى ردفي كنت أتجدد وأنا استعيد ذاتي من خلال ذاكرتي .

خرجت من الغرفه امرأة أخرى فتح فمه مندهشا؛ وقفت قبالته، نهض من مقعده؛ نزع غترته فتمددت على المقعد مع عقاله، طوقني بذراعيه قرب شفتيه من فمي؛ أندغم في داخلي؛ اختلط عرقنا مع تفجر رغائبنا المكتنزة منذ بدء الخليقة.

 

5 ــ

أمي من النور ( هكذا عرفت ) اعتادت التجول في أرجاء الأرض متمسكة بالتقاليد وطراز المعيشة الحرة التي معها يأنف الغجري العمل؛ فهي الحسناء التي باعت إخوتها الأربعة للشيطان حتى تفوز بقلب حبيبها فكان موتها الغريب عندما انتقل بها والدي من فضاء القرية الرحب إلى المدينة لتعيش بين جدران الأسمنت مقيده عندها فاضت روحها الراقدة لتعود إلى التحليق .

ومن هنا لم أجد أحدا من أقاربها حولي، ولما شعرت أني سيدة نفسي اتجول كما أشاء بعد انشغال زوجي بمشاكله مع أهل زوجته السابقة وأقارب والدي؛ حضر خال والدتي الخضر الذي أصل فضاء الحرية في فكري .

كنت مع ثلة من الصديقات نتناول العشاء في مطعم فندق أوراق النرجس الأربع وخرير الماء ينساب مع صوت الموسيقى متجاوزا همس المرتادين، جاء يحمل دلة القهوة صب لي فنجانا وترك مرافقاتي؛ أخذت أتبعه بنظري وهو يتنقل بين الطاولات حتى اختفى.

شيء في داخلي؛ تخلق معه توهمي وهو يغادر المطعم كحصان رافعا ذيله متوفزا، تركت الطاولة ولحقت به كان يجلس في صالة ألاستقبال؛ نهض لما لمحني امسك بكفي وسحبني إلى مكان منزو؛ اخرج من ثنايا ثوبه الفضفاض مظروفا أبيض تركه على الطاولة؛ تحدث كثيرا عن أمي .

بناء على طلبة لم أفتح المظروف حتى ندخل دار والدي؛ في السيارة جلس بجواري بالمقعد الخلفي رائحته شذيه وثوبه الفضفاض حريري الملمس عقاله الأسود السميك يلمع كلما مررنا بقرب شعلة نور ووجهه المصبوغ بالحمرة متغضن بأخاديد الزمان، سبقني إلى الداخل ليشعل الضوء جلسنا متقابلين في غرفة الجلوس؛ روح أمي تحلق في فضاء الغرفة, أخرج ألمظروف من حقيبة يدي وفك الرباط؛ كان بداخله أوراق ثلاث؛ الأولى عقد زواج أمي، والثانية شهادة ميلادي، والثالثة وثيقة تملك لمنزل في حي فقير باسمي .

عرفت انه يقيم في المنزل وطلب مني مرافقته حتى اعرف موقعه؛ أما شهادة ميلادي ووثيقة زواج والدي التي تحمل توقيع جدي, مستندات تدين أقارب والدي في إخراجهم مشهدا لم يبروا فيه قسمهم في المحكمة يحصر ورثة أبي في أخوته، وانه مات ولم يخلف، وشهادة ميلادي تحدد موقعي في عشيرة أمي، واني أصبحت ملكة جماعتنا التي تناثر أفرادها بسبب زواج والدتي من غريب؛ وحتى أضلل الأرواح الشريرة التي تلاحقهم .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

         

 

                                                      

هل تكتمل اللوحة

التفاصيل
كتب بواسطة: سمير جمول
نشر بتاريخ: 23 ديسمبر 2000
انشأ بتاريخ: 23 ديسمبر 2000
الزيارات: 14

 

هل تكتمل اللوحـــــــــــــــــــــة ؟

 

 

حضرت الفرشاة والألوان .. حرصت أن تكون كل أدواتها  أصيلة نقية , فربما تكون اللوحة أكثر وضوحا وإشراقا , ربما تكون أكثر قربا من البدايات الأولى , حيث الأجنة لم تلوث بمياه المستنقعات  المخلقة الآسنة .

شعرت أن جميع الأمكنة يمكن أن يصل إليها الضجيج والفوضى , فابتعدت بقدر مايسمح لها الامتداد بالهروب , فهي تعرف أن الأرض مكورة  وكل من يسير بسرعة يعود الى حيث كان , ولايمكن الانفلات منها .. هذا يعني أن الابتعاد عن الضجيج هو اقتراب من طرفه الآخر.

جلست في المنتصف ............ لم تستطع الرؤيا , فقد حجبت اللوحة الأفق .....أمالت رأسها جانبا لكنها لم تستطع فالنباتات الشوكية  بكل أشكالها  وقفت حائلا دون ذلك  .. حتى تلك الانفراجات القليلة لم تكن كافية  لرؤية واضحة غير مشوهة  .....

ارتفعت قليلا بجذعها مادة عنقها فوق اللوحة فاصطدمت بغصن يابس تدلى من شجرة هرمة  عرفت كل الفصول إلا أنها مازالت تكابر .. تتحدى عوامل الزمن , متجاوزة باردها وأكثرها حرارة  وقد ترك  كل منها أخدودا غائرًا على جسدها  .

باءت كل المحاولات بالفشل .....

لم يعد أمامها سوى النظر الى الخلف  ...

امتلأت عيناها بدموع مخضبة  بعروق حمراء ....

ارتعشت خلاياها رعبا .........لملمت ثوبها ببطء مكرهة بالعودة إلى ماوراء ذاتها  .                       

 سبق رأسها عيناها اللتان مازالتا معلقتين بتلك اللوحة الناصعة  آملة اختراق قماشها إلى الأمام .

- ابعد كل هذا العناء ؟؟!!

لقد تعبت في تجميع الواني من كل وردة نبتت على تراب الحدائق الطاهرة , ولففتها بخيوط من قوس قزح خيفة اختلاطها بالألوان القاتمة.

لقد نسجت تلك القماشة  من حرير تمتد أصوله إلى شجرة التوت الأولى  والتي ما بخلت يوما في ستر عورة جدتي وجدي اللذين توحدا في تذوق بؤسهما , وقطف ومضة نور في حالك ليلهما .

أبعد كل هذا أتوقف ...... ؟

أبعد كل هذا أذبل وأستسلم ولا أستمر....؟

لا...لا...سأواجه تلك الشجرة العجوز..أرويها ....أقلمها ...وإلا فأقتلعها

وأجتث تلك الأشواك لأغرس حبا  أو أحلم بالزنابق  وأظل أحفر في الأرض الجرداء حتى يأتيَ يوم المخاض فعلها تولد براعم خضراء .

سأستمر في الانغراس  وسأرسل جذوري عميقا حيث النقاء.

سأستمر وأضيف لعفونة الزمان رائحة العشق للحياة وسأغير وجه المكان  ... أفتت صخوره , وأنظف جداوله للينابيع العذبة  المعطاء.

عندها قد تصلح  أوراقي للانتماء .. وتكتمل اللوحة بكل مفرداتها ....

 

 

 

 

 

محرر / هشام الشربيني

هلم جرا

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد إبراهيم محروس
نشر بتاريخ: 19 ديسمبر 2000
انشأ بتاريخ: 19 ديسمبر 2000
الزيارات: 14

هلم جرا

محمد إبراهيم محروس

هلم جرا

محمد إبراهيم محروس


لملم الأوراق المتناثرة أمامه فى شئ من اللامبالاة, ووضعها جانباً ,وهو يتمتم لنفسه :- فشل أقصى فشل.
لم يكن يتصور وهو يصحح أوراق الطلبة أنهم بهذه الدرجة من السوء , إنهم لايدركون مايكتبون , فقط يملؤون كراسة الإجابة بأى كلام , المهم أن تصبح الكراسة مزدحمة بالعبارات والجمل التى لامعنى لها.. تذكر أيام الدراسة , وكم كان يعشق الاجتهاد والمثابرة, والعرق, والكفاح للوصول للحلم , للتعليم  .
ولكنه الآن أمام كومة من أوراق الطلبة الفاشلين, ولت أيام الاجتهاد.. إنه الآن فى أيام الزخم , الزخم التعبيرى والنفسى والضعف, كل شئ, كل شئ أمامه لا يدعو للتفاؤل.
وجد نفسه يسحب كراسات الإجابة ويمسكها بين يديه ليضع الدرجات , سيضع لأول كراسة اجابة تقابله "ضعيف جداً " لن يلومه أحد كلهم يستحقون "ضعيف جداً " مع الرأفة , رفع الكراسة بين يديه وحدق فى الأجوبة التى لا ترتبط بأية صلة لمعنى الأسئلة, وأخرج القلم الأحمر ليضع الدرجة وبغتة انتبه لنفسه , كيف يفسر لعميد الكلية فشل معظم الطلبة فى مادته ؟!
كيف سيواجه لجنة التدريس , شرد لدقائق ثم وجد نفسه يستخدم القلم نفسه ليكتب على أول كراسة بين يديه درجة معينة وبلون أخر كتب "هلّـــــم جـــــرا".

 

 

محرر / هشام الشربيني

لحظات ما قبل النص

التفاصيل
كتب بواسطة: قيس المرابط
نشر بتاريخ: 16 ديسمبر 2000
انشأ بتاريخ: 16 ديسمبر 2000
الزيارات: 15

لحـظات ما قـبل النص

 

صباحا و متأخّرا كعادته، يستيقظ الشاعر من نومه المتقطّع بالهلوسات. يُسرع إلى أقرب مقهى ليفتح عينيه في فنجان قهوته الداكنة كالسماء المحاصرة بالسّحاب. يَتّخذ رُكنا مميّزا ليتمكّن من رؤية العابرين إلى يومهم، و قطرات المطر التي تنساب بحماس شديد و بلا هَدف. يزيح غشاوة ذهنه بأصابع التبغ الرخيص و الكافين، ثمّ يرتّب دهشته كسرير ناعم  لاحتمال مرور مشروع حبيبة افتراضيّة، سواء من أمام واجهة المقهى البلوريّة أو عبر شاشة الحاسوب الذي ينتصب أمامه على طاولة خشبيّة ثلاثيّة الأضلاع. فجأة تدخل فتاة تفتّحت الألوان في ضفائرها عن غير قصد، بمشدّات الشعر الفراشيّة... فتذكّر الربيع. تُبادله تحيّة الصباح المتأخّر، و تختفي مع قهوتها السريعة كالمطر.  تمنّى لو أنّ النادل يُطيل انتظارها إلى حين فراغه من نحتها في ذاكرته. تمنّى لو أنّه دعاها بنيّة مبيّتة لتقتسم معه حديث الصباح الكسول، متعلّلا بالوحدة والمنفى مثلا أو ضيق الأفق. تمنّى لو شاطرها محنة الشتاء و خُلوّ غرفته من دفء جريء وضمّة أنثى.

يمضي الشاعر في صباحه المتأخّر كعادته بالأمنيات إلى حدّ الحسرة، و يعود إلى حاسوبه ليلتقط دفقا حارّا يُذيب تصلّب الشرايين و ثلج القلب. يمرُّ على صور مزّقها أزيز الرصاص و عنف متبادل هنا ... و هناك، و موت بلا سبب كخبزنا اليوميّ أو كالدعاء في الصلاة. صور تعبر كيوم عابر أو كسرد متقطّع في قصيدة نثر. يُشيح الشاعر بصره قليلا عن صور الكبريت الدّامي و هول الفجيعة و يتّجه إلى صفحة جديدة ليتعثّر بلا موعد بامرأة عالية الجودة في غرفة كونيّة على " النات كوم". سيّدة في كامل أنوثتها تبادل الشاعر عن بعد تحيّة الصباح المتأخّر أو تحيّة ما بعد الظهر، بتعاليم تقنيّة صرفة و بثقافة العولمة: تَتَحدّث معه عن السلم والحرب وعن قصيدة فقدت معطف الإيقاع عند الترجمة. يُودّعها سريعا على أمل اللّقاء بها في نفس المساحة الإلكترونية و في نفس التوقيت كمـن تذكّر أنّـه مـزدحم بالمواعيد و الأعمال المؤجّلة.

ينظر الشاعر إلى ساعته مثل من ينتظر صديقا حميما أو امرأة تهلّ عليه بلا مقدّمات، ليقرأ في وجهها أخبار الساعة و أحوال الطقس. يُغلق الحاسوب بعد أن يُتمّ قهوة ما بعد العصر. يقف.. يطوي شاشة المحمول و ينسى كعادته القلب بين ضلوع الطاولة. يقول " شكرا" للنادل و يمضي إلى نهاره الذي يبدأ في تلك اللحظة الحاسمة.

كان يتصوّر و هو يَهمُّ بمغادرة المقهى أنّ كلمة الشكر التي همس بها إلى النّادل منذ حين تدخل في باب المجاملات و اللياقة أو ما يسمّى بالنّفاق الاجتماعيّ، لكنّه سرعان ما تخيّل أنّ النّادل سيكون أسعد لو أنّ هذه الكلمة تدرج ضمن جدول التعريفة؛ بحيث أنّ كلّ من يقول له "شكرا" سيكون ملزما بدفع معلوم رمزيّ نظرا لتدافع هذه الكلمة و وطأتها على أذنيه على مدار الخدمة آلاف المرّات. حينها سيتمكّن هذا النادل من تسديد بعض ديونه و ما تخلّد في ذمّته من معلوم الإيجار، أو ربّما سيشتري بالتقسيط سيّارة شعبيّة تُغنيه عن زحمة النقل العموميّ و حركة السير... أو ربّما سيفكّر بفوائض هذه الكلمة إذا ما ادّخرها في دفتر التوفير، أو ربّما سيفكّر بجديّة مطلقة في التخلّي عن وظيفته و الشروع في مشروع تكون فيه كلمة " الشكر" رأس ماله الوحيد، و إلاّ عاد إليه شبح الفقر و كابوس الإفلاس من جديد.

تمرُّ هذه الهواجس و الأشياء في ذهن الشاعر كومضات بارقة، فيمضي بها إلى أقصى المستحيل، لكنّه سرعان ما يعود إلى رشده مقتنعا أنّ له حاجيّات بيولوجيّة لا يمكن الاستغناء عنها. يدخل المطعم. يتناول فطوره أو عشاءه دون أن يقول " شكرا" للنّادل حذرا وحيطة من عودة نفس الهواجس التي تُؤدّي إلى تخلّي العامل عن عمله. في خروجه يَتعثّر من جديد بثلاث نساء يُصنّفهنّ تصنيفا شعريّا بحسب ردّة فعلهنّ تجاه المطر المتثائب في آخر النهار. لا ينسى أن يقنع نفسه بأنّ التي لا تأبه للمطر و البرد و بلباسها الخفيف هي قصيدة نثر بامتياز، و كان يمكن أن تكون حبيبته القادمة إذا ما سنحت الفرصة أو ابتسمت. أمّا المرأة التي التفّت بمعطفها الرخاميّ و فكّت أزراره فيبدو أنّها نسخة من قصائد الستينات في تحرّرها الشكلي، في حين تبقى المرأة الأخيرة بمعطفهـا الأسود و بانتباهـها إلى المـطبّات على طول الطريق و احترامها لعلامات المرور قصيدة عموديّة على إيقاع " البيتزا" و " الروك أند رول".

تمرّ هذه التصنيفات في ذهن الشاعر أيضا و يمضي إلى نهاية يومه. يتأمّل الشجر الذي نما فجأة و يُسلّم عليه. يُصافح حصى مبلّلا في غير مكانه و يهمس إلى قطّ خبيث يراود غريبة الشارع عن نفسها: " عيب". تمرّ الصور كشريط في منتهى السينمائيّة و الحركة، و يبقى الشاعر مشدوها لقصيدته القادمة.

في الليل و حين تسرج فاكهة السماء أضواءها، كان يُغَلّق نفسه بالسواد ليبدأ الملحمة. يَسترجع تفاصيل يومه فتتناثر الصور بضبابيّة قصوى، و بلغة خام يكتب الشاعر سطره الأوّل كهبة من السماء. سيتذكّر الفتاة التي بادلته تحيّة الصباح المتأخّر و انصرفت إلى يومها السريع كالقهوة. سيتذكّر مشاهد العنف القادمة مع حبيبة افتراضيّة على الشبكة. سيتذكّر النادل الطامع في كلمة الشكر، و نساء الشّعر تحت المطر. لن ينسى الشجر و الحصى و لا القطّ المنهمك في المراودة. لكن يبقى السطر الأوّل في حدود العزلة محاصرا بلغة منكسرة تعـجز عن القول، و تبقى الصور على تُخوم المـسافة الفاصلة بين الواقع و الشعر. سيُحاول أن يستوفي طقوس العادة كأن يشعل سجائره الرخيصة أو يرتدي ملابس النوم، مشغولا بفكرة أنّ طقس الكتابة ينقصه شيء، و بأنّ فترة غياب نصوصه عن الصفحات الأدبيّة المختصّة ستظلّ معلّقة إلى حين.

 

يعود الشاعر إلى سطره اليتيم. يحاول ترويض اللغة/ الأنثى باللين مرّة و بالقوّة في أغلب الأحايين. يستجمع الذاكرة. ينفض الغبار عن الكائنات و المواد والألوان. يحفر في قشرة الأشياء عن صدى الأسلاف، و يبحث عن نور خافت يضيء فضاءه المغلّف بالسواد. يحاول مرّات و مرّات، لكن تظلّ عتبات النصّ القادم صامدة و منيعة كالمستحيل، و يظلّ الشاعر كخيمة في مهبّ الخيبة مزدحما بالسؤال؟

يتمطّط الشاعر على سريره ليقنع نفسه بأنّ الكلمات العظيمة تنبع من قلب الأشياء، و بأنّ الله انـتظر طويلا قبل خلق آدم، ليتخيّل صورة العبد. حاسمـا بأنّ يـومه كان فقيرا و أنّ عنصر الحركة و أحداث الصدفة كانت بلا معنى، وجازما بأنّ انهماكه بها لم يخلق فيه حالة الصدمة أو لحظة المكاشفة القصوى لينهال النصّ في أوج غزارته و صريحا كالنهار.

في الصباح الموالي يستيقظ الشاعر متأخّرا كعادته. يحاول أن يعيد اتّصاله بالأشياء التي بدت عقيمة و غير منتجة في يومه السابق. يحتكّ بها أكثر. يستمتع برفقتها كعاشق تعثّر بلا موعد بحبيبته المنتظرة. يطيل عناقها على أمل ضئيل بأن تدفعه إلى مضيق الكتابة و محنة الخلق، مُبقيا حواسه في استعداد مطلق لالتقاط الموجات السريّة أو التفاصيل الصغيرة التي قد تحدث فيه الرجّة لحظة إقامته في تلك الأشياء التي يحيا بها.

يعيش الشاعر يومه الجديد على الآمال الكبيرة و يغرق أحيانا في هامش الجزئيّات ليقتنص قُوت ليله و مادّة ما بعد السطر الأوّل. في الليل يعود معها إلى البيت، و إلى الغرفة التي تفتقد لدفء جريء و ضمّة أنثى. يعود محمّلا بالهواجس الألف، و العواطف المتناقضة الألف لبدأ معاناة الرحلة التي لا تنتهي.

بعد أسبوع أو شهرين أو ربّما بعد سنتين، سيتذكّر الشاعر هذه الأشياء، الكائنات، النساء جميعا، و تلك التي مرّت تحت المطر، أو مشروع حبيبته القادمة لو ابتسمت. سيتذكّر الشجر و الحصى وكلّ من لهم علاقة بالحياة. سيتذكّر أيضا القصيدة العموديّة و كذلك الأموات. فجأة... و دون علم أو قصد أو معرفة بعلم الغيب، تنهال الكلمات حارّة و بلا تعب. يسقط الشاعر في فتنتها النّائمة حدّ الغرق. لن يستطيع مقاومة انجرافها على مسافة البياض و انحدارها نـحو لحظة الفضح: سيكون مفضوحا و عاريا مثل نادل المطعم الذي لم يهمس إليه ذات مرّة بتحيّة الشكر، و سيكون محظوظا كالقطّ الذي راود غريبة الشارع عن نفسها " هيت لك"، خاصّة إذا ما اكتشف أنّ نصّه لن يحتاج إلى تشذيب كي يدخل المطبعة أو يسري كالرعشة السريعة عبر منافذ الشبكة.    

 

                                                                              ☺قيس المرابط/ تونس

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

القطيـــــــع .. والنمـــــــــــــل

التفاصيل
كتب بواسطة: شهد أحمد الرفاعى
نشر بتاريخ: 08 ديسمبر 2000
انشأ بتاريخ: 08 ديسمبر 2000
الزيارات: 13

القطـــــــيع.. والنمـــــــــــل

شهد الرفاعي
غالبنى النوم .. ولم يغالب طفلتى الصغيرة.. وأصرت على حدوتة قبل النوم..ووجدتها تقول لى ..أريد حدوتة الفيل والنمل .. ونظرت إليها .. بعيون يغلبها النوم .. فيل ونمل الآن .. لا .. نامى الصبح نحكى.. ولكن طفلتى المدللة إنتصرت على نومى .. بقبلة صغيرة على جبهتى .. بلمسة حنان من يدها الصغيرة لا يعادله حنان.. وهى تقول لى .. لا إحكى لى حدوتة ( الفيل والنمل ) .. وإحترت كيف أحكى لها هذه الحدوته . وخصوصاً وهى كثيرة الأسئلة ولا تفوت جملة دون إستفسار.. ولكننى إعتدلت فى جلستى ووجدتنى أقول لها.. مين الأقوى .. الفيل ولا النمل؟؟؟ فقالت الفيل كبير قوى يا ماما.. لكن النمل صغير جداً.. وبتعبيرها الطفولى ( صغنون .. نونو)..قلت لها لكن ممكن النمل يدمرالفيل حتى الموت .. وإستغربت الصغيرة .. كيف؟؟ قلت لها لو إجتمع كل النمل مع بعضه البعض على .. الفيل.. وهاجمه بأماكن معينة من جسمه أولها الأذن .. ممكن يموت الفيل.. وضحكت الصغيرة جداً وببراءة جميلة قالت فيل عبيط..قلت لها . لا .. حبيبتى .. بل نمل ذكى ومنظم.. وهذه هى صفات مجتمع النمل فى الواقع .. التنظيم .. والتعاون .. والترابط والحذر..والذكاء.. وعندما بدأت أقول لها.. كان ياما كان ..فيه زمان.. مجموعة من الأفيال تمشى فى الغابة .. وكان فيهم فيل قوى وكبير جداً هو الزعيم لكل الأفيال.. فإذا ببقية أولادى وهم كبار ينضمون إليها ويستمعون لى .. ( فهم يحبون سماع قصصى الخيالية ) وإذا بالصغيرة سعيدة جداً..ووجدتهم يقولون أكملى ياماما .. فقررت أن أنتحى بقصتى إلى منحنى الكبار الممزوج بالخيال الطفولى .. وأكملت .. كان هذا القطيع دائماً يروع أهل الغابة ..بكبر حجمهم.. وأصواتهم المرعبة .. وقانونهم كان يمشى على الجميع .. حتى الأسود الملوك .. تخلوا عن زعامتهم لهم واصبحوا يمشون بركابهم مطأطأين الرؤوس..و رافعين راية.. من خاف سلم.. وإنضم للأفيال البقر الوحشى الذى لا يرحم وقد كان أصله من البرارى لاموطن له ولا بلد وتجمع بالغابة وقليلاً.. قليلاً.. أصبحت الغابة ملك للبقر ..والأفيال بالأذيال.. وأخيراً إنضم إليهم بعد مشقة النمور.. وكل ذلك والغابة تعانى ولا سبيل للتخلص من هذا الوضع .. وفى يوم من الأيام كان النمل مجتمع فى مكان يجهز طعامه للشتاء وإذا بقطيع البقر يأتى من بعيد يريد سحق هذا النمل بأرجله.. ومعهم الفيل الزعيم الكبير المثقل بهمومه ومشاكله التى لا تعد ولا تحصى ..ووراءهم النمور الذين دخلوا لعبة الزعامة حديثاً ولكن من طريق أكثر ذكاءاً ودهاءاً من طريق الأكل والملبس.. فلا يوجد أحد بالغابة وإلا أكله من النمور وملبسه مما تصدره له النمور..وهنا..خاف النمل وتفرق قال البعض سنسحق لا محالة .. ولكن بعض النمل وقف ولملم بعض الصفوف ونادى فيهم .. قائلاً يا من ذكرتم فى القرآن .. إجتمعوا ولا تخافوا يا أمة النمل .. إجتمعوا وإلتفوا حول بعضكم البعض.. ولا تأبهوا البقر والأفيال والنمور.. ولكن البعض ظل على خوفه وإنزوى ببعض الجحور.. ولكن أقدام الأفيال القوية هدمت عليهم الجدران وأطبقت عليهم أعمدة الخوف .. ونبش النمور الجحور .. وأخرجوا خيراتها .. لأنفسهم.. ووطأ البقر المكان ولوثه بروثه العفن..وزلزل الأرض من تحتهم .. فضاعوا نظير جبنهم وإستسلامهم .. هنا صاح البقية الباقية من النمل .. هلموا .. وخذوا الدرس مما سبقكم من النمل الضائع الخائف.. وإستغرب بعض النمل وكيف ونحن نمل ضعيف .. لاحول ولاقوة لنا أمام هذا القطيع؟؟ ولكن.. قال نمل حكيم .. نلتف حولهم ونتسلق ظهورهم وندخل لآذانهم ونغطى أعينهم ونغزو أنوفهم .. فلا يستطيعوا رؤيتنا ولا سمعنا ولا يشتموا أثرنا.. وفعلاً بدأ النمل بترتيب صفوفه بتنظيم دقيق.. وبتعاونهم المعروف عنهم والمذكور بالقرآن..بدأوا بذكاء.. يخترقون آذان الأفيال.. فإذا بها تترنح وتصرخ.. وبدأ فريق آخر يغزو عيون القطيع.. فإذا بالقطيع يتخبط ببعضه البعض..ويقع على الأرض.. وجاء دور فريق مختص بدخوله عبر ممرات الأنوف.. فإذا بالبقر يتصارخ والفيل يطيح بخرطومه بكل من حوله فتقع الأشجار الكبيرة بالغابة على النمور المستلقية على الأرض من عدم التوازن .. ويخرج النمل سريعاً من أرض المعركة .. صحيح أنهم خسروا منهم الكثير من النمل.. ولكنهم بعد ذلك عاشوا فى حرية وكرامة .. وأصبحت الغابة تحسب لهم ألف حساب..وتحترم وجودهم.. ويفسحون لهم الطريق.. بعد ما كانوا يداسون بالأقدام..وكانوا موضع سخرية من الجميع بكل مكان..
فرغت من قصتى .. ووجدت أن الصغيرة نامت.. قبل أن تعرف ..أن النمل بصغر حجمه .. أنتصر على الفيل بكبر حجمه وعلى باقى القطيع المعتدى عليهم.. ولكن بالتنظيم والتعاون والذكاء.. وأن من يخرج من صفوف الجماعة .. ليس له سبيل سوى الدمار والإحتلال.. وأن الطمع مهلك لصاحبه بالنهاية..وهنا ضحكت إبنتى الكبرى وهى تقول .. ليتنا كنا أمة من النمل!!!!!!..قلت لها ولماذا لا نكون هكذا ؟؟ أنتم الأمل .. الشباب هو من يقدر على المواجهة وببعض الخبرة من الجيل القديم .. تعزفوا منظومة متكاملة .. تواجهون بها عدوكم .. أنتم من سيقرر .. هل ستكونوا أمة من النمل ؟؟ أم ستداسوا بالأقدام.. القادم لكم .. وليس لنا.. فلكم الإختيار .. العيش بكرامة.. أو العيش تحت الأقدام..فقالت ..عندى محاضرة بالصباح .. و الأحسن أنام.... وتساءلت بنفسى .. ماذا لو كل الشباب قال نفس الجملة؟؟؟ هل سنكون يوماً بعدها أمة من النمل؟؟؟ السؤال مطروح.. والإجابة مترنحة.. تبحث عن حروف لتكوين جملة مفيدة وليست فقط مريحة.. ولكم تحيتى..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

وكانت البداية

التفاصيل
كتب بواسطة: بلال الحراق
نشر بتاريخ: 08 ديسمبر 2000
انشأ بتاريخ: 08 ديسمبر 2000
الزيارات: 11

 

 

 

وكانت البداية

 

                     كان    الوقت    ظهرا.ً   الجو مزيج  من ألوان الضجر .  والشمس   في كبد   السماء      تُلقي  بلهيبها   على السّحنات  و الأجساد  الفائرة ،   من  خَلَل السحاب      تتململ وتتمطّى .  و على  طول  الرصيف  تصطفّ أشجار النخيل  في  خُيلاء  ,   تتحاذى   وتتنافر .  بين  جدائلها   ابتنت    الطيور أعشاشها ,  فهي  تؤُمّها بين الحين والآخر زرافات ووحداناً ,  وتملأ المكان  بزقزقاتها  التي تضيع مع هدير المحركات وإيقاعات الأبواق المتسارعة المتباطئة..

 

                     في وسط الطريق  وقف (حُّدو) يلوّح   بقنينة   خمر فارغة.  يعترض  سبيل السيارات  فتغير اتجاهها, تنفر منه دون أن تتوقف,  تنجو سيارتا تاكسي  من اصطدام وشيك , فيمطره سائقاها بسيل الشتائم و  اللعنات.لايأبه  لهما كما  لايأبه بالألم الذي ينبعث من جرح  في إحدى  قدميه الحافيتين. كان يسير بخطوات  مترنحة,  يعدُّ خطاه.  وُتجلجل ضحكته  بين الحين والآخر حين    يلتفت وراءه,   قافلة السيارات  من خلفه  تقتفي خطاه, لا يأبه لأبواقها,  يلتفت  ويُقهقه ..  كان  يتوسط  الطريق ,  يتوقف   يحكّ شعر صدره الكثيف ,  فتتوقف  من وراءه  القافلة  وأبواقها لا تنقطع. يحسّ  بالزهو,  وتغلي الخمرة  في  رأسه. بالقنينة  الفارغة يهّدد  أحد المارة. قدمه  المدمية تلتصق  بالإسفلت. القافلة من وراءه  تعدُّ خطاه. يحطم القنينة في (نصب)  أعدّ للإشهار   بجانب الطريق. تتشظّى  القنينة  ويتشقق  زجاج  (النصب). يُديم النظرفي  ملصق الدعاية,  تلوِّح له من الصورة  فتاة حسناء انحسر عن نهديها رداء شفاف , تبتسم  له وتدعوه , بجانبها شاب وسيم يمسك بكلتا يديه صندوق هدايا. (شركة " لاغلاء على مسكين " تتمنى لكم سنة سعيدة) . راح يفكُّ حروف الدعاية,  حروف  كالألغام,  تتشظى  في رأسه, العبارة  تنجرف في جوفه مع الريق، يحسّ لها طُعم الدماء. فتاة (النصب) تدعوه"حدُّو حُّدو" لكنه لا يعبأ لندائها.  ينصرف عنها  ويعود للطريق. في خطّ المنتصف يقعد, من  أمامه تمر السيارات ببطء . تمر ولا تمر.. يعدُّها كما يعدّ الراعي قطيعه"واحد,جوج, تلاثة.. سبعة"

- أمّك ضبعة . يخاطب صاحب دراجة نارية.

 

                  دسّ يده  في جيب سرواله, الكارطة في يده الآن.  يخلطها في مهارة المتمِّرس , يقرصها..  يُعيد جمع  جزئيها إلى  بعضهما , يخرج  من بين الأوراق الأربعين "الترِّيس", يخاطب صاحب سيارة "رونو" مقبلة نحوه:

- سكايري..

                 تُجلجُل ضحكته , وتخرج من بين الأوراق"السُّوطة" , يُخاطب صاحب شاحنة تمرُقُ  إلى  جانبه:

- لعبت  بك شي  مسخُوطة,  رُد بالك آ الشَّايب.

يُطلُّ "الراي" برأسه المزهُو من بين الأوراق:

- أنت راي عليهم, وإن كثُر الرأي رأيك  فوق  كل رأي . ُيوجه  كلامه  إلى  مُمتطي  دراجة هوائية.

               يحس أن اللعبةبدأت تفتُر, بدأت تفقد حرارتها, يلُمُّ الأوراق الأربعين ويعيدها إلى جيبه ,  ينتصب واقفاً فيصبقه ظّله للإنتصاب. لم يعُد هناك داع  لبقائه وسط الطريق .  فقطيع السيارات ما عاد ينقاد له.      

*       *       *

 

              في الرصيف يمشي وهو يتعثّر في جلبابه, جلبابه ولدت فيه "مسعودة" القطة ذات صباح, في  جلبابه  يلعب البرغوث غُمّيضة.. والقمل في  رأسه يتسكّع.. رأسه غابة , الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود..

 

             تُسلمُه  قدماه  لرأس "العقبة",  في ناصية الطريق  وقف شيخ  ضرير ينقُر بعكّازه الأرض,  يمد  يده الراعشة  إلى كفٍّ  وهمية ستعبر به الطريق.., يتجه  إلى الشيخ ,  تتشابك أيديهما, وتنفرج شفتا الشيخ عن عبارات الشكر. يرتفع  صرير مزعج لسيارة حديثة الطراز, تتوقف  على بعد  يسير منهم ا لتتيح  لهما العبور  إلى الضفة  الأخرى  من الطريق .  يصدح الشارع بأنغام أغنية إسبانية شهيرة  تنبعث من السيارة, سائقها الشاب يُميل رأسه ذات اليمين وذات الشمال في تجاوب تام مع الأغنية.

 

           عند الرّصيف يترك الشيخ ينجرف مع تيارالمارة.. ويتابع السير, يُحس بدوار يهاجم رأسه فيلقي  بجسده  عند أول  مكان يلوح  له  صالحاً  للنوم, ويغط ُّ في  نوم عميق..

          لم يدركم نام ؟,أساعة؟أم بعض أشواط الساعة, المهم أنه قد استفاق, استفاق على هزّات بدأت في أول   الأمر خفيفة   لينة, ثم تحولت  بعد ذلك إلى هز عنيف. في نومه القصير رأى "رحيمو"  تقبل نحوه بلباس نوم شفاف, بين يديها كانت  تحمل وليداً, تُقبل نحوه  وهي تخطو في الفراغ. تدنو منه وتضع الوليد بين أحضانه ,  تبتعد وصدى صوتها يُرجعه الفراغ :

- ولدك ذاك, احرص عليه.

 

          يتكلم  ولا يتكلم ,  لسانه  شُد إلى حلقه بسلسلة  ثقيلة  كالصمت.. "رحيمو" غيّبها عن ناظريه  سديم  العدم. و الوليد  بين يديه  يصرخ, وهو  لازال يتكلم  دون  أن تفارق  الكلمات شفتيه..

- حميدو!! ما هذه الحالة؟!! وتنام في الطريق؟؟!

- لاحول ولا قوّة إلاّ بالله.

- حميدو أنائم أنت؟؟

          تتسلّل هذه  الأصوات  إلى أّذنه المستفيقة الغافية.  و الهزّات تُخرجه من حلمه المُبهم. يفتح جفنيه  في  تثاقل,  فيبصر أمامه شابا سامق القامة.  يتحدّث إليه الشاب:

- حميدو ألا تتذكرني, أنا " ربيع" صهرك؟.

- حميدو ما هذه الحالة؟.

- أين غبرت كل هذه المدة؟

         يقع حدو في لبس من أمره،  من هذا الشاب  الذي يناديه  ب(حميدو)؟. أيُعقل أن يكون صهره حقاً؟. وهل لديه أخت حتى يكون له صهر؟؟.

         يفرك جفنيه،  ويتطلّع بنظرة ملؤها استغراب إلى الشاب المنتصب أمامه.    

- حميدو أيعقل حقا ألا تتذكرني.

     يقول بصوت كالهدير:

- أنا لست حميدو، أنت غالط.

- أنا حدو الأحمق.

- أنا أحمق، فهمت!!.

    يقول الشاب وهو يلطِم يدا بيد :

- لا حول ولا قوة إلا بالله. وجننت أيضا!!.

- حميدو أرجوك حاول أن تتذكرني.

- أنسيت العشرة؟  وليالي السهر في  بيت الغريس؟  والدّربوكة  التي كانت  تنطق  بين  يديك ؟ نسيتني يا حميدو؟؟.

       يقول حدو وقد وقع في حيرة من أمره :

- قلت لك أنا حدو. حدو الأحمق.

- وحميدو هذا اذهب للبحث عنه عند غيري.

- أنا أحمق. ألا تفهم العربية؟!!.

      يُصرّ الشاب على موقفه، ينحني ليواجه حدو الجاثي على ركبتيه ويقول :

- حميدو عد إلى رشدك.

      تصادف أنفه رائحة خمر مزكمة تنبعث من فم حدو، يقول مستنكرا :

- وتشرب الخمر يا حميدو، عفى الله عنك.

- حميدو أمك قد انتقلت إلى دار الحق. البقية في حياتك.

- المسكينة ماتت مفقوسة لاختفائك المفاجئ. ماتت وهي تردد اسمك.

- زوجتك سيطلقها القاضي إن لم تعد إليها.

- وأمها باعت نصيبها في مقهاكما المشترك.

- ألم يكن سبب اختفائك هو ما شجر بينكما من نزاع حول إيراد هذا المقهى اللعين.

- إذن كن قرير النفس فسبب البلوى قد زال.

- حميدو لماذا لا تتكلم؟.

      يتطلّع إليه حدو حائراً. يُردف الشاب :

- ستأتي معي ، زوجتك بالكاد ستجنّ.

- هذه خمسة سنوات قد مرت منذ اختفائك. لم نترك مكانا إلا وبحثنا فيه عنك.

- أين كنت تبيت؟

      يجيبه حدو :

- في كل مكان،  مرة  عند رؤوس الأموات في المقبرة.  ومرة عند أبواب العمارات.  وأغلب المرات في الخربة.

         يسأله الشاب وهو يتطلع إلى لحيته المسترسلة : 

- ما هذه الحالة آحميدو، صرت كغول.

- أوف ، رائحتك خانزة.

- الظاهر أنك قد أصبت بخبل في ذاكرتك،  حاول أن تتذكر كيف تردّيت إلى هذا الحال.

         يجيبه حدو :

نعم، سأحاول.

           (.. كان ممدداً غارقا في بركة واسعة من دمائه. تتراءى لعينيه عناقيد الرؤوس تتدلى من قامات سامقات انتصبت فوقه كأشجار النخيل، تطلُّ من عيونها نظرات  إشفاق، تتحسّر :

- مسكين،  داسته سيارة رونو.

- سيارة تهريب.

- محال أن يعيش.

          الأصوات يسمعها كالصّليل في أذنه. عيناه تسبح في الدم. وفي أذنه يتردّد بوق سيارة الإسعاف التي تقترب.. وتقترب، وصوت البوق يخفت .. ويخفت.

            رأسه ينفصل رويدا رويدا عن جسده.  يتدحرج..يغدو كرة مطاطية. ورائها يتراكظ الأطفال. لكن دون أن يظفروا بر كلها.. رأسه يحلق،  يطير بدون أن يرفَّ له جناح..

             تنتهي  رحلته عند سرير.  كان ممدداً عليه  وفوقه مُدّ لحاف  شفاف. رأسه  ملفوف بالضماد .  يبصر بعين  واحدة فلا يبصر .  العين الأخرى  غطاها الضماد.  كل شيء  حوله يهتزّ. والكل  مبلّط  باللون  الأبيض . بجانبه شخص ما يتوجع.. ويشخر،  يتوجع ويشخر  بلا انقطاع. أصوات صخب  المدينة تتناهى خافتة إلى مسمعه.  أضواء الغرفة شاحبة.  وانتحاب امرأة يصله من الغرفة المجاورة . شخص ما يموت..)

 

*       *       *

 

- حميدو انهض، الساعة الآن الحادية عشرة وأنت لا زلت نائماً.

- انهض وكفاك كسلاً.

              تنتزعه زعقات زوجته  من الحلم/ اللّغز. تنزع عنه الغطاء  فيُجيبها صارخا  وهو لازال شبه نائم :

- قلت لك أنا حدو، حدو الأحمق.

              حينما  تسأله  زوجته  عمّن  يكون  حدو الأحمق هذا ،  يقعُد على  طرف  الفراش  وينخرط  في  ضحك  هستيري..

              تترُكه وعلى وجهها تراقصت آي الإستغراب. تتّجه لفتح الباب الذي كاد يُكسر من جراء الطّرق العنيف المُتتالي.

- شكُون من .

             يصلها صوت أمها صارخاً :  

- أنا، افتحي الباب.

             من الصالة  يتناهى  إلى  مسمع  حميدو صراخ (نسيبته)، وفي أذنه تتردّد عبارتها كرجع الصدى :

- أين نصيبي من إيراد المقهى؟ هذه خمسة أيام منذ أن انصَرم الشّهر!!.. 

أحلام مؤجلة (قصة قصيرة)

التفاصيل
كتب بواسطة: ريم أبو عيد
نشر بتاريخ: 07 ديسمبر 2000
انشأ بتاريخ: 07 ديسمبر 2000
الزيارات: 19

أحلام مؤجلة (قصة قصيرة)

الأديبة و الكاتبة / ريم أبو عيد

مصر

 

كانت تعلم و هي تعد حقائبها للرحيل أن الجميع سيقف ضدها هكذا اعتادت منهم جميعاً و لكنها اتخذت القرار الذي كان يجب أن تتخذه منذ زمن طويل و تركت الجميع في عاصفة الغضب التي اعترتهم تركت خلفها أصواتاً تتعالى باللعنات و لم تبالي بما حدث كان كل همها أن تذهب إليه بعد انتظار عامين تجرعت فيهما كل أنواع العذاب و ها هي اليوم تحطم كل القيود التي منعتها من أن تكون معه.  ركبت سيارة أجرة و انطلقت إلى محطة القطار بعد أن أرسلت له رسالة قصيرة أنها في الطريق إليه حتى يكون في استقبالها و وصلت إلى المحطة و استقلت القطار و ألقت بنفسها على الكرسي و شعرت كأنها تتنفس لأول مرة هواء حريتها التي سُلبت منها زمناً طويلاً و أغمضت عينيها و ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتيها تعلن عن سعادة حقيقية نابعة من قلبها الذي طالما عانى من القسوة و الظلم حتى قابلـته و التقت به هذا الرجل المفعم بكل معنى حقيقي للرجولة الذي أخذها من أيامها و كل حياتها البائسة ليعيد إليها السعادة التي كانت نسيت معناها و يعيدها مرة أخرى للحياة بعد أن كانت تعيش جسداً بلا روح.  عاشت عمرها كله تحلم برجل مثله تجد معه كل المشاعر التي حُرمت منها طوال حياتها لكنها كانت تظن أن مثل ذلك الرجل يحيا فقط في خيالها و يسكن فقط بداخلها و ليس له وجود على أرض الواقع حتى التقت به ذات يوم و كأنه خرج من أعماقهــا و تجسد واقعاً أمامها و للمرة الأولى تحدث إليها أحست بصوته الدافئ يحتويها و يضمها إليه كطفلة صغيرة ليهدىء من روعهـا و يمنحها كل الحنان. أحبته بكل كيانها و هي التي لم تكن تؤمن أن هناك من يستطيع أن يحب أو يعطي في هذه الحياة.  لكنه غير كل تلك القناعات لديها حينما منحها حباً صادقاً و أعطاها كل الاهتمام و الرعاية. و منحته هي كل الحب الذي كانت توصد عليه باب قلبها منذ سنين. أحست بالقطار بدا يبطئ من سرعته فتحت عيناها و نظرت من نافذة القطار الزجاجية و رأت محطة الوصول تقترب خفق قلبها بشدة و كأن نبضاته تتراقص بين ضلوعها من شدة الفرح و رأته من بعيد ينتظرها هناك على رصيف المحطة. توقف القطار حملت حقيبتها قفزت كطفلة صغيرة إلى الرصيف تركض نحوه وصلت إليه تلقاها بابتسامة حانية وادعة و في عينيه ترتسم فرحة غامرة و أطال النظر إليها و كأنه لا يصدق أنها أمامه هنا بعد عامين كانا يحلمان بتلك اللحظة معاً و ضحكت هي بكل براءة و ألقت حقيبتها على الأرض و ألقت بنفسها بين ذراعيه كقطة صغيرة تبحث عن الدفء و انطلقا معاً ليبدأا تحقيق حلمهما الذي كان مؤجلاً.

 

 

 

الرياض – الأحد 26 مارس 2005 م

 

 

 

 

حرية

التفاصيل
كتب بواسطة: يحيي هاشم
نشر بتاريخ: 06 ديسمبر 2000
انشأ بتاريخ: 06 ديسمبر 2000
الزيارات: 18

حــــــــــــــرية

وقف مهتزا كورقة شجر فى خريف غاضب

- لاتخف .. قل ماعندك

- أخشى أن تسمع ياسيدى ما يثير غضبك .

- لاتخشى شيئا .. تكلم ولاتخف .

نظر إليه بعين الشك , ولكن إبتسامة عذبة جعلته يلملم شجاعته المبعثرة بين جدران سجن الصمت .

- يا سيدى كل ما أحلم به هو أن أعيش لا أخشى الغد والمستقبل , لا أشكوا من برد الخوف أو مرارة الظلم .

أحلم ألا أحتاج لأحد , أن يدخل أطفالى المدرسة ليتعلموا لا ليزدادوا جهلا ,

الأحلام كثيرة ياسيدى

ولكن كى لا أطيل عليك أنا  أحلم بحريتى !

دوى صوت رصاصة إخترقت رأسه .

ضحك بصوت عال :

- الآن نلت حريتك

يحيي هاشم

الصفحة 62 من 70

  • 57
  • 58
  • 59
  • 60
  • 61
  • 62
  • 63
  • 64
  • 65
  • 66

المتواجدون الآن

267 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في النشرة البريدية

اختر النشرة:

النشرة البريدية لمجلة أقلام

() حقول إلزامية

Information

×

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

مهارات حياتية

  • التعرف على متى انخفض تحفيزك الخاص حقاً
  • تحفيز فريق حين لا يمكنك تقديم المزيد من المال أو الترقيات
  • الثقة بحكمك الخاص حين يكون الدليل غير مكتمل
  • لماذا لا يعني الأمان النفسي أن تكون مرتاحاً
  • طرح قلق حول نبرة شخص دون أن يصبح الأمر شخصياً
  • تطوير وعي ذاتي حول كيفية تأثير مزاجك على فريقك
  • التعرف على متى تُسقِط مشاعرك الخاصة على الآخرين
  • حين تشعر مبادرة الرفاهية بأنها استعراضية لا حقيقية
  • حين يتشابه الإنجاز العالي والإرهاق
  • إعادة بناء الثقافة بعد فترة نمو سريع ومربك

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • الدليل المهني والإداري
  • الشاعر سامر سكيك