- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد سنجر
- الزيارات: 16
دق الباب
ذهبت في اتجاه الباب العتيق واهنة الخطى ، تتسربل في جلبابها الشاحب فوق الكتفين ، هزيلة هي ، تحمل فوق عاتقها آلام تثقل الجبال ،
أهذه هي ؟
أين من كانت تمشي تتهادى الأرض طواعية تحت أقدامها ؟
أين من كانت تتمايل الأشجار طربا إذا ما تمتمت بأنشودتها الصباحية؟
ورقصت العصافير على استحياء حولها فرحة برحيق ابتسامتها البريئة؟
وهي تحمل جرتها في اتجاه النهر
أين من كانت تتهافت المياه لملء جرتها وتلامس يديها خلسة و لتنعم بحملها على رأسها ، ترافقها في رحلة العودة إلى دارها القابعة بين الحقول ؟
أهذه هي ؟
جالس أنا في زاوية الدار
أرقبها ذاهبة نحو الباب العتيق
تتقاذفني شكوك الخوف
أعتقد أنه هو
أحاول طمأنة نفسي
ليس هذا موعد عودته
اعتدت أن يعود بعدما أندس في سريري مدعيا الدخول في ثبات عميق
مدت أناملها الرقيقة نحو الباب تفض الصمت المسدول عليه منذ سنين
تساءلت بصوتها الرقيق : من؟
سرت بجسدينا قشعريرة رعب عندما أتانا صوت أجش من وراء الباب
: من؟
ترددت في فض الباب العتيق لكنها أيقنت باستحالة التراجع
نظرت نحوي
اندفعت من عينيها تجاهي نظرة المغلوب على أمره
لم أقوى على الحراك فارا بنفسي من نظراته
هرعت داخل نفسي أختبئ كي لا يراني
دسست وجهي الهالع بين ركبتي
انفض الباب
غمرني سيل الضوء المندفع بين مصراعيه
وأراني أدور
تسحبني لأسفل دوامات الرعب الجاثم على صدري
حجب الضوء ظلام حالك
أختلس النظرة من بين يداي المتشابكة حول ركبتاي
وأراه
ليثا ينقض على فريسته الثكلى
تجمدت أطرافها خوفا
وجاء زئيره مزلزلا الأرض من تحتي
: ألم أحذرك من ارتداء السواد
سمعت اصطكاك ركبتيها وهي تحاول الإفلات من قبضته
قالت متحشرجة :
حاضر ياخويا حاضر
قالتها وانطلقت كالريح تتوارى خلف باب غرفتها
انطلق خلفها ، فهدا يلاحق فريسته الفارة
اندفع الباب خلفهما ، فارتجت جنبات الدار
لا أدري من أين جاءت المسكينة بكل هذه القوة
سمعت زئيره يدوي يلاحقه صمت
تسللت إلى غرفتي تتحسس أصابع قدمي الطريق
بالكاد وصلت
أغلقت الباب خلفي خلسة
رميت بنفسي فوق سريري الحديدي
أدس وجهي السلبي بين وسائده القطنية
تتساقط أمطار دموعي تغرقها
أتمتم :
حتى السواد ؟ حتى السواد
تتوغل إلى شعري أنامل حنان
يتسلل داخلي صوتها الحاني
: علي ؟ علي
أحاول منع اشتياقي لحضنها الآمن كي أتلذذ بنبراتها ، لا أقدر
تضمني لصدرها
:علي ؟ البكاء حيلة النساء
ألف وجهي باتجاهها
: حتى السواد يا أمي ؟ حتى السواد ؟
أليس الذي مات هذا ابنه ؟
منعك من العويل ،
منعنا من البكاء ،
لكن ، حتى ارتداء ملابس الحداد يمنعك منه ؟
ليس أبا هذا
أهذا الذي ينبض بصدره قطعة من حجر أم ماذا ؟
: يا بني الحزن في القلب
ليس الحزن بارتداء السواد
: نعم يا أمي نعم ، ولكن
: علي ، أباكم يخاف عليكم من الحزن
:وهل السواد يا أمي
: علي أنت لم تعرف أباك بعد
: أنت دائما هكذا يا أمي
: في يوم من الأيام سأبرهن لك ، والله إنه ليقبع على صدره حزن الكون
هيا يا علي ، هيا ، فلقد تأخر نومك
أسدلت فوقي الغطاء وراحت تربت على صدري
لم أشعر بعدها بشيء
وأثناء الليل
شعرت بأناملها تهزني ،
أتى همسها إلى مسامعي :
علي ؟ علي؟
: نعم يا أمي ، ماذا هناك ؟
: قم ، تعال معي
: خيرا يا أمي ، خيرا ، هل حدث مكروه لا سمح الله ؟
: لا تنزعج يا بني ، ألم أقل لك أنك لم تعرف أباك بعد ؟
: وهل توقظينني يا أمي لتقولين لي هذا ؟
: نعم تعال معي
قمت معها ، أخذتني من يدي و اتجهت إلى غرفة أبي
: حذار أن يحس بنا
فتحت برفق باب الغرفة
وجدته جالسا في ضوء المصباح الشاحب مفتوحا بين يديه كتاب الله
وصلت إلى مسامعي حشرجة مكتومة
: والله إنا لفراقك يا محمود لمحزونون
انهمرت من عينيه سيول الدمع المتفجر بعد محاولاته المضنية لكبتها
وانطلقت أنا لغرفتي أحاول أن أكتم حزنا جاش بصدري
لا أدري ، أهذا أبي ؟
أيعقل أن هذا الجبل الصلد يحمل داخله كل هذا الحنان ؟
أيعقل أن هذا الجبروت الجامح يحمل بين صدره هذا القلب الحاني ؟
واحسر تاه على هذه السنين التي ضاعت دون علمي بهذه الحقيقة
واحسر تاه على هذا الحنان الضائع أدراج الرياح
كيف يا أبي استطعت أن تخدعنا كل هذه السنين ؟
و الله إن الحق كل الحق معك يا أمي
نعم أنا لم أعرف أبي بعد
نعم فحزنه على محمود يكفي العالم أجمع
أحمد الله أنني الآن عرفت أبي ، عرفت الآن و الآن فقط هذا القلب النابض بالرحمة
شق الصمت صوت ارتطام بالأرض تبعتها صرخة مدوية
إنها صرخة أمي ، نعم هذه أمي
انطلقت إلى غرفة أبي
دفعت الباب الواقف في وجهي
توقف قلبي رعبا عندما بصرت أمي تهز جسد أبي الممدد فوق الأرض
تدور الغرفة من حولي
وأراني أقترب رعبا
تترقرق الصورة بعيني ، أراه ممددا حاملا فوق القلب كتاب الله
يرحمك الله يا قلبا لم أعرفه
( قلبا لم أعرفه )
قصة من تأليف : محمد عبد المحسن سنجر
السن :40 عاما
بلد الإقامة : الكويت
الجنسية : مصري
بكالوريوس الفنون الجميلة – جامعة حلوان
المهنة : فنان تشكيلي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد طاهر العليو
- الزيارات: 14
"بيت جدي "
قصَّـــــة قصيرة
أحمد طاهر العليو
**********
أسيرُ بين السكك الترابية الضيقة والملتوية ،بعد سنين قليلة من الهجران نحو بيت جدي الطيني " الفريج الشمالي "* القديم الذي كان يضم عائلات ، لم يكن بيتاً يضم في داخله أجساداً بل هو أيدٍ حانية على الفقراء والأيتام والأرامل ، وهو لي شجرة وارفة تحميني من أخطبوط الحياة بتواضع مرسوم على وجه بابه .
شهادة المدرسة بين أصابعي الصغيرة فيها دائراتان حمراوان ، فرأيتُ عصا أبي القاسية ترتسم في الشهادة ، أبي توعدني بصوته الذي يخرج من كهف مظلم ، حين يلبسه الغضب ...تجحظ عيناه ...ويرتفع حاجباه بأعلى جبينه ، يلوح بعصاه كأنها أخرجت من جهنم ، يهوي بها على أي مكان من جسدي ،ولا يبتعد حتى يضج جسده بأنفاسه ، يكرمني في آخر الأمر ببصقة من فمه .
أخترقُ الساحة الواسعة القابعة قبل البيت ، الاكفهرار بارز على ترابها ، تبصق على آبار النفط ، تشتاق إلى ذلك الصخب وحفلات الأعراس وضجيج الأطفال ، تلك الأزقة والساحات كانت تضج بالحركة لسنين غارقة في القدم ، والآن افترسها السكون ولم يبق منهم سوى من لازالت جيوبهم خاوية .
توقفتُ خارج المدرسة ، قدماي لا تريدان السير ... فكرت في اعتذارات كي أتقي عصا
أبي ، رسمت أفكاراً لكنها لن تجدي نفعاً ، وفي تلك اللحظات توقف صاحبي في
المدرسة ، أخبرته بخوفي .
ـ " ليش ما تروح إلى بيت جدك ليحميك ؟"
تأملتُ كلامه ، استحضرت ذاكرتي ، قصة روتها أمي ..
" كاد الدم يسيل إلى الركب " .... " لو لا أن أشير إلى الأخوة بالذهاب إلى من يحكم بينهم ، جلسوا عند جدك ، كأنهم بحضرة ملك ، تحدث الواحد بعد الآخر ، حكمَ فخرجوا والشفاه تدعو لجدك ."
استحسنتُ الفكرة وأخذت أسرع الخطى حتى وصلت إلى الباب الأخضر ... فتح جدي الباب ونظر إليّ بعينيه الرحيمتين ، وجدني كتلة من الخوف ، عندها أطلقت بكاء أشبه ببكاء ثكلى، ارتميت على جسده .
أشعرُ بشيء مفقود ، أرفع رأسي أرى السماء ، غربة المكان تلفني ، أدور كرجل ضائع ، أرى أكواما ً من الحجارة والتراب ، يسقط شيء من جسدي ، الجدران عابسة ، أرى الزقاق أمامي يرتفع شيئا ً فشيئا ً ، الباب الأخضر متمايل على وجهه، أطيل النظر فيه كرجل آثار يفحص قطعة أثرية . ابتلع جدي حنقا ً ... احتضنني ...
ـ " إشفيك يا وليدي ؟ ليش تبكي ؟! "
أدخلني غرفته " المربعة " ... بعد أن علم بحكايتي ، فتح صندوقا ً صغيرا ً ، ناولني بيده الكريمة حلوى بعد أن سكّن اضطرابي وارتجافي ، أمرني بأن أخرج نحو " الحوي " ، رأيت الطيور تحط حيث شاءت مطمئنة ، جلست على الدرج ، تابعتها واضعا ً ذقني على كفي ، أتى أبي وأخذني وقد غُللت عصاه ويداه . أتمتمُ " هذا بيت جدي " ... أمواج الألم تصطك في أعماقي ... يغلي الدم في كياني ... لم يقع الباب ، سكنت في أحشائه روح شامخة تأبى الانكسار ... أشاهد بقايا " المربعة " ... شوك يغرز في قلبي ... صعدت فوق ركام الحجارة ... إنه " الحوي " ، يمتلئ بالتراب والحجارة وركام الفضلات ... الحجارة تعانق الحجارة بألم وصمت شجي ... بقايا الجدران تنظر إلى بعضها والدموع تسيل على سطحها ... تتدحرج دمعة على خدي فتحرقه ... فتمتزج بتراب الأرض ... " لماذا تركوك هكذا ؟!، أرهقوك شبابا ، وتركوك يصرعك الموت حين هرمت ؟!" .
أفتحُ صدر ثوبي ... أضيقُ بأنفاس الهواء ... أريدُ هواء بحجم الكون ... رعشة تسلبني هدوئي واتزاني ... صراخ وقهر ينزفان ... أخذتُ أحملُ الفضلات بعيداً عن البيت ... أنقلُ الحجارة ... أزيحُ التراب .
" تمَـــــــــــــــــــــــــــت "
_____________________________________
* حي قديم يقع في منطقة الهفوف في مدينة الأحساء السعودية .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبد الرحيم العطري
- الزيارات: 18
نص
حقيبة من جلد التمساح
عبد الرحيم العطري
كاتب و باحث من المغرب
حتما ستغادر السرير باكرا ، ستمضي مسرعة نحو الحمام ، و بعدئذ إلى المرآة ، آه من المرآة ، ال " كلنا " نعشق التحديق فيها ، كما لو أننا نعيد اكتشاف ذواتنا من جديد ، أو على الأقل لنطمئن أننا ما زلنا آدميين ، ما دام العالم منته إلى زوال و انمساخ ...
ستحرص حتما على استعمال العطر الذي حدثتني عنه على ضفاف وادي السيليكون ، ستصبغ شفتيها بالأحمر القاني ، كما حمرة الوقت في لهيب الضياع ، و ربما تحافظ أيضا على " زواج الألوان " داخليا ، ألم أخبرها على الماسنجر أنني أعشق ذلك اللون الكارثي و هو يعصر الأماكن الحساسة؟ إنه يقلب موازين اللذة و الألم ، يحيلني شخصا آخر ، و ربما ثورا هائجا من ثيران الكوريدا ....
متأكد أنها ستمضي أزيد من ثلاث ساعات قبالة المرآة ، لتتوجه إلى دولاب الملابس ، ستختار " لباسا إداريا " في غالب الأحايين ، هكذا قالت ذات " شات " عابر ، لكنها ستحتار في الحسم في اللون المناسب ، لو كنت بجانبها لاحترت لها الأبيض إيذانا بالولادة و الامتداد ، لكنها عنيدة كما العادة ، و هذا ما يشدني إليها أكثر ، على الأقل في هذه المسألة تختلف جذريا عن زوجتي التي لا تجيد غير الطاعة العمياء ، إذن ستختار الأسود رغما عن أنفي الأجدع . و بعده ستعود مجددا إلى المرآة ، لتتأكد مرات أخرى من اتساق ماكياجها المائل جدا إلى البنفسجي .حتما ستفعل ذلك كله في ست ساعات ، لتكون في الموعد كالزهرة العذبة في عنفوان الربيع ، ستبدو رائعة جدا في تمام الثانية عشرة زوالا بمحطة القطار الرباط / المدينة . لا أدري لماذا فرضت علي هذا الموعد المفتوح على لذة البطن أولا ؟ هل تظنني آخذا إياها إلى مطعم فاخر ؟ ألا تعرف جيدا أنني أحسب البصاق ريالا من شدة البخل ؟
سآخذها إلى قصبة الأوداية ، فالمكان شاعري للغاية ، طبعا لن نستقل سيارة أجرة ، فالترجل عبر الشارع الرئيسي و كذا"السويقة" له مذاق خاص جدا ، و فوق هذا كله فسيارات الأجرة باتت ترهق الجيوب من سرعة " الكونطور " ، كما أنني لا أستطيع أن أقلها على متن سيارتي ، لقد أقسمت لزوجتي ألا تركبها أي امرأة غيرها .
أنا الآخر سأمكث طويلا أمام المرآة ، أتأملني ، أمعن النظر في الشيب الذي علا الرأس و الذقن ، أغوص في ندم على فائت أنفق في اللاشيء ، أتأمل جرحا أعلى الجبين ، أتذكر أنه من فعل شقاء الطفولة ، أذكر أيضا أنني هزمت ذات الجرح بالبول و " التحميرة " ، هكذا نحن في المغرب العميق ، نرفض تعاليم باستور ، و نهزم المرض و العفن و العطب بأشيائنا الخاصة جدا .
سأحرص على استعمال مرطب الشعر ، لهزم خصلاتي المتمردة صعودا ، سأرغمها على الانبطاح فروة ، حتى لا أبدو مثل قنفذ البحر ، سأمطر وجهي و صدري و إبطي تحديدا بوابل من العطر الرفيع ، يتوجب علي أن أكون في مستوى الحدث ، أليس العطر أقصر طريق إلى قلب المرأة ، و ربما إلى تخوم شبقيتها الغائرة ؟
لن أتردد في اختيار تلك البدلة الرسمية بربطة عنقها الذهبية اللون ، و كذا الحذاء الأسود ذي العلامة الفاخرة ، الذي أهدتني إياه زوجتي بمناسبة عيد زواجنا الثامن عشر ، الجوارب سأمطرها بالعطر الرخيص هذه المرة ، فلربما تفوح منها رائحة عطنة جراء المشي من محطة القطار إلى قصبة الأوداية ، علي أن أستعد لكل المفاجآت غير السارة .
سأمضي أزيد من ست ساعات استعداد لهذا اللقاء الذي انكتب أخيرا ، بعد طول تواصل على خيوط العنكبوت الافتراضي .كان البدء ذات مساء بارد كانت تغط فيه رفيقة الدرب في نوم ثقيل ، على الماسنجر انكتب اللقاء صدفة ليثمر حبا عميقا ، عام من الرسائل الإلكترونية القصيرة جدا ، الدافئة كثيرا ، عام من الحب الافتراضي استوجب لقاء واقعيا في عز ظهيرة يوم قائظ .
ما عدنا نستطيع الفكاك من هذا الحب السيليكوني ، أنا ال " عزيز " الذي عانق الأربعين سنة و لم يجرب الزواج قط ، و هي ال " سميرة " التي احتفلت أخيرا بربيعها التاسع و العشرين ، و لم تعرف إلى طعم الحب سبيلا ، هذه هي هويتنا المستعارة التي أقسمنا على أنها الحقيقة ، لا بأس عندما أقابلها سأعترف لها بكل شيء ، فحبها لي سيجعلها تسامحني على كذبتي البيضاء ، حتما ستسامحني ، إن لها قلبا بحجم السماء ...
الساعة تطل على منتصف النهار ، سأتعرف عليها من خلال حقيبتها اليدوية المصنوعة من جلد التمساح ، لا أدري لماذا اختارت هكذا علامة للتدليل عليها ؟؟ و ستعرفني أيضا من خلال ربطة عنقي الذهبية التي أهدتني إياها زوجتي الأسبوع الماضي ، ستكتشفني أيضا بواسطة حقيبتي الممهورة باسم الجامعة التي أحاضر بها .
محطة القطار الرباطية ملأى عن آخرها ، كما كل يوم ، بزبناء اللذة ، الراغبات في الانصياد , الراغبون في الاصطياد يستعمرون السور القصير المطل على السلالم المؤدية إلى أسفل ، عجائزهن منذورة لمن يدفع أحسن ، و عيونهم لا تنتهي من التشوير و الغمز .
أوهمت صاحب الكشك المنتصب ركنا ، أنني قارئ محترم ، يبحث جديا عن عنوان ضائع ، ما كنت أرغب في القراءة و لا الشراء ، أقلب صفحات الكتب و المجلات ، و في الآن ذاته أرقب الباب باحثا عن سيدة تتأبط حقيبة التمساح .
فجأة ، يأتيني صوت دافئ من الخلف ، يناديني باسمي المستعار " عزيز " ، استدرت نحو سيدة بحقيبة من جلد التمساح ، تسمرت في مكاني ، تاهت عني الكلمات ، غنها هي صاحبة الحقيبة إياها و اللباس الإداري الأسود و أحمر الشفاه القاني ، و الماكياج البنفسجي ، و ربما الملابس الداخلية الحمراء ، و أنا أنا صاحب اللباس الرسمي و الربطة الذهبية و الحقيبة الممهورة باسم الجامعة ، أنا محمود صديق زوجها عبد الرفيع الأقرب إلى الخافق من كل الأصدقاء ، و هي كلثوم صديقة زوجتي صفاء و الأقرب إلى خافقها من كل الصديقات .
لم أنبس ببنت شفة ، هي الأخرى صامت عن الكلام ، غادرت في صمت ، ما عاد الكلام مجديا في هكذا موقف ، الصمت الفادح سيد الموقف و المكان ، تهت بين الزحام ، لا ألوي على شيء . رفعت الأقلام و جفت الصحف .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حسام الدين نوالي
- الزيارات: 17
الطيف لا يشبه أحدا.
- من هنا-:
- الوجه الذي يشبهني كصرخة متكررة تسلل مثل طيف، يلتمس الخلاص خارج هذا الصباح المقعد.. كانت المدينة تستيقظ ببطء.. رجل انكمش داخل معطفه الطويل، يداه في الجيبان يسرع في المسير، تلذذت بمتابعته، وانتبهت أنه يشبه الطيف الراحل فضحكت. إلتفت هو ولم يتوقف.. فقط تمتم وسار، ثم انعطف..
- عيناي لا تفارقان موطئ القدم.. تجاوزت مبنى المصرف فتصاعدت الموسيقى من محل المخبزة، وأتتني معها رائحة الخبز الساخن مثل عنكبوت هرمة. إثنان يقتنيان وأحدهما ينظر إلي، حين وصلت ألقيت السلام فلم يرد علي أحد ولم آبه.. طلبت "خبزا كاملا"، وللتو وصلت طفلة ووضعت قطعها النقدية على طاولة الصرف صامتة والتفتت إليّ، وابتسمت لها وأومأت برأسي، ثم تسلمتُ لفافتي وانصرفت..
- بالأمس، كان الليل الخريفي يكسو المدينة فتبدو عبر النافذة كركام بلله مطر أكتوبر، واعترتني نزوة طفولية جميلة: ألاّ أنام الليلة لأرقب انطفاء الأضواء عبر كل النوافذ المقابلة لي.. وعلى طول كانت البقع المضاءة تختفي تباعا، وأصررت محدقا في كل الاتجاهات بينما الوقت يتأخر دقة دقة.. ومع كل انطفاء لبقعة الضوء في إحدى نوافذ العمارات المقابلة، كانت
-
-
المدينة تهدأ.. تهدأ، وكان الليل يشمخ، والصمت يلبس الحي أكثر.. ومع كل انطفاء لإضاءة كانت متعة ما تدخل جسدي، وكنت أغمض عينيّ متشبثا بذلك الخيط الرفيع بين الضوء والظلمة، أستبقيه وأمططه..، ثم أنتظر التالي..
- تنطفئ بقعة مضاءة فأصعد سلم الفرح الطفولي.. ودرجة درجة، كانت حبات المتع تسري فيّ كثيرة، فيما الوقت يتأخر؛ وتقدم الليل، وكبر الصمت، وانتبهت مع دقات الساعة أن الفجر صار يخطو نحو المدينة، والنوافذ اختفت في الظلمة، بينما بدت –فجأة- نافذة بعيدة مضاءة ووحيدة.. أسندت ساعدي إلى النافذة وانتظرت. أمعنت النظر فبدا لي ما يشبه طيف إنسان، وفكرت أن نافذتي وحدها مضاءة قبالته، فأطفأت النور، وانطفأ ضوء النافذة البعيدة أيضا، ثم أشعلت الضوء وأطفأته، فاشتعل ضوؤها وانطفأ.. !! أعجبتني اللعبة فأعدتها بتقطع وتكررت.. وكانت دعوة مبهمة لصداقة مبهمة، وفهمت أنا صديقين، وأنها تحية أولى وحوار بالغ التكثيف.. ولذا قررت أن نلتقي في الصباح الموالي.. واستيقظت مع استيقاظ المدينة ببطء.
- مرقت سيارة بسرعة وتابعتها بعينيّ؛ تتناثر حبات الماء مع حركة عجلاتها عبر الشارع الطويل المبلل ببقايا مطر البارحة.
- أتوقف عند واجهة مقهى (le boléro). النادل يتحرك في الداخل، والزجاج نصف معتم. دلفت وأحسست بالدفء يحضنني، كانت المقهى خالية إلا من زبون، شبك يديه على الطاولة، وسرح يتأمل الشارع خلف الزجاج...
- أخذت مكاني في ركن قصي، وضعت خبزي الكامل على الطاولة، وناديت النادل. ثم رحت أتأمل المدينة تحت سماء خريفية..
-
- ***
- - من هناك-:
-
- في الليل ينمو الصمت ببطء، ورويدا رويدا، تغدو الظلمة كحقل فسيح تنزف فيه مصابيح الشارع إلى آخر الليل..
- وأرِقاً كان السيد "قاسم" يخط في رغوة الأرق منفذا للرحيل..، و "نوال" ، التي سافرت وتخلت عنه من غير أن يعرف سببا لذلك ، هي التي كانت تنصحه بـ(الرحيل للداخل)، "فثمة إن تدربتَ شيء يهدؤك، وثمة إن هدأتَ مسلك شاسع للنوم" –تقول نوال-
- تقلب السيد "قاسم"، وأغمض جفنيه في دغل الظلمة وأرخى جسده الممدد.. لا فائدة، وعدّ من واحد إلى مئة، ومن مئة إلى واحد، وكرر، ورحل إلى الداخل، وعاد من الداخل.. ثم أيقن أن سلطان الأرق ،كسلطان النوم، غالب..
- كان الليل يتقدم، وينحني -مع دقات الساعة- ويشيخ، فيما مطر خريفي هادئ يغطي المدينة كرِداء.
- نهض" قاسم" وأشعل النور ثم أزاح ستارة النافذة، وراح يرقب قطرات الماء في ضوء مصباح الشارع.. كان خدر بطيء ما يزال يسري في خلاياه، وأحس برغبة في النوم، فعاد وأطفأ النور ثم تمدد. لكن وبسرعة أشعل النور، فنظر إلى عقربي الساعة قبالته، ثم مدّ يذه للزر فعاد الظلام، وأطبق جفنيه في العتمة...
- تقلَّب السيد "قاسم" .. وعدّ.. ورحل.. وتاه.. لكن لا فائدة..
- - أووووف!!
- نهض متوترا، أشعل الضوء، وارتدى ما كان على المشجب، فأطفأ النور وخرج...
- انكمش داخل معطفه القصير، وسروال الجينز، وسار في الشارع الممتد تحت مطر خفيف...
- كان الصباح يخطو نحو المدينة ببطء، فيختلط ضوء مصابيح الشارع بخطوه.. والشارع خالٍ وهادئ. داخل مقهى
( le boléro) –التي يتناوب فيها ندُل للصباح وندُل لليل- كان النادل الليلي يردد كموّال:
(جهد الصبابة أن تكون كما أُرى عين مسهّدة وقلب يخفــقُ)
- وكان صدى الصوت – من داخل المقهى الفارغة- يصل مخلوطا ببحّة جميلة إلى السيد "قاسم" فيطرب، وردد صامتا: "أرقٌ على أرقٍ.. ومثلي يأرقُ.."
- ثم خطى نحو المقهى ودخل، كان دافئا، وبدا فسيحا لفراغه. أخذ مكانا جوار زجاج الواجهة وطلب النادل، ثم شبك يديه على الطاولة وغاب في رقدة المدينة التي تغفو على بقايا مطر خريفي، وانتظر استيقاظها البطيء ليرحل.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: نبيل عودة
- الزيارات: 14
" مطار "
قصة قصيرة
نبيل عودة*
(1)
افقت لتوي من غفوة عابرة, تثاءبت وتلفت حولي مستنجدا ًخيرا ًمن الملامح المتناقضة للمسافرين.
مددت عيني طولا ً وسحبتهما عرضا ً, ويقيني يقول لي إن لا شيء جديد بعد, حشد من الخلائق عبرتهم بنظراتي المتحررة للتو من أسر النعاس وسلطانه.. وحرت أين استقر بنظراتي.
( 2)
مددت أطرافي بقوة وتشنج, محاولا أن أصل لأبعد مما أستطيع, وأنا لا أدري إن كان ما يمر بي هو نوع من القلق أم الزهق لطول الانتظار.
كان الزمن يمر بطيئا ً مثقلا ً بالهواجس. وقد جفت ينابيع أفكاري أو كادت من معاناة الانتظار, الذي يبدو أن لا نهاية له.
للحظات تتجلى لي رؤى غريبة, فأنفضها غير قانع, ومن حيث لا أدري, كان يتسرب لنفسي اكتئاب شديد, فأحاول التخلص منه بالتنقيب عن فكرة جديدة, تأخذني لاجوائها فأخوض لجة التأمل, فينشط فكري وينشغل, حتى نرى ما يكون من أمر هذا التعويق في وصول الطائرة.
ولكن اكتئابي وهواجسي كانت أقوى من رغبتي, فلم أعد أطيق صبرا ً لما أنا به فأخذت أبحث عن الصغيرين بعيني, دون أن أتحمس لمغادرة مقعدي الدافىء.
للحظة مرت في فكري آخر أحداث الطيران. نفضت الفكرة من دماغي عندما لمحت الصغيرين يلهوان بسعادة, يجران عربة الحقائب, أحدهما يدفع والآخر يركب, وتكاد قاعة الانتظار الفسيحة لا تتسع لسعادتهما المنفلتة, غير عابئين بما يدور من هواجس وأفكار, يصدمان الخلائق بالعربة, ويتابعان شيطنتهما دون حساب لإنس أو جن.
(3)
في المحادثة التلفونية قبل أيام, أخبرتني إن طائرتها ستصل الساعة الثالثة والربع بعد الظهر, حسب توقيتنا المحلي . في اليوم نفسه اتصلت مرتين مع استعلامات المطار للتأكد من عدم حصول تغيير في موعد وصول الطائرة.قبل خمسة ساعات غادرت البيت برفقة الصغيرين,اللذين لم يتنازلا عن مرافقتي رغم كل الإغراءات ومحاولة البرطلة لابقائهما في البيت .حسبت ألف حساب لشيطنتهما وعبثهما . في الساعة الأولى لوصولنا لحقتهما وحثثتهما على الهدوء.وعدتهما بعشرات الهدايا الرائعة التي ستجلبها "ماما" إذا كانا طيعين لا يعذبان ويسمعان الكلام , والا لا شيء ، يعودان كما جاءا بلا هدايا , وربما بلا "ماما" التي سترى شقونتهما وتعذيبهما لي من الطائرة, وتعود من حيث أتت. هذه الإنذارات والتهديدات لم تنفع الا للحظات , عاد بعدها كل شيء الى أصوله الشيطانية. ركضت ورائهما من زاوية الى أخرى, مخبئا ً
وجهي كلما صدما شخصا بعربة الحقائب المنطلقين بها على سجيتهما , متمردين على الأصول متحررين من الضغوط..منفلتين .. ثائرين.
- خزيتوني .. ماما اتصلت من الطائرة تقول إنها لن تجيء .. وسترجع مع كل الهدايا .. مع الدب ومع القرد ومع سنوبي ومع ليلى الحمرا ..
استمعا لي بصبر . نظرا بعيني بعض .. وأخذت ملامح ضحكة ترتسم على شفاههما , ثم انفجرت ضحكاتهما التي لا تعرف حدود الوجل وإطار المنطق . جلجلت وصدحت بسعادة منفلتة من قلقي المبالغ وحساسيتي المفرطة لتصرفهما التي هي عين المنطق كما يريان . لعنت الأولاد والذي يخلفهم , واستسلمت أمام إصرارهما ساحبا ً نفسي نحو شاشة الاستعلامات , للتأكد من جديد بأن الموعد المقرر لوصول الطائرة لا يزال بلا تغيير .
(4)
ألهيت نفسي بتأمل وجوه المسافرين وما تبوح به من تعابير. ملامح الوجوه تكاد تفصح عما في النفوس . تتجلى تعابيرها المتناقضة بين الوجل والسعادة . بعض الملامح هادئة ومستقرة ,ومن تعابير وجوههم تعرف أن الطيران صار روتينا ً في حياتهم .
في رحلتي الاولى بالطائرة أصابني الوجل ساعة قبل الصعود إلى الطائرة , وما انفك عني إلا بعد هبوطها بساعة أو اكثر , واليوم أنا أكثر قوة , أو ربما أكثر استسلاما .. السفر بالطائرة علمني أن أواجه المجهول بشجاعة .. أو ربما بلا مبالاة .
بحثت عن الصغيرين بعيني , فلمحتهما في آخر القاعة , يتبادلان ركوب عربة الشنطات .. نظرت الى ساعتي مستعجلا تقدم الوقت , انتهاء الانتظار , انتهاء المعاناة من تصرفات الصغيرين .
(5)
أيقنت بيني وبين نفسي أني بالغت في تقدير الوقت , فخرجت ساعتين أبكر مما يجب , وهذه نتيجة تسرعي أحصدها مع شيطانين. حاولت العودة لتأمل تناقض الوجوة وملامحها متفاوتة التعابير,. ضحكة خافتة جذبت أنظاري , فرأيت عناقا مستفحلا بين فتى وفتاة, يكاد الفتى يفترسها برغبة مفضوحة, وهي مستسلمة ضاحكة كالعصافير , لا هم ولا غم .. أحاول أن أتذكر أيام فتوتي , والساعات الرومانتيكية , وأقارنها بالحالة التي أمامي . ظلال لابتسامة تريح قسماتي المتوترة من الانتظار الطويل وشقونة الصغيرين . بمرارة غير مفهومة أغطس في مقعد مريح. يمضي الوقت بطيئا. تشدني السيقان الواقعة في مستوى النظر فأطلق لعيني العنان . هل يليق بي أن أتأمل اللحم المكشوف؟ نشب عراك بين نظراتي المنطلقة على سجيتها , وراء ما انجلى من جمال التكوين وأسس البناء , وبين ما يعرف مجازا بالأخلاق ,الذي يشجب ما أنا فيه من متعة النظر مع سبق الأصرار لما يسمى مفاتن النساء. رفضت فكرة أن يكون ما أراه عورات يجب سترها . بعض الملابس تضيق عن استيعاب هذا العاج المتلأليء الوهاج. لوهلة يخيل لي أن بعض السيقان ولشدة فتنتها , تكاد تخرج من داخل التنانير . انتظرت ولم يحدث. ربما الملل مما أنا فيه يدفعني للعودة إلى سني المراهقة وتأمل السيقان ومفاتنها. بدأ بالي يخلو شيئا فشيئا .أفكاري تخلو من الصراع وأنا أمارس على سجيتي اكتشاف عالم النساء الكامن في الطبقات المنخفضة .. وبعدها لا أدري كيف .. أخذتني غفوة سلطانية تحت ظلالها .
(6)
نظرت لساعتي فجفلت , إذ أن الوقت الموعود لوصول الطائرة مر بأكثر من نصف ساعة . هل أكون قد غفوت ساعة ونصف الساعة ؟ نفضت عني بقايا النعاس ووقفت أبحث عن الصغيرين .. فلم أجدهما .أسرعت اجتاز القاعة من أولها الى آخرها , من يمينها إلى شمالها . بحثت عنهما بكل انتباه ودقة , ولكن لا أثر لهما .تسارعت نبضات قلبي بعض الشيء.. وأنا حائر في مكان وجودهما. أتكون أمهما قد وصلت واهتدت اليهما ؟ ولكنهما يعرفان أين غفوت ؟ خرجت من القاعة ملهوفا للبحث عن العفريتين , فاطمأنت نفسي حين لمحتهما يتشيطنان خارج القاعة , غير عابئين بما يدور حولهما . بشرتهما بأن الطائرة وصلت , وانطلقنا لباب الاستقبال.
(7)
كان الزحام شديدا وبالكاد نرى الممر.
_ ارفعني لأرى.
أمرني الصغير.. فامتثلت للأمر غير القابل للرفض.
- ارفعني أنا أيضا.
أصرت الصغيرة وألحت مهددة بالبكاء.
أنزلته ورفعتها.
- أخ ..
حبست صرخة ألم , حين تلقيت ضربة ببوز حذاء الصغير في ساقي اليمنى , وأمرا لا يقبل الجدل:
- ارفعني.
توترت أعصابي وكززت على أسناني غاضبا:
- لماذا لم تبقيا في البيت؟
حملت الاثنين بشيء من الصعوبة والجهد الزائد.
- مرحبا.
حيا أخته وهو مرفوع.
- مرحبا .
ردت عليه منفلتة من الضحك.
- كفى حركة . لا أستطيع حملكما أكثر.
صممت بعصبية وأنزلتهما على الأرض. فواصلا التعلق بعنقي , ولم أستطع منهما فكاكا
إلابجهد وضربتين على القفا .
( 8)
مر الوقت وخرج عشرات الأشخاص دون أن أرى أثرا لزوجتي.
بدأت النرفزة من طول الانتظار تفعل فعلها في نفسي غير المطمئنة, المرهقة من الانتظار والأولاد..
استفسرت من أحد المسافرين إن كانت الطائرة التي وصل فيها قادمة من حيث تجيء زوجتي . فأجاب بالسلب. حرت قليلا وازداد شعوري بالارهاق وصارت روحي في حلقي . أكاد أشعر بالاختناق, ولا أعصاب لي لمواصلة إرضاء الصغيرين.
هل تحضر أم لا تحضر ؟
شاشة الاستعلامات لاتشمل رقم الطائرة المنتظرة فيما تبقى من طائرات . تركت الصغيرين وذهبت أتأمل مرة أخرى شاشة التلفزيون ... وعبثا بحثت بعيني . موعد هبوطها حان منذ أكثر من ساعة. .. ساعة غفوت , هل غفوتي هي السبب في عدم وصولها ؟
ربما غفوتي لا تحسب في مقياس الزمن ؟
استعدت في ذاكرتي للتأكد , تارخ اليوم وموقعه من أيام الأسبوع , استذكرت استعلاماتي التلفونية مع المطار قبل خروجي من البيت, وحين وصلت بعد سفرة استغرقت ساعتين . قرأت رقم الطائرة وموعد هبوطها غير النهائي . ثم عدل الموعد بربع ساعة . . وأصبح موعد هبوطها نهائيا . أمر محير . هل غفوت لأكثر من من ساعة ؟ لأكثر من يوم ؟
هدأ الصغيران , اللذان لحقاني , من عبوسي الظاهر وعصبيتي الواضحة . التزما الصمت . هل يستوعبان ما يدور ؟ يستجليان أفكاري؟ هل لمسا ما يعتمل في خلدي ؟ هل يفهمان جوهر الموقف ؟ يقدران خطورته ؟
نظرت حولي مضطربا قلقا . ولت الوجوه والسيقان . ضاعت الألوان . , واحتقن وجهي .. واستفحلت حيرتي .
صمت الصغيران بكآبة غير مفهومة فأثارا شفقتي . أمرتهما بانتظاري على مقعد قريب وعدم التحرك . . فجلسا منصاعين . نظرت إليهما مرة أخرى , ولم أستطع إلا أن أنحني لأقبلهما هامسا :
- ماما تأخرت , سأذهب لأعرف السبب . فاهمين ؟
هز الصغير رأسه بموافقة وتسليم . أما الصغيرة فعبست , وطأطأت رأسها .. وبانت الدموع في مقلتيها :
- أريد ماما .
- الآن ستجيء .. لا تبكي .
سرت.. ركضت .. لا أدري .. نحو مكتب الاستعلامات والقهر يمزقني .. والحيرة تفعل فعلها . .. تزيدني نرفزة وعصبية .. هل فعلتها وتأخرت أم يخبيء لي القدر مفاجأة ؟
( 9 )
زحام شديد أمام مكتب الاستعلامات , وثلاث موظفات جميلات مشغولات بالرد على عدة هواتف , وإعطاء الاجابات للحشد الكبير .. بعد سؤال واستفسار عابر مع عدد من المحتشدين أمام مكتب الاستعلامات , تبين لي أنهم بانتظار الطائرة نفسها ... وأن شيئا غير مفهوم قد حدث .
خف همي قليلا لوهلة . وازداد قلقي أضعافا .
سألت شخص بقربي :
- هل وصلت الطائرة ؟
- السؤال هل أقلعت ؟ أجاب وغرق في صمته .
- هذا ما نحاول أن نفهمه ..
أجاب آخر دون أن أوجه له السؤال . قلت وكأني أكتشف شيئا جديدا :
- وما المشكلة في معرفة ذلك ؟.. حين يعطون الموعد النهائي لهبوط الطائرة .. معنى ذلك أنه أقلعت وأقامت الاتصال مع برج المراقبة ..؟
- ربما..
- ربما ؟
- هذا مانحاول أن نفهمه منذ أكثر من ساعة .
- لماذا لايعطون الجواب ؟
- لا أعرف .
- هل خطفت الطائرة ؟
- أفضل من سبب آخر .
- أي سبب ؟
- مثلا سقوطها.. ؟؟
- سقوطها ..؟؟!!
لا لن يحدث ذلك . .. الصغيرين وأنا ؟ .. أبدا .. هذا صعب على التصديق .
قالت موظفة جميلة محاولة أن يصل صوتها للجميع :
- حتى الآن لا ندري شيئا . الطائرة قد تكون عادت للمطار الذي انطلقت منه . أو هبطت لسبب أو آخر في مطار آخر . أرجو الهدوء والاطمئنان .. سنعلمكم بكل ما يصلنا من معلومات .
- عن أي هدوء واطمئنان تتحدثين ؟
انفجر أحد المحتشدين فأسكته الحشد :
- ما ذنبها .. هي موظفة ؟؟
- لماذا لا يخبروننا .. لماذا يتسترون ؟؟
صرخ آخر .
وقفت صامتا أسمع ما يدور من حوار وصراخ وتعليقات وهمومي تتكاثر . . وأنا في حيرة من أمري .
مرت لحظات ثقيلة . . والكل غارق في تأملاته وتأويلاته . لم أعد أطيق الصبر والصمت والتأويل .. تركت الحشد وذهبت أطمئن على الصغيرين .
( 10 )
أخذت الصغيرين شبه النائمين إلى داخل القاعة , أجلستهما على مقعدين , وتركتهما يغرقان في نومهما الهاديء .
كان الوقت يمر مثقلا بالهواجس , والقلق الطاريء يتحول الى خوف حقيقي من حادث مفجع . طلبت محادثة خارجية من البدالة الدولية , تحدثت مع أقاربي فأكدوا أن زوجتي سافرت بالطائرة في الوقت المحدد حسب البرنامج , وحسب ما يقدرون , يجب أن تكون قد وصلت . قطعت المكالمة تاركهم لحيرتهم وكأن سكين جزار ماهر قطعتني نصفين من وسطي . كآبة دافقة ملأتني . مرارة شديدة تتسرب لأعماقي . اتجهت نحو مكتب الاستعلامات .. كانت الوجوه مرهقة وتبدو عليها ملامح معاناة شديدة . بعض النساء أطلقن العنان لدموعهن , مما زاد شعور المرارة في نفوسنا , واشتد خوفنا من حادث لا ندري قدره .
- في أخبار العاشرة لم يذكروا شيئا ...!
أيقنت أن الحديث يدور عن طائرتنا . رفض فكرة حادث مأساوي كانت تتأصل في نفسي . ترى هل ينفع ذلك ؟ هل له أثر فيما حدث بالفعل .. أو قد يحدث ؟
هل من خبر جديد يزيل الكرب من نفوسنا ؟ هل من كلمة تزيل قلقنا ؟ قلت لجاري محاولا أن أنفس بعض همومي :
- الطائرة أقلعت .. الطيار أقام اتصاله مع برج المراقبة .. ثم انقطع الاتصال .. ولا يدرون السبب أين المنطق ؟
لم ينصت لي أو أنصت .. لا أدري . قال مخاطبا نفسه :
- كيف أستطيع أن أعيش بدونها ؟
واستأنف صمته الممتد كما يبدو . .. ونظراته المكسورة تبحث عن بارقة أمل .. ثم تسقط فوق الأرض .
وقفت مذهولا للحظات .. تأملته وأيقنت أن في الأمر سرا , تصارعت في رأسي عشرات الأفكار المؤلمة . حرت فيما أستطيع فعله . رفضت الفكرة الرهيبة التي يقودني إليها تفكيري . نظرت لوجوه الموظفات الجميلات , اختيار ملائم لوضع غير ملائم . حاولت أن استقريء ما تخفيه ثغورهن المصبوغة بالأحمر , وما تخبئه عيونهن البراقة وما يكمن وراء هدوئهن المبالغ لحد التصنع . عواصف من القلق . اشتد شعوري بالعطش الذي يلازمني منذ ساعة دون أن أعيه. لم تكن لي رغبة في شيء . . ولا حتى بقطرة ماء . تحركت حاملا ذهولي وحيرتي , وقفت أمام براد الماء , ضغطت بأصبعي .. ارتفع نافور الماء , انحنيت , رطبت فمي ولساني .. ولم أستطع أن أبلع الماء . تركت البراد وتوجهت الى الصغيرين , شاعرا بالألم . حاولت أن أفكر بشيء لا أدري ما هو . تأملت في نقطة غير مدركة , وجلست , أخذت الصغيرين في حضني , ضممتهما بقوة , تنشقت رائحة الطفولة ودفئها , وزجرت دمعة كادت أن تفلت , وانتفضت كالملسوع . فتحت عيني .. فركتهما لإزالة الغباش والأشكال السريالية للوجوه .. اتضحت المعالم والصور .. تذكرت الصغيرين , وانتصبت متثائبا مذهولا .. مطلقا نظراتي في أرجاء القاعة بحثا عنهما ...
(( تمَّــــــت ))
* كاتب , ناقد وصحفي فلسطيني – الناصرة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ماهر نصرت
- الزيارات: 14
ذاكرة الحضارات
ماهر نصرت
هناك صوب الشرق ، تنتصب جبال شاهقة ذات قمم مدببة تعانق السماء ، يخترق هدوء وديانها خرير مياه عذبـة تنحدر مسرعة من فوهات عيون أزلية تناثرت هنا وهناك ، غرست الطبيعة حولها باقات من زهور رائعة ، تداعبها أجنحة فراشات تحلّق متموجـة في فضاء آتها المترامية بسعادة لانظير لها ، وفي خط متواز من منخفض بعيد ارتفعت بنسق أشجار النخيل تقف متراصة بطلعها البهيج تحاور بحفيفها الساحر طيورا" ملونـة تسر الناظرين ، بعضها يشدو مغردا" بلحنٍ متقطعٍ حزين ، والبعض الآخر يبدو فرحا" يتغازل بصوتٍ رقيق نبرته فيها كبرياء ، وعلى مسافةٍ قريبةٍ من وادٍ عميق تلتقي الجداول متحدة لتصنع نهرا" كبيرا" يخترق مدينتنا الأثرية ويرتحل ملتويا" بين غابات كثيفة تمتد بمحاذاتـه على أمتداد البصر .
بعض أسراب الإوز تحلّق عاليا" ، تتراصف بنسقٍ منظمٍ يتقدمها قائد السرب ، تراه بين لحظة وأخرى يتفحص تشكيله بنظرة ثاقبة ليتمسك الجميع بنظامٍ صارمٍ عند الطيران ، فتعود الطيور مطيعة ، منضبطة ، صافات أجنحتها بسعادةٍ وغرور تطارد أحلامها نحو الغرب .
تجمعت خلف مدينتنا الأثرية قبل سنتين في منطقة تسمى بـ ( وادي الأشباح ) مياه متسربة لتكوّن بحيرة صغيرة ذات منفذ واحد ، تحتل تلك البحيرة كائنات مائية مدهشة ، بعض الضفادع تتحول في لحظات الخسوف أو عندما يصبح القمر محاقا" إلى نوع من أنواع العقارب السوداء البشعة ! وأسماك تبدو بأشكال مخيفة تحمل رؤوس خفافيش مشعرة ترهب السائحين ، وكائنات برمائية لا نعرف تسميتها تتحول فجأة إلي أفاعي طائرة تهاجم فرائسها بضراوة ، بعضها يتـقرفص بحركة عجيبة ليظهر على شكل سلاحف متوحشة تفزع القلوب !
بعد ثلاثة أيام من رعشات زلزال خفيف ضرب شمال المدينة أخذت مياه تلك البحيرة تتسرب في شقوق أرضية ظهرت فجأة ، أستطلعنا الأمر ، ورحنا نغوص مع تلك الشقوق بفؤوسنا ومعاولنا بحذر شديد .. واصلنا لأيام عـدة توغلنا نحو المجهول وأذا بنا نعثر بين طبقات الوحل على آثار وكتابات مسمارية تعود إلى عصور بعيدة ، كنا لا نصدق مانرى ، فنحن نقف فوق كهوف حضارة خالدة برق منها شعاع العظمة والدهاء وتفاخرت الدنيا بعلمائها وشجعانها وروعة فنونها ..
وصلنا بعد اختراق شبكة أنفاق مخيفة إلى غرفة صغيرة تفوح منها رائحة التاريخ ، هناك على مصطبة متآكلة ( علها كانت تابوتا ) بقايا عظام نخرة ، وفوق رف منزو تقف ثلاث من التماثيل الذهبية تحكي بأنحنائها قصة الاضطهاد والتمرد ، وبين هذا وذاك صفت جنبا" الى جنب صناديق مكعبة أقفل بعضها بأسلاك تداخلت رؤوسها بطريقة مشفرة تثير نظرات الإعجاب والتأمل ، تعاظمت جرأتي ، وأستطعت أن أفتح إحداها بضربات فأس عنيفة أوجعت ذراعي ، كان داخل الصندوق ألواح طينية نقشت عليها كتابات ورسوم لاشك أنها تحكي عن الإله ( مردوخ ) أو الإله ( أنونيت عشتار أكـد ) أو شيء عن قراصنة القوافل ، أو لعلها كانت قصة الحب المشهورة التي أنتحر فيها الحبيب بعد أن اختطف أبن الملك المشعوذ حبيبته ….
يحتوي الصندوق أيضا" على أختام حجرية وقطع نقود من البرونز رسمت عليها صورة أحدهم وهناك في قعر الصندوق قطعة ذهبية مستطيلة نقشت عليها زخرفة من رموز عجيبة دعاني تلهفي الجنوني الإسراع إلى ذاك الرجل المعقد ( صاحب الشارب الغليظ ) المدعو ( بابان ) خبير الآثار لكي يترجم لي تلك الرموز من مجلده الوحيد ( الكتابة المسمارية ) الذي يسبب صداع الرأس المزمن لكل من يكمل قراءته ! أتضح بعد الترجمة الدقيقة أن تلك القطعة ماهي إلا أداة تسجيل صورية خزنت عليها مشاهد حقيقية عن حضارة السومريين والفراعنة وشيء عن الصحون الطائرة وشعوب تتخذ من أروقة الكون مواقع لها ، أهدتها مركبة فضائية هبطت من مجرة ( أندورا سيفال )* الى ( أددوشا ) أحد عظماء مملكة أشنونا* ( هذا ما كتب حرفيا" على خاتمة القطعة ) ،
قفزت من مكاني على قدمين راحت تلتهم الطريق لأبحث عن طريقة علمية في ورشتي المتخلفة تعيد إظهار ما خزّن فوق تلك القطعة ، استعملت متحسسات رأس الفيديو عسى أن ألتقط معلومات التسجيل الصورية ولكن دون جدوى ) ، تسللت الى غرفة شقيقتي وسرقت منها ( كاميرا الفيديو ) وأشركتها بطريقة فريدة مع جهاز الحاسوب الذي سرقته أيضا في تلك الليلة من غرفة أخي المدلل ( حسام ) بعد أن رششت على أنفه وهو نائم رذاذ مخدر وجدته في صيدلية البيت وأخذت أنفذ برنامج الـ ( ASCII ) لفك شفرات المعلومات البيانية بعملية تصوير تشبه الى حدٍ ما طريقة ( جهاز الأسكنر )* ، وبعد جهد كبير ومشقة وصبر نجحت في الوصول الى ما أصبوا أليه ، كانت لحظات مروعـة انتقلت فيها عيناي وما تحويـه الى أعماق التأريخ ، وراح جسدي يرتجف وسط جو من الرعب عصف بأجواء غرفتي في جوف الليل ، وهبط عقلي مذعورا" يشارك بصري معجزته وهو يشاهد من على شاشة ( المونتر )* مناظر حقيقية لآلاف العمال وهم يحملون صخورا" كبيرة فوق عربات ورافعات كبيرة يواصلون بمشقة تحت لهيب الشمس المحرق بناء هرم كجبل شاهق ، عشرات من النحاتين يقومون بتعديل أشكالٍ هندسية لصخورٍ كبيرة ، ثلاثة من الكهنة يرفعون فوق روؤسهم رأس ذئب ويهتفون بأصوات مخيفة فترتفع في الهواء صخرة تزن أطنانا" وسط ضربات من رعد وبرق لتستقر على أحد أركان الهرم المعجزة ، يخطف نظري نحو صحن طائر بحجم ساحة كرة القدم مليىء بمصابيح وفسيفساء رائعة يحوم فوق أحد الأهرامات ليلا"ويطلق حزاما" من أشعة ليزرية على فتحة في أعلى الهرم تمتد الى أعماق الأرض ويختفي وراء السحاب بسرعة عجيبة .
مجموعة من السفن الصغيرة وسط البحر يقودها ربابنة أشداء يطاردون حيوانا" ثائرا" يشبه الأخطبوط يضرب بذراعه أحدى الزوارق فيحيله الى حطام ....
يتحول المشهد فجأة ويظهر مئات من العمال المنهمكين في بناء دعامات لتثبيت حدائق متناسقة فوق هضبة تتصاعد متدرجة ( أعتقد أنها جنائن بابل المعلقة ) يقذفون مياه السقي الى أعلى الروابي بطريقة عجيبة ( سأبينها لكم بعد أن أكمل بقية المشاهد ) ، أسوار قلاع شاهقة تحيط بهيكل زقورة ودعامات متينة ثبتت عليها أبراج خشبية محكمة يتنقل عليها مئات العمال يواصلون بناء أجزائها بتآلف حميم كتآلف النحل في خلاياه .
مشاهد لاقوام أخرى غلاض الأجساد ، منتفخوا العضلات ، مشوهوا الوجوه ، تشبه إشكالهم صور الإنسان البدائي المثبتة في كتب التاريخ المدرسية ، يشقون طرقا" لعرباتهم الخشبية بين مرتفعات صخرية شديدة الأنحدار، ( تذكرني تلك الوجوه عندما كنت مع طاقم الطائرة العجوز ( أليوشن ) ونحن نحلّق صوب الغرب بسرعة نصف ماخ 500 كلم / ساعة فحدث انفجار مفاجئ في مؤخرة الطائرة بسبب توغلنا اللاأرادي داخل غيوم رعدية متلاطمة أدى الى انفصال وحدة ( الستبلايزر )* للدفة الخلفية فهبطنا بمظلاتنا فوق أدغال كثيفة لنجد أنفسنا وسط أقوام متوحشة من آكلي لحوم البشر ، فقدت في معركة معهم سبابتي والإبهام ، فاستيقظت بعدها من كابوس غفوتي صارخا" لأجد نفسي محاطا" برفاقي الطلبة في كافتيريا القسم الداخلي ) .
لنعود من فضلكم الى كاسيتنا الصوري ،
تتحول المشاهد فجأة الى الفضاء .. نجوم براّقة لاحصر لها تتناثر في سدم الكون تشير الى عظمة الخالق ، جزر كونية متناثرة تحلّق في أروقة السماء حيث اللازمان واللامكان تدعم فلسفة النظرية النسبية ( لأينشتاين ) ، أنشطارات ذرية هائلة ، نوات عاريات ‘ بروتونات مضطربة ‘ إلكترونات متنافرة ، إشعاعات ، موجات ، أيونات ، شهب متمردة وأخرى هاربة تتصادم جميعها وتتنافر وسط غبار كوني لاهث يملأ الفراغ بين مجرات عجيبة تبهر الأبصار وتصفع وجوه الملحدين .
نجوم قيد التكوين ، وأخرى تلفظ أنفاسا" محتضرة ، تجانس مذهل بين الأجرام ومداراتها ، والجحافل المجرية حبيسة لمركز قوة جباّر ، عظيم الشأن ، شديد اليقظة ، محكم القبضة ، لاأجلٍ بدون قرار ، ولاخروج عن مدار ، ( ولا الليل سابق النهار ، وكل في فلك يسبحون ) .
يقترب بي المنظر من كوكب لامع تدور حوله المئات من الأقمار الاصطناعية المدهشة التي تعمل بالطاقة النووية بدلا" من تلك الأرضية المحملة بأجنحة الخلايا الشمسية البدائية ، تدور حول الكوكب بمدار أهلليجي محكم لازيغ فيه ، محطات فضائية بأشكالٍ هندسية معقدة تديرها كائنات فضية ، أجسادها كبيرة ، رؤوسها صغيرة لكلٍ منها عين حمراء تتمركز في منتصف الرأس ، راحوا ينظرون نحوي بغضبٍ وأمتعاض فأشرت لهم من خوفي وصحت ( مرحبا" ) فلم يجيبني أحد .
يتحول بصري منبهرا" الى عمق الشاشة صوب كوكب عملاق يحتوي على فوهة لاهبة بحجم الأرض تتقاذف منها العشرات من مركبات فضائية براّقة تنطلق بسرعات مذهلة ، تدور حول الكوكب الأم وتهرب بعيدا"عن مداراتها نحو ثقوب سوداء تبتلع الضوء والزمن .
ينقلني مشهد جديد الى معركة أسطورية بين أقزام ذوو آذان طويلة يقودون صحون طائرة مهولة ظهر بعضها بحجم مدينة بأكملها ، تطلق أشعة ثاقبة صوب نجم ناري ملتهب فيقذف النجـ ....
توقف العرض فجأة وغرقت الشاشة في ظلام غريب ......... بعد ثوان ظهر صوت كأنه أعصار يقترب ومن ثم ظهرت صورة لكائن مرعب لا أستطيع أن أصفه لارتجاف قلمي عند الوصف ، كان ينظر نحوي بعينين حمراوين جاحظتين تقذفني بسهام الموت ... أقشعر جسدي وأرتعد عقلي مذعورا" ، أحسست لحظتها بانجذابي الشديد نحو قوة تأخذني صوب الفناء ، أحاول بمليء طاقتي أن أصرخ واقفز بعيدا" عن سطوة جلادي ، رأيت بأم عيني ستائر نوافذ غرفتي تنتحي جانبا" ليدخل شبح أو شيء ما من النافذة .. أغمي علّي من هول الرعب ، فاستيقظت بعدها مرتعشا" لأجد نفسي قد فقدت نظري وصورة ذلك الكائن مازالت تلاحقني في ظلماتي ... أرجوكم أنقذوني ....
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ماهر نصرت
- الزيارات: 15
" أين أنـا ؟ "
قصَّـــــة قصيرة
ماهر نصرت *
على حافة الرصيف أقف حائراً ، أتشرنق بزعيق المحركات وصراخ المدينة .. يغمرني إحساس بالوحدة والخوف وسط ذلك الصخب البشري المؤجج بالفزع والفوضى ، أشعر بنبض الزمن يتراجع وعقارب الساعة تمردت على مسنناتها وراحت تعود إلى الوراء بخطى الهمجية ..!
من أنا ؟ أما زلت ذلك القروي الهادئ رفيق الطبيعة الخضراء والفضاء الرحب … صديق العصافير والنهر وأغصان الشجر ؟ . كيف قذفتني أمواج العشق بهذا الوحل المدني المدجج بالتخلف والحزن ؟ الشوارع ملغومة بالحفر والقنابل والأحجار النيزكية ، تجاورها أرصفة محطمة يحتلها باعة بائسون ، ينادون الزبائن بأصواتٍ خائفة تخرج من حناجر منغرسة في لوعة المرارة والألم
الدفين ، أيديهم تتأرجح بخجلٍ واضطراب وكأنها رؤوس أفراخ جائعة تفتح أفواهها بلهفة أمام لقــمة تقذفها الأم في جــوف حوا صلها . أنفاس الناس هنا تنتابها تنهيدة عميقة تحمل مع حفيفها لوعة أعوام طويلة من الخوف والسقم
والحرمان ، أجساد متعبة تمضي على غير هدى تحمل رؤوساً متوترة شحنت بكهارب الغضب والتمرد والجسد الذي يعذّب.
أين أنـا ؟ هل أنا حقاً في مدينة السلام والحضارة والكبرياء .. ؟ أنتم أيهـا المخططــون منذ أربعون عاماً، يا أصحاب أربطة العنق الملونة وبدلات الحرير الثمينة ورزم الأوراق التي تحملونها جيئة ًوذهاباً ، يامن طوقتم رقاب الشعب بحبال المشانق وجماجم الأبرياء ، ماذا صنعتم لشعبكم ؟ الحياة … الحب … الرفاه … المجد … الكرامة … الكبرياء ؟ لاأرى سوى مدينة محتضرة تلتف حولها أفعى صفراء تنـفث سمها أينما تشاء ، ماذا أرى ؟ مدينة هربت من مدنيتها ، هجرت تراثها وممتلكاتها وفـنها وأشيائها وراحت تغوص في أعماق القرون تبحث عن كهفٍ آمن يحفظها من زوبعة طائرة ودوي لغم ، يا حضارة المجد .. إرجعي الآن ولا تترددي ، انهضي من مقابرك كماردٍ عنيدٍ يسحق الوجود ، تبرئي من امتدادك الملطخ باللوعـة والفقر والتمزق ، اقطعي أوصال الزمن ، اصرخي بوجـه أولئك الذين أطفئوا شعاع مجدك بدكتاتوريات الآراء وقرارت الضياع .
من أنا حقا" … ؟
أما زلت ذلك القروي العاشق الذي أرتحل عن قريتـه إلى بغداد يبحث بين أروقة المدينة عن قريبـته المجنونـة الهاربة … تلك القروية الجميلة المسماة ( أنــوار ) التي ستفقد جمالها الأسطوري هنا حتماً بين أزقـة الآلام ومساكن الحزن … لا أدري … ، أراها في زجاج السيارات المسرعة تحدق في عيني وتصرخ صراخا ً
مدويا ً ، كدوي سيارة مفخخة تحطم زجاج البنايات وتكبت أنفاس الروح ، وهي تقول :
- " أنت أيها القروي العاشق ، عد إلى أرضـك وأشواك البرية ، لقضبان سجنك الأبدي ، لقوقعتك المغلقة منذ القدم ، لمحراب طقوسك المعتـقـة ، ودعني أبحر عارية ً مع أمواج الرغبة والوجود ، دعني أهرب من بقعة الوحشة اللامتناهية وأسوار الحرية المؤصدة في قرى العدم واللاوجود ، دعني أنطلق كالحصان الجامح فوق رمال البحر الممتدة مع مدى الروح .. تشدني ذراع رجل ما ، أجد في أنامله الدافئة أنوثتي ، أكتشف معه كنوز صدري المدفونة في جسدي المهجور ، أتلذذ برعشة تبتلع مني سنين حرماني عندما تتلامس فيها شفاهنا المتعطشة دوما" لوسادة الفرو الناعمة والالتصاق العذب ، دعني أفجر براكين غرائزي التي هرمت في منـفى قريتكم بلا ذنب أرتكبه ، سوى أني نشأت وسط أقارب لا يعرفون غير لغة السلاح والموت ، يتقاتلون فيما بينهم من أجلِ عيني الزرقاوين وشعري المذهب وجسدي الأشقر الممتلئ ذات الخصر الوسيم … ثلاثون عاما" وأنا مقيدة في أسرتي المنهكـة أنتظر الفارس المغوار الذي سينتصر في النهاية ليتزوج المرأة المحطمة ضحية سنين اليأس وتقاليد الضياع ، عبثا" أنتظر ، نجوم السماء أقرب من أن يتزوجني أحدكم ، لأن الكل يوجه فوهات البنادق للكل ، صياح الأفواه فوق جثة في النهار يمتد لرصاص الثأر في الليل ، أغنية الفجر لديكم هي أنين أرامل وعويل يتامى ، فجركم دامٍ كأفقٍ أحمر تهاجر فيه أسراب طيوركم وهي حزينة ، تمضي بأحلامها نحو قمم الجبال الجرداء ، بعيدا" هناك ، حيث لاغارةٍ عشائرية ولا موكبٍ حزين .
وتهتف ثانية" ،
- عد إلى أرضك يا حاتم يا أبن هزاّع ، إلى حبات رملك المخدشة وأعاصير شمسك الحارقـة ، إلى رائحة الموت المنتشرة بين أنهار حقولكم والشجر ، إلى واقعك العنيف الموروث منذ مئات السنين ، ودعني … دعني أحيا سنيني المتبقية هنا بين حبيب يجذبني ومعجب يلاحقني ، دعني أنطلق كفراشة هاربة من بطش جراد الحقول ووخز أشواك البرية ، أطوف فوق قرى اليأس ، فوق بيوت مدفونة في أعماق البراري أجمع النساء الضحية أمثالي ونهرب جميعا" نحو القمر ، نحـو النــجوم ، مثل طيور متمردة تهاجر أعشاشها إلى الأبد … دعني …
يدوي انفجار قريب أيقظني من سراب حلمي وصراخ أنوار ، انطلقت بلا وعي راكضا" مع الناس بقوة خارقة تقمصت أحشائي وكأننا في سباق ماراثوني نتجه صوب الكارثة ، أشعر أن أنوار بجانبي الآن كما هي في سرابي دوما" ، دموعها تصب في قلبي الذي ينبض خافقا" مرتعشا" ، لا أدري ، أهي دموع الحنين إلى الأهل والعشير ؟ أم هي الدموع السرية كتلك التي تنهمر في زوايا حانات الليل ومراقصها ؟ رحت أقترب من منطقة الانفجار وشبح الحبيبة يلاحقني ، يشرنق أعماقي بقوة غامضة تمدني بطاقة الحياة والأمل والانطلاق العنيف … كان مشهدا" مروعا" لا تهمله ذاكرتي ما حييت ، دمار بالكامل لبناية من طابقين كانت قائمة هنا منذ لحظات تحوي شققا" سكنية وبعضا" من المحال التجارية ، تسكنها عوائل كادحة دفن بعضها تحت الأنقاض ، جثثهم تحترق داخل شفاه نار مفترسة تلتهم كل شيء ، سحب دخان غليظة تطاول السماء ، أشلاء ممزقة تلتهب ، أصوات استغاثة تتصاعد من بين الأكوام ، أنين مصابين ونزيف جرحى ، صرخات نساء وأطفال أصابهم الجنون ، تكبير شيوخ عجزة أغمي على أحدهم من هول الانفجار فأرتمى بجسده وسط الطريق يقوم رجلان بإسعافه ، مركبات متناثرة وأخريات محطمة تحترق إحداهن بسائقها مع ثلّة من النسوة اللواتي حبسن بداخلها ، سيارات إسعاف تكتسح المنطقة بزعيقها المخيف ، عجلات إطفاء تتسابق بجنون يقفز منها رجال إنقاذ مسرعون وضعوا فوق رؤوسهم قبعات حمراء وزرقاء أخذوا يقتحمون الأكوام بعنف ،
وقفت بين الأنقاض أطاول بنظري السماء وشفتاي ترتعش بعد أن تجمعت في صدري صرخة عظيمة تكاد تخرج بجنون لتشق السحاب وتبتلع الآفـــاق .
وفجأة :
اخترقت سماء بغداد أسراب مهيبة من الطيور المهاجرة تتجه شرقا" … استدارت الطيور عائدة من حيث أتت ، وبحركة ميلان مدهشة وتنسيق رائـع هبطت تشكيلاتها نحو فضاءات الكارثة منكسة الرؤوس تحاول عبورها ثانية" ببطء وتأرجح وانضمام ، فتعالت مجتمعة صيحات آلاف الطيور صعقت أسماعنا وأرهبت نفوسنا وكأنها تعلن بصيحاتها تلك عن عزائها الشديد لأرواح الأبرياء وللطبيعة برمتها وتلعن بهتافات حناجرها همجية الإنسان وقسوة الضمير .
" تمَّــــــــــــــــــــت "
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* قاص عراقي .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: فتحي إسماعيل
- الزيارات: 13
تزداد ضيقا بالإيشارب، يحجز العرق الذي يطوق الرقبة فيصبح حسكا ينغز منابت الشعر تتمنى لو خففت قليلا من ملابسها هذه الأيام ، آلتي لم تكن أبدا كباقي أيامها ، ناراً أُبدلت من قلق شهورا تعانيه ،
أينك الآن؟
وحدها فكرت و...و حدها حاولت أن تطفئ النار .
- لكن ... بالنار يا ماجدة ؟
كنا نعتقد أن بالحقيبة أدوات الماكياج
- أو ساندوتشات
- أو رسائل الغزل
- فإذا بها مسدسات
- كيدهن عظيم "
لو كانت معها الآن لردت للمتحذلقين الصاع صياعين ، غصة تخنق بداخلها الريق المزدرد.
- لستم بأقل منه استحقاقا ًللردع .
تهمس بخاطرها...
يجيبها صوت ماجدة من قاع رأسها المترع بالذكريات :
" كائنات ضارة, أشبه بالذباب الذي لا يفرق بين العسل والدم المتخثر "
هكذا بصقتها ماجدة كرة من القرف ... حينها كان يقف أمامهما محتميا بفرع مائل ظلل الرصيف تاركا الأم فى مدخل أحد البنايات الحكومية، يبتسم البلل على شفتيه، يهش الذبابة من على الأنف الأفطس، يتسامق طوله بحدبه تقى شعرًا حالكا لامعا مصفوفا للوراء بعناية وقد شوش بضعه الأمامى وتدلى حتى الحاجبين المزججيين، يلقى بظله على ايهن ، لا تردعه تأففات الإزدراء، لا يعنيه كره يطفح على العينين... نار، لا تشعره بذرة أرق ... لا تقلقل ثبات خطواته، تصطك ركبتا أمينه، تلتصق بصاحبتها التى ترمقها بعتاب غاضب، تحدجه بنظرتين يشتعل التقزز فيهما، تسحب رفيقتها، تفضل نار الشمس على زمهريره اللزج؛
تنفخ أمينة في ضيق توجعها الذكرى، تهتف :
- ليتها ما جرأت .
تسير وكأنها لا تنقل قدميها، تمل الرنو إلى معلم، تحفظه ... الزحام يخنقها، يعرقل خطواتها
الشمس لا تتركها بدون أن تدعس قوامها بيد ملتهبة تنحني، تغرق في عرقها، خجلها المميت، تصل موقف السيارات ،
أخيراً ... تزفر في ارتياح سرعان ما يتحول إلى ألم يعتصر قلبها .
هنا كانت تصافح "ماجدة" تتباعدان واليدان متشبثتان، تتراجعان والأصابع متكالبة، والأنامل بعد هنيهات الملامسة الأخيرة ... تفترق على وعد باللقاء بعد يوم دراسى لم يتركا للهواء منفذا يحتله أو يعيره بينهما ،
هنا رأتها للمرة الأخيرة، محاطة بعشرات الأيدي ... تخبط كفا بكف، تشوّح، ترتفع للسماء تشير إلى بقعة ما في الأرض، بمئات الأعين... يندفع منها سائل لزج نحوها، يعترى جسدها المحطوط في البؤرة، يأكل أمينة سؤال، يضعضع حواسها مبهم، خوف خفي يظلل محيطها، هلع حقيقي يزلزل كيانها ... يرعش فرائصها يترك فقط في الحلق غصة، يبسان يحجر فمها، ترفع يدها، وصوت متحشرج، مخنوق :
- "ماجدة "
على عينيها ثبات عجيب، في وجهها إصرار قوى، لا ترى صاحبتها آلتي تسأل من حولها بينما تأتيها الإجابة كلمات متناثرة تخرج من أفواه عدة :
- قتيل
- البنت قتلته ... مسكين
- كانت تحمل مسدسا في حقيبة يدها
- معركة انتهت بإطلاق الرصاص
- الشرطة تعاملت مع الموقف
تساءلت و.."مستحيل" تلون كل حروف سؤالها برفض رمادي:
- هكذا تنتهي ماجدة ... ؟؟
- " هكذا ابدأ "
قالتها" ماجدة " للمذيع التليفزيوني، نصب من نفسه وضيوفه قضاة، كانت تراها من خلف سرسوب دمع يحرق مآقيها ،
قال أخوها :
- لم يتركن شئ لنا، حتى الحياة يسلبنها منا، يقضين علينا بالفتنة وبالموت .
رمقته " أمينة " بغضب مرير منكسر وهرولت إلى غرفتها وتركت للوسادة احتضان ما تبقى لديها من دموع، في نفس الليلة جاءتها في مدرج خالي من سواهما هبطت من أعلى أم انشقت عنها الأرض ؟ لا تدري
بيدها مسدس تضعه على كفها وتبتسم نفس ابتسامتها العذبة، في عينيها سؤال سمعته
" أمينة " ولم تفه به " ماجدة ":
- أترينني قاتلة؟
- لا...
- لماذا تخليت عنى؟
- ناديت عليك ولم تسمعينني
- سمعتك..
- لم تردى
- كانوا يقيدونني ...سلاسل بعدد عيونهم وقوة رفضهم طوقتني، تخللت جسدي، فكوا إيشاربي، سلسلوا خصلات شعرى
- رأيتهم
- لم تمنعيهم
- خجلت
- هكذا أرادوني
- أنت أفضل مني
- تريدين علاقتنا تستمر؟
- نعم ..
- ألا تخجلين منى ؟
- انا ...ا ....ا...
تتعثر الحروف على لسانها بينما تتباعد ماجدة ، تتراجع وكأن شيئا ما يدفعها للخلف حتى تختفي، تصرخ " ماجدة " ..." ماجدة "... , و ...
- "أمينة" ... " أمينة"
يصلها صوت هامس حاني ، يسحبها خلال ممر رمادي تفتح عينيها لتجد أمها تضع يدا على صدرها والأخرى تمسح على شعرها
- حلمت ؟
- ماجدة يا أمي
- لها الله
- لم تذنب
- القتل جرم بشع
تعتدل في سرعة خاطفة، تراه فوق الدولاب يخرج لسانه لها
- كان يستحق
- ليس لنا الحكم، وإن كان ...فلا نملك الفعل، لا يأخذ الروح إلا من خلقها
- لم يكن آدميا
- لايجوز عليه الآن إلا الرحمة
- لن يرحمه الله
- استغفرى الله
- انه شيطان، شيطان يا أمي
تلقى بنفسها تحت الدش، تحتضن حلمها بالماء البارد تسبل جفنيها، تثق في الجدران تترك لجسد ها حريته، يبوح ويتنفس، ولكن اللحظة تأبى تركها والحلم يهنئان بلا ذكرى يجفل لها قلبها وتتأجج في الجسد نار تؤرقه، تجرحه ...ولا تفلح المياه في تبريد الجراح فتبقى لترى فيها دموع "ماجدة" التي تبلل خمارها
-" لم اعد أطيق لقد وصلت إلى هنا بصعوبة، يطاردني أينما ذهبت، لم يدع لي منفذا، رنين الهاتف لا ينقطع لا يترك أبى وأخي لحالهما، يطاردهما أيضا، بات رواد المقهى يعرفونني، صوري يتناقلها الطائشون ."
- منها لله "مديحة" أسلمتك للشيطان
- بعد أن أسلمت نفسها
- يفرد شباكه القذرة أينما راح
- ولا يعدم وسيله
- فرصة لا تضيعها الساقطات
- على أشكالها تقع الطيور
- خنازير
- أنتِ الصيد الذي تمرد
- يهدد آبي بنشر صوري ولا يترك أمي لحالها ، يطلب مالا ليسكت
- أعطوه إذا ما يريد
- يقول أبي أن في ذلك اعتراف بثمة علاقة
- والعمل ؟
- سأصبر...
و.... تنظر للسماء بعين دامعة وقلب مكلوم، تشاركها " أمينة " الصلاة صمتاً.....،
لا تدرى أن أرقها جثم على قلب صاحبتها، بات همها ولما فعلتها انشطرت أمينه نصفين ،
نصف مستريح ونصف يقتله الألم، نصف يبكى صاحبتها ونصف ينشد فيها الأغاني، نصف قلق على مستقبلها، ونصف قرير بنجاتها
- أهو حب؟
قالتها أمينة من داخل أحد المدرجات وهى تنظر من نافذته إلى فناء الكلية، تتابع الثنائيات المتناثرة تحت ظلال الأشجار والمظلات الخشبية و... همس محيط
نظرت ماجدة نظرة سريعة ثم تراجعت قائلة :
-مودة ... كهذا الحذاء ...
-تشير إلى قدميها وتكمل :
... أليس مستورداً ؟
تنظر"أمينة" في عينيها لحظات ... ثم تنفرج الشفاه عن ابتسامتين ضالتين، أكسبتا وجهيهما ملاحة غبرها الحزن .
من شق ضيق في النافذة ينساب شعاع الشمس، عمود مائل بتراقص الغبار في محيطه الضيق، يضئ العتمة ، يمنع انكساره عند المرآة أمينه أن ترى وجهها ... لا تهتم ... تتأمل الأسطوانة المفعمة بالغبار، تمتلئ حجرتها به إذن، بل الشارع، الدنيا، لا يتضح إلا بمفارقة كهذه، فى قلب العتمة، يروح شهيقا، ولا يجيء مع الزفير، يحط على الأثاث، الملابس، العيون، لا نبالى ..........ونعيش
تقلقنا الحقيقة، نكره من يكشف عرانا، والعرى ذاته اختيار ،
كانت تبحث في"شنطة يدها" عن منديل ورقي حينما رأته، جفلت ....
- ما هذا؟
ابتسمت "ماجد ة" في ارتباك و أغلقت " شنطتها "
- مسدس؟ ماذا ستفعلين به؟
- أدافع عن نفسي
- أخشى عليك منه
- المسدس أم هو
- الاثنان و... مستقبلك
- الذئب لم يترك في الحاضر فرجة أتطلع منها إلى الغد ، أخرج من جرابه اللعبة الجديدة، حيلة شياطين ... وثيقة زواج عرفي، طالب بالمال وإلا سيفضح أمري، لم ينتظر الرد، نشر الوثيقة بين المعارف ،
بات الكل يرونها لوحته التى تمردت أعلنت أنها لم تزل ورقة بيضاء، عبثت أصابعه على أوتار السكون فأجج فى محيطها ناراً عبثا ً حاولت إطفائها و...
ليلة حمراء لو قضاها معها سيستريح، ويستكين الشيطان داخله .
الشرطة لا تقنعها الاتهامات المرسلة، والشرف لا يستحق الحراسة،أغلقت بابها وأسلمت نفسها للحبس الاختياري، عيون الزملاء والجيران والأقارب تهتك رجولة أبيها وأخيها ،تعرى الستائر الكثيفة بينما يستلقي أصحابها على الأرائك يتفرجون، يتندرون، يمصمصون الشفاه وهم يرشفون المثلجات في ارتياح وسكينة إلا هي، وحدها تشعر بصديقتها، تعانى معاناتها، تخشى عليها منه وعلى نفسها، لا تدرى ما يخبئه الغد، لا تأمن هجمة الذئاب المفاجئة ،تكتظ الصحف بأخبار الاغتصاب، والطوفان لا يبقى على أحد تعتصرها المخاوف، تشلها الهواجس الكئيبة يلدغها خاطر ... لو صادفها في إحدى الطرق، لو تخيرها صيدا، تتوخى السلامة...!! ؟ وتبدل الوداعة بثوب الحيات مثل من توخينها؟
وتحلق ... فوق هيكل الأب المنكسر والأخ الملتاث، والأم حين تقرأ الفاتحة فى ساعة لا تكاد تعي ما تنطقه؟ لا تردع شقيقتها حين تنفلت... تقطف بين يدي الإثم ورودها الحمراء وتقدمها قرباناً لأمنها؟
تقرأ في الجرائد...(أصبحت ترى أخبارها بين المغتصبين والقتلة).........تفرج عنها النيابة بكفالة.
يراودها سؤال ، هل تزورها؟ تحتضنها كما الأيام الخوالى؟... ترتعد، يخفق قلبها بشدة، تعييها الإجابة، تلقى رأسها على الوسادة وتروح في إغفاءة ...لا تسقطها فى هوة كرى مستقر
فتحي إسماعيل
- التفاصيل
- كتب بواسطة: توفيق الحاج
- الزيارات: 17
|
|
|
|
|
فانتازيا ممكنة قصة قصيرة توفيق الحاج **** "سرد ساخر" استيقظت صباح أمس مبكرا على غير العادة لارتباطي بموعد مع ورشة عمل في مجال المهنة، وقد قررت قراراً لارجعة فيه وهو أن أنجو بنفسي وأعصابي ولا أتعاطى السياسة لمدة أسبوع فلا جزيرة ولا بي بي سي ولاصحف ولا نت ولاغيره.. ذهبت إلى الحمام..عفرت وجهي بحفنتي ماء ونظرت في المرآة لأتأمل التجاعيد التي تتراكم بسرعة تحت العينين.. يا إلهي..هذا ليس وجهي.. صرخت فزعا وهرولت الى غرفة النوم حيت لا زالت زوجتي متكومة على السرير بالعرض..حاولت ايقاظها..تململت كسلحفاة..فتحت جفنيها بصعوبة بالغة وهي تبرطم..ثم صرخت بكل قوتها : "ياااااخيبتي..الحقني يازلمه.الحقوني ياناس..جارنا أبو حسين في غرفة نومي..!!" أغلقت فمها بكفي ونهرتها : " اخرسي ياوليه..أنا جوزك .. كان يوم أغبر يوم ما أخذتك..أصحي وشوفي اللي جرالي ". " بهتت المرأة وبدأت تحدث نفسها.. صحيح نفس البيجامة..نفس الايدين..نفس الرجلين..نفس الصوت هو..هو.. لكن الوجه.صحيح ان الوجه الاولاني أحسن من هالسحنة اللي بتقطع الخميرة من البيت. " قطعت المونولوج الداخلي لزوجتي المبهورة: " ياااامره..الظاهر فيه شيء غريب صار ". " أنا معيش وقت..بدي ألحق معيادي..وربنا يستر ". في تلك اللحظة اندلع الصراخ والزعيق في بيت جارنا أبو حسين فهرعت إلى أقرب نافذة لاستطلاع الامر فرأيت زوجة جارنا تضرب رجلا يشبهني بالشبشب وتطلق عليه زخات من الشتائم النادرة وهو يتوسل إليها ويحلف أغلظ الايمان أنه أبو حسين.!! همست لنفسي وأنا اتحسس سحنة ليست لي وأري بحسرة وجهي أمامي يصفع ويبصق عليه : " ماذا جرى..؟!! " نهرني الوقت.. قفزت الدرجات وأنا أفكر كيف سيستقبلني حضرة المفتش السمين "أبو النكد " فهو يتقبل بالكاد سحنتي الاصلية فكيف سيتقبل الاقبح..؟!! لابد أولا من وصلة ردح في الأخلاق والتربية على موشح من الوعظ ، يختمها بمارشات مختارة من التهديد والوعيد قبل السماح لي بالدخول، ومن ثم يندمج في همس وضحكات مكتومة مع إيحاءات جنسية صبيانية مع المتدربة الشقراء في مؤخرة القاعة!! كان يوماً عصيباً حقاً..الجميع أنكرني..وتخوف مني..حتى زميلاتي أخذن في التندر والضحك من " تحت لتحت"..غضبت في البداية ولكني شعرت بالسعادة ، عندما سمعت همسة من إحداهن بأن "الخايب"، والمقصود أنا طبعاً ، كان في طبعته الأولى ألطف قليلا..!! غادرت عائداً إلى بيتي وفي الطريق قررت الذهاب إلى طبيب نفسي معروف ، كان زميلاً لي منذ أيام التلمذة وبالمناسبة كان بليداً جداً ، وحطم الرقم القياسي في المد على الخلفية على يد الاستاذ" أحمدفرجار "معلم الحساب . فوجئت بالطبيب يصافحني ويذكرني باسمي وهو يضحك : -" حتى أنت يا أستاذ أصابك المرض الجديد ". -" ماذا يادكتور..؟!!" - "نعم إنه فيروس عارض يؤدي إلي اختلال في الرؤية، ويعكس صوراً من الذاكرة بدلاً من الصور الحقيقية، ولحسن الحظ أن أثره يزول بعد 12 ساعة بدون أي علاج". قبلت الطبيب فرحاً وعدت إلى البيت وقد قاربت الساعة السادسة مساء.تعمدت الدخول على أم العيال والاولاد مع قرع ساعةبيغ بن . وما إن رأتني سلحفاتي العزيرة حتى فنت الزغروتة وهللت : "الله أكبر.. انتصر الحق وزهق الباطل..جوزي رجع لى"، والتف حولي الأولاد لأول مرة بحب حقيقي دون أن يطلبو ا شيكلاً واحداً. وفي نفس الوقت انطلقت الزغاريد من بيت جاري المسكين أبو حسين الذي هتف فرحاً :"أحمدك يارب"، وهو يتحسس قفاه من أثر شبشب أم حسين المصنوع من عجل شاحنة..!! عزيزي القارىء أرجوك ألا تضحك كثيراً..فكر قبلا ًكيف ستواجه خيبتك عندما تصحو يوما ًلتفاجأ أن لك وجهاً غير وجهك..!! (( تمَّــــــــت )) |