مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

غرباء العالم

التفاصيل
كتب بواسطة: أمياي عبد المجيد
نشر بتاريخ: 30 مايو 2001
انشأ بتاريخ: 30 مايو 2001
الزيارات: 12

شوالات زبالة ؟ تخرجها في هذا الوقت ؟ نعم . سأضعها على الرصيف .. ألا تعلم بان الشحاذين يرتادون المكان كل صباح هائج ؟..عّلهم يجدون بين القمامة ما يسد الرّمق ..على العموم لا تشغل نفسك بهذا الموضوع , حتى لا تغادر عالمك الوردي .. ستعلم نمط هذه الحياة فيما بعد .. عليك بالنوم الان , تظهر على وجهك قسيمات إرهاق, وتعب شديدين استرخي ونم ...
- كيف استقبلتك الحياة عندما طردتك أمك من أحشائها ؟ رفضتك؟ لا بد انك كنت كثير الصراخ ,والعويل فأزعجتها , وحرمتك من سعادتها .. فأضحيت كالغراب تحلق في سماء ليست لك تعشق أشكالا, وأنواعا من الطعام .. فتتحسس جيبك وتجده مثقوبا .. وان تلك الفرنكات الصفراء قد سقطت بينما كنت تمشي وأنت حافي القدمين ..
من منكم يا جماعة نام وفي بطنه قطعة خبز يابسة ؟
هي مسروقة ان وجدت في بطن أحدكم ..
من عادة أهل هذه المدينة الصفراء أنهم ينشرون الخبز المتعفن على سطوح المنازل ليتحمص ويطعموا به الأرنب .. وما أشهى اللحم المسروق انه لذيذ جدا..هكذا يردد في خياله ..
المشهد نفسه منذ زمن ليس بالقصير .. أشعة شمس هاربة من السماء كل صباح .. تتمسك بخيوط الهواء البارزة لتجتاح المكان ..تتسلل حزمها إلى جحور الجرذان , والأكواخ القصديرية ..تشرئب أعناق تسعة بشريين .. ثمانية عشرة عينا ترقص للصباح ..في بطن كل واحد منهم قطعة خبز يابسة مسروقة منذ زمن .
- صباح جميل نسمات منعشة تدخل البهجة إلى النفوس .. السحب تتجه جهة الشرق تدفعها ريح غربية .. يقولون بان الرياح الآتية من هناك مفعمة بالأشواق, والسعادة تتخللها رائحة الباريسيات وهن يستمتعن بمنظر برج إيفل ..يشبهنا شحاذات الهوى .. وكأن البرج يمنح لهن ذاك الإحساس المتناغم , والمترامي الأطراف .. فترى العاشقين ينساقون ورائهن كالكلاب اللاهثة دون كلل ولا خجل ...يضحكني أيضا كريستوف كلومبوس حينما قاد أسطوله ليبحث عن طريق إلى الهند وقادته سذاجته إلى العالم الجديد ..دون أن يعرف بأنه قد اكتشف عالما جديدا .. كان مثيرا للشفقة, وأشبه بشحاذ يطلب التوابل ,والذهب من رحم الأرض ..
حينما ينسج الليل قميصا للنهار .. في كل يوم كان الرجل المتسخ , والمرقع السروال.. ذو الشعر المنفوش .. على أتم الاستعداد لينطلق في رحلة جديدة من رحلاته مع قطع الشوارع ,والأزقة المحفورة .. المتناثرة هنا وهناك .. خرج من جحره القصديري كثعلب إفريقي .. يحصد قطع الشوارع بقدميه الملوثتان بالتراب .. يندب حضه اللعين .. ويلعن الزمن الغدّار.. كم كان يتمنى أن يكون له بيتا مطلي بالصاروج .. يحاول أن يبدد النار المشتعلة في جسده .. فينظر إلى السماء بنظرة ثاقبة وكأنه يتحسس جيوبها .. علّها تمطر ذهبا , أو فضة , ويصبح من اثرياء العالم .. لكن لا شيء يحصل من هذا القبيل .. فزمن المعجزات ذهب مع أصحابه.. يلعن حضه من جديد ويستمر في حصاده المضني ..قادته آلة الحصاد إلى شارع الجوهرة .. ارتمى أمام عينيه الجاحظتين تاجر ذهب , يرش محيط حانوته بالماء البارد, لتتنفس الأرض من حوله , وتجذب له زبناء كثيرون ..التفت التاجر إلى الوراء سمع قعر نعال خشن وجد أمام عينيه جثة هزيلة .. غريبة على هذا الشارع المتلألئ بالمجوهرات ..مد المتسخ يده في صمت جارح .
- أعوذ بالله من سخطه .. طلاب في هذا الصباح الجميل ؟ لعنة الله عليكم لقد انتشرتم في الأرض وأرهبتم الزبائن بمناظركم الشنيعة..
هيا اغرب عن وجهي .. لقد عكرت مزاجي عن العمل .. ولا أريد أن أرى وجهك بعد ألان ..
اسمك عبد الحميد الشحاذ . ..
سنك لا اعرف لست مدونا عند ظابط الحالة المدنية ..
لديك سبعة أولاد.. وأمهما.. يحتاجون إلى قطع خبز مسروقة يوميا حتى تظمن حياتهم
مستواك الدراسي .. حصلت على شهادة الثانوية ..
من أخبرك بمهنة التسول ..سمعت ذلك من إذاعة تابعة لوزارة الشغل ..
يلتفت إلى اليمين ثم إلى اليسار .. يجد نفسه لم يقطع من المسافة ما يوفر له قطعة نقود .. يحزم أمره إلى شارع أخر غير بعيد عن شارع الجوهرة . يقال له شارع العطارين .. وكله أمل أن يحصل على حفنة نقود من هذا الشارع . يمد يده إلى هذا طالبا .. والى الأخر شحّاذا.. والى هناك متسولا .. لعنة , وبصقة مشرئبة , وشتيمة ..حصاد شارع العطارين .. بعض المتسوقين يمسح يده بدرهم أو نصفه .. يعود ليزرع ما حصده من شوارع .. مخلوق نحته الزمان على أنغام الفقر ..وجعلته تحفة فنية في متحف الغرباء .

قصة قصيره ( تضحية وحب)

التفاصيل
كتب بواسطة: عبد الله الكباريتي
نشر بتاريخ: 15 مايو 2001
انشأ بتاريخ: 15 مايو 2001
الزيارات: 17

لم يمر الوقت على سفري ، ألتقينا سوياً جانب القطار كانت اجمل أنثي تدخل

تلك البلده الواقعه على شاطئ الرمال القريبه من جبال جفت صخورها من صيف لا ينتهي ، كان وشاحها مختلف عن الاخريات يشبه نهاية الصلاه وثوب جدتي ، يشبه غيوم السماء اذا غضبت وبكاء طيور العنقاء اذا هجرت

للحظه أخذتني الفطره للنظر اليها كانت نظراتها تتنقل بين عربات القطار ،كدت اشك بأنها تنتظر احد ولكنها تقف فى صالة الانتظار اقترب القطار واقترب موعد الرحيل وحان موقف الماضي لهذا اللقاء ، كانت مرتبكه تنظر بحذر وتراقب الماره من حولها ، نظرت الى ساعتي كانت الساعه الثالثه وخمسه وعشرون دقيقه .

هذا الوقت ذكرني بشيء أحسست به من قبل شيء يعني الامراءه الثالثه فى حياتي  وخمسة وعشرون عاماً مضا على وجودي انتقلت استرق النظر اليها التمس من اليخال خصله ومن جمالها الحان اصنع منها مذكرتي اليوميه

كانت تختلف بقومها عن الانثي الشرقيه وشعرها عن سيدات الغرب

جميلة الابتسامه فعندما مر من بين اقدامها احد الاطفال يلهوا مع اخر ابتسمة

املة المكان حينها بنسمات اشبه بنسمات الربيع اخذت بوشحها ليطير شوقاً مع برائة ذلك الطفل كانت الابتسامه اشبه برائحة الجوري والريحان  سحرتني تلك العيون بريقها يشبه ابتسامة الملائكه حين الصلاه

لا وصف لها ولا مكان سيجمعنا بعد ذلك هكذا اعتقدت ولكن تحركت داخلي سلطات اقوي واعلي من سلطة العقل واخذت تبث  بهمس لي برسائل عنوانها حدثها ولا تفوت الامر

كان المكان قريب جداً فلا يفصلني عنها سوا تلك الطريق بأتجاهين يمر من خلالهم القطاران واحد يسافر الى مكان ما والاخر يحمل اخرين الى بلده يعيش بها اهلها منذ الازل ولكنهم غرباء عنها

اصبح مزعج ذلك الصوت فكلما اقترب القطار احترق شوقاً كي يتوقف الوقت

كي لا افقدها ، كم بحثت عن اخري تعيدني الى سابق عهدي وتوقظ بي الحب ، رأيت بها تلك التي ابحث عنها أحسست بأنني اتحدث اليها بالغة العيون اقتربت من حافة الطريق والجميع من حولي ينظرون الي تقدمت حتي نهاية الحافه لم يتبقي سوا القليل ويصل قطار الموت ويأخذها مني

القيت نظره خاطفه الى اليمين واليسار حتي اطمئن جانب الخوف بداخلي واقفز الى الطريق وانتقل الى المكان المقابل هممت وايقنت ان الوقت يداهمني حتي عجزت عن التحمل والصبر القيت بفكري للخلف واقسمت انه الوقت المناسب كي يتغير كل شيء

دمي وحلمي كلاهما متصل بالاخر ، قد تنتهي الاحلام ولكن حينما نتأكد من اقترب موعد الموت لم اعهد تلك العيون فأخذتني الى الموت والاقتراب مما هو ممنوع دوماً ، قفزت الى الطريق مسرعاً وانتقلت الى المكان الاخر من صالة الانتظار  الان اصبحت بجانبي ولكن نظرات الجميع تشملني تتسأل لما فعل هذا

تقدمت وقدمت نفسي لها تاركاً خلفي الاخرين ينظرون لي بدهشه والبعض بسخريه لم تنظر لي ولكنها رحبت بي وقالت بهدوء هل تنتظر القطار ام انك  من الماره ارتبكت ولكني اخبرتها أنني عائد من سفر بعيد وهذا موطني فسألتني وما اتا بك الى هذه صالة الانتظار للمسافرين وليس للقادمين

غريب هذا السؤال اشعل بداخلي نيران كادت أن تحرقني ، ولكن صوت القطار اقترب اكثر وتوقف من بعيد حتي وصل ادراجها

قلت لها انني احببت ان القي التحيه واخبرك بأعجابي بك

قالت شكراً لك هذا لطفاً منك سيدي

قلت لها انني سعيد جدا بالحديث معها والتعرف عليها ورأيتها

قالت وانا سعيده ايضا بهذه المعرفه

لم يتبقي الا ثواني لرحيل القطار ، قالت لي هل انت ذاهب الى الان

فموعد رحيل القطار قد حان اخبرتها من قبل انني عائد من سفر بعيد ولكنها لم تكترث لذلك تعجبت من ذلك ولكني اجبت على سؤالها لا اني عائد ادراجي الان فهنا بيتي

قالت لي اذا اسمح لي سأذهب فالقطار لن ينتظرني

تأججت بداخلي ثوره وغضب ، هل ما فعلته لم يحرك بها ساكن

ولكن .....حينما القت عليا التحيه وتقدمت الى باب القطار

أتاني احساس غريب ، لم تنظر الى طوال الوقت حتي وهي تحدثني هل هذا غرور وكبرياء الانثي ام انها لم تكترث لي ويسكن الحب قلبها قبلي

ما هي الا ثواني او ثانية واحده تغيرت فيها كل الافكار واختلفت كل الموازين

حينما اقتربت من الباب وضعت يدها على الباب واخذت تتحسس المدخل

هل هي ............. لم تسمح لى نفسي بقولها

لقد كانت فاقده النور فى بصرها لم تراني ولكنها كانت تشعر بي اعلم ذلك

اقتربت منها وكانت الدموع تنهمر من عيونها اخذت بيدها وادخلتها القطار وجلست بجوارها وسألتها عن سبب البكاء فقالت

كم اتمني ان اراك فى الضوء .... عندي شعوراً  غريب تجاهك

اعرفك واحسست بك من قبل وسمعت صوتك ولكني لا ارك سوا صوره

ارسمها فى مخيالتي لك

قلت لها يكفيني هذا الاحساس فلا تبكي يكفيني جمال الحب فى قلبك 

 ومر بنا قطار الحياه

 

الضرة

التفاصيل
كتب بواسطة: سعد الوردانى
نشر بتاريخ: 11 مايو 2001
انشأ بتاريخ: 11 مايو 2001
الزيارات: 18

قصة قصيرة....الضرة.
يخرج القطار عن القضبان...يحدث ضجة وصخب كبيرين
انقلاب وانفلات ....لم تكن تحسب حساب ذلك اليوم الذى
يدوس زوجها بقدميه تلك الطقوس اليوميية..من قبل كانت
تحس بالأمان ...رغم انشغالها عنه بعض الشئ ..فالبيت
والأولاد يحتاجون إلى مجهود كبير ...تشعر بالندم لأنها
لم تعرف كيف تملأ عليه أوقات فراغه ...تحدث نفسها :
لابد أن أبدأ معه صفحة جديدة ...أعطيه المزيد من الرعاية
والاهتمام ..ضرتها تسيطر عليه ...تملك عليه شعوره ...
يقضى معها أوقاتا ليست بالهينة ..ماذا تفعل لتجذبه نحوها
من جديد؟..لتبعده عن تلك الضرة التى ظهرت فجأة فى حياته
ووقفت حجر عثرة فى طريق سعادتها ...تشتكى إلى إحدى
زميلاتها فى العمل ..اقترحت أن تجلس معهما وتتكيف مع
الوضع الجديد وتجذبه نحوها فى هدوء ودون صدام رويدا
رويدا ..تشمر عن ساعديها ...تمتشق جواد الرعاية......
ترتدى أبهى الملابس...تقدم له أطباق الحلوى مصحوبة
ببعض أنواع المشروبات الغازية التى يحبها..رسمت على
وجهها ابتسامة كابتسامة الموناليزا لدافنشى ..كلمات الإطراء
التى توجهها إليه تدغدغ مشاعره التى خيل إليه أنه نسيها
بينما هو يداعب ضرتها ويقلب صفحاتها بالماوس الذى تعانق
ويده اليمنى فى قبلة طويلة....نجحت فى تحديد ساعات الجلوس
مع ضرتها...ساعتين فى اليوم...بينما يعود القطار ليعاود السير
من جديد.

أشياء ضائعة

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد إبراهيم محروس
نشر بتاريخ: 09 مايو 2001
انشأ بتاريخ: 09 مايو 2001
الزيارات: 15

أشياء ضائعة " بقلم : محمد إبراهيم محروس


استيقظت مبكرة علي غير العادة جمعت حاجياتها في حقيبة صغيرة أغلقتها جيداً فهي تعرف ذلك العيب البسيط في قفل الحقيبة الذي يجعلها قد تفتح بغتة، وتتساقط أشياؤها منها وقتها قد تخاف ضياع أحداها في زحام الطريق، تأكدت من إغلاق القفل جيداً حملت حقيبتها بيدها شعرت بمدى ثقلها بين يديها، كم تحمل تلك الحقيبة من ذكرياتها الممزقة، تحمل فيها أوراق طلاقها.. خمس سنوات مرت عليها في ذلك البيت وكانت تظن أنه ليس بمقدرته أن يطلقها مهما كانت الأسباب، ولكن خمس سنوات زواج مرت بحلوها ومرها ولم تستطع هي أن تنجب له ولي العهد كما كان يطلق عليه دائماً.. خمس سنوات حائرة، واغرورقت عيناها بالدموع، كيف تركها هكذا.. خائرة القوى ليس لها مكان تأوي إليه، فهي مقطوعة من شجرة كما يقولون.

طفقت صورته في مخيلتها لتحتل كيانها كله، كم كان شرها في طلباته وأوامره، ولكن الإنجاب ليس بالأمر، أنه قضاء الله ( عزّ وجلّ ) وهي ترضى بقضائه.

تفصد جبينها العرق أثر المجهود الشاق الذي بذلته في جمع أشيائها، تلك المزهرية هي من أوّل الهدايا التي تلقتها منه أيام خطوبتها، كان أبوها آنذاك ما زال علي قيد الحياة، شعرت بحنين إلي الماضي كم تقتقد والدها الآن، ليس سهلاً عليها أن تطرد هكذا من حياة زوجها، وصلت إليها ورقة الطلاق أولاً ثم تبعتها تلك الورقة الملعونة التي أعلمها فيها إن عليها أن تترك الشقة.

صدمتان في الرأس.. استقبلتهما هي كما كانت دائماً بالهدوء والراحة لم تحس بطعم المر كما أحسته ساعتها.. أخبرته في الهاتف أنها تحمل قائمة بمحتويات المنزل قال لها لا يهم فلتفعل ما تريد، فلم يعد يهتم بتلك الترهات.

الآن لم يعد يهتم بعد أن وقفت بجواره كل تلك السنوات حتي استطاع أن يقف علي قدميه ويصبح له اسم في السوق، ويعد الآن من رجال الأعمال المعروفين.

قال إنه سيتزوج، ليتزوج لن يجد من تعوضه حنانها وخوفها عليه، كم أثقلها بالألم والحسرة.

اندفعت دموعها مرة أخرى لتغرق مآقيها، جففت دموعها وتأكدت بأن الشيالين قد نقلوا كل ما أرادت نقله.

رأت صورة فرحها تحتل إطارا ضخماً في حجرة المعيشة.. ضحكت لتترك تلك الصورة للعروس الجديدة لتغيظها, وتغيظه خرجت من الشقة, وتركت بابها مفتوحاً ولم توصده عندما لمحت علي السلم أثاث العروس الجديدة وهو يصعد ابتسمت في يأس وتركت حقيبتها لتستقر بجوار الباب المفتوح وتتساقط منها أشياؤها الضائعة.

الرحلة

التفاصيل
كتب بواسطة: عطية صالح الأوجلي
نشر بتاريخ: 07 مايو 2001
انشأ بتاريخ: 07 مايو 2001
الزيارات: 13

الرحلة...

 

(1)

دارنا العتيقة والباردة ، كانت على غير عادتها ، تتوهج من الدفء. رائحة البخور تنبعث من كل مكان لتختلط بدفء المشاعر وبسرد الذكريات والتساؤل والانبهار. الكل يتأمل ويسأل ويتحدث.
الأعين ، الأيدي ،الأنفاس ، المشاعر.. كلها تتدفق وتتقاطع لتخلق ألفة لا يعرف لذة طعمها إلا من شد الترحال إلى غربة .. ثم عاد لأحبابه.
البيت .. في حالة استنفار شامل .. حلويات، شاهي، قهوة .. فطور، غداء، عشاء.... سيل لا ينقطع من المودة والحبور.
أمي تجلس على كرسيها العتيق جوار النافذة .. تلازمني عيناها أينما تحركت وكأنها تخشى أن تطرف فأغيب.
أبى في قمة الانتشاء والافتخار ، أبنه "الدكتور" الذي يعمل بالخارج قد عاد . يسترق النظرات بعيون ارتسمت فيها رقة وباحت بالابتسام....
أخي الصغير الذي لم أشهد ميلاده .. يطبق بيديه اليافعتين على يدي اليسرى بقوة.
هكذا هي الحياة ..النشوة في الغربة ... والأمن في الألفة ...
وحده لم يأتي ... وإن كان معي ، يسكنني منذ رحيلي الأول ..
أنه شيخي .....


(2)


الجامع العتيق .. بقبابه الطينية . يتنسم عبق التاريخ... تخفق نبضاته عند كل فجر.. فيؤم الجوامع .. وينسج معها ترانيم عشق إلهية تردد صداها زقزقة العصافير وصياح الديكة .. كل العصور مرت من هنا .. وحدها باقية هذه القباب .. وباقي أنت يا شيخي..
سألته..
مولاي
قلبي يريد "النور"
عقلي يستجدي "المعرفة"
فدلني .....
فالدروب فقد استعصت علي...
و " سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا".
فقال وهو مطرق..
"أصمت لينطق قلبك. أغمض عيناك لترى...و لا تبحث لتجد"


(3)
قبلت يده الكريمة وجلست جواره وسألته...
من نحن يا مولاي..؟
قال بهمس مسموع وعيناه تتبسمان..
- نحن .. الأشياء كلها .. ونحن... لا شيء
نحن الشيء وضده
نحن الحقيقة و الوهم
نحن الحياة والعدم
نحن الفجور والتقوى
نحن نور لا نراه إلا إذا أغمضنا
فهل ثمة ضوء لا ينبع من العتمة؟......
وقال:
"هناك أمور لا تستطيع أن تتعلمها بالكلمات ولكنني سأحاول...
رجل ذهب للنوم .
فحلم بأنه فراشة تطير ..
تلهو بين الأشجار والنباتات ..
يغازلها النور فتقترب جذلانة متراقصة ..
يداعبها الهواء فتأنس في كفيه الحانيتين ..
انغمس الرجل في رقصه...
انغمس حتى نسى نفسه..
وعندما استيقظ في الصباح لم يعد يعلم..
هل هو رجل كان يحلم بأنه فراشة أم أنه فراشة كانت تحلم بأنها إنسان ؟"
فهل تعلم أنت من أنت ؟
غادرت خلوة شيخي ...
وفي الصباح التالي ..
رحلت يا مولاي ..
قدرت أن بُعد المسافات يجلي البصر.. وأن غياب المألوف ينير القلب
و أن الغربة ستهدى لي معارفها..فرحلت .
و عرفت مشقات قاسية ومكابدات عسيرة ..
سنوات أنقضت ...
احترقت فيها بالتساؤل ..
وأدمنت خلالها التأمل ...
وعرفت أن القرب في البعد
وأن شدة الظهور الاختفاء..
كل ما لاح طيفه ..دعوت له بالسلام والرحمة..
وتذكرت قوله ...
" كل مواعظ الأرض لن تدلك على حقيقة لازال قلبك غافلا عنها .
فأصمت لينطق قلبك. وأغمض عيناك لترى...و لا تبحث لتجد"
_________________
عطية صالح الأوجلي
كاتب وقاص من ليبيا
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لأني رفضت عشقها

التفاصيل
كتب بواسطة: زينب منصور
نشر بتاريخ: 02 مايو 2001
انشأ بتاريخ: 02 مايو 2001
الزيارات: 14

لأني  رفضت عشقها

 

 

          لابد أن كرهي للنساء لم يكن شيئا قد نشئت عليه منذ خلقي.... ولا طبعا ورثته عن والدي....ولا حتى كابوسا استيقظت فهكذا وجدت عليه نفسي...

بل هي امرأة..... امرأة واحدة كانت كافية لتحرق كل أوراق النساء من حولي.... ألقتني في عوالم الظلام كما تلقي السفينة الفاسد من حمولتها ليغوص في عمق أسرار المحيط.... أسدلت على عالمي ستارة النهاية قبل أن تحين، لأؤدي ما تبقى من مسرحية شقائي أتخبط في سواد... بعد أن شردت أحلامي و أجهضت آمالي.

        حين قررت الحرب....خاضتها دون أن تعلنها.... و بعد النصر، ها هي تزيح ما علق من غبار المعركة عن كعب حذائها، لتسير بعدها بخطوات واثقة لعل ضحية أخرى كتب لها الشقاء على يدها.

         سنوات مضت.... ما زلت ذاك الإنسان الشقي المجرد الهوية... أراني سائرا دون هدف.... خطواتي و كأن الأرض من تحتي ما عادت تألفها، فباتت معلقة على مجهول.... و فجأة أتوقف هنا.... هنا حيث جامعتي....هنا حيث درست و تعبت... هنا حيث سهرت و تفوقت... هنا حيث أقسمت... أقسمت على  شرف مهنتي، طبيبا يقدس الروح البشرية، سخره الله ليعالج أجسادا تتألم و جروحا تنزف و قلوبا كادت تتوقف.

   و ها أنا الآن أنزف و أتألم... أصارع إرادتي لتتقبل الحياة... أبحث من حولي لعل هناك من ينقذني.... فلا يزيدني البحث سوى ضياعا و استسلام .

كل شيء في جسدي يستسلم و ينهار... كل شيء من حولي يتلاشى و يموت... ما تبقى عندي سوى تلك الذاكرة اللعينة التي ما فتئت لا تكف عن ملاحقة أشباح الماضي، تجتر ذكرياته بتفاصيلها... فأحاول الهرب منها... أحاول الابتعاد عنها... لكنها تحاصر مخيلتي... تلفني في غيبوبة من الظلام لأعيش تلك النوبة الشيطانية... فلا أعود أرى سواها... أشعر أن أنفاسي تتقطع و دقات قلبي تتسارع... ذكريات الماضي... ها هي تتدفق في دماغي كسيل من بركان هائج، تذيب كل ما سواها لتخلي المكان، فإذا بالصورة واضحة، و المشهد يعاد من جديد:

 

       كعادتي في الصباح، جالسا في غرفة الأطباء، أشرب قهوتي مع الزملاء " الرجاء من الدكتور ماهر القاسم التوجه إلى غرفة العمليات" هذا نداء لي. وضعت القهوة جانبا و توجهت إلى غرفة العمليات لأجد الطبيب الجراح ينتظرني... أخبرني أن حالة المريض جهاد تزداد سوءا ، و الحاجة ملحة لإجراء العملية اليوم.

      و على الفور تم تجهيز غرفة العمليات، بينما أعد أنا جرعة التخدير اللازمة. أدخل المريض الغرفة... بقيت و إياه لوحدنا.... سألته عن حاله وكيف يشعر، و قدا بدا فعلا عليه التعب.....  بعد لحظات سمعت صوت ضجة عالية في الخارج.. أناس يولولون ... ماذا يحدث؟؟ بدون وعي مني تركت المريض مخدرا وحده و خرجت.... طرقات الكعب ذاتها التي تلاحقني ،ها هي تمر من جانبي.... حريق في الخارج... أحدهم يقول ماس كهربائي.. والآخر يقول أنه بفعل فاعل... و آخر و آخر.... تمت السيطرة على الحريق بسرعة.

         تذكرت المريض.... عدت إليه مسرعا... طرقات الكعب ذاتها... لكنها تمر مسرعة هذه المرة حتى كادت تصطدم بي.... لابد أن الدكتورة ماجدة كانت بجانب المريض بينما غادرته لأرى ما يحدث.

 

      اجتمع الأطباء لإجراء العملية و عدت أنا إلى غرفة الاستراحة... هي عشر دقائق التي مضت أو ربما اقل. " الدكتور ماهر القاسم فورا إلى غرفة العمليات" شيء غريب يحدث، طبيب التخدير يستدعى مرة أخرى إلى غرفة العمليات . أسرعت على الفور لأفاجئ بالأطباء وقد اجتمعوا يحدقون بي .... اقتربت و سألت " ماذا يحدث؟؟ لم تحدقون بي هكذا؟ كيف كانت عملية جهاد؟ هل..."

" جهاد توفي"....

 " توفي!!! كيف؟ متى حدث و...."

" لابد أن الحريق و ما حدث جعلك تفقد صوابك  لدرجة أن تعطي المريض ضعف جرعة المخدر.... ضعف الجرعة يا قاتل!!!!"

 

قاتل... ضعف جرعة المخدر...جهاد توفي.... كلمات هوت على مسمعي فما عدت أسمع سوى أصدائها تتردد في عالمي المظلم....

       عاصفة هوجاء التفت حولي فبعثرت أشلاء روحي.... نيران جهنمية اندلعت فأحرقت رماد نفسي.... أفكاري ابتلعتها دوامة لا نهاية لها... أنفاسي و كأن غصة وحشية اعترضتها..... و طرقات كعبها تدق كالطبول في عقلي... تدق و تدق... و بعدها أنهار بجسدي فما عدت أشعر بشيء.

 

       وحان وقت المحاكمة.... لا بل حانت ساعة الانتقام... أنا الآن أمثل أمام القاضي محاطا بقفص الاتهام.... محاطا بنظرات الاحتقار... تماما كالتي توجه  لأي مجرم قاتل...

            وتبدأ المحاكمة... كل الأدلة تشير ضدي... الحريق و ما أحدثه من ارتباك لي... لا أحد سواي في الغرفة حين قمت بالتخدير... ولكن مهلا... هي أيضا كانت هناك... ألم يسمع أحدكم طرقات كعبها؟؟ هي أيضا دخلت غرفة المريض... أقسم أني رايتها....

      الدكتورة ماجدة تتفضل للإدلاء بشهادتها....

" هل فعلا حصل و دخلت غرفة المريض وقت الحادث كما يدعي المتهم؟"

" لا" بكل كبرياء.... عادت و طرقات كعبها تحطم سكون المكان كما تحطم آخر دليل لي بالبراءة...

          لحظة إصدار الحكم..." حكمت المحكمة حضوريا على المتهم ماهر القاسم بإيقافه عن ممارسة مهنة الطب وبسحب جميع الشهادات و الأوراق العلمية التي تثبت هويته كطبيب... رفعت الجلسة."

 

     واختفت الحياة.... وضاعت روحي في سراديب القهر و الظلم... غادر كل شيء و بقي الحكم....

     قبل أيام جاءت عارضة علي حبها.... فاتحة لي قلبها... قبل أيام رفضت عرض حبها... كسرت قلبها.

لم أكن ادري أن المرأة حين تعشق... تعشق إلى هكذا حدود... و حين تقرر أن تثأر لا يطفئ نيران ثأرها ماء البحار ولا السدود...

قبل أيام قتلت حبها... واليوم حان موعد ثأرها... فقتلتني...لا... بل قتلته و قتلتني و السبب لأني رفضت عشقها.

 

 

    الاسم: زينب منصور

   فلسطينية اقيم في الأردن

العمر: 21 عاما

طالبة لغة انجليزية في الجامعة الاردنية 

 

 

      

 

 

ايقاع الخروج

التفاصيل
كتب بواسطة: اشرف الخريبي
نشر بتاريخ: 27 أبريل 2001
انشأ بتاريخ: 27 أبريل 2001
الزيارات: 14

ايقاع الخروج
وكنت كلما اقتربت من نقر أصابعي فوق الباب يزيد ارتباكي وقلقي. حرصت أن يكون الدق خفيفا وأقل من لسع البرد في ظهري.
قلت: سأحكي كثيرا..

لملمت طرفي السويتر وأقفلت السوستة إلي أعلي قمة في رقبتي.. كدت أفر إليها لحظات كثيرة بعد هربي من كل سنوات عمري الماضي. أعود إليك حد الأحلام والدهشة والتفاصيل الذكية الصامتة , أو هروب من حالة الجمر والتوهج في سراديب عتيقة . أترصد اللحظة وأخبو مع تراكم وعيي بالسعادة المطلقة , وأجيج الانتظار الذي يأخذ شكل الانتحار أحيانا . انفتح الباب وزام .

مساء الخير .

جاهدة تحاول إخراجي من إعياء الذاكرة , أهرب من تقمصي لحالة الرجل البارد . ومن قبض الانتظار في صحراء التذكر

ملامحي تغيرت عن أيام زمان وشعر ذقني الكثيف نابت دون نظام وهي تضم أطراف القميص الحرير , وتعصر التشابه الممكن . أنتقل للخواء وأخفض نطري للأرض .

الأستاذ محمد موجود ؟

التقت عينان باهتتان بطواحين صمت , وهي تمر بعيونها من أطراف شعري المنكوش حني ساقين ذابلتين , ودهر يمر بلا كلمة واحدة سوي سؤال عن الاسم

أردت لو أحكي لها , أحكي نفس الحكاية عن المظلومين .

وحدي تخطيت عتب الباب ووجهت وجهي ناحيتها وهي تشير باتجاه الصالون , بحذر جلست , وشددت قدمين باردتين لطرف الكنبة الفخمة الكبيرة . كان المكان شبه دافئا , ومغلقا كان نظيفا ولامعا .

وساعات طويلة أبكي بلا وجع ويلتبس الحب بالموت في زمني

وألهو . أحب كيفما أحب وأظل في تلك المساحة القاهرة الفزعة , بين مداعبة الريح والروح التي تهرب مني وتتركني للصمت والنزيف الهادر كموج البحر. أتقهقر للوراء في نفس ذلك اليوم . أرتد بدائيا يعيش في مجاهل الصحراء , أبحث عن ملاذ لراحتي وراحلتي . أري كل شيء منتبها في ذاكرتي واقفا كالصخر . أري صورتي وحزني وجسدي الخاوي وتضيع أذني في متاهة ما أري . تختلط أصوات علي ألوان علي كلمات في الذاكرة البليدة . استغرقت في إثارة الود القديم متفاديا كل ما أزعجني . فقط كنت سعيدا باسترجاع بعض اللحظات . حين جاء مرتديا الروب الثقيل وفي فمه السيجار , هممت واقفا , سلم علي بطرف يده , ورسم فوق فمه ابتسامة باهتة
كان الهواء بالخارج باردا , وأنا أحاول القبض علي أصابعه الغليظة .

كنت أنوي أن أحكي كثيرا عنها .. تلك التي ملأتني بدفء .

وراحت بعد وقت قصير . الوحيدة القادرة علي استبقاء قلقي في صدرها . تعهدتني بابتلاع الأرصفة والزحام والتفاصيل والحيرة، أهدتني الصمت والعصافير الملونة ثم مضت ..
- اجلس
ارتخيت ببطىء شديد فوق كنبة حارقة وواسعة .
أرغمتني علي وضع الابتسامة الخجلي في محاولة لشرح حالتي دون كلام كثير .
- أخبارك ؟
انمحت أداة الاستفهام وبقي السؤال مرعبا ,
لم تعجبني الصيغة المكررة
تململت من مكاني وعدت واعتدلت زاحفا للإمام وهيأت نفسي أن أحكي أية حكاية وضع ساقا فوق الاخري ووجهي يميل منحرفا عن الابتسامة التي صنعتها أيامي , حين أعود كليل ملتهب للخواء وفترات القشعريرة وتجرفني الأيام الخاوية فوق بلاط عار تكتمني رائحة البول وفساد الهذيان وعرفت جانبا للمظلومين لا ينمحي وأخر مشع للظالمين لا ينمحي أيضا . وراء أبواب من حديد صحوت قابضا علي شجاعتي وهو يسأل عن أولادى
أدهشتني قمة اليقظة , كان فمي مرا ولساني أعورا لا يقوي علي النطق وحكاية قديمة أردت أن أقول كلام قديم يتناكح مع الصمت ويتركني . كان باردا كالشتاء فخما كثور كبير .
وكنت الوحيد الباقي مما مضي , باق دون بيت أو فراش .
قالت : نجلس في الحديقة حتى الصباح .
أنا وأنت وزهور ساهرة وقصة تكتبها لي وحدي .
كنت لا أعي شكل التفاف القلب , افترضت الفرح والحلم الشتاء الجميل وقبض الذاكرة .
قالت : نذهب لمكان بعيد جدا , نداعب الشارع والرصيف
نركب قطار حتى أسوان ليلة واحدة ثم نعود ونركبه في الرجوع وفي العودة
لماذا نسأل عن أسباب التيقظ . لأني أحبك ألف عام دفعة واحدة ..
هل تعرف .. ثم مضت .
صمتت كل هذه المدة الطويلة , والحارات تطن طنين النحلة في الخلية ويظل الكائن الذي يسكنني كعفريت من الجان .
أتابع الألوان والضوء والظلال والمطر
الأرصفة والزحام .ويمر ما يمر أمام عيني وساعات طويلة أبكي بلا وجع ,وتهرب روحي من أحضان جسدي الخاوي وتتركني وحدي دون انتظار وأظل غير متصل وغير منفصل في تيه .
لا علاقة لي بكل ما مر من ساعات طويلة , استعنت بالغيبوبة لسقوط كل شيء
وقلت سأحكي كثيرا .
دخلت تحمل صينية الشاي , لم تسألني ولم أشأ أن أسألها . تذكرت البرد والكلاب الضالة والمخبرين , حركت لساني وابتلعت ريقي . صعدت التفاحة الآدمية لأعلي ثم انخفضت بصعوبة .
كان وجهه بليدا , وكان وجهي ساخنا وجسدي باردا . نظر الي بعينين باردتين وقال : الشاي برد !!
صممت أن أرفض الشاي , كان يوما خرافيا بلا شمس ولا قمر ولا شجر ولا جدران ولا حزن ولا فرح غير هروب وشرود وتشرد محصور في الظلال . وجسد يتساءل عن حصار الروح وروح تسأل عن حصار الجسد جسد برونزي نحاسي كإلة النفخ , كالتيه , كالصحراء ..عينان مثبتتان بلا قاع ولا مجري للعيون وأظل شاردا .

ساعات طويلة أبكي بلا وجع، أري كل شيء نابتا في الذاكرة .
صممت أن أرفض الشاي نسيت الحيرة واللون والمساحة وحبات المطر . تدحرجت من أمامه ومن أمامها , مشيت في شارع في بيت عتيق مرتجفا أفر لحنان غريب . كان صفير الهواء أكثر شوقا من مساحات صوته المزحوم بالسعال .

مؤتمر نسائي

التفاصيل
كتب بواسطة: موسى حجيرات
نشر بتاريخ: 27 أبريل 2001
انشأ بتاريخ: 27 أبريل 2001
الزيارات: 14

مؤتمر نسائي

كنّ يركضن ثم ّ يهرولن ثمّ يركضن ثم ّ يهرولن حتى يصلن... يقفن أمام اللافتة الكبيرة "مؤتمر نسائي"... يدخلن من بوابة مفتوحة على مصاريعها... يفاجأن بالحارس الذي أحكم جلوس مؤخرته في كرسي بلاستيكي اصفر وانسكب نصفه العلوي جانبا ولم يصل إلى الأرض بعد... فغر فاه وأطلق لسانه ميتا كلسان بعير... حملقن به... ابتسمن ثمّ ضحكن بخجل ودخلن وإذا هنّ بأعلى مدرج ينتهي بمنصة ترقص بعريفة متناثرة الشعر... نحيفة هزيلة كأنّ لها ردف واحد... أين الآخر... هكذا الحداثة والـ"موديرن" والموضة... وحين استدارت أيقنت أنها نسيت كليهما في البيت فاستحييت لعظم ردفيّ وكأنّي خطأ أحضرت ردفيّ أمّي.

أمّا أنا فجلست بينهن... لم تكن القاعة قد امتلأت... أمّا نساء المنصّة فكلهنّ حاضرات... توحي أشكالهنّ بالحريّة والانطلاق... فلا مراقب ولا ناقد ولا مرآة في البيت. شعورهنّ كالخنافس البريّة الكسولة قليلة العناية بأنفسها... عيونهنّ ناعمة سوداء بين أجفان ترزح تحت ثقل المساحيق الخضراء والزرقاء والملعونة. خجلت من نفسي فلا مساحيق لديّ وزوجي متديّن وماذا أفعل؟... فكرة... رأيت وأنا داخلة قلم تلوين عند الحارس النائم وهذه فرصة... تسللت وذهبت وإذا به ذو لون أسود ولا يفي بالمطلوب فعدت أدراجي... تكومت في مقعدي ووعدت نفسي في المؤتمر القادم سألون أجفاني بمساحيق حتى لو اضطررت اقتراضها من زوجة الشيخ إسماعيل.

عدت أبصرهنّ... نساء المنصّة وأنظر إلى لباسهنّ فتذكرت حديث زوجي... بالمناسبة زوجي متديّن... ويحب الرسول صلى الله عليه وسلم... تذكرت الحديث عن النساء الكاسيات العاريات... تساءلت أين الكاسيات إنّما هنّ العاريات العاريات... امتدت يدي إلى جلبابي الخشن... شعرت أنّ زفيري أطول من الشهيق فأطلقته فانتبهت جارتي وحملقت بي وكأنّي أسأت إليها فتململت في مقعدي وتجمعّت وتلعثمت فتأسفت فربتت على فخذي وقالت: بسيطة. تبيّن انّّي ما أسأت إليها ولكن خالفت الإيتيكيت، هذا الذي لا أعرفه ولا يعرفه زوجي ولا شيخ العشيرة.

جلست أمامي فتاتان في مقتبل العمر، بل في منتصف العمر ولكن الظاهر انهنّ لم تتزوجا بعد.  لم أر إلا ظهريهنّ النصف عاريين لأنّ فتحتي فستانيهنّ اتسعتا عند الظهرين فبان بكل ظهر خط شعيري  دقيق... تخيلت أنّ صدريهنّ مكشوفان كذلك ولكن لم أرهما... كأنهما دميتان في ملعب سمير ابن الدكتور... كانتا تتهامسان... استرقت السمع فقالت إحداهن: أنا أحب الهيبيّ الطويل الملتوي الشعر... لهثت فتطاير لعابي حتى لامس ظهر الثانية فحملقت بي فتأسفت لأنّي خالفت الإيتيكيت الملعون فرمقتني ولم تعقب وبحركة آلية ارتد بصرها إلى زميلتها وقالت: أنا أحب البوي صاحب النكتة... تنهدّت وقلت  في نفسي: والله ما أحب إلا السمين، غليظ الشاربين، كثيف شعر الصدر، يعشش الفأر في شعر عانته، ملتصق الفخذين، إذا أراد قضاء حاجة سافر عضوه التناسلي مسافة طويلة.

ومن غير تخطيط عرفت أني أصف زوجي فلم أعرف غيره. امتلأت القاعة... أشكال وألوان.. عجيبة غريبة.. أصوات... هرج ومرج... وبين الفينة والأخرى ينطلق صوت العريفة مرحبة بهنّ... بدأ المؤتمر فبدأت نساء المنصّة يعرفن بأنفسهن ... أولاهنّ مربعة الشكل قصيرة الثوب. شاحبة اللون... فاتني أسمها الأول ولكن عرفت أنّها زوجة رئيس فشغلت ما تملك حرّة مثلي وقلت: ربّما جهان.  إلى جانبها جلست صفراء كالعنكبوت السام، تقص تسريحة بوي جبينها يتجعد رغما عنها ورغما عن مساحيقها، تترهل بطتيها فوق كعبيها الذين يعتليان مسمارين حديديين يطرقا الأرض حين تتحرك... عرفت أنّها أميرة وربّما ملكة. أمّا الثالثة فتساءلت: هل هي رجل يجالسهن أم امرأة على الموضة لأنّها لا شعر لها مستطيلة الوجه بنيّة اللون عينيها محملقتان وتنورتها تطلب النجدة... عرفت أنّا وزيرة تربية. بين كل تعريف وتعريف كنّ يصفقن بحماس.  وقبل أن انتهين من التعريف... قلت في نفسي: إن كان كذلك فأنا زوجة السلطان قابوس. وتمنطقت جيدا بإزاري  وتحسست رأسي فإذا بي ما زلت أنا ألفت انتباههنّ وحولي تتمركز أبصارهنّ... كلهنّ موضة... كلهنّ حريّة... كلهنّ حطب جهنم... كلهن انطلاق وديمقراطيّة... كلهنّ مساواة، كلهنّ لعينات فاجرات... كلهنّ تسعين لتخليص المسكينات المظلومات زوجات الرجعيين مهضومات الحقوق... كلهنّ يهتفن بالحريّة والتحرر والتحرير ولا علم لي بذلك ولا خبر وأنا افضل منهنّ وزوجي متديّن... تعبق منهنّ روائح غريبة مؤقتة... معظمها من صالونات باريس...  لكني استطعت أن أميّز بين ذلك روائح البصل والثوم والكوبرا التي تتضوع من بعضهنّ ورائح أصواف الأغنام وشعور الماعز وبنينا روزنبلوم ورائحة اللبن والحليب والتراب والفساء الأنثوي العربي الذي يذكرني بهند وأسماء... ارتحت نفسيا... فمع هذه أعيش وأتلذذ. روائح لا تغطيها صالونات الأنوار في مدينة الأنوار. عادت العريفة ترحب بهنّ وحان وقت الصلاة... نعم سمعت المؤذن وزوجي متديّن... انطلقت خارجة دون أن أصل معهنّ إلى الحرية ولا الانطلاق حتى لم أحصل على المساواة بل واصبح زوجي أبو علي أكثر مما كان . 

 

 

القلب على الجدار

التفاصيل
كتب بواسطة: أمير على
نشر بتاريخ: 23 أبريل 2001
انشأ بتاريخ: 23 أبريل 2001
الزيارات: 16

اتفقت معها أن تقابلنى عند مكاننا المعتاد .. صخرتنا ،شاهدنا الحجرى الضخم ، أطلقنا غليها صخرة الملتقى لكنها تأخرت وظللت جالسا على الصخرة ..أمامى بحر الاسكندرية ،زرقة الى ما لا نهاية .. عندما أتت نسيت أنها تأخرت ، جلسنا على صخرتنا . الصخرة غادرت الأرض وطفت فوق البحر ، طفت لأعلى ، وطارت .. طارت فى الأعالى  ثم حطّت فى مكان بعيد بديع ، الجنة أعتقد .. كنا أنا وهى فقط ، فى جنتنا لكنها قامت فجأة .. أمسكت يدى فى حنان ورقة ، اضطرب لها قلبى  وكانت عينيها أجمل بكثير وهى تنظر لعينى ,, لمحت على وجهها حزنا هادئا، وسمها أجمل البشر .. توجّست وشددت على يديها وأنا أسألها  " مالك يا بثينة؟!"  ، نظرت فى عينى ثانية .. توغلت نظرتها فى فراغ غير مرئى حتى نطقت هامسة ، بصوت كرائحة الياسمين .. صوت أنعشنى " حسن ، إنت بتحبنى؟"! .. حسن .. حسن ..حسن حسن الذى هو أنا ، لكنها تنطقه كما لوكان غيرى ، كأنه أنقى ما فيّا  .. وعندما نظرت فى عينيها لأتبين ما تقصده ، يالله ، كأننى أراها منذ زمن بعيد .. كأنما أقابلها لأول مرة .. وددت لو أسلب قبلة واحدة منها  ..حتى أننى لا اتذكر ما الذى قلته  ، لكنها لا تنتظر منى جوابا على سؤالها المباغت ..هى تعرف ذلك  .. أحبها .. كلا ، لا أحبها.. بل إننى هى . الحب هذا بين الغرباء ، بين البشر  ، أما هى فملاك ، أبدا .. لكنها عادت تقول برقتها التى تعذبنى " طب ، اوعدنى إنك حتفضل تحبنى "! .. يا نجمتى ، يا كعبتى ، ماذا أفعل ؟! .. احترت . كنت كالطفل المدلل .. أكانت تداعبنى وتدللنى حقا ! .. ابتسمت لها وضغطت على يدها ، أردها من شطحاتها الخيالية تلك لواقعى الخيالى. لكنها كانت جادة بخيالها وكنت خياليا فى جدى .. " أوعدك ، وخفت .. ارتعبت ، لماذا تقول مثل هذا الكلام .. قلقت من نيتها  ، أعرف أنها تقابلنى بالكاد وأن الظروف دوما لا تقف بجبانب السعادة بل تبغضها وتحاربها ، هل ستسافر مثلا وتتركنى .. كانت لتقول لى ، فكرت فى أن أدير دفة الكلام لموضوع آخر ... أمسكت ذراعها واتجهت لسور الشاليه القريب.. وقفت ساكنة ، تعرف أننى غريب الأطوار ..تقول أنها تحبنى لأجل ذلك "..تدّعى أنك لا تحب الرومانسية وأنت أكبر رومانسى على وجه الأرض " .. أنا فى نظرها رومانسى لأننى غريب الأطوار ..وأنا غريب الأطوار لأننى لا أخجل من فعل أى شىء لأجلها .. وجدته ، حجر جيرى صغير ، كان رطبا من أمطار الأمس ، هكذا لن ينمحى الشاهد أبدا .. سيكون حجة علينا نحن الاثنين .. تناولت الحجر وعدت لها ، وهى لا تزال ترقبنى بعينيها البديعتين .. " لله ما أحلى عيون العاشقين حين يبسمون " ، لله ما أصدقك يا عبد الصبور

 رسمت على الحائط قلبا أبيضا .. قلبا صغيرا ، فى حجم قلبينا معا ، قلبها أكبر من قلبى لكن قلبى أعمق من قلبها وكل محتواها هى  .. رسمت سهما اخترق هذا القلب دون أن ينزف .. الخيال لا يطى الدم لونه الأحمر .. سهما صغيرا استعرته من جعبة كيوبيد ، لا ينقصه سو لونه ، كذلك اللون الذى يغطى سلسلتها الذهبية ة.. لم تخجل منها  منذ أن أهديتها لها فى الفالنتين الماضى .. هى تعرف أهنها فالصو  ، السلسلة فقط .. لونها فقط فالصو ، لكن السهم حقيقى وذهبى .. تكتمل أسطورتنا به .. من مثلتا من البشر الذين يدّعون ؟!
 معذرة يا كيوبيد ، على طرف السهم كتبت أول حرف من اسمها " ب" ، وناولتها الحجر  دون أن أنطق بكلمة .. كنا وحدنا وكان صمتا .. صمتا رائعا .. أمسكت هى الحجر  بأناملها المرمرية  ، وفوجئت بها تكتب حرف " ه" .. هاء من  ؟! هل لذلك معنى أو دلالة؟! .. لكنها ضحكت ، صراحة لقد استفزتنى وغضبت فعلا .." هسن ، بالانجليزية يعنى . يالله ، قالتها بدلال ساحر ، ماالذى منعنى لأتقدم نحوها وأحضنها .. أحضنها بقوة حتى يذوب كلى فيها  ، أن ألتهم هاتين الشفتين ، حتى أذوى .. لكنها تراجعن ربما لتعطينى فرصة لأقترب أكثر .. أمسكت نفسى ، سيجىء يوما لن يمنعنا أى شىء .. ضحكت معها على انجليزيتها ولكنتها المضحكة .. إنها ملاك ، بحق .. كن حائها أجمل من بائى ... أمسكت الحجر ثانية  واشرت كلأستاذ بصاه " ح" .. "ب" ، تبقى ايه ؟ .. لأجل ذلك ولدنا يا غمامتى الحارسة التى تكللنى ، يا قطرات الندى التى تحيينى ، يا سور الزهور الذى يحمينى  ، يا شمعتى الوحيدة التى تنير فؤادى .. لأجل الحب " ح .. ب"  ، مع أنه من حرفين يتيمين ! .. زككل مرة ، كل سعادة  ، لماذا يا ربى نفيق من أحلامنا السعيدة  فى قمة النشوة ؟ .. لماذا ندفع ضريبة السعادة فى النهاية و بعد أن نتشربها ..لماذا تجىء السعادة مقدما دائما ...! هكذا ، طأطأت رأسها  وأشارت ل"الهوم" فى شاشة تليفونها المحمول المهتز .. إننى أكرهه وأكره ذلك الهوم  .. لكنها ضحكت أيضا .. -" حسن ، أنا اتأخرت .. لازم أمشى " .. أعرف ، لكننى لا أعرف .. كما لو أن حجرا من السماء سقط على رأسى
-| طب ، أوصّلك؟ !"
-" ما انت عارف " .. ن طبعا عارف .. وأتمنى أن يأتى اليوم الذى لا أعرف .. ما العيب   فى ذلك ، لا عيب ولا حرا .. با أصفى واسمى فعل فى الحياة والكون كله .. هى تكتب الفاعل وأنا أكتب المفعول ، والفعل نكتبه معا .. جمل ، جملة  .. أرشيفنا الطاهر ، حافظ عليه يا كيوبيد .. حافظ عليه وغلاّ خلعت عنك التاج ....   - ط ح أستناكى بكرة  فى نفس الميعاد .. ح أستناكى العمر كله " .. .. أنتظر  الغد واليعاد .. البحر أيضا أمامى كان سعيدا  ، لم يكن مالحا ن بل عذبا .. البحر تداخل فى كيانى  وهاجت أمواجه داخلى .. سكرانا ومنتظرا
---------
" الكلاب يقولون أنها ... الكلاب لا يعرفون شيئا ، قلوبهم خالية من لاحساس .. قلوبهم ، لا يملكون قلوبا ، بل دمى نابضة ، بل لا شىء .. الحمقى .. القتلة .. لا يعرفون شيئا ... أنا أعرف لماذ يقولون ذلك .. فى منامى حلمت بها ، وفى يقظتى تكون دوما معى وعندما صحوت كانت تقول لى صباح الخير ، وتمشط شعرى وتعدل ملابسى وتطبع قبلة شهية على جبينى
 وبعد ذلك .. أمى ، الجاهلة تقول أنها  .. أنها ... " نثينة بنت عمك محمود ، اللى فى لاشارع اللى جنبينا ، لقوها ... لقوها ..  ! بعدما ولاد الحرام ، الحرامية  سرقوا منها الموبايل والدهب ""! .. كلهم حمقى ، لا يعرفون شيئا .. لا أحد يعرف شيئا ، ما بيننا لا يشهد سوى كيوبيد فى الأعالى .. الحمقى سيظلون حمقى لآنهم قاصرون عن كل احساس .. اليوم سألقاها ، سأقابلها فى نفس الميعاد .. ساقول لها " تعالى نهرب بعيدا عن أولئك الحمقى .. نترك عالمهم الميت المشوه " ، جميلتى ، سأحضنها بقوة حتى لا تهرب منى بعد ذلك .. سأفتح قلبى وأحفظها داخله للأبد .. إنها لا تستحق الحياة بين أولئك الأوغاد .. القتلة .. سأقابلها اليوم عند صخرتنا .. أيتها الساعات الملعونة ، لماذا هكذا تسيرى ببطء  أ أيتها العقارب الكسيحة  ، أننآمرين معه أنت الأخرى .. أووف عليك وعلى من صنعك .. أسرعى أيتها المجنونة .. اليوم سلقانى عند صخرتنا ، سيرون أنها هنا ، أنها معى ، أنها تحبنى ، أنها لم .. سأتحدى الجميع ..
---------------------
 لقد اتفقت معها أن تقابلنى عند صخرتنا .. لم ترد لكننى أعرف أنها ستلقانى هناك  وتعرف أننى سأنتظرها .. وعندما ذهبت وجدتها هناك ، لم تتأخر .. ولم أتأخر أنا أيضا . كان شعرها مبللا  زكانت كأنها انتظرت اليوم بأكمله .. نجمتى ، ما الذى حدث ؟!! .. لكنها لم ترد علىّ .. كانت تنظر لعينى دوما ، تبحث عن روحها فيهما .. جلست وظلّت هى واقفة أمامى .. " لمه لا تجلسين يا بثينة ؟! " .. جلست وبكت  ,.. بكيت معها دون أن أعرف السبب .. قامت وسارت وطارت كالفراشة وعادت لترقص الباليه الذى تحبه ، وغمزت لى .. ابتسمت ، وسارت على الشاطىء ، وداعبتنى بالماء ، وعادت تمسح الماء من رأسى ، وتمشط شعرى .. أرحت رأسى على صدرها وأيقظتنى .. وقالت لى نكتة ، وضحكت معها ,, لم أجد نكتة أقولها .. قلت لها أنهم يقولون أنك .. ،وأنهم ودّعوك اليوم بعد الصلاة ودعوا لك بقلوبهم السوداء وتركوك وحيدة تماما هل تصدقين ذلك ؟ .. أسقطت رأسها ورفعتها ثانية وأمسكتنى من يدى .. وسرنا معا الى السور .. لم يكن شاهدنا موجودا ، أولاد الكلب ، من فعلها ، من محاها ؟! .. مثارا ، بحثت عن حجر آخر  .. رسمت نفس الرسمة .. ووقفت بجانبى تتأملها ..وتضحك وتقول " خطك وحش " ، وأقول لها " عشان حظى حلو " " يعنى ايه ؟ " . " عشان انتى معايا "
 لكننى أحسست بهم يأتون .. المطر نفسه هبط من السماء .. اشتد ، كان يخبط على راسى بكثافة وسرعة .. فردت الجاكت على كتفها ، أحميها من لسع الأمطار .. الأمطار الحقيرة مضت هى الأخرى تشارك فى المؤامرة .. وبأت تبيد شاهدنا ى وتمسح الرسمة .. مسحت الباء .. وطرف السم .. والقلب .. والباء .. ولم يعد لها وجود .. كنت حزينا أكثر لأجلها ، لكنها لم تتأثر .. كانت ترقب  قطرات المطر وهى تسوق الغنيمة البيضاء الى أسفل .. الى الشاطىء .. الى البحر المالح ، وحبيبتى تتبعها بعينيها وقدميها ,, وتمسك بيدى لأذهب معها .. لست حزينا .. " يكفينى أننى معك " .. واختلط كل شىء بالماء .. وشعر حبيبتى طويلا  على سطح الماء .. وطويلا تحت الماء .. صوت البحر الصاخب لا يخيفنا .. الماء فى جوفينا مالح .. مالح .. وصوت الأمواج تتحدانا ، وتخبط على رؤسنا .. " تعالى يا بثينة نهرب من عالمهم .. " .. أسرعى

كنت معها...

التفاصيل
كتب بواسطة: نبيل عودة
نشر بتاريخ: 20 أبريل 2001
انشأ بتاريخ: 20 أبريل 2001
الزيارات: 20

 

كنت معها...

قصة بقلم : نبيل عودة

 

ان يعيدك تلاقي نظرات غير متوقعة , الى ما كانت تظن انه محي من سيرتك وتاريخك , تلاشى من ذاكرتك واضمحل اثره في وجدانك , وان يحيي ذلك اللقاء الصامت , ما صار منسياً ثم الاندفاع بالنظرات للبحث في القسمات والتعابير بلهفة و عبر لقاء فجائي بين زوجين من العيون , فيعود المنسي ببريق متوهج ينجلي تماما بأبهى صوره , يكثف جوهره , يتجذر وكأنك تواصل ما كان بلا انقطاع , ويسيطر بلا مقدمات ... بدفقه السحري على ذهنك , ومن شدة مفاجأتك وارتعاشك تكاد تطفر دمعة , ليست دمعة فرح بعد لقاء . فلم يكن بينكما لقاء , وليست دمعة حزن على فراق , فما كنتما في لحظات فراق , كان لقاء لم تشارك فيه سوى نظراتكما , وانفاسكما , ومع ذلك تمنيت ان لا تؤول اللحظات الى انتهاء , ان لا تفنى الدقائق , ان يتوقف كل ما في العالم عن الحركة , ان يتجمد , تتشابه كل النساء في العالم في حياتك , الا هي , تشابهت كل الاختراقات وبقي اختراقها سراً مكتوماً . تشابهت كل القبل وبقي لقبلتها طعم النبيذ المعتق , تجلس ضامة شفتيها , بهدوء رخيم , ولا يتحرك فيها الا عيناها المتنقلتان بين عينيك وبين صحن الطعام  .  نفس النظرات ونفس الاناقة ونفس الجاذبية . هل عرفتك؟ نظراتها تقول نعم , وقسمات وجهها لا تقول شيء . ربما تقول ..؟؟

أيقنت ان الذكريات لا تعترف بالزمن , ولا تستسلم للانتهاء , فوجئت بارتعاش اطرافك ووجيب قلبك , وغبت مجبراً عما حولك . كنت موجوداً بجسدك وغائباً بذهنك , وها انت ترحل الى حلم بعيد تكتشف نفسك من جديد .

تفزعني كثافة حلمي . أهو حلم يعتريني , ام واقع غريب كالاحلام ؟ كالسحر ؟ هزتني المفاجأة ونقلتني من حال الى حال . كنت كمسافر اضنته الطريق واخذته بعيداً . أرهقته المسافات , وتاه طويلاً في المساحات , خطفه الحزن وتنازعته شتى الامنيات والرغبات , كرب وفوضى رغم الحقيقة الواضحة , متيبس في صحراء ... تائه , وفجأة ينطلق الرذاذ الرطب الى وجهي ... التقطت انفاسي طالباً المزيد , وما كانت من وسيلة للمزيد الا نظراتي , فيزداد حلقي تيبساً وتزداد شفتاي جفافاً , ازداد لهفة , ازداد لوعة.

من لي بقاهر الزمن , يمحي من ذاكرتي فراقها , ربما يعيدني اليها , يعيدها الي لأغير ما جرى , لنغير نبض أيامنا و نعطي لما بقي من عمرنا وعشقنا رونقه المقدر , نعيد أجمل ما في العمر ونواصله .. نجدد الوصال و نجدد العشق.

كنت اظن ان الزمان كفيل بطي ما كان . ينهي الرغبات ويبدد الأحلام . فاذا الزمان يخر صريعاً امام رحيق امرأة جعلت مني غير ما انا .

زرعت في أحاسيسي رعشات قبلاتها , وملأت الهواء حولي بخمرها , بعبقها , برحيقها , بطعم النبيذ الفاخر المعطر بفعل الزمن , يبعث بمجرد التفكير فيه تخديراً لذيذاً يجري في الشرايين , يتدفق مع دمي لكل أطرافي , ولا يتوقف...

لا أدري ما يراودني . أبحث عن استراحة ارتب فيها نفسي واوراقي ويقيني لأعود أتابع حلمي البعيد.

أهو حلم حقاً؟ ربما رغبات ضائعة ؟ وربما أوهام ؟ أو حقيقة لم تتم ؟ عدم تمامها يعذبك ؟ وهل تقدر الأحلام ان تحفظ رحيق امرأة ونشوة ابتعد بها الزمن؟! وهل الزمن وهم... تخيلات ؟ ام حقيقة موضوعية؟

انتهى كل شيء قبل عقدين ونصف العقد . من السهل قياس حياتنا بالزمن ومن المستحيل قياس ذكرياتنا بالزمن. الزمن معادلة قهرية , لا تستقيم  مع الحب . ربما ما يعتريني يؤهلني لكتابة نظرية عشقية في مفاهيم الزمن والصبابة؟ ولكن رحيق المرأة لا يؤمن بالزمن , لا يؤمن بالمقاييس الثابتة... وكم اتمنى الاقتراب من ملتقى الرقبة بالكتف, لأستنشق خمرة أنوثتها بعمق وحرية . هل أنا في عالم ملموس ؟! ام في زمن خرافي ؟ هل يحد الزمن سحر امرأة ؟! هل يقضي على الاحساس بالنشوة التي كانت؟! وأقول لنفسي ان الصبابة لا تؤمن بالزمن. والعاشق لا يؤمن بالزمن , لكن لا شيء يوقفه , الزمن لا يتوقف . ربما انا بحاجة الى شيء من الادراك؟! هل في الجنون ادراك؟! وهل في هذا اللقاء ادراك؟

أحياناً تبدو الكتابة عن المحسوسات غير المادية مستحيلة عبثية , وان عالمنا المادي لا يعترف الا بالموضوعات المرئية والملموسة , وان خروجنا عن هذه القاعدة يرسلنا بعيداً نحو الغيبيات . لوهلة لم اثق انها هي . ترددت غير اني تأكدت من نفسي . هذه تفاصيلي التي أعرفها . تمتد يدي المعروفة لي تماماً نحو كأس النبيذ . أبيض يميل الى الاصفرار.

طعمه معروف لي ولساني يعتصر بتلذذ أخر ما تبقى من الرشفات .لا أشعر بقدمي , ولكني متأكد من ملكيتهما , وهذه يدي اليسرى تسند ذقني وأنا مسحور من  المفاجأة , وعيناي ترفضان الأبتعاد والتعقل . لا ارادة لي في زجرهما , ولكن ذهني يتلقى وقائع اللقاء المرئية مما يثبت انهما عيناي حقاً . تحسست رأسي متقيناً ان موقعه لم يتغير . ربما انا بحالة هلوسة من فعل الخمر ؟ ولكن الخمر لم تغدر بي في السابق , ولم تتغير العلاقات المتوازنه بيننا . وها انا بالكاد تذوقتها ,  وما حان الوقت لتفصح عن نفسها  ملوحة زاجرة . فأي خطوب تلم بي ؟! وأي طقس يعتريني , أهو طقس سكر ام طقس الحب ؟ أم السكر والحب بتعاون لا يعرف الخلاف ؟! هل لي بشفيع يخفف حيرتي ؟! يفرج كربي ؟! يرشدني؟! تكررت النظرات وتشعبت الذكريات , أحياناً تبدو الذكريات كلمحات لا يمكن الوصل بينها .. كتناقضات من المحال ان تشكل وحدة واحدة , غير ان يقيني التام ان الحب لم يهجر جوانحي ... والا ماذا تسمي الاحاسيس التي تدغدغني ؟!

غرقت في نفسي لاستجلاء انصع ما يكون من ترابط للذكريات التي تعصف بي . اوراق كثيرة تنتعف بوجهي , فألهث وراءها لاجمعها في نسق صحيح وارتبها بذهني , ضفيرة وراء ضفيرة . هل كنت أتمنى لقاء بلا ميعاد ؟! هل كان اللقاء ضمن توقعاتي ؟! خمس وعشرون عاماً تندفع في لحظة لا تقاس بمقاييس الزمن المتعارف عليها . تتوالد من الابعاد مشاعر ما كنت اظن انها ستعود لي . هل سأكتفي بها ؟! وهل تستعاد أيامنا من التاريخ ؟!أم نبقى رهائن للذكريات ؟! ما تبقى لي منها اطلال من الأحاسيس لا تغادرني. اخاف ان تغادرني . ربما توهمت اني نسيتها . ربما تناسيتها عجزاً من الوصول اليها ؟ تناسيتها لتخفي هزيمتك؟ وفجأة تكتشف ان ربع قرن يفصل بينكما , وامتار قليلة تبعدها عنك , قريبة وبعيدة المنال ... ربع قرن لم المحها ولم تلمحني . وها هي تجمعنا لحظة مجنونة كغرباء. لا يستطيع ان يقترب احدنا من الأخر ليتأكد بالملموس من صدق المحسوس ... وليتني اعانقها ولو للحظة , أكون قد حققت مرادي في الحياة , قلت لنفسي الحب لا يعرف الاستقرار . لا أذكر اني لمحتها منذ تباعدنا , انا متأكد من ذلك . وأنا واثق انها لم ترني منذ ودعتني بقبلة رطبتها دموعها . وهل تنسي تلك القبلة ؟! هل يتغلب الزمن على حرارتها وملوحتها ...؟ هل ينسى وجيف القلب؟!

لم يكن فراقنا تنافراً . انما كان قراراً وحيد الجانب . قالت انه ادراك للمسؤولية . رأيت به ادراكاً مشوهاً لحقيقة مشوهة , كان الأحرى بي التحدي . كنت مستعداً للتحدي.ولكنها أصرت على الابتعاد. فألتزمت برغبتها . وقلت لنفسي ان الانسان يحمل في داخله ضده.

كان التعارف بيننا سريعاً وغريباً وبلا مقدمات وبلا اجتهاد , بادرتني:

-انت تشدني.

كانت تتوهج بجمال فطري , اضافت اليه أناقتها البارزة , وحسن الاستعمال للاصباغ سحراً أخاذا.

لم افهم ما تعني "بتشدني" . ولكن بروز صفي اسنانها المرتبين بدقة و من وراء انفراج ابتسامتها , جعلني أفهم وأتغابى . اربكتني بجرأتها . لم اتوقع هجوماً بلا مقدمات . واعترف انها نجحت بارباكي كما لم يربكني احد من قبل . ارباك انقلب الى سعادة , ثم فراق ثم شقاء.

عرفتها في زيارة بيتيه لاحد اصدقائي. كانت تجلس في الصالون وتتبادل الحديث مع مجموعة من الصبايا في امور لا أذكرها , وربما لا أفهم منها شيئاً لو تذكرتها . بعضهن ارتبك لدخولنا فصمتن اما هي فواصلت حديثها بنفس الحيوية , بعد ان توقفت للحظة لرد التحية, مرفقة بأبتسامتها ... فراقبتها دون ارادة  بطرف عيني . كان فيها شيئاً مميزاً لا تكتشفه بسهولة ولكنه يشدك . وجدت نفسي أغوص بما لا عهد لي به , لم أستطيع مبادلة صديقي حديثه, ولم يفهم ما يعتريني , ربما فهم وصمت , أخترقت احاديث الصبايا بلحظة مؤاتيه وبمهارة ,  قد تكون اثارت شكوك صديقي لتحولي المفاجيء من الملل بتبادل الحديث معه , الى الحماسة بالحديث اليها ... وللأخريات . بدأ الاستلطاف من حيث لا أدري . وحدث التعارف من حيث لم أتوقع . النظر اليها راحة , والرغبة بالازادة لا تعرف حدوداً . حين قامت لتذهب , اعطتني يدها ... أسلمت يدي بحماس ليدها . ضغطت بلطف وصعقتني "بانت تشدني" ... بصراحة وبلا مقدمات وبلا توضيح اضافي .

وقالت:

- سأتصل بك لنواصل حديثنا.

قرصني صديقي بخصري فجفلت . إنتبهت فابتسمت ولم تضف , انما استدارت لتخرج وراء صديقاتها , وعدت لمللي من مواصلة الحديث غارقا بتوقعات وتحليلات سحرية .

بعدها التقينا كثيراً . ربما قليلاً ..  يتعلق بمفهومنا النسبي للكثير والقليل, ولكنها كانت لقاءات كافية لتوحد ما بيننا . كانت الفعل وكنت رد الفعل المشابه والمساوي له بالقوة . وتفاهمنا ان الاعجاب متبادل وبنفس القدر وان الاستلطاف تم واكتمل...فنعم ما حصل . قلت لنفسي ان كربي انفرج وأشرقت شمسي , وهذه بداية حقيقية للحياة . وقلت لنفسي هل تبيع اصلك الصعلوكي ومبادئك الملتهبة مقابل عشرتها؟! فقلت لنفسي ان الصبابة هي الخمر والمباديء هي الأمر . وهما مثل الليل والنهار , لا يحل الواحد مكان الأخر , انما يلتقيان في رقصة دائرية لا فكاك منها.

اندفعنا بعشقنا , غافلين عما تخبئه لنا الأيام , وكانت وقائع حياتنا تتجلى بين لقاء ولقاء . كان لقبلاتها طعم خاص لم أعهده في مغامراتي الأولى , حتى توتري وهيجاني مختلفان , اكتشفت نفسي من  جديد . اكتشفت الحب من جديد. انتشيت,  سحرني ما انا به وتمنيت دوام الشروق . تمنيت دوام الاستقرار وقلت لنفسي :

- ما انا به لم يراودني حتى في احلامي . وقلت : هذا منتهى احلامي ولن أطمع بامرأة غيرها .

كنت اريدها برغبة لا تعرف الحدود... قالت :

- اعرف ما تريد , وانا اريده كما تريده انت , ولكني لست بغجرية.

- الغجرية حارة حتى في الشتاء وحين ترقص تصبح مرغوبة أكثر.

- لا اعرف ما شدني اليك.ربما هذه حماقة حياتي الأولى.

- اضيفي اليها حماقة اخرى , لينزل على قلوبنا الأطمئنان والسلام وانا حاضر لأي ثمن تطلبينه.

قالت بشيء من الحدة والألم :

- هل انا بغي لتفاوضني على ثمن لحبي؟!

قلت مخففاً من زلتي :

- لا تفسري كلامي بغير معناه. انا اسير هواك...أصرخ مستغيثا ًللمزيد , فأحتملي نزوات لساني... لن اتجاوز ما ترفضينه . ولكن الرغبة مجنونة... ضمت راسي لمنحدر صدرها تحت الرقبة فتمنيت الا يؤول الزمن الى انتهاء , تفحصت بنظراتي معالم وجهها وامتداد الرقبة بين الذقن والكتفين محاولا المقارنة بالأصل الذي اعرفه. اجابتني بنظرة تقول اشياء ولا تقول شيئاً , أتستعيد هي ايضاً ذكريات ايامنا الملتهبة ؟ تحتفظ بطعم قبلاتي؟ بانسلال اصابعي بين خصلات شعرها ؟ بتفحصي مناطق صدرها المحظورة؟ كم تمنيت ان اكتشف بالرؤية ما ينتهي به انحدار الصدر, وصدتني بقوانين عشقها الصارمة المتزمته. كنت احاول ان استجلي بالعناق  عن طريق ضغط صدرها الى صدري , ما لم استجله بالرؤية المثبتة , والقبض عليهما بالجرم المشهود . صبرت حبيبتي على جنوني فتماديت .. ولكنها وقفت بالمرصاد . قالت لي ان مبادئي الثورية هي تغطية ناجحه لعبثي . قلت وهل تنفي المباديء الثورية الحب؟! قالت ولكنك عابث. كان حكمها غير قابل للاستئناف.

حددت المسموحات واكدت الممنوعات . قلت بأني سأتقدم لطلب يدها.فصدتني. قلت  :

- انت تدفعيني للجنون , ويستعصي علي فهمك ...هل هناك قيمة لحبنا الا بالزواج؟

- افضل من ان تدفعني للندم .. انت مغرور. انت طفل انت مستهتراً.. احياناً بلا تفكير؟

- ترفضين ما اؤمن به من افكار؟ الم تجمع افكارنا بيننا؟!

- ماذا تسوى بلا افكارك؟! ولكن ليت توازنك كأفكراك , ليت تفكيرك كأفكاري .

- أكرر اقتراحي... أريدك زوجة لي , الزواج يعيد الي توازني , يوصلنا للسعادة .

- انا خائفة ! احبك وخائفة . اقول لنفسي اني لن استطيع ان اكون لغيرك . وأقول لنفسي ان الحب سلطان كاذب , واقول لنفسي ان مصائرنا ليست بالضرورة ان تكون محكومة لرغبات نفوسنا. ربما ما بيننا هو طيشنا. هو لا وعينا . احبك واخاف. يهيأ لي اني ارتكب حماقة . أتألم واقع في حيرة. لا اعرف كيف اندفعت, ولا اعرف كيف اتوقف , اتمهل لاستعيد تفكيري . يجب الا نكذب على بعض . نحن مختلفان , اجتماعياً مختلفان. المسألة ليست بقدرتي على قبولك , ليس هذا ما يقلقني , ولكنك لن تقبل ذهنيتي الاجتماعية , لن تقبل اجواءنا , لن تقبل صياغاتنا و لن تقبل خصوصياتنا .

واجهشت بالبكاء , اخذتها بين ذراعي بقوة , لامست وجنتيها بشفتي . استلطفت ملوحة دموعها وحرارتها.

- ساتغير , سأتعلم ان احترم اسلوبكم ... المهم انت. يؤلمني عذابك!!

- ليس هذا ما ابحث عنه. انا لم اخلق لما نحن به , اكاد انكر نفسي .أرفضها.

بدأت افهم ما يعتري فكرها.بدأت المس خطأي في الاندفاع العابث المجنون .. واعترتني كآبة وتوجس . كان واضحاً اني رسبت في الامتحان .. فهمت ان ما شدنا الى بعض ليست رغباتنا . ربما اوهمتها بفلسفتي اموراً تبخرت. تلاشت مع العناق والقبلات , فلم يتبق الا الموضوع الصعلوكي , حتى في الحب قد اكون اندفعت باستهتار لأشباع رغبة مجنونة , فلم اميز بين الحب وبين المتعة العابرة . وها هي تستعيد توازنها . تبكي وتستعيد ادراكها. تحبني ولا تستطيع قبولي . استجديها فتبتعد اكثر . لأول مرة أتوجس ان تتركني امرأة , ان ابقى بدونها . كنت اركض من علاقة الى علاقة ومن رغبة الى رغبة , حتى وصلت اليها . حتى وصلت الي , فاتحدنا. كانت صريحة ومقنعة وساحرة في صراحتها . اقامت حدوداً جغرافية لا يجوز تجاوزها . وافقتها معتقداً ان قدرتي وفني كفيلان باختراق المستحيل . كنت مندفعاً مغروراً , وها أنا ادفع ثمن اندفاعي وغروري , رغم اني لم أحب امرأة كما احببتها , واعترف لا زلت احبها  .. وهل يكفي الحب؟! نظراتها تلتقي نظراتي ولا تقول شيئاً . ربما تقول ما لا استطيع ادراكه. وبنظراتي اتفحص مشدوهاً المساحات التي اعرفها , واحاول ان اطابق بين الصور الباقية في ذهني والصورة المتجلية أمامي.

وعلى حين غرة , وانا غارق في توجسي من انتهاء ما بيننا , باحثا عما يزيل كربي ويثبت قربي اليها , التفتت الي , وقالت بحزم طاريء.

- انا احبك ..اعترف.. ولكن سعادتي وسعادتك بالافتراق. عرفت هذا منذ اليوم الاول, ولم اصدق حدسي ... لا تقل شيئا .. لا تزد حزني ... اريد ان اذكرك كما انت...

قبلتني قبلة طويلة حرارتها فوق العادة . نظرت بعيني , ثم طبعت قبلة فوق جبيني , وتركتني وانطلقت دون ان تنبس بحرف أخر . ولفني الصمت .

انتظرتها في المواعيد المتفق عليها , فلم تحضر , انتظرت بلا أمل ولم احاول الاتصال بها. وجررت نفسي بعيداً عن طريقها . اتجرع وحدتي وألمي . اضطرب توازني وثقتي بنفسي . عشت عذاب الفراق . زاهداً بما يحطيني , متحسراً على ما فقدت وحزيناً لانقضاء اجمل ما في حياتي . هل من وسيلة تستعيد فيها الذات ما تحب ؟! ما بدا حقيقة مجسمة تناثر بلحظة؟!

مضي ربع قرن , خمس وعشرون عاما بالتمام والكمال. لم يفارقني حبها . لم يفارقني عبقها.

اريجها عطرها حرارتها , ملوحة قبلتها الاخيرة ... ولكنه انزوى في حنايا الذاكرة . حبي لها اكتمل ولكن رغبتي لم تكتمل , وما كان لها ان تبلغ وتكتمل حتى لو وصلت لما اريد .... كنت اريدها ليس للحظة , اريدها لكل العمر , ولما بعد العمر لو تيسر ؟ علمت بزاوجها وهجرتها مع زوجها الأمريكي الجنسية, والقريب ... ربما هو السبب ؟! وها هي نظراتنا تلتقي , تقول اشياء ولا تقول شيئاً. تصمت ولا تصمت . كنت جالساً مع مجموعة اصدقاء في مطعم غير بعيد عن شواطيء البحر في عكا, ورائحة السمك المقلي الذكية تخدرني . فهو ملاذي بعد فقدانها, السمك والنبيذ الابيض المائل للأصفرار . ربما فقداني لها بطريقة لا تختلف عن تملص السمكة من يد صيادها , جعلني انتقم من الاسماك ... او احبها اكثر . رفعت كأسي المليئة بالنبيذ الأبيض , مستنشقاً عطره الاخاذ , حين التقت عيني بعينيها. كانت اكثر من صدفة . صدمة شعرت بعدها بارتعاش اطرافي وكأني أعود الى الماضي . وملأت الخمرة انفي بعبق انوثتها. ربع قرن وعبقها لا يفارقني شربت دون وعي ... اكلت دون وعي , وكنت مع اصدقائي وبعيداً عنهم , كنت معها وكانت معي ... وكان بيننا ربع قرن ... وأمتار قليلة!!

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

الفجر يولد من جديد

التفاصيل
كتب بواسطة: نبيل عودة
نشر بتاريخ: 15 أبريل 2001
انشأ بتاريخ: 15 أبريل 2001
الزيارات: 15

الفجر يولد من جديد

قصة بقلم : نبيل عودة

 

نكبت حارتنا بامرأة حل لطف الله عليها , تخرج كل ليلة صارخة شاتمة متوعدة , واهل الحارة في نومهم العميق .. لا تبقى ولا توفر احدا , توجة اقذع الشتائم , وتقذف التهديدات بأن " تفعل وتترك " بنساء الحارة ورجالها , ويتطاير الزبد من شفتيها في نوباتها الليلية العصبية .. وكثيرا ما تلوح بسكين مطبخها متوعدة مزمجرة . مما ترك توجسا في نفوسنا , بان ترتكب حماقة على حين غفلة . والحق يقال , ان اهل حارتنا يؤذيهم حالها البائس , ويريدون للطف الله ان يطولها مرة اخرى بمؤسسة ترعاها , علها تعود الى كامل وعيها وتصبح واحدة منا وفينا , تغرق مثلنا في النوم حين يحين زمنة السلطاني , وتستيقظ ليومها الجديد , بنشاط وأمل , وتبادلنا ونبادلها التحيات والاحاديث والعلاقات الطيبة المرجوة بين الجيران . وسننسى ايامها السوداء التي أطارت النوم من عيوننا وعيون اطفالنا , بصراخها المؤذي وبشتائمها المدوية في سكون الليل , وبعربدتها المنفلتة على رجال الحارة ونسائها , لانهم يتنفسون نفس الهواء الذي يصلها , ويلاطفهم نفس النسيم الذي يرطب قيظ الصيف في بيوت الجميع , او يرى الله بها امره رحمة لها ولنا , فهو الرحيم وهو السميع .
تلك المرأة والمتلطف بها , كما يفكر البعض .. ولا اقول هذا على ذمتي او مسؤوليتي , حتى لا اتحمل وزر الخطيئة , انما انقل ما يدور وليس في ذلك ما يدل على اشتراكي بما يفكرون .. بان الله يحمل اثم تصرفاتها المنفلتة , اذ اختصها بلطفة وبتنا عاجزين عن فهم وتعليل ألطافة التي كثرت واتسعت مع تزايد شتائم جارتنا وصرخاتها المدوية في منتصف الليل , فهمنا انها تتهمنا بتنظيم اعتداء عليها , واننا نجمع القمامة ونفرغها امام منزلها , واننا نصطاد الذباب والهسهس ونجمعة ونطلقة في محيط بيتها , واننا نمارس السحر لتبقى الدنيا سوداء في وجهها , ونتآمر لنسرق الورود التي لا تألو جهدا , رغم لطف الله بها .. على رعايتها بحنو واكثارها .
وكثيرا ما اصابتنا الحيرة من عقلها الشائط في علاقاتة مع اهل الحارة والجيران الاقربين خاصة .. وقدرتها العجيبة في رعاية الورود, تخصيبها واكثارها .
والحقيقة , لولا عقلها المصاب بلطفة , دام مجدة في عليائة , لما تردد احد في التقرب والتعلم والاستفادة من خبرة جارتنا في تنمية الورود , بل ودعوتها اهلا وعلى الرحب والسعة في بيوتنا , بعد ان يعود عقلها الى مخدعة , ويتستر لسانها بمأمنة.
وللتاريخ اقول ان جارتنا نزلت علينا في يوم غائم ... ولا يدري احد كيف تم هبوطها ومن اين مصادرها لامتلاك بيتها الكبير ذي الساحات والمشارف والاحواض , وقد قارن البعض هبوطها بالهبوط الناجح على القمر . غير ان هبوط القمر له مصمموه ومطلقو آلاتة , اما هبوطها فلم يعرف اصلة ووسائلة , ولا مبتدأه ولا خبره , انما اضحى حقيقة نعايشها بقبول وتوجس بالا تكون وراء جارتنا سيرة لا تطمئن البال ولا تضيف لبيوت الحارة كرامة وصونا للشرف , وكان واضحا ان هبوطها في حارتنا هو شوكة تزداد انغراسا مع الايام , ورغم الورود المنماة في الاحواض والشرفات , الا ان الاحساس يحمل توجسا لا تفسير ظاهر له وقلقا من آت مجهول , قد لا يتناسب مع حارتنا واخلاقنا وقيمنا وحسن سيرتنا , وقد تواصل ازعاجها وزعيقها المؤذي , وحرماننا من النوم الهانيء ,واقلاق راحة بالنا , ومثولها امامنا ببشاعة لم ينتظرها احد من الخالق في خلقة الذي قيل لنا في صغرنا , بان صناعتة في منتهى الكمال والجمال والاتقان , فهل كانوا يكذبون علينا ؟! وماذا يستفدون من اخفاء الحقيقة ؟! او هي محاولة لتجربتنا في ايماننا بقدرتة ومشيئتة سبحانة في عليائة؟! . وكيف نرى الجمال في كل ما نرى ؟ وهل ابقت جارتنا شيئا من دلالات جمالها ؟! ترى ما الذي يمسخ سحنتها في عز الليل , ويحيلها شرسة تأخذ راحتنا ونومنا الهنيء , لتصلية على نار كلماتها النابية والمؤذية ؟ كنا نتأمل ونتعجب ونناشدة سبحانة .. ان يحل بنا مزيدا من الصبر والتقوى وان لا يجربنا بجارتنا , ونقيم لة الدعوات ان يبرد غيظها غير المبرر , ويطفئ حدتها الملتهبة ويخفف انذاراتها لنا بالثبور والدمار , وازاحة الغشاء عن عينيها علها تبصر نوايانا الطيبة ويرتد لها عقلها , ويطمئن بالها ويزول كربها وزعيقها , فننعم بغفوة آمنة اشتقنا لها وافتقدناها منذ ابتلينا بها .
سبحانك في علاك , لا يتم امر الابمشيئتك , ولا يرى النور انس او جان الا باذنك , رحمتك يا قدير , حنانك يا غفور .
طال انتظارنا للطف آخر , يضاف على لطف الخالق الاول الذي انعم به على جارتنا , فيعدل ما بار في خلقها , فتزول حيرتنا من حديث بعض ضعاف النفوس وقليلي الايمان من اهل حارانا , انة في عليائة ( المغفرة ثم المغفرة ) لة جولاتة وصولاتة , بعضها لأمر في نفسة او خارج عن ارادتة كما يدعون .. لا يكتمل تجلية , ولا تنتظم صنعتة , ويبقى منتقصا وعديم الفائدة للبشر , وان الامر يشبة سكة الانتاج , يخرج منها الصالح تماما والصالح اقل والباير كجارتنا .. ولكن حيرتنا بقدرتها , رغم لطفة النازل عليها .. على تنمية الورود ورعايتها بحب جلى واضح معظم ساعات النهار , اما ساعات الليل فتكرسها لشتمنا وقذفنا بسافل الكلام وبأشد التهديدات قساوة وجنونا , فكيف يتساوى الورد مع الجنون ؟!
بعض الشباب تواقحوا واعلنوا ان جنونها من جوع فرجها ,وان اشباع فرجها يضمن صمتها في الليالي التي احالتها الى معاناة طويلة لاهل حارتنا , ولكن هل هناك من يجرؤ على تطبيق هذة النظرية ؟!.
بعض الشيوخ ايقظت فيهم نظرية الشباب الفرجية , ذكريات ايامهم الغابرة , فتنافسوا في قص غزواتهم وعنترياتهم , فاضحكوا اهل الحارة , ومسكها عليهم الشباب وتساءلوا بخبث وهزء , ان كان من المعقول ان يكون شيوخا , الذين يدبون على عصيهم واحيانا على عصيين , ويقحون ويبصقون ويضرطون كل ساعات يومهم , لهم مثل هذا السجل الذي لا يخجل بة اكبر " دون جوان " عرفتة غرف النوم ؟ وان كان شيوخنا الافاضل بمثل هذه القدرة التاريخية على حرث الفرج , فكيف تحول هبوط جارتنا في حارتنا بمثل هذا الاشكال وبمثل هذة الضراوة , بمثل هذا التعطش للاذى ,وبمثل تلك الدلالات البارزة لجوع فرجها ؟! والبعض سأل ما لا جواب له , لماذا يا حضرات الرواد البواسل لم تتطوعوا لاشباع جوع جارتنا قبل أن يمسها لطفة ؟!
والواقع ان الشيوخ كالشباب , استطابوا حديث الفروج , حتى زجرهم عقلاء الحي وانذروهم بالويل والثبور والحرق بنار جهنم اذا واصلوا الخوض في المحرمات والاعراض, فالجارة , حتى الغريبة عن الحارة , والدخلية على بيوتها , لها حرمتها , فنحن العرب استثنانا الله من الرذيلة ,ووهبنا الفحولة لنستثمرها في العمل الصالح والمشروع , بالاكثار من نسلنا , وتعزيز جيوش المؤمنين الصالحين , وان الدلالة لمصيبة حارتنا بجارتنا هي مئات التجارب التي لا بد لنا ان نقف فيها بثبات وايمان , حتى لا نسقط بالتجربة الربانية ونتحول الى عبدة الشيطان لعنة الله علية , وان لا ننسى ان لسبحانة في عليائة شؤون في خلقة , ليس لنا ان نخوض فيها حتى لا نقع بالمحظور , وانه تبارك اسمة , لا ينتظر اقتراحتنا , ولا ينقصة صواب الرأي وحسن التدبير , وانه لو شاء للطف لسانها او اخرسها , وانه لو شاء لبعث اليها فحلا يضمها الى حريمة بدل وحدتها القاسية .. ويروضها ويشبعها فما وفرجا , فتطيب حالها وتستقر نفسها , ولكن مشيئتة لم تكن كذلك ,  فالحذار من الخوض في شؤونة ..
قال شاب يلوح البريق في عينية , ان عقلاءنا زجرونا عن حديث الفروج بتهديدنا بالويل والثبور ونار جهنم , وفتحوا حديث الفحول , اي اننا عدنا لنفس المنطقة المحظورة , نتداول فيها لحل اشكالاتنا , ولكن لم يثبت حتى اليوم ان امة تحررت بقدرة فحولها على حرث فروج الغزاة , او ان اشكالياتنا حلت بقدرتنا الفحولية .. فهذا يعيد الحديث الى اصلة , والى نفس المناطق المحظورة التي منعنا عنها عقلاء  حارتنا , وهو يثبت اننا شبابا وشيوخا حرث الزمن في عقلهم وعقلنا , مصابون بنفس الداء .. وان العقل في هذة المنطقة , يخرج في اجازة .. ويبدو ان اجازتة طالت وهي بسبب ما نعانية من الهبوط الغريب لجارتنا في حارتنا ..
اشتدت قوه صراخ جارتنا واستمرت لزمن اطول , وصرنا نسمع عويل الذئاب بين صرخاتها وكأنها تتحول الى امرأة ذئب , وقد ارتعد الرجال قبل النساء .. والتصق الاطفال يامهاتهم رعبا , ولم يجرؤ احد منهم على عبور الشارع بقرب بيتها الا ركضا سريعا ومن الجهة البعيدة , وتساءل البعض ان كانت جارتنا حقا امرأة , ام هي فحل بثياب تمويهية بقصد الفتك بحرمات الحارة ؟ واشتعلت الاضواء الحمراء , واحس اهل الحارة بالخطر المحدق ,وقال البعض لعل المخفي اعظم , وغرقنا في حيرتنا .
ربنا هبنا من لدنك رحمة , وعزز ايماننا واحفظ لنا كرامتنا .

 استقر رأي حارتنا بعد ان اعياها الحال ,وتكاثرت الوساوس والهواجس , ان يستنجدوا بالحارات الاخرى , فالمصيبة قد تلحق بهم ان لم نتدارك الامر ونوقف الشر المتزايد .. حقا لا يمكن انكار نخوة ابناء الحارات وهمتهم المباركة , فتوافدوا جماعات جماعات لمد يد العون ودعمنا من الآفة المستفحلة .. وبعضهم اكتفى  مشكورا بالدعوات الحارة , لخالق الارض والسموات , ان ينصر المؤمنين الصامدين على الشر والاشرار , فاقيمت الموالد في حارتنا , ترحيبا بالامدادات من اصلب الرجال .. وذبحنا الذبائح ,واكلنا ودبكنا ولوحنا بسيوفنا امام شرفتها .. ومع ذلك لا يبدو ان جارتنا فهمت ان هذة الجحافل والسيوف هي لوقف استفحال شراستها وعدوانها , بل استمرت بصراخها الليلي المؤذي مما ارهق رجال الحارات وحرمهم من الخلود للنوم والراحة , ومع ذلك لم يتخلوا عنا الا بعد ان نفذ مخزوننا من الارز والخراف , فرجع كل الى حارتة معلنين بصلابة انهم على استعداد دائم , اذا ما تواصل استفحال الامر , ان يعودا من جديد لدعم صمودنا وتقوية شكيمتنا , ودعوا لنا بالخير والوفاق , فشكرناهم على نخوتهم , وودعناهم بمثل ما لاقيناهم من ترحاب .
ويبدو ان جارتنا انتظرت هذة اللحظة ... بعودة الطوابير الداعمة الى احيائها , فازداد جنونها.. وبدأت تخرج لشوارع الحارة  وازقتها في ساعات الليل والنهار , تعترض النساء والاطفال , صارخة شاتمة ملوحة بقبضتها , فلم يجد البعض حلا الا مغادرة الحارة , خوفا ورعبا من اذاها , بعد ان بات واضحا اننا لا نملك ما نطعم بة طوابير الدعم من الحارات الاخرى .
حقا , اهل الحارة لم يكونوا قاصرين عن "فلخ نيعها" اما ما زجرهم فهو اباؤهم عن تلويث رجولتهم بالتشاطر على امرأة مصابة بلطف اللة .
اسودت دنيانا ولم يعد لحياتنا معنى , ولم ندر كيف وصلنا لهذه الحال ومن اين ابتلينا بهذا المأزق؟
حال الجارة تزداد سوءا وعدوانا وباتت البيوت التي تركها اصحابها مرتعا خصبا لانفلاتها , كانت بلا اهل ليردوها عن غيها.
لا نعرف من اين هبطت علينا , وهل لها زوج , ام انة كان ونفق بعد ان رأى حالها ؟ وكيف تصير حال كرامتنا اذا مددنا ايدينا عليها ؟!
بعض الشباب . تنظموا وتسلحوا بالعصى لردع انفلاتها , الا ان كبارنا زجروهم وافهموهم ان للجار مهما استجار حرمتة , فكيف والحال مع امرأة وحيدة ومصابة بلطف الله .. ؟! ادعوا لها بالرحمة ؟؟
ولكن الله , سبحانة في علاه , لة كما يظهر رأي مختلف , طرقة ليست دائما مفهومة لخليقتة , فها هي الجارة تذهلنا وتحيرنا بوضعها مولودة في كل بيت مهجور .. ترى من اقتحمها ؟؟ وهل كان اقتحامها ميسرا ؟
وهل مقتحمها انس مثلنا او جن من المتحررين من اسر سليمان الملك . وكيف لم يلحظ  أحد من اهل الحارة تغير حالها وشكلها بانتفاخ بطنها ؟! والمذهل وضعها عددا من المولودات من غير المعقول ان يحمل بة بطن وحيد , فهل هي امرأة كما فهمنا حتى اليوم .. ام جنية متمردة من اسر سليمان الملك ؟! وهل يصاب الجن بلطف الله كالبشر ؟! وهل يمكن ان يشبع انس جوع فرج جنية ؟! وكيف يمكن الجماع بين انس وجنية ؟!وهل يسمح الشرع بهذا الجماع ؟!ومن اين لهذة الجارة هذا الخصب غير المحدود , وبهذة الكثرة المستحيلة على بني البشر ؟! فهل نحن امام عجيبة دنيوية لم يسمع بها احد من قبل ؟
والمرعب اكثر ان المولودات شديدات الصراخ كأمهن , فهل انتقل لهن لطف الله بالوراثة ؟! وما الحل امامنا ؟ هل نحمل عصانا ونرحل ؟!
وبدأت تدور قصص تشابة الخيال , بان بنات جارتنا , رغم صغرهن ... يتجولن في الحارات الاخرى مطلقات صراخا ذئبيا مرعبا .. والمذهل انها لم تلد اي مولود ذكر !! بلغ الذل مداه .. وبدأ تمرد الشباب على حكم الشيوخ , واتهامهم بالمسؤولية عن التقاعس ولجم الانفلات الارعن لجارتنا في وقته , واعطاؤها المجال  الحيوي للتكاثر الغريب والمذهل وبدون الاخصاب من ذكر , وقال الشباب انة بلغ السيل الزبى ,وانهم ليسوا على استعداد ليكونوا نسخة طبق الاصل عن اهلهم , وان ما يجري هو تجاوز لكل مفاهيم التجارب الالهية ببني البشر , التي يذكرها علماؤنا ويلوحون بها لزجر الشباب عن غية كما يقولون , وقد اعلن معظم الشباب انة حتى الكفر اكثر عزة من الذل والمهانة لكل العمر , وان الاصطلاء بنار جهنم اكثر رحمة من الاصطلاء بشراستها واهاناتها وبالحرمان من الراحة والنوم المتواصل , وبالتزام عدم الرد , جرت نقاشات حادة , ولكن الاجيال اختلفت طرقها وقناعتها حتى الاولاد انصتوا لحجج الطرفين وكأنهم يفهمون ما يجري.
وفي فجر هادئ عليل النسيم , رائق الاشراق , وقع المحظور , كان من الرعب التفكير فية , ويبدو انة بين الرعب والجرأة شعرة معاوية , وقد انقطعت .
لطفك ايها الخالق , مدد من قدرتك , مدد من رحمتك .

 كان الاولاد, الذين لا يفهمون كما آمن الكبار .. في طريقهم لمدارسهم , كما في كل يوم .. وكل منهم يحمل اثقالة من الكتب والدفاتر والاقلام , وزوادة اليوم , وكالعادة بنات جارتنا يضججن ويعتدين على الاولاد , غير ان الاولاد هذة المرة لم يفزعوا , تسمرت انظار الحارة ولم يدروا ما يحصل .. وما هي الا لحظات حتى كانت شنطاتهم بكتبهم ودفاترهم ملقاة على قارعة الطريق , وفي يد كل ولد حجر , وبيدة الاخرى يرسم شارة النصر ..كان الفجر هادئا , ولكن حجارة الاولاد المنطلقة بتصميم جعلتة فجرا داميا.

 

 

 نبيل عودة – كاتب , ناقد وصحفي فلسطيني – الناصرة

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

البحث عن شوق آخر

التفاصيل
كتب بواسطة: ابراهيم عثمان
نشر بتاريخ: 23 مارس 2001
انشأ بتاريخ: 23 مارس 2001
الزيارات: 14

البحث عن شوق آخر

بقلم : ابراهيم عثمان

   في تلك الغرفة المجاورة لغرفتها.. جلس أحمد الاندلسي وحيدا، ليتأمل ما وضع هناك.كانت الساعة تشير الى تمام الواحدة بعد الزوال عندمادلف الى غرفة الدرس..أخرج من درج مكتبه قطعة طباشير بيضاء ودون موضوع الامتحان.

  وقبل أن يسأل المدير عن الشخص المفترض الذي وضع هذا الشيء في غرفته، أو عن تلك الأسباب المثيرة للحيرة والجدل.. أدرك بحدسه الصوفي أن أنثى ما قد اقتحمت محرابه، ووضعت هذا الشيء لينوبها عن ساعات الانتظار التي ستقضيها في هذه الغرفة التي تعج بالكتب والاشرطة والأقراص المدمجة.. لم تدرك في بداية الامرانها أمام رجل قادم من مملكة تتجاذبها الالوان والالحان..رجل تسكن رأسه فلسفات وفلسفات..

وتتصارع في خلجاته باقات من الشعر والألحان.. وتورق في وجدانه ينابيع الحكمة والحب والحنان والفن والجمال.

   كانت الحيرة قد دفعت به الى القول: ان الحياة لن تستمر دون حب.

   أشرقت هذه الفكرة دفعة واحدة في ذهنه..راح يبحث عن بعض الأقاليم في خريطة صغيرة كان يحملها معه باستمرار..بحث عن مكان ما يسافر إليه.

   كان يريد أن يقضي عطلة الشتاء خارج الديار..لم يجد أحسن من تونس..ربما لأن له فيها عشيقات وصديقات كثيرات تعرف عليهن خلال تلك العطل التي كان يقضيها في مدن تونس الساحلية متسكعا.

   كانت تريد أن تكون هناك، لتراه وهو يعود مع طلوع الفجر مرهقا يدندن بأغنية شجية تمنحه سلطة واسعة على هذه الصخور التي تفترش الساحات العمومية والأرصفة.

   دفع بنظراته الى زوايا الغرفة..تحسس جدرانها واثاثها.. اقترب من  ذلك الشيء وراح يتشمم رائحته..تيقن بأنها لأنثى تجيد غسل يديها بمياه الثلج الباردة المخزنة على شكل ينابيع متفجرة من أعماق الصخور.

  تدعم حدسه أكثر عندما رأى على الجدار المقابل لوحة زيتية لامرأة ريفية تحمل على ظهرها قلة ماء، وهي تغادر الغدير ممسكة بطرف فستانها الأزرق.كانت قد أهدتها له فتاة من مدينة صفاقس..عندمارحل الى هناك باحثا عن مساحة لشوق آخر..مساحة تأخذه بعيدا عن وثنية حب عنيد، ظل يطارده من مدينة الى أخرى.كانت وجهته الى الجريد هذه المرة أين يرقد أبو القاسم الشابي..كان يريد أن يستمع الى شبابته وهي تشدو بمعسول النشيد وسط هذه الصحاري المترامية الاطراف.

   أدهشه أن يموت شاعر بهذه السرعة وهو قي ريعان الشباب..فتحرم البشرية من أغانيه وصلواته.

  وعند عودته التقى بها صحبة صديقتين..غمزها فاستجابت بسرعة.

 سألته عن مجيئه الى صفاقص فقال:

 - جئت حاجا الى ضريحه.

 -أنت مجنون!.

 - أعرف أني كذلك.

 -أبدا أنت لست كذلك..أنت تغري بالاكتشاف!.

 - ان عمراني خرب أيتها المجنونة!.

 - دعني اكتشف معك هذا الجنون وهذا العمران !

  تقافزت الى ذاكرته في تلك اللحظة صورة ياسمين، وهي تبكي بين يديه..

 في ذلك اليوم قرر أن يعيد لها أشياءها ورسائلها ويرحل بعيدا لكي ينسى.

 وتذكر والدته التي غادرت الحياة منذ سنوات..يومها وجدوه يهيم على وجهه في سهول وأودية الدرعان، وهو يدندن بأغنية من كلماته ولحنه:

                    أماه ليس من عادتي البكاء ولا العويل

                    فكيف أبكيك اليوم؟. وكيف أطيل؟

                    وقد رحلوا بك وتركوا دمعي يسيل  

                    ولي في هواك طويل                       طويل                                       

   وتذكر نهاد..تذكر يوم أن دفع لها بتلك القصيدة التي فاضت من بين ضلوعه..وقبل أن تتم قراءتها دخلت عليه دون أن تدق باب حجرته..

 كانت دموعها تفضي بشوق دفين عمره سنتين، وصرخت فيه:لماذا تريدني أن أمزق شرايين جنانك، وأسكت تلك النبضات الحنون المتسارعة؟.

يومها قفزت روحه واستقرت هناك في عليين..تنادته أصوات مسكونة بالحب والجمال والجنون..وتراكضت نحوه أخرى..واستقرت في قلبه بالخبر اليقين.

   اشتهته أشجار الصفصاف والزيتون، وغنت له البلابل والحساسين..وطوقته سعاد بذراعيها ومشت تجوب به شوارع المدينة وأسواقها....

 أخذته الى الميناء واكترت قاربا لصياد مسن، وابحرت به وسط الأمواج المتلاطمة.. غنت له أغنية لعلي الرياحي، وغنى لها أغنية عبقة بالحب والحنين..ازدادت التصاقا به..أحس بخيولها العربية الاصيلة تركض في دمائه وتقف منتصبة فوق مفاصله.. اندفع يشق أمواج البحر على خببهاوعدوها. ارتفع ضبحها. تمردت عليه حيتان القرش..أخذت تعانقه..  

 عناقا حارا.. كانت لاجسامها الانسيابية نكهة أخرى.

   بكت سعاد عندما رحل عنها ذات صباح شتوي مشمس، تاركا أيها

  على الرصيف كنخلة يتيمة تواجه هجير الصحراء بمفردها.

   وعندما صفر القطار راحت تتابعه في صمت بعينيها الواسعتين اللتين يحتفل بهما جمال تلك المنطقة ببريقه الساحر الذي يأخذ العقول       والالباب.                                                       لوحت له بيدها التي كانت قبل قليل تغترف من مياهه العذبة، لكي تروي عطشا تفشى في أوصالها وعروقها.

   ود في تلك اللحظة لو يوقف الزمن ويوقف معه ذلك القطار الذي سينقله بعيدا عنها..ثم يعود لها من جديد لكي يستريح على شواطئها الأسطورية التي توغل بعيدا في سحرية الشرق وصوفيته العاشقة.

   كانت هذه المرة رحلته للتأمل والنسيان، لكن بعض الهواجس والافكار ظلت تطارده من مكان الى مكان..خيانة الاصدقاء وعشق النساء..حرية الجسد وحرية المعتقد..ثقافة  الجد وثقافة الزرد..ديمقراطية الموز و تعددية الحروز..أمن البلاد وسقوط بغداد..حقوق الانسان التي لم يحلم بها الانسان..انتشار الأوبئة وعودة الطاعون والرمد..تناقضات كثيرة وسمت هذه العشرية الحمراء بعار يصعب نسيانه..عرافة الحي قالت:"ان الفيضانات ستجرف عاصمتها البيضاء..وقبل أن بلتئم جرحها وينسى سكانها بشاعة المنظر ومأساويته، سيضربها الزلزال من جديد..سيضرب مبانيها ويسقط أمانيها ويتركها في حداد..وفي آخر المطاف ستبعث من بين الانقاض كالعنقاء" سالمة معافية.

   عاشقة كانت ترعى حروفه عندما كانت تشرف على احدى الصفحات الأدبية، فقدت وفقدت معها رسائل كثيرة.كان قد بعثها من غرفته المنزوية في حي شعبي، انتصبت عماراته الفقيرة في فوضى.كانت هذه الرسائل كما يشاع عنها هنا وهناك  نعبر عن حيرة كبيرة وتصور في ايجاز مطلق تلك التصدعات والتشوهات التي لحقت بقيم هذا المجتمع، وهذه الحضارات التي ستفتك بها رياح العولمة. 

   دعاة الرداءة احتكروا كل شيء لأنفسهم..منعوها من الظهور.. أحدهم وهو كاتب كبير كما يزعم ادعى بأنه أمضى شهادة وفاته..وفي جلسة حميمية مع عشاق المهرجانات التي كان يدعى لها صرح قائلا:

 "ان فلان قد أصبح أميرا يقود مجموعة إرهابية ويفتي باباحة أعراض الناس وسفك الدماء".

   انتفض مذعورا عندما سمع هذا الخبر..حاول أن يدافع عن نفسه وعن تلك القيم التي آمن بها..فلاسفة الاغريق وشعراؤه يقيمون هنا معه في هذه الغرفة الضيقة..أباطرة روما وفقهاؤها القانونيون، رفعوا جلستهم الاولى وانصرفوا الى جواريهم الحسان بعد أن شربوا وغنوا ورقصوا طويلا.

 فقهاء المذاهب الاربعة قسموا الغرفة الى غريفات..انقسموا بدورهم الى ملل ونحل عديدة..ضاقت بهم الغرفة.. أفتوا بجواز الاقامة بها..أجمعوا على أن تاركها كالقائم بها..زنادقة العصور الأولى توافدوا منذ عشرين عاما على غرفته..صاحبهم وصحبوه..ابن رشد كان يقول له كلما التقى به: ان رشد البشرية سيظل غائبا مادام الناس مازالوا يفكرون

 بغرائزهم..فلاسفة الغرب المتأخرين كانوا يجدون فيه مشروعا هائلا لحداثتهم..كولن ولسن هذا المنظر العملاق صنفه من بين كبار اللامنتميين الآبقين من غثيان سارتر وعبثية كامي ووجودية كيركوغارد..هربرت ماركيوز فتح له أبواب الماركسية على مصراعيها..أطلعه  على أوكار المخابرات ومخابرها التي تحتضن الدجاج لتحوله بعد شهرين من الاحتضان  الى جيل من القادة والفلاسفة والانبياء..جيل بعده واحد ورهطه واحد وفكره واحد.    

  أغليكسمان هذا الطفل الذي القت به أحداث مايو 68 الى شوارع المعرفة، مازالت أفكاره تستهويه الى درجة جعلته ينظر الى الأشياء نظرته الى بوكاسا هذا الامبراطور الافريقي الذي تفرد في تاريخ الانسانية بأكل لحم البشر..تسمعه عندما نزل ضيفا على احدى القنوات الفرنسية ليتحدث عن آخر كتاب صدر له..استوقفه موضوع الارهاب طويلا..

 راح يشرحه بمبضعه الفلسفي. نسبه الى الدين الاسلامي، وبرأ منه ساحة الاديان الأخرى..كانت كلماته خالية من أية حكمة شأنه في ذلك شأن العديد من الفلاسفة والمنظرين الذين تخلت عنهم الحكمة..كتب أشياء وتفوه بأشياء أخرى..ردد أغاليط كثيرة  عن الديكتاتورية في العراق جاعلا منها مرجعية لكل الشرور القادمة..قال أن صدام حسين أعظم ديكتاتور عرفه تاريخنا المعاصر..وقال أيضا أنه كان يزهق أكثر من أربعمئة روح في اليوم الواحد..قال أشياء وأشياء..لكنه لم يقل للتاريخ كلمة واحدة عن ارهاب الدولة الذي يمارسه شارون على شعب جائع وأعزل تخلت عنه الآلهة وتخلى عنه دعاة الانظمة المتحضرة..تخلى عنه الاعراب والاعاجم..لم يقل شيئا، وهو ذلك الفيلسوف العارف الذي أفتتن في وقت سابق بتلك الفلسفة التي ظلت تتغذى على أفكار لينين قبل أن تهاجر الى ماو في الصين.

   كان قد صادفه في احدى مكتبات العاصمة عندما كان يتجول رفقة فتاة تعرف عليها بالصدفة..قالت له عندما رأته يهجم على موسوعة معروضة في احدى الواجهات:

 - أظنك تحب قراءة الكتب الفلسفية..أليس كذلك ؟

16
 
 - أذكر جيدا أن أول كتاب وقع بين يدي هو كتاب لأفلاطون وأظنه جمهوريته.

 - سآخذك إذا الى مكتبة لا تبيع الا الكتب الفلسفية!.

 - هل هي قريبة من هنا؟.

 - لما هذه العجلة يا سيدي؟!.

 -أريد أن أصل بسرعة الى هناك..هيا لنستقل سيارة أجرة حتى لا نتأخر.

 - أريد أن أذهب ماشية..واذا أردت أن تستقل سيارة أجرة فاذهب بمفرك.

 - لكني لا أعرف هذه المكتبة التي تتحدثين عنها؟..ولا الشارع الذي توجد فيه؟.

 -هذا لا يهمني!..هل تريد أن أوقف لك سيارة أجرة..هذا ما أستطيع فعله ما دمت لا ترغب في الذهاب معي.

   ارتبك قليلا..أحس بأن شوارع هذه المدينة التي تطل على البحرالابيض المتوسط سترتمي بعيدا عنه وتتركه في هذا الخلاء الموحش وحيدا..سارع الى الاعتذار.

 - تقولين أنك ستوقفين لي سيارة !؟.

 - اتبعني اذا وانس موضوع السيارة.

   بدأت الخطوات تتتابع..وبدأت الايدي تتشابك ..وبدأت الاكتاف تتلامس..وشرعت لغة الفلاسفة تبدع لغة أخرى للتأمل الميتاحبي.

   عندئذ توافدت الافكار قادمة من كل صوب وحدب.. تصاعدت الشوارع والازقة.. وتمايلت الاشجار على حافة الطرقات..وتسارعت الحركة صاعدة نازلة..وتحركت الجبال الراسيات..ومادت الموانئ المحملة بالسلع والبضائع..وظهرت في الافق طيور النورس القادمة من بعيد لتروي

18
 
 قصة رحلتها مع كل مسافر..وأشرقت الشمس كاشفة عن أقاليم لها تضاريسها المتنوعة وأقاليمها الشاسعة..ولاحت في الافق تباشير يوم ليس كبقية الايام الاخرى..أمطاره غزيرة وشمسه حارة..وعواصفه مزمجرة.. ورعوده مدوية..وبروقه متلاحقة..وأمطاره متهاطلة.. متهاطلة..ورياحه منعشة.

   كم كان رائعا ذلك اليوم الذي قضيته صحبة هذه الفتاة المنحوتة من من عسل النحل ولبن العصفور..أطلعتك على فلاسفتها وأطلعتها بدورك على رجال طوح بهم الشوق بعيدا، فانتشوا تحت مظلة التصوف رغم ابتعادهم عن الشهوات والمسرات..لم تصدق في بداية الامر أن رجلا في مثل سنك سيكون قادرا على الفوز بهذا المنصب الروحي العظيم، لذلك علقت قائلة:

 - ان الحكمة من الفلسفة أن لا تكون فيلسوفا !.

رد ضاحكاك

- ان الحكمة من التصوف أن لا تكتفي بالتجلي والتحلي والتخلي بل يجب أن تسيح في الارض بحثا عن كوكب آخر تكون فيه القطب والمريد والرب.

   وعندما قفل عائدا الى مدينته الصغيرة استقبله سيبوس على طرفها مهللا، ولوحت له هوارة ضاحكة ورحبت به غرفته باكية..عندئذ فقط اكتشفت كم كان صادقا ومخلصا في أشواقه وجنونه، فكتبت له أول رسالة:"عد أيها المجنون فالحارات التي ركضنا في شوارعها ذات يوم قداحتلها رجال مات في قلوبهم الشوق والتأمل..عد فغرفتك مازالت كما تركتها..تزينها المجلدات والمنمنمات وبعض من جنونك ودموعك..

عد قبل أن تحتلها الدواب وتفسد ديكورها بروثها وبولها.. عد أيها الرائع لاكتشف معك مساحات أخرى لاشواق أخرى وجنون آخر.

   الرسالة الثانية: 

   هذا الصباح حاولت أن أنهض باكرة لأواصل رحلتي مع الحلاج..كانت أشواقه أشبه ببراكين متأججة..ذهلت في بداية الامر..صرخت من أعماقي عندما رأيتك تسبح في فضاء هذه الاشواق..حاولت أن التحق بك لكي أكون قريبة منك، لكني لم استطع..بكيت ساعتها..بكيت حزنا على تلك السنوات التي قضيتها طالبة على مدارج الجامعة أبحث عن شيء لا يمكن الاهتداء إليه الا عن طريق العقل.

   هكذا قالوا لنا.. أو هكذا اختزلوا الحقيقة حتى لا تراها عيوننا.

   الرسالة الثالثة:

  كنت نائمة عندما دق باب حجرتي..وبعد لحظات جاءني صوت أمي صارخا كعادتها.

 -هل تريدينني أن أكسر الباب وأدخل..ألا تشبعين من النوم..هيا قومي بسرعة.. ان موزع البريد ينتظرك لتوقعي على استلام طرد.

   هرولت الى الباب وفتحته.. مسكت الطرد بعد أن وقعت على استلامه.. لم يخطر ببالي اطلاقا انك مازلت تصر على أن أكون رفيقتك في هذه الرحلة الصوفية.

   لكن اليوم فقط عرفت كم أني كنت حمقاء، لاني كنت أشك في نيتك  تجاهي..عرفتها من خلال هذا الطرد الذي حمل الي رسائل ابن عربي

 دفعة واحدة ..ضحكت وقلت في نفسي وهل لمجانين الفن غير الكتب  ليقدموها هدايا الى عشيقاتهم..دعني أكون صريحة أكثر معك أيها الباحث عن لذة شوق.. دعني اقول لك مالم أجرؤ على قوله لاي رجل من قبل..ألست أنت القائل أيها الرائع:                  

 وتلك كانت تهمتي..

 في أرض لا تعرف معنى الحب،

 ولا معنى أن يولد من الحب أنبياء.

   أدهشتني المفاجأة وعقدت لساني الى درجة لم أجد ما أقابل به هذا الصمت الذي لم تعد تقدر على تحمله الأمكنة..هذه الامكنة التي مازالت ها هنا تحتفظ برائحتك..كنت أجدها مكومة أمامي على الصخور والاتربة.. استنشقها وأبكي..أتملى فيها طعم شفتيك الملتهبتين  وأنت تزرعهما شوقا، لكي يتأجج في جسدي.

  كانت المفاجأة كبيرة جدا.عندما فتحت الطرد وقعت عيناي على كتاب التجليات.. حاولت في بداية الامر أن أتفلسف لعلني أصل الى سر هذه التسمية.. لكن صوتك نهرني..طلب مني أن أركب موجة الشوق إذا ما أردت أن أعرف سر هذه التسمية..ازددت شوقا وأنا أقرأ هذا التجلي:" من صحت معرفته صح توحيده ومن صح توحيده صحت محبته فالمعرفة لك والتوحيد له والمحبة علاقة بينك وبينه بها تقع المنازلة بين العبد والرب".

   إذا هل هي تلك المنازلة التي تريدني أن أخوضها، وأنا عارية الا من وحدتي وجسدي.

   الرسالة الرابعة:

  وأخيرا تجلت لي حكمتك أيها العاشق!. ترى بأي عين أراك وبأي أذن سأسمعك؟.وبأي لغة أقرأ مشاعرك؟ وبأي لغة ستفهم عني؟.وأي لغة هذه اللغة التي ستكون قادرة على ترجمة هذه الاشواق القادمة من هناك.

 هذه اللغة القادمة من تلك الجبال وتلك الاودية والسهول التي تمدك بهذه الطاقة الروحية المعبرة.أي لغة هذه اللغة التي لا تعترف بسلطة تمارسهاهذه الامكنة على رجل اختار العيش بعيدا عن الاضواء ليكون حرا؟.

 وأي رجل هذا الرجل الذي بعيش في حجرة أشبه بزنزانة منفردة؟.

   عندما يئست أيها العزيز أخذت أمرغ وجهي بين أوراق كتاب التجليات وأبكي.. لعلني أتطهر من هذا الحب الذي انتقل لي عن طريق العدوى يوم التقيتك في تلك المكتبة.. هل كان علي أن ألتقي بك ؟..وهل كان علي أن أجيبك عندما سألتني عن الكتاب الذي كان معي؟..وهل كان علي

 أن اصطحبك الى تلك المكتبة لكي تشتري منها تلك الحزمة من الكتب التي ألفها رجال يطلقون على أنفسهم موجة الفلاسفة الجدد؟.

   الرسالة الخامسة:

  اليوم فقط وصلتني رسالتك الأولى منذ ان افترقنا..كنت خائفة عندما طلبتني على الهاتف لكي أرافقك الى المطار.أمي لاحظت حيرتي وترددي حاولت أن تجرني لكي أعترف لها، لكني تظاهرت بالتعب والمرض ونمت.

 لا أدري ان كانت قد سمعتني عندما انخرطت في البكاء..كنت أسمعها تتحرك داخل المطبخ..ربما كانت تسب.وربما كانت حزينة من أجلي.

 عاود رنين الهاتف من جديد.. رفعت السماعة وأعدتها الى مكانهاخوفا من أن يأتيني صوتك من بعيد معاتبا..حاولت وأنا داخل الفراش أن أختلق لنفسي الأعاذير والمبررات.عاتبتها على هذا التصرف الجبان . انكشفت لي حقيقتها..صعقت عندما عرفت أني وقعت في حبك بهذه السرعة..كنت أظن انها مجرد نزوة وسأتخلص منها بمجرد أن ترحل.. معتمدة على منهجي الفلسفي وعلى فلاسفتي الذين استنفرتهم واحدا واحدا، لكي اقضي على غرورك وكبريائك واطحن اقطابك الذين بدأوا يتسللون الى مخيلتي ثم الى ذاكرتي.

  كنت أحسهم يجوبون ليلا نهارا شراييني وأوردتي ..يحتلون مملكتي التي رسم خريطتها أرسطو  وابن رشد وطوما الاكخويني ونيتشه وسيمون دي بوفوار وجورج بطاي وجاك ديريدا وفوكو.

 وها أنت قد رحلت دون أن أودعك، أو أتركك تضمني وتقبلني قبلة الوداع، مع أني كنت أدرك جيدا بأنه ليس من السهل نسيانك، أو الهروب من حبك. أتعرف لماذا كنت خائفة أيها الصوفي المجنون؟..آه ليتك تعرف كم أني أحبك، وكم أني أخافك في نفس الوقت أيها العاشق الذي لا تنضب أشواقه أبدا !..لذلك فلا تلمني على فعلتي عندما تركتك ترحل

 دون أن أحضر الى المطار لكي أودعك وأبكي على صدرك مثلما فعلت سعاد وأخريات. أتعرف لماذا تصرفت على هذا النحو؟..كنت خائفة أن لا أكون ذلك النموذج من النساء القادرات على احداث معجزة التغيير في حياة رجل يقف مرابطا على حافة الجنون..لقد قلت لي عندما كنا نتمشى على شاطئ البحر:

 - ان المرأة التي لا تحول الرجل الى قطعة وجد ملتهبة لهي امرأة فاشلة وليست جديرة لا بالحب ولا بالاحترام.

   قلت هذه الكلمات وأنت تحدق في البحر..كانت هناك بعض النوارس تملأ عرض البحر بخفقان أجنحتها.. حاولت أن أستجير بها لعلني أجد عندها ما يوضح لي هذه الألغاز التي ترمي بها في طريقي..كيف لي أن أحولك الى قطعة وجد، لكي استمتع معك بهذه اللحظات؟..كيف لي أن أجعلك تهيم بي وحدي دون نساء هذه الارض؟.كيف لي أن أجعلك تبكي وتشرب حتى تسكر؟. ثم تقوم لترقص وتغني وسط الحانة هاتفا باسمي وبتلك اللحظات الجميلة التي قضيتها بين أحضانك أتأمل الطبيعة.

 كيف أجعلك تحتضن طيفي وتسافر..تهرب من نفسك ومن محيطك..تحتمي بالبراري والفيافي..تفترش الارض وتلتحف السماء وتناجي الكواكب والسفن المهاجرة..كيف السبيل الى ذلك ؟. ومتى تحين هذه الفرصة لكي أجعلك تبدع ما يخلد عذابي ودموعي..تكتب عن آلامي وأحزاني. تكتب عن تلك الدموع التي ذرفتها شوقا الى روحك العاشقة.

 تكتب عن الانقلاب المورفولوجي الذي أحدثه لقائي بك..هل ستكون وفيا بالقدر الذي أريد، وهل ستكتب عني بقوة الاعاصير والامواج..   تكتب عني بقوة البراكين والزلازل..تكتب عني القصص والقصائد التي تخلد ذكراي في العالمين..تكتب عني ما لم يكتبه قاص أو شاعر من قبل.. أريدك أن تعيد من خلالي سير الشعراء العذريين الذين انقرضت أخبارهم، وتعيد للحب ألقه الذي يرفض تجزئة المرأة... يرفض أن ينظر لها من حيث تبول فقط، ويتجاهل تلك المساحات الانسانية التي لا تحدها حدود.. يتجاهل توثبها الروحي والفكري..يتجاهل أشواقها وأحلامها.   يتجاهل أنوثتها المتفجرة أودية وأنهارا وبحيرات..أريدك أن تروي للناس قصتي كما عشتها معي..تقول لهم بعنفوان كبريائك وشموخك أنك أحببتني الى درجة الجنون..تقول لهم أنك همت بي كما لم تهم بأية امرأة من قبل..ترى هل ستفعل وتريحني ؟..هل ستكون لك الشجاعة، لكي تقول ذلك وفي حضور كل النساء اللواتي أحببتهن من قبل؟..أعرف أنك لست من الرجال الذين تحرجهم دموع النساء.. ولا من الرجال الذين تبهرهم المفاتن والبسمات.. أعرف أنك رجل له طقوسه الخاصة..

 رجل له مناخاته وتضاريسه.. رجل يحسن رسم خرائط نسائه بالالوان الطبيعية والكلمات الشعرية المتوهجة التي لا تشبه خرائط الرجال الذين التقيت بهم في الماضي..لقد كنت طوال هذه الرحلة من العمر أبحث عن رجل أعيش معه جنون الحب. وعندما التقيت بك خفت في بداية الامر.خفت أن لا تكون ذلك الرجل الذي حدثتني عنه لمساتك المجنونة وباحت لي به عيناك الملتهبتان شوقا الى عيون  تشرق منهما الشمس وتغرب فيهما..آه أيها العاشق الموغل في شرايين الخيانة ..هل كنت في كامل وعي عندما تركتك تأخذني بعيدا..كنت تسبح دون أن أدري على أي الشواطئ سترسو بي سفنك.. لست أدري لماذا أنت هكذا؟.

 هل لأنك عاشق وشاعر، أم لأنك اختزلت تجارب العشاق جميعا من شعراء وفلاسفة ومتصوفين في تجاربك الروحية، لذلك فاني لن أنتظر طويلا، لكي أعلن عليك الحرب، وأجعلك تعترف بحبي أمام تلك المرأة التي أخذتك عندما نفيت من قريتك ظلما..يبدو أن لعنة النفي ستظل

 تطاردك أينما ذهبت..وأن غيرة الرجال ومؤامراتهم ستظل تلاحقك من مؤسسة الى مؤسسة..ولا أظن أنك في حاجة لكي أقسم لك بالايمان   الغليظة، كي تصدقني بأنني بقيت أفكر دون أكل لمدة أسبوع كامل في أحداث تلك القصة الغرامية التي رويتها لي في آخر يوم من لقائنا..لقد قلت أن نهاد فهي المرأة الوحيدة التي استطاعت أن تعتقك من جنونك لتدفع بك الى جنون آخر لم ترتاده من قبل..كيف حدث ذلك وأنت ذلك العاشق المجنون الذي يختزن في روحه تراث العشاق وحكمتهم المنبوذة..وبماذا تميزت هذه المرأة عن بقية النساء اللواتي عرفتهن؟..وأين موقعي على هذه الخريطة؟. هذا هو السر الذي ظل يشدني الى نهاد.

  كنت أغتاض كثيرا عندما أسمعك تتحدث عنها وكأنك تشرح درسا، أوتشرح جثة في غرفة العمليات أمام طلابك.

   لقد قلت لي وأنت تروي قصتها بشئ من القداسة والجنون انها امرأة اقتطعت من وسط هذه التضاريس المحصنة بهضاب وجبال وسهول و أودية.. انها امرأة تشتعل حبا وشوقا وجنونا أشبه بحب وشوق وجنون رابعة العدوية..

   أنا متعبة بقصصك وغرامياتك الى درجة كبيرة..هل كتب علي أن أحبك وأحب قصصك أيضا؟.ربما.. لكن لماذا أجدني مصرة على المضي في هذا الطريق المحفوف بالمخاطر؟.

 الكاتب: ابراهيم عثمان

           عضو باتحاد الكتاب الجزائريين سابقا.

           حائز لى جائزتين أدبينين في مجال الابداع القصصي.

الصفحة 59 من 70

  • 54
  • 55
  • 56
  • 57
  • 58
  • 59
  • 60
  • 61
  • 62
  • 63

المتواجدون الآن

82 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في النشرة البريدية

اختر النشرة:

النشرة البريدية لمجلة أقلام

() حقول إلزامية

Information

×

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

مهارات حياتية

  • التعرف على متى انخفض تحفيزك الخاص حقاً
  • تحفيز فريق حين لا يمكنك تقديم المزيد من المال أو الترقيات
  • الثقة بحكمك الخاص حين يكون الدليل غير مكتمل
  • لماذا لا يعني الأمان النفسي أن تكون مرتاحاً
  • طرح قلق حول نبرة شخص دون أن يصبح الأمر شخصياً
  • تطوير وعي ذاتي حول كيفية تأثير مزاجك على فريقك
  • التعرف على متى تُسقِط مشاعرك الخاصة على الآخرين
  • حين تشعر مبادرة الرفاهية بأنها استعراضية لا حقيقية
  • حين يتشابه الإنجاز العالي والإرهاق
  • إعادة بناء الثقافة بعد فترة نمو سريع ومربك

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • الدليل المهني والإداري
  • الشاعر سامر سكيك