- التفاصيل
- كتب بواسطة: أمينة شيخ
- الزيارات: 13
العاشقان الخجولان
قفز مرتعشا، الأيدي ترتعش، القلب يرتعش و الجسد ينضح من كل مسامه عرقا محرقا... حلم لم يكتمل... لقد رآها ، أتت اليه بكل جمال الإناث و سحر الإناث و طهر الإناث وشبقهن، كانت لحظتها كل النساء و لم تكن سوى هي، حواءه الفريده.... . أتت اليه، تتحرش به كعادتها الجميلة القاسية، لم يستطع مقاومة اغرائها ودخل معها الى ذلك العالم الذي يعرفه جيدا ذاك المكان المنحدر من اللامكان والذي يحاول منذ أبديته البشرية ان ينسل بعيدا عنه ويسعى اليه دون ملل .....
كانت أجمل بكثير في الحلم و أبرع في الحب كانت شعلة من اللهيب البارد و الماء الزلال الحارق كانت تضم بين نهديها كل متناقضات الكون و أسراره، دخل معها الى عالم الكمال و التكامل أين لا هو ولا هي حيث تنافرهما تجاذب و اختلافهما تشابه، هناك سقطا في أغوار اللذّة المشتهاة لذّة لا جسدية لا روحية، لذة لا يعرفها سواهما... و في قلب النعيم، يلمح طيف الشيخ رشيد إمام المسجد، يراه قادما من بعيد بيده مسبحة، يخجل، يخاف، يترك نائلة و ينطلق هاربا....
" الى أين ؟
" يقول الشيخ "أمني تهرب ..؟
و يواصل الشيخ الكلام و يواصل سليم الهرب على الطريق الطويل المعفر إلي أن تصل اليه يد...
آه لم يكن سوى حلما، اللعنة هل يتبعني حتى في منامي، ألم يرفع القلم على النائم حتى يستيقظ، أليس لي حق في الحلم؟
و يتذكر ذلك الملاك الذي تركه في المنام، ذاك الجسد المعتق المتخمر الجاهز للقطاف، يتذكر اللمسة النارية و القبلة الشقية و... "أريد لو أنام ، سأنام ربما أجدها تنتظر... لكنها لم تعد هناك و النوم كذلك.. يشتعل شوقه اليها تلك التي لم يستطع طرد روحها الساكنة فيه و لم تفده رقى الراقين و لا تمائم المشعودين...
" نائلة...! أهٍ حبيبتي نائلة! لماذا تركتني و حدي أصارعك، تراك تتحرقين شوقا الي مثلما أحترق، لقد حاولت يا كبدي أن أتطهر من شبقي و شهوتي حاولت أن أغسل حبك، توضأت بماء زمزم و صليت في كل المحاريب و قمت الليل و صليت الفجر، و لكنك هنا داخلي تفترشين جلدي، تسبحين في دمي،وتتراقصين كجواري ألف ليلة أمام ناضري كلما أقفلت عيني، لم عودتني عليك ، تغلغلتي في حد الموت؟ ثم ماذا انسحبتي، شرطك بعيد يا عزيزتي هو على عيني و لكنه بعيد..." كان شرط نائلة ألا تلتقي سليما و لا تقربه و لا يقربها الا بعد أن يخطبها و تصير حلاله فقد سئمت التخفي و الهروب، سئمت الإحساس بأنها تأخذ ما لا يحق لها سئمت نفسها سارقة، سئمت نظرتها لنفسها في المرآة سئمت خجلها من الناس من أهلها و الحق أنه أيضا لم يكن مرتاحا و سئم الخوف الدائم الذي يعيشانه و لكنه لم يكن قادرا على التقدم الى أهلها هو الجامعي الذي لا يملك سوى شهادته و دخله البسيط... " نائلة، أتذكرينني ، أتنامين الآن أم تتكورين كمدا، هل تبكين كطفلة حرمت من ثدي أمها مثلما أشهق أنا ..." يتقلب، يتململ ثم يقرر: -
ألو! نائلة! كنت جميلة جدا في الحلم، لم أعد قادرا على البعد ، اشتاق لك ، أنا أحترق...، هل أيقظتك؟ طبعا أيقظتك الصبح سيطلع قريبا..
- لم توقظني يا سلامي، أنا لم أنم، لم أستطع، أتعلم لقد رأيتك في الحلم،آه ما أحلاه من حلم.. - اسمعي أريد أن أراك غدا - و لكن ألم نتفق؟...حسنا سنلتقي و لكن علينا ان نتماسك.... - حاضر سنتماسك، أريد أن أراك فقط، أريد التكلم معك... - فقط! - فقط! - نلتقي اذن. يلتقيان، يتكلمان ، تلتقي الأيدي و العيون، يتقارب الجسدان، الشفاه و يسكن الحب جسد العاشقان الخجولان مجددا...
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عمر الكوز
- الزيارات: 27
دمــوع في عيون مقدسيـة ...
يداهمني ليل ... يلف شراعي السابح في هذه المدينة المنسية، أحاول أن انتشر بين مقاطع الجدار الصامت فلا اعثر على سارية... زورقي غارق في مدمع السنين ومدى الأحلام في وطني.
أحاول أن اكتب على صفائح الطريق والتاريخ الدامي فينا فلا أجد دمعا ولا معنا يكفيانني لرحلة الغد المبهم.
أحاول دائما أن أجد شيئا بين الكوامن والأسرار ابحث عنه ولا يبحث عني اكتبه ولا افقه أبجديته المرسومة على كف الجريح بحروف اسمك المريمية ذات مساء عند منابع نهر الأردن.
هل تصدق الرؤية في مسارات هذه الرحلة وفي هذا المقعد البارد من يوم فقدان لجام خيولي البيضاء الشاردة في زرقة عينيك.
لم اعد الحين لافرق بين الزرقة وكتب التبشير المتداولة في الأسواق الشعبية ومنابت أعشاب السافانا في الأدغال الإفريقية.
لقد تشعبت الأشواك وتشابكت في جسدي المنهوك والأشواق الموغلة في الأحلام والظلمات المطبقة.
أناملي مرتعشة وفاقدة للأبعاد لم تعد قادرة على إتمام لوحة الإله العاشق فوق لوح السفينة المائل منذ أزل النجوم.
لقد اتحدت على غير العادة جرود الجبال وأعماق البحار في سبيل اصطياد الطيور الهائمة في السماء واسماك الطحالب في الأعماق المبشرة بالخلاص. كم هي متعبة مسافة اللقاء المخفية وراء سد فراغات الرفض الراكنة بهوامش قصائد الحب والوطن والإله الساكن فيك. و الآن قد أصبحت وحيدا وفقدت أشبالي ونحرت آخر فحول اسودي من على جسر ظهري المتصدع.
اقف أتألم و أتأمل في الله وفي النجوم وفي القمر في هذه المدينة الموحشة أحاول أن استشعر البعد في المكان واستبعد الزمن في لحظات التسويف بين النشوة في الفرح والغبن في قمة الحزن.
قد لا افقه التخالف ولا التحالف بين قوى الذات المنهارة بعد سقوط حلم الأوهام في مسارات الروح والطهارة التي تحتكم إليها ملائكة السماء في الحب والعطاء، ولكني كما كل مرة وكما زمان النفس في اللحظات الموعودة بقيت على الرغم من الانهيار والبعد عن بريق الطهر في عينيك أسدل ستائر الضيم في قلبي مترنما بآخر الهمسات فالدهر مسارات كما الوطن في طي المسافات، وامضي في عتم البحر والحلم أتعثر في الرفاق والزقاق المبلل من دموعي أكاد البس السراب في ليلي وتمر السنين لتطوي السنون في وجدي ومنابر أقلام الآخرين تكاتبني غفوة الشرود من عيونك ويضيع السؤال فيك أيتها العذراء...
أيتها المدينة والحبيبة كيف الخلاص ؟؟...
هدوء الطريق وغروب الشمس الخجولة في هذا المساء زاد من رونقة دمعي المنساب في وجل وجلال، لقد تعاهدت مشاعر الوعد والعهد في الجرح الذي مازال ينزف، لقد تطايرت الآهات حين لامسها السكون المسلط على حلتي وقاطرتي الأخيرة. كل شيء كان كالقضاء والقدر فلا خيار لي في الرحيل ولا في البقاء. قاطرتي هائمة من على سكة الفولاذ المصهور من حرارة الشوق دون موقف ولا إشارات حياة. القلم يجف وتنضب محبرة الومضات في هذا الزمن الذي ولت عنه وعني البشارة والأمل ليكبر الألم كما تكبر الأحلام وتنبجس من الشجون زفرة دكناء بلون غمامة سكرات الموت في هذا المكان الطريح.
ألم في ألم ووجع زاحف دون هوادة على نعش لا يعرف كفاف محرقة العذاب ولا نكد مسحة الروح عند التوديع. في هذه المقطورة السومرية، الوجهة غير معلومة وجهالة الدرب أفقدتني إحساس اللون المندس بين السماء والأرض.
شاسعة هي المسافات وقابعة هي الأفكار كل الرفوف تتدافع نحو الرأس المنسدل على النافذة الضبابية من المقطورة ذات المرايا المهشمة في بصري وبصيرتي. ابتعد عن الأفكار وعن القصيدة ابتعد عن الحرش والمرج في الحديقة وعن الحلم برحيقها المتهادي في جموع الحالمين في السحر والفتنة.
اسعد وهما حين ترتسم البراءة وابتعد اكثر لأجالس موتي وأشباح الدخان المتصاعدة من تحتي ومن فوقي.
ألحظ قدسية الزمان والمكان والتقط بعضا منها أجتبيه للحظة قادمة في وخز السؤال الصارخ واجد خاطري قصرا في الهواء المعكر بنفايات الريح العاصف بأزمة موقعي وموقعتي أجد نفسي ملاحا دون شباك وطيرا دون لحن صباح أؤوب في خيال القصر المهدم ارحل ضمانا لسيل جارف يأخذني إلى دوامة لا تنتهي وترحلين إلى لحن يصوغك حلما جديدا وصورتك لا تفارقني. فهل اصبح ماضيا ونسيانا في ذاكرة التحديث والمكاتبة ومسامرة الطير الغابر؟؟
اسكن الرحيل والهجرة والتهشيل في أمكنة المكعبات المتراصعة في أديم ارضي البركانية منك و أقاوم الوحدة والنصر المزيف و أعايش مبارزة خيط العنكبوت في سقف هذا الرأس.
مدينتي وحبيبتي ومؤشرة التذكرة وقاطعة حبال المرساة في الأرقام المفردة من نكبة الولادة في نفسي لم تكن الأشياء صدفة ولا كانت التكعيبة بابا من أبواب القدر في الرحلة وفي وجدي المنهوك. إنها الصحوة الشريدة اليتيمة في ضروب ثمولي الأبدي. فهل احرم من عينيك في لحظة الغياب والاغتراب أيتها العذراء؟؟...
لقد خان الجميع حين أعمت الأنانية بصائر حاملي المنجل والمعول وغرتهم في
الدموع امتداد السكون. لقد رحل الجميع دون أن ينظروا إلى ما خلفوه في حق الزهرة التي لامستها يداك ومنحتها بياضا من تلك الثلوج الحالمة بأفراح البيادر والمرجان الصخري.
أريد أن أوقف الزمن والرحلة حتى الثم بعضا مما أنا فيه من سحر الضياع منك ألقاه دفء وأنا أواري وأتوارى.
قد لا أكون احمل من متاع رحلتي غير دموعي وبعض الجروح التي لازمت شهقاتي في سيرة دمي المهدور من الآخرين وقد لا افقه اعتقاد العشق والفقدان من بعد الوداع، ولكن هل استحق كل هذا الشرود من عينيك وهذا الكم من الصمت الجميل؟؟.
إن الجنون يرسم حقيقة فيصل الإدراك للحظات الغابرة : لحظات رسمتها على مرايا القلب ولونتها بدم الشهادة.
قد أكون أسطورة جريحة أو فصلا من لعبة دامية في زمن الحاجة إليك ... الحاجة يا حبيبتي إلى نورس يرشد السفن في عرض البحر، والحاجة إلى ثوب مخاط من مسد نخيلي الباحث عن غمامات تقيه عبث الرياح وتلاعب المقامرين. بمصير التمر والتبر في هذه الواحات. وقد أكون متعبا جدا متعبا حد الثمول وحد السقوط في تمشيط الذكريات والذكرى ولكنني اعلم إنني مازلت احمل بمفردي آخر وريقات الزهرة الشهيدة ومازالت أحلامي تصر على الإبقاء على نفحات الماضي في تلك الحقول.
لقد خسرت كل الرهانات في عهدي فلا ميثاق الذراع الأيمن ولا كتابات الجدارات ولا أحاديث الإفك في السيرة كل ما اسطره في ليلي يمحوه طغيان السراب المخيم على المناضد البالية أمامي في جموع الكتب والمقالات الرجعية.
في هذا الوقت المتحضر من الرحلة والليل والهذيان تأخذني الغفلة في احتراس مني ومن رغبة في حواشي الرأس المحمل آلاف الأسئلة الصعبة، ودونما ادري أجد حبر أقلامي وسواكن وجدي سارحة ترسم وتسطر وحدها على أوراق (البوشات) البيضاء المبعثرة في الركن والجدار شذى الأحاسيس المنسية.
انظر إلى الأوراق والى دواة حبر كحلها ما حوته من قطرات الماضي. اعجب من نفسي ومن الجسد ومن الأقلام و أتساءل في صمت مني : أي سر تحملينه ويجعلك أيتها العذراء الحاضر الغائبة عني والواقفة فوق سديم البحر بين الزبد والكتمان؟؟
كان الجسر وحده يعلم سرك وسر حومان روحك فوق إحدى ضواحي مدينتي، لقد جالست روحك الجسر والقلم و الورق فتسارعت الأقلام في رسم الكلمات وكانت الأوراق في حالة من الاحتدام في ما بين المسطور والمنقوش.
كل يريد احتضانك في صمت لسر لا اعلمه.
حاولت مرارا وتكرارا واعترف إني فشلت. فشلت في الوصول إلى السر والى الدرب الموصل إليك.
غانجت الحبر والورق عساني التمس الرؤيا في هذا الدامس المجهول. سقطت تجربة المداعبة والغنج فولجت باب جلالة الإله لأقي صورتك في آخر سجدة كما أنت ملاك واقف لا ينقصه غير الحديث ... ملاك عشق لغة الصمت في الحوار بين البحر وأمواجه وبين الطير وألحانها.
كتب التفسير عندي عاجزة عن مداواة الجرح في باب الصمت وأنا قنوع بلا شيء الملموس منك والمحسوس في شرايين فلسفة البوح عندي.
كنت اعتقد الحكمة في نفسي فإذا بأوراقي تتناثر وتنكر عني لباقة الفهم وتكشف ستار السنين المندس في سبائك الروح القلقة وأعماق أودية الكتمان في بريق لا يضيء الدروب وتذكرني بأنني بشر في قافلة سير الوجود. لقد كنت أعيش سرابا ووهما مميتين في برج من طين مبلل برذاذ بدايات شهر ايلول المبارك. كل الصحارى في مخيلتي لم تعد تعرف واحات النخيل ولا خرير المياه فيها ولا تحليق الطيور فوق أقمار لياليها.
في هذا الزمن صارت إحرام الصحراء هراء في أساطير المربع... إنها وريقات الاكتشاف وما أصعبها حين تكون مخاضا داميا لا اعلم نهايته دمعة ستكون أم شرودا لا تفقهه العيون.
أخطأت في نفسي في رسم زهرة المدائن وحورية الشواطئ حين حاولت خلط الألوان وفشلت في فرزها على قماشة حرير مزيف. تقتلني النظرات منك ويضيع وجدي حين يلاحقني طالعي الأسود والشجن أينما حللت كيفما وهشت اعترف إني فشلت وفشلي هو خطيئتي وطامتي الكبرى أحياهما عذابا ودمعا قاتلين. ك احتقر الإنسان بداخلي حين اقرا في عينيك براءة الأقحوان وطهارة مهى الحقول وغزلانها وكم يأخذني شعور الإحباط والقنوط في هذا الزمن الساقط وأنا عاجز عن لقيان ذنب الفراق فما كنت لأكشف جبن الفوارس وأشباهها لولا ظلمات الليل وقدرة التقدير من عتمة أزقة هذه المدينة المزدانة بكلابها المسعورة وجهالة الأغبياء في إيصال رسائل الإبهام والتجريح.
تبكيني سمائي وتقذف بأغاريد الطيور الحزينة، وافرح وحدي. البعد والمكان وقدومك في زمن مقرف وانسحابي من الساحة المولعة بشرارات الحقد والعصيان ورمي سلاحي وتسليمي بالفشل في نظر الآخرين جميعها ما غيبت عني حقيقتي. حقيقتي التي أحيا على أطيافها على الرغم من الفشل في التعرف والمحافظة. حقيقتي هي النبض من القلب في الشرايين والفطر من الورد والضوء من أقمار الفناء. حقيقتي أنى احبك بقد الصمت وبقدر أعماقي الموغلة في وفي مسافات الأبعاد. بين الأرض والسماء وبين الناسوت واللاهوت الذي يسكنني وعزائي طيوري في نفسي انك البلسم المفقود الذي لم اقدر على مداواة الكلم النازف به وبك لم اقدر على التكيف مع هذه الحقيقة الموروثة مع تركتي التي لعب الغول فيها دورا فيما بين الأنصبة وكنت أنا المقصود لقد تعددت جموع الورثة واختلفت أفكارها وتباينت في تسيير وتحريك الأحداث في الأصول أو البقاء على الوضع المرهون لم اعد لأفقه ما يمليه علي الداخل والخارج من هذه الحلقة والحقيقة مهما كان العابر مخولا في تأصيل فقدان قواعد اللعبة ومجرياتها فلقد اختلفت في البداية لتلتقي في زاوية يكمن فيها تفسير الإيمان وطريقة هضم التبشير. وتقتلط الجهات وافتقد جانبا آخر من بعدي، جانب غير مصنف في منطقتي فالطرف المقابل لي يظل محافظا على نسق الكيان حين منحته هذا المزيج لقد فرضت علي الأشكال ديمومة بقيت في بعد يتراوح بين رفضي وخوفي من اتساع المسافة واتساع التباعد وقبولا لا يضمن التفاعل بين الأشياء وعناصره المتجانسة فيما بينها لتعزز في النهاية بعدا غير قادرا على الظهور في حينه نتيجة خصوصية تركيبته التي تمثل ظاهرة التقوقع ضمن العنصر الواحد في إيماني بالأشياء. من هنا كان التماس التقارب المفقود لا يخول الوصول إلى ما أرادته الروح في التعبير عن ما أسعى إليه بعد التعاطي مع الأحداث والانفعالات والتي خلقت كينونة دائمة للشعور بعدم التمزق والإعصار من خلال الفكرة المنشودة والإيمان المدن وراء الدرب المقصود من اجل الحب ومنح كرامة الإنسان للإنسان في زمنه.
أيتها العذراء لم تكن للأحداث أي تأثير في تحريك أو إثبات حالة الغياب المحسوبة علي وان كان المكان دون الزمان قد يمنح في كل بدايات الأشياء محور الأساس والإحساس بالله ومنطلق يرسم ماهية النتائج القابلة للقياس والمقاربة أما الزمان فقد كان أصولا إلى موضوع التفريق بين اللاهوت والناسوت بين الأصل والفرع اللذان أوصلاني إلى ذلك النسف الناتج عن تفسير لتلك التراكمات التي اعتبرتها في حينها إنها اللا خير المسقط على الخير في نفسي وحصول هذا النسف هو انتقاصة ونقض للإدراك وليس أساس البداية وفهم كما أردته من تضارب بين الأبعاد للشيء المحسوس والواقع المعيش والاعتراف بالشكل والحكم عليه.
لقد أوقعني تدارك النقصان في الرهبة في استحالة مجاراة الكم الهائل الناتج عن الاختزال في ترسبات الأفكار التي أوصلتني حد تطاول الأبعاد وتقاتلها في تفسير ميثولوجية الشفاعة بين البشر لاضيع من جديد في تراوح مني ومنك ولا أجد غير شبح الخوف والإرباك الذهني ولتذبذب الذي أصاب ذاكرتي حين اقتربت من لحظة الوداع التي رسمتها حروفا لامست أطرافا كانت عالقة في أعماق بحر عميق ونسجت فيه فراغات الروح القاتلة والمتطلعة إلى الخلاص والتحلل في شوائب الخطايا الممتدة وراء أطر معمدة الطيات والنسيان و أحكام الترسيب الموغل في الماضي.
لقد اعتقدت خطا لانك توأم روحي ونسياني بأنك ملاك من السماء وإحساسي بهذا الاعتقاد وبهذه الحالة دون فصلهما عن زمن ظهورك كان انشاءا وليس عادة تمكنني بالاعتماد عليها في الوصول الى تفسير طريق السر والبداية فيك لقد نسجت مرحلة الابتعاد عن الجمود في الروح ضمن الجزء الواحد الذي امتد ليشمل الكل مني في درجات متفاوتة في ما بين الفصل والتلاحم الانسيابي بين الأجزاء التي لم تعد تملك مقومات المناعة أمام هذا التقهقر الناتج عن تداخل الذات المسقطة في النفسية. لقد أضعت أفراحي حين تساقطت الدموع فهل كان المنام حلما وهميا ؟ لقد كانت السماء فيه بلون البحر ولا بحر ألا عينيك وكنت هناك. حاولت الاقتراب من نورك الساطع فاذاق ضوءك حدقتي وأصابني ما يشبه الغثيان حين قررت الاعتراف بين يديك الطاهرتين.
أيتها العذراء كنت اضن أن البوح هو الفرز والإعراب الأفقي فإذا به مجرد محسوس مارسته ضد العناصر المتبقية والتي لم يشملها الفرز المقترح في مرحلة الحب الأولى إني والشفاعة منك احتضنتها الشجون والهموم المكونة للحركة ضمن فراغي المرحلي بين الظاهر والواقع ودون أن اجعل الفعل وردة الفعل منبرا للآخرين بقيت في حالة من اللاوعي لما أردت أن اعبر عنه وان أبرهن عما أحس به في داخلي من شوائب أوجدتها حالتي والانحياز الأقوى وبالتالي ما أردته في ثورة الإقدام والإحجام فقد كنت سلبيا في التحرك وكانت جميع دوافعي في حالة الصراع مع الداخل المكون لمجموعة من الصراعات والشهوات المكونة في كليتها من رغبة كامنة في نفسي والتي أفرزت ثورة الإقدام والتغلب على كل الرغبات فما السر في ذلك أيتها العذراء...
انه اختلاط بين مزيجين مختلفين في نفس واحدة مزيج مركب من ملموس قابل للعد والتداول باختلاف معايير القياس، ومزيج شعوري سمته الاندفاع نحو الهدف الذهني تذكيه في ذلك قدرات تمتع بها المزيج الأول ليلتقيان في مرحلة صاغت تلاحمهما ليصبحا بذلك زاوية لا مادية ولا من معنوية تحولني إلى بداية الرحيل عنك من رغبة إلى غاية لتصبح توافقا بين أفكار للغاية وبالتالي أمام ركنين من اصل واحد، لقد حانت رغبتي والغياب دون الوصول إلى هضم موروثي الميثولوجي لقد اردت أن امنح نفسي برهانا ضمن إطار محدد من بين جوانبي غير أن هذا الإطار ظل وهما لا يشبه الوهم سوى في مقصورة أمام مخيلتي خلال اللحظات الثلاث السالفة ولحظات الفراق الراهنة.
كم كنت ساذجا في فرز الإفصاح في تلك اللحظات وقت إشغال البيادر في أواخر الصيف الحار وحين تفسير آيات اسفارك. قد لا ينفع الندم حين سبق القدر الرجاء غير أن الأمل يظل كما النسيان اصل بقدر جموح الرغبة وكبر الأحلام ونسيان بكم مرارة الهزيمة وطهارة الهدف في حروب الردة والخيانة في تاريخ القبيلة.
لقد وجدت كياني خارج إطار نفسي الممزقة بين الوعي واللاوعي للحقائق التي ارفض الاعتراف بها أو حتى مجرد افتراض صحتها، إن الحضور المكثف للصور المجتمعة خلال الفترة السابقة عن ثمولي كانت سبب قناعتي الزائفة والناتجة عن حالة النسيان المفروضة، فلماذا كل هذا الكم من النسيان في ذاتي ؟ الا يمكن أن اتسع إلى مجموع أفعالي ومراكبي الهائمة ؟ لماذا كان التداخل فيها رجعيا ومرحليا يبدأ من المضي في البعد ويتدرج إلى ما هو اقرب إلى حاضر الشاطئ ليعيش لحظة الوداع التي أحياها هذا الحين ؟ فشراعي الأبيض قد تبنى الداخل الثاني وهو عكس المرحلي حيث بدا من لحظة الفراق حين ينطلق من الشاطئ إلى ماض بعيد لاحق تحصل به التراكمات حد التضارب في ما بينها لاجد نفسي من جديد ممزقا بين بعدين متناقضين لا يحصل وجود الواحد منهما الا بانتفاء الثاني. الاعتراف أو الإفصاح يصبح بمثابة إقصاء للعنصر الثاني والذي هو الأول من حيث التواجد حين يجر همومي وهو الذي ما كان ليظهر العنصر الثاني لولا وجوده منذ البداية من هنا مدينتي وحبيبتي لا أجد بدا للخروج من حالتي إلا سلوك أحد الفرضين، فإما الإمعان في اللامبالاة في النظر إلى الوراء والإبقاء على ما يمكن أن يمنحني من إحساس لون الشرود والطهارة من روحك وبالتالي فقدان الموقف في هذه الرحلة. أما الخيار الثاني فهو الاعتراف والإفصاح عن القناعة المندسة وراء الروح الهائمة في سحر سماء الرب وبالتالي اعتراف بوجود هذا العنصر ونسف للركن الأول الذي هو في الأصل نفسي.
إن الخيار الصعب والتضارب بين الأبعاد يقارعان الموت والبقاء، فآنا الحسك بين الضلوع المحترقة من الحبر والبحر والسماء واكره نفسي لاني احبك ولأنني بشر.
هل لي من سبيل غير سبيل الدموع والضياع من دونك أيتها العذراء ؟ وتكثر النقاط على حروف الدفاتر ورسوم الأطفال، وابحث عنك في مكامن السحر السماوي وفي شطائر نقود الذكرى وفي تلويح الفراش الملون في حدود روحك الطيبة وأغفو شريدا في منامات الرحيل أكشف دونما ادري الدرب والطريق واكتشف بأنك سر جمي نقط الفناجين وكؤوس الندامة وانك نقطة ضعف روح هائمة وانك الوحيدة في هذا الزمن القادرة على منح الشفاعة والغفران في زمن الكفر والإلحاد والنفاق القاتل بين البشر على امتداد هذا الوطن المنهار. ولكم احبك ولكم اكره نفسي حين احبك يقتلني الصدق النادر في الرحلة وتنخرني أحكام الجور في مجالس الليل حول الموائد المسلطة على قضبان قفص الاتهام في هذه المقطورة الحزينة فمن يدافع عن الصمت مني والصمت فيك حلقات دون بداية ولا نهاية ؟؟؟ الجميع من حولي خذلتهم لحظات التعليل الزائف في سرد وإسقاط سهام الغدر وتعويذة الازلام المنسية، وحدها أحلامي ترفعني عن دنس الأرض وغضارها المشبوه ارفع لحظة الاعتراف إلى مستوى يليق بمراكبك المحلقة في الفضاء والمبشرة بالخلاص أينما حلت لقد عشقتها حين غمرتني بسحرها في تلك الاماسي ولقد كنت أنت سرها وسر قدسيتها وكانت التفاتاتك المهيبة للمذنبين من البشر تحول الطريق إلى درب الغفران وموعد مقدس في ميقات الساعات عندي . لقد أصبحت امضي وحدي احمل في رأسي بعضا مما خلفته الأساطير وآلاف الأسئلة التي تبحث عن أجوبة في عواميد الطريق الممتدة وفي حفر ومطبات الجانب الأيمن من السيرة، انني لازلت في الخطوة الاولى من الضياع ارى النجوم قريبة وما ابرح الللحظة حين اكتشف السراب هو المنتصر لا محالة أعاود الكرة تلو الكرة أصاب من جديد بنكبة من الجميع أحياها كما يحي أترابي هزائم المعارك في تاريخ القبيلة وعشائر الأعراب ، ابحث عن نفسي الشريدة في ذاتي تأخذني رياح الإبهام وحرقة الوصول إلى النجم المضيء في إحدى الزوايا وفي آخر الرصيف والمحطة.
دونما معرفة ولا دراية لتصنيف الخليط ولا المزيج تتشابك خطوط الأفكار وتتواتر علي رسما مكبرا للدوامة التي تحاصرني وتفرض علي ما لا يراه ويحسه غيري في تحليل الوجود والفكر والتكفير، قد أكون فقد النظر والسمع غير أن الإحساس ظل يحول أحداث الأيام في ذبذبات مرهفة التلون والظهور على تقاسيم روحي العليلة أوتارا لا اعرف مفتاح سلمها الموسيقي. إن الحيرة هي السمة الجديرة في هذا العالم والتعرف على الكوامن الدفينة بين طيات الجليد المتراكمة عبر سنين عمر الخطيئة، فالدواء في رحلتي قد سكب فلا شفاء ولا بشارة لدي غير الألم والأمل الممزوجين في كاس الرحلة فلا مناص من الهروب إليهما في النهاية.
أصبحت ادخل الأمكنة والمرابع أظل وأطيل النظر إلى ما وراء الجدارات والسواقي ورفرفة الطيور دون أن أشارك الفرح أو الحزن، أحاول فهم حالة الوجدان دون أن أجد بوابة الدخول لهذا الفهم المتباعد عن شعوري.
اشرد وحدي فيك وفي موعد الإقلاع من الساعة واشك في كل شيء في النفس وفي الذات وفي الأشياء الغريبة عنك وعني أعود عودة الأبطال المخدوعة في ولاء الفرسان والجنود... أعود واعلم أنى المخدوع في أمري من علانية الانتماء للوطن وراياته المنتهكة حرمتها وأسرارها الملتوية بإشارات أنظر أعيش فصول المسارح بعيد عن الوئام المس الخداع وطريقه وارقص شوقا وارقص جرحا كالعصافير المذبوحة ومنال الوجد المنهوك يزيد من إخفاء الدمع المفضوح و اسأل... إلى متى ونحن الغدر و(النفق) في هذا الوطن البائس بؤس مواطنيه... إلى متى أيها البناء وأنت لتشيد الجدار على غير أساس إلى متى والوهن يضرب أقلام عقود البيع والإيجار لاراضي الوطن... الوهن الجارح قايضنا المعاصي ومسابقة الخيانة في سدد العشائر والنحل... كل الماتم والتعازي قد رحلت حتى النعوات قد ودعتها جدارات الشوارع العريضة ...
لما لا تنقلب الأرقام في تقاسيم الامتداد منك أيتها المدينة الحبيبة لأخرج عن الصمت إلى تلك الجبال الحالمة بأسرار شجون البحر وأحلامها بالحان العازف الغجري المأجور بسمة ودموع... كم هو بعيد رجائي وقاتل حين تمنى الطفل مني رسم حروف وجده في سجلات الله الذهبية واستخارات اليوم المقدس من على صفحات الكتب المقدسة أنكر القدر عنها لحظة الخلود ، الارتسام واراده شريد في شوارع البلاد الشقيقة الشقية بكثبان الرمل الصفراء وأشجار اليأس والقنوط الملعونة.
قد تكون الحقيقة غريبة وقاتلة في الرسم وفي الخطوط التي ترسم الأفكار وتصوغ لي مدخلا في تشييد بنيان خصوصية السرية حتى لا أحس بالوقوف ولا بالعطالة. لقد أصبحت لحظة افتراق بدلا من اللقاء لقد حولني الشرود منك بطلا من ورق ومنحني قدسية غير ملموسة تحول الصمت رهبة وخشوعا يخافه الجميع وتخشاه المدائن التي تحولت إلى حالة من الخروج عن المألوف التي عاصرته في الماضي وعن دائرة اللحظة بين الوافدين للمساحات والحاملين أسرار الكون وطريق الخلاص الأبدي.
في هذه الساحات تذوب بسماتي في دموعي والويب الماثل أمامي لا يترك لحبات مسبحتي العتيقة فسحة في التعرف على الوافدين وعلى الصمت منك أحاول أن اهرب من قساوة الزفر وتكالب الأفكار الغريبة ارسم التاريخ دما واخطه على ضفتي النهر السليب في آخر صفحات اللوح الأزرق من كتاب التدوين لتواريخ المتوسط تلك التي لا تنفع الأجيال القادمة ولا تسر الناظر إليها.
الزمرة سليبة كما معادن التبر و الصدق نادرة الوجود و القطرة منها حياة، أفديك بها أيتها المدينة ولا أملك الخيار في الوعد و الوفاء في نصيب العول في تركتي، أفديك يا عقدة شباك صيدي و ألوان النمرجان من شطوط مدائن العشق من هذا الكيان و من هذا الدرب المتمي الذي ادخله حشرا و لا اقدر على الإفلات من أنيابه الخبيثة، أتلذذ بالموت الأصفر فيه و اعتمر زواياه أتوسل متضرعا و أتسول من القابعين في أديرة و كنائس منسية قصاصات و مذابح الشعوب. من ألمي استمع و من خيالات الترويج لاحباطات الفوارس و اقتضى تفسيرا لأحلامي بعد الرحيل...
يزيد و علي مازالا يتقاتلان و الحرب بينهما دائرة مع عذر أزلي و خيانة سارق لقمة الضمير في ذلك الصبح المشؤوم انهما ينهزمان و ينتصران و يتواصلان ببريق سيف الليل و انهزم أنا في النهاية كلاهما منتصر... انتصر علي و يزيد منتصر و أنا الوحيد المهزوم أيتها العذراء في ليلي و في نهارات سفك الدماء فوق ارضي المباحة لليهود في هذا الزمن الساقط، القسم الكاذب مبطل للحياة و قسمي إليك بعينيك و بالسماء، إني احبك على الرغم من الذنب ؛ حاضري و خاطري يقاسمانني اليمين في آخر هذا الليل و آخر مشاوير اللقاء المفقود في هذه الرحلة. صخب و ما يشبه الكفر بأعشاب الأرض و أعشاش الطيور دوامة و وهج فلا فواصل و لا سهام رجوع، كل الجوانب المحاطة بالخطيئة قد أينعت. أنيابها صفراء كخبث المضاجع و المراقد المطوية. هنا في لحظتي و دوامتي أمد يدي ما عادت تعترف لي بالانتماء. تغيب الحين و تسبح في الفضاء البعيد كل ما كان في ما عاد لي و رأسي و فآسي الوجيع ما عادا يعلمان من الاعراب غير جمود السماء و غدر القمر. غابت عروبتي و غدر بي وبك قبائل العرب رحلتي أضاعت عني كل شيء أوتاري و البطولات الوهمية لأنك أنت الكتمان أيتها العذراء الأسيرة .
أعيدي علي وقوف الزمن و حبس الرحلة في هذا الوهم و الضياع مجبر على لقيان أنوار البراءة و تمزيق ستر النسيان و الصمت أريد أن أصيح في جوف هذا الليل البهيم أصيح في مدى الصبح و أهشم السجن الضيق من قاطرتي و من حثالة الكأس المسكوب ترياقا و بلسما مسموما و حتى أرى فيك من جديد إيمان والدرة والقسام ....
هل تفشل انهاري في هضم السؤال؟ و يسقط القناع عن الوجه الواقف على خشبة المسرح القديم؟ هل اخرج من علب العرب والغرب وبلاد الامريكان.
أيتها العذراء إنني هنا في هذا الخراب و بين غيبات الدمع و الضباب إلى حين بزوغ الأمل كل شيء أقاسيه حتى العذاب و أصوات الذئاب حين وقوف القطار و الامتداد. ألملم الجرح منك و مني و أودع منك عطرا و تواريخ الوفاء، خيولك كانت خيولي حين كانت هنا على الأرض و على أعشاب حقول المدينة المقدسة الطهور الحين و قد منحت الخيول جوانح ووهبتها أرواح طيور و أسرار السناء.
أخيرا و كما كل مرة سأجد نقاط الحروف أولا من قاموسي الغجري و أتمكن حتما من الوصول إلى فرز مخرج من بين هذه الدائرة المغلقة من رحلة الغفران و التبشير أعلم انك ما كنت تعلمين عن (مدينتي) غير تجربة الانتماء القاتل و التي مررت و مررت بها و اعلم أن الحب وحده ما حدا بك لإعادة صوغ تجربة الغفران في زمن الفشل و غروب الشمس عن الأرواح و عن الأحياء و الأزقة الضائعة و المضاجعة لعتمة أكوام المنامات و الخطايا.
كل المسافرين في هذه القاطرة هم دون وجهة و لا مقصد، مادامت تذاكر أسفارهم لا تجمل تأشيرة للون جفونك في شهر نيسان. إن الزمن الذي أعيشه غير الزمن الذي تحياه بشائرك في هذه المدينة، لا نحلم بقدر ما نتوارى عن هذه الأحلام حين تمر... حبيبتي: لا أريد أن تضيعي كما ضاعت قصائدي ذات ليلة و إضاعتي في تلك الشوارع. حاولي نسيان السنين و جميع الذنوب و الوعود المقطوعة بين الأرض و السماء فقد تطول الرواية و لا أجد نهاية الطريق التي تليق بقداسة روحك. لا احب منك الدمع و لا أتريد لك السهر لأنني احبك و خطيئتي أنني احبك أيتها العذراء و ما كان لي أن احبك لأنني بشر.
اجل أريد أن تضلي هناك عند الانتماء اللازوردي للون خديك و شفتيك ذات الابتسامة المقدسة و الخالدة ما بقي من رسالة في وجودي سوى الإبقاء على تلك الجفون الناعسة، كل شيء برحلتي و مدينتي قد سقط، سأحاول إعادة بناء الزوارق من جديد في أرصفة المواني و أحاول رفع الرايات فوق سواري الأحلام حينها ستكون قبلة روح عينيك. عند حدود الورد و الأقحوان و هسهسة طيور السماء.
قد تكون المقطورة قد كرهت الشجن و الدموع و قد ملت أحلامي و أتعبتها حكايات الليل و لكني اعلم إنني سقطت بمدينة الضياع و الأشباح و لا زلت في بداية رحلة و العذاب و التبشير و معاودة تشييد البناء. و اعلم أنى احبك حتى الموت و انك صرت هناك عند الثريا عند حدود الله و السماء تحتفلين كل صباح بأفواج التائبين على يديك بنور بزوغ شمسك و تفتح أزهارك اليافعة.
إني أراقبك و اعمل على الرغم من الجرح كل حين في لحظة الاعتراف. حبيبتي إني أحاول و سأظل أحاول إلى حين النجاح عندها أطير إليك أقبلك و أموت بين ذراعيك شهيدا لعطر المنيوليا.
يا جسر الظهر المتصدع أقم الصلاة و ادع الحياة . أزل بردعة القتال في الجبال و هضاب هذا الكهف المظلم و تواريخ العشق...
التوي كالليل في هذا المثوى اركب خيال أسا طير التاريخ في الخلاص القبر و الليل و أحلام الوعود... يا جسر الظهر المتصدع كم من أسفار الدهر و الوانه و لفائق أقمشة شراع النسيان.
يتصاعد الدعاء من هنا من هذا المكان و أنام اقتسم الحلم و طائر الغذاف لتطعيم مدينتي و ما حوته من بقايا الخطيئة براء من كل المسافرين دون تأشيرة العذراء و من قبل الشقيق و الصديق المغامر براء من حمل كتائب الشمال و كتب التبشير في تلك الأسواق و من الليل و شراك عشق الأوطان المزيف... أضعت كل شيء و بقي النبض بك ومضات تبشر بالخلاص و الإيمان...
أحس بما كنت عنه أحيد... أولد من جديد بشارة و خلاصا لنفس أزفت ساعات ميقات الضياع منها ابدأ الخطوة كأنها النهاية التي ما كنت لألقاها لو نكسة خطوات الطفل الغارق في الأحلام مني.
يرتسم الأمل و يذوب في غيمات لا ترى يذوب الألم من أحاسيس التضيف و المقاربة في ذاكرتي وليد جديد فجر مازال يبحث عن البزوغ أيتها المدينة و الحبيبة... أيتها العذراء الأمل في عينيك فلا تحرمي الطفل من رسم خيوط العشق و دعاء الروح من أمواج البزوغ في تلك الضلال الممتدة شموخا و اعتلاء سباقا لقوس السحاب.
الجنة و الخلد و ترنيمة الترقيم من أشجان ليلي الحالم بركوب الضياع... مازلت امشي الليل أسيرا ارسم بابا بحدائقه العريضة... أمد يدي ليضيع الصوت و المفتاح بين صدا الرأس و بريق العينين... اكتب رسالة و ابحث عن ساع لإيصال هامشي الأخضر يقف الغراب و النورس اتلون و الهامش يعتم المدخنة و من الشحار المتطاير من غموض الوقوف و إطالة النظر في المدافن و الأبواب... لأتسول الحدائق خضرة و مدن التاريخ رسوم الرابط الرابض لألوان في مضائق البوسفور و البحر الأحمر لاعيش النسيان في أودية الكتمان و أعود النفس نكسة البعث في الأوراق و البحث عني و عنها في الاقانيم و في سحب الاعتراف لقافية القصيدة المبتورة.
أنت أحلام السفر و في الضفيرة الذهبية يتحقق الوعد و بشارة العهد من همسات أطفال العنادل في هذا الأفق البعيد؟؟؟
الوقفة منك و النعاس من عينيك عند اللقاء و العطاء من اشتياق الحمل و الرحيل لعبور جسر الوصول إلى القلب همسا و هدهدة لا يعرفان السكوت في أمسي في حقل الربيع و اصبح وحيدا أجالس الأفكار الجميلة... أرسمك وردة على وريقات الشجر الأخضر تمنحني سر عطور المساء السامر احلم وحدي كما يحلم الأطفال و كما تحليق الطيور المهاجر إلى الحب في لحظات غياب الوعي من سطور مكاتيب و دروب العاشقين الوردية.
الغصون و الأوراق و ثمولي برحيق الشفتين تلتقي و براءة الطهر لتلامس قرار نجواي و تسابيح صلاتي لتلك العينان الداجنتان.
الحمرة و الخضرة و ألوان رهيبة ترسم قوس السحاب في سباق للون الخدين اللازوردي المحسوس في شرايين الصمت و هسهسة الصمت الجميل.
تتسابق الطبيعة في الجمال و في رسم الخيال و تنتصر الوردة المرسومة عشقا و ترتسم أميرتي و حبيبتي. أيتها العذراء ابتسم دونما شعور فإذا بالوردة يحركها نسيم عليل في لحظة من شرودي و خرير هامس تهدهده حبات الجدول المنساب.
الحلم فيك و بك جميل و لا املك وغير تجديث النفس و الورق لتزدادين غنجا و دلالا و ازداد حرقة و هياما في رسمك و في محاولة ملامسة القرار و أضيع بين خطوط الرسم و خيوط العيون المرسومة وردا جوريا و اسبح وحدي مع الريشة و أناملي تفتقر الوقوف و تضيع في لون الخيال...
أي ملاك رسمته أيتها الروح الهائمة في هذا المساء و في هذا القبر القصي من الوجود المراهن على الحياة العذرية استحلف الرسام بعينيك و أطراف الخيط الأخضر بالتوقف و الرحيل عن سكب السحر الملون من الريشة و أضيع من جديد في اللحظة و اليقين و اكتشف الاعتقاد بعد طول البحث و التجديف في البحر و الجدول و الأوراق المنثورة من القلب و الشجر بأنك الحب المفقود في نفسي و انك القدر الموعود في تفسير آيات أحلامي البريئة و تلويح السماء القدسية في تيك المساءات الثملى بخمرة عينيك.
تناديني الحين تباشير الصباح و الربيع و زوايا الطهر تشرع لي الأبواب و تدعوني إلى الصلاة... ما اجمل السجود من اجل الخلاص و من اجل عينيك إني أتعمد الحين و اغتسل بندى الورد و أتطيب من غضار ارض المكان المخضب كأني بنفسي تطير بين هيبة الكون و أسرار السماء و أضيع حبا في ملكوت الله الفسيح عيناك يا وردتي تلاحقني و ترعاني في برج الضياع الجديد... آمنت بك فهبي عنادلي إن سمحت مقلتاك وردي البستان و نشيده حتى تذوب الواني في الألوان و تعود إلى أحاسيس صغاري
و بهجتهم و ما غيبته عني في ليلي و يومي سنين الأوهام و وجعي في الثنايا و دروب التمشي في آخر اللمسات و الخطوات المثقلة ألما و أملا فسبحانك اللهم ربي في الخلق و الإبداع و اشهد باني اعتقدت.
عمر الكوز
تونس
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد سنجر
- الزيارات: 18
دخلت إلى غرفتي الكئيبة
أغلقت الباب خلفي سريعا
أسندته بجسدي
أحاول منع هذه البرودة التي تلاحقني تصر على افتراسي
تحاول النفاذ من خلال شقوقه
جسدي يرتعد من شدة البرودة
أسناني تصطك ببعضها البعض
آه من هذا الألم الذي توغل إلى عظامي
أحاول الانكماش داخل جسدي
لعلي أنجح في الهرب من هذا الصقيع المرعب
ارتديت جميع ملابسي فوق بعضها البعض
ولجت تحت الأغطية الصوفية
أكفن بها جسدي من قمة رأسي لأخمص قدمي
أحاول حبس أنفاسي الحارة الخارجة من صدري داخل أغطيتي
لعلها تمنحني شيئا من الدفء
اللهم لك الحمد
أخيرا عدت إلى سريري ؟
كم أنا سعيد حقا
قلما يحس الإنسان بالسعادة في أيامنا هذه
أرجو ألا يكون حلما
بدأ الدفء رويدا رويدا يسري بأطرافي المتجمدة
منهك أنا
لقد كان يوما شاقا للغاية
هكذا لن أستطيع الحصول على أربع ساعات من النوم
و غدا يوم شاق آخر
ماذا سأفعل ؟
هل سأستيقظ لصلاة الفجر ؟
أرجو من الله ألا أسمع الأذان
فلو استيقظت للصلاة
لن أحصل إلا على ثلاث ساعات فقط من الراحة
فالساعة الآن تقترب من الثانية بعد منتصف الليل
و علاوة على هذا الإرهاق الذي سيطر على جسدي
كيف سأذهب إلى المسجد في هذا البرد القارص ؟
دعوت الله ألا أستيقظ عند سماع الأذان
يا رب
لم أحس بشيء بعدها
*******************
ارتجفت متلذذا منتشيا
و عندما زالت الرجفة
استيقظت على أحساس بالبرودة
تبللت الملابس
عندها أيقنت استجابة الدعاء
فهذا سبب آخر يستحيل معه الذهاب لصلاة الفجر
فمن أين لي الآن بماء دافئ للغسل
حمدت الله
لم أشعر بشيء بعدها
*******************
كأنه الحلم
سمعت صوت المؤذن
( اللـــــــه أكبر اللــــــــــــــــه أكبر )
لا ، لا ، لا
إنما أنا أحلم
فتحت عيني
لا إنه حلم
بدليل أنني لا أسمع شيئا الآن
( اللـــــــــه أكبر اللـــــــــــــــــــــــــه أكبر )
لا
إنه صوت الأذان بالفعل
ما العمل الآن ؟
البرد القارص ما زال متربصا بي
ينتظر خروجي من تحت أغطيتي فيفترسني
( أشهد ألا إله إلا اللــــــــــــــــــــــــــــــه )
ما العمل ؟
الحل هو أن أنام حتى الإقامة
خمس دقائق فقط
( أشهد ألا إلـــــــه إلا اللــــــــــــــــــــــــــــــــه )
سأقوم عندها و قد دب النشاط في بدني
خمس دقائق فقط
( أشهد أن محمدا رسول اللـــــــــــــــــــــه )
كيف سأتوضأ إذن ؟
فالمياه الآن تكاد تقترب من التجمد
لا ، لا ، لاااااااااااااااااااااااا
أي وضوء أيها الأبله ؟
هل نسيت أنه يلزمك غسلا للجنابة ؟
لا ، مستحـــيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل
( أشهد أن محمدا رســـول اللــــــــــــــــــــــــــــــــه )
كيف سأخرج من تحت هذا الدفء الذي أنعم به ؟
كيف سأذهب في هذا الصقيع إلى الحمام للغسل ؟
من أين لي الآن بماء ساخن ؟
و حتى لو فرضنا جدلا أنني سأقوم و أشعل الموقد على الماء
فكيف سأخرج في هذه البرودة و أنا مغتسل بماء دافئ
إنما أكون عندها كمن يقتل نفسه
نعم
و لا ضرر و لا ضرار
سيسامحني الله لأن لي عذرا
( عندها سمعت صوت نفسي اللوامة )
: ألا تذكر هذا الرجل الأعمى
نعم الأعمى الذي أتي رسول الله
صلى الله عليه و سلم
ليعفيه من صلاة الفجر في المسجد فهو لا يجد من يأخذ بيده إلى المسجد
و بعدما سمح له و هم الرجل بالانصراف
ناداه صلى الله عليه و سلم و سأله
: هل تسمع الأذان ؟
و لما أجابه الرجل بنعم
قال له صلوات ربي و سلامه عليه
( فلتلبي النداء )
( حي على الصلاااااااااة )
لا حول و لا قوة إلا بالله
( لكن نفسي اللوامة أبت إلا أن تزيدني )
: أزيدك من الشعر بيتا ؟
هل نسيت صورة هذا الشيخ المقعد المسن
الذي كان رحمة الله عليه يأبى إلا أن يصلي الفجر في المسجد
يصر على الذهاب برغم أنه كان مقعدا
يصر على الذهاب و لو محمولا على الأعناق
( حي على الصلاااااااااااااااااااااااة )
: لا حول و لا قوة إلا بالله
( حاولت أثني نفسي عن تذكر المشهد
إلا أنها أبت إلا أن تعريني أمامها )
: هل نسيت هذا الشيخ رحمة الله عليه
الذي كان موقنا بتربص أحفاد القردة و الخنازير له
و يوقن أنه هدفا سهلا لهم
و مع ذلك لم يمنعه هذا عن الذهاب إلى المسجد
بالله عليك ألا تخجل من نفسك
أي برد هذا الذي تتمسح به؟
أي جنابة هذه و أي غسل و أية مياه باردة التي تحاول أن تأخذها حجة لتتحجج بها لكي لا تذهب للصلاة
( حي على الفلاااااااااااااااح )
بالله عليك ألا تخجل من نفسك عندما تتذكر هذا الشيخ ؟
الذي تربص به الخنازير بطائراتهم ( و هو يعلم )
أمطروه بقذائفهم و صواريخهم ( و هو يعلم )
و الله إني لأحسدك يا شيخ (أحمد ياسين)
( حي على الفلاااااااااااااااااااااااح )
مزقوا جسده الكريم إربا ( و هو يعلم علم اليقين أن كل هذا يمكن أن يحدث له )
ليبعث يوم القيامة و يلقى ربه و هو ذاهب لصلاة الفجر
فستلاقي ربك و دمك يفوح عبقا و عطرا
لم تتحجج يوما لا بالرصاص
و لا بالقنابل و لا بالقذائف و لا بالصواريخ
و لا حتى بالقنابل الذرية
و الله إني لأخجل من نفسي عندما أتذكرك أيها الشيخ المقعد
يا خجل الشباب و الرجال عندما نتذكرك أيها المسن
و الله إني منذ رأيت أشلاءك الكريمة مبعثرة هنا و هناك
أخجل أن أدعي أنني مسلم
أخجل أن أدعي أنني رجل
( الصلاة خير من النــــــــــــــوم )
انتفضت ملدوغا أردد
: صدقت و صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم
( أزحت عن جسدي هذه الأكفان
لم أحس ببرد و لا صقيع
( الصلاة خير من النـــــــــــوم )
: نعم صدقت و صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم
( أية برودة هذه و أي صقيع
جريت إلى الحمام أغتسل سريعا
لم أحس بهذا الماء البارد المرعب الذي كنت أتخيله
( الله أكبر اللــــــــــه أكبر )
: الله أكبر الله أكبر
( كل ما كان يجول بخاطري
صورة الأشلاء الكريمة المبعثرة هنا و هناك)
( لا إله إلا اللــــــــــــــــــــــــــــــه )
: يرحمك الله أيها المسن المقعد أيها الشيخ أحمد ياسين
مسن و مقعد ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
بل نحن المسنون المقعدون
فأنت الشباب و أنت الرجولة
أما نحن فلقد
شاخ إسلامنا ، مات إيماننا
شاخت عزيمتنا
ماتت فينا النخوة و الرجولة
وجدتني أفتح النافذة أصرخ
:يا من تدعون أنكم شباب و رجال المسلمين
يا من يتأخر عن صلاة الفجر مهما كانت حجته
و الله لقد ألبسكم الشيخ الشاب أحمد ياسين
الخمار و الحجاب و البرقعا
( عندها نزعت عني الخمار و البرقع
مزقتهما و نزلت أهرول إلى المسجد )
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أديب قبلان
- الزيارات: 15
ورقة صفراء
أديب قبلان
وقفت أشعة الماضي تلاعب ذهني المشتت وأبقت على آثار من دماء الحاضر , لتذكرني بأن لي ابناً شهيدًا يعانق الأرض ، ويبكي دماءً تذكر بالوطن الخالد , وتمحو آثار جريمة الزمن الشنعاء ، كما نفضت أفكاري غبار الزمن عن عيني لتذكرني بابني هشام الذي قرر اللحاق بأخيه عبد الله ووهب حياته لتحرير عراق الإيمان والمودة , فلم يصل عنه خبر منذ أكثر من شهر ، وتناولت أذهاني أفكار تراكلته مؤنبة ضميري المنغرسَ في أحشاء جثة راقدة رقود المياه الآسنة ، فذكرتني بأبناء أختي " منى " ، هؤلاء الذين ظلمتهم ، فبعد وفاة أمهم آثروا اصطحاب الطريق الأعوج على اصطحاب الصراط المستقيم ، كنت أحس برعشة في جسدي كلما رن جرس الهاتف ، أحس أن شيئاً يؤنبني ، بل يهددني ، فما كنت أفهمه حتى النهاية .
****************
يوم السبت كان يوماً مشمساً بعض الشيء ، كنت أجلس في حجرتي وكل ما وصفت كان يصاحبني فيها ، كانت سيوف الشمس ، تخترق ستار الغرفة مذكرة إياي باستمرار الحياة ، إبريق الماء البلاستيكي يجلس على مكتبي وكأنه ملك متربع على عرش ذهبي ، يرعبني شكل الهاتف ذي الأقراص العابسة ، الكرسي مفجوع بإحدى عجلاته ، فكلما تحركت حركة ناداني من تحتي موبخاً ، المكتب مكون من رقعة خشبية تعلو أربعة قوام معدنية .
قطع صفوي المعتاد نقر على باب حجرتي الخاصة :
- تفضل
فكان وردان نصيبي من باب الحظ ذاك ، رجل ذو وجه ناصع البياض وشعيرات تختتم وجهاً مليئاً بالتجاعيد التي أوجبها الزمن عليه :
- أهلاً بمن أحب
- أهلاً بك أبا عبد الله ، أنت من أحب
ناولني الصفيحة التي تحمل كوباً مليئاً بالقهوة الخليجية - التي انتشرت في الموصل – و انصرف ، انتابتني حيرة ... ليس من عادتي أن أشاطره عناء حملها ، لكن هذه الحيرة غادرت عندما قرأت الورقة البيضاء التي علاها فنجان القهوة ذاك :
( مازن ، موعدنا يوم الاثنين في شعبة الحراسة ببغداد )
حاولت تذكر كل من لي ببغداد ، لم يستطع تفكيري أن يحصر شخصاً من عليه الزمن وعمل بمنصب في شعبة الحراسة ، فمن لي هناك هم أبو محمد سعيد الموصلي ويعمل تاجراً صغيراً في سوق الذهب ، وأبو أسعد محمد الفران ويعمل موظفاً في وزارة الداخلية ، والحاج سمعان الذي يملك قبواً صغيراً في سوق الأقمشة .
لم أطل التفكير واستدعيت وردان الذي لم يأت ، اجتاحني شعور غامض بالخوف ، لماذا لم يأت وردان عندما طلبته ؟! يبدو أن الأمر خطير ... وهنا بدأت هواجس الخوف تلاحقني تارة وهواجس الفضول تهاجم دماغي الضئيل تارة أخرى ، ولكن في النهاية كان ذهابي هو قراري الذي لم أغيره .
يوم الأحد :
وضعت مفتاحي المتعرج الذي غلب على لونه اللون البني موضحاً قرب نهايته في فتحة باب مكتبي الذي يشكل بيتاً لي ناسياً وجود ثلاثة أولاد وأم في المنزل ينتظرون الراتب الشهري الذي لا يتواجد إلا بعد مناقصة تقدم لمدير الشركة الأستاذ برزان الناصح .
كانت آلام قدمي قد أعيتني ، لونها يميل إلى الزرقة ، مخيفة إذ إن ابنتي سناء تخاف من النظر إليها ، لم آبه إلى تلك النكرات التي تخترق حياتي اليومية المعتادة ، ولكن ما كان يشغلني هو الخوف والفزع من المواجهة لأنني تذكرت التواجد الأمريكي اللعين الموجود على حدود بغداد .
المفاجئ أن وردان لم يحضر اليوم ! ، استغربت الموضوع ثم توقعت أن يكون مريضا أو به شيء ، لكنني لم ألبث أن ربطت غيابه بحادثة الأمس .
******************
يوم الإثنين :
منذ الخامسة فجراً ، كنت مستقلاً سيارتي البيضاء التي تشبه في واجهتها القط المريض وعجلاتها الأربع تصدر صريراً كلما ضغطت على المكابح ، كانت إذاعة صوت الجماهير تطرق أذني معلنة وجود أخبار جديدة ، حسبت هدفي نزهة من نزه العائلة التي كانت تتابع قبل الاحتلال ، أوقف شرود ذهني وتشتت الأفكار ذكريات الأب الحنون الذي طالما عطف علينا ، كم من نزهة ترافقنا فيها ؟! ، جاءني خيال أمي ينادي كصدر حنون تباعد عني إلى أن تلاشى ، ولدي عبد الله الذي أقسم على الثأر لعراق العرب و المسلمين ، تذكرت التهاني التي ملأت ألسنة الجيران والأقارب عند استشهاد عبد الله ، طيف هشام لاحقني فلم أسلم منه وهو أكثر ما أبكاني على طريق بغداد ، تذكرت بسمته الناعمة وعيونه الغائرة في وجهه الأسمر الذي يفيض براءة ممتزجة بحياء وليس خجلاً ، وهنا استرسلت أذهاني ذكريات " منى " هي أختي ولكني كنت أمثل لها أباً وأخاً وصديقاً ، كانت في زهرة العمر عندما قصدها ملك الموت قابضاً ، كانت فترة مرضها من أجمل فترات حياتها التي قضت ، فقد وجدت نفسها بصورة لم تكن معهودة لدينا ولديها .
كل هذه الأفكار وأكثر أخذت تلوي روحي وكأنها تغلي على نار هادئة ، بقيت أذرف دمعاً قلبياً لا عينياً إلى أن وصلت مشارف بغداد ......
*****************
كانت الحدود البغدادية مكتظة بجموع جيش الاحتلال ، وقفت عند أول حاجز عسكري ، تلفت قليلاً ... فوجدت رجلاً عظيم الجثة مكشراً عن ابتسامته الماكرة ، يقترب مني وفي يده اليمنى بندقية كبيرة بدت عليها آثار التطور وفي يده اليسرى يحمل بطاقة لم أفكر في مضمونها ، عفوياً ؛ انطلقت يدي تبرم مقبض النافذة التي غلب عليها التعب أدخل رأسه من النافذة وابتسم ابتسامة عريضة وقال :
- جوازك ..
ناولته جواز سفري الذي بدا وكأنني آكل أطرافه بجانب حساء ما ، اطلع على الصفحة الأولى التي تضمنت اسمي وصورتي ، وفجأة .... قال وعيونه منفتحة انفتاح عيون الليث :
- أنت؟!
ارتبكت بعض الشيء ، وتمتمت قليلاً ! فقال : " أهلاً وسهلاً " و ناولني الجواز وانطلقت خائفاً إلى خارج المنطقة الحدودية ، تذكرت الجواز وانطلقت يدي إليه مرتجفة ، تناولته .. فتحته .. نظرت في داخله .. البطاقة ، نعم إنها البطاقة التي لمحتها بيد ذلك الشرطي ، قلبتها ثم قرأتها ( في فندق البستان في شارع السلام ... ) .
شعرت نفسي بالتعب عند قراءة هذه العبارة ، ولكن ما هون علي هو تغيير مكان الموعد من شعبة الحراسة إلى الفندق .
من هو ذا صاحب الرسائل هذه ؟! ، أهو شخص أعرفه ؟! ، أم أنه مجهول المصدر والمصير ؟! ، كانت الأفكار تقوم على التضارب الذهني الذي لم يغادر إلا بعد أن أعياني .
وصلت إلى فندق البستان الذي قصدته من الموصل ، دخلت .. واتجهت إلى موظف الاستقبال ، ثم وقفت أمامه وكأني أبله لا يعرف لماذا جاء ، حدق إليَّ بعينيه الزرقاوين ، ثم قال :
- الأستاذ مازن ؟
فبدا لي أنه على علم بالرسالة التي وصلتني ، فقلت بصوت مبحوح يصحبه نشيج بسبب النخامة المتعلقة بجدران حلقي " نعم .. نعم ، أنا من تقصد "
وهنا استقبلني وكأنني أعرفه وطلب مني أن أجلس على أحد المقاعد الفاخرة الموجودة في ساحة الاستقبال ، ثم تحدث في أذني :
- أحد أعضاء الكونجرس الأمريكي يطلبك
انحلت مفاصلي وخفت شديد الخوف ، وقلت له :
- ربما أنا الشخص الخطأ !
فأجاب :
- بل أنت هو
أخافني جداً وبدأت أفكاري تستبعد احتمالاتٍ وتقرّب احتمالات ، ثم اتجه الموظف إلى السلم الطويل المتعرج الذي غلب عليه اللون الأبيض لامعاً لمعان الشمس ، واختفى عن الأنظار .
هنا تذكرت ولدي هشام ... تذكرت صغره الذي كان زهرة من زهرات الوجود ، تذكرت ما انبثق عن يدي عندما لم أمنعه من الذهاب للجهاد ، أصبح الناس يهنئونني باستشهاده قبل أن يعرف عنه أحد شيء ، أهي شماتة الأعداء ؟ ، أم هي استهزاء بالشهيد الحي ؟ ، تراكلت أذهاني قصص كثيرة ، وتواردت عليها خواطر غريبة عجيبة ، كنت أخاف هذه الأفكار كلما دقت بابي ، قلبي يرتعش كلما قصدتني هذه الأفكار ، أخاف أن يصدقها الزمن ويحكم عليها بالوجوب على رأسي الأقرع الذي نمت في وسطه شعيرات ربما هي من الإرهاق العقلي .
ماذا يريد مني أحد أعضاء الكونجرس ؟! ، هل وصلت خبرتي الهندسية إلى أمريكا ؟ ، لا أعتقد .. ولكن يبدو أن أحد الأقارب في المهجر وجه إليَّ رسالة عن طريق هذا الشخص ، وهذا ما هدأ من روعي .
جموع من الصحفيين الفرنسيين يلتفون حولي هنا وهناك ، منهم من وقف بلا حراك ومنهم من يشرب عصيراً كان أو خمراً ، ومنهم من يقف إلى جانب أحد المسؤولين يكتب ملاحظته .
ما هي إلا دقائق ، فإذا برجل ضخمٍ ضخامة نخلة في وسط الصحراء يلبس بزة سوداء حالكة وكأنها ليلة بلا قمر ، على وجهه الاسطواني تربعت عدستان لونهما شديد السواد وعلى ثغره ارتسمت ابتسامة حسبتها خبيثة وحركت في نفسي شبح الخوف مرة أخرى .
اتجه نحوي .... وعندما وصل قال لي "أهلاً بك " ، أشعرتني هذه الكلمات بشيء من الراحة ، فقصصت عليه قصتي ، عندها طلب هويتي فأبرزتها ، مد يده إلى جيبه وأخرج ورقة صغيرة سجل عليها بعض الملاحظات وكأنه أحد أفراد المخابرات العسكرية ، ثم انطلق إلى أعلى يتبع خطوات الموظف الذي لم يعد إلى الآن .
ثوان بسيطة ، فإذا بشخص طويل القامة ، يرتدي ملابس زرقاء ، يتوسط صدره رابطة عنق بيضاء ، ذي لحية شقراء خفيفة ، يتأخر عنه شخصان ذوا نظارتين شمسيتين كالمرآة يعكس زجاجهما صورتي البريئة ، يتوجه إليَّ مبتسماً فاتحاً ذراعية الواسعتين ، لم أملك من حيلتي إلا أن اتجهت نحوه وفتحت ذراعي وعانقته معانقة الأخ لأخيه وأخذ يربت على كتفي كمضرب ينفض الغبار عن فراش امتلأ بالغبار ، ثم قال بلهجة مصرية متقنة :
- " ماذا يا مهندس مازن ، أنسيت جوزيف ناي ؟ "
فككت اشتباك الأيدي واشتباك الأفكار ، ثم تمعنت قليلاً في وجهه ، وابتسمت ابتسامة نبعت من القلب معبرة عن ارتياح نفسي كبير طالما انتظرته طوال هذه الرحلة الصعبة ، قلت له :
- أنا سعيد جداً بلقائك
- آه يا مازن ... مر زمن طويل على افتراقنا ، وربما بعد سنوات ستجدني رئيساً للولايات المتحدة
أجبته مازحاً :
- وعندها ستضطر إلى تحويل العراق إلى جنة خضراء
قهقه بصوت عظيم رج أركان الفندق و أفزع من كانوا في ساحة الاستقبال ، ثم أردف :
- هذا ما لا أستطيع فعله
اتجهنا إلى ( الكوفي شوب ) ، لم أتوقع أن يبتسم لي الزمن مثل هذه الابتسامة الحقيقية ، كيف انتقلت من مهندس مدني في شركة لشخص كبرزان إلى شخص مهم يعرف أحد أكبر أعضاء الكونجرس الأمريكي ؟! ، آه يا زمن كم أنت تسعد أحياناً وتخزي أحياناً أخرى .
منذ عشرة أعوام أرسلتني وزارة التخطيط العمراني إلى مصر لأحصل على الماجستير في الهندسة وهناك التزمت زيارة المشاريع البنائية الضخمة أبحث فيها عن أكبر قدر من الخبرة وخصوصاً أن المصريين قد برعوا في فن العمارة والتصميم ، وأثناء وجودي هناك كان " جوزيف ناي " أحد أفراد الفرقة التي انضممت إليها وهو أمريكي الجنسية ، وكنا سوياً في سكن واحد واستمرت علاقتي معه مدة ثلاث سنوات من الزمان ، نشأت هذه العلاقة على أصول من المحبة وعبق من عطر التآخي وغلب عليها الحب الصادق الذي بقي إلى أن رأيته الآن .
أخبرني جوزيف أنه ترك القاهرة بعد سنتين من مغادرتي ، وعاد إلى الولايات المتحدة وهناك أصر شديد الإصرار على تعلم اللغة العربية لما وجد فيها من معاني عريقة أصيلة ، وكان هدفه من أسهل ما وصل إليه ، حيث أجادها إجادة متقنة و كان السبب الوحيد لذلك هو إعجابه بالحضارة العربية الشرقية وميوله إلى العرب وحبه لهم .
اقتحم جوزيف المجال السياسي وبدأ الطريق بخطوات واسعة ، أبديت له استغرابي الشديد ونحن نشرب العصير ، وذلك لأنني طوال علاقتي معه لم يظهر أي اهتمام بالسياسة وإنما بقي اهتمامه منصباً على الإعمار والتعمير .
تبادلنا الأحاديث العشوائية وتراكلتنا الذكريات الجميلة في مصر ، تذكرنا أيام الجامعة التي كم سعدنا بوجودنا فيها مع سيد وحسني ويونس والبقية ، تذكرنا رحلتنا إلى الصحراء وتخييمنا فيها ، تذكرنا كثيراً مما رفض الزمن تذكيري به بمفردي .
اتجهت إلى فندق الرشيد بعد حجزي غرفة فيه ، أخذت حماماً دافئاً ، بعدها أخذت فترة استرخاء للمفاصل التي تعبت اليوم من لقاء جوزيف ، كانت ذاكرتي حينها تقلب دفتر الأيام وتنفض الغبار عن وجه فظيع ، أبكتني الكثير من الذكريات واعتصر قلبي كثير من الهواجس ، فكانت النهاية نوما طويلا .
استيقظت في الخامسة والنصف ، في السابعة كنت في طريقي إلى فندق البستان ، انتظرت جوزيف في السيارة إلى أن أتى لابساً بدلة سوداء و يحمل على طرف خصره آله تصوير ويلبس نظارة كالتي ارتداها بالأمس .
- اليوم أنت أمريكي ، وليس مصرياً
- بل أنا عربي أمريكي ، فسرها بنفسك ...
أردف :
- إياك أن تأخذني إلى ملجأ العامرية !
- اجلس في السيارة وحسب
انطلقت في السيارة إلى أن وقفنا على الإشارة الحمراء :
- كيف كانت إقامتك في بغداد ... أرجو أن لا تكون متعبة
- وكيف ستكون مريحة ومسؤولوكم لا يتركون مجالاً للتعاون
- جوزيف .. أريد أن أرى المهندس جوزيف وليس السياسي
صمت برهة فأردفت :
- سآخذك إلى مقهى شعبي لأريك قيمة النرجيلة العراقية
فأجاب موافقاً و بدت أمارات البهجة على وجهه الأشقر المموه بلحيته الشقراء البسيطة ، أوقفنا السيارة بعيداً عن الزحام المتدخل ، وأكملنا الطريق مشياً على الأقدام إلى أن وصلنا إلى مقهى الزهاوي ، شعر جوزيف أثناء الطريق بتوتري ، فحاول أن يخفيه على نفسه ، فأقبل يتفحص المحلات التجارية و يعلق على كل ما يراه ولم يفتح أي موضوع قد يخصني .
أثناء جلوسنا في ذلك المقهى الذي ينقل لي صورة الآباء والأجداد ، ويرسم لي أزهى صورة عن العادات والتقاليد القديمة التي اعتاد الجميع على المحافظة عليها ، ولم تخـف عن جوزيف نظرتي السليمة لحفظ العادات ، مما شجعه على انطلاق لسانه بصورة لم أعهدها عنه طيلة علاقتي الوطيدة به .
نفث دخان النرجيلة من أنفه الأفطس ثم قال بهدوء :
- سمعت أن ابنك قتل في الحرب
هنا بدأ قلبي يرتجف وبدأت قدمي تعوي علي ، ارتبكت مفاصلي وارتجف قلبي واتجهت أفكاري يميناً وشمالاً لم تعرف الهدوء ، ثم ارتسمت على وجهي عقدة ربما أخافته وقلت :
- لم يقتل ... كلكم تقولون قتل ، هو لم يقتل وسيعود يوماً من الأيام
هدأ من روعي واستغل الموقف ، ليبدأ السؤال عن العائلة ، وكأنه تناسى الموضوع فقلت له :
- كيف علمت بأمر ابني ؟
فأجاب وهو يغير من جلسته ويخلع النظارة عن وجهه :
- حكاية طويلة سأحكيها لك لاحقاًً
غيرت الموضوع وفتحت موضوع المطاعم الشعبية ، فتحدثنا عن كثير من الأكلات التي اعتدت أن أتناولها طوال فترة إقامتي في بغداد منذ خمس سنوات ، ثم نصحته بأكل أكثر الأكلات فقداً عند غير العراقيين وهو سمك دجلة الملون الرائع الطعم ، ثم استأذن جوزيف قائلاً :
- غداً طائرتي إلى نيويورك في الساعة الحادية عشرة ظهراً ، وأريد أن أتحدث معك في موضوع مهم جداً قبل أن أغادر
اتفقنا على موعد في اليوم التالي ، ولكنني أخفيت فضولي ، فقد حركت آخر عباراته شيئاً في داخلي أخافني ، فأنا منذ البداية لم أكن أتحرى المواضيع الغامضة خوفاً من الصدمة لكن يبدو أن ما شدني إلى الحضور لبغداد هو ما سيقوله لي غداً.
*********************
في اليوم التالي كان بانتظاري في ساحة الاستقبال في فندق البستان ، رحب بي ثم اتجهنا إلى الحديقة الخلفية للفندق وأنا ألحظ وجود كلام في فمه لا يقدر على إخراجه ، أخافني أن يكون شيئاً يؤذيني أو يؤذي شيئاً من أفكاري .
فقلت له :
- جوزيف .. ألا تعتبرني أخاً لك ؟
فأجاب وقد كشر عن عقدة بريئة في جبينه :
- بلى .. هو كذلك
وقبل أن يبدأ بالكلام ، قلت له :
- أأنت من استقبلني في حدود بغداد ؟
- أنا ..! أه تقصد الجندي ، فعلاً أنا من وضعه ليخبرك ، وهو عراقي الأصل انخرط في سلك الحراسة الأمريكية ، وكان وضعه على الحدود هدفاً لتوجيهك إلى الفندق لا إلى شعبة الحراسة .
ثم أردف :
- اسمع مازن .. قابلني القس هورنر ، وهو رجل دين طيب جداً ، وظف من قبل الكونجرس ليقوم بتطبيب الجرحى مع مجموعة أطباء ، فاستطاع أن يحصل على كثير مما كان بحوزة جنودكم الذي قتلوا من هويات وأوراق وممتلكات ، ومن بين ما وجدوا هذه الرسالة .
ثم أخرج من جيبه ورقة صفراء مربعة وتابع :
- كانت هذه الورقة في مظروف كتب عليه اسمك وعنوانك
أخذت منه الورقة ويدي ترتجف ، و يتصبب من رأسي عرق بارد مخلوط بخوف حار جداً ، ثم نهض وربت على كتفي وابتعد إلى أن تلاشى .
فتحت الورقة ثم كانت المفاجأة :
( أبي الحبيب أرجو أن تكون بخير وصحة جيدة قد تتأخر عودتي قليلاً.. أنا
بخير فلا تقلق ، في الغد سيعود صديقي عزيز إلى الموصل وسوف يخبرك بكل شيء.
وأنا إن شاء الله سأكون بينكم في الأسبوع المقبل. أشواقي ومحبتي وقبلاتي
إلى أمي الغالية والعزيزة سناء.
ابنك هشام مازن الحمداني ) .
هـ . ش .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عماد رجب
- الزيارات: 15
عنتر الا ربع
بقلم :عماد رجب
كانت من أندر الفرص السحرية التي تأتي للشخص مرة واحدة، والتي يستطيع بها عنترة العبسي أن يصل إلى جمهوره ومحبيه، سواء من قبيلته أو من الممالك الكبرى، مثل ممالك كسرى وقيصر،
ولم يكن عنترة يعرف أي شيء عن هذا اللقاء، غير أن المذيعة شرحت له كيفية نقل صورته إلى الناس في جميع البلدان، وأرته صورته على شاشة الكاميرا المعلقة على حامل أمامه، ولم يكن عنترة مصدقًا ما يحدث في البداية، ظانًا أنها أمور شيطانية يتدخل فيها الجن، فيوهمه أنه أمام نفسه، إلا أنه بعد ان قدم أناس من آخر القبيلة، فرحين برؤيته أمام شاشات التلفاز، التي وضعتها المذيعة في أطراف القبيلة صدق أخيرًا عنترة, وأخذ يجيب بزهو على أسئلتها الشخصية والعامة في فخر واعتزاز , وراح يعدد مكارمه، فهو الذي مد يده للأحمد بن شوقي والحافظ بن إبراهيم , وغيرهم ممن تسمونهم الآن أمراء الشعر العربي, فلولا فصاحته وبيانه ما تعلموا الشعر وما ظهر لهم بيان.
إلا أن عنترة نسي أنه أمام مرآُة مقعرة ، تنقل كل همسة وحركة للناس في مختلف الممالك والأقاليم، فيشاهدها ممالك الفرس والروم , فأخذ يلعب لعبته السرية الجهنمية , وتظهر للناس أخلاقه الحقيقية , فغمز للمذيعة بطرف عينه, طالبًا منها مصادقته, وإقامة علاقة غرامية معه..
ذهلت المذيعة الفاتنة، وراحت تسأل نفسها: هل جمالي أنسى عنترة عبلته ؟ وهل هذا هو عنترة؟ رمز العزة والجود والأخلاق الحميدة؟
كلا... وأوقفت التصوير، وقالت له يبدو أنك ماكر محتال، استطعت أن تخدعني بذلك الشبه الملحوظ بينك وبين عنترة، فكشفك سوء خلقك وقلة أدبك، فافتضحت أمامي وأمام كل الناس ..أين عنترة ؟
فأجابها: أنا عنترة.
فكررت السؤال: أين عنترة؟
ولما رأى منها الإصرار والتأكد من أنه ليس عنترة , قال لها : إٍنه هناك خلف هذه الخيمة، يلمع سيفه ليدافع عن أهله وعشيرته ، وينظم شعره حبًا في عبلته .
لملمت تلك المذيعة الفاتنة حاجياتها ، وذهبت مع مصورها إلى عنترة , وكان حقًا عنترة..
فعندما رآها وضع عينيه في الأرض ورد خجلاً : نعم أنا عنترة ، لكنني قد زهدت الدنيا بعد فراق القسورة عبلتي أم العيون الساحرة , فلم يعد لي في الدنيا حاجة بعد فراقها , فلا أبتغي ترفًا ، كفاني أن أعيش على ذكرى حبيبة طاهرة ، وطلب لهما من الطعام والشراب ما يكفيهما طوال الرحلة ، وأمر معهما بدليل , وكانت كلمة السر عنترة , وراح ينظم شعره في حبيبته الطاهرة ، ويعلمه لأشباله الكثيرين في حب وطيب نفس ، حتى ذرفت دموع الحاضرين على حبيبته وعلى القسورة .. عنترة أسد الأسود القاهرة ، وأمسكت المذيعة بالمايكروفون وعيناها تدمعان وقالت ......؟؟؟؟
هـ . ش.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رضوان احمد بسداون
- الزيارات: 16
غرفة سوداء، اشخاص مجهولون، مشاعر الخوف تطغى على المكان
- اسمك سنك عملك و عنوانك
- أظن انكم تعرفون هذه الأمور ما دام قد احضرتموني إلي هذا المكان
تلقى صفعة من مجهول كان وقعها خفيفا فأعصابه كلها مشدودة الى عقله و ادراكه و تركيزه منصب على الجالس امامه.
- اجب عن الأسئلة دون تفكير
- كيف..اجيب عليها دون تفكير؟
تلقى صفعة كان وقعها اشد من سابقتها.
- اتمزح معنا وسائل التعذيب موجودة، وحيز السلطة سنستغله ايما استغلال، ما رايك تجيب عن الأسئلة ام نلجأ الى حقنا في استخدام السلطة؟
رسم ابتسامة على وجهه تحمل دلالة التعجب و الإستغراب.. حقك في استعمال السلطة؟
لحظة صمت...
- العربي بن صامد ، 30 سنة ، عاطل ، قرية منسي الحال ، الأطلس المتوسط
- هل تعرف هذه الصور
- لا
- انت متأكد؟
- والله
ضحكات اسهزاء، مصدرها مجهول
- كنت مع هذا الشخص البارحة ، كنت تكلمه قرب سوق الجملة ما علاقتك به؟
- كنت ابيعه بعض الحلي التقليدية
- لكن قلت انك عاطل
- نعم عاطل انا حاصل على الدكتوراه في العلوم و ابيع الحلي التقليدية هل تسمون هذا عملا ؟
يتلقى صفعة اخرى
- تأدب مع السلطة
- والله عهدي بأن السلطة في خدمة الشعب وليس استخدامها ضد الشعب
ساد صمت طويل وبين الفينة والأخرى ينكسر بوقع اقدام مجهولين
- انت متهم بجريمة الإرهاب
- كيف؟
- امضي على هذا المحضر
- لكن على ماذا سامضي؟
- على اعترافك
- لكن انا لم اعترف بشيء
- بل فعلت
- كيف والله ما قلت الا الحقيقة ؟
- الم تقل انك حاصل على الدكتوراه في العلوم و عاطل؟
- نعم
- اذا هذا كاف لإ دانتك
- وما علاقة ذلك بما تتهمونني به
- لديك دوافع كونك عاطل و لديك الوسائل كونك حاصل على الدكتوراه في العلوم و لديك الترتيب كونك تنتحل شخصية بائع الحلي و بذلك تستطيع تحديد موقع ووقت تنفيد العملية.
- لكن هذا ظلم
- اتتهم السلطة بالظلم ، هذه تهمة جديدة نضيفها للمحضر، الإعتداء على مقدسات الدولة
- هل السلطة موضع تقديس عند كم؟
يتلقى ضربة على رأسه يفقد على اترها وعيه.. مرت نصف ساعة..يستيقظ من الغيبوبة.
صرخات كثيرة تتردد وكأنها صدى يتألم من تريديها الجبل رائحة غريبة تفوح من الغرفة المجاورة.
- امضي على المحضر
لا يجيب
يمسكون يده ..يضعونها على الطاولة ..تنتزع اضافره من لحمها..
يطلق صرخة مدوية..لكن لم يسمعه أحد..انت في مكان مجهول المعالم بعيد عن الناس و الانسانية.
- حسنا ... حسنا .. سأمضي على المحضر
- غدا ستأخد الى سجن المدينة، لقد تمت اذانتك بالسجن مدى الحياة
- وهل تمت محاكمتي..انا لم افعل شيئا؟
- بل فعلت والمحضر يثبت ذلك
يحمل الى الغرفة المجاورة ، يكبل بالسلاسل ... لحظات.. بدأ يسمع انين ، الغرفة مظلمة،رائحة الحرقة تجول في ارجائها ..
- من؟؟؟
- ضحية السلطة
- ما تهمتك؟
- حاصل على الدكتوراه
- هل امضيت على المحضر ؟
- نعم
- منذ متى؟
- منذ عشر سنوات
- عشر سنوات؟!!
- ألم يأخدوك الى سجن المدينة؟
- آه حتى انت صدقتهم؟؟
يطلق صرخة مدوية...اسمعها لنفسه..وللسلاسل..ولضحية السلطة.
استيقظ من نومة فزعا ، نظر الى زوجته النائمة ،طبع قبلة على خدها ، غادر سريره مسرعا الى مكتبه
أخد القلم ليكتب ، تذكر المحضر فاقشعر بدنه ، كتب قصة عنوانها .. صرخة لم يسمعها أحد..
رضوان أحمد بسداون
- التفاصيل
- كتب بواسطة: اشرف الخريبي
- الزيارات: 14
فاطمة الأولى
في هذا اليوم تحديدا يا سيدي كنت أقف في منتصف الحزن في أول الماء و النار أعرف أن المسألة تتعدى حدود عقلي , و تتشنج فوق لساني و تعصرني غما -
نعم
شكرا يا سيدي
شكرا لك
أجلس
سوف أجلس ...
سوف أقول لك كل شئ ...
سأشرح يا سيدي ..
نعم ... كانت المقاعد مرصوصة أمامنا - كانت لنا أنا و فاطمة تلك التي ظلت تتساند على و أتساند عليها فى الحارات و الأزقة و وعدتني أن تنجب لي أبطالا, وعدتني يا سيدي أن تنجب لى رجالا يعملون و يقفون بدلا منى على عربة الكشرى اسمعني يا سيدى لا تلوح بيدك . سوف أقول لك كل شئ ..
لا أعرف متى بدأ العراك كانت الراقصة ترقص .و الناس تهيج و تقعد و تزيط و ذرت الريح و تناثر التراب و عل و دار و لف ..و حط ...آه ... و لكن أحدا من هذه المقاعد المرصوصة طار فى الهواء و استقر فوق رأسي تماما لا أعرف من بدأ ، و من هو الذى فعل ؟ و لا متى بدأ أنا لا أتهم أحدا و لا أستطيع التخمين فنحن كنا فى منتصف الليل و الولد الاعرج قال لى : " هتحصل شكلة " قبلها بدقيقة و لم أهتم و رجحت وقتها أن الموضوع بسيط أكثر مما أتوقع ..لم أكن أعرف أن فاطمة ... لا.. لا ..تكتب اسمها يا سعادة البيه فاطمة هذه دنياى.. و نعيمي و هنائي نعم هى .. ستنتظرني هناك , لا تقول لأحد أنها ستنتظرني يا سيدى- أي شك .. و أى فعل يعوضني الآن ؟ انها فاطمة يا سيدي ألا تعرفها لو سألت الطير و الشجر و السواقي و فدادين الذرة , و النجوع و القرى و كل أهل البلد يعرفونها سيقولون لك عنها ..سيحكون لك - أنا لا أخفى شيئا لا أبدا و هذا الرجل النتن الذى تتحدث عنه لا أعرفه و لكنى سمعت عنه من فاطمة كانت تذكر اسمه بتقزز فأشعر برائحته العفنة و كم لعنته أمامي و لعنت الزمان الذى نعيش فيه و لعنت كل أهل القرية كانت وحيدة يا سعادة البيه , لا تعرف من حياتها غير بيع الجرجير و الكسبرة الخضرة بعدما ..
اسمها فاطمة بنت الشيخ إسماعيل عبده ربه أمها زينب بنت عيد بائع الابائيب و أمشاط الشعر المصنوعة من العظم ألا تعرفها..... و قريتي المظلمة كانت دافئة رغم لسعة الشتاء البارد لما هجعت العيال و تفرقت ثم تجمعوا عند الجامع الكبير , فوق شط الترعة الراكدة المياه وقفوا خلعوا الغاب و شذبوه حملوا الصفيح الملقى من الخرائب و مضوا يخبطون " يا سيدنا يا بلال فك شنقة الهلال " هكذا يا سيدى على دكة الشافعى شيخ الناحية ظلوا صامتين و عيونهم تتعلق بالسماء يطرحون الأمر و يقلبون الحكايات القديمة و القمر محطوط فى المدار عند الساقية المهجورة جلس على أبو محمود مع زوجته الحامل فى الأشهر الأولى منتظرا أن تأتيه بالولد والسماء كانت غائمة كأنها ستمطر " يا سيدنا يا عمر فك شنقة القمر " وقفت الكلاب على أقدامها الخلفية و هاجت القرية بالبسملة و التراتيل و الدعاء و معرفة الله زامت البيوت و تكدرت البهائم فى الأجران و ناحت , أطلت الضفادع من شقوق الماء فى المصارف و الترع و سكنت زحفت الثعابين و التفت فى دائرة جماعية كبيرة و بينهم الأقرع الكبير هل هكذا عرفت ؟ لما خرجت النسوة لأسطح الدور لحلب النجوم و نمنا عاريات على بطونهن غير انه فى المسجد الكبير تجمع أهل العلم و الخبرة لفهم الأمر الراديو فى قهوة خليل يذيع الأنباء ,كانت الأذان متعلقة و لاهثة لكنا لم نسمع شىء مهما مر رجال ملثمون لا أحد يعرف هويتهم يحملون البنادق ازداد اختناق القمر و اسودت الدنيا و وقفت العيال فوق الصفائح مشدودين توقف صوت الشيخ عيسى فى منتصف الأذان أطلت عيون من خلف دهاليز و عيون من أمام مواخير الجاز مصمصت شفاه و انداحت دموع وسقطت بلاد وناحت قبائل ... و تحجرت مآقي كان ميكرفون الجامع الكبير يأمر الناس بالتزام الهدوء و الصمت و الدخول الى بيوتهم و غلق الابواب على النسوة و الأطفال الصغار لأنه....
وساد الصمت ياسيدى لم يعد أحد يعرف ماذا ؟ أو ماذا سوف يحدث بعد لحظة كانت فاطمة تضحك , و كانت يا سيدي المقاعد مرصوصة فى انتظار أهل قريتي يهنئونى أنا و فاطمة التى ظلت تتساند على و أتساند عليها فى الأزقة و الحارات و وعدتني أن تنجب لى رجالا ،أبطالا يا سعادة البيه.لكن أحدا من هذه المقاعد لف و دار و استقر فوق رأسي تماما و كلوبات الجاز ترنحت و سقطت , الضوء كان خافتا و لم أر و عل صراخ و عويل , الدنيا كانت برد , و طين ، مددت يدى أتحسس فاطمة التى كانت فى جوارى . لكن أهل القرية ظلوا صامتين و أنا تصلبت فى حوش الدار أبحث عن فاطمة ألف قنديل أبحث به عنها ألف عمر وعمر كى أراها ...هى يا سعادة البيه كانت تنام , رائحتها عفية ، وجهها مالح و شعرها متهدل , و فخذها عارى , و أحمر و شهى سوف أقول لك كل شئ
نعم سوف اقول كل شىء .. اسمع ... ليلة شجية ممطوطة كضحكة صفراء , هبت الريح بعنف و تعكرت بالتراب مالت الأشجار و زئرت تذمر الذليل و ابن السبيل و السبع و الأرعن و الخائف و الضعيف همدت النار فى المواقد و الأفران و من فوق المعسل القص طارت و نكشت شعور الرجال والنساء .. هكذا هاجت الدنيا لكنى عند أول الماء وقفت أنادى فاطمة , أظافر مخبريك الأغراء لهفتنى ,
وفاطمة فى الماء تضحك , أيدي رجالك سحبتني وفاطمة كانت تضحك نعم رأيتها بعيني هذه حين يتوقف العرق قليلا عن التهام جسدى اليقظان , لأن البوظة طبقة كثيفة من هواء رطب و الجواميس تحلب لبنا رائبا الأبقار تبقر بطون بعضها ، تنطح أولادها . و البلد تتحاكى و تحكى . فى هذا اليوم تحديدا يا سيدى هجم الدود على لوز القطن و على ساق الرجل , و على صدر المرأة غير أنه تزوج فاطمة غصبا .كانت ليلة مليئة بالشجن و السعال و صياح الديوك فى غير موعدها استعجالا للنهار .كان جسدى مكدودا أغيب فى غياهب جروحي . يدكني الذعر أنادى ..فاطمة ...فاطمة .. كنت أعود يائسا بشكل محزن أحصر الجماجم , يصطف الرجال و النساء و العاطلون/ الشحاتون و الأطفال و العيال و الغرباء على فم الترعة الراكدة المياه .أيدي رجالك تسحبني و ميكرفون الجامع الكبير يعلن وفاة فاطمة يا سعادة البيه و لا عزاء للسيدات
-----------------------------------------------
اشرف الخريبي
روائى وناقد مصري عربي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالاله العزام
- الزيارات: 18
ذكريات شهيد
عبد الإله العزام
بسم الله الرحمن الرحيم
فتح عينيه.. وتنهد على سريره، وقام يخطو بخطواتٍ واثقة، وما إن توضًّأ لصلاة الفجر.. حتى سمع أصواتاً تتعالى في الطرقات.. أطلَّ بنظره من شرفته.. وسأل أحد المارة عن الأمر، فقال له: (كل عام وأنت بخير..)، دهش علي ثم قال: (ما الأمر..؟! )، فردَّ متعجبا: (ما بك..؟! اليوم عيد...)، صمت علي برهة، وأخيرا استطاع أن ينطق قائلاَ:" و.. أ..أ.. أنت.. بخير"، ثمَّ أغلق نافذته قائلا:
"يا إلهي.. أين كنت من كل هذا..؟! أيعقل أن اليوم هو العيد.. هل مضت الأيام بهذه السرعة..؟ وهل يأتي العيد بلا أمي وأبي وعائلتي..؟؟!".
تمتمم علي بهذه الكلمات والعبرات تنسكب من عينيه.. ثم استعاد نفسه قليلا.. وأقام صلاته، ولكن عندما حان سجوده لربه، لم يتمالك نفسه، وانفجر باكياً مناجياً ربه بكل ذرة من آلامه الدامية…:
"ربي أنت أعلم بحالي.. ربي إنَّك وهبت لنا العيد لتبهج قلوبنا وتسر سرائرنا.. لكن أين لي بفرحة يفرحها قلبي وهو.. بلا أب يأويه، وبلا أم تحتضنه..
ربي إني رضيت بقضائك وابتلائك لي.. لكني أرجوك بأن تهوّن على قلبي وتزيل الهم من صدري.. يا أرحم الراحمين..".
بعد انتهائه من صلاته ومناجاته لربه، خرج يخطو بخطواته على أرضه التي تدبها الأحزان..
أرض مخيم الأنين، الذي يهرم فيه الشباب، ويموت به الأطفال، ويدفن به الشهداء..
أرض لا تعرف للفرحة باباً، ولا تعرف للبهجة طريقاً..
أرض ترابها دماء.. وهضابها من جثث الشهداء..
أطلق عليٌّ نظراته بين أرصفة الطرقات.. سمع أنين مآذن المساجد.. وصمت أجراس الكنائس.. وأحزان تتفجر باكية من المعابد..
رأى نساء قد رملت، وأطفالاً قد يُتمت، ومآذن قد هدمت، وبيوتاً قد دمرت، وأوراقاً منثورة قد مزقت.. وشظايا قد بعثرت.
أخذت نظراته تبحث هنا وهناك عن فرحة العيد.. أين عيدنا..؟!! ألسنا بشر من حقنا الفرحة والسعادة.. أم أنّ الحزن قد طبع على صدورنا طيلة حياتنا..!!
وظلت أقدامه تطأ الأرض معلنة ثروة الغضب.. والحزن في آن واحد.. حتى وصل إلى المكان الذي كان يقطن فيه جده..
اتّكأ على ما بقي من حطام بيته البالي.. وانطلقت آهاته الحرَّى.. ورجع بذاكرته إلى الوراء.. فتذكر الماضي الأليم الذي حاول تناسيه طيلة حياته.. إنها مشاهد لم تغب عن أمّ عينه.. تلك الصور التي اختزنها عقله وأبعدها عن قلبه، وأغلق عليها طيلة هذا الزمن ليحجب عنه الآلام، وأما الآن فقد ضعفت عزائمه وخارت قواه، وأخذت ذكريات الماضي تتسلل إلى قلبه الحزين، وتنتشل بقايا فرحة كانت في الوريد...
ها هي المشاهد تتراءى أمام عينيه.. وها هو يرى نفسه باكياً فزِعاً عندما انقضّ الغاصبون على أرضه، وهاجموهم بغتة كالريح العاتية، فأخذوا يعصفون بهم، وقتلوا جده أمام عينيه، كم كان منظرا مروّعا!!، فهل يعقل أن طفلا ً لم يتجاوز العشرة خريفاً يرى منظراً كهذا؟!.. ولم يمض ِ إلاّ يومان أو ثلاث إلاّ وعادوا للافتراس بمخالبهم الحادة، وأسواطهم المميتة، وبنادقهم القاتلة..
رأى أباه ملقىً على الأرض يُضرب بأسواطهم وأرجلهم ضرب العبد والأسير، يضربونه تعذيباً وإهانة لكرامته. لا يريدون قتله وإراحته من الظلم.. بل يريدون له العيش بذل واحتقار..
جرّوا أباه إلى الخارج حيث الآلام.. نظر الأب لابنه نظرات الوداع الأليم، وكانت تلك اللحظات هي لحظات وداع ٍ ما بعده لقاء...
اُعتقل أبوه في سجون الغدر، وراء أسوارٍ تحجب الحياة، وتميت القلوب؛ حتى يعيش ما بقي من عمره بعيداً عن زوجه الرءوم وطفله البريء..
ومضى على بعدها محروماً من حنان الأب، يتيماً وأبوه على قيد الحياة، ولكن أيّ حياة تلك.. التي صباحها بالإهانة والاحتقار، ومساؤها يَسْوَدُّ وتسود معه القلوب والأبصار..
ومضت أيام من العذاب.. قضاها علي بصمود وصبر وإيمان بالله الواحد القهار.. نعم.. هو وحده القادر على تسيير السحاب وهزيمة الأحزاب، ولم يكن قلبه وحيداً في ذلك العالم الموحش، بل كانت معه أم صبور حنون بكل معاني الكلمة.. تشد أزره وتقوي عزائمه.. أم تتعب بالنهار في مساعدة النسوة العجائز، وتسهر في ليلها على راحة المرضى ومداواة آلام الجرحى.. ودارت الأيام ومرت بصبر حيناً وألمٍ حيناً آخر، حتى كبر علي، واشتدّ عوده؛ بفضل – الله تعالى أولاً وأخيراً- ثم أمه التي ضحت من أجله كثيراً، ولكنّ ذلك الصدر الحنون الذي كان يبكي فيه علي ويخرج فيه كل طاقاته وأحزانه المشتعلة، لن يظل هكذا طويلا...
فهذا هو يوم أراد الله تعالى لعليّ أن تكتمل أحزانه، ويُؤخذ منه الشعاع الذي كان يبعث الأمل في طريقه وحياته..
نعم.. هو يوم لا تنساه ذاكرة علي أبداً مهما طال الزمن، ما زال يرى نفسه أثناء عودته من مدرسته.. ودبابات الاحتلال في كل مكان في مخيمه، تهدّم هنا بيتا، وتدمر هنا مسجداً وهنا يهرول مسرعا إلى بيته؛ ليحتمي به.. لكنّ الأمل في الحماية قد ضاع بين حبات الرمال، وقذفته الرياح بعيداً.. فلم يعد له مكان في الوجود.. فقد رأى بيته رماداً يطير هنا وهناك، وكتبه قد نثرت على التراب، وأوراقه قد مزقت من الظلم والقهر والاستيطان...
أخذت دقات قلبه تهرع فزعا: "..أمي...أمي..!!"، فأخذ ينقب بين الأنقاض، فرأى جثة الأم العصوم ملقاة، وقد انتقلت روحها إلى بارئها برضا من الله وشهادة في سبيله.
".. أمـاه.. قد لحقتِ بجدي وأبي.. فهل ألحق بكِ..؟!! " قالها وقلبه قد مزق كمداً، واحترق ثائراً غَضِباً.. احتضن فؤادُهُ أمَّهُ وعانقها بحرارة، ليرى ابتسامة الكبرياء ترتسم على وجهها، وريح المسك قد عطرت ثيابها.. وتفارقت الأجساد.. لكنّ القلوب ما زالت معلقة بحبل الوصال، ليكون آخر لقاء بينهما في الحياة الدنيا، وبذلك قد ذهب أمله أخير في دنياه.. كأنّ ربّه يناديه ليلتجِئ إليه؛ فقد ضاقت به الدنيا بما رحبت، فلا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه، فيتودد إليه ربه قائلا ً:
"عبدي.. هل لكَ الآن معين سواي.. هل لك إله غيري..؟!"
أُخذ منه الحبيب والقريب والمعين ولم يبقَ سوى الله تعالى..
ومنذ تلك اللحظات عزم بإصرار على الثأر من المعتدين..
فنظر إلى العالم من حوله،وقال: "أين أمتي.. أين عروبتي.. أين قلوبكم.. أين هي قلامكم..؟؟؟!!" صرخات تتبعها صرخات من مرارة العذاب..
عاش وأمله في شعب العرب وإخوانه من دم العروبة والشهامة، كان يهرع كلما رأى الصمت على ألسنتهم.. والخوف من المغتصبين مزروع في قلوبهم..
".. ما هذا العجز الذي تملّك قواكم.. إننا نباد.. إننا نموت.. ننا نفنى.. كن.. أين أنتم.. هل أنتم قادمون؟.. هيا تعالوا.. تعالوا إلينا.. فإنا منظرون..".
كان الأمل يراوده.. ظنّ أنّ شهامتنا عالية، ورجولتنا شامخة، وإيماننا صادق..
لكنّ الواقع مر.. والحقيقة أمرّ وأعظم..
ومع هذا ظلت عزيمته قوية إلى يومه هذا، وأمله في الله وفينا كبير بأن ننصره ونشد من أزره..
توقفت ذاكرته عن رؤية الماضي المرير الذي يستمد قواه من عواقبه، لكن أمله في العرب ما زال مطبوعاً على قلبه.
وتابع سيره في طرقات بلدته، لكن أقدامه يجب ألاّ تطأ أرضا بها ظلم بعد اليوم.. كان عليه أن يقضي عمره في مكان آخر يحيا فيه حياة هنية بعيدا عن أي مباداة واغتصاب لحقوقه.. حان يوم عرسه، آن الأوان ليزفّ إلى جنان الرحمن بملائكة من نور؛ فيلبس من نور، ويمشي على نور، ويفرش له من نور؛ ليرى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشرٍ.
انطلقت رصاصة غادرة.. تلقـّاها علي بابتسامة صادقة ملؤها النقاء، وفرحة قلبه للقاء الله تعالى، فاخترقت قلبه الطاهر؛ لتخرج روحه الطيبة الأبية برضى من الله ورب غير غضبان، فتحفظها ملائكة الرحمن وتخرجها من جسده.. كما تسيل القطرة من فم السقاء.
لقد رحل شهيدنا إلى حياة أكرم، ولكنّ أمله ظل باقيا صامدا.. ربما تحاول الأيام أن
تلاشيه وتقبره.. لكن..
هل لنا أن نحيي الأمل من جديد، ونحوّل خذلاننا نصرا ما بعده نصرا..
هيا يا شباب الأمة.. فكم هكذا نوم بغير يقظة!.. فلنعلن ثروتنا.. ونعيد الأمل إلى قلوب المظلومين..
فلنحط آلامنا وأحزاننا بسور الصمود والحزم، ونعيد العزة لإسلامنا وأمتنا..
قبل فوات الأوان... النهاية
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبد العزيز نايل
- الزيارات: 14
فوق السطح لا يتشاركون
عبد العزيز نايل
بعد أن انتهى "العربجي" من إحكام الأربطة حول الحمولة, أمسك بلجام حماره ليقوده حتى آخر الحارة الضيقة, متفاديا أن تتعلق العربة بشباك أو بباب في هذه الحارة, وما إن استقامت العربة في الشارع الواسع, حتى قفز خلف حماره, ليلهب ظهره بعصا من الخيزران, وهو يتعجل صاحب الحمولة, بقوله: هيا.... ياااا, قفز الرجل إلى جواره, فبادره العربجي: رأيتك تلوّح لسكان الحارة كأنهم من بقية أهلك, والغريب أنه ولا واحد نزل أو خرج إليك, ما اسمك ؟ أجابه: يلقبونني بالشاعر, قالها وترجل من العربة والسعادة على وجهه, ليصافح أحد أطفال الحارة, والذي كان يجري خلف العربة, مناديا... يا عم... يا شاعر, يا عم..يا شاعر, ثم أدرك الشاعر العربة جريا وراءها, ليبتلع غصة من جراء نظرة العربجي إليه, وهو يدير جسده كله مخاطبا هذا الطفل الذي ما زال يجري خلف العربة, ليقول له, ارجع يا بني, ستضيع في الشوارع إن تَبعْته, وانطلقت ضحكته عالية, فأضحك المارةَ والجالسين على المقهى في الطريق......
جذب " العربجي" لجام الحمار فأوقفه أمام البيت, بعد أن أشار الشاعر على البيت دون أن يكلمه, أنزل الشاعر كل أمتعته من فوق العربة, و" العربجي " جالس على رصيف الشارع يتأمل دخان سيجارته, مضت العربة بحمارها, تَجمّع أطفال الشارع الجديد حول الشاعر وأشيائه, طالبهم أن يحرسوها, حتى ينقلها إلى الطابق الرابع, استجاب الأطفال, وامسك كل طفل بعصا زاعما أنها البندقية, وتحوطوا حول أشيائه بينما هو ينقلهَا وحيدا للغرفة التي على سطح البيت...
تعرقل مرتين على السلم الضيق وهو صاعد إلى الطابق الرابع وفوق رأسه الكرسي الكبير فكان عندما يصل إلى كل زاوية يحشر بين السور والزاوية فيصبح غير قادر على الصعود أو النزول فيظل متململا بينهما كجنين في بطن أمه حتى تمتد يدُ صاحبة البيت فيستدير الكرسي بينهما ليجد الشاعرُ طريقه إلى الأعلى وقد صار سهلا تتكرر نفس المعاناة في الكرسي الثاني ولكنه انتبه في هذه المرة إلى يدها و التي امتلأت بأساور من ذهب وكانت بيضاء من غير سوء بلون جُمَار النخيل ولها استدارة أشجار الكافور .....
تحامل واقفا بعد أن وضع أربعة قوالب من الطوب الأحمر تحت أرجل السرير الأربعة , سار إلى باب الغرفة وقد شبّك يديه خلف ظهره بعد أن حَمَّله مالا طاقة له به فمن غرفته السابقة في" البدروم " نَقْل أمتعته كلها فوق العربة ثم انزلها كلها بمفرده , ثم أصعدها كلها إلى السطح فوق الطابق الرابع , ارتمت يداه إلى جواره ونسي آلام ظهره عندما قفزت إلى ذهنه تلك الضحكة العالية التي كانت تنطلق من فم المرأة البيضاء كلما وقعت عيناها على بنطاله الأزرق تساءل ما الذي كان يضحكها في هذا البنطال فلما عرجت عيناه على بنطاله , هاله ما رأى , خَبّط بكفيه على رأسه وجحظت عيناه حين رأى أن سوستة بنطاله مفتوحة وأيضا رأى أن سرواله قد تزحزح يمينا فانفتحت نافذة على جسده وعورته والذي أزاد الطين بلة حين تذكر أنه عندما رأى يديها , ورأى من خلال أكمام عباءتها الواسعة إبطيها وجزءا من نهدها الأيمن وكذلك نهدها الأيسر, ككرتين كانتا فوق موجة خفيفة يترقّصان أو يهتزان أو يترجرجان , فترجرج عقله واهتزت يداه فاستنفرت أعضاؤه واستشعر هواءً باردا يداعب أعضاءه حتى أنه استشعره تحت صرته قال : أعلى هذا كانت المرأة تضحك وظل يتمتم يا للهول ما العمل لو أنها أخبرت زوجها الجزار عندما يأتي قال لنفسه متهكما : سيصعد فوق السطح بالساطور ليقطِّع أعضائي ويلقي بها لهذا الدجاج الذي يملأ السطح, قَطَعت حبل أفكاره مأمآت الخروف فتوجه بكلامه إليه قائلا تقبل اعتذاري أيها النباتي فلن يكون لك نصيبٌ في هذه الوليمة , من لم يرى ابتسامة تتألم فليرها الآن على شفتيه وهو يغلق سوستة بنطاله قال : أهناك متسع من الوقت للاعتذار للمرأة .......
. شهب سوداء خالها تنطلق من تحت عقب الباب لتختفي وتتلاشي في مطبخه الملحق بالغرفة , قفز إلى المطبخ , فإذا بها لم تكن شهبا , بل ثلاثة من الفئران, وقد اصطفوا أمامه لا يأبهون لمقدمه , قرأ الشاعر في عيونهم , فهو الخبير بلغة العيون , إنهم يرونه غازيا , متوعدين إياه بمقاومته مستيقظا ونائما إلى أن يرحل , وعيونهم التي تثبتت في عينيه كأنها تسأله , أيليق بإنسان أن يشاركها تلك الأمكنة , رأى فأرا يغمز بعينه لآخر , فأدرك أنه متهم لدى الفئران بالجاسوسية وأنه يمثل طلائع جيوش الإنس لاحتلال منازل الفئران فما كان منه إِلَّا أن ضم كفيه واضعا إياهما في مقابل صدره , ثم انحني للفئران الثلاثة واحدا واحدا , كما يفعل الهندوس في تحيتهم والبوذيون , عارضا عليهم السلام , وقال ليتهم يفهمون !!!!!!!! أننا شركاء........
وما كاد يجلس , وهو مؤرق بكونه طليعة استعمار الأمكنة الخربة , حتى انتفض , عندما ارتج باب غرفته من جراء دقة قوية , فلم يجد سلاحا يدفع به عن نفسه سوى قلم من الرصاص كان على المنضدة , التقطه وهو يقول: يكفي أنه من الرصاص , وضعه في قبضته , وارتفعت يده عالية , وهو ينتظر أن يقتحم الجزار عليه الغرفة وبيده الساطور , تهتز يداه فوق رأسه , ويدق بقدمه , على الأرض , وصوته يعلو , لن أسمح أن تكون أعضائي وليمةً لهذا الدجاج , ارتج الباب مرة أخرى حتى أن لوحا من ألواح الباب الخشبية قد طار ليسقط تحت قدميه , وما زال يصرخ دفاعا عن أعضائه , ففوجئ بقرني الخروف وقد دخلا في الفتحة المستحدثة في باب الغرفة , قفز ناحية الباب وانهال طعنا في قرني الخروف بقلمه الرصاص ,فلما تكسر قلمه على القرنين, فتح الباب ليتمكن من أن يطعن قلب الخروف , فإذا بالمرأة البيضاء واقفة على بابه وهي تستند بيدها على الجدار , فجاءت الطعنة في قلبه هو , مرة أخرى تزحف عيناه داخل أكمام عباءتها الواسعة متمنيا أن يتمدد عريانا تحت هذا الإبط البض , لم يرى شيئا فقد غَربت الشمس وأسدَلت الستائر على كل شيء أبيض بلون جُمار النخيل , صرخت به , ألم تسمعني ؟
ثمن هذا الخروف الذي تجرى وراءه يعادل ما تدفعه لاستئجار هذه الغرفة سبعة أشهر, قالتها واتجهت ناحية السور الذي يطل على السينما الصيفية لتشاهد فيلم الأسبوع الجديد, راقبها وهي تضبط من وضع ساعديها على السور جاعلة منهما وسادة لصدرها المكتنز, انحنت على السور تراقب أحداث الفيلم, تاركة أردافها في مواجهته, قبل أن يرى هذا المشهد, كان يعتقد أن أرداف النساء مستديرة, لكنه الآن قد أدرك أن للأرداف الجميلة هي التي تكون منبعجة, كما انبعاج الكرة الأرضية والتي ظُلمت هي الأخرى بظنهم أنها مستديرة, نزلت عيناه على ساقيها المتعانقتين, همس, تستحق هذه الأرداف أن تكون لها أعمدة من النور, فقد تأكد له في نفسه, أن ساقيها مؤهلان للاشتعال ضوءا وحرارة, فقط هما يحتاجان إلى طرف أرضي لتكتمل دائرة الكهرباء, التي تمد العالم والكون بالحياة, ارتعش رعشة , فَتَفرَّغَ بعدها لتسجيل دقائق هذا المشهد والذي يزداد ثراء بارتفاع ثوبها أكثر كلما تحركت يمينا أو يسارا, مؤكدا على ذاكرته ألا تنسى تلك التفاصيل الدقيقة لهذه الأرداف وللساقين, مؤكدا على ذاكرته أيضا ألا تنسى تلك الحركات الخفيفة التي تجعل من الأرداف والسيقان كائنات حية, فيقينا سيحتاج لهذه الصورة حيةً عندما يخلو إلى نفسه,
تم التسجيل, وما يغضبه, أنها تتجاهل رجولته, فهي لا تأبه لما يتعرى منها أمامه, كما أنها جلجلت بضحكتها ساعة أن رأت عورته, لوى عنقه إلى أقصى اليمين وهو يردد, أو تظنني خصي ؟!!!!!!! التف برقبته إلى أقصى اليسار, مرددا, لا.. لا... هي .. رأت بعينيها.... إنني لست خصيا..... قفزت على سطح أفكاره إحدى نظرياته عن المرأة, إن الجنس عند المرأة ليس رغبة مستقلة في ذاتها , إنها بالجنس تؤكد الحب, وبه تجمع المال, وبه تُثَبِّت شهرتها, وبه تقود الرجل حين تجعل من الجنس حبلا معقودا في أنفه, وبه تتحقق ذاتها, وبه تحكم التاريخ كله.............
قال : أما أنا فلست مدرجا في واحدة من هذه الاحتمالات, قادته هذه النظرية إلى الترفق بنفسه وبإحباطه... سمع صوتها آتيا من بعيد, وهي تقول: أو تكلم نفسك أيها المجنون.... دخل الغرفة وجلس على حافة سريره, أطلت عليه من طاقة غرفته التي تطِل على السطح, لا تغضب من الخروف, فهو غاضب منك لأنك اغتصبت غرفته... خرج إليها, يقول: أنا لست غاضبا, وإن أحبَبْتِ, أن تُحضريه ليقيم معي, فلا أمانع, عادت تجلجل بضحكتها.... وقد رفعت سبابتها أمام عينيه, مهددة إياه, إياك أن تُدْخلَ الخروف إلى غرفتك, وغمزت له قائلة, وأنت تعرف يا شاعر ماذا أعني, فجاملها بابتسامة بلهاء... جلس على سريره ومازال يردد, ما الذي تعنيه هذه المرأة ؟؟ !!
عادت الشهب السوداء خارجة من مطبخه لتمرق من تحت عقب الباب, امسك باللوح المكسور, رأى عليها آثار أقدام الفأر, قرأها, كانت تهديدا ووعيدا, فتح الباب يواجهه, فرأى الخروف واقفا وهو مستعد للنزال, التقط فانلة بيضاء متسخة, علَّقها على اللوح المكسور, معلنا استسلامه, فجنح الخروف للسلم, واستدار ذاهبا إلى ركنه البعيد, وبينما كانت محادثات السلام دائرة بينه وبين الخروف, كان للدجاج كأكآت تدمي القلب وهي تتقافز هلعا أمام "العِرسة" الكبيرة, قال لنفسه محسورا, للدجاجات ربٌ يحميها, ويكفيني هذه التهديدات التي تكتبها الفئران وكتبتها" العِرسة" بأقدامها الآن على اللوح المكسور, فرت" الِعرسة" بالدجاجة الكبرى, بكى الشاعر عليها وهي تولول مخنوقة.....
عاد الهدوء إلى السطح , دخل غرفته وقد ترك بابها مفتوحا, بل أنه عاد فخلع البابَ كلَه, فما فائدته وكل تلك الكائنات رائحات غاديات, من السطح إلى الغرفة ومن الغرفة إلى السطح, ثم تقرفص خلف الكرسي الكبير, وقد دفن رأسه بين يديه المستندة على ركبتيه, يجتر تعاسته في كل غرفة سكن فيها, ففي غرفة سابقة, تفجرت الأرض عن المياه وارتفعت حتى مستوى سريره, فقام يصرخ معتقدا بانهيار السد العالي, فأجابته صاحبة البيت, بأنها مياه المجاري, وها هو وقد وجد على السطح مهربا من البدرومات إِلَّا أنه مستباحٌ وتُنكره كلُ الكائنات, فوقف متحديا هزيمته فأمسك بقطعة من الفحم وكتب على الجدار بالخط الكبير "إنها غرفتي" كتبها وظل يصرخ ولن أسمح لكائن من كان أن يلجها, مأمأ الخروف, وصاحت الديكة أمام باب الغرفة , وها هي "العِرسة" تعبر من عقب الباب جالبة بقايا الدجاجة الكبرى , أمسك بحذائه القديم, تقدم خطوة في اتجاه الباب, لكنه عاد ونظر كتابته على الجدار, فصار يضرب فوق ضمير المتكلم الذي التصق بكلمة الغرفة, إلى أن تلاشى الضمير, فأمسك بالفحم, ليكتب إلى جوار كلمة" غرفة" بخط كبير أيضا, كلمة" وطن", ولم يضف الضمير, ثم أخذ يحتضن كتبه في صدره ويَخرج بها من الباب فيتساقط بعضها فيتركه, ليلقى بما تبقى على الجماهير الغفيرة في السينما, تصايح الناس في صالة السينما.... يا أستاذ , يا أستاذ.... نظر حوله فلم يجد أحدا ... عَرف أنه هو المعني.بالأستاذ ... ساعتها استشعر يقينا أن أقدامه مثبتةٌ فوق أرض الشارع....وإن رأسه تبين من فوق الطابق الرابع..وجماهيرٌ غفيرةٌ تهتف له... يا أستاذ... إنه الآن في وضع مطابقٍ ومساوٍ في الارتفاع لتمثال زعيم الأمة... فلابد أن يرفع لهم يده لاستنهاضهم...رفع يده عالية. وقد ألقى برأسه قليلا إلى الوراء.. وهو ينظر للأفق... ساعتها سمع ضحكتها..... فأدار جسده كله قطعة واحدة.. رأى زوجها يسن على يديه الساطور وهي تجلجل بضحكتها من خلفه .......
- التفاصيل
- كتب بواسطة: خالد الخراز
- الزيارات: 15
اللحظات الجميلة التي قضيتها مع حنان الصيف الماضي، وأ حاول أيضا أن أفهم
. لما أنا مخدر الأحاسيس هكذا ؟ يندفع صديقي ليـوقظني بثرثرته الفارغة
. ـ لقد كان أبي . . . وأخي . . . كما أن عمي . .
أحاول تتبع بعض التفا هات التي يلفظها، راسما على شفتي ابتسامة اعتدت على
رسمها كلما اضطررت لسماع ثرثرة هذا الصديق ـ مرغماـ لأن القدر يشاء أن ننتظر
. معا حافلة تأتي أو لا تأتى
أعود إلى شرودي وملا مح حنان تداعب مخيلتي ، أطارد خيوط قصيدة تلوح في الأفق
. . أجمع كلماتها . . أركبها. . أحاول إمساكها في ذاكرتي كلوحة زجاجية ،
: فيهشمها صديقي فجأة
ـ رشيد لماذا لا تنصت لي ؟
. ـ أنا أنصت تابع ما كنت تقول
. ـ نعم . . قلت لك بأني سوف . . . و سأفعل . . . و سأسافر . .
أعود مرة أخرى إلى شرودي و أ لملم شظايا قصيدتي التي تناثرت . . أحس بألم
في رأسي . . وبأني ما عدت أطيق قصف هذا الصديق لذاكرتي بكلماته الفارغة
.
كنت كتمثال ، نحت عليه صانعه ابتسامة زائفة . . يتشوش ذهني و أستيقظ . . أجد
كلمات هذا الصديق تحاصرني ، أحس بالاختناق . . بالرغبة في هواء نقي . . أقوم
من مكاني و أعتذر له بأني أريد المشي قليلا ، فيلحق بي وتلا حقني كلماته
التي ما عدت أستطيع تمييزها ، وما عدت أدري كيف أرسم ابتسامة على شفتي ،
أرغب في إسكات هذا الصديق الذي يطلق قذائف صوتية يرتج لها رأسي . . ولكني
أجد نفسي محرجا . . فأعود إلى الجلوس ممسكا رأسي بين راحتي وأنا أحسه يكاد
. ينفجر
تأتي الحافلة أخيرا ، نركب متجاورين , وأمني نفسي بالوصول إلى المنزل , حيث
سينتهي هذا القصف ، وأرتاح من ثرثرة صديقي . . طوال الطريق كنت أجد صعوبة
: في استجماع خلاصة لما يقوله صديقي ، فإذا توقف أسارع للقول
ـ نعم وماذا أيضا . . و ماذا بعد؟
: و أنا أحوج ما أكون لأقول له
! ـ يكفي لا تضف حرفا آخر
ولكني كنت مضطرا لأ شعره بأني أتابع حديثه ، تصل الحافلة أخيرا ، أودعه وأصعد
درجات السلم متثاقلا . . أرمي أمتعتي وأستلقي على السرير ، أحس براحة كبيرة
: ، أفتح التلفاز
. ـ وقع زلزال . . نشبت حرب . . اندلع حريق . .
: أغير المحطة تلو المحطة ، كلها تقول
. ـ بلا بلا بلا . .
: أفتح المذياع
. ـ بلا بلا بلا . .
أرى صورة صديقي وصوته في مقدم نشرة الأخبار . . في المغني . . وحتى في المغنية
، صارت الأصوات تثير جرسا حادا في ذما غي . . أغلق التلفاز . . أغلق المذياع
. . وأغلق النافذة لأن الشارع مليء بضجيج السيارات ، وأغلق أذني بالقطن
لأن جاري يطلق أنغاما صاخبة . . أدس رأسي تحت الوسادة ، وأحس أخيرا بأني
. ارتحت من الضجيج و الثرثرة ، وفجأة يرن ـ تحت وسادتي ـ هاتفي النقال .
: أفتحه
. ـ بلا بلا بلا . .
أحس بالدوار وأحس بالاختناق . . أغلق الهاتف دون أن أدري من المتصل و لا ماذا
كان يقول ، أقوم من فراشي وأتجه إلى الحمام , وأصب ماءا باردا على رأسي الذي
وصل حد الانفجار . . كان الصمت مطبقا وأنفاسي تتلا حق تحت الصنبور. . يرن
جرس الباب ، أفتح وفجأة أسقط مغشيا علي . . لقد كان الطارق . . صديقي الثرثار
.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمود ابو اسعد
- الزيارات: 16
الحارس
بقلم:محمود ابو اسعد
بدأت المباراة اصطفت الفرقتان بكامل هيئتهما ، الفريق النسائي الأزرق والفريق النسائي الثاني البرتقالي ، صالت الفرقتان في الملعب ، تسعون دقيقة ، وزاد الحكم الوقت الإضافي أربع دقائق على اللوحة الالكترونية .
انتهى وقت المباراة ونزل كلا الفريقين إلى غرف تبديل الملابس ، كان الحارس يسمع صرخات الصبايا الهستيرية ومزاحهن ،ويتخيل ما يجري داخل الصالات المغلقة ، وبعد أن يفرغن من تبديل الملابس يغلق الأبواب ويتفقد المرافق ويذهب إلى بيته ، تأخرت إحدى الفتيات وكانت تبحث عن شيء أضاعته بقي معها إلى أن وجدته وكانت سلسلة ذهبية ، شكرته على صنيعه معها .
أحست بنظراته تجاهها ، في اليوم الثاني سمع رنين التلفون وكان نصف نائم ، وكانت المتحدثة فتاه أفاق من نومه جيدا ، وكان صوتها هامسا يفوح لذة وشجون ، طلب منها قبل أن تفرغ المكالمة أن يلتقيا في احد المطاعم على الشاطيء القريب ، كانت في غاية الجمال ، لم ير مثله في خياله ، كان المكان شديد الرومانسية ، يبست الكلمات في فمه ، وجف ريقه ، وتحدثت العيون للحظة ، واطرق كليهما ،أحست بنار تتوهج بداخلها ،وكان هو يحس بحرقتها ولم يجرؤ على مصارحتها .
بادرته بالحديث ، تحدثت عن طيبته وكرم خلقه ، ومساعدته لها يوم أضاعت السلسلة ، تحدثت عن مشاكلها مع زوجها ، أحس بالضيق لحظة ، اتفقا على تأجيل الكلام لليل ، فكلام الليل أجمل ، اتفقا على ساعة الحديث ليلا .
بادر هو بالاتصال ، تمهلت بالرد فأحس بالضيق ، وعندما جاء صوتها تخيله يمر عبر أنبوب خط التلفون ، متثاقلا أجابها إذا كنت مش مبسوطة أو عايزة تنامي فلأيام ما بتخلص وممكن نحكي بوقت آخر ولا يمكن أن أكون إلا ما هو مريح لك ،انك دائمة الاخضرار وردة لا تذبل إلا بين أصابعي وهياما أغفو بين أهدابك .
لم يحس إلا بعلو همسها على وتر الكلام الجميل الذي يسمعها ، وتناها إليه صوتها خافتا أنا لا أجيد الكلام مثلك فدعنى أغفو بين أهدابك على دالية أحلامك أنت فرط الإيحاء يتحرق جنونا ، حلمت به وحلم بها وفي الصباح أفاقت على صوت زوجها قائلا : كان نومك ثقيلا يبدو انك كنت نائمة تحت وطأة كابوس استحمي واذهبي إلى التمرين سأعزمك الليلة في مكان جميل .
محمود ابو اسعد