مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

رائحة العنبر

التفاصيل
كتب بواسطة: محمود سعيد
انشأ بتاريخ: 18 ديسمبر 2002
الزيارات: 12

        رأئحة العنبر.

                                                                           

                                                                                 محمود سعيد.

            قبل ثلاثين سنة رأيت لأول مرة جورية سوداء، كانت تلك إحدى اللحظات الهامة والمعدودة في حياتي، والتي مازالت أتذكرها، جورية سوداء؟ إنها لصدفة قلبت موازين الجمال، كيف يكون اللون الأسود جميلاً أولاً وعلى مثل ذلك الجمال الباهر ثانياً؟ إنها لحظة محو موروثات وقيم غاية في القدم، آنذاك اقتحمت مبررات التعددية والاختلاف حياتي وفكري واعتقادي.

            كنت في البصرة ساعئذ، وكان أحد الأصدقاء اشترى شجيرة الورد  الأسود من مشتل أحد المتخصصين بالبحث عن كل ما هو غريب وتطويره في عالم الورود، والذي سافر إلى الشمال قاطعاً مسافة تزيد على ألفين ومئتي كيلو متر، ذهاباً وإياباً، كي يجلب إلى مشتله أصيصاً لها، حتى إذا ورّدت كثرها بالتقليم وعرضها للبيع.

            بدا كأن الجورية تفتحت لتوها، كتلة من السواد المتفحم يعلوه طفح خفيف من زبد مخملي، غض، منتناهي الهشاشة والرقة كجفن رضيع، بتلاتها ملمومة على نفسها في غيرة وحنو لتبدو أشبه بثدي مراهقة حيية، ولولا تمرد بضعة أوراق صممت على الابتعاد لتترك قلب الجورية ينبض بذلك الجمال الذي فتنني وفتن غيري لظننت أن الوردة لن تتفتح أبد الدهر.

            حينما دققت النظر لحظت شعاعين خفيفين أبيضين لا يزيد سمك أحدهما على الشعرة وطول الواحد على ملمتر واحد، يقبع أحدها في أعلى البتلة ويستقر الآخر في أسفلها، لولا هما لما أمكن فرز بتلة عن أختها البتة.

            هتفت من دون شعور: الله..ما هذا الجمال؟

            انحنيت لأشم الجورية، فضحك صاحبي، أمسك بكتفي: لكنك تدخن!

            قال ذلك وحرك يده الأخرى ليحمي الوردة، ربما ظن وأنا غارق في موجة الإعجاب التي غمرتني سأغامر بقطع الجوهرة، اعترضت: ما علاقة التدخين؟

            شعت عيناه الصفراوان وهما تحدقان بي، ضحك: الوردي وحده في الجوري ذو رائحة ولذا أسموه: الورد..بقية الألوان لا رائحة لها إلا هذه.

            توقف، وغضبت، كانت حديقته صغيرة لا تتجاوز مئة متر مربع، وهي على صغرها مقسمة دوائر ومربعات ومثلثات كي تبدو لوحة متناسقة الألوان، وعلى عكس حدائق الدور الأخرى لم يترك فيها أي بقعة للثيل الأخضر الذي اعتاد الناس الجلوس عليه، فمن يريد التمتع بالمنظر عليه أن يقف خارج الحديقة لكي يرى لوحة أشبه ببساط شرقي معجز في تناسق ألوانه وأشكاله..احتججت: مرة تنفي الرائحة ومرة تثبتها، ما هذا التناقض؟

            اقترب مني حتى أنني شممت رائحة توابل ‘‘الصبور’’ الحادة، ثم انحنى فانحنيت: شُفْ..إن فيها رائحة خفيفة جداً جداً، وأنت كمدخن لا يمكن أن تشمها، شُم الوردة الآن.

            انحنى، شَمِّ الوردة فشممت، واعتدل فاعتدلت: أميزت الرائحة؟

            - لا..

            التفت إلى ابني، كان عمره بضع سنوات، وكان يحرك طائرة صغيرة اشتريتها له اليوم بعد الدوام فسحرته لأنها تفتح أبوابها وتحرك أجنحتها عند أي حركة، وكان يحركها بيديه صعوداً ونزولاً، بينما كانت تصِّوت بحيوية مختلف الأصوات في لسانه وتعبيراته، وهو يمتطيها في أحلام يقظته، اقترب منا وهو غارق في خيالاته التي لم نستطع سله منها إلا بعد عدة تنبيهات، أمره صديقي: شم هذه الوردة..لا تقترب من البراعم إنها كالإبر، شمها فقط، نعم هكذا بعمق.

            أطاع الطفل، سافها بحيث أحسست بالهواء يصفر داخل منخريه الصغيرين، ثم اعتدل، سأله صاحبي: هل وجدت فيها رائحة؟

            لمعت عينا الطفل ببراءة: نعم..

            - ماذا تشبه؟

            ابتسم، حرك رأسه بحيرة وهو ينزل يديه عجزاً، فقد قدرة اختيار التعبير المناسب في فوضى الكلمات: رائحة..

            وإذ أحس أننا نضطهده بأسئلتنا انفلت من بين أيدينا راكضاً لا يلوي على شيء، عند ذلك التفت إلي صاحبي: رائحة خفيفة جداً جداً..إنه خيط ضعيف ضائع بين أريج الورد وفوح العنبر، كما لو كان بقايا عطر امرأة في غرفة زينتها التي غادرتها منذ أسبوع، لن تدرك الحقيقة ما لم تترك التدخين، وقتئذٍ يتسنى لك النفاذ إلى عالم الزهور.

                                                            *          *          *

                                                            -           2          -

            قبل خمسة عشر سنة وأنا في الغربة وجدت في صندوق بريدي رسالة قادمة من سيريلانكا، كانت الكلمات دقيقة ناعمة أنيقة جداً، خفق قلبي، إنها لامرأة، الخط واضح بالإنكليزية: صندوق بريد رقم 2427 وكان رقم الأربعة مكتوباً كالألف، خط مستقيم في أعلاه مثلث، وبدل الاسم حرفان: M.A مطابقان لاسمي واسم جدي، ظننتها لي، فتحتها حالاً، قبل أن أخرج الرسالة من الظرف وجدت في الزاوية اليسرى صورة الجورية السوداء حية مجسمة على الغلاف، تسمرت، هتفت من دون شعور: الله.!

            كيف استطاع هذا المصور العبقري أن يقتحم ذكرياتي غائصاً في أعماقها هذه المدة الطويلة ليصور المستحيل؟

            كانت المرة الثانية التي أرى فيها الجورية السوداء في متعة لم تفقدها خيبة اكتشاف أن الرسالة لم تكن لي قيمتها، كانت الرسالة مكتوبة بإحدى لغات شبه القارة الهندية والتي تتكون من دوائر متصلة، ودوائر منفصلة، وأخرى منغلقة أو مفتوحة أو من أنصاف دوائر، عند ذلك علمت أن ما بدا من تشابه في العنوان محض صدفة لا غير.

            كنت أرى الخط نفسه في بعض الجرائد تصل يومياً من الهند وما حولها من بلدان، ولكثرة تداخل وتشابك وتشابه تلك الدوائر في خطوط أحدها تذكرت سؤال أحد الفرنسيين قبل ربع قرن عندما رآني أقرأ كتاباً عربياً في إحدى دول المغرب العربي:

            - كيف تستطيعون فك هذه الطلاسم؟

            ويبدو أنه أدرك خطأه، أردف: ظننتها رموز زخرفة لا أكثر.

            ضحكت وأجبته: أليست حروف كل اللغات نوعاً من رموز زخرفة؟

            خفق قلبي من جديد لرؤية خط المرأة، تعاطفت مع خطابها المجهول، أعدت إلصاق المظروف وكتبت عليه: يرجى إرجاع الرسالة إلى المرسل للاشتباه برقم صندوق البريد.

            بعد يومين وجدت الرسالة مرة أخرى في صندوقي، غضبت، كدت أضرب الصندوق الحديدي بقبضتي، كتبت ورقة ألصقتها على المظروف، شرحت فيها ما يتوجب عمله وبأسلوب جاف، وأرسلتها مرة أخرى، لكنها بعد يومين عادت من جديد، عندئذ محوت بقلمي رقم صندوق البريد وأنا أمر عليه جيئة وذهاباً بحيث لا يمكن أن يقرأ أبداً، وانتظرت يومين وعندما لم يرجع حمدت الله، إذن سترجع الرسالة لصاحبتها.

          بيد أن الرسائل من سيريلانكا أخذت تترى، وبنفس الخط الأنثوي الرقيق الدقيق الذي يجعل قلبي المريض يضطرب، وأخذت أرجعها مرة أخرى بعد تسويد العنوان، واستمر هذا المسلسل المؤلم قراب سنة، حتى حل تموز. وجدت آخر رسالة من سيريلانكا، أقول آخر رسالة لأني وجدت سبب تدفق الرسائل إلي، فقد حللت طلسم الكاتب ورمزه، اكتشفت أنهم يكتبون رقم واحد بما يشبه رقم أربعة بالإنكليزية، خط مستقيم برأسه مثلث صغير، يشتبه على موظف البريد وعلينا جميعاً، نظنه رقم أربعة، فغمرتني فرحة لا توصف، إذاً وبعد سنة سأتمكن من إسداء خدمة إلى السيدة الملتاعة..أن أرجع رسائلها إلى الصندوق الصحيح، سأفعل هكذا كل مرة فأريحها وأستريح، هكذا وجدت الصندوق المعني، وهكذا بدأت أرجع كل رسالة شاردة إلى صاحبها الشرعي.

                                                            *          *          *

                                                            -           3          -

            قبل سنتين ثلاث عشرة سنة كنت أصعد الدرج فأحسست بكلاليب تحاول أنتزاع أضلاعي، وأن الهواء أصبح أثقل من أن أستطيع استنشاقه، فدخلت شفتي السردينية، أخذت استراحة إجبارية انتهت باكتشافي أنني مصاب بالذبحة الصدرية وانسداد الشرايين، وتوجب عليً مفارقة التدخين، فيا للمأساة!

            أنا كمارك توين أجد مفارقة التدخين وتركه أمراً سهلاً، لأني مثله، تركته ببساطة أكثر من ألف مرة وفي كل مرة كنت أرجع إليه بشوق أشد ونهم أكبر.

            لماذا أنظر للموضوع نظرة أخلاقية؟ أ ليس من سوء الخلق نكران الجميل؟ أ ليس معيباً أن تهجر صديقاً عاشرك أكثر من ثلث قرن، صاحبك في السراء والضراء، في الحرية والسجن، والأفراح والأتراح، كنت وما أزال أرى طعم "الجكاير" أطيب من أي شيء آخر، هذا إضافة إلى صحبتها الطويلة لي ومن ليس له أول ليس له تالٍ.

            لكن إصرار الطبيب: ترك الجكاير..أو الموت، اختر لا ثالث لهما.

            وهكذا تركت وعدت، ثم تركت وعدت.ثم.

            لكني عندما كنت أعود أعود على استحياء وليس بنهم كما في أيام الصحة، العودة تعني "جكارة" أو اثنتين في اليوم.

            وعندما وجدت المظروف القادم من سريلانكا، ذا الجورية السوداء، كانت رئتاي قد أصبحتا شبه نظيفتين من القطران، واستعاد أنفي بعض قدرته على الشم، إذ أنني من دون شعور فربت الوردة من انفي واستفت بعمق كما فعل ابني من قبل عندئذ أحسست بذلك الخيط الضئيل الضائع بين أريج الورد وفوح العنبر الذي تحدث  عنه صاحبي قبل عشرين سنة.

                                                            *          *          *

                                                            -           4          -

            بعد أسبوع من ذلك، وفي ظهيرة تموزية جبارة تصهر حرارتها الوجود والأرض والدماغ والأفكار لجأت وأنا عائد من الشارقة إلى سيارة تنتظر راكبين اثنين كي تنطلق إلى عجمان، كانت بتكييفها البارد ملجأً من جهنم التي تنازعني شواظها عيني، وباستهتار يمارس متعة ساذجة على من ليس بمقدورهم قضاء حاجاتهم إلا بالمشي على القدمين، فوجئت داخل السيارة بجورية سوداء في المقعد الخلفي، أقصى اليسار، سرلانكية أصيلة، إهاب فحمي شديد الحلكة، بلون الأبنوس الثمين.

            جلست قربها، نظرت إليها أول الأمر على استحياء فلم تنتبه إلي، كأن العالم الخارجي لم يكن موجوداً، أو كأنه تافه إلى الحد الذي لا يثير النظر، كانت تقرأ رسالة من أربع صفحات مكتوبة بأحرف دائرية، ناقصة وكاملة متصلة ومنفصلة وعلى فخذها الأيمن استقر المظروف بطوابعه التي تحكي قصة الشاي السيلاني، أراضيه، سهله، تلاله، عذراواته الفاتنات بسواريهن المبرقشة يقطفن أوراقه، ليقطف بدوره شبابهن ومستقبلهن للشركات المتعددة الجنسيات التي تحتكره وتملق ذويه..

            كانت نحيفة، أصابعها طويلة، تقرأ وتبتسم فتفتر شفتاها عن أسنان بيض ناصعات يخجل من لمعانها اللؤلؤ، كانت تقاطيعها جميلة، دقيقة ومتناسقة، أما أنفها فكان مثالياً قصيراً مستقيماً منحوتاً بتناسق فريد، كانت دمية متفردة ذات عينين واسعتين يشع بياضهما صافياً ساحراً هادئاً كضوء القمر، تفتح عينيها برهة ثم تتوقف، تبتسم، تغمض عينيها من جديد كأنها تحلم أو تستدعي الذكريات، ومن ثم تأخذ نفساً عميقاً، تزفر بارتياح، تغمض عينيها، ثم تعاود القراءة، وعندما تبتسم تبرق عيناها، ينزل شعاع سنيٌ منها إلى أسنانها، فكأنه وميض يضيء جمالها الأسود مكوناً هالة تحيط الوجه.

            بياضان في الأعلى وفي الأسفل تماماً كما في بتلات الجورية السوداء التي انبعثت تعيش هنا إلى جانبي حية جميلة أنيقة، أجمل ما فيها سوادها المخملي الساحر:

            هنا لا أستطيع أن أستعين بابني كي يستاف الرائحة، يجب أن أستعين بحواسي، أغمضت عيني واستفت بعمق قدر ما أستطيع فإذا الذي ينبعث منها ذلك الشيء الذي وصفه صاحبي قبل عشرين سنة، أريج الورد المشدود إلى خيط ضئيل يشيع بفوح العنبر.

                                                            *          *          *

                                         -                         5       -

            بعدئذ اضطررت لزيارة معمل ملابس جاهزة، كان واحداً من المئات المنبثة بين الشارقة وعجمان، وكانت هناك سقيفة من الألمنيوم شديدة الضخامة، مغلقة من جميع الجهات كأنها خزان ماء، وكانت للإدارة غرفة في واجهة السقيفة مليئة ببكرات الخيوط، ولفائف الأقمشة، والصناديق، وقناني المياه المعدنية، وأدوات احتياطية لمكائن خياطة، وقصاصات أقمشة، مختلف الأحجام والألوان، لم يكن هناك شيء منظم حتى المنضدة الخشبية البسيطة والكرسي الذي يقبع وراءها، والذي يفترض أن يكونا جزءاً من مكتب إدارة المصنع كانا مملؤين بالركام المتتافر نفسه إضافة إلى أوراق، ونتيجة أيام السنة "روزنامة" مرسوم عليها غابة ملتفة الأغصان على ممر لا ينتهي، وعشرات الأنواع من مكاكيك مختلفة الأحجام مرمية كيفما اتفق، وبدا أن المدير الهندي الذي جئنا لمقابلته لا يستطيع أن يترك المراقبة، فتوجب علينا دخول المعمل، وقادنا شاب هندي نحيف تلمع عنياه الصغيرتان طعبر ممر ضيق وقصير" إلى داخل المعمل، صفعنا بشكل حاد صوت مشوش هادر، متأت من عشرات المكائن التي تعمل معاً، وفي وقت واحد، أنين وارتجاف وزقزقة وصرير، وسط جوٍّ رطب مدبق متكون من أنفاس مئات العاملات في هذا القدر الكبير من الألمنيوم ممتزجاً برائحة زيوت تشحيم مواد الخياطة الكيمياويات التي تضاف إلى الأقمشة الرخيصة، خليط يثير تمرد الأحشاء، ويفعم الكون بضجيج يصم الآذان.

            ثمانية صفوف، كل صف يتكون مما لا يقل عن بضعة عشر مكنة خياطة كهربية، وراء كل واحدة منها جورية سوداء لا تتجاوز أسنهن الخامسة والعشرين، امتصت الآلة حيويتها وبريق عينيها، ونضوج جسدها فأحالتها إلى هيكل عظمي لا يتلقى إلا ما يقي الأود لكي يستمر في العمل.

            كان من المستحيل أن نتمكن من تبادل أي كلمة في هذا الضجيج الهادر، ويبدو أن الموعد كان معداً سلفاً ليوافق استراحة الإفطار إذ زلزلت السقيفة تحت وطأة صفير حاد مؤلم وفجائي، فتوقفت المكائن عن العمل، ونهضت الفتيات راكضات في لهفة وحيوية ‘‘تلمع أعينهن’’ إلى سلة فيها عشرات الرسائل، تزاحمن ضاحكات واجمات باسمات مكبوتات مزغردات، علا ضجيج البعض اشتعلت ضحكات البعض ماتت ابتسامات البعض، خلت السلة خلال ثوان، فتراجع قسم، بينما أصر القسم الآخر على الاقتراب من السلة الخيزران، لا بل أن إحداهن ظلت تحدق بالسلة الفارغة برهة وهي تكاد تذوب حزناً.

            لا يمكن أن ينسى الإنسان ملامح المدير الهندي، ربعة متين في الخامسة الأربعين، كل ذلك عادي لكن غير العادي رسمه بالصبغ الأسود على رأسه الأصلع خطوطاً ظنها تخدع الناظر غير المتفحص بوجود شعر مفقود قال وباعتزاز:

            - معظم العاملات جامعيات وليس فيهن أمية واحدة.

          كان صادقاً، كن غاية في التهذيب، وكان ذلك بيناً للعيان كل خميس عصراً حيث تتجمع مئات الفتيات معظمهن من سيريلانكا، في منطقة لا تتجاوز كيلومتر مركزها مساحة مربعة محدودة ضلعها نحو ثلاثين متراً تطل على سوبر ماركت ضخم، ودار سينما وبضعة عشر مطعماً صغيراً وكافيتيريا، فبالإضافة إليهن كان هناك فليبينيات وهنديات. السيرلانكيات وحدهن يسرن زرافات من دون مصاحبة أي رجل، أما غيرهن فكن أكثر تحرراً وإنفاقاً، يدخلن المطاعم ودار السينما، وقسم منهن ينزلن مع أصدقائهن أو معارفهن الذكور إلى المراقص والبارات في دبي، أما هن فكن يزدحمن لكن بهدوء وأدب في السوبر ماركت أو يطرزن الأرصفة بأجسادهن النحيفة، وملابسهن المتواضعة التي تكاد تتشابه لبساطتها وقلة ألوانها واحتشامها: قميص أبيض، وتنورة سوداء أو رمادية، أو فستان طويل أبيض أو وردي، أما الحذاء فمشبك واطئ الكعب كحذاء الرجل، لم أر فيهن من تلبس ‘‘الجينـز’’، أو السروال، أو مما يشِّف أو يصف، وبالرغم من أن معظمهن إن لم يكن كلهن جميعاً خياطات ماهرات على الآلة إلا أن قسماً منهن كن يرتدين ملابس مخيطة باليد، فاقتحمت عليّ نافضة غبار الزمن الخياطات المتجولات قبل نصف قرن في الأسواق قرب دكاكين البزازين، في سوق العتمةي وقيصرية السبع أبواب وباب الطوب في الموصل.

            لم يهتممن بمظهرهن أبداً، معظمهن يضفرن شعورهن جديلة وحيدة ضخمة تمتد حتى منتصف الظهر، لكنهن كن يدققن بما يشترين من حاجات معظمها بلاستيكية رخيصة، أو أدوات مطبخ كالقدور غير القابلة للالتصاق، وملاعق وسكاكين لا يعتريها الصدأ، وقشارات، وأجهزة منـزلية متنوعة ضرورية لا علاقة لها بالترف أو الرفاهية وبما يتناسب مع رواتبهن الرمزية لا تزيد على مئة دولار، يقتطع مكتب التشغيل الذي جلبهن قسماً منه.

            كن يوفرن كل فلس يحصلن عليه حتى أن إحداهن إثر انتهاء عقدها بعد ثلاث سنين لم تستطع تحقيق أحد أحلامها الصغيرة "في جريدة ناطقة بالإنكليزية" وهو شرب قنينة مرطبات لوحدها، إذا كانت دائماً تشترك بها مع صديقة لها، وكانت الأخرى تعيل سبعة عشر فرداً من عائلتها، آنذاك علمت أن العمل والكدح هما سر رائحة الورد وفوح العنبر.

                                                            *          *          *

                                                              -      6         -

            في آخر زيارة لي لبغداد سنة 1995 دخلت في مشغل صغير في شارع النهر على دجلة، كان صاحبه يشغل اثنتي عشرة فتاة لا تتجاوز أسنهن أيضاً الخامسة والعشرين، قال لي صاحبه أن ثمان منهن تركن الجامعة وأن الباقيات كلهن خريجات الثانوية، وعندما عادلنا رواتبهن وجدن أن أعلاهن راتباً تحصل على نحو عشر دولارات شهرياً، ثم أخذت الأمور تزداد سوءاً والعملة العراقية تفقد قوتها يومياً بحيث لم يعد الراتب يكفي حليب طفل واحد، وازداد الغلاء جبروتاً وهمجية، امتص نضارة الفتيات ومرحهن وصباهن، أخرجهن عنوة من المدارس والبيوت إلى الورش والأسواق والمعامل والمكاتب، كان ينساب كالوقود السائل على الأرض ليحرق العواطف والآمال والحب، يتقدم باستمرار وثبات لا يعرف التباطؤ أو النكوص، ثم تتالت الأحداث في خلال السنوات الأخيرة فدفعهن إلى خارج الحدود كأخواتهن الهنديات والسريلانكيات والفليبينيات لتزيد الغربة من وطأة عذابهن، فملأن دولاً كثيرة، شقيقة وغريبة. وربما جمعهن تحت مسقفات واسعة تسحق كل عاطفة وشباب وحيوية في ظروف قاهرة لا ترحم بحيث يصبح تجمعهن اليومي أما سلة البريد حلماً؟

.....                                                                

 

 الصبور: سمك يتوالد بالأهوار وينساب في شط العرب، ليرحل بعدئذ حول القارة الهندية ويستقر في بنكلادش، ثم يرجع ليلقي بيضه في أهوار العراق.

 

 

صدمة حكيم

التفاصيل
كتب بواسطة: سمية البوغافرية
انشأ بتاريخ: 11 ديسمبر 2002
الزيارات: 11

صدمة حكيم
 
  سمية البوغافرية


     أذكر مثل هذه اللحظة, ذلك اليوم الذي خرجت فيه جدتي في مقدمة الموكب تحمل في ذراعيها أخي الرضيع في لفافة من صوف ليدلي بصوته كخلف بديل عن أبي كما نصحها "السياسي الحكيم ", وتسوق وراءها ابنيها وثلاث خيمات. لم تكن تلك الخيمات الثلاث غير أمي وزوجتي عمي المتلفعات في حياكهن السوداء كما المغلولات المسوقات إلى مصير مجهول. وهن في الحقيقة كذلك لا يملكن شيئا من أمرهن. لا يملكن غير الطاعة والانصياع لأوامر جدتي وإلا أغارت عليهن ابنيها فيحيلانها أمام عينيها غبارا...
   
     أمام عيني الحانقتين, مضى هذا الموكب الهرمي في انضباط وخشوع يهتف بصمت باسم السي حمو البرغوتي.. السياسي البارز الذي اكتشفته عائلتنا, كريما سخيا يوثر مصلحة القرية عن مصلحته و في يده مخطط سحري سيحول به بلدتنا المنغلقة المهمشة, في لمحة البصر, إلى مملكة عظيمة. سالت سيول من ريق جدتي أمام إغراآته, وسخرت حكمتها التي لا تقل عن حكمة السياسي " الحكيم" , لتظفر بنصيب أوفر من جود عصاه...
 
     استدعته في المرحلة الأخيرة من حملته الانتخابية وأغدقت عليه بما لذ وطاب من أصناف الطعام وبالغالي والنفيس من الهدايا. واكتشف لها في بطليها ناصر وطاهر ما لم تكشفه لها السنون وهو يقول لها ويداه تربتان على كتفيهما:".. اٍنهما يا سيدتي, نعم الخلف, جادت عليهما السماء بعلم غزير كما تجود على هذه الأرض الطيبة بوافر جودها, سوف أسند إليهما مهاما حساسة داخل المجلس ليستضيء بنورهما الفطري ويقودا معي مسيرة هذه القرية..." فضربت الجدة على صدرها فخورة ممنونة ولسانها يردد في اقتناع :" بجهد النبي وبركة الولي سيدي العبدوني..."
 
     إلا أن الحقيقة التي غابت عن جدتي والتي لم تدركها إلا بعد فوات الأوان, أن السي حمو قد حضن عصاه وانفرد بجودها دون أن يلتفت إليها أو إلى ابنيها أو إلى قريتها... فلم تجد الجدة, التي لم يسبق لها في حياتها أن احتال عليها أحد, بدا من أن تقتحم عليه مجلسه لتستعيد صوتها وأصوات ذويها ومصاريف الولائم والهدايا التي أثخنته بها.
 
     إلا أنها في صبيحة يوم عزمها على الحساب والتصفية صفعت جدتي بحقيقة مرة ناقرة ساخرة كانت عنها غافلة مغفلة مثل حفيدها.."التصويت يخضع لقانون الزمن يا سيدتي!.." فثارت ثائرتها وهاجت عصافير جمجمتها فعادت أدراجها تأكل بعضها البعض...
     قهرت الجدة في طريقها إلى البيت, قانون الزمن الذي يقال عنه أنه إذا مضى لن يعود أبدا. أعادته إلى الوراء بالتفصيل الممل ووقفت عند دقائق جزئياته: الاستعمار الذي خطف زوجها من فراشها وانمحى أثره, المجاعة التي نخرت عظمها سنين طويلة والتهمت ابنتها الوحيدة, الأفواه الثلاث التي لا تكف عن الصراخ, عراكها مع الزمن الذي قيل عنه أنه لا يعود مثل التصويت الذي سلبه منها حمو البرغوتي. فثقل رأسها وشحذت طاقاتها وحثت خطاها تستعجل البيت لتلقي فيه بهزيمتها الثقيلة ثقل تلك الحقبة الموحشة من حياتها.
 
     دفعت الباب بكلتي يديها. انفرج على مصراعيه. انتصبت وسطه كقائد العسكر الإسباني يوم اقتحم بيتها وخطف زوجها. جحظت عينيها وفرشت فناء البيت بشرارة كهربائية هزمت بها أشعة الشمس في عز النهار, وانتصب الكل أمامها مرتعشين مرعوبين. فتحت ثغرها ورجمت ابنيها المنكمشين كالدجاجات "المريشة" بحمم بركانية وكست زوجتيهما بألسنة لهب.. اندثر الهدوء وحل الدمار.. لعنات , ضرب , صراخ , دماء..
 
      حينئذ, تنهدت جدتي من أعماقها وقطعت الفناء بخطوات ثابتة فأقفلت عليها في غرفتها وصلت ولم تتوضأ ثم انهارت.
 
 
                                                                                                
                                                                       تونس, 2003

كؤوس السلطان

التفاصيل
كتب بواسطة: رضوان احمد بسداون
انشأ بتاريخ: 08 ديسمبر 2002
الزيارات: 14

كؤوس السلطان

(1)

   يحكى في زمن مجهول، عن مملكة في زاوية الطريق، أهلها طيبون، سلطانها يشهد له بالحلم و حاشية اقل ما يقال عنها أنها أُنزلت منزلة الظلمة في سوادها.

      سرقت كؤوس السلطان، ووجدت بقاياها على شجرة السنديان، رفع الأمر إلى الحاشية فاستشارت نفسها وقررت البحث عن الجاني، جمعت الناس هددت..نددت… سلخت…وزرعت الخوف في نفوس الأمهات و الشيوخ… وحتى الأطفال و الصبيان…في ظل الفوضى  و المخاوف …ووسط همسات الأشباح الثائرة  ، كان يعيش شاب جميل المحيى… الابتسامة لا تفارق شفتيه…لسانه لا يمل من ذكر أشعار الحب و الهيام و الطمأنينة والسلام…استشاط جاره غضبا ..فكاد مكيدة …عواقبها ليست أكيدة..همس في أذن الحواشي ..مضمون الهمس ..شاب قبيح الملامح..تجرأ فسرق كؤوس السلطان…خاف على نفسه كسرها .أما البقايا فعلى السنديان علقها.

أُمر الجلاد بإحضار الشاب..علق لساعات حتى غاب..

ايقضوه   قال رأس الحاشية..ما فعلت أيها الشاب

أجاب الجلاد هو شاب سارق..فاجأه جاره ليلا يسرق الكؤوس…كسرها و على السنديان علقها   حدق رأس الحواشي إليه فقال بشدة وقساوة ، أرجعوه إلى الظلمة وعلقوه ..وحين يغمى عليه مددوه على فراش من نار ، لعله يذكر الكؤوس ..والسنديان التي دنسها بعيبه وعند مجئ الفجر جروه عاريا إلى خارج الساحة، واتركوه هناك لكي تتأمل بلحمانه العيون ، وتنخر العبر عظامه.

وظهر جلاد ثاني يقود كهلا ضعيفا يسحب ركبتيه المرتعشتين ويلتفت جزعا إلى كل ناحية ومن نظراته تقرأ البؤس و الفقر و النِحاسة.

نظر إليه رأس الحاشية و قال مشمئزا من هذا القدر؟

أجاب الجلاد هو لص سارق دخل حرم القصر فسرق كؤوس السلطان… ثقلت عليه..دفنها ..أما الباقي فعلى السنديان علقها.

أرجعوه إلى الظلمة ، وأثقلوا جسده بالجراح ..حتى إذا مات ..فذاك كهل ضعيف ..حمى أو زكام أرداه.

وبعد هنيهة جاء جلاد ثالث يقتاد صبيا مكتوف الساعدين..حدق إليه رأس الحاشية دقيقة ثم سأل قائلا : ما بال الصبي ؟

أجاب الجلاد هو سارق ولص…سرق كؤوس السلطان ..أسقطها … كسرت فدفنها…أما البقايا فعلى السنديان علقها…

جردوه من اللباس..واديقوه  الكي و النار و النحاس…وإياكم أن ينام …فينسى فعلته بالسلطان.

     جرني إلى غرفة مظلمة وجدنا بداخلها شخصا تظهر عليه ملامح السلطنة ..سأل الجلاد بصوت حانق ، ومن هذا الآخر ؟

أجاب الجلاد وجدناه تحت حائط قصر السلطان..كان يكتب على القرطاس..قرأنا مكتوبه ..توقف من إتمام كلامه…

قال رأس الحواشي ..أكمل ماذا كتب ؟

أجاب كتب عن الكؤوس..كؤوس السلطان !!! تلوى في  الكلام لكن يا سيدي ذكر البقايا..وحتى شجر السنديان…

اه قال رأس الحاشية : افقوا عينيه..واقطعوا لسانه..وإياكم أن تنسوا أصابعه…خلصوها من يديه…ولا تنسوا القلم و القرطاس…احرقوها. الرماد؟ … ضعوه في قوارير و القوا ها في قاع المحيط..

(2)

    وفي اليوم الثاني تربع رأس الحاشية على منصة القضاء، و انتصب الجلادون حوله ممتشقين السيوف، رافعين الرماح …ففتح باب السجن..تفوح منه رائحة القلق..متآلفة مع أنين السجناء و نحيبهم.

بعد هنيهات خرج جلاد يقتاد امرأة مكتوفة اليدين، معصوبة العينين.

سأل رأس الحواشي : ما بال المرأة؟

أجاب الجلاد هي امرأة سارقة …سرقت كؤوس السلطان…خانها اللسان…خافت على نفسها..جمعتها في ثوب..وعند جارتها أودعتها…أما الباقي فعلى السنديان علقتها.

اديقوها ما تستحق… قال رأس الحاشية.

كم من متهم بقي في السجن؟

أجاب الجلاد : سبعون..سيدي

رأس الحواشي منتشيا : علقوهم … و …لا تتركوهم ينامون… حتى لا ينسوا عارهم، وكؤوس السلطان.

(3)

   جلس رأس الحواشي رفيقة ليله…شارد الذهن…غبطة تظهر على محياه.

سألته : استحلفك يا عزيزي قل لي ما يشغل تفكيرك؟

أجاب : ثلاث كؤوس سرقت من قصر السلطان…ضبطنا ألف متهم…أيعقل أن يكونوا جميعا لصوص؟!!

قال هذا الكلام وقام من مكانه قاصدا سجن المدينة.

  لم تمض إلا دقائق حتى أمر بإطلاق السجناء…بمن فيهم الشاب و الكهل و الصبي و المرأة…وحتى صاحب القرطاس و القلم.

خرج الأربعة في عتمة الليل ، قصدوا شجرة السنديان ، تعاونوا عليها فقطعوها…أما ما تبقى منها..فقد احرقوه!.

لكن ماذا عن صاحب القرطاس و القلم؟

عدت إلى البيت وكتبت ما رأيت ، ختمتها بأشعار

         سفك الدماء جريمة..لكن من أجازه لرأس الحاشية؟

         الظلم محرم لكن من جعل سلب الحرية فضيلة؟

        كؤوس السلطان غالية…لكن من علقها على السنديان؟

ثارت البلاد على الحاشية…ورأس الحاشية…والكؤوس…وحتى بقايا السنديان.

سمع صراخا خارج القصر ، نظر من النافدة ، رأى ملامح الغضب على شعبه، خرج إليهم ، واعتذر.. قالوا هذا سلطان…والاعتذار منه شئ كثير …رددوا جميعا سامحنا حاشيتك..فغادروا المكان…دون سخط أو ثورة أو انقلاب..

مر زمن ليس باليسير فسرقت ملاعق من قصر السلطان انتشر الخبر جمع الناس متاعهم وخرجوا من البلاد…كُلف الحواشي فجمعت الدواب… والنبات و الجماد

تعذيب و آلام.. وصراخ… وإطلاق سراح …واعتذار

ماذا إذا سرق شئ آخر من قصر السلطان؟

السكان غادروا البلاد..والدواب والجماد وحتى النبات غادروا جميعا

لم يبقى سوى السلطان والحاشية!!!

من سرق كؤوس السلطان إذا؟

رضوان احمد بسداون (الأطلس المتوسط)

 

مسوخ

التفاصيل
كتب بواسطة: مشهور البطران
انشأ بتاريخ: 20 نوفمبر 2002
الزيارات: 13

مسوخ

قصة قصيرة

مشهور البطران

لم اعرف نفسي يوما أخشى الكلاب، رغم ما يروى عنها من حكايات بشعة يشيب لها شعر الرأس، إنها بالنسبة لي مخلوقات وديعة تستحق الشفقة وأحيانا الاحترام، فهي على أية حال كلاب وستبقى هكذا تحرس أفنية بيوتنا من السراق وعابري الليل   .هذا ما عرفته وما اعرفه عن عالم الكلاب المسكون بالغموض.

لكن ما حدث صباح هذا اليوم جعلني أقف وأعيد النظر في موقفي وعلاقتي بهذه السلالة الذئبية الموشكة على الفتك بكل ما هو إنساني وجميل في هذه الحياة.

في تلك الساعة الندية كنت أتمشى على الإسفلت الرطيب في شارع في أقصى غرب قريتي الحدودية، على نحو مفاجئ هبت رياح سموم محملة باغبرة ونباح كلاب غازية لم اسمع له مثيلا في حياتي. نباح بربري موغل في التوحش، مرعب بما يكفي لإبقائي في أعلى درجات الحذر. انظر حولي فلا أرى أثرا لكلاب، مع إن نباحها يكاد يفجر طبلة أذني.انظر في الأفق فلا أرى إلا غرابا وحيدا يزعق في سماء صافية، كأن صوته مثل طنين طائرات الأطفال التي يتم التحكم بها عن بعد.

وحدي في الشارع بلا مؤنس ولا رفيق يهدهد مخاوفي، لا حركة ولا نأمة في هذه القرية المنذورة منذ الأزل للكد والمثابرة، البيوت هاجعة في الضحى وكأن رزية هبطت على القرية فأبقت الناس حبيسي حجراتهم.

احدث نفسي المتوجسة: ثمة أشياء غريبة تحدث هذا الصباح، أين الرعاة وأغانيهم الشجية؟ أين الفلاحين وصدحهم الجميل ؟!"

كانت الشمس حتى تلك اللحظة ما تزال نائمة في خدرها، والندى يبقع طريق الإسفلت، لحظات قليلة وهبطت الطائرة السوداء التي ظننتها غرابا. كانت صغيرة بحجم قبضة اليد وكأنها نموذجا مصغرا من طائرات الشبح الأمريكية التي اعتدنا رؤيتها تقصف بغداد وكابول وبلغراد. ارتطمت الطائرة على مطب في الطريق فكادت أجنحتها تتخلع، وانبعثت من مقدمتها أدخنة صفراء منذرة. ثم انحرفت بعيدا عن الإسفلت حتى وقفتْ على حافة جرف سحيق دون حراك، ثلثها معلق في الهواء بحيث إن أدنى نسمة هواء كفيلة بإسقاطها في الوادي السحيق.   

كانت طائرة جميلة بما لا يقاس، أجمل طائرة رأيتها في حياتي، سوداء يلتمع من مقدمتها وميض احمر.لقد خطر ببالي في تلك اللحظة إن أحد أطفال الحارة أطلقها من سطح داره وفقد السيطرة عليها في عاصفات الرياح، ولكنني لم أر أحدا من الأطفال، ولولا نباح الكلاب الذي يلاحقني لفكرت إن آخذها هدية لأبني الصغير في عيد ميلاده العاشر.

حين حاذيتها تجرأت وأمسكتها بين يدي محاولا إصلاح الخراب الذي لحق بأجنحتها، كان طيارها والذي ظننته دمية بلاستيكية ينزل زجاج النافذة ويقول:

"ضع الطائرة مكانها وامض في سبيلك"

"يا الهي ماذا يحدث؟ هل أنمسخ العالم هذا الصباح؟!"

كانت لهجته أقوى من أي مجازفة متهورة من جانبي، وضعتها مكانها. لقد فكرت إنه مسخ فضائي سقط من احد الكواكب، ولكن شكله الإنساني الخالص جعلني استبعد هذه الفكرة، وخطر لي انه كائن مستنسخ بيولوجيا في احد المختبرات الإسرائيلية، وفي غمرة ما يحدث تناسيت أصوات الكلاب النابحة والتي لم أرها حتى اللحظة.

بدأت أدرك أنني في ورطة حقيقية، وبدأت أدرك أيضا أن القادم اخطر، وأن كل ما حدث هو تمهيد لمغامرة اكبر يصعب التنبؤ بعواقبها. ما إن وضعت الطائرة حتى تناهت لي أوامر قادمة من الخلف، التفت ناحية الصوت فإذا جندي يصوب سلاحه نحو صدري، وفيما اقترب مني أدرك أنني اضعف من إن أقاومه بيدين فارغتين، وقادني مقيدا، بينما حمل الطائرة بيده الأخرى ومشينا غربا باتجاه الجدار الذي يفصل بين قريتي وما تبقى منها داخل الحدود الغربية للجدار. سألت الجندي:

-" هل تسمع مثلي نباح كلاب ؟

نظر إلي مندهشا وقال:

-"حقا أنت تسمع نباحا ؟"

-" نعم إنها تكاد تمزقني."

مط شفتيه استغرابا دون إن يتكلم.

سألته مرة أخرى:

" وهذا الطيار المسخ ما باله؟"

ولم ينظر إلي ولم يلق بالا لسؤالي.لحظات ودخلنا القرية الإسرائيلية الواقعة غربي الجدار، كان صوت الكلاب يزداد سعارا. كنت أتوقع في هذه اللحظات إن يقودني الرجل إلى احد غرف التحقيق شأن الأيام الخوالي عندما كنت اعتقل، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث. فجأة اختفى الجندي في موجات السعار الكلبي المحموم. ووجدت نفسي اعزلا وحيدا في عالم غريب مسكون بنباح كلاب لا يرحم.

دخلت إلى بيت بدا لي مهجورا، وأوصدت الباب والنوافذ بحثا عن لحظة سكينة شاردة.أتنقل بين النوافذ محاولا استكشاف أي خيط استرشد به لفهم ما يحدث حولي من الغاز، لا شيء على الإطلاق، لا بشر ولا حيوانات، قرية فارغة تماما، إلا من أشباح كلاب مسعورة.لا شيء يلفت النظر  باستثناء رسومات وشعارات على الجدران بالخط الكبير: طيار يلوح بقبعته للجمهور محتفيا بإدخاله إلى سلك الخدمة، انه نسخة عن الطيار الدمية الذي واجهني في الصباح وربما يكون هو هو، على جدار آخر ثمة صورة لكلاب تقف في طوابير مسلحة بأنياب طويلة.

"ما معنى ذلك؟" اسأل نفسي بخوف وقلق منقطعي النظير. مع كل لحظة تمضي يزداد هلعي، لقد بت قانعا أنني على وشك الدخول إلى أقسى اختبار في حياتي، أحاول التلهي بأي شيء يبعث العزاء، اهرب من نافذة إلى أخرى، الأفق مسدود وكأن السماء هبطت حتى لامست أفاريز النوافذ. لو إن نباح الكلاب يتوقف قليلا ربما لفكرت في البحث عن طريق للنجاة. نباح متواصل يشل القدرة حتى على التفكير.

ثمة صحيفة مرمية على طاولة في منتصف الغرفة، عنوانها يسرقني قليلا، أتناولها واقرأ:" الاحتفال بإدخال أول طيار مستنسخ في سلاح الجو الإسرائيلي، أول فرقة كلاب في سلاح المشاة" كاتب الخبر يعلق إن الكلاب تتميز بقدرة كبيرة على تمييز الإسرائيلي من غير الإسرائيلي، وان مجال الخطأ يقترب من الصفر، لكن المشكلة تكمن إن هذه الكلاب لا تستطيع تمييز الفلسطيني من غيره ثمة قلق في الشارع الإسرائيلي من أن أصدقاء إسرائيل ربما يكونوا عرضة لهجمات كلبية."

لم يتح لي إكمال قراءة الخبر لأن زجاج النافذة تحطم فجأة حين اخترقه كلب ضخم بحجم حمار، نظر إلي من بعيد نظرة من وجد ضالته بعد طول بحث، لعاب الاشتهاء اللزج يسيل من شدقيه فيما عيناه تثقبان صدري. لم يكن ثمة من سبيل أمامي إلا المقاومة صرت أدافع عن وجهي فيما الهجوم يستهدف صدري. الكلب يحاول باستماتة منقطعة النظير إن يصل إلى الجهة اليسرى من الصدر، أخيرا نجح وغز أنيابه الطويلة في صدري وافلح في خلع قلبي من جذوره، واعتدل فيما الدم يشر من زوايا فمه، وغاب وقلبي معلقا كغنيمة حرب بين أنيابه.

توقف النباح المرعب، ما زلت على قيد الحياة، ثمة هاجس يلح علي أنني سأعمر طويلا حتى بلا تلك المضغة اللحمية التي غادرت جسدي واستقرت في أحشاء كلب، أغادر الحجرة وامشي على الأرض بقدمين ثقيلتين تخبان في التراب. دبيب الأرض ينمل أقدامي. امشي بصعوبة لكن بثبات وعيناي الغائمتان مصوبتان على المكان حيث يجب إن أكون.

مشهور البطران

فلسطين

 

 

 

 

الظلام

التفاصيل
كتب بواسطة: عبدالجواد خفاجى
انشأ بتاريخ: 11 نوفمبر 2002
الزيارات: 14

 

قـصـة قصـيرة

عبدالجواد خفاجى

الظـــــلام

 

أدركت فى لحظة ما أننى قادم من الظلام ، وأننى هكذا منذ فترة ـ لم أكن معنيًّا بها ـ أسير إلى الأمام ، ولأننى لم أكُ أرى شيئًا فى الظلام الكثيف الذى يعم الوجود حولى ؛ لم أكن بالتالى أستطيع تحديد الجهات تمامًا ن بَيْدَ أن الأمام كان يعنى بالنسبة لى الاتجاه المجهول الذى تحدده رجلى اليمنى عندما تكون اليسرى ثابتة ، أو العكس تمامًا .

هل كان الظلام سيِّدًا علىَّ  ، أم كنت وحدى سيد هذا الظلام ؟ .. لست أدرى .. لم يكن الرأس معنيًّا بأسئلة أو إجابات .. رجلاى أيضًا لم يكن يعيقهما شىء .. لا اصطدام .. لا تعثُّر .. لا ارتطام .. لا انزلاق .. لا .. لا .. فيما ظننت أننى سابح فى الظلام .، وأن حركة رجلىَّ هاتين ، تلك التى أحس بها ليست إلا وهمًا كبيرًا أتوهمه .

ما الذى ساعدنى على تحديد اللحظة تمامًا غير ما حدث فجأة ، عندما انعطفت ـ لا إراديًّا ـ ناحية اليمين ؟ .. وكان الذى رأيته نورًا .. حقيقة لم يكن الأمر خيارًا بين النور والظلام ، مثلما أنه لم يكن خيارًا بين بين التوقف والمسير .

لأمر ما ــ مجهول ـ كنت أسير ، ولأمر ما مجهول أيضًا انعطفت يمينًا ، منسلاً من الظلام الذى كان يملأ الكون كله .. أدركت لحظة أن عنَّ الضوء لى أننى أضع يدىَّ فى جيب بنطالى ، وأننى أضع قدمىَّ فى حذاء أبيض ، مثلما أننى أرتدى ثيابًا بيضاء ، وأننى إلى حدٍّ كبير أبدو نظيفًا ، مهندمًا ، صامتًا مطمئن البال .. أتهادى فى الضوء .. شامخًا لأول مرة .. واثق الخطو .. أتأمل المنعطف الجديد .. سعيدًا بحواسى جميعها التى بدأت تعمل حقيقة لا وهمًا .

كان شارعًا عريضًا لامعًا ، تتوزع على جانبيه أعمدة رمادية قصيرة منمنمة ، تنتهى بتيجانٍ مذهبة .. لم أرَ ذرة  من تراب ، كما لم أرَ كائنًا ما .. وثمة حاويات قمامة فارغة ، موزعة بعناية ، وطوار على كل جانب ، يحضِّن على ممر رخامى لامع ، تنتظم فيه أشجار داكنة الخضرة ، مقصوصة الأفنان بأشكال هندسية متعددة ، وكانت الأبنية الرخامية الشاهقة تحدُّ الشارع من الجانبين دون أن تدع فرجة ما بينها .. موحدة الارتفاع تقريبًا ، تتوزع على جدرانها نوافذ عريضة ، ذات لون أزرق فاتح ، وثمة أبواب عريضة منمنمة ، وموصدة ، وكان النور الفضىُّ يمتد عبر الشارع من السماء إلى الأرض ، ولم تكن غير نسمة خفيفة تتحرك منحدرة من أعالى الأشجار إلى سفح الشارع ، ثم ترتد منه إلى أعلى مسافرة فى الفراغ .. أىُّ وجود هذا ، وأى ثراء ؟ ! .

سرت إلى أنفى هذه النسمة معبقة بأريج أزهار ملونة تمتد على جانبى الطوار ، وتملكنى شعور رائع بالنشوة ، وتمنيت أن أظل هكذا سائرًا إلى الأبد ، فى هذا الهدوء النائم .. ظلت عيناى تتنقلان بين النوافذ المغلقة ، وقد تصاعدت فى نفسى الرغبة فى رؤية شىء ما خلف النوافذ .. هل ستمتد إحدى الأيادى إلى إحدى النوافذ ؛ فتنفتح الضلفتان ؟ .. كيف الحياة هنالك خلف هذى الحوائط الرخامية ، مع نباتات الظل والهواء المكيف ؟ .. كيف تسترخى الأجساد الناعمة فوق الأسرَّة الوثيرة ، ثم تنهض خفيفة .. تتهادى نحو البانيوهات المعطرة .. تسترخى فيها مستمتعة بلزوجة الرغوة الساخنة ، وتخرج لترتطم نظراتها بالأثاث المطعَّم بالصدف والعاج ، وترتد إلى الستائر المزركشة المسدلة على زجاج ملونٍ تتماوج عليها أضواء خافتة ، ثم تترقرق ناعسة على السجاجيد الزاهية .. كيف يمرق فى هدأة المكان نهدى امرأة شبقة ؟ .. تلقى نظرة سريعة على مائدة للورد والأطعمة .. تلمح الأطباق البيضاء المذهَّبة المرصوصة بعناية فائقة ، ثم تروغ إلى وهدة سانحة مع  شاشة تلفاز لا تبث غير الرقص والتسلية ، وثمة ما يستلقى على السرير بجوارها : ديوان شعرٍ لامرأة لم تذق رجلاً .. مذكرات ممثلة منتحرة .. رواية لكافكا .. قطة تموء .. أوراق كوتشينة .. حمَّالة صدر ، وصورة عارية .

كنت هناك اجلس هادئًا إلى مكتبى ، مع فنجان قهوة ساخنة ، ورائحة امرأة صامتة .. عينين للسفر البطىء .. نافذتين تفتحان على الظلام .. قمر وحيد يختفى سريعًا .. ساعة حائط هادئة الدَّقَّات .. فراشة وحيدة تائهة .. بعض أقراص مهدئة .. تابلوهات على الحوائط لبحر ، وتلال خضراء ناعسة ، وبعض نخلات متشابكات خلف البحر، يلامسها شفق الغروب .. طير وحيد يمخر عباب الأفق نحو غيمة تائهة فى السماء ، وامرأة عارية تخرج من البحر تطأ الرمال خفيفة .. تترك خلفها أثرًا لخطو متتابع على وجه الرمال .. مارقة كمشق بهىٍّ ، نحو أحضان رجلٍ يطل بعينيه من كهف بعيد .. سلة قمامة وحيدة فى فراغ اللوحة ، كانت فارغة إلا من كتاب فى السياسة .

وحيدًا أستلقى على السرير .. أزيح الغطاء جانبًا .. أخطو إلى الباب .. أتسمع آخر زغرودة لجرس الباب .. أنظر من العين السحرية .. أراها .. فى عقدها الثانى : وجه صبوح كشمس بعيدة تمخر الظلام إلىَّ .. أفتح الباب .. تدخل جارتى الوحيدة .. تشبك يديها خلف عنقى .. أستدفئ قليلاً بنهديها ، ثم ألثم خدَّها .. تحرر يديها .. تتهادى أمامى .. أتابع النظر إلى زيِّها المزركش ، وردفيها السابحين نحو لذة مرجأة .. تسترخى على إحدى الأرائك ..  تسلمنى عينيها .. أبدأ السفر لحظة أن تبدأ فى الكلام .. تقص ما تشاء من حكايات ماضيها .. أبتسم قليلاً .. تفض بعض أحلامها .. أفض بكارة الوقت .. أستدفئ بنهديها قليلاً .. تمضى .. أغلق الباب خلفها .. أكمل الليلة مع الموسيقى الكلاسيك .. أقرأ قصيدة لعاشق قديم .. أحل بعض الغاز الكلمات المتقاطعة .. أشرب الشاى .. أدخن .. أتلقى مكالمات من أشخاص مجهولين .. أطالع بريدى الإلكترونى .. أرد على أشخاص مجهولين يخاطبوننى بود  عن أمور لا تخصنى .. أتناول كأسين من خمر ، ثم أنام .

عندما أصحو أفرك عينىَّ وجبهتى .. أتلفت يمنة ويسرة .. ألقى نظرة مجهدة إلى ساعة الحائط ، ثم أزيح الغطاء .. أتمشى نحو الباب .. أسحب الجرائد من تحته .. أعود إلى السرير .. أطالع العناوين البارزة .. أنهض إلى المرآة .. ألقى نظرة إلى وجهى .. ألحظ تورم عينى .. أدخل إلى المطبخ .. أتناول بعض ساندويتشات البيض والجبن والمربى ، ثم أشرب الشاى بالحليب .. أدخل إلى الحمام ، أدير التلفاز ، ثم أسترخى فى البانيو .. تظل عيناى على الشاشة .. أضغط الريموت كنترول .. أتوقف عند قناةٍ مغناجةٍ .. أدلك جسدى ، ثم أخرج إلى الفراش .. تضغط جارتى جرس الباب .. أنهض .. أنظر من ثم أفتح الباب .. تدخل .. تشبك يديها خلف رقبتى .. أُقبِّل شفتها السفلى ، ثم أسحبها إلى السرير .. تدلك لى جسدى ..  ترش عليه بعض البودرة .. تفركها على جلدى قبل أن تستأذن فى الذهاب .. أنهض وراءها إلى الباب ، ثم أعود إلى السرير .. ألتقط الجرائد ، وأخرج إلى الصالة .. أرتمى على إحدى الأرائك ، وأتابع القراءة ، قبل أن أنهض إلى مكتبى .. أسجل ما يجول بخاطرى .. أضع الأوراق فى درج  مكتبى .. أرفع سماعة التليفون .. أطلب أرقامًا لا أعرف أصحابها .. أتسلى مع امرأة قد تكون على الطرف الآخر .. ربما طلبت رقمًا لامرأة وقحة من الأرقام التى سبق أن سجلتها من شاشة التلفاز .. سيكون صوتها ناعمًا .. وستكون مغناجة بالتأكيد .. ربما كانت وقحة كما ينبغى لها أن تكون .. أمارس معها رغبة الثرثرة ، والحديث غير المألوف فى موضوعات غير مألوفة .. أنهض بعدها لجهاز الكمبيوتر .. أتسمع لامرأة رقيقة تلقى شعرًا .. تهمس كأنفاس الليل .. تأخذنى إلى جزر بعيدة .. تسافر بى على زورق يحوى كثيرًا من المحار والأساطير .. تداعبنا نسمات البحر ، وأمواجه المتكاسلة .. يتهادى الزورق حتى يهدأ على شاطئ مجهول لجزيرة لم نرها من قبل .. نلقى نظرة على أشجار الجوز واللوز والجزورينا .. نتابع الغزلان التى تتنقل تحتها ، قبل أن ننهض من جوف القارب .. هنالك نخطو على الرمال الدافئة ، قبل أن نمرق بين الأغصان المتشابكة .. نستلقى أخيرًا على الحشائش السندسية الخضراء .. ينزاح عن ساقبها الثوب الوردى .. ثم .. نبدأ فى تفاصيل عشقٍ غير مسبوقٍ على هذى الشطوط .

 أنهض بعد ذلك إلى المطبخ .. أجهز وجبة دسمة مسبَّكة .. أرشرش كثيرًا من التوابل والفلافل على التقلية .. أغطى قطع اللحم النائم بالبيض المخفوق .. أجهز السَلَطَة .. أتناول الوجبة ، ثم أشرب كأسين من الخمر .. أجلس بعدها فى الشرفة .. أدخن بشراهة ، وأنا انظر إلى السماء الصافية الممتدة عبر المدى .. أعاتبها قليلاً ، ثم أدلف إلى الداخل .. أجلس فى الصالة ، أطالع الشاشة .. أتجنب الحروب الدائرة .. أعود إلى مكتبى مرة أخرى .. أبدأ فى تسجيل خواطرى .. ألقى بالأوراق فى درج مكتبى ، أنهض إلى السرير .. أسترخى حتى تعود جارتى تدق الجرس .

السماء كانت زرقاء صافية ، ولم أكُ أرى شمسًا ولا قمرًا .. لم يكن الوقت واضحًا أبدًا .. وكأن الشارع قد انقرض فجأة أمامى عندما اعترضنى حائط رخامى بعرض الشارع .. مسحته بعينىَّ .. كان فيما بدا حائطًا لمبنى كبير ، يقطع الشارع من الشمال إلى اليمين .. كان شاهقًا ولامعًا .. تتوزع عليه نوافذ خشبية بُنْيَّة عريضة .. تأملتها .. كانت توحى بعظمة القاطنين خلفها ، بَيْدَ أن الصمت المريب كان لا يزال سيِّد المكان ، وكنت لا أزال أبحث عن أثر لحياةٍ ما .. مشيتُ مع الحائط يمينًا .. التقطت عيناى فجأة هيكلاً بشريًّا جالسًا على كرسى بنى لامع فى أقصى اليمين .. مشيت إليه .. راعنى أنه ساكن ، وصامت .. كان يرتدى بذَّةً عسكرية ، وكانت رأسه تستلقى إلى الأمام ، فيما رحت أتأمل القبعة العسكرية على رأسه ، والطيور المعدنية النائمة على كتفيه ، فيما بدأ سؤال يتخبط فى رأسى : ـ هل هذا الجالس على كرسيِّه شرطى بشرىّ من دم ولحم ؟ .. بدا رغم سكونه وحشًا مغوليًا نائمًا ، يكسو الشعر السود النافر المساحة المكشوفة من صدره ، ويديه .. فيما لاحظت أن عينيه تختفيان تمامًا تحت شعر حاجبيه المسدل .. فيما بدا شعر لحيته أثيثًا مرسلاً حتى سُرَّته . . أية هيئة هذه ، وأى شرطى هذا ؟ ! .. كان يعطى قُبُلَه للشارع ، بينما كان ظهره لباب حديدى شاهق وعريض .. يوحى بالعظمة والرهبة فى آنٍ ، وكانت ألوانه داكنة ، مطعَّمة بألوان فضية وذهبية ، فيما لاحظت إحدى ضلفتيه مواربة قليلاً .. اختلست نظرات إلى داخل الباب عبر المساحة الضيقة التى خلَّفتها الضلفة المواربة .. هل أدفعها قليلاً وأدخل ؟ .. سؤال مباغت طرأ فى رأسى ، بينما كانت عيناى موزعتين بين الرجل الجالس على كرسيِّه ، والمساحة الضيقة بين ضلفتى الباب .. هل ألمسه .. أريح يدى على كتفيه .. أهزَّه ببطء ؛ فيستيقظ ، أم أتركه فى نعاسه ، وأدلف إلى ما خلف الباب الكبير ؟ .. اختلست نظرة سريعة أخرى إلى الداخل .. لم أظفر برؤية شىء ما .. ولم يكن من شىء يلوح غير دكنة يتخللها ضوء فى مساحة ضئيلة تتسرب من الشارع إلى الداخل عبر المنفرج الضيق بين الضلفتين .

أى برزخ هذا ؟! .. ارتددت سريعًا خشية أن يلمحنى أحد يكون بالداخل .. سحبت نَفَسًا عميقًا وتركت عينىَّ تروغان فى الفراغ ، واستسلمت لأفكار تمرق سريعة فى رأسى ، وأسئلة حيرى تتبدى : ـ أى منزل هذا ؟ .. ربما هو أهم منزل فى هذا الشارع .. يموج بالغوانى والخدم .. ربما أنه مسكن للرئيس .. مفاعل ذرى .. متحف لهياكل ديناصورية .. بيت راقصة ثرية .. قصر أثرى لواحد من مجرمى التاريخ .. منفى حكومى لواحد من الرؤساء السابقين .. بيت سرى لواحد من الوجهاء ، أو السياسيين الكبار .. مركز وزارى .. بيت لعائلة ثرية لم يبقِ الزمان منها غير عجوز بالداخل .. سأدخله طالما أن هذا الجالس لم يستيقظ بعد .. قد أوقظه لأسأله ؛ فيسألنى .. كيف ستكون الأسئلة .. بماذا سوف أجيب ؟ .. ما الذى أتى بك إلى هنا .. ماذا تريد .. عمن تبحث .. من أنت .. أين هويَّتك .. أوراقك الشخصية ؟؟ .. قد يطلب منى أن أُخْرِج يدى من جيب بنطالى .. ربما طلب منى أن أقف منتصبًا ثابتًا صامتًا على بعد ثلاث أو أربع خطوات .. سأرفع ـ ولا شك ـ رأسى عاليًّا .. أسحب نَفَسًا عميقًا ، ثم أنكسها ثانية إلى الأرض ، وأزفر بشدة .. أعاود النظر إلى وجهه .. تثبت حركة جفنىَّ .. تثبت المقلتان فى محجريهما .. أسحب أنفاسًا هينة .. أخرجها بطيئة .. أرد بصوت ناعم منكسر .. أجيب بصراحة ووضوح وبلا مواربة على أسئلة وقحة جريئة .. قد يبصق على وجهى ، أو فى الهواء الذى أتنفسه .. يسب أمى .. أتابع النظرات المنكسرة إلى الأرض .. أُسْلِمه صدغىَّ الضامرين .. يصفعهما .. أشيح بوجهى عن نظراته الغاضبة .. أسمح لمحبس الدمع أن يهطل .. أشهق خفيتًا .. لا أجرؤ على رفع يدى لمسح دموعى .. أتركها تنحدر إلى شفتى السفلى ولحيتى .. ألعق ما يستقر على شفتى ، وأتابع الأجوبة .. أعرب عن رهبتى وخوفى وتبجيلى وهيبتى واحترامى .. أرتجف قليلاً ، وابدأ فى الاعتذار .. أعلن عن أسفى وتوبتى .. ربما ينفلت البول من محبسه .. يبلل سروالى وخصيتى .. أحبسه وأستأنف الإجابات مرة أخرى ., أسئلة كثيرة قد تستعصى علىَّ إجاباتها .. ربما أجبت بأية أجوبة .. سيلتقط ألفاظًا ومواقف متنافرة .. ربما أنتبه إلى الأحداث الوهمية والقصص الخرافية القديمة التى سأقصها عليه ، دُكْنَةٌ من ألفاظ قد لا تفصح لعقلية عسكرية ، تلعثم ، وتمتمات لا تتواصل بقدر ما تتقطع .. ربما كانت حالتى غير مناسبة لمستوى البلاغات الرسمية المطلوبة .. ربما خانتنى بلاغة الخطاب والتوصيل .. سأترك نفسى لاختياراتها .. ربما انفلتت منى طبيعتى النى لا تعرف التحفظ .. ربما ارتأى أن ذلك لا يعد مناسبة بين اللفظ والمعنى .. ربما تسافلت عن مقتضى الحال .. ربما اتهمنى بالبلاهة ، أو بالغموض .. سيغتاظ .. ربما اتهمنى بالوقاحة ، أو بالبوهيمية .. سيرانى رغم بياض وجهى وثيابى  رثًّا وعفنًا .. ربما كانت لحيتى هذه مدعاة لاتهامى .. سأكف عن الكلام ، وقد جحظت عيناه وبرقت بالاتهام الشنيع : ابن للظلام .. واحد من الخفافيش التى قذفها الظلام إلى الشارع الراقى .. لا تنتمى للنور .. دقات قلبك تنبئ بالمروق .. وجهك لا ينم على خنوع .. قف صامتًا .. اركع .. ربما قال : " يل بغل " .. سيوثق قدمىَّ ومعصمى .. ربما سحبنى .. سيجرجرنى على الأسفلت اللامع إلى آخر نقط الضياء .. ربما ركلنى ، أو رفعبى عاليًا بيدٍ واحدة .. سيميل إلى الخلف ، ثم يقذفنى مرة أخرى إلى بطن الظلام .. هكذا سأعود مرة أخرى إلى الظلام .. يبتلعنى .. أتوه .. أتوه .. أحلم بشارع جديد .. شارع صامت وهادئ ، ومضئ ، يخلو من شرطى مغولى أرعن .

ولماذا كل هذا ؟ .. لن ألمسه .. لن يستيقظ .. لن تحدث مواجهة .. ربما لو استيقظ لأشار إلىَّ بالثبات .. أتابع حركة إصبعه فأثبت .. سأحرك ذراعًا واحدة ، وسأبدأ فى الكلام .. جريمتان إذن : حركة ذراع فى وجه السلطة ، وحركة اللسان فى موقف الصمت الرهيب .. حركتان غير لائقتين ، ويتنافيان مع العرف والواجب والقانون .. قف .. اثبت .. صفعة .. صفعتان .. ركلة .. ركلتان .. البول سيسرسب .. يبتل سروالى وجسدى .. ولماذا كل هذا ؟ .. مغامرة خاطئة قد تنتهى بجحوظ عينيه .. سيسحب بعدها مسدسه هذا المعلَّق فى حزام بنطاله .. يرميتى هادئًا برصاصة بين عينيَّ .. يحملنى جثة إلى الظلام .. هناك يقذف بىَّ طعامَا سائغًا للبوم والخفافيش .. لن يحدث شىء من هذا .. سأدلف سريعًا عبر المنفرج الضيق بين الضلفتين إلى الداخل ، وبعد أتم دخولى سأدفع الضلفة المواربة بكلتا يدى .. ستتعشق بالأخرى .. يتعشق المزلاج أيضًا .. سأكون فى مأمن من الشرطى البغيض .. سأتجول قليلاً بالداخل ، ربما صعدت الدَّرج إلى الطابق العلوى .. قد يصادفنى شخص ما .. سأحاول أن أكون لبقًا ، ومن ثم سأبحث عن بلاغة خطاب مناسبة .. سأفتش فى ذاكرتى عن ألفاظ عالية الجودة ، وسانحنى بأدب جمٍّ ، ربما مدَّ لى يدَا بالتحية .. سأمد يدى بهدوء .. سأكون كيِّسًا فطنًا .. سأعلن عن رغبتى فى الحياة ها هنا ، ولن أذكر شيئًا عن الظلام الذى قذفنى إلى هذا الشارع ، وسأمدح النور .. أى نور بالداخل سأمدحه ، وسأهزُّ رأسى موافقًا على أية شروط للحيلة هنا .. صعدت إلى الأدوار العليا ، حيث الردهات الواسعة ، والسجاد النائم ، والمشروبات الروحية ، والخدم ، والموائد العامرة .. ربما أعطونى دورًا ما أجد فيه لذة ما .. سأكتشف شيئًا مجهولاً ، وسأعيش مثلما يعيشون .. ها هنا تبدو الحياة مختلفة وعميقة ، ورائعة . قد تكون واحدة ثرية تعيش فى هذا القصر .. سأقتسم الحياة معها ، حتى وإن  كانت عجوزًا .. ستكون رائعة ، وهى تقص ماضيها المتخم بالحكايا .. سندخِّن ، وسنشرب الشاى معًا فى المساء ، ونحن جالسين على الأرائك التى بالشرفة الخلفية .. سنطالع القمر ، ونلعب الشطرنج ، والنرد .. ندخل إلى غرفة النوم .. نشاهد التلفاز .. فى الصباح نقرأ الجرائد سريعًا قبل أن نتناول إفطارنا ، ثم نخرج بعدها للنزهة .. ستأخذنى بعدها ـ ولا شك ـ للشواطئ البعيدة .. سأجد هناك بعض الأصداف ، والرمال الدافئة .. سألاعب الأمواج ، وأغوص تحت الماء .. ربما أمسكت بالسنارة .. سألقى بالشص فى الماء ، وأخرج بعض الأسماك .. أجمع بعض الحطب ، والأعشاب ، وأشعل النار .. أشوى الأسماك ، ونتناول الغداء فى الهواء الطلق .

ستموت ـ ولا شك ـ وستترك لى ثروة كبيرة ، وهذا القصر المنيف .. أعيش الحيلة بعدها مع واحدة أخرى لم تذق رجلاً قبلى ، ولاشك ستكون حورية تتهادى فى القصر .. لن أزحم حياتنا بأكثر من خادمة وحيدة تجهز لنا وجباتنا ، وسأصحبها إلى الشاطئ كل يوم .. ربما اصطحبنا كلبًا أو قطة .. ربما عدنا ببعض الأصداف والصخور ، والزلط الملون .. سنحول القصر إلى تحفة فنيَّة ، سأكتب كثيرًا ، ولن أحتفظ ـ هذه المرة ـ بأوراقى فى درج مكتبى .

دَخَلْتُ .. عيناى كانتا على الشرطى ، وأنا أدخل رجلى اليمين .. استدرت بكامل رأسى تجاه الشرطى ، وجعلت ظهرى إلى الباب ، وبدأت فى إدخال جسدى رويدًا .. بطيئًا ، هادئًا كالهواء المنساب .. أدخلت جسدى كله ما عدا رأسى , كانت وحدها خارج الباب .. عيناى لا تزالان على الشرطى النائم ، أرقب سكونه ، وسباته للحظة الأخيرة ، قذفت برأسى إلى الداخل وراء جسدى .. كانت حركة خاطفة ورائعة .. أصبح جسدى كله داخل الباب .. ظهرى للخلف ، ووجهى للباب .. كفَّاى لا تزالان عالقتين بضلفة الباب الموارب .. دفعتها سريعًا للأمام .. تعشقت الضلفة بالأخرى .. أُقفل الباب تمامًا .. سمعت صوت مزلاجه يتعشق ببعضه .. ها أنا ذا فى مأمن من الشرطى .. سأبدأ سريعًا ، وسأحاول الكشف الجميل .. سأكون لبقًا ، وكيِّسًا فطنًا .. مؤدبًا مع أول شخص يصادفنى .. سأنتقى ألفاظًا عالية الجودة .. مناسبًا للمقام .. سأراعى مناسبة اللفظ للمعنى ، ولمقتضى الحال ، وسأوظف النبر والجرْس .. مخارج الحروف .. رصانة اللغة .. انحناءة سريعة ، وخشوعًا عبوديًا رائع الامتثال والتسليم ، وهكذا أبدأ . استدرت بجسدى ، بحركة فجائية سريعة إلى الداخل .. أصبح االباب خلف ظهرى ، ووجهى للفراغ الداخلى .. راعنى أننى لم أرَ شيئًا .. خطوة .. خطوتان .. ثلاث .. لكأنى أصبت فجأة بالعمى .. أو لكأنه الظلام ! .. ثمة ستارة كثيفة من ظلام عتيق .. رفعت ذراعىَّ .. تلمست المصير .. لم يصادف يدى عائق ولا حاجز .. خشيت السقوط .. كيف يمكننى السير إلى المجهول ؟ : أرض لا أراها ، وحظ تعيس .. أى حيلة ، وأى ذكاء ؟ .. تراجعت للخلف .. استدرت مرة أخرى أبحث عن الباب .ز تقدمت خطوة .. حطوتان .. ثلاث .. أربع .. ارتطمت يداى بسطح كأنه الحائط ، كان محببًا ، وكانت الحبيبات حادة ، ويابسة .. ارتدَّ ذراعاى إلى الخلف .. فردتهما على الجانبين .ز فمددتهما للأمام ثانية .. لم يصادفهما سوى الحبيبات الحادة والحائط الصلد .. كان على رجلىَّ أن تتحركا أيضًا .. شمالاً فيمينًا .. للأمام ، للخلف .. الباب لم يصادفنى .. ارتعبت .. بركت على الأرض .. كانت ثمة برودة وعفونة ، وتراب يتصاعد إلى أنفى كلما حركت يدىَّ .. تملكنى الفزع ، وثمة تساؤلات حيرى بدأت تتخبط فى رأسى : أى آلهة تمر .. أى آلهة تجئ ؟؟ .. لم يعد من شىء أقدسه غير ظلام مخيف ، ومستقبل مجهول .. عينان كليلتان ، وقلب شغوف ! .. كيف يكون الظلام إلهًا .. أى آلهة أكثر سخفًا من هذا الذى يحرسه شرطى ماغولى يغلبه النعاس ؟! .. أى حكمة مقدسة تلك النى جمعت بين النعاس والظلام الإله ؟ .. كان يجب أن أفهم ذلك مبكرًا : ظلام تحرسه غفلة الحواس .. أية شرارة مقدسة يمكن أن تضىء ؟! .. أيظل ديدنى هكذا عشقٌ لما لم أره ، وخوف من مجهول سادر .. تقديس لروعة أتوهمها خلف تخوم لا تبين ؟! .. هكذا .. حتى يصدمنى الظلام بالظلام .. يطاردنى الفزع مثلما يطاردنى الآن النوم .. رطوبة التراب .. عفونة ساجية .. دكنة المصير .. الرغبة فى الخلاص .. حيلة يائسة يغلبها شعور بالفشل الذريع .. أمور جميعها تبعث على الهروب إلى قرارة النوم السحيق .. كيف يجتمع النوم والفزع ودكنة المصير ؟! .. هل سأصادف الباب ثانية ؟ .. لقد سمعت صوت مزلاجه حين تعشَّق .. هل سيُفْتَحُ الباب ثانية ؟ .. سأخبط عليه عنيفًا ، حتى يصحو الشرطى المغولى من نومه ؟ .. ربما أجابنى ، وقام ليفتح الباب .. سيكون الموقف محرجًا .. سيسألنى متى .. كيف دخلت ؟ .. سأجيب بصراحة .. ربما صفعنى .. سأكون صاغرًا ، فذًا فى تقبل الإهانات .. سأقف وقفة صنمية عالية الامتثال .. سأنحنى بأدب جمٍّ .. سأكون كيِّسًا فطنًا .. وسأنتقى ألفاظًا عالية الجودة .. سأراعى المناسبة بين اللفظ والمعنى ومقتضى الحال ، وربما بحثت عن بلاغةٍ جديدةٍ مناسبة للمقام .. ربما صفعنى رغم ذلك ، أو ربما أعتقنى .. سأعلن على مسامعه توبتى عن ذنوب لست أدريها تمامًا ، سأكون جادًا وساجدًا عند قدميه ، سأقول : " لك العتبى حتى ترضى " طالبًا الصفح الجميل ،  وسأمدح الظلام ، وكل حُرَّاس الظلام ..  وسأبدأ فى الإجابات .. ربما كتمت أنفاسى حتى لا تزعجه ، وحتى لا يلفح السكون الجميل البليد .. لن أدع لجفنىَّ فرصة لحركة أخرى .. ربما سحب مسدسه من جرابه وفرَّغه بين عينىَّ .. قد يسحبنى .. سأستسلم تمامًا لقيوده ، وهو يجرجرنى على الإسفلت اللامع الأملس .. سأمتدح فعله ، وربما سأقبِّل الإسفلت ، وهو يجرجرنى حتى آخر حدود الشارع ، تمامًا حتى آخر نقطة للضوء .. سيرفعنى عاليًا بيدٍ واحدة .. سأستسلم تمامًا لحركته الفجائية السريعة ، وهو يرفعنى على كفِّه ، ويطوحنى فى الهواء .. سأكون خفيفًا ، وسأضرب بيدى ورجلى لآخر مرة أجواء الفضاء البورانى الجميل .. سأسمح لصدرى أن يسحب آخر نفسٍ عميق من هواء الشارع النظيف المضىء ..وسأنطلق كطائر عفىٍّ إلى الأمام .. نعم نعم .. سيمسل الشرطىّ المغولى بجسده إلى الخلف .. يميل مشرِّعًا ذراعه ، فاردَا كفَّه فى وجه السماء ، ساعتها سأكون مستلقيًا على كفِّه ، لا حول ولا قوة لى غير أن أرفرف بذراعىّ ورجلىَّ .. سيتحرك ذراع الشرطىِّ إلى الخلف بحركة إرادية محسوبة تمامًا يحبس نَفَسًا عميقًا فى صدره ، ثم ... يبدأ فى قذفى إلى الأمام .. ساعتها سأكون جاهزًا كطوبة فى مقلاع  .. سأطير .. أطير إلى آخر الشوط .. ساعتها سيكون ما بينى وبين الشرطىِّ قد ابتهى .. وسأهبط سالمًا فى جوف الظلام .. هل يفعل الشرطىُّ هذا ؟ .. ربما يفعلها ، أو ربما لوجهة أخرى يتركنى وحيدًا ؛ كى أضع يدىَّ فى جيب بنطالى ، وأعود ـ مثلما جئت ـ وحيدًا أتهادى مرة أخرى ، وأخشُّ فى جوف الظلام ؟ .

( تمت )

20 مارس 2001م 

 

 

 

 

 

 

 

الوصول إلى الوصول

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد نايف الجبارين
انشأ بتاريخ: 10 نوفمبر 2002
الزيارات: 14

 

 

 

الوصول إلى الوصول

 

مستلقيا على الأرض.. ناظرا إلى السماء....... فمرة اعد النجوم وأخرى أراقب القمر........  سبحت كثيرا في الفراغ بيني وبينها ، ذهبت بعيدا وسرت حيث لا ادري

مررت بسهول كثيرة ، ووديان عميقة ، صعدت جبالا ونزلت هضابا. قطعت غابات وسرت بين سيقان الأشجار ، مشيت على العشب الأخضر ولكني لم اصل .

 

ألحان حزينة وفراشات غير قادرة على الطيران عصافير كثيرة تشدو وتحاول أن تسمع صوتها ، تطرب لها أحيانا وتبكي منها أحيانا أخرى فترمي بكل ما لديك وتنفض عنك الغبار وتحاول .

 

تقف على مفترق، أي الطرق تسافر ، هل تتبع من سبقك أم تسير في طريق أنت تختاره ، لتحاول أن تقف على محطة.

 

تلتحف السماء، وتلوك الحجر لكي تأكل ... تسير على جسور وهمية ، فتأخذ خطواتك في الهواء، تقف على جبل منخفض كي تراقب الطيور وترسل معها كلماتك لتحاول أن تسبقك هي.. كي تجد لك مكان

 

تنام وأنت صاح ، تبكي وأنت فرح ، تتعرى وأنت ملتحف ،  تحاول فعل أي شيء وأنت تملك ضده كي تحاول أن تبحث عن موقف وتصل إلى لا نهاية.

فهل الوصول هو الذي تحاول أن تصل ؟؟ أم انك بعد أن تصل تسمي ذلك الوصول ؟؟؟\

 

هل الطريق تقود إلى الطريق؟؟؟

 

لكنك في النهاية لا بد لك من محطة بها تكون...

لم أنسى أنني مستلقيا على الأرض

 

محمد نايف الجبارين

dugareh2007@yahoo. Com

الظاهرية- الخليل- فلسطين

النملة والعصفور (قصص قصيرة)

التفاصيل
كتب بواسطة: ركاطة حميد
انشأ بتاريخ: 05 نوفمبر 2002
الزيارات: 13

النملة والعصفور

 

التقطها من فوق غصن يابس ، وحلق بها عاليا ، لمح فراشة جميلة وكبيرة ، صاح مبتهجا بالنعمة الجديدة  سقطت النملة ، واختفت الفراشة بين السنابل.وهو يبحث عنها  محتارا ومحلقا على علو منخفض، أصابته حجارة طائشة ،سقط العصفور محتضرا بين الخمائل فأبنته النملة بكلمات حزينة  وكفنته الفراشة بأزهار أشجار اللوز.

 

لعب أطفال...

 

وحده  كانت يداعب وحيدته  الصغيرة ، وهي راكبة فوق ظهره تهش عليه فيسير في الغرفة حانيا رأسه ممتثلا لسيدته الجليلة . لامه وأنبه واستنكر لعبتهما الحقيرة ، رحل الجد غاضبا وانقطعت أخباره  . وحدث أن ذهب  لاعتذار له على حين غرة ، فوجد ه مربوطا  بحبل إلى سارية ، ينبح بقوة ورهبة  ، وأحفاده  الصغار  يضربونه بسوط  خشن مرة باللين وأخرى بالشدة .

المحارب.. 

 

كان يكتب لها رسالة كل يوم ، يخبرها بأدق تفاصيل أيامه الحافلة ، يحلم بالليلة الكبيرة ، بالبنات والبنين والدار الكبيرة.لما عاد من الحرب  وجد في الثكنة ركاما من الرسائل بانتظاره  حملها وعاد أدراجه من جديد نحو جبهة جديدة .

 

الممثل

 

صاح المخرج في غضب أوقفوا التصور !!!!، أخرج الممثلون  ، صعد إلى الخشبة  وأعاد تشخيص المشهد بإحساس كبير ، وبينما هو غارق في إطراءات  طاقمه وتصفيقاته  ، كان النجم يفكر بإمعان  في العروض المقدمة من طرف  الآخرين .

 

ماسح الأحذية

 

وهو منهمك على تلميع حذاء ثقيل وعفن ، كان ماسح الأحذية يتذكر بمرارة  السنوات التي قضاها في  زنزانته الانفرادية ..ظل يلمعه حتى وصل درجة كبيرة  من الإعياء،  هم قائما فطلب منه الجندي  تلميع زوج حذاء ثانية . تساءل كيف يمكن تلميع وجه الماضي ، و قذارة سنوات الجمر  الخالية .ونحن دوما في انتظار فرصة ثانية ؟

الشرطي

وهو واقف كالمارد بمدارة ،ينظم المرور في حزم واتزان  ،مر بقربه سرب حمام ، رمى بالصفارة وأطلق العنان للغناء ، حامت حوله  حمامة ، ترك المدارة وحلق متقدما السرب إلى الأمام  .

الوجه والقناع

من أعلى المنبر ،كان الخطيب يحث الناس على محاربة الأعداء  ونبد الشقاق  ؛ لما جن الليل وأووا إلى أركانهم الآمنة ، كان وزمرته ينسفون كل ركن من  أركان المدينة.

 

 


جنون الكاتب

التفاصيل
كتب بواسطة: بديعة الطاهري
انشأ بتاريخ: 03 نوفمبر 2002
الزيارات: 15

جنون الكاتب

بديعة الطاهري

 

توقف  للحظات ممسكا بيدي. أحسست حركة غير عادية. وجدت نفسي في موقف حرج. زملائي وزميلاتي ينظرون باستغراب إلى يدي في يده ممسكا بها برفق غير معهود في تحية عابرة  . خيل إلي أنه كان مستغرقا في حلم أو سافرت به الذاكرة لاستحضار وقائع بعيدة غابت عنه منذ مدة.

حاولت أن أنبه إلى ذلك الوضع غير الصحي  ، فمددت إليه بيدي الأخرى مجموعته القصصية ، وطلبت منه أن يوقعها  .ترك يدي تنفلت من بين يديه بصعوبة . وامتدت الأصابع إلى القلم تتحسسه برفق وكأن يدي مازلت بين أنامله. انحنى يكتب ، وفي حركته تلك خيل إلي كأنه انحنى لتقبيل اليد التي أمسكها سابقا بلطف غير معهود. لم يسألني عن اسمي ، وإذا به يخط كلاما استغربت عندما قرأته : اسم غير اسمي وكلام أخطا على ما أعتقد صاحبته : "إلى ميساء الجميلة التي باغتتني ذات يوم وأدهشتني جرأتها كما لم يدهشني أحد من قبل.ّ"

 فتحت  الكتاب  لأداري الارتباك الذي أصابني من جديد.خفت  أ ن يقرأ أحدهم ما بالتقديم وأصبح محط ألف سؤال . كانت أول مرة أعرف فيها الرجل . صدفة وجدت نفسي مع زميلاتي وسط المدرج بعد أن تغيب أحد  أساتذتي  .دفعني الفضول إلى شراء مجموعته القصصية .وعندما رأيت زملائي وزميلاتي يطلبون منه توقيعا، جاريتهم في ذلك .كانت نظراته مازالت تلاحقني و كأنه يعرفني منذ مدة .عيناه تشعان بريقا  يبحث عن موطن لاستقباله .كانت عيناي ،المترددتان مابين صفحات الكتاب واستراق النظر إليه، تحملان من الاستغراب الكثير .خيل إلي في لحظة أن صاحبنا تناسى أنه في حرمة جامعة .لم يعد يبال بمن حوله وظل مشدوها إلي كأنني كائنة من عالم الحلم والخيال .تكالبت ابتسامته مع نظراته لتدفعني إلى حيرة عميقة.دفنت رأسي أخيرا في كتابه أتصفح فهرسه .فإذا بعنوان إحدى قصصه يستوقفني ."ميساء" .بحثت عن الصفحة وأخذت أقرأ ما كتب فيها .

" استغربت اختفاءك المفاجئ .كان حضورك المسائي ينسيني تعب اليوم والطلبات الملحة للزوجة المغفلة. كنت كحورية من الشرق والغرب. تمانعين بدلاك الشرقي وتندفعين بجرأتك الغربية . التقينا ذات يوم صدفة على شاطئ البحر. ذهبت في خلوة بعدما استعصت الكتابة وهجرتني الكلمات.أحسست يومها بعجز قاتل .جربت الكتابة مرات متعددة .فإذا بشيطان القصة يخذلني .زادني توترا احتجاجات زوجتي على خلوتي المستمرة بالمكتب .لم تكن تعترف بما أبدع. كانت دوما تقول لي :إنك أبله .الكلمات لا تغير العالم ، ابحث عن عمل مواز يضاعف دخلنا .من يقرأ لك؟ من يشتري كتبك؟ .مجموعة من المجانين من أصدقائك ،  تتبادلون الكتب وتتراشقون كلمات الإعجاب عندما تكونون مجتمعين،  ولما يتخلف كل واحد إلى بيته يتهكم من الآخر ويسخر منه ، ويستنكر أن يكون ما يكتبه الآخرون  أدبا "

قررت الانفلات من سهام كلمات زوجتي .ركبت السيارة وقدت على غير هدى إلى أن وصلت الشاطئ .كان الوقت مساء والشاطئ شبه خال إلا من بعض العشاق الذين ظلوا في خلوة بعيدة عن رقابة صارمة أو فضول محتمل . اقتربت من البحر،  ورغم برودة الماء اقتلعت حذائي وانتعلت الرمل .كنت أحس في نفسي رغبة في التحدي ..... . قلت : هذا البحر الممتد أمامي أغسل فيه عجزي وضعفي. منيت نفسي باستلقاء فوق مياهه الزرقاء لمعانقة أمواجه العاتية .لكن برودة الجو كانت تثنيني. فجأة رأيتك ...خيل .إلي أنك تخرجين من الأمواج... بل كنت أنت تلك الموجة التي تراءت لي من بعيد عالية مزمجرة ، فإذا بها عندما تصل رجلي تغازلهما بلمساتها .وقفت فجأة أمامي. لم تكلفي نفسك عناء إلقاء التحية أو البحث عن كلمة تمد جسور التعارف بيننا. وقفت.. شعرك جميل مسترسل كأنه خيوط الشمس الممتدة في الشفق. لون عينيك   بلون النخيل.... قامتك جميلة  كأنما قبل أن تصلي إلي مرت عليها يد نحات ماهر. صوتك سمفونية أخرجتني من حشرجة الألم الذي كان يعصر قلبي .اقتربت مني وحدثتني عن جمال البحر، وروعة الطبيعة... ومددت يديك نحو عنقي، طوقتني بكل حنان .لم أعتذر.. لم أرفض.. كنت يومها بحاجة إلى من يدثرني. وانغمسنا معا في حميمية لم يكتب عنها الشعراء بعد.  نسيت العالم من حولي. نسيت زوجتي ومبادئي .أنا الذي كتبت عن المرأة وحقوقها. آمنت آنذاك بشيء واحد هو السعادة التي شملتني على غير موعد .عندما استفقنا سألتك من تكونين .

-قلت : هل سألتك من تكون؟  لنكتف بهذه السعادة الرائعة التي تجمعنا .

خفت أن تكوني عاهرة توقعني في براثين النزوة المستمرة .لم أخن زوجتي من قبل .عاهدتها على الوفاء ولم أخلف بعهدي إلى إن جئت .

كأنك قرأت ما خطر ببالي ،فاقتحمت صمتي قائلة:

 -لا تخف لست عاهرة .  وإذا خفت مني سأودعك وأذهب إلى حال سبيلي.

 كنت طفلا صغيرا بحاجة إلى من يمرر بيده على وجهه الصغير... يسمعه كلمات حب وحنان تجفف ما بالعين من بقايا دموع. كنت أنا وكان العجز يقتلني. وجئت وكنا معا كأننا وجدنا والتقينا قبل الآن بكثير. أي امرأة أنت ؟ كلامك كان نسيما عليلا .حضورك أغرقني في سعادة أبدية .

كنت وحيدة .التفت يمينا وشمالا عساني أجد لك من رفيق ، ولم أجد أحدا سوى ابتسامتك الجميلة وأناملك التي تداعب أصابعي كأنما تواسيهم،  تعدهم بعطاء مقبل. سألتك من تكونين ؟هل تعرفينني ؟.هل تقابلنا من قبل ؟.قلت في نفسي ربما هي علاقة قديمة لم أعدد أتذكرها. وضعت يدك على فمي المرتعش من الدهشة والإعجاب، وفهمت أن علي الصمت .قمت ، نفضت ما بك من الرمال العالقة التي دثرتنا من قبل .وطبعت قبلة على خدي واعدة إياي بلقاء في الغد في الموعد والمكان نفسيهما .اقترحت عليك أن أوصلك بسيارتي فامتنعت .فجأة اختفيت .عدت إلى البيت شاردا .وجدت زوجتي في الانتظار .أول مرة أتمنى لو لم أكن متزوجا. حتما ستنغص علي نشوتي وسعادتي بتهكماتها المعتادة .ادعيت النوم وارتميت فوق السرير .أطفأت الضوء وتمنيت مجيء الغد بسرعة .تخيلتك إلى جانبي ...وديعة جميلة .

.... .هل تمنيت يومها أن تكوني زوجتي .لا أعتقد .لم أحلم يوما بزوجتي. كانت دوما معي. في معظم الأحيان تخلد إلى النوم قبلي بعد أن تشاهد مسلسلها المفضل .وكنت أخلد إلى النوم بعد أن أنتهي من الكتابة .أرتمي إلى جانبها دون إحساس سوى بالرغبة في نوم يهبني راحة تمكنني من الإبداع .

استفقت في الصباح على بسمتك الرائعة .قلت لما لا أذهب إلى البحر  للبحث عنك ،  ربما تكونين هناك في انتظاري .عدلت عن الفكرة وقضيت النهار أكتب بعض العبارات وأعدلها. نظمت من خلالها أفكاري في محاولة معرفة من تكونين.

 جاء المساء وتوجهت إلى مكان موعدنا فوجدتك في الانتظار. عشنا أوقاتا جميلة تواعدنا على لقاءات متكررة ، وكنت كل يوم أكتشفك .وأحبك أكثر. لم تسأليني شيئا .لم تطلبي مقابلا .كنت أنت وكان الحب ما يجمعنا وما جمعنا على ما أعتقد .زرتك  ذات يوم كعادتنا.لم تكوني كما قبل. وجهك عابس وابتسامتك الجميلة  انتكست... اندفاعك الطفولي نحوي قل حماسه .سألتك ما بك،  فإذا بك تنخرطين في بكاء شجي .أحسست بحزنك... اقتربت منك... ضممتك إلى صدري .واسيت نفسي برائحة شعرك الجميل. واستشعرت حرراة سرت في جسدي .قلت في نفسي: .كم من مرة ضممت زوجتي ولم أحس بما أحس به الآن .صدق من قال : إن الأشياء تحلو في الحرام .استبعدت فكرة الحلال والحرام لأنني لم أشأ أن أقع فريسة صحوة ضمير .زوجتي لا تعرف شيئا،  ولن تشك في. وهذه الحورية الجميلة لو تركتها على شاطئ البحر لماتت اختناقا .وقررت أن أبقى معك .

 سألتك : ما بك ؟خبريني ؟إنني جد قلق عليك.

 أجبت  : سيعود زوجي الليلة .

أصبت بصدمة كبيرة .لم أكن أرغب أن  تكوني متزوجة .كنت أريدك لي وحدي. نلتقي كل يوم.. نعيش لحظات جميلة .ازداد خوفي. تخيلت زوجتي في غيابي بين أحضان رجل آخر تشتكي نفوري وأنانيتي .رأيته يمسح دمعها ويواسيها. تقترب منه ويعدها أن يجعلها تنسى الجفاء والجحود الذي تعيشه معي. .استبعدت الفكرة .زوجتي رغم "مشاحناتها" امرأة طيبة لا يمكن أن تخونني .نساؤنا طيعات .لم يفعل العلم بهن ما فعل بالغربيات .مازلن يخفن الفضيحة ويتحاشين كلام الناس .حتى عندما يكون الرجل مذنبا .أتذكر عمتي عندما وصلها خبر الحادثة التي وقعت لزوجها وهو بصحبة عشيقته :

        "عمتي تصغرني بأربع سنوات. تزوجت رجلا يحفظ كتاب الله ، وكثيرا ما رأيته في حفلات العقيقة أو غيرها يرتل القرآن ترتيلا .لم يتغيب ليلة عن بيته ولكننا علمنا من بعد أنه كان كل يوم يخرج قبل موعد انتهاء عمله بساعتين أوأكثر. يتوجه إلى الغابة أو البحر بصحبة خليلة ما .كان يختارهن من المتزوجات درءا للفضيحة. لكنه لم يحتسب وقوع الحادثة .عمتي لم تعقب على الأمر رغم نصائحي وخطبي. كل ما كان يهمها يومها هو أن يقوم زوجها بالسلامة .

انتبهت إلى أنني نسيت تلك الحورية الغارقة في نحيب شجي .

سألتها : وأين كان زوجك .؟

-أجابت :في فترة نقاهة .ضبطته يخونني مع صديقة لي وطردته من البيت.

استغربت : -كيف ترفضين خيانته....

 لم تترك لي فرصة إتمام ما كنت أنوي قوله ،  فقاطعتني قائلة :

- أول تجربة لي كانت معك .أردت أن أعرف ماذا يبحث الرجل خارج بيته .عشت حياتي كلها مخلصة له  أرعاه وأرعى الأبناء .عاش مطمئنا .أنتم الرجال زوجاتكم  حرث لكم .أشياؤكم التي تتعثرون فيها .لوحكم المحفوظ. تخطئون تعبثون تغتالون و تدركون أنهن مهما حاولن الانتقام فلن يكون خارج دائرة الشرف. تؤلمون ، تجرحون ، تعذبون،  وتمضون دون اعتذار.خبرني ماذا ينقص زوجي معي، أداعب أهدهد  أتغاضى أضحي . يدعي كل يوم  أنه كان  في ليلة أنس مع أصدقائه. يقسم أنه لم ينتبه إلا والليل ينتصف .يؤنبني دوما على خوفي عليه ولومي له على سهره خارج البيت .لا يترك لي فرصة الحزن. يسرقها مني كما تسرق لحظات الفرح من الأطفال الصغار. يقتحم حزني وخلوتي بكلامه العذب المعسول ، وسرعان ما أنسى ، أسامح ...إلى أن ضبطته مع صديقتي ..طردته من البيت. ومكثت أياما وحيدة أبكي.  ويومها ، خرجت أتمشى . كنت في حاجة إلى من يحبني إلى من يجعلني أحس بالأمان .تراءيت لي. أحسست بجاذبية غريبة اتجاهك .اقتربت منك. نظرت إليك طويلا فإذا بك في خلوة صوفية، لم تحس بوجودي. وقفت أنظر إليك .ابتسمت لي ، فاقتربت وإذا بك تقترب ، تعانقني. أحسست بين يديك بارتعاشة جميلة . استشعرت وحدتك. خلت للحظات أن لك نفس مشكلتي .قلت في نفسي  "المصاب طيب"....

. ..جلسنا معا ننظر إلى الغروب ، يدها في يدي ورأسها مرتم على أكتافي كطفلة صغيرة .أحسست  بعجز كبير .ما العمل؟  .انتفضت واقفة .وكأنها أحست بي واستأذنت .طلبت منها البقاء قليلا ريثما نتدبر أمرنا .كنت أعرف أن الأمر جد معقد .لا يمكنني أن أدفعها إلى طلب الطلاق من زوجها .كنت أخاف أن يفتضح أمري مع زوجتي ومعارفي .كان بودي أن أطلب منها التصالح مع زوجها وأن نحتفظ بلقاءاتنا اليومية .أدركت حيرتي واستأذنتي وانصرفت .

استفقت من غفوتي . وجدت الظلام قد غطى المنطقة . بحثت عن آثار بيت قريب  تكون قد توجهت إليه ولم أنجح .لملمت خيبتي وقفلت راجعا  إلى بيتي في استعداد  لاستقبال سهام مقبلة ".

 انتهيت من قراءة القصة .وقلت في نفسي ربما لا تكون قصة .هي أحداث واقعية .من يدري من يحاسب المبدع على مصدر مادته .بل من يحاسبه على ما يكتب. يبدع ويسمي إبداعه ويصنفه  كما يحلو له ، ويطرحه في السوق، أحيانا عنوة غير مكترث إن كانت به قيمة علمية.  يكفي أن له اسما يضمن له تداول ما كتب .أو إمكانيات مالية تخول له تحمل نفقات النشر .ثم أنني لم أحس بأي جمالية في قصته .ما معنى الكتابة؟.أشعر بالغثيان  عندما تنتهك حرمة المرأة كل النساء يتعرين  يستبحن ......

عندما انتهيت من قراءة القصة وجدت المدرج فارغا .خرجت أبحث عن زميلاتي،  فإذا بكاتبنا في ركن من فضاء الجامعة .عندما رآني توجه نحوي .

وسألني : أين اختفيت ؟لقد بحثت عنك كثيرا ولم أجدك .لقد عشت حالة نفسية صعبة كانت مصدر شجار متكرر مع زوجتي .نظرت إليه وقلت  : كنت داخل الحكاية.  ثم انصرفت .

 

                   انتهت

 

 

نصوص قصيرة جدا

التفاصيل
كتب بواسطة: أبو بكر اليوسفي
انشأ بتاريخ: 03 نوفمبر 2002
الزيارات: 11

نصوص قصيرة

 

مهداة إلى: س.ف

 

                                                                         أبو بكر اليوسفي

   

      في معبد الحياة – فيما وراء أعراس الموت – وعلى أعلى قمة من برج المحبة، شرعت أعد مع الكهنة مواكب المحبين حتى نهاية الزمان.

    في مبتدإ الزمان أو منتصفه أو نهايته اقتضت حكمة الإله الخالق أن يبني برج محبته فأقام سرحه عاليا على تخوم القلب البشري. وعند لحظة الفجر باركتها الملائكة ، وابتهجت بعبيرها الخلائق. وعند الشروق اشرأبت إليها أعناق الأزهار، والتفتت منتفخة على جلالة نورها البهي، وسال البحر مدادا لكلماتها المقدسة. وعند الغروب ، ومع أفول الشمس غاب الإنسان الحافظ!

·        ها قد أكمل الإله الخالق برج محبته!

·        وها قد غاب الإنسان المهلك يفنيه!

·        ولن تشرق الشمس ثانية!

·        ولن يكون لزمن المحبة غد ! !

 

2 – رعب الحكاية:

 

(1)  " الكأس المقدسة" في علم أنصاف الإلهة، رقصة ديك ذبيح على إيقاع سمفونية ناقصة ، يقتربون من سرها وأحيانا يبتعدون: القرب هنا والبعد سيان!

وحينما قرأت أوراقي الناقصة قلت: ها هناك في الضفة الأخرى تكتمل الحكاية.أما ها هنا فسأرويها بلسان الصمت، وسأكتبها بمداد الفراغ!!

(2)  وحينما رويت للذرة في أعماقي حكاية الأرض قالت: يا لها من حكاية عظيمة! ياله من برج عظيم! وياله من مدح جليل!

وحينما رويت للأرض حكاية الذرة في أعماقي زلزلت الأرض تحت أقدامي وبداخلي وقالت: يا لها من حكاية مرعبة! ويا له من هجاء ذليل !!

             لساعة القيامة في ذرتك أيها الإنسان لحظة واحدة فيها يتبدد الزمان ويتلاشى المكان. وأنت أيها الراوي ستغرق في يم فوضاك الجميلة وستموت شوقا وحنينا إلى أمك الأرض!!

 

-------------------------------------------------------------------------------------------------

 

3 – وقار الليل:

 

                 قالت لي حبيبتي وهي تراقبني على مرآة نفسي :

  كم أنت جميل وبهي يا أخا روحي! خذ مني عطر الشباب وسود بياض شيبك تزداد بهاء!!

أخذت عطرها المزيف وأفرغته – بكبرياء – في ظلمة النسيان وقلت لها:  تعالي يا حبيبتي نودع فوضى النهار ونستقبل وقار الليل!

قالت صاحبتي – وهي تتأمل قبة السماء الليلية- ما أروعك أيتها الظلمة وراء تلك النجوم! !

قلت لحبيبتي روحي: أراقبت النجوم؟

قالت: ما أجملها! ما أبهاها في ظلمة الليل! !

قلت لمرآة نفسي: ما أجملك الليلة يا حبيبتي!

تعالي نستريح فقد تعبنا. تعالي ننام متعانقين ونحلم بالنجوم البعيدة!!!

--------------------------------------------------------------------------------------------

4 – أنا الأرض ودموعي البحر( ليلة الجمعة الممطرة 5 صفر 1428هـ)

 

 ذاك ليل لا يشبه الليالي!

وتلك سماء لا تشبه السماوات

بالأمس أشفقت السماء وحنت وبكت

وكانت الدموع مطرا

بالأمس بكيت الأحبة منذ أول الزمان

وفاضت العينان!

وكانت الدموع مالحة كماء البحر!

آه منك أيها البحر!

آه منك أيها البحر من يدري؟

ربما تكون أيها البحر دموعا لأعظم عاشق!

فيا أحبابي أنا ذاك العاشق!

فهل علمتم بعاشق يسبح في بحر دموعه؟

أنا لأرض ودموعي البحر!

 

حينما عشقت قطرة الندى!

 

 حينما عشقت قطرة الندى سلمتني إلى أخواتها الجداول،

وحينما عشقت الجداول، سلمتني إلى أخواتها الأنهار

وحينما عشقت الأنهار سلمتني إلى أخواتها البحار

وحينما عشقت الحوريات، غطتنا أمواج البحار السبعة بحنانها، فغرقنا معا

في غمرات الشوق والعشق والحنين!

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                            

العودة المباركة

التفاصيل
كتب بواسطة: زهير الخويلدي
انشأ بتاريخ: 20 أكتوبر 2002
الزيارات: 12

العودة المباركة:

                                                                   زهير الخويلدي

جلس شبح منهمك في مشاغل الناس مستغرقا قرب ينبوع الماء المتدفق من الأعالي والمضاء بالبركة القادمة من السماء ممنيا النفس أن يصبح شبيه لذلك الطير المحلق الذي يتخذ من قمم أغصان الأشجار مسكنا يعشش فيه...

تمايلت صورته البشرية مع هبوب الريح تحت تلك الشجرة المقدسة وفي ذلك المعبد الذي سخرته الطبيعة لأوتاد الأرض وبدأ يحلم بأن يكون مجرد ظل لهذه الأغصان الوارفة لكي يرافق ديمومة النهار ويخفق قلبه مثل خفقان أجنحة الحمام...يتلوى هذا الظل الأسود عند غدير البشرية القاتم فوق سطح الماء الملوث بالأوراق الصفراء التي مضى على سقوطها حين من الدهر من أجل الفوز بفرصة حياة ضائعة مثل جثة ساكنة فقدت أمل البقاء...

في الناحية الأخرى من العالم وفي مهبط الوحي الآدمي يتراءى الكون للنفس الزكية مكتملا والحياة بهيجة والجو ممتعا والطبيعة غناء،يدغدغ النسيم العليل مخاريق الكائنات لتتسع لاستنشاق ينابيع القوة ليسري نهر الحياة متدفقا في شرايينها...ويهب على الوادي هواء نقي منبعثا من الأفق الأعلى ينذر بقرب الميلاد،تسترسل النفس في الغناء لتتردد أصداءها في الآفاق، فتندفع الطيور في ترانيم موسيقية أخاذة تعزف سيمفونية العودة المباركة...في هذا الجو المدهش ينبعث تسبيح سامي الصفاء من حفيف الأوراق الخضراء ويتدفق الماء المدرار مرسلا خريرا عذبا يردد أغنية الخلود التي تبعث الطمأنينة في الكائنات...سارت النفس الزكية في الدرب الفاصل بين الحقول تغمرها غبطة ذلك الغصن المتدلي الذي تلمس أوراقه سطح الماء راسمة دوائر تختفي حال ظهورها وكأنها كواكب درية ما تلبث أن يلفها الظلام...

ظلت النفس تركض خلف السراب المنبعث من حطام الأشياء وظل النهار يغطس في ظلمة الغروب وبدا الضياء يبين في بخل آخر ألوانه الذهبية وفجأة ما لبثت السماء أن تلبدت بالغيوم وما لبثت الزرقة أن تلاشت ليترك الصفاء مكانه للسحب الدكناء ،فارتفع صوت الرعد وانقدح ضوء البرق وخيم الظلام الموحش على الأرجاء فلم يتبق من ربيع الطبيعة سوى الأراضي التي حصدت محاصيلها فنطقت صمتا وأضرمت لهيب الجمر في حبات الرمل... تهاطلت الأمطار بغزارة حجارة سجيل وانحدرت السيول لاهثة وراء الرواسب حاملة كل الجثث الآدمية...عندئذ انطبقت الدنيا على عامريها وسرحت عابريها من كهوفهم وسادت في الأفق القتامة،فتعالت أصوات التقليع وقرقعات التكسير والتغاريد المنتحبة التي تبعث على القرف والاشمئزاز وأخذت الكائنات على حين غرة واستسلمت لنعاس النوم الشتائي...

غاصت النفس الزكية في صدفتها البحرية وتوارت عن الأنظار وذابت مثل ملح التراب لتنخطف عن الكائنات تاركة المهبط لروح ثقيل يصول ويجول،لقد علمت للتو أنه تنين يحمل رسالة الموت ويبث في دنيا العمل سم الإعياء وينفث نارا وثنية تحرقت كل من يهب ويدب أمامها...طارت البومة التي جعلت من شجرة الصفصاف العملاقة موطنا أصليا لها في ضوء النهار ... استسلمت النفس للنوم بين أحضان الأيس وسكنت حركتها وهبط على الكون ظلام عصور وسطى واستقبلت الكائنات ليلة مفزعة،رياح عاتية وأنواء وزمهرير...

في الأثناء هل ملامح يوم جديد وتفتقت تباشير صبح مختلف من عتمة الليل وهدأت العاصفة وأشرقت الشمس مائلة إلى المدى. تنهض النفس الزكية متثاقلة،تتألم من لفحات الجليد،تلون الأنوار قطرات الماء العالقة  بالأوراق ويبعث فيها الدفء ويهب تيار الحياة فتتصاعد أبخرة الصباح البيضاء في الأرجاء.

جلست النفس الزكية هناك على الربوة المطلة على النهر القادم من سماء الجبال تبحث عن أشيائها المفقودة فرأت قطرات من البلل تتساقط ولاحظت الثوب المزركش الذي أهدته لها الطبيعة وجموع الحيوانات المحتشدة إليها،قامت النفس الزكية في القوم مخاطبة نفسها:" أي عزيزتي لقد أفرغت يديك من كل شيء. ومشيت في الصحاري هائمة على وجهك وأضرمت في نفسك نيران الحسرة والأسف وتقاذفتك الرياح مثلما يتقاذف الماء الشلال بحبات الرمل.إن رحلتك نحو نفسك مازالت غضة طرية وان العاصفة لم توصلك إلى بر الأمان.غوصي إذن في أعماق الزمان ومارسي النفي والتحطيم .حطمي ذاتك من أجل أن تولدي من جديد..."

"أيتها النفس ما إن حطمت قيود وعيك حتى حطمت هذه القيود حياتك"

استيقظت النفس من غفوتها وسط ضجيج الأيام متأثرة بصياح المارة فنهضت تستجمع أشلاءها وتتذكر الصوت الذي انبعث فيها من قرار مكين:كوني حذرة إن غمامة الهم تطوي تحت ردائها جميع الحقائق ولا تظهر منها سوى نقوش طمست معالمها..."

وقفت النفس الزكية مذعورة وأطلقت رجليها للريح باحثة عن آثار النسيان فانهمكت تلتهم صفحات الأزمان وتجعل من حزمة الكتب فطور الصباح ومن أغصان الأشجار كومة من الحطب. بحثت عن حقيقة الجوهر فارتدت عليها صاعقة الحقيقة تصفعها على وجهها،فتشت عن مأوى فلم تجد سوى خيط رقيق يربط بين الذهاب والإياب،أشقتها المحاولة وأضناها التعب،فحاصرها العبث الأبدي وودعت ميناء القلب بعد أن رست فيه كل السفن. فهبطت الناس في بئر سحيق ونزلت إلى قاع لا قاع له.

اتكأت النفس المثقلة بالجراح في الجرف الهابط إلى عمق الأرض على صخرة عظيمة أين سكنت جوارحها واستقر فيها السؤال فأطلقت صيحة فزع منها الجميع:

أنا طريدك أيها الفكر الذي لا اسم له،

ها أنا طريح الفراش أتلوى بعذاب العدم

 تحت ضرباتك أيها الصياد العاتي

 أنت أيها الإله المجهول..."

تسقط النفس الزكية على الأرض مغشيا عليها وتدخل مجددا في سبات عميق فترحل إلى ملكوت الغيب لتشاهد جميع الأشياء في وضع مقلوب ويناديها الإله المحتجب:

"لا تنزعجي فهو معك أينما كنت ،فهو النور الذي يبهر كل المسالك المنطمسة وينطق جميع الألسن الخرسة،انتظري حكمته،انتظري عودته المباركة،استعدي لذاك الصبح الجميل القادم من عمق التاريخ ومن أرشيف الجنة".

"أين يوجد من يفوتك عرفانا يكون مقامك"

في قلب الظهيرة العظمى وفي سماء لا تتلبد بالغيوم وتحت شمس اكتمل توهجها وبين أحضان الأنوار المرسلة من الكوكب الدري تودع النفس آخر ضروب النسيان والتلاشي وتفرغ ذاكرتها من أضغاث الأحلام،تنهض شامخة  فوق الأرض أصلها ثابت وفرعها في السماء لتستقبل أشعة مرسلة من الشمس وتستنشق عبق الأزهار، تجري وراء الرياح لتلتحم بمطلق ذلك اليوم العظيم منشدة:

" أي نفسي إن براءتك لا تتجلى في وعيك بل في النور الذي فاض منك"

بعدها خلعت النفس لباس الدنيا وارتدت حجاب الحج الأكبر،غطست في اليم  وشربت من كأس الخلود إلى حد الثمالة فصاحت:

العشق يغيب ولا يمحى

والوعي يظهر ولا يرى

من يعشق اللفظ يلفظ العشق

ومن يفنى  العشق يفني الوعي

في العشق زهرة الوعي

في الوعي خيمة المعنى"

عندئذ يتحول القلب إلى مرآة، تعكس المرآة العناصر، تلم العناصر بكل الأشياء، تجتمع الأشياء عند الوجود الأعظم، يصير السيلان وحدة والذرات كلا وتكتمل الكينونة محبة وتنجز العودة المباركة عفوا. فليتصاغر العالم أمام تعاظمك

 ولتضمحل الفوضى أما انتظامك

 فصبحك قد آن أوانه.

*كاتب فلسفي

 

قداس الخوف

التفاصيل
كتب بواسطة: خالد شاتي
انشأ بتاريخ: 26 سبتمبر 2002
الزيارات: 16

قداس الخوف

                        

  خالد شاتي

 

هكذا وجدواانفسهم يقدسون الخوف وينذرون له النذور والقرابين حتى عجائز الحي كانت تنشرالبخور والروائح الزكية بين ثنايا البيوت لطرد اشباح التهور والصدود، سعداء هم بما لانت له عريكتهم فصار جزءا من حياتهم، يتداخل في احاديثهم وياكل وينام معهم فصاروايقدسونه ويسمون به اولادهم.

حتى ذلك الصباح الذي ظهر فيه رجلا لم يعرف احدا من اين اتى او ما اسمه؟

لايشبههم في شي،يسكن في ذاك الكوخ القديم الذي تهاوت نوافذه فصار عرضة لسمفونيات الريح تعزف عليها وقتما تشاء، وسط لا ابالية صا حبنا الذي قرر ان يدير ظهره لها فكان الجميع يوجس منه خيفة مع ان ملامحه لا تدل على شراسة او صدود لهذا اتخذ العزلة والانفراد ملاذا لا ينفك عنه ابدا.

كثيرا ما شاهده الاهالي وحيدا خارج كوخه ينظر الى الافق وفي فمه سيكارة من النوع الرخيص لاينزلها منه حتى تصبح كتلة متراصة من الرماد الابيض فيقتطعها باصبعيه ليرميها تحت قدمه، الامر الذي اقلق الجيران فاراد بعظهم كسر ذلك الطوق بملاطفته او دعوته لتناول طعام العشاء على موقد دافىء لكن كل ذلك لم يحقق نجاحا يذكر ،وكان تحفظه في الاستجابة كرهه الشديد واستهجانه لطريقة(الاتكيت) المتبعة بمثل هكذا مناسبات من مسك الشوكة والسكين الى وضع المنديل في الياقة ،تلك الرتابة التي يمجها ويمج اصحابها،لاسيما انه تعود على تناول طعامه في كوخه واحيانا في الاسطبل قرب الخيول يكلمها ويرمي لها بعض الفاكهة ويمسد على اظهرها،هذا هو بالضبط ما يجعله في سعة وراحة كبيرتين!!

وفي ليلة ما وبينما الناس يغطون في سبات عميق ،خرج كعادته يتمشى وينظر الى تلك الاشجار البعيدة التي تتراقص كأنها في حفلة تنكرية فيسرح ذهنه وسط برودة المروج المنتشرة على اطراف الحي والتي تأ نس لها روحه ويتوق لها فؤاده وبينما هو كذلك منشغلا بتلك المناظر الخلابة التي كانت تسحره ،تعثرفجأة ببقايا موقد لقداس لم يبق منه الا شي من جمر يتطاير ويُظهر بعض النار كلما مرت عليه نسمات تلك الليلة الباردة هذا الامر الذي اتاح للموقد حافزالبعض الاشتعال المصحوب بدخان لما تبقى من بخور وروائح زكية والتي غطت سطح ذلك الجمر ،نظر مستغربا لما جرى وسط خشيته من ان يراه احد فيفسر ذلك عصيانا او تمردا على تلك الطقوس ورموزها ومريديها الا ان ذلك الشعور لم ينقذه مما توجس منه ، عندما سمع صوتا اجشا اخترق سكون تلك الليلة السحرية.

-         ماذا فعلت ،التفت الى مصدر الصوت بقلق واضح!!

-         أتكلمني،مع انه لم يرى صا حب الصوت، كان رجلا كث اللحية طويل الشعروالذي انسدل على كتفيه كوشاح ابيض ،تنتشر بين جبهته خطوطا كبيرة كأنها تورخ سنِي حياته،ورداءا يجره خلفه كانه يتعمد مسح اثاره من خلفه.

-         ماذا فعلت ايها المتهور؟

-         لم افعل شيئا (محاولا ان يكون طبيعيا قدر الامكان)

-         انك تطاولت على مقدساتنا واستهنت بطقوسنا؟

-         لم اقصد ذلك

-         بل قصدت ،كل تصرفاتك تدل على انك عاص ومتمرد ولا تقدس الخوف او تنذر له النذور

ستقدم لمحاكمة عادلة غدا على فعلك المشين لتكون عبرة لغيرك من العاصين ،فصاح على اتباعه ليكبلوه بالاصفاد ويقوده الى سجن الحي القريب من بيوتهم ،وسط محاولة صاحبنا في التملص والتحرر منهم لكن من دون جدوى.

امام ذلك الانتظار الممل لا بناء المدينة كلها جلس الجميع ينتظرون امر القاضي باصدار الحكم عليه وما هي الا ساعة واحدة حتى صدر الحكم بالاعدام على ان ينفذ سريعا ومن دون ان يعترض احدا او ان يعلن عدم رضاه على مثل تلك المحاكمات السريعة التي ارسلت الكثير من رجال الحي الى حتفهم ،وتم تنفيذ الحكم وسط صيحات المتجمهرين حول مكان التنفيذ بالموت للعصاة والمتمردين،وبعد سقوط الجثة التي تجمدت من غير حراك،ذهب الجميع الى بيت القتيل ليسلبوا وينهبوا كل ما تقع عليه اعينهم من ممتلكات واشياء كانت بحوزته،فاستحوذ البعض على مكتبته القديمة واخرون على شاراته واوسمته التي كان يحتفظ بها مذ كان يافعا ومجموعة من النظارات المختلفة الاحجام والوان ،حتى وقع في يد احدهم دفترا كبيرا كتب عليه بخط احمر كبير (يومياتي) وعند تصفحه وجد في ديباجته (مواقف خوفي)،كم كنت خائفا من الفيضان الذي طال حينا وكاد ان يغرق الجميع،ازداد خوفي من انشغال الناس بالخوف وتقديم النذور والقرابين له كل تلك العبارات جعلت يد السارق ترتجف من شدة المفاجاة والاندهاش،فصاح بصوت عال(انظروا،انظروا) لكن الجميع لم يسمعه لانهم كانوا منشغلين بنهب ما تبقى من البيت.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

اللقاء الأول

التفاصيل
كتب بواسطة: عزالدين احميدي
انشأ بتاريخ: 08 سبتمبر 2002
الزيارات: 12

اللقاء الأول

 

عزالدين احميدي : كاتب و باحث من المغرب

 

لم ينتظر طويلا و هاهو الباص قد ظهر ...ربما هي على متنه ؟ و ما إن تبادر السؤال إلى ذهنه حتى رمقها تبتسم و تلوح إليه عبر زجاج النوافذ بيديها البيضاوتين كالثلج . رسمت على شفتيه ابتسامة لا معنى لها ثم تحرك نحو الحافلة.نزلت هي متباطئة كأنها تتمنع عن لقائه. كذلك هو كان يمشي إليها مشي المتثاقل رغم شوقه لها و لهفته عليها فلقاءاتهما القليلةو المتباعدة قد  أذكت  نار الحب في صدره . استوقف سيارة أجرة أقلتهما إلى منتجع على هوامش المدينة الصاخبة حتى يتملصان من مطاردات عيونها و يجانبان غوغاء آهليها . بعد جولة ليست قصيرة سادها الصمت دلفا إلى كافتيريا مطلة على بحيرة تتوسط غابة كالبتوسية . آه كم تمنى هذه اللحظة .. أن يكونا معا ..لوحدهما بعيدا عن ضجيج الزملاء و ملاحقات المتطفلين . حتى يستطيع أن يفرغ ما بجعبته و يصارحها بحبه ... لكن عبثا حاول فكلما أراد أن يفصح انحبست الكلمات في حلقه و تشنج فكره فهو لم يتعود مغازلة فتاة و لا على وضع كان حتى الساعة من مناهضيه . بركان يغلي داخله حرب ضروس بين رغبته و بين أناه العليا . مسكين هو و مسكينة هي .                                                                   

خيم السكون هنيهة لينتصب النادل بجنبهما ما فتئ أن تلقى طلبيهما حتى انقشع ليعود بعد برهة :                            

- تفضلا .. طرق .. طرق ..                                            

- شكرا ..                                                                

- العفو                                                                   

طفقت تحرك الثلج بالكوب الليموني للحظة ثم بادرته وهي تلملم بعض الشعيرات التي تسللت من حجابها في غفلة منها                                  

- في يوم كنت قد تلقيت مكالمة من مجهولة أمطرتني بالشتائم و سألتني عما يجمعني بك ... هل لديك فكرة عن الموضوع ...؟                                                            

خلع عويناته الطبية في ذهول :                                      

- ك..كيف ... ؟ متى كان ذلك ؟                                        

- لا أذكر بالضبط ... لعله قبل 15 يوما ... تقريبا ... أعتقد ذلك ..                                             

راج بظنه أنها تفتح الموضوع بشكل ما تختصر له المسافة .. ففي نفس الفترة كان هو قد تلقى مكالمة من مجهولة أيضا قالت إنها معجبة به :                                                  

- أتكون هي .. لما لا ؟ .. لا لا .. لا أدري ؟ ثمة شيء لا يفلح المرء في تفسيره . الشيء الوحيد الذي أدركه تماما هو أن السهم العلوي المقدس "سهم كيوبيد " الذي أصابني لم يخطئها و ان ذلك الشيء الغريب الذي تسلل إلى صدري بغير إذن مني قد اقتحم صدرها . فه تكون هي ؟                                   

على الرغم من أن انتشاءا عميقا كان يعتريه سرى في جسده أسرع من الكهرباء فإن الغموض الذي اكتنف الأمر ضيع عليه هذه النشوة . لطالما اجتر ذاك الصوت دون أن يقف على صاحبته .                                                                

ومع كل هذا المونولوك لم ينطق ببنت شفة , لمس في سحنتها استعدادا للإعتراف أو هكذا بدا له , لكن جفاءه وأد حماستها ..                                                              

 

الصفحة 52 من 70

  • 47
  • 48
  • 49
  • 50
  • 51
  • 52
  • 53
  • 54
  • 55
  • 56

المتواجدون الآن

78 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في النشرة البريدية

اختر النشرة:

النشرة البريدية لمجلة أقلام

() حقول إلزامية

Information

×

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

مهارات حياتية

  • مساعدة موظف غير منخرط على إعادة الاتصال بعمله
  • التعرف على متى انخفض تحفيزك الخاص حقاً
  • تحفيز فريق حين لا يمكنك تقديم المزيد من المال أو الترقيات
  • الثقة بحكمك الخاص حين يكون الدليل غير مكتمل
  • لماذا لا يعني الأمان النفسي أن تكون مرتاحاً
  • طرح قلق حول نبرة شخص دون أن يصبح الأمر شخصياً
  • تطوير وعي ذاتي حول كيفية تأثير مزاجك على فريقك
  • التعرف على متى تُسقِط مشاعرك الخاصة على الآخرين
  • حين تشعر مبادرة الرفاهية بأنها استعراضية لا حقيقية
  • حين يتشابه الإنجاز العالي والإرهاق

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • الدليل المهني والإداري
  • الشاعر سامر سكيك