- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. خلف عبد العزيز
- الزيارات: 13
كتبت إليه على استحياء وهي تنظر إلى شفتيها في المرآة التي تضعها على مقربة من شاشة جهازها: "لا يمكن أن أقابل أجنبياً فالمبصر والأعمى والصبي والشيخ يعرفونني" ... " ومن أدراني فقد تكون أنتَ أنثى تدخل إلى الموقع باسم رجل؟". قال لها إنه مُحصن و لا يمكنه هو أيضاً أن يلتقي بامرأة أجنبية على مرأى ومسمع من الناس فهو أشبه بأمير تأنس كل نساء المدينة وفتياتها برؤيته وهُن يعرفنه من قامته الفارعة وعينيه العسليتين المنفرجتين كمصباح شديد الإضاءة، وسيارته الفارهة التي يُشار إليها بالبنان في كل الطرقات ... إن كل ما يقصده أن يختلسا اللحظات معا فيبوح لها وتبوح له ....
قال لها إن بإمكانه أن يطلب من مساعديه أن يقوموا مقامه في العمل ثم ينتظر قدومها في آخر الشارع الشعبي الذي تقيم فيه حيث تتزاحم الأجساد والباعة والسوقة والدهماء فلا يعرف أحدُ أحداً .... كتبت إليه "ولماذا لا نذهب إلى شقتك الكائنة في الحي الفخم حيث يقيم أصحاب الفضيلة والنفوذ؟" .... رفض بشدة متعذراً بالقلق والحراس المتناثرون في كل مكان كي يحيلون دون زحف الغرباء و الباعة الجائلين والمتلصصين والسوقة والدهماء ....
كتبت له أنه ليس بوسعها أن تذهب وإياه بعيداً عن المدينة فزوجها لا يطمئن إلى مكوثها بمفردها في المنزل، وهو يهتف إليها من آن إلى آن حتى يطمئن قلبه ...... أشار عليها بأن تحول مكالمات خط المنزل إلى الجوال .... شرح لها طريقة التحويل .... أعجبتها الفكرة ... "يا إلهي لا ترد الأفكار الطيبة إلا على ألسنة العشاق!" .... إن رجلاً عبقرياً ومثقفاً وثرياً مثله لا تندم امرأة في الجلوس والاطمئنان إليه ... إنه يستحق ولا شك تلك النزوة التي لم تمارسها من ذي قبل .... نظرت في صورة "مايك برانت" التي تتخذها خلفية للشاشة وقالت لنفسها ربما يمنحها هذا الغريب في زهاء الساعة أو الساعتين ما تمنت الحصول عليه دون جدوى من بعلها على مدار عام كامل ... عجيب أن تحيا المرأة حياتين: حياة اليقظة المريرة مع من يقلص مصيرها بورقة، وحياة تحلم فيها برجل يشعل فيها الدفء ويرتشف من رحيقها كل يوم ..... ربما كان هذا الرجل ذاك الذي يخاطبها في أحلامها التي تعتريها كل ليلة بصوت خافت حنون ثم يحملها إلى عمق الصحراء على جواده ... لعَل السيارة هي الجواد .... إنه بالقطع هو .... هذه هي الشَعرة الرقيقة التي جاهد نفسه (فرويد) في مدها كجسر ورابط بين اليقظة والأحلام .......
قال لها إنه من المستحسن أن يذهبا إلى شقة صديقه الذي غادر البلاد ولن يعود إلا العام القادم .... سيسبقها إلى هناك ويترك الباب مواربا كي لا تُخطأ المكان .... سحرتها الفكرة .... على عَجَلٍ أغلقت الجهاز ووضعت المساحيق ثم خرجت تبحث عن سيارة أجرة.
حينما رآها تدخل إلى الشقة ورأته بصقت في وجهه فصفعها وقال لها: "أنتِ طالق"
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالقهّارالحَجّاري
- الزيارات: 11
جاليلي
في المقهى.. دخان السجائر ضباب.. أنفاس مخنوقة. رجل أنيق يحتسي قهوة سوداء.. تطلع إلي بنظرات شاردة.. قام من مكانه.. دلف نحوي.. وسألني بأدب :
ـ هل تسمح لي أن أسألك؟
ـ تفضل سيدي!
ـ هل الأرض كروية الشكل!؟ هل تدور حقا؟!:فاجأني السؤال من هذا الرجل.. اندهشت للحظة ثم أجبت:
ـ أمر بديهي.. حقيقة علمية..
ـ أعرف ذلك.. وأعرف أن جاليلي قد دفع حياته ثمنا للجهر بها
ـ أين المشكلة إذن؟
ـ اسمح لي يا سيدي.. ليست هناك مشكلة إطلا قا.. أردت فقط أن أتأكد!جاليلي
في المقهى.. دخان السجائر ضباب.. أنفاس مخنوقة. رجل أنيق يحتسي قهوة سوداء.. تطلع إلي بنظرات شاردة.. قام من مكانه.. دلف نحوي.. وسألني بأدب :
ـ هل تسمح لي أن أسألك؟
ـ تفضل سيدي!
ـ هل الأرض كروية الشكل!؟ هل تدور حقا؟!:فاجأني السؤال من هذا الرجل.. اندهشت للحظة ثم أجبت:
ـ أمر بديهي.. حقيقة علمية..
ـ أعرف ذلك.. وأعرف أن جاليلي قد دفع حياته ثمنا للجهر بها
ـ أين المشكلة إذن؟
ـ اسمح لي يا سيدي.. ليست هناك مشكلة إطلا قا.. أردت فقط أن أتأكد!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ركاطة حميد
- الزيارات: 11
مدينة المهمشين
قراصنة
انقطع التيار فجأة وسجت المدينة في ظلمة مخيفة ، وحده صوت هستيري هائج متأوه ومتلذذ ، كان يعلو مكسرا صمت الليل .
من خلف بوابة المنزل ، كان حارس العمارة يتلصص وينصت في حدر شديدين . لحظة حاصرت دورية الشرطة المكان ، كسرت الباب ، واقتحمت المنزل .
وسط جموع من الناس ، خرجوا وهم يحملون أجهزة متطورة ، وصناديق من الأقراص المضغوطة ، وهم يغادرون المكان ، صاح رجل أين الخائنة وعشيقها ؟.
عرافة
ضرب كفا بكف ، قررت التوبة فجأة وألقت بفناجينها في القمامة ، كنست عيادتها وأحكمت إغلاق الباب .
جابت أنحاء المعمور هائمة ومستغفرة . ذات يوم عادت ، فوجدت المكان قد تحول الى مزار شريف ، يؤمه آلاف الأشخاص وحوله عشرات الغرف لعرافات جديدات.
امرأة الرصيف
كانت تدرك حيدا أن السدر لا يعطي الزنابق ، وأن الهم إن كمثر يضحك وأن الوقت من ذهب .فكانت تلوك سدرها وهم ضحكها وذهب وقتها . وهي هائمة في هوامش أحلامها بحثا عن طريدة جديدة .
ساحة المهمشين
نشب عراك عنيف ودام بين ماسحي أحذية قرب السوق البلدي ، هب سكير نحوهما لفض النزاع وهو يتمايل ، فاعترض سبيله أحمق وهدده بقنينة فارغة .لما سأل عن السبب أخبره أن المباراة لم تبدأ بعد ما يقوم به الزملاء مجرد تسخين للعرض ما قبل الأخير .
ركاطة حميد
- التفاصيل
- كتب بواسطة: نور الهدى الحركة
- الزيارات: 11
كانت الشمس ترقّص أشعتها الأرجوانية على البساط الأزرق،الهائج حينا و الهادىء حينا آخر.تنزل ببطء معتدل خيوطها الرقيقة بين طيات هذا البساط.فيتراءى لهما لوحة النشوة الأبدية.جالسة هي متكئة برأسها على كتفه،فاتحة بصدرها المتجعد لللريح،غارقة في ذكرياتها الجميلة.هو يغرس كفّيه الصفراوين،بين خصلات شعرها الثلجي،و يشاركها الذكريات...هنا، قبل أربعة عقود،رأى الليل الحالك في عينيها،فضاع و غرق حينئذ بين منعطفات شوارعه و حتى الآن لم يصل...كانت نورهان تمثل اله الجمال على الأرض.شعر حالك طويل يمتد حتى أسفل ردفيها يتطاير مع الهواء العليل،فيتلاعبان....ثغر أحمر خططت معالمه بريشة بيكاسو،أنف مدبب ناعم،وجدت الرياحين و العطور من أجله.وجنتين لطختا من دماء قلبها الصغير،وجه مستطيل تعكس خطوطه الرقة و الأنوثة معا.و جسد ليس كمثيله من الأجساد،بل هو قطعة ملاك طاهر بين البشر.فليس من العجب أن لا يصل هو حتى الآن...أما هو،فعبناه تعكسان رجولة و حدّة،تتمناها جميع بنات حوّاء،و جسد عريض المنكبين ينمّ عن قوة و بسالة الأبطال.عاشا جميع روايات و مغامرات الحب.عاشا صفحات شكسبير و فولتير...بكل أحرفها
- التفاصيل
- كتب بواسطة: طارق الطوزي
- الزيارات: 11
تلقي الحصى من يدها، تخترق ظلمة الغيب في فوضى الإشراق، تهزم خفوت صرخة العمق. يتساقط الحصى باضطراب في الغربال، حركة ما بين مدى العنف و الضلال، تنادي الأشكال التائهة في قاع الثبات، فينشأ رسم مبهم؛ ينبئ عن غريب ما يكون.
تأملت الحصى المستقرّ في الغربال، تملكها شعور بانقباض، حدس الرؤيا المرهقة من غبن الضياع. نقاط ثبات الحصى في القاع، يشرق خطوطا و زوايا، يشرق تقاطعا و توازيا، يشرق امتزاج الرسم بالغيب. كان عليها أن تنتظر شعورا ملحّا باللقاء مع الصواب الأبدي؛ شعورا يتملكها و يلقي في نفسها ثقة اليقين.
قد يبدو كلامي مبهما بعض الشيء، و لكنّي أسعى إلى إفادتك بالمعنى الذي أفهمه من طقوس الرؤيا الغيبيّة، طقوس الرؤيا بالغربال و الحصى، فالقصّة تنطلق من هنا، من عجوز تتطلّع في اهتمام إلى غربال، تبحث في الوقوف العفوي لحصى عن معنا يفيد ما قد يكون. المهم، أنها شعرت بانقباض ما، ربما سببه فعلا توزيع الحصى بشكل يعلن عن خبر مفجع، أو هو حدس ساذج بجلل ما، أو هو محض افتراء.
*****
نقطة الألم الخانقة؛ تبرز كاللعنة، تسرى في جسدي المتهالك، فتعتصر رغبتي في الكيان.يا بنيّ، إنّك لن تدرك مدى عجزي المقيت أمام القتامة التي تنخر صدري، شعور السقوط الدائم في هوّة العار؛ جسد الأب يطؤني في لذّة الموت، جحيم المكان الذي يراني دخيلا، و جسد أنثوي ساخط يلجمه صمت ماحق. إنّي وليدة نقطة الألم المهملة في دروب الذكورة.
أشفي العليل؛ ففي مساحة القرية المرئيّة دوري عيادة المرضى، و توليد النساء، و غسل الأموات من الإناث. نعم، تسكن يداي و نفثاتي جدارهن الشبقي، تعابث برودة جثثهنّ الهامدة بعد صراخ العمر، و أمسك الأجساد الطريّة لولدان بلؤم اللقاء المتشفّي. أمقت هذا العالم الذي جعلني شافية المحارم.
هل تدرك صوري ؟ إنّي العانس بجسدي المترهل من أثر الزمن، الغريبة عن القرية، و الوحيدة في سكن ناء، و التي تعالج هزيمة جسد نساء القرية.
مات والدي، أو قتلته أنا بأعشابي الطبيّة دون همس و بمشهد من مقام الجحيم. يتيمة الأمّ كنت، أغلقت أبوابي في ظلمة ليل خشية الخرافة، أثقلني اهتزاز جسده المستعر رغبة، حاولت الانفلات من الفضيحة، لكنّه تيقن جبروته فضربني حتّى أدركت أنّي لست عذراء. أبي الذي تتوقع منّي أن أبكي لفراقه أدمى جسدي الغضّ، و آل بهيكلي المهدود إلى العار. حدثني قال : إنّي عليل. وضعت ثورة غضبي المحموم في جسده اللئيم، ونظرت إليه في تشفّ وهو ينازع نحو التقطّع، ضحكت بهستيريّة على جثته الخامدة.
تطيبت بثأري، و التزمت فراق لعنة الذكورة، و آنست الوحدة. إلّا أنّ ألمي سكنني غضبا، فواجهت الناس بطيبة بلهاء، و أسررت مقت الجميع.
هؤلاء، سكان القرية الصامتة، و الذين يسكنون إلى فضائح دورهم بلا ثرثرة وقحة، ينظرون إليّ بحياد خبيث، لكن يهرعون إليّ بخذول و مذلّة عندما يسقطون، فأمسك أجساد نسائهم بعنف أضربها بعصا شديدة؛ أطرد مارد الجنّ. أو ألمسهن باشمئزاز، أمزق رياء سترهنّ، أكوي بشرتهنّ بحنق، أبزق على مواضع لذتهنّ، أجرح وجوههنّ النظرة؛ حتّى أشفي علتهنّ.
قد تتساءل بفضول طاهر : لماذا ؟
لإنّي أمحق مع توارد الانكسار في محيط القرية التائهة، أتتبع الحديث الكتوم خلف القلوب الصخريّة، فلا أرتاع لأنّي أدرك تخفيها المنافق، و يبدو سيدي الرجل حاملا سيفه الأعرج إلى سيدات القصر، يعبثن تحت ثقل أنينه الخجل، و يخفين لا مبالاة اللقاء. يرتوي حمق وصال هادئ، ويقنع بنظرة التذاذ خرساء تسيّل ماءه مدرارا. سيدي الرجل هنا، ساخر بوقوفه المنحني في مكان الأشياء المعتادة، قد يشمخ على جبل من السوءة و الجبن، و يجلد أجساد لقطاء الصمت، و لكنّه يتبعثر كرائحة الروث لمّا تلتفّه حيّة الخيانة.
الموؤودة ترحل في رفق، ثنايا القدر مسخ ذكورة، و الوشم الأخير على بشرتي ينادي انتقاما.
أتقد شرّا و أكوي جزء من جسد أنثوي مستكين، أبزق على كائن الربابة النائحة، غبين رزايا العمر. مضحك تألم النسوة بين يدي، يبكين، يغمى عليهن، أنهر ضعفهن، أكتم غبطة تعذيبهن، و أُمتع في مدار عشق سقوطهنّ المعتاد.
*****
طرق شديد على بابي، تعجلت وضع لحافي، فتحت الباب بحذر أتطلع إلى هذا الطارق المستعجل، كانت للّا منى بنت محمّد الحمّال زوجة عمر بيوض البقال؛ بدا محيّاها غارقا في غيمة من الإرهاق و العناء العميق.
- خير للّا منى ؟
اصطبغ وجهها بصفرة حزن قاس، شحوب و دمع و انهيار ...
- اتركني أدخل أولا
دخلت إلى الفناء، رفعت عنها لحافها بيد مرتجفة، افترشت الحصير، و غرقت في ضياعها دامعة
- خير، اللطف، ما الذي أصابك ؟
- غدرت بيّ، اللّه لا ترحمها!
- من ؟
- ضرتي؛ زينب بنت عليّ بن سلامة.
تابعت بعبارة أرهقها الألم و الكآبة : أنت تعلمين أنّ سي عمر طباعه قاسية.
- نعم
- إنّه لا يتوانى عن جلدي و ضرّتي في كلّ دخلة و خرجة لأتفه الأسباب و في أحيان عديدة بدون سبب
- يا مغبونة !
تنهدت بحسرة و تابعت :
- ناقشت ضيمه مع ضرّتي، قلت لها : "يا زينب، هذا الرجل غلبته الدنيا فيغالب ضعفه بجلدنا، لذلك يلزمنا حلّا يدفع عنّا مشقّة العذاب "، ردتّ على عجل و بحذر : " من السهل ردعه ! "، سألتها بلهفة : " كيف ؟ " ، فأردفت تقول باهتمام و هي تسرّ لي : " نجتمع على مغادرة محل الزوجيّة إلى منزلي أبوينا، و حينما تقسو الوحدة على سي عمر و يكثر لغط الأهل، سيردنا معززات مكرمات، و يقلع عن ضربنا "
- و هل استحسنت الفكرة ؟
أجهشت ببكاء مرّ وقالت : خدعتني الحقيرة!
- لم أفهم !
أجابت بغيض : " اتفقت أنا و للّا المصونة على اليوم و الدقيقة، فخرجنا بالفعل متلحفات، و افترقنا على رأس النهج، كلّ تسعى إلى بيت والدها، لكنها خدعتني و رجعت، لتفوز هي بالهناء مع سي عمر، و لينتهي بي المطاف مطلّقة بالثلاث. " تتعاقب آيات الهزيمة؛ هي ثورة الصخب في ميقات غدر آخر، رسم كئيب يعاود البروز بتهافته الأزلي، بوار الأرض الحاقدة يحدّث عن الخيبة الفاجرة، قتامة هشيم دام يخسفهن...
أكان يجب أن تبيتي تحت ذكورة سي عمر حتّى تتيقني السلامة ؟ سخف الغرق في وعاء النجاسة، فالرياض لا تشرق أنهارها من موطئ العار، و لم تسكن أنواء العمر القديم أطياف البهتان حتّى يُرى حسنها . كان عليك التلذذ بالموت أو الموت فحسب.
- جئتك طالبة النصرة
تأملتها بتقزز و هي تواصل الحديث
- أحتاج إلى سحر يغيّب عنها الضياء، و يمسخ أيامها نحسا قاتلا
الزمن انتهى عند الجدار المتهاوي، و الكلمة كانت ثغاء الفزع، لم أجرب الغياب و لكنّي اعتدت مداره، سأبدأ من ساعتي التخفي في عمق الرؤيا، أتردد ربما، و لكن ليكتمل مشهدي لا بدّ لي من ضياع أخير.
*****
الهذيان الطقسي يزعم الإدراك؛ الرؤيا تغيب بين متاهات الخلف، تحابب الأعداد المسخرة لمعان الغياب، و مواقع الإجرام الدالة على الميقات و الخفاء، و عبث الأشكال القديمة و الغامضة في مدى الإطلاق، الكلمات المقدسة ترسم بمواد نادرة تختصر المسافات التائهة، و أشياء أخرى تغرب عن المعنى الظاهر ...
تتهافت العجوز إلى مدى الغموض، لتستنطق سرّ الكون فتنشأ الأشياء ابتداعا. لا تحاول أن تساير فهمي؛ فأنا لم أدرك أبدا تأوّل الكون لفهم خفايا الوجود المختصر لفعل الخلق، فالسحرة يزعمون أنّ باطن الأشياء سرّ صغير هيّن؛ و لكنّه حسن التخفي؛ يلتزم العمق القصيّ، يتمازج مع السذاجات، عصيّ عن التملّك، مرعب، قاتل.
المهم أنّ العجوز ركبت بعض المواد الغريبة لتنشأ ما يشبه الحبر، رسمت على ورق قديم وجها تمثلته زينب، و كتبت أسمها تحت الرسم مع نسبها المتصل بالأمّ، و غطّت الرسم بأعداد داخل مربعات و أدعية و أسماء لبعض مردة الجنّ و آيات قرآنيّة، وسط حركة غارقة في زمن الأجرام السعيدة ...
*****
العويل يملأ أذني اشمئزازا، أصوات متفجّعة تخفي رياءها الفاضح. الغرفة في محيط قاتم فالنوافذ و الباب تستر بقدسيّة المكان. الجثّة مسبلة بين يديّ؛ أعتصر البطن، أغسل الجسد المسجّى الساكن.
جنس التخفّي و القهر، رحلتك قناعة بالهروب الدائم من الحياة، الوقوف الإجباري خلف أوتاد متهاوية...
نظرت إلى مساعدتي على عجل لأقول لها بلهجة آمرة : " عليك بإدخال أقارب المرحومة حتّى يودّعونها قبل تكفينها و إخراجها. "
تواترت الخطوات التائهة في فضاء الغرفة القاتمة، الوجوه بدت شاحبة عاجزة، ودعوا الرفات و غادروا على عجل، و انتهى اللقاء الأخير بلا حماس إلى لا شيء؛ إلى صمت طويل. تخلصت من مساعدتي و أحكمت إغلاق الباب، أسدلت الستار على النوافذ. أردت الخلوة بدعوى اتقان التكفين، و الحقيقة كي أتفرّد بالجثّة وحيدة...
أفتح فمها، ألج فيه قطعة الورق الملفوفة، يستقرّ السحر في قاع رخو، أغلق فمها، أمسك شفتيها بأصابع ثابتة، أغرس الإبرة،لم أتمرّس خياطة الشفاه، و لكنّني متيقنة أنّ هذه الشفاه تطيع حركتي القذرة حيث تعوّدت طاعة الصمت. السحر بات يسكن قراره، و الأشياء تحوّلت إلى منقلب بلا سبب معلوم، سينزل السحر في قبر ما و يكتمل الشرط الأخير في طقوس التبديل، كان يجب أن تتوقعي يا زينب نهاية بوار، لأنّك توقعتي ثوابا من سقوط؛ فإليك المآل.
الرحلة أزفّت، و الكفن يستر عورتي، و لم يبقى غير خروجك الملعون إلى مقام الغياب الأخير...
طرق عجل على الباب، أفتحه تصدمني عينين جزعتين، تدفعني يدّ إلى الداخل، امرأة تطلب لقاء أخير مع الميتة؛ لم أفهم السبب غير أنّي بطبيعة الحال آثرت الرفض التام، أثقلت عليّ بإلحاحها وقالت إنّي ابنة المرحومة و صلت من سفري الحين، تعلّلت بانتهاء التكفين فحرام إقلاق راحة الميت، نادت الأهل و أجبرتني على القبول، فاتخذت لي طريقا إلى الباب و غادرت سريعا.
النهاية صراخ طويل، نداء من الأقاصي بتحليل دمي، رحلت عن القرية هاربة، لم أثبت في مكان مخافة أن ألحظ من أحدهم فيخبر عنّي، الفرار رهبة من الموت.
لكن كان عليّ الاختيار بين الموت على يد جلّاد، أو الموت على أياد استشنعت فعلى، فكان الخيار الأوّل طريقي إلى الصواب. سلمت نفسي إلى القاضي فقرر حبسي إلى أن يستشير في أمري سلطان البلاد.
*****
منذ تنصيبي صاحب سجن المدينة، و الرؤيا المتخيّلة الغريبة تزدحم على بابي، و الأجوبة التي طالما انتظرتها تسرف في حضورها، الوجوه تأتي في انكسار سقوطها تسعى إلى أذن تسمع نداءها، و الألسن تنسج حديث الشكوى بالصدق أو بالكذب كي تغرب عن قلقها.
كانت العجوز التي عهد القاضي إليّ بحبسها تلقب من الجماعة بعجوز الستوت، لقب مستظرف فهو صورة شعبيّة مستقذعة عن الأنثى المسنّة الخبيثة الشؤم، و التي تضاهي إبليس في دناسة الفعل. لهذا طلبت حضورها بين يديّ، و استفسرت عن خبرها، فأجابتني بما نقلته أمانة إليك، فضنّ بعلم هذا عن غير أهله، فقد أفتى بعضهم حرمة نقل هذا الخبر؛ لأنّ فيه ما يبرر السوءة و الشرّ، و هو بحسب زعمهم من صنيع الشياطين.
مكثت العجوز بحضرة سجني مدّة شهرين و أربعة أيام، لتُطلب بعدها إلى مجلس سلطان البلاد الذي أمر أن تجلد حتّى الموت، ثمّ تصلب على باب المدينة، ثمّ يلقى بجثّتها إلى الكلاب السائبة تنهشها...
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سامي العامري
- الزيارات: 11
الغرباء وملكة الصعاليك
*****************
( قصة قصيرة )
سامي العامري
*********
قالت العدالة : أريد مَن يمثِّلُني لا مَن يمثِّلُ بي !
ولكن واأسفاه لا أحد .
ورغم ذلك رأيتُ في أحد الأيام تمثيلاً معيَّناً لها قد تتعزّى به العدالة وقد يفيد !
حصل هذا في تربة عذراء , أساسُها من الشرق ولكنها تقع على حدوده ولا تقع !
فما أن مشينا مسيرةَ ثلاثة أيام بلياليها ونهاراتها حتى عثرنا على أسدٍ واقعٍ في شَرَكٍ , كان مثلنا مُنهَكاً ويتضوَّر جوعاً , إقتربنا منه دون حذرٍ
قال : سقطتُ في هذا الشرك من غير أن يأتي أحدٌ ليقيِّدني ويأخذني معه ولعلَّ مَن فعل بي هذا هو نفسه سقط في شركٍ أيضاً فهذه أرضٌ ملعونة تحكمها ملكة جبارة ولكنّها قد تَرقُّ اذا رأتكم وربما عاملتْكم كضيوفٍ فأنتم من أرضٍ بعيدة ثُمّ إنكم تملكون أشكالاً غير مألوفة , أنتم بيضُ الوجوه وشُقْر الجدائل وهذا غريبٌ عليهم في هذا البلد باستثناء هذا الرجل , وأشار اليَّ , فهنا متوفِّرٌ منهُ الكثير!
صاح الإنكليزي بحماسٍ : سنطلق سراحك وتدُلَّنا على مكان الملكة وإنْ كنتَ كاذباً قتلناك !
قال الأسد : إطلاق سراحي وحدَهُ لا يكفي فانا أدلُّكم على المجد والجاه , وهذه الصحراء قفرٌ لا حيوان فيها إلاّ فيما ندر وانا منهك , أريد أن يُطلَق سراحي وأزدرد واحداً منكم !
كان الإنكليزي ضخماً صَلِداً فرغم الإنهاك فكَّ قيود الأسد وقطع حبلاً من حبال الشرك ثمَّ كبَّل الفرنسيَّ المرعوبَ وألقى به الى الأسد !
كان الفرنسي كثير التذمّر والشكوى طيلة الرحلة الشاقة .
انا كنتُ رابحاً في هذه الجولة فحتى الأسد لم يفكِّر باتِّخاذي طعاماً لهُ !
أمّا الألماني فقد كان ذا ذاكرة عجيبة فهو لا ينسى الطُرُق والشِّعاب التي سلكناها
لذالك أُبقي عليه . وبعد أن شبع الأسد وأخذ قيلولة ثمَّ نهضَ , سرنا خلفهُ مُتعَبين , استطعنا الوصول بصعوبة الى حيث توقف الأسد وأشار الى البوابة الموصِلة الى قصر الملكة ثمّ تسلّل راجعاً وهناك أكرَمَنا الناسُ , أعطونا الطعام , في الحقيقة لم يعطوني أنا ولكن صاحبي الألماني رَقَّ لحالي فناولني خبزاً ولحماً من صحنهِ , وبعدها أوصلونا الى عرش الملكة وهُم يهلِّلون .
حكينا لها كاملَ قصتنا وبأننا كنّا في طريقنا الى الشرق حينما ركبنا السفينة التي غرقتْ .
كانت الملكة حادة الذكاء أستقبلتنا في البدء بدبلوماسية ثم تَلَتْ إملاءاتها علينا :
نريد مِن بينكم رجلاً لنشنقهُ , العدل يطلب ذلك والعدل يطلب مني كذلك أن أجعلكم
أنتم تختارون من بينكم الرجل المناسب أمّا هذا , وأشارتْ اليَّ , فلا شأن لنا به !
ثمَّ إنَّ هذه القضية ستصبح لها أبعادٌ سياسية إعلامية تفيدكم وتفيد مملكتنا
إذاً القضية أصبحتْ بينكما أيها الإنكليزي , أنت والألماني فتفاهما مع بعضكما أمّا لماذا رأينا أن نشنق واحداً منكما فلأنَّ أسداً مارقاً هربَ من سلطاني فأرسلتُ وراءَه
ولكن دون جدوى فأجمعنا على أنْ مَن أطعَمَهُ أو آواهُ سينال جزاءه العادل , والناس أطعموكم ظنَّاً منهم أنكم قد أرجعتموه الى رشدهِ فتابَ اليَّ وأصبح اليفاً مطيعاً .
هنا سأل الرجل الألماني بِحَيرةٍ : أتريدين القول بأنك الزبَّاء التي قرأتُ عنها ؟!
قالتْ الملكةُ : كلا , فالزباء عاشت قبل التأريخ وانا ابنة هذا العصر وربما من حسن حظكم أنْ ألقتْ بكم الأمواج الى ساحلنا فلو ألقتْ بكم على سواحل العرب اليوم لما رأيتم مَن يحاوركم او قد يقتلونكم ثم يحاورونكم ! ثمّ إنّ كلَّ واحدٍ منهم يفهم العدالة وفقَ هواه أيْ أنها عدالةٌ سوريالية تجريبية !
هنا علَّقَ أحدُ مستشاريها قائلاً : نعم مولاتي , إنهم في هذه النقطة فقط حداثيون !
وأضافت الملكة مواصلةً الحديث مع الرجل الألماني :
ثم لا تنسَ أني مهما قسوتُ أبقى إمرأة , صحيحٌ أنني من الشرق وقد كنتُ متمرِّدةً فيما مضى وكان معي قوم من الصعاليك ولكن حين نجح تمرُّدنا وإقتطعنا مساحة واسعة لنا نقيم عليها مملكتنا هم الذين إنتخبوني ملكةًَ عليهم نظراً لحزمي وحكمتي فرجالي هنا يختلفون ؟
هنا صاح الرجل الإنكليزي : إننا نستعين بحكمتك يا صاحبة الجلالة فاقضي بيننا , قال هذا ثم بكى بكاءاً مُرَّاً فََرَقَّ قلبُ الملكة فقالت لهُ : يا حفيد تشرشل العظيم , لقد هَزمْتُ في فترة حكمي أعداءاً كُثْراً ولكن لم تهزمْني سوى الدموع !
وأرى للعدالة الآن لوناً آخر أكثر إنسانية ,
إنْ أقنعتَ صاحبكَ او قلتَ لهُ أيَّ كلام يبعث الشجاعة في نفسهِ كي يصعد الى المشنقة سأجعلك أحد قُوّادي.
هنا ذهب الإنكليزي فَرِحاً الى صاحبه فقال له وهو يحاول إقناعهُ :
إصعدْ أيها الحبيب فانتم الألمان تحبون المراتب العليا دائماً , دائماً فوق , وإعلامكم لم يكفَّ عن التصريح ليلَ نهار : المانيا فوق الجميع , المانيا فوق الجميع ! (*)
********************
(*) أدخلتُ اسم الملكة الزبّاء في هذه القصة لأنَّ مَن يمثِّل السياسة الألمانية حالياً إمرأة وأمّا عن نهاية القصة فالإنكليز لا يكفّون وخاصةًَ بعد الحرب العالمية الثانية عن إطلاق النكات اللاذعة حول الألمان , والألمان يفعلون العكس أيضاً .
كولونيا 2004 April
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالجواد خفاجى
- الزيارات: 10
قصـة قصيرة
عبدالجواد خفاجى
القـطـــة
كأنما كانت الشمس ترقب وجه الأرض للمرة الأولى .. من شرفته كان الأفق باديًا..رأت عيناه الثلوج تتنحى عن الطرقات رويدًا ، والنوافذ على غير العادة تفتح فى تلك الساعة الناعسة من الصباح .. فى لحظة ما كان الميدان الفسيح خاليًا من الأرجل ، تلاشت الطرقات الثلجية ، والشمس على غير ما يجب تسحب قبعة الكون إلى أول الطريق .. أدركتها عيناه جيدًا، خارجة لتوها من عين الشمس ، وئيدة الخطى فوق بساط الماء 0
كانت تحت الرقص على موسيقى " الديسكو " ترتعش كثيرًا .. تجوب الأرض حافية ، يسيل العرق على خديها .. ترتاح على صدره فى لحظة الانتشاء ، كالقطة السيامية ، يتحسسها بيديه .. تستعطفه عيناها .. تفرك صدره .. تختبئ فيه حتى الصباح 0
كان يعشق الهدوء ، تستهويه الموسيقى الحالمة ، يغرق كثيرا في التأمل .. يتمنى أن تتوقف عن الرقص .. يشكو صخب الموسيقى .. يأمرها .. تتأفف .. تواصل الرقص ، ثم تعود كالقطة السيامية .
رائحة التبغ تُضَـيِّـق صدره .. يتأمل السيجارة بين شفتيها المسعورتين ..يتمنى أن تكف عن التدخين . خلف مقود سيارته يرجوها ألا تسرع ، يتأمل هدوء الصباح ويتمنى أن يقود السيارة بنفسه .. تمتنع .. تعلن عن رغبتها في هتك سكينته وبروده .. تقرا لأجاثا كريستى ..لا يحب أجاثا .. له صديق واحد .. لها أصدقاء كثيرون .. لا يحب الخلود في "البانيو ".. تعشق الخلود في " البانيو " .. يتحدث في السياسة ..لا تحب السياسة .. يقرأ الفلسفة..لا تفهم الفلسفة .. في هدأة الليل يشرب كأسًا واحدة .. تحتضن هى الزجاجة .. ينظر في خزانة ملابسها ، يسألها عن " فستان " أحمر .. تضحك .. تسحبه إلى غرفة أخرى .. تعلن أنها لا تصارع الثيران .. يكره العرى ، تحبه هي .
في الظهيرة تثرثر مع الخادمة .. صوتها يزعجه .. يلقي بالجرائد في سلة القمامة ؛ يقرأ في عينيها شقاوة النساء .. يشدها من شعرها ، تنقاد ، تقرأ عليه مجلة نسائية .. يسألها عن حرب الكواكب ، عن كرة أرضية ، عن نََفَسٍ مخنوقٍ في صدره ، تسأله عن شَعْر فى معطفه ، وعن غانية في رأسه .. ينزعج كثيرًا ، تضحك ، تتشمم رائحته ، تقرأ أبراج الحظ ، تعلن أن الثور سعيد جدًا .. يخرج يوم العطلة .. لا تخرج يوم العطلة .. يستيقظ مبكرًا ، تنام حتى الظهيرة.. يهوى صيد السمك ، تهوى تربية الكلاب ..يحب الأطفال ،لا تحب الأطفال .. يفضل الجلوس في الشرفة .. تفضل الجلوس فوق سطح البيت0
وئيدة الخطى فوق بساط الماء تنكمش في معطفها الشتوي .. تتأمل وجه الصباح كأنما كانت تسائل الطرقات والشجر ، شاردة عيناها في بقع الثلج المنزاحة .. لم تلحظه وهو يتعثر مخترقًا طرقات الحديقة المتعرجة ، يشير إلى أول الطريق ، يتمنى أن يلحق بها قبل أن تجتاز الميدان .. عادت إليه خفة الطفولة ..انطلق يركض ، تتقاذف رجلاه كور الثلج .. صاح عندما رآها تنحرف عن الميدان : " سونيا .. سونيا " .. اخترق الصوت الحجب الصامتة ، وثمة عيون خلف النوافذ الزجاجية تراقبهما .. رجل وامرأة يركضان .. تنفك أزرار المعاطف .. يلقى كل منهما بمعطفه .. تبدو كالسنجاب .. يفرد لها ذراعيه على بعد خطوة منه .. حين قفزت إلى حضنه احتواها .. في لحظة نادرة سمعت دقات قلبه للمرة الأولى منذ أن افترقا قبل عشر سنوات . تذكرت كلماته إليها : " كالقطة العابثة أنت .. تحتلين صمتي وسكوني .. أراك ولا أراك ، فأواصل البحث عنك من جديد "0
تركت دموعها تبلل صدره ، وفي لحظة أخرى كانت يداه لا تثبتان على حال ، تركت جسدها ينساب .. حملها فوق ذراعيه ، ومضى عائدًا إلى بيته .. أتاها صوته همسًا : " مرة أخرى ألتقيكِ .. كم تبدين رائعة .. أتذكر منذ عشرين عامًا دفعنى الزحام إلى صدر غادة شقراء .. توقفت ناظرًا فى عينيها .. دفعتنى برفق ومضت .. تخيلت قطة سيامية تنام على فراشى .. بلهفة استدرت أبحث عنها بين الوجوه
عبدالجواد خفاجى
- التفاصيل
- كتب بواسطة: علاء الدين حسو
- الزيارات: 14
التحدي
همس فواز في إذن أخيه عبد الرزاق :
- سأصبح مدير الشركة.
حدّق عبد الرزاق في وجه فواز وبصق سيجارته المحروقة في الحفرة وصرخ:
- أسرع علينا إنهاء الحفر قبل أن تحرقنا شمس الظهيرة.
مسح فواز عرق رقبته بطرف كمه ، ابتلع الماء من عبوة بلاستكية لفّحت بقماش كتان قصّ من كيس لتخزين القمح . مراقبا المدير الذي ترجل من سيارته. ابتسم فواز عندما رأى هرولة المحاسب فقال لأخيه:
- انظر إليه ..لقد وصل لتوه ..المحاسب يركض مثل الكلب.كالعادة سيصرخ و(يبهدل) ثم يذهب.
سأصبح مديرا بدلا منه ..أنا أطول منه وأقوى منه وصوتي أعلى من صوته..
ضرب عبد الرزاق فأسه في أرض الحفرة فارتدت إليه فترك المعول وقال لفواز:
- دع المدير وجرب قوتك في قلع هذه الحجرة.
دنى فواز ببطء ممل نحو الحجرة ..انحنى نحوها نكش من حولها التراب بأصابعه السمينة القوية حتى تمكن من مسكها فقلعها بقوة وقذفها خارج الحفرة التي ستصبح أساسا لصالة إنتاج جديدة لشركة الغزل الخاصة .قال مراقبا المدير الذي كان يتحدث مع المحاسب والحارس:
- أتحدى إن كان هذا المدير قادر على قلع بحصة وليس حجرة مثل هذه.
وعاد ينظر الى أخيه المشغول بتنظيف الحفرة وتابع :
- مادام الخوف منه يجعله مديرا ويحترمه الناس سأتغلب عليه عندها سأكون أنا القوي.
توقف عبد الرزاق عن ملئ السلة بالتراب المحفور واشار الى السماء :
- الشمس ستصبح فوقك عندها لن تحصل على أجرتك اليومية..أتظن كل شيء بالقوة..هيا
التفت فواز نحو الجهة البعيدة التي يقف فيها المدير مع المحاسب وانتبه الى شخص أخر يهرول نحو المدير عرفه من هرولته فقال لأخيه :
- ولما يخافه المحاسب ويركض الحارس لفتح بابه ..حتى معلمنا المهندس يركض نحوه ومتأكد انه الآن محمر الوجه وانه خبأ سيجارته عندما ركض لعنده .
شدّ عبد الرزاق ذراع أخيه وقال مهددا:
- إن لم تعد الى عملك سأخبر المهندس عما تفكر فيه عندها سيحرمك أجرتك..
عاد فواز الى عمله وبدأ يحفر مخلفا التراب الذي يجمعه عبد الرازق ويرميه الى خارج الحفرة محدثا ساترا سيتم ترحيله بعد الانتهاء من الحفر،وكاد يُكمل لولا سماع صوت أخيه:
- أرأيت لقد شعر المهندس.. ها هو يأتي صوبنا..قلت لك لا تتلكّع ..
لم يكترث فواز وراح يضرب أرض الحفرة بقوة أوقفها صوت المهندس الذي اقترب منهم:
- فواز..
توقف الأخوان وطفقا يراقبان اقتراب المهندس الذي دنى منهم وجثى قائلا:
- فواز نحن بحاجة الى عضلاتك ..هيا تعال .
نظر فواز الى أخيه نظرة الفارس المنتصر ووثب كفهد من الحفرة ولحق بالمهندس بخطى تقدر على سماع صوتها ، كل خطوة تّذكره بالخطة التي ينتظر الفرصة المناسبة لتنفيذها، وهي خطة ناجحة نفذها أكثر من مرة في قريته ..ففي أيام الطفولة ضرب أستاذه لأنه صفعه صحيح أنه طرد من المدرسة و لكنه كسب احترام أطفال القرية ..وبقوته حصل على ابنة عمه ولم يجرؤ أقاربه على تحديه ؟ ..وفكر بأن هذا أول لقاء مع المدير عن قرب وجها لوجه. سيقوم بصفعه ومن ثم ضرب على خاصرته وبعدها يسقطه على الأرض ويجلس فوقه فيحصل منه إدارة الشركة. عليه كسر عين المدير من أول لحظة . ها قد جاءت الفرصة .قد يجرب الخطة الأسهل ،وهي عندما يقترب من المدير و يمد يده لمصافحته سيعصر يد المدير حتى يجعله يركع متوسلا الرحمة ولن يدعه حتى يضمن له البيعة .
تلقى فواز أول صفعة لما شم رائحة عطر المدير القوية ، فقد احس بأن خطته تعرضت للفشل. الرائحة سبقته ودخلت انفه . هجمت على أوكار أفكاره فذبحتها .
تلقى صفعة أقوى عندما تجاهله المدير لما مد يده لمصافحة المدير الذي اكتفى بتفحص فواز من قمة رأسه حتى أخمص قدميه وقال للمهندس:
- أهذا هو ؟
- نعم .
- حسنا ..اسمع يا بني خلف السيارة رافعة ثقيلة تعذّر نقلها بالسيارة بسبب الحفر ..لك خمسمائة ليرة مكافأة إن استطاعت حملها..
- انه بطل يا أستاذ
رد المهندس عوضا عن فواز الذي شعر بأن أصابع المدير التي تحمل سيجارة ثخينة أقوى من اصابعة التي تحمل الفأس . دون أن يجيب سار نحو خلف السيارة وتطلّع نحو الرافعة فقدّر وزنها مثل كيس دقيق القمح أو كيسين وانتبه لصوت المحاسب:
- هذا يومك فواز تبرهن للمعلم قوتك والمكافأة أجرة يومين .
نظر فواز إلى الرافعة ومسح عرقه بطرف كمه فانتبه لنتانة رائحة عرقه وتشجع لما سمع المهندس يقول:
- إنه أقوى رجال قريتهم..
- إذا دعنا نرى قوته .
- تكرم أستاذ .
الجملة الأخيرة خرجت من فم المهندس أيضا، و أمر فواز بعينيه فقام فواز بحمل الرافعة فسمع المدير:
- عظيم..انتبه يا ابني إياك أن تسقطها واتبعني..
تحرك المدير بخطى سريعة لحقه المحاسب وجرّ فواز رجليه يحاول اللحاق بهما وقد أحس بحرارة الشمس وثقل الرافعة وتحسر لعدم مقدرته على اللحاق بالمدير لسماع ما يقوله للمحاسب ..
اذار 2007