- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالجواد خفاجى
- الزيارات: 13
قصــــة قصــــيرة
عبدالجواد خفاجى
تقول التقارير
فى أحد شوارع القاهرة الكبرى كان يسير متجهمًا كعادته ، تاركًا قدميه تقودانه إلى حيث توقف أمام المقهى البلدى بحىِّ الحسين ، وقد مازجته رغبته الكبرى فى فضح البشرية .
( تقول التقارير إنه وعندما خرج من بطن أمه كان يبكى كثيرًا ، لكنه كفَّ عن عادته تلك عندما تحدرت الدموع من عينيه فوق شفاه قومٍ لا تفارقهم البسمة .. أدرك يومها أن القطب البارد قد تحدب فوق الكرة الأرضية كهلالٍ معقوف ، واستأثر بالمساحات المشاع ، وأن الناس أيضًا هياكل ثلجية ) .
كان المقهى كعادته حافلاً بوجوهٍ لم يألفها من قبل .. تنبأ عندما وضع القهوجى الشيشة أمامه أن ثمة خوارق فى الكون ستحدث على غير ما يألف .. سيتبدل حاله تمامًا ، وربما لن يصبح طريدًا إلى الأبد .. هكذا ربط بين الشيشة والغيب . لقد تخيَّل عندما دبت رجلاه خارج غرفته القذرة أن القهوجى سيضع الشيشة عن يمينه فوق البلاطة التى تلى رجله اليمنى مباشرة ، قليلاً جهة الأمام ، وهو الجالس على مقعد أسود خلف منضدة فى الركن الشرقى من المقهى ، وقد حدث مثلما تخيَّل تمامًا .
مرة أخرى ربط بين الشيشة والأحداث عندما اقترب منه رجل مجهول .. هيئته تماثل أبا الهول تمامًا ، غير أنه ثلجىُّ المُحَيَّا .. يجلس دائمًا ماسكًا بجريدة قديمة ، أقسم " حيدر" إنها لم تتغير منذ أن رآها للمرة الأولى ، مستسلمة لوقعتها " المنيَّلة " بين يديه .. سأله عن رأيه فى حرب الــ.... اقتحم صمته وتجهمه ، وهتك سكينته بسؤاله نحو أذن حيدر ، وقد أطلت رأسه فوق الجريدة قليلاً .. قال حيدر: " سأجيب عندما يُحْضِر القهوجى الشيشة " .
يتذكر حيدر أيضًا أنه قال ، وقد وُضِعت الشيشة عن شماله : " لن يكون بمقدورنا العيش بسلام فوق الكرة الأرضية .. يبدو أن الكون قد احدودب كى يتسع ، ولربما كى ينفجر " ، لكن الرجل البارد كان لحوحًا .. أراد أن يخترق صدر حيدر بكلماته الناعمة ليدكَّ كل مقدساته بيديه ورجليه ، ويمضى منتهكًا كل الحرمات .. أو سيظل هكذا صامتًا ، ومؤرَّقًا جالسًا خلف صفحة الجريدة ، متلصصًا على لحية حيدر ووجهه المكفهر المنكمش تارة المنبسط تارة أخرى ؟ .. لقد أصبح وجه حيدر محيَّرًا : لماذا ينبسط حينًا وهو ينظر إلى التلفاز .. ما الذى يعجبه بالضبط ، وما الذى لا يعجبه ؟ .
عاود السؤال بصيغة أخرى :
ــ هل تذهب إلى السينما هذه الأيام ؟.
ــ لا أجد ما يشجع على ارتيادها ، لكننى على أية حالة أُفَضِّل الأوبرا وحفلات الأوركسترا السيمفونى .. لولا .... لولا ضيق ذات اليد لذهبت .. أتذكر أننى لم أذهب منذ وفاة أبى .
وأضاف بعد فترة صمت قصيرة :
ــ هل سمعت عن بيتهوفن ؟
وقبل أن يتلقى جوابا كان الرجل البارد يطوى جريدته مغادرًا المقهى ، وثمة دلائل قد تبدت فى ذهنه مفادها أن لحية حيدر لا تشكل خطرًا .
( تقول التقارير إن حيدر عاش طفولته متنقلا بين باكستان ولندن والقاهرة ، وتعلم فى المدارس الألمانية بها حتى توفى والده الذى كان يعمل ــ فى أواخر أيامه ــــ سكرتيرًا بمنظمة الأمم المتحدة ، وتقول أيضا أنه من أصل ألبانى ويحمل جواز سفر باكستانى ، وأن والدته من أصل أرمينى ، وإن والده تزوجها بمصر ، غير أن شيئا عن موطنه لم يكن واردًا ضمن التقارير ) .
تساءل حيدر وهو يتابع الماتش على شاشة التلفزيون بين فريقى قطبى الدورى الممتاز :
ــــ لماذا لا يتركوننى أعيش ؟
وفى اللحظة الحرجة من المباراة كان حيدر يعدو فوق أرض الملعب .. وكانت الجماهير تصفق للمساته السحرية .. أضخم لاعب كان فى الملعب .. تماما مثلما أراد له والده أن يكون .. قويًا ..دوليًا .
ــــــ ها أنا يا أبتِ قد كنتُ دوليًا كما أردت ، وقد تركــتنى و مِتَّ ، وأنا الآن بلا وطن ! .
( تقول التقارير إن حيدر كان لاعبًا دوليًا ضم الفريق القومى لباكستان .. لعب فى معظم الدول الآسيوية ، ولذلك تعاطفت معه الحكومة الباكستانية وقتها ، ومنحته حق المواطنة ) .
ــــــ حتى اللغة الأردية قد تعلمتها يا أبتِ ؛ كى أعيش بينهم ومع ذلك تبقى المشكلة فى الجذور .. لم تكن من ورقةٍ واحدةٍ موشومةٍ فى أى موضعٍ فوق الأرض تعترف بى !
وفرغ حيدر من الشيشة التى يرضع مبسمها رضعًا ، وأخرج من جيبه حبةً مهدئةً .. تناولها سريعًا ، وطلب فنجان قهوة سادة .
أتاه رجل مهندم .. وضع شيئًا ما، ملفوفــا فى ورقة جرائد على المنضدة وطلب الجرسون .. ناوله جنيهــا وقال :" حساب حيدر عندى ".. أرتاب الجر سون للحظة وتناول الجنيه ، غير أن حيدر سأله بهدوء :
ــــــ أوهل تعرفنى ؟
ــــــ نعم .. الرجل الطيب يعرفه الجميع .. أنت زبون دائم فى هذا المقهى ، وأنا أيضًا ، لكنك تفضل الجلوس فى هذا الركن الذى لا يستهوينى .
وأضاف بعد فترة صمت قصيرة :
ــ تلعب طاولة ؟
ــ لعبت كثيرًا
ــ طاولة ؟
ــ كل الألعاب .
ــ إذن فلتلعب معى طاولة.
ــ لم يبقَ من رغبة فى شىء .. أود الانصراف .
ــ كنت قد سألتك عن رأيك فى حرب الــ....
ــ وأنتم تفتشون عن موتتى ، دعونى أفتش عن رقدتى .
ــ ها .. مستر حيدر .. ماذا تعنى ؟.
ــ لست أدرى ؛ فالكلمات كالخطى .. تسترسلنى ولا أسترسلها .
أتذكر أننى سألتك عن رأيك فى ....
ــ ستفوز الفالنة الحمراء .
ــ أو هل تفهم فى الكرة ؟ .
ــ مثلما أنكم تفهمون فى اللون الأحمر .
ــ مستر حيدر .. سألتك عن رأيك فى حرب الــ ....
ــــ لقد سألنى مخبر سرى قبلك ، وقد أجبت ! .
وانصرف حيدر لعد أن ألقى نظرة امتعاض إلى وجه الرجل الناعم ، وثبت نظره قليلاً على شامة تحت شاربه الحليق .
ــ الجينات الوراثية مسئولة عن التخلف العقلى والذكاء أيضًا !.
( تقول التقارير إن والد حيدر ـ رحمه الله ـ تزوج بوالدته التى كانت تعيش فى مصر بعد الحرب العالمية الثانية ، وهو مجهول الأصل ، لكن حيدر يؤكد أن والدته مصرية ، ويستند فى أسلوبه المقْنِع على أوتاد غائرة عن منظار القوانين الحديثة .. فهو يقول : طالما أن والدته وُلِدتْ وعاشت فى مصر فما يمنع من مصريتها ؟ وبخاصة أن والدتها مصرية الأصل ، ويحدد حيدر عائلة جدته ، ويضيف : وأنا أيضًا ولدت هنا ، وسأموت هنا ؛ فما الذى يمنع من مصريتى .. لماذا إذن يضايقوننى هكذا ؟ ) .
خطر فى ذهنه وهو يسير فى جنبات الليل أن يكتب إلى الجمعيات والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان .. أو هل تعجز البشرية عن منحه وطنًا قوميًّا ؟ .. على الأقل يعيدوه إلى الأرض التى منحته حق المواطنة .. فهو لم يأتِ هذه المرة إلى مصر إلا من أجل البحث عن أصله .. عن ميراث من والدته يعزز نسبته إلى أرض الله الواسعة ، لكنه لم يجد سوى الضياع ، وأقدام البوليس .. رجل مسن مثله كيف له أن يدبر ثمن تذكرة العودة؟ .
( تقول التقارير إن حيدر حضر قبل ذلك إلى مصر فى حيلة والدته ، ومكث بها ثلاث سنوات دون أن يُمنح تصريحٌ بالإقامة الدائمة ، وظل مخالفـًا القانون ، وعندما قُبِض عليه ، وأُخْطِرت السفارة الباكستانية بحالته اعتذرت عن دفع ثمن تذكرة سفره بحجة أنه شخص لا يمتُّ إلى الباكستان إلا بهذه الورقة المسمَّاة " جواز سفر " غير أنه شخص غير مرغوب فيه ، وليس له أهل هناك يمكن أن يردوا للدولة قيمة تذكرة السفر المطلوبة ) .
ــ للمرة الثانية يطاردنى البوليس يا أبتِ فوق أرض القاهرة الكبرى .. وأنا .. أنا عاجز عن تدبير ثمن تذكرة العودة إلى باكستان .. وصاحب الغرفة القذرة الكائنة فوق إحدى البنايات القديمة يهددنى بالطرد ؛ لأننى عاجز عن دفع الإيجار الشهرى ، وعاجز عن الحصول على تصريح بالإقامة .. ماذا لو وقعت الفأس فى الرأس وقبض علىَّ البوليس ؟ .. لاشك سيودعوننى الغرفة رقم " 62 / 201 " مرة أخرى .. سيفتحون لى ملفًا ، وعلى غلافه سيكتبون " شئون أجانب ــ على ذمة الإبعاد " .. ثلاثون عامًا مضت منذ وفاتك ، أُودعت فيها سجونَ خمسِ بلدانٍ مختلفة .. نفس العبارات تُكتب .. تختلف الحروف ويبقى المعنى واحدًا : حيدر ليس له مكان فوق الأرض ، وتلك هى محصلة المعانى يا أبتى ! .
( تقول التقارير إن حيدر عندما كان يقيم فى باكستان كان يواجه نفس المصير المطيَّن ؛ لأنه لايجيد لغة الأردو تمامًا ، ولا يستطيع دفع إيجار المسكن أيضًا ، وإنه عاجز أيضًا عن إثبات نسبه وإنه ..... )
ــ ها أنا يا أبتِ رجل دولى .. أجول العالم المتحضر / المتخلف .. لا أحمل سوى جواز سفر قديم انتهت مدة صلاحيته ، وأنت لم تترك لى ورقة واحدة تثبت جنسى ونسبى ، حتى والدتى لم تكن مصرية ! .. كان بإمكانك أن تتزوج بفتاة مصرية .. كان بإمكانك إلا أنك كنت تفضل أن تظل هكذا منتميًا لعالم آخر .. عالم لا يفضل الأوراق والأختام .. ذلك صحيح تمامًا ، إنك كنت تفضل الانتماء للإنسانية جمعاء ، بَيْدَ أنك نسيت يا أبتِ أن الإنسان المجرد ليس له وجود .. هكذا قد جردتنى من أشيائى ، ولم يُبقِ لى سوى جسدى الذى لم أعد أحس بثقله كثيرًا .
ومضى حيدر يودع بقايا جسده الذى بدا للحظة أنه باتساع الكرة الأرضية ، حتى أنه إلتبس بالأرض .
( تقول التقارير إن البشر السائرين ذاك الصباح لم يكن يجول بخاطر أحد منهم أن جسد حيدر ليس هو الأرض التى يسيرون عليها ، بعدما اختلطت الأشياء ، وأصبح جسد حيدر المنبطح على الأرض طينًا ودماء ... ) .
ولكن ثمة أشياء تبقى .................
( تقول التقارير إن حيدر كان يشغل سلطات كثيرة : أمن الدولة .. شئون الأجانب ... المباحث ... مكافحة الإرهاب .. مكافحة التسول ... مكافحة البشرية .............. إلخ ) .
تمــــــــــــــــــــــت
القاهرة فى 15 / 12 / 1990
· حصلت هذا النص على جائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 1992 .
· نُشِرت هذه النص فى مجلة الثقافة الجديدة ــ العدد 101 فبراير 1997 .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: بديعة بنمراح
- الزيارات: 10
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رضوان أحمد بسداون
- الزيارات: 12
رسالة مهاجر سري
مرت ثلاثة أعوام على موت زوجها، ابنها الأكبر غادر القرية إلى المجهول باحثا عن فردوس أحلامه رسمها في ذهنه جاعلا حياته رهينة إيجادها.
لم يرد على زبيدة كتاب من ابنها منذ زمن طويل فقلقت لذلك أشد القلق لأنها لم تعرف عنه شيئا سوى ما كانت تسمعه من فاه بشعيب و محمد من حين إلى حين، أنه وصل إلى الضفة الأخرى وانه يعيش في تلك البلاد عيشة يحسده عليها الحاسدون.
انشغلت زبيدة بأخبار ابنها ،سألت واستفسرت و بحثت في كل مكان عن إشارات منه ... دون جدوى.
في أعماق الليل يطويها الحزن و الخوف و الأسى، لم تنم ليلتها ولا ما بعدها من ليلي ، اللهم إلا أن يغلبها الكلل فتغفوا غفوة قلقة ممزقة .
ثم ورد عليها منه بعد حين ذلك الخطاب يقول فيه:
أمي العزيزة :
كثيرا ما فكرت فيك، كتبت إليك رسائل كثيرة ، ثم علمت فيما بعد أنها لم تصلك فأرسلت إليك هذه الرسالة عن طريق صديق له جواز سفر و أوراق إقامة... ربما تصل إليك ولو متأخرة ، لن أحدثك كثيرا عن مغامراتي وقد سميتها مغامرات لأني رأيت فيها الموت مرتين ، فقد بكيث كثيرا و تألمت... فطال علي الأمد و جاوزت المدى... لم تغيبي عن بالي قط أماه.
أمي العزيزة :
اعذريني إن كانت رسالتي مشتت الأفكار ولا يجمع بين كلماتها غير الألم .. والحزن... والفراق لقد كتبتها بدمي وعرق بارد على جبيني...
أمي العزيزة أنت أدرى الناس بأن حياتنا لم تكن مترفة و لا ناعمة بل كانت اقرب أن توصف بالخشونة و الفقر.. و كلما ازداد وعي بالأمور ازدادت حرقة التغيير في جسدي أردت دائما أن نكون مثل الناس مسكنا وملبسا و مأكل كل ما أردته هو إسعادك وإسعاد والدي رحمه الله و إخوتي... لم تفلح كل جهودي و رماني وطني في أعماق السواد و تنكر لي... لم يكن لدي حل سوى أن أظاهره بدوري وابحث عن الفردوس... والخلاص.
فليس في تلك الحياة التي كنت أحياها هناك ما يروقني و يعجبني ، كنت أعيش قفرة موحشة لا يؤنسني فيها غير ابتسامتك الوضاءة و دعوات والدي التي تغدقني ببركاتها.
رجائي إليك أن تصبري حتى يتحقق المراد وآتيك مرفوع الرأس... فتنجلي الغمة.. وتزين البسمة وجهك من جديد..فأنال رضا من أسعدتني و سهرت على راحتي.
أمي الغالية :
وأنا على القارب في ليلة موحشة لايسمع فيها سوى هدير الموج وهمسات الركاب ممن تنكر لهم الوطن أمثالي، كنت أسامر ذكريات ألمت بي فذادت الطمأنينة من قلبي وشككت في الغد الذي طال انتظاره... تذكرتك، وتذكر والدي في فراش المرض وإخوتي، وقطتي البيضاء ونداءات العطار ،وعربة بائع" الجفيل"، وحتى رقية" الشوافة: تذكرتها.. ارتسمت على محياي ابتسامة خجولة ، كيف استطيع وصفها؟
لكني عرفت أن لقائي بتلك الأرض سيتحقق قريبا لم تهمني الأمواج ولا هديرها، ولم تهمني همسات من معي ولا آهاتهم، لم تهمني الأسماك وما تتوعدنا به من شر المصير...
أنا لم ابغض وطني قط لكن جميع الأبواب أقفلت في وجهي حتى البساتين التي كنا نرتع فيها أقفلت أبوابها دوننا.
في تلك اللحظة بالضبط كانت نفسي عمياء وكان في أعماقي كثير من مشاعر السخط و القلق و الضياع ، كنت ميتا يتنفس ويبصر ويستشعر.
أمي العزيزة :
ها أنا ذا على هذه الأرض .. تائه ، باحث عن قطعة خبز سوداء، لاتشبع جائعا ولا تغني فقيرا، جميع من معي يتسلقون إلى قمة رغبات قلوبهم، وكل منى يسعى للإسعاد أم أو أب أو إخوة في الجهة الأخرى من العالم لا احد يفكر في نفسه ...فقط أحبتنا.
ألم تقولي أمي ذات يوم وأنا أضع راسي على ركبتك و بين الفينة والأخرى تمررين يدك الحنون بين خصلات شعري ، ألم تقولي لي أن الحر الحقيقي هو الذي يحمل أثقال ضعفاء القوم لإسعادهم ها أنا ذا حر طليق فقط لا تبخلي علي برضاك... افرحي لي أماه فانا أحوج لنسائم فرحتك، وعبير كلامك الجميل.
أمي الغالية مهجة قلبي:
كوني مطمئنة البال، مرتاحة الضمير فرغم مزالق الأيام التي يعيشها ابنك البار، سيلقى السعادة التي يبتغيها فرغم بغي الحاضر ووحدتي المريرة، فإن الأمل يزورني كل يوم ، فهو يأتي كبياض الثلج فيضئ رعب ظلمتي.
أنا الآن أعمل متخفيا في إحدى حقول "لاس بالماس" إنني عامل وهارب في وقت واحد في كل صباح اكتشف المزيد من اللم والفردوس الموهومة التي أرنو إليها ... كيف لا تكون فردوسا وقد تركت ورائي من تنكر لي واستعفف، الإنسان لا يدري ما تخفيه الأيام ولا يفهم ما يقوله الدهر ويهمس به في آذاننا لكن ندعي الفهم فقط لأسباب نبتغي منها تحقيق الرجاء.
أمي الغالية :
بلغي سلامي لمن يسأل ، ولا تبخلي علي بصالح دعواتك.
بالمناسبة داخل الظرف يوجد مبلغ بسيط استأنسي به حتى أرسل لك كتابا آخر أو ربما يحصل اللقاء.
ابنك البـار
كان ابنها الصغير يقرا الرسالة ويتهجاها، وهي تذرف الدموع مدرارا حتى فرغ من قراءتها.
قالت وقد تنفست الصعداء وضمت الرسالة في صدرها " احمل محفظتك عزيزي فقد حان وقت ذهابك للمدرسة.
وتستمر الحياة.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ليلى ايت سعيد
- الزيارات: 13
امرأة من جـــــــــــليد
الشيطان يقبع في التفاصيل
مثل عالمي
أجمل الأشياء تلك التي يقترحها الجنون ويكتبها العقل..ولعل أغرب شيء اقترحه جنونك المتراكم في ثنايا جنوني المتراكم:
اسمك " صافية "..
متى كان النسيان نعمة؟ ومتى كانت النقمة جحيما يتخبط فيه مرضى الشهوة والذكريات المخمورة مثلي ؟ ومتى أصبحت نعمتك أيها النسيان حكرا على الآخرين استتاء إياي ؟؟
_ بئسا للماضي الذي يعود..
هجست نفسي وهي لا تستسيغ طرد ابتسامتك من مخيلتي
ولم تكن برودة الجو إلا لتزيد من تصلب ذكرياتك في عمق الذاكرة الهرمة..
شاخت ذاكرتي ولم تشيخي أنت .. باعدت بيننا زرقة الأفق اللامتناهي.. وكنت تكرهين لون السماء وتعشقين لون ناره..
وأحرقت السفين يا صافية .. أحرقته ورميت الأشلاء في رزنامة من الأنين.. وأقسى ما تولده لعنة الحب ندبة في القلب اسمها الأنين ..
أنين..أنين..
جاء الصراخ حاملا معه زغاريد من داخل الغرفة.. توقف الصراخ أو كاد..حتما هذا الضيف المنتظر قبل تسعة أشهر..
علبة السجائر غدت فارغة إلا منك .. احرق صورتك مع كل سيجارة.. ولا اكتشف بعد انتهاء السجائر العشرين سوى أنني أحرقت نفسي وفتحت مجالا أوسع ليصاب قلبي بسرطان أقل وقعا داخل هذا الصدر من حبك المثلج..
قرأت في مجلة علمية ذات ليلة حمق أن فرسا قد يموت إذا ما تم حقنه بالنيكوتين الموجود بعلبة سجائر واحدة..
لم أصدق لأكذب.. أنى لي بصاحب المقال لأتقيأ في وجهه برهان نظريته الفاشلة.. وما كان لي أنت أكذب إلا في غياهبك الموغلة في الحب والجليد..
- ألف مبروك.. فتاة ..
خرج صوت القابلة صفعة أعادتني إلى رشدي المزعوم ..
ها أنت تتجسدين فتاة حتى بعد غيابك ..
لم يكن قسرا ..ولن أطبق شدة الدافعة التي كان سبب ولادتها " اوريكا " ..رحلت بكل بساطة ..
_ أنظر إليها ..أليست ملاكا ؟؟
_ بلى أنت ملاك يا " صافية " ..
رمقتني بعينين حائرتين..والأكيد أنها تساءلت في عملية سيميائية عن علاقة صافية بالملاك بالطفلة ..هناك رموز لا تفهمها أيما امرأة ..واحدة كانت لتفهم لغة الصمت والعيون ..وتتقن لغة الحب والجليد ..
وجاءتني الصفعة الثانية شواظا من نار ارتسم أثره يدا على خدي الأيمن ، الإحساس بالألم بات منعدما هو الآخر ..
أخذت كل شيء .. ما أصعب أن تسطو امرأة على شعورك ومشاعرك.. وتتركك معلقا تتخبط بين سندان الوهم ومطرقة الذكريات..
وعلى قارعة ذكرياتك المتجمدة رمت عجوز مسنة قيل لي فيم بعد أنها حماتي كل أغراضي .. ولم اشعر بالبرد رغم برودة الفصل..صقيعك وحده من كان المسيطر ليبحث عني دفء يولده اشتهاؤك اللامباح في سطوة من جليد..
_ ما اسم ابنتك ؟
_ صافية ..
_ ما اسم زوجتك ؟
- صافية ..
_ما اسم أمك ؟
- صافية ..
_ما اسم والدك ؟
- صافية ..
شبه مخدر كنت وأنا أردد اسمها كببغاء يتيم يخال أن هذا الاسم هو من السعادة في شيء..
جاحظ العينين سمعت رجلا يرتدي بذلة بيضاء طويلة ينظر إلى بخلفية متشائمة يقول لاثنين كانا يرافقانه ..
- المسكين ، لقد ذهبت ريح صافية بعقله ..
اخدت كل شيء إلا أناي المتصلبة هنا كتمثال قد من جليد، أو ليس حبك جليدا في منتهى اللذة ؟؟
ولم أكن لأصدق صديقي الذي همس في أذني ذات ليلة حمراء بان صافية جنية هدفها إثارة الجسد وترك الذاكرة تغرق في مخلفاته ..
_ إنا ضحايا..ضحايا اللذة والعسل ..
صرخ أحد المجانين بجانبي، بينما كنت ممدا على سريري أتذكر زرقة الأفق الذي كرهته واستبدلته بالرحيل..
ومن حالة الشرود المثلج عجزت ابنتي صافية بحكاياتها المليئة بعبق طفولة بريئة أن تذيبه عني..
كان ثقل صافية يزداد ويزداد..بينما كان تمثال الجليد يتبخر شيئا فشيئا..
- التفاصيل
- كتب بواسطة: روحي عبدات
- الزيارات: 12
انتظار
عندما تزوجته كنت فرحة بفستان الزفاف، فقد حققت حلمي كأي فتاة بعد أن أصبحت عروساً، لي أربعة جدران، وزوج لم أكن أعرف عنه شيئاً من قبل، سوى أنه شاب من القرية وبعض العبارات التي لملمتها من حديث أمي عنه، والتي قالت لي بأن لديه بيتاً وعملاً ثابتاً بدخل جيد، لم أعرف عنه غير اسمه وبعض الرتوش التي حصلت عليها أمي من أبي، كان المهم بالنسبة لي أن أتزوج، وهذا ما زرعته في نفسي التقاليد التي ترفض العنوسة، وتؤكد للمرأة ضرورة العيش في ظل رجل.. أي رجل.
وبعد اليوم الأول من الزواج، بدأت تتلاشى معالم الفرحة من قلبي بعد أن بدأ يتضح حجم المأساة التي وقعت فيها، ليس هذا الرجل الذي كان في مخيلتي، الرجل الذي يحترمني ويقدر مشاعري ويمنحني حبه وعاطفته، والذي ينبغي أن يمنحني الأمان وأعيش في ظله -كما يقولون-، بل كان رجل الشهوات والغرائز وحدها، لا ينظر لي سوى مصدراً لإشباع حاجاته، لم أكن معه سوى أداة من أدوات البيت أو وسيلة من وسائل المتعة.
كان يغيب عني أسابيع عدة، بحجة العمل في مكان بعيد، ثم يأتي كالوحش الذي يمزق أحشائي ويلقيني بعد كل جولة كجثة هامدة، كنت أشعر بأني خادمة له، تحضر طعامه وتنظف بيته وملابسه، حتى أطفاله الصغار، لم يكن لهم الأب الحنون، لم ينالوا منه سوى الضرب والصراخ والاهانات كما نالت أمهم من قبل.
وكلما لجأت إلى بيت والدي لأشكو همي، يلومني أبي ويعيدني فريسة لذاك الوحش من جديد، فمن العادة حسب ما أفاد أبي أن يغضب الرجل ويضرب، فهو يتعب في توفير قوت أسرته، وما على المرأة إلا الطاعة، وتلمس احتياجاته ومراعاة انفعالاته، بل ومزاجيته أيضاً.
أما أمي المسكينة التي ما فتئت تصبرني وتطلب مني أن أهدأ إلى أن يكبر أبنائي فيعينوني على حياتي، تفرك كفاً بكف وتردد المثل الشعبي القائل : "هم البنات للممات".
وبعد أن أرى من أهلي ما أرى وأسمع ما أسمع من لوم وعتاب، لم يكن أمامي سوى العودة إلى بيتي، لكي لا يُهدم على أطفالي، فما عليّ إلا أن أصبر من أجلهم، وأتحمل المعاناة، حتى أهرب من نظرات المجتمع تجاه المطلّقة بعد أن هربت من نظراته تجاه الفتاة العانس، ولكي لا أجلب المشاكل والعار لأهلي.
أجرّ نفسي بخطواتٍ متثاقلةٍ وأعود أدراجي إلى بيتي الذي أتصوره كالجحيم لأطرق بابه، مستسلمة للوحش الذي ينهش جسدي ويقتلني كل يوم مائة مرة، بكلماته ونظراته وسوء معاملته، وها أنا ذا بعد أن تزوجت ابنتي الكبرى أعيش في معاناة أخرى، ولا زلت أنتظر أن يكبر أبنائي الصغار –كما قالت لي أمي- قبل أن أهرم ويغزو الشيب رأسي، عسى أن يعيد لي أبنائي البسمة المفقودة منذ زواجي، ويريحوني من معاناتي ومعاناة أمي وبناتي.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: مجدي السماك
- الزيارات: 13
الحب على الشرفة
بقلم : مجدي السماك
عاش في مخيم بائس من مخيمات قطاع غزة ، و قد ورث الفقر المدقع عن أبيه ، كان أبوه يصل الليل بالنهار بحثا عن عمل ، و هو الذي كان مجاهدا قبل الهجرة . بعد موت أبيه أصبحت حياته أكثر قسوة ، و إن كانت طموحاته كبيرة وكثيرة و صعبة المنال ، أحداها هوامتلاك نظارة طبية ، و كان يقول لنفسه مواسيا لها : يكفي أنني أرى الاشياء القريبة ، أيختلف ما هو بعيد عما هو بين أيدينا . قد يكون محقا في ذلك ، لان رؤية ما هو بعيد مثل العلم بالغيب ، فإما أن تصاب بالبهجة أو بالشقاء ، قد تصاب بالأمل أو بالقنوط .
كان يقف بالقرب من المقهى المجاور لبيته بين الفينة و الأخرى ، عل أذنه تلتقط خبرا من المذياع أو التلفاز ، و امتلاك احدهما هو إحدى طموحاته أيضا ، و لكنه يخدع نفسه قائلا : لا جديد في هذه الدنيا . إذا امتلك النزر اليسير من الفلوس ، كان يجلس على كرسي في المقهى و يطلب كوبا من الحلبة ، و يستمع عن قرب إلى أخبار الانجازات التي يحققها المسؤولون ، و كلامهم المفعم بالأمل و المستقبل الزاهر
استيقظ ذات صباح متأخرا بعض الشيء على غير عادته ، شرب الكثير من الماء بعد أن اخذ ملعقة من العسل الأسود .. هذه طريقته الخاصة لإيقاف طرقات الجوع على جدران معدته ، ووقف أمام الشباك المطل على شرفة جاره ، أطال التحديق ، اخذ قلبه يخفق بقوة ، لقد رأى فتاة تحرك يدها ، و تبعث بإشارة إليه .. ظل و اقفا مقابلا لها و يبادلها الإشارة بالإشارة . ذهبت به أحلامه إلى عالم أخر ، تخيل انه يقبلها و يلمس شعرها المسدل على كتفيها ، تزوجها بخياله و جاء بها إلى صندوقه المسمى بيتا ، و قد يصبح بيت الزوجية ، فيضطركلاهما للتنفس برئة و فتحة انف واحدة
استمر الأمر على هذا الحال أسابيع عدة ، لقد أصبح لزاما عليه أن يمتلك نظارة طبية ، كي يراها بوضوح أفضل ، وضوح الحقيقة العارية . عدم امتلاكه للنظارة هو الحائل دون رؤية ملامح من أصبح بها متيما .
فكر مليا في اقصر السبل للوصول إلى مبتغاة ، باع خاتما ذهبيا ورثه عن أبيه ، لا يوجد سبيل أخر ، و لا مجال للتوفير ، عادة يضطر الفقراء إلى بيع ما هو ذكرى . اشترى النظارة ، تملكه إحساس بأنه امتلك خزائن كسرى ، أو مرصاد هابل . وقف كالعادة لينظر إلى محبوبته الفاتنة ، يا لهول ما رأى ! لقد رأى رجلا عجوزا طاعنا في السن يهش الذباب عن وجهه ، أصبح في صدمة ، كأنه لم يصدق نظارته التي حولت الحلم الجميل إلى حقيقة مرة .. لقد تاكد أنه يرى رجلا عجوزا قد بلغ من العمر عتيا ، اخذ يفكر مليا فيما يجب عمله ، ثم حطم النظارة و القي بحطامها من النافذة ، و عاد ينظر إلى حبيبته في الشرفة كالعادة .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: خالد شاتي
- الزيارات: 12
الرصاصة
- خالد شاتي
السكون يخيم على المكان كله وينشر ظلاله على بقايا بيوت عتيقة كأنها القبور ،عندما انطلقت تلك الرصاصة مخترقة ذلك السكون بصوت مدوٍ وفاضح حد الاستهجان من قبل ساكني تلك البيوت،كانت تنطلق بقوة كبيرة لاتسمح لها ان تعرف على مَن تلقي نفسها .
لكن قوة الانطلاق كانت هي المتنفذ الوحيد في تحديد مصيرها وهدفها ايضا ،ممتلئة بتلك الحرارة الحميمية التي تربط ما بين الحديد وذلك البارود الذي اخذ شكل راس صاروخ رصاصي ،هي هكذا مسرعة جدا تخترق الفراغ الممتد من نقطة انطلاقها الى ذلك الهدف المقصود من غير ان يكون لها رأي او اي اعتراض سواء انها تحقق رغبة مجنونة لشخص لا تعرفه ولا تعرف هويته او انتمائه
فهي تتذكر تلك الوخزة التي طرقت على مؤخرتها لتجعل منها كتلة نارية قاتلة رغم صغرها وشكلها الغبي،حتى تلك المسافات القريبة التي كانت تقطعها باتجاه هدفها المنشود كانت تمر عليها بصعوبة وقلق كبيرين فكانت كانها تقطع العمر كله بحثا واصابة ودقه بالرغم من تمنياتها الكثيرة التي كانت تدور في راسها الرصاصي والتي تمنتها في ان تعطل او تتعثر بحاجز ما او انها لاتصيب في مقتل
لكن حتى تلك الاماني كانت غاية في الخيال والتوهم هذا الوضع الذي جعلها وعندما لا تصيب هدفها تأز ازيزا مسرعا وكانها تحاول ان تستعطف الاخرين لتبعد عنها شبح الادانة والترصد .
حتى تلك القوانين الارضية التي كانت تحكمها من قانون الجاذبية الى قانون الفعل ورد الفعل،كانت قوانين تافهة بالنسبة لها لانها كانت تذكرها بذلك التحكم القسري التي كانت تجد نفسها فيه وكم حاولت مشاكسة تلك القوانين التي تعتبرها جائرة لانها تسلبها ارادتها ومسارها لكن من دون جدوى ومع ذلك لم تستسلم وكان يمر ذلك الخاطر في راسها دائما انه سياتي اليوم الذي يمتلك فيه الرصاص الارادة والتحكم في الانطلاق من غير ان تشاركه ارادة اخرى في تحديد مصيره ومساره معا ومن غير ان يتحمل تبعات لم يكن طرفا فيها او في مخططاتها ومع كل تلك الهواجس كانت تحاول ان تسير وفق ما خطط لها حتى لاتتهم بعدم الفائدة والرداءة اللتان كانتا تضيفان هما جديدا لها،الا انها استمرت بالانطلاق السريع الذي يخترق كل شي امامه من دون ان توهن عزيمتها او ان تضعف قوتها، كانت ترى عبر مستقيم مرسوم نفق انطلاقها الضيق المظلم الى رجل كان يقف في الجادة الاخرى من الشارع القريب من مكان ذلك الانطلاق القسري لها، ظلت تنظر اليه بدقة وهي ترى محياه الساكن المطمئن وهو يمسك مجموعة من الكتب القديمة منتظرا الحافلة التي طال انتظارها ولم تاتِ.، ازداد قلقها اضطربت حركة راسها محاولة ان تخلق نوعا من التخلخل في الفراغ يمكن ان يساعد في ابطائها او حتى اختزال جزء يسير جدا من الثانية من اجل ان تشارك في صنع قرار لم تعهده من قبل ، وفعلا وقبل ان تصل الى مرماها التفت بشكل حلزوني سريع لتتشظى في الهواء قربه وسط دهشة الناس وخوفهم والتفاتة الرجل وبهدوءه المعتاد نحوها وهو يتسائل في خلده
- الحمد لله انها لم تصب هدفها !!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حامد الترهوني
- الزيارات: 11
وقف بالطابور الخاص بالقادمين من الخارج لإتمام إجراءات الدخول لأرض الوطن .. وهو يشعر بالخوف الشديد بل بالرعب من أن يكتشف ما يحمله معه ، أنه يري بعينيه أسلوب التفتيش الدقيق والفحص الشامل لجميع الحقائب والأمتعة ، مع التدقيق الشخصي لكل راكب علي حدة بحجرة خاصة لــــذلك .. بالإضــافة إلي الألأت الحديثة التي تقــــوم بعملها علي أكمل وجه .
إن الترقب والانتظار يزيد من خوفه وشعوره بأنه تحت المراقبة منذ دخوله إلى المطار .. لذا فهو يحاول أن يبعد عن نفسه الهواجس والكوابيس بمراقبة المسافرين والقادمين والمودعين .. والحركة الدؤوب من الموظفين ونظرات رجال الجمارك التي ترصد كل شئ .. وفي خضم هذه الحركة المستمرة يحاول أن يذيب شعوره بالرعب من لحظة المواجهة .
فمع كل خطوة يتقدمها يشعر إنه يقاد إلى النهاية .. وإن أمله في التراجع يصبح مع الوقت سراباً يستحيل تحقيقه .. ليثه لم يوافق علي حمل أي شئ من هذه الممنوعات التي ستؤدي به إلى ما لا يحمد عقباه ، لقد أصبح قاب قوسين أو أدني من ضابط الجمارك وهو يفتش بيد مدربة بمحتويات حقيبة التي أمامه مع نظرات خارقة تبحث وتنقب بكل خبرة ودقة عن أي شئ مهما كان صغيراً أو تافهاً مادام مدرج بقوائم الممنوعات .
لقد وصل أخيراً أمام ضابط الجمارك فوضعت حقيبته بجهاز التفتيش الآلي ثم قام الضابط بالتفتيش اليدوي منعاً لأي خطأ .. فأخذ ينقب بين ثناياها عن أي بروز أو جيب سري بالحقيبة بكل صبر ودقة .. وما أنتهي منها حتى أرسله لضابط أخر للتفتيش الشخصي بواسطة جهاز حديث ثم أدخل حجرة صغيرةليتم تفتيشه بطريقة يدوية .. وتم ذلك ببحث دقيق لجميع الملابس وبين ثنايا البنطلون وياقة القميص .. كل ذلك وهو يشعر بأنه يعيش كابوس من الرعب يتمني أن يتم أيقاضه منه .. وقد غرق جسمه بسيل من العرق .. وأرتسم علي محياه رعب من أن يقع في الشرك .. وتكتشف الممنوعات التي يحملها معه .
وما انتهي من تفتيشه وخرج من الغرفة ومنها إلى خارج المطار شعر كأنه ولد من جديد .. لقد مر بكابوس لن ينساه طوال حياته ، فلقد انهزمت الألأت الحديثة والأيدي المدربة والنظرات الثاقبة في معرفة ما يحمله ممنوعات .. أنه يحمل أفكار في عقله لو صرح بها أو عرفوها لقضي بقية حياته وراء الشمس أو تحت الأرض .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سجود سميح عليوي
- الزيارات: 10
طرق متقاطعة
سجود سميح عليوي
ربما لم يكن مقدرا للحكاية أن تسير هكذا ودون هوادة نحو الهاوية، ربما لم يكن هو نفسه مهيئا للسقوط أو الانحدار، وربما فضل سياسة التحليق المهتز، بدلا من الأعماق الساكنة برهبة الغياب، لكن هذا ما حصل، أشرق بصباحه ككل يوم منعش عاشه في طور الدهشة، لم يتزحزح عن وقته ولم يخذله الوقت، مضى متوثر الخطوات، ممتلئاً رغبةً بوهب كل حنينه لأي شيء قد يستحقه، ليس بهدف التبذير بل حتى لا يخسر تعلقه المغّبر، نحو الفجوة "البيت" التي تركها خلفه، رغم كل الكلمات المتقاطعة التي حاصرت مخيلته لم يتشبث بنبض أو غمزه واحدة من الوداع، أو من الخطوات، بل تابع السير نحو الممر الضيق في آخر الطريق، يقترب هو، والممر يزداد طولا، بفعل الأجساد اللزجة حينا أو بفعل صفائح الحديد الضجرة على جانب الممر حينا آخر، وكل هؤلاء _بشراً ومحركات_ ينتظر العبور ، أعاد هواية العبث بمكنونات صدره ، ازداد ملله مللاً، تنشق الهواء المستهلك، ووقف في الدور.
"قف،تحرك...، أغلق،..وافتح"، نغمة متكسرة الملامح، فائضة بالأوامر الغبية، عبرت أفق هذا الممر وترنمت معه حتى جاء دوره، من دون لحظات، من دون ملامح، وباللحظ الخافق فقط تأمل الجسد اللزج أمامه، زيتي اللون، محترق الأنفاس، كريه الأحاسيس، يحيط اللون البني بقدميه، وتعتصم تلك القطعة الثقيلة بين كفيه وخاصرته، "لخورا" أي للوراء، كانت الانطباع الأول عن هذا الوافد الثقيل، ثم وبإشارة صماء ككل ما حوله، سُمح له بالتقدم، ألقى الجندي بعباءة نظره على البطاقة الشخصية، تأرجح الفتى بين الإقدام والرجفة، وكنقاش خفي تبادل هو والجندي نظرات تستشف القلوب، "هل تبدأ النهاية هنا؟لتكون نصيب هذا الأبله؟" ، حدث نفسه،انتظر من "الأبله" تأكيدا مواربا، "روخ"، كان ذلك هو الشك الذي قتل التأكيد، فمضى..
تهتز قطرات المطر على نوافذ السيارة، قلبه يواصل وجيبه المعتاد، ولا مكان في الجو لغير التأمل،حتى عبثه المرح لا فسحة له، قرر وكطقس أسطوري قديم_قرأ عنه_ ،أن يمنح نفسه وفي اللحظة الأخيرة، ذاكرة وأمنية.
في ذلك البيت المعتم الصغير ولد، قالت له أمه، كنت فأل خير علينا، "وشك وش خير"، لم يفهم في البداية ما الذي عنته، فلطالما نظر إلى المرآة، محاولا إيجاد ذلك الخير، أو استكشافه، نظر في عيون من حوله،"يبدو أن الجميع يملكون وش الخير هذا" حدث نفسه، ما دام الجميع يملكون فماً وأنفاً وعينين، فأين هو الخير؟؟..
في ذلك البيت المعتم الصغير ماتت أخته الصغيرة، لم تكن السماء ملبدة بالغيوم،ولم يكن الجو عاصفا أو حتى ماطرا، لم يكن حزينا أو جائعا، كان فقط لا يفهم شيئا، لماذا تبكي أمه؟، لقد أنجز فروضه المدرسية، لم يضرب أحدا من أولاد الجيران، الجو مغرٍ للخروج ولعب البنانير ، والمقلوبة التي أرسلتها لهم جارتهم، أم تحسين كانت لذيذة، حتى أخته سمية تحسنت، ونامت الليل بطوله، وظلت حتى اللحظة نائمة بهدوء نادر، بعد أن لازمتها الحمى لمدة أربعة أيام كاملة.
في ذلك البيت المظلم الصغير الذي ودعه منذ قليل، ودع أمه، كان في الحادية عشرة من العمر، وحيد أمه، ووالده ذلك المسافر مع الأمواج والبحر،قتل على الحدود، هكذا قالت والدته، لطالما تمنت بقاءه بعيدا عنها، أمام موته القاصم، على نهر الأردن، هناك رمى الحياة بجثته، كم كان يفاخر بين أصدقاءه بأن والده قتل على بحر الأردن، بين الأمواج والشطآن، لكنه أدرك فيما بعد أن لا مكان للبحار على أرض استساغت المستنقعات.
تحسس خد أمه اللاهث، احتضنت دموعه الحارة، أحبها اليوم، حبا ممزوجا بالفجيعة، تلمس الحياة الهاربة بين جفنيها، بكاها قبل البكاء، وودعها دون القطرات المالحة التي انسكبت من عيون الجيران، ذلك الجسد البض الرقيق الذي احتوى عجزه وضعفه الطفولي، ذلك الدفء الذي وهبه له الشتاء الغادر، وتلك الهمسات الوارفة التي رافقته في كل حين، أكان المرض!!، أكانت تلك الرغبة المتفجرة بالتمرد!! ، أكان تعلقه بها هو سبب وفاتها!!، لم يدر، لم يدر لم كان الوداع شيئا إجباريا في هذه الحياة، لم يدر ولن يدر لم أصبحت الدموع فريضة لكل ذكرى، وكل لثمة جبين حنون، حين خرجت من بيتهم،فضل البقاء متخفيا بين أزقة الأوجاع والهجر، متوعدا عينيها الثائرتين باللقاء...
اليوم حان الوعد والتوعد، منح قلبه ذاكرة، وعليه منح عينيه أمنية، أغمض عينيه، تسلل قلبه وسره من بين صوت المسجل في السيارة، من بين حبات المطر، من بين الحاضر وأهدى نفسه الآهات ابتسامة، وزعها على امتداد هذا الوطن المذبوح، روى ابتسامته بالشغف المذاب ، تألق كنجمة في مغارة اليأس، ناجى أمنيته وذكرياته،أخرس نبضه،.. ووصل.
خشعت الحياة أمام ابتسامته الثلجية، أمام سطوته المنفعلة، نعم وصل لممر آخر، تناول حقيبته، ونزل أكمل الدرب سيرا على الأقدام، مغتبطا لما رآه، وجدهم هناك أثنى عشر زيتيا، عيون ملونة، وملامح لا مكان لها على أرضه، امتشق التخفي والصمت، وحيدا بينهم كما الوطن وقف وأنصت لآخر سيمفونيات الحزن الرابضة فوق سكون الحنين، قد حان وقت الكلام، لا مكان للصراخ على ترابي وفوق نجومي، لا مكان سوى للدوي القاتل، للضربات المزلزلة الغارقة في أحشاء الحب الأبدي، كانت ساعته تتباطأ عن الواحدة والنصف، مدركا في قرارة نفسه عنف اللحظات،انتصبت ساعته أمام الواحدة وخمس وثلاثين دقيقة، اقتربت كتلة الصفيح الكبيرة، توقفت أمامه، بدأت تفرغ حمولتها البشرية، وكوتد حجري وقف بين الخارجين والداخلين، قذف عباءة ألمه عليهم، ألهب عيونهم بجلده، رماهم بالويلات،أفسح لهوائه المدلل مكاناً بين الغرباء، تنشق ألمهم عطرا قبل الرحيل، تدرج في سلم اللقاء، ليجدها هناك، أمه، سميه، والده المسافر مع الأمواج والبحر، وهناك كان وكما دائماً الوطن....
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد العربي الوالي
- الزيارات: 11
"هذا عارضٌ ممطرُنا.
قصة بقلم محمد العربي الوالي
إيــهٍ..إيــهٍ. وتجري الأيامُ ِسراعا.
وتقبع أنت في كهفك المظلم، الرطب.
وتتفسخ..تتهرأ..تتآكل عظامك الرخوة، المتعفنة.
وتقف وراء قضبان الزمان تستغفر الله...
وتدعوه.. أن يعيدك إلى أيام صباك.
أيام..كان القهر..
وكان الجهل..
وكان الزهو..وكانت الخيلاء..
كنت تمشي والرأس..تطال السماء..والأنف أشم..
وكانت لعبة العسكر والفلاقة..تستهويك.وتجعلك تعيش البطولة..البطولة.. التي لم ينخرها سوسُ جشعٍ ولا طمع..ولا حبٌ لذات..
الرجولة التي كان يجسدها عمك الطاهر، ودبابة العدو تسحبه من رجليه المقيدتين بشاشه العتيق، وجسمه تكسوه الدماء.
كان وجهُه المعفّرُ بالتراب والمخدوشُ بالحصى فيضًا من نور الملائكة الأطهار.
وكانت الكمدات السود وسامَ عزِّ وإباء..
وتخرج أنت تجري وراء أمّك، وهي تغزو الكونَ بزغاريدها ذات الصّدى المدهِش للأعداء.
وكنت، تحسد عمك الطاهر على ما أوتي من رجولة..كنت تتمنى لو زُين وجهك بسواد اللكمات، حتى تحتضنك جدتك، وتزغرد أمك، ويمسح أبوك على شعرك، افتخارا بك.
" بالقرآن ننتصر على الكفار، فاحفظوه يحفظكم." الجملة اللازمة لشيخ الجامع الذي مافتيء يرددها على أسماعك، تحثك، وتولد في نفسك قوة تجعلك تغالب أترابك في حفظه، وإعادته.طمعا في الحفظ والانتصار.
ولم تكن تأبه لما يولده هذا التفوُّق من إزعاج لأخيك السعدي، الذي يلقي عليك باللــوم، لما يتلقاه وأصحابه
من فلقة على يدي الشيخ الذي يجد فيك حجة عليهم.
كانت حياتك..حبلى..تزخر بالأحلام الكبيرة، وأنت الطفل الصغير.
كنت في سباق مع الزمن.
وكنت في سباق مع العدو.
وكنت في سباق مع الذات.
الجندي الفرنسي.. الذي كان يعلمكم الفرنسية. تصفعك رؤيته..كما تصفعك لغته..التي يلعنها أبوك صباح مساء، وتمنعك أمك من إدخال كتبها إلى المنزل.وتبقيها في خمّ الدجاجات التي تملكها.
كنت تكره المعلم، وكم عزمت على مقاطعة المدرسة، لولا نصيحة المجاهدين الذين قالوا لك أنك ستهزم العدو بلغته..
ولم تكن تفهم كيف يصنع القرآن النصر.
ولا كيف تهزم اللغة الفرنسية الكفار.
ولكنك، ما كنت تشك في صدق شيخ الجامع. فحفظت القرآن.
وما كنت كذلك..تشك في كلمة المجاهدين.فأتقنت الفرنسية أيّما إتقان.
لقد كان همك النصر لقريتك..ودينك..والهزيمة لعسكر فرنسا..
ولم تكن لتفشل في مسعاك..
وأنى لك ذلك، ولا أحد من أهلك أحنى رأسه لعاصفة مهما كانت شدتها؟
كانت القرية تنام على معركة، وتستيقظ على حصار.وكان الشهداء..وكان...
لقد رضعت البطولة من أفواه صانعيها.
كان كل رجال القرية أعمامك..ونساؤها كن خالاتك..
عمك الصادق استشهد واقفا، مبتسما..وفي عصر يموت فيه البشر باسمي الثغور..ما الذي يرهب الأطفالَ؟
ودار الزمان دورات..لا تُحصي لها عدا..
وها أنت اليوم تقبع داخل كهف لا تذكر متى ومن أدخلك فيه؟
وهل أنت مقيم به راغبا أم راهبا؟
أبوك استشهد منتصب القامة بدوره..
وأمك أبت إلا أن تلحق به، في غمرة مظاهرة عارمة، فجرت رأسها قذيفة، وكست جسدها حمرة الحرية.
وصدقت نبوءة شيخ الجامع، وتجسدت نصيحة المجاهدين.وأصبحنا على عدونا ظاهرين.
ونجا من نجا من أعمامك..وخالاتك..
وبعد ذلك..
ما عدت تعي ما يحدث للزمن..
أعمامك وخالاتك...لم يبقوا كما عهدتهم..
أو أنك لم تعد كما عهدوك..
اهتزت المفاهيم في دماغك..
عمك الذوادي الذي عذب حتى الموت، وهو شامخ الأنف، ولم ينج إلا بأعجوبة..تحوّل إلى إنسان يبيع أنفه في الأزقة، والشوارع.
خالتك رشيدة..أمست تتبرم من زيارتك لها، وصارت تبخل عليك بالبيضة المسلوقة، التي كانت تستقبلك بها، وتطعمك إياها تقديرا لما كنت عليه من رجولة.
إخوتك..ومَن ِمن إخوتك لم يتحرك..ولم يقفز؟..قفزوا فأثروا..وغدوا ما غدوا..كثرت معارفهم..وطالت أذرعهم...وأنيابهم..وترهلت بطونهم، حتى لكأن أفخاذهم تعبت منها، فانحنت لها ظهورهم..
وبقيت أنت..لسنوات طـــالت بك، كأنما هي الدهر..
تلهث وراء القرآن والفرنسية، ظنا منك أن المعركة لا يمكن أن تنشب بين أعمامك وإخوتك.وهم منك يضحكون..
معتوه أنت...مسكين..متخلف..متحجر...يأبـى الحراك..
زادك كان نبوءة شيخ الجـامع، ونصيحة المجاهدين،في مواجهة تلاميذك الذين يكبرون، ويدخلون عوالم أعمامك، وإخوتك..ثم يأتون ليضحكوا منك ومــن قرآنك و من فر نسيتك المعتقة، اللذين لا يدخلانك عالم المال والأعمال...
ووجدت نفسك..والأيام تتردى..والأطفال يكبرون ومنك ومن أفكارك وبك يهزؤون..
أبوك لن يعود..
وأمك لو قدر لها أن تعود، لن ترضى أن تفجر دماغها قذيفة..وربما رفضت الخروج إلى المظاهرة..قد يلجمها الحرص على حياتها..أي حياة..
وقد يكون اللحم المستورد، الذي شغل أبناءها عن التفكير فيها، يجعلها تأكل بثدييها، لتملأ بطنها.
إيه..إيه..وتجري الأيام سراعا..
وتبقى أنت الذي كنت تفهم، تشد رأسك بحبل مـن مسد..
ولا أحد يقف لحظة لإفهامك... ويقرئك سفر التكوين الجديد، الذي أبت عليك نفسك فهمه.
وتبقى تتساءل.والظلمة، والرطوبة، تزدادان كثافة.
والتلاميذ في القسم وخارجه منك يسخرون.
والقوم يفرحون، ويقولون" هذا عارضٌ ممطرنا"
محمد العربي الوالي
الجزائر رأس الوادي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: وفاء الحمري
- الزيارات: 17
كتاب
قرأ الكتاب العالمي (كيف تصبح مليونيرا ) الى نهايته …
وضعه برفق تحت الحصير
بحث على ضوء شمعة عن كتاب الواقع
قر أما تيسرمنه
و
ن
ا
م
2
ضياع
صلى الفجر في الاقصى مع صلاح الدين وغفا …
لما استيقظ ….لم يجد صلاحا ولم يجد الاقصى ….
ضيع الاثنين في غفوة ….
3
بحور
تابع الولد درس العروض بكل انتباه
علمهم الاستاذ الغوص في جميع البحور
الطويل …. البسيط … الرمل …
في يوم ساخن جرب الغوص في بحر العرب
لم يخرج منه الى الان …
4
ذات غيظ قضمت
هل ستحارب بعد تلك الخيبة ؟
نعم ابي
وبم ستحارب يا ابني ؟
باظافري يا ابي
ونظر الى اظافره وتذكر انه قضمها ذات غيظ
انتهى المشهد
5
لهب
لهب …لهب …. لهب … نار … نار …
دخل رجل النجدة الخيمة … فوجد شيخا مقدسيا ينوح ….
اين اللهب ؟؟؟
هنا …. ودق بكف واهية مكان القلب …. مرددا :
سأموت ومفتاح البيت القديم في جيبي ….
6
موت
ابي …سيطول بك العمر لترى اولادي الاشقياء يتنططون حولك
وينثرون عليك بطاطس الماك دونالد
ويداعبونك بدمية الباربي
ويرشون عليك
علب الكوكاكولا
و
ترك الولد يستعرض الاحداث باسهاب
سرح هو بخياله بعييييييييييدا
تيقن
ان
ابنه
يتعجل
موته
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبد العزيز نايل
- الزيارات: 11
حدث في جزيرة الطوابية.... فقط !!!!
عبد العزيز نايل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
هي قرية مصرية تطل ببيوتها وعائلاتها على النيل مباشرة ، وليس غريبا أن تسمع من بعض المتعلمين فيها أن رجالا ونساء عاشوا وماتوا على أرضها ولم يروا محطة القطار قط ، فهم يرون القطار وحشا خرافيا لذا يهابونه وخاصة عندما يرون كثافة الدخان الذي يتصاعد من منخريه على حد تعبيرهم .. يلوحون بأيدهم غضبا عليه كلما مرّ ، وترك ادخنته ، تتصاعد صانعة سحبا تتهادى فوق سماء القرية ساعتها يتخلى الأطفال عن تشكيل الطين كالعريس والعروسة ، فيرون أدخنته كل يوم وهي تتشكل كالإنسان والجان والحيوان ، فوق حقول القصب التي تجاور شريط السكة الحديدية ، الجميع يعرفون أن هذا القطار للسفر إلى كل البلاد ، وهم لا يسافرون ،يقولون : شرط السفر ... حاجة في القلب والبصر
أو أن تضيق علينا بيوتنا ...
أو نتطاول .... فلا يسعنا .. سريرنا الحجر ....
وفي رواية عن أحدهم أنه كان يقسم لهم في محافلهم عقب مراسم الجنازات أو عقب مراسيم الأفراح ، أن هذا القطار من العجائب فهو يسير بالنهار والليل ولا يتعب ، كما أنه ويقسم لهم على ذلك انه لا يأكل ولا يشرب ..... وأما من كان حظه من السماء وشاءت له الأقدار أن يسافر بالقطار فعليه أن يتزود بالمش والعسل والبيض المسلوق فالطريق طويل وعليه أن يتجهز منذ مساء اليوم السابق بأن يبدأ بالاتفاق على استعارة ، أكثر الحمير صحة وعافية وكذلك ثلاثة أو أربعة من الرجال يودعونه حتى محطة القطار وهم يهرولون خلف الحمار الذي يمتطيه المسافر.... للمعونة والحماية من اللصوص والعفاريت التي تقبع خلف كل شجرة وكل جُميزة وخاصة ما قيل عن العفاريت التي استوطنت دغل النخل والأشجار الواقعة ،خلف المستشفى الأميري والتي ما عاد منها أحد دخلها سواء بعلة أو بغير علة مطلقا ، فترى كلّ مريض ، وهو محاط بالمودعين ، ولا أثر للأطباء فيها ، شخص واحد يقوم بكافة المهام فيها هو" عباس ابو دردير " فيجيء إليه المريض محمولا على ظهر أحد الشباب في عائلته ، دخولا من الباب الرئيسي ، فلا يبيت المريض إلا يوما واحدا أو يومين ثم ويحُمل ثانية لكنه في هذه المرة على نعش فيودي به إلى الجبانة التي تقع خلف المستشفى عبورا من بابها الخلفي .....فيجمع "عباس " ما تبقى من " الراوند " حيث لا دواء آخر للمرضى ، ليستفيد ببقاياه مريض آخر ، سيجيء اليوم أو بعد أيام
و لكل واحد وواحدة في القرية حكاية حقيقية عن العفاريت ، يرويها فقط في ضوء الليالي المقمرة وفي غير هذه الليلات لا تُتَداول الحكاياتُ ولا يكون سهرٌ ولا يكون السمر فالحكايات في الليالي المظلمة تستحضرُ أرواحَ العفاريت فتطلُ على جمع المسامرين ليصرخَ الذي وقعت عيناه على عفريت امرأةٍ تدعى "جمال " والتي لا تخرج في غالب الأحيان من الساقية التي على مشارف كرم النخيل ، إلا على الرجال انتقاما ، من زوجها الذي فصل رأسها عن جسدها ، أمام جميع رجال القرية ، يوم سحبها من شعرها ، من فوق سرير الخيانة ، أو على عفريت " جابر التختوخ " الذي سقط ميتا قبل ان يصل الى الارض من فوق نخلة " معروف الروسي " ليهيمَ عفريته على وجهه مطرودة ً روحه من عالم الأرواح ، فهي لم تتعلم لغة الولوج إلى عالمها قبل موت الجسد ، وأكمل الشيخ للسامعين ، لذا فروحه تائهة بيننا وبين مسكنها الذي افتقدته ، فما عادوا يشعلون النار عند حضوره وهم يعرفون أنه في وكر العفاريت يأوي جميع العِرَسْ التي تسرق الذهب وهو الذي يحرّضها على أن تقضم أرجل النائمين والمسالمين في الليل ، ويحكى بأنه يتربع فوق التوتة العجوز فيسب جميع الناس بأمهاتهم ثم يمضي متوعدا اياهم في الليلة القادمة ، قبل بزوغ الفجر بنوره الذي تهابه العفاريت ، فإذا برجفة يصاب بها الجميع فيتركون كل شيء على حاله ، فقط يتخطفون أطفالهم ليندسَّ كلٌ منهم في داره وعلى وقع المغاليق الخشبية تسمعُ أصواتهم المرتعشة وهم يطمئنون على بعضهم البعض من خلف الأبواب المغلقة ، ثم لا تسمع إلا صوت الوشوشة العالية والتي يبثها جريدُ النخل وهو يتملصُ من زغزغة الهواء له حتى بزوغ الشمس ......
2
كنت أنا المسافر غدا فتجهزت من مساء اليوم باستعارة حمارٍ ، يملكه حامد أبونْعِيمة ، وهو أقرب للبغل منه إلى الحمير وفي اليوم التالي وقبيل الظهيرة تحرك الموكب ،أنا وأربعة من الرجال متسلحين بالعصي و " الشماريخ " امسك احدهم بلجام الحمار ، وثلاثة من الخلف ، وعيونهم تتقلب في الطريق المتبقي ، وليست مُهمِلة مراقبة الطريق الفائت ،و ما اجتمع الرجال إلا وكان الحديث في الجنس ثالثهم إن كانوا اثنين ، أو ثلاثة فيكون رابعهم وخامسهم إن كانوا أربعة فإن كنا خمسة كان هو سادسنا فلما بدأ "شحات " يتحدث عن النساء وكيدهن ، عرج ليحكي حكاية زهيرة الشهيرة فامتعض الرجالُ الثلاثةُ من رغبة " شحات " أن يقصّها عليّ فَتَقْصُر الطريقُ بها ، فقد حفظتها النسوة ويقصصنها بافتخار ، واتعظ الرجال بها وسمعوها ألف مرة....
ترك " شحات " لجامَ الحمار ... آخذا في ألحكي.... قال :
" جذبت " سكينة" يدها من بين أصابع كفه الغليظة ... ترك يدها تتفلت من بين اصابعه ، متحاشيا تنامي غضبتها ، قالت : ما بك يا رجل !!! أتمنعني من الذهاب إلى جنازة جدي ... هل فكرت فيما سيحدث بيني وبين عمي ، إن لم يرني "مُطيَّنة" بالطين وإن لم يرى حبل الليف الغليظ ملفوفا ّ فوق بطني ... وهل تقدر على غضبته إن افتقدني بين النادبات ... هناك ... ماذا يقول عني وعنك ، وقد تحرك التراب ولن يهدأ الغبار على جسر الجزيرة تحت اقدام القادمين من كل قرى ونجوع " اولاد عمرو " منذ شاع خبر وفاة جدي أبو" درباس " و أنت مازلت جالسا هنا و تجلسني الى جوارك لأ تسلى معك بالحكايات ... هل نسيت انك رجل من رجال " درباس " وكان مفروضا ان تكون اول الرجال ، الذين يصطفون ، لإستقبال القادمين للعزاء ، رفع واحد من الثلاثة اتباعنا عصاه ليلكز بها شحات قائلا له : قل لإبن عمك ، عن اسم الرجل ، فاعتذر شحات ، وأخبرني بأنه " طايع أبو الكلب " وأكمل من حيث انتهى ، فقالت له
أنت رأيته وهو خارج ، ليكون على رأس أبيه المتوفى، ولم تلحق به ، وما فعلتها قبل ذلك البتة ، كان يكفيك أن تسمع ، دقة عصاه على الأرض فتهرول للحاق به فماذا حدث بينكما حتى تركته يمضي وحده وما الفائدة منك إن لم يجدك إلى جواره الآن.... فمتى يجدك إذن ؟ وهل تراه سيغفرها لك ، فقال لها ، ما خرجت له يا امرأة رحمة به ، فلو عرف أني رأيته وهو يبكي ورأيت دموعه وهي تتقاطر من بين شعر شاربه ودموعه أكثر غزارة من دموع الحريم .... سينكسر قلبه يا امرأة ، وأجرح رجولته يا امرأة ، فيصبح خطره عليّ أكثر يا امرأة ... فَتَرَكْتُه يذهب وحده ، ليبكي وحده ، ويهدهد ضعفه المدفون تحت ابطيه وحده ، أنا وحدي من الجزيرة الذي رأيت "درباس " اليوم ضعيفا باكيا ، وهو الذي لم يبك في حياته قط ....!!!!! قالت المرأة وهي تُقَطِعُ الحروف حرفا حرفا ...... تقول "درباس " بكي اليوم ورأيته بعينيك اللتين سيأكلهما الدود ........ قال لها بحروف تتمطى ... نعم ... رأيته اليوم خارجا من داره إلى جنازة أبيه وهو يبكي بدموع أكثر غزارة من دموع الحريم ... فما كان من المرأة إلا أن امتشقت طرحتها وخرجت ولها ثغاء كنعجة وتردد اعتراضها كالاوراد الصوفية ، إذا بكى "درباس" فليس على أبيه يبكي بل هي مصيبة .... فَصَاحَبَها زوجُها حتى باب دارهما وهو يردد في أذنيها
، هذا ما أردتك فيه ، أن تخبريني كيف يبكي عمك "درباس " وهو الذي لم يبك على أمه " شهربان " ألا تذكرين يومها حين هوى بكفه الغليظة على ظهر أخيه " عواد " حين رآه يبكي أمَه وأمام جميع المعزين في أمه يصرخ فيه مستنكرا " منذ متى يبكي الرجال في بيوتنا ثم رأينا عواد يشهق بين المُعَزّين حابسا دموعه خجلا وخوفا من "درباس "
قالت ... أي نعم والله ما أظنه يبكى على جدي ... إن هي إلاّ مصيبة أكبر من ذلك بكثير .. نطقت بجملتها وهي تلقي بطرحة رأسها على وجهها وما برحت تضبطها حتى دخلت بيت عمها " درباس " مهمومة بمعرفة الأسباب التي أبكت رجلا لم يبك قط ، لتصرخ في امرأة عمها" زهيرة " ، ما الذي حدث يا امرأة حتى يخرج عمي من بيته وهو يبكي كما النساء وهو الذي لم يبكِ في حياته قط .... ثم ما بالك ترتدين الفاتح من الملابس وكل نساء الجزيرة اتشحن بالسواد ، ولم تفكي ضفائرك بعد .....
قامت زهيرة من مكانها ثم احتضنت المرأة ، أجلستها قائلة لها سأخبرك لماذا بكى "درباس " .. هل تذكرين يوم مات أبي منذ سنة كاملة كنت على هذه الرحاية اطحن علفا لبهائمنا وأشارت على رحايتها ، وإذ ا "بدرباس " يدخل علينا ، آمرا أولاده بالذهاب إلى بيت جدهم ، ثم جلس في مواجهتي فيقول محزونا أو ربما كان يتصنع الحزن وهو ينظر في عيني ، الأمر لله وحده ، ولله الدوام وحده ، قلت في من....؟! قال في الحاج رضوان أبوكِ
صرخت مولولة في وجهه ، فغطي فمي بكفه ، ثم راح يطبطب على ظهري ، أمسك بزراعي ، و أدخلني إلى غرفتنا أنا وهو ، كان يتودد بطريقة ما عهدتها فيه ، قال ستقضين يا "زهيرة " في بيت أبيك أربعين يوما وسأكون فيها هنا وحدي ، وتعرفينني لا أقوى على تحمل ابتعادي عنك أكثر من ثلاثة أيام ، ثم أجبرني على تأجيل ذهابي إلى جنازة أبي
فقلت له وأنا باكية ، هيت لك يا "درباس ، لكنه أمرني أن استحم ، وان تختفي علامات الحزن من وجهي ، فهذا الحزن يُضْعفُ هِمّته ، فتحممت وواريت حزني ، وتمددت كنعجة ماثلة للذبح،
تعرى أمامي ، لكن عيني لا ترى إلا عري أبي و " أمين الفحّار" المعني بالموتى في قريتنا يغسله هنا على هذا السرير و "درباس " يقلبني ذات اليمن وذات اليسار ، وكذلك أبي يقلبه" الفحّار" ، ذات اليمين وذات اليسار أيضا ، هناك يصبون عليه الماء تغسيلا ، و "درباس " يتصبب عرقا على وجهي وصدري ، فيغسلني من نحري إلى الفخذين ، ويعوى فوق جسدي ضبعا فوق جيفة ، وفي بيت أبي صراخٌ ، ومائة شبر فقط قستُها بهذه اليد يا " سكينة "، قالتها وهي ترفع كفها قدام عيني سكينة ثم تكرر ، مائة شبر بمقياس يدي تفصل بين الصراخ على فراق أبي وبين عواء "درباس " على جسدي ،..والصراخ والعواء كلاهما يتعانقان في أذني ، أبي محمول على نعشه ، وأنا محمولة على صدر " درباس " ، آهتان على سرير واحد ، فيتأوه "درباس " وهو ينزل ماءه في لحمي وآهة تعلق في حلقي ولا تنقطع ، تشبه النحيب ولكن "درباس " ظن به الظنون التي تناسب رجلا يحتاج شهادات دائمة من المرأة بأن رمحه مازال قادرا على استهداف مكمن الألم الجميل ،
قام يجرجر غروره إلى حمَّامِه ، ثم اعتدلت فارتديت السواد ثانية وحللت شعري ، وفي البركة التي بين بيتي وبيتك يا " سكينة " قبل أن تُبنى بيتا لابن عمك "عزاز " تَمرغتُ في طينها ، وأسبلت الطين على شعري ، وسرت في اتجاه بيت أبي ، لأندب أبي مع النادبات وأستقبل النساء المعزيات ، وحجلت مع الحاجلات ، ومازال ماء "درباس " ساخنا يسيل بين فخذي ، فانفجرت سكينة متألمة للألم الذي يشيع في عيني زهيرة ، لتسب عمها وهي تحتضن زهيرة وتلعن كل الرجال ، وشهوة الرجال العبيطة الحمقاء ......قالت ولكنك لم تخبريني كيف بكى "درباس " ، فأكملت زهيرة : كنا نجلس على "طبليتنا " وأتذكر " يا سكينة " على نفس الطعام الذي كنا نأكله يوم مات أبي .... ودخل علينا "رفاعي " ابن أخته ، فصرخ فيه "درباس " ، قال لو قلتها لقتلتك ... فلم يتكلم الولد ... نهضت إليه ، مبعدة إياه من أمام خاله ، فتكلم الولد واخبرني أن جدّه ... أبو "درباس " مات منذ نصف ساعة ... قلت له خذ أولاد خالك واذهب ودخلت إلى "درباس " قال لا تخبريني قلبي يحدثني أن أبي .... قلت له ... نعم فقام وارتدى عباءته والتقط عصاه الغليظة وهم بالخروج ، بعد أن وضع قدميه في "بُلغَتِهِ" ... فَسَبقْتُه ووقفت بينه وبين باب الدار ... فنظر إليّ ، فهمت من نظرته انه تذكر يوم اعترضني هنا في نفس المكان لكنه حاول بمسلكه أن يجعل اعتراضي غريبا عليه ، فلا افطن أو هكذا كان يريد إلا أتذكر يوم مات أبي .. قلت له ... لا يحتاج الأمر إلى مناورات فأنت مدينٌ لي يا أبا الرجال ولن تستطيع جزيرة الطوابية كلها ولو اجتمعت مع نجوع أولاد عمرو وأشقياء "السمطا " رفقاء الليل على ألا تسدد ما عليك لي ما استطاعوا ولن يحول بيني وبين أن تسدد ما عليك إلا أن تقتلني الآن فوق هذه العتبة ، فبُهت "درباس " من طريقتي في الكلام وإصراري فهو على مدى عشرين سنة لم يسمعني ولم يرني كما رآني اليوم فقد رأى قطة تتحول حيّة منتصبة العنق وتدق أجراسها قدام فريستها لتنتقم وتدفع عن نفسها عار يوم استعملها " درباس " ، كما لو كانت وسادة لكنها من الجلدِ المثقوب ، وليس ذلك فقط بل رشًّ ماءه على جثة أبي وهو ممدد بالموت تحت نَهْدَيَّ ، جحظت عيناه ..يدقق فيما توعدته ، وفي عاقبة مسلكه ... لكنني ابتسمت ، فنبالة مقصدي ، أن أستعيده رجلا في نظري ويقيني واستعيد نفسي من جارية مبتذلة إلى سيدة للقصر والدار ، ألهمتني قوة وشجاعة، فتعلقت في زراعه وقلت له ... هَيت لك .... إلا تذكر ...فتقدم معي وكأنه المسحور ، فقرأت في وجهه وعينيه ، حزنه ، وضعفه ، وخوفه من الفضيحة بعد أن أقسمت له ، أن لم يفعل اليوم ، ما فعله من احد عشر شهرا ، لخرجت ـ وأنا صادقة ـ وأخبرت سكان الجزيرة والذين سيحكون بدورهم لكل النجوع وستصل الحكاية وتشاع في مدارس قنا والجامعة ويكفيك شهرة قلت له انك " أنت الذي يجامع الموتى " ويصب ماءه في الوسائد الجلدية المثقوبة ، فتحول "درباس " إلى كيس كبير من الجلد ومنفوخ أعلاه من الغيظ و ولكن أسفله غير قادر على الانتفاخ ,..... ثم أخذت اقلِّبه ذات اليمين وذات اليسار ، فلما لم يستطع معي صبرا ، قلت له ، هل سمعت يا "درباس " عن أسد ألقى بنفسه فوق غزالة نافقة ، أو ألقى بنفسه فوق جثة ميتة ..............
منذ عام في يوم كهذا كنت ترمح فوق جثتي ، وما دريت انك بفعلتك قد تحولت في عينيّ من أسد بين الرجال إلى ضبع يقتات الجيّف ، أو نباشا لقبور الموتى فتجامع امرأة ماتت في ليلتها الأولى ،ولأول مرة أدرك انك واسمك الذي يعني الكلب العقور متشابهان هل لا تقوى الآن على مجامعة الأحياء .... هل استطبت جماع الموتى..... أو تعرف .. لا يقوى على ذلك إلا من ماتت نفسه...قال وكيف لها أن تحيا يا زهيرة ، فضممته في صدري ، وهمست في أذنيه ، لو استطعت ..... ستحيا ، صار دمه البارد نارا ثم صعد ونزل وله زئير ، بلل صدري ووجهي ، ليس من عرق ، بل غسّلني من عاري بدموعه فغفرت له ولنفسي ، ساعدته أن تنفجر حظيرة أولاده في رحمي .... فانفجرت ... في نفس اللحظة ، رأيت بعيني ورآه معي .. ضبعاً مطرودا تتنزل من أنيابه جثثا نافقة لألف جارية وأمة والآلاف من المحظيات يخرج من تحت الإبطين لدرباس فتخفف " درباس " من أحمال عاشرها منذ خرجنا من جنتنا الأولى فلما تخفف من هذى الأحمال رآها وأراني اياها هذى الحية العمياء الساكنة في جسدي ، قفزت حين رأيناها لتهرب من نافذة غرفتنا ، سقطت في ساقية بجوار البيت ، فتحممنا سويا ولأول مرة من هذا الماء الصاعد جراء سقوط الحية ثم ارتدى ملابسه على عجل ، لملم كل الجثث النافقة في غرفتنا في صرة ألقى بها على ظهره ، ثم قال في مقبرة أبي متسع لجميع الموتى"
3
.وعندما أفقت من هول حكاية شحات عن زهيرة الشهيرة سألته ، لقد تأخر القطار ، ضحك شحات وضحك الرجال معه ... كيف لم ترى القطار يا ابن عمي وقد جاء بصفارة وانطلق بصفارة تماثل بوق اسرافيل يوم القيامة فلم تتنبه ومضى ، وكان اول المسافرين فيه من جزيرة الطوابية زهيرة و" درباس " ، فانتَفضتُ واقفا من غضب ، لأقول : هل هو قطار مسحور حتى يأتي ويمضي ولا اراه ولما لم اجد فائدة من صراخي في أولاد عمي قلت : حقا إن زهيرة و"درباس " فقط هما اللذان يستحقان السفر بالقطار ، أما أنا فلا استحق إلا العودة فوق حمار ابن عمك أو أنتظر إلى ما شاء الله حتى يجيء القطار الذي لن يجيء ، فقال شحات، يقينا سيجيء قطار آخر يا ابن عمي في غضون القرون المقبلة
قلت أجننت يا شحات ، أتريد مني أن انتظر قرنا قال شحات ، أو قلت قرنا ؟ أقصد الأيام المقبلة ، ولم ينهي جملته التي استحضرها ، مواساة لي ، إلا واشتعلت المحطة بالصراخ والعويل ، عندما أعلن ناظر المحطة ، عن فحوى الإشارة التي وصلت إليه في التو واللحظة ، بأن القطار الذي حمل كل من زهيرة و"درباس " قد خرج عن مساره !!! وأوغل سيرا في الصحراء !!! ليستقر به الحال بجوار خيام البدو !!!! فانتقلوا فيه وامتلأت عرباته بنعاجهم !!! ودِلال القهوة ،اثنان وعشرون عربة غرست عجلاتُها في رمل الصحراء !!! من يومها توقف الناس في جزيرة الطوابية عن تقصي أخبار العفاريت التي على الجسر أو خلف المستشفى الأميري ، وأصبح لكل واحد وواحدة حكايته عن القطار الذي فقد عقله فاجتذبته رمال الصحراء القاحلة !!! وروى احدهم أن زهيرة و "درباس " أمسك كل منهما بيد الآخر ، فتحولا طيرا كحمامتين ، طارا سويا فوق البحر ، وألقى كل من "درباس " و " زهيرة " بالعباءات المطرزة وبقايا خيمة علقت في أجنحتهما ، قال الراوي ، ستحط العباءات المطرزة وبقايا الخيمة على قريتنا غدا بفعل الريح المرتدة ، وسنصنع منها أحجبة للأحياء وللموتى