- التفاصيل
- كتب بواسطة: هناء الجلبي
- الزيارات: 12
( عندما يموت الضمير )
في ليلة مقمرة من ليالي سبتمر المنعشة بنسائمهِ الفاترة وكانت الليلة قد تجاوزت نصفها وكانت المدينة في سكون لو أستثنينا منها أصوات بعض السيارات الساهرة بعد أن هجعت سكانها للنوم وتوارت العصافير في أحضان الأشجار القائمة على أطراف الساحة ومن خلال ألأنوار الخافية المنبعثة من العمارات والبنايات الشاهقة لتزين المدينة من ردائها الأسود ليتبين لنا وعلى الجسر القائم على نهر دجلة رجلاً يتمشى متعرجاً يتمايل في مشيتهِ ثملاً كعادتهِ في كل ليلة وعلى شفتيهِ أغنية يرددها بلا إدراك أو تفهم لمعانيها وهكذا ساقتهُ قدماهُ الى نهاية الجسر حيث ألتقى بفتاة كانت تجلس القرفصاء وهي مرتعشة. فأقترب منها ليجلس الى جانبها بنفس الجلسة ويسألها.
- مًن أنتِ؟ وما الذي تفعلينهُ في هذا المكان والزمان؟
فرفعت بصرها تنظر اليهِ بصمت ليتبادلا نظرات الأستغراب فهو راى فيها أو أراد أن يرى فيها واحدة من بنات الليل اللواتي يتسكعن الشوارع في مثل هذا الوقت لكنهُ أدرك في داخلهِ بأنها صبية بريئة وقد تكون لها قصة عجيبة. أما هي ومن خلال الضوء الخافت المطل على وجهه رأت في هيئتهِ رجلاً لم تشعر في داخلها بانهُ رجلُ ككل الرجال الذين تسمع عنهم ولم ترهم. وهنا ردت بخجل وخوف
- ليس لي مسكن يأويني مثل بقيت البشر. فانا منذُ أن طردتني زوجة أبي أنام على الأرصفة مثل الكلاب السائبة في هذةِ المدينة.
- ولماذا طردتكِ زوجة أبيكِ؟
- لأني رفضتُ الزواج من الرجل المسن الثري الذي أختارتهُ لي.
بينما بقي هو ينظر أليها متأملاً وجهها الجميل وجسدها النحيل ثم يحيطها بذراعيهِ القويتين ليضمها الى صدره قائلا:ً
- لا تخافي مني يا صغيرتي سأجعل لك منذ اليوم مسكن تسكنين فيهِ وسريراً تنامين عليهِ. هيا أتبعيني.
فنهضت الفتاة لتتبعهُ بدون رغبة منها كما تتبع الأغنام الذئاب مجبرة ولم تكن تدرك بأن الذي تهرب منهُ هنا ستلقاهُ هناك. وهكذا أحضرها الى منزله وجهزه لها غرفة وسرير ثم جلب لها هدايا كثيرة ملابس وعطور وكانت فرحة بهم وهي تجربهم واحدة بعد الأخرى ..انها لم ترتد من قبل ملابس جديدة فهي كانت تكتسي الملابس القديمة لأولاد زوجة أبيها. وهنا تناول الذئب قميص نوم أبيض شفاف ثم أقترب من فريستهُ قائلاً لها هي قيسي هذا القميص أمامي أريد أن أراكِ بهِ لكن الفتاة كانت خجلة منهُ فأقترب منها مستعيناً بمكره ليقنعها بأنها ستصبح زوجتهُ في المستبل. وببراءة الأطفال أستسلمت لكلماتهِ الرقيقة ومداعباتهِ الحنونة. وهي فاقدة الحب والحنان منذُ أن فقدت والدتها واصبحت تعيش مع زوجة أبيها حياة الموات في زنزانة مظلمة. ومن يومها لم تر عيناها الطبيعة ونور الشمس ولم ترقد على سرير كانت احجار الزنزانة تسجل اثارها على جسدها كل ليلة وفي الصباح لم تجد نافذة تطل منها النور على الغرفة ليشعرها بانها على قيد الحياة. حتى ذلك اليوم الذي وجدت نفسها في الشارع لكي يختار لها القدر أتعس ذئب ويضعهُ امام أرنب بريئ جريح كانت تنتظر أن يداويها ولكن سبب لها أقسى جرح.
وبعد مرور أيام على الحادثة وكعادتهُ كان يتمشى على نفس الجسر وعلى نفس الوضعية الى أن ساقتهُ قدماهُ الى نهاية الجسر ثانية.
وفجأة توقف وهو يشاهد الزخم الكبير على حافة الشاطئ فاقترب أكثر ثم زاد بهِ الفضول ليسأل عن الذي حدث فأخبروهُ بأن فتاة قد رمت بنفسها في النهر. وعندما أقترب أكثر من الجثة المرمية فوجئ بان التي كانت مجثمة على الأرض هي فريستهُ أرادت بأنتحارها هذا أن تنتقم منهُ لكنهُ لم يبالي بالحدث وأكمل مشواره بنفس الضمير الميت.
ومنذُ متى يملك ذلك الرجل بين أضلعهِ تلك الصفة الذي يسمونها الضمير؟ !
هناء الجلبي
العراق - اربيل
- التفاصيل
- كتب بواسطة: علي جدوع جواد
- الزيارات: 12
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ابراهيم أوحسين
- الزيارات: 15
أمسكت العنان...بدأت أجر قوافل الفراق.. لا الحقيقة حقيقة.. لا الليل ليل.. لا الزمن زمن.. ولا الأنثى أنثى.. القلب قحط مدقع، إلا من شرايين قليلة تحمل قطرات ماء.. أزقتي خالية إلا من مهملات وبقايا .. طريقي ثوب طرزته ذكريات بخطوط حريرية من لهب.. كنائسي عاصفة هوجاء تهصر بعزمها الأغصان.. الخضراء واليابسة معا.. هذه نكبتي التي جعلتني حقيرا أمام نفسي وأمام الأشباح التي يصنعها الليل.. هذا ما أسقطني في مزبلة كنت أسميها الحب.. لا الحقيقة حقيقة ولا الأنثى أنثى.. أعلم أنك عثرت أخيرا على شفرة قلبي.. من أعطاك إياها؟.. لا يهم.. فتحت شباكه.. قرأت حروفا كتبها الوريد والشريان.. قرأت أسطرا كتبها القلب بالخفقان.. قرأت قصائد كتبتها طلاسم هيمان.. أعلم هذا كله.. لكنني.. نسجت هودجا للنسيان.. ودعت العواطف التي ارتشفتها من فنجان لهفتي عليك.. أضرمت النار في مجلدات حطت بها أسراب تواقيعك.. كسرت كل اللوحات التي رسمتها بريشة العشق تحت ضوء القمر، المزينة بالدرر.. نزعت رداء الهيام الذي ألبستني إياه حين بكت الغيوم مطرا.. انهارت قنوات الحب وتمزقت أشرعته وكل شيء بيننا تحول إلى جثث وبقايا أطلال.. لا زلت أذكر كل شيء.. لا زلت أذكر عندما شربت من شطآن بحرك المالحة.. لا زلت أذكر عندما أرقت دمي أمواجا يستمتع فيها المد والجزر بالمد والجزر.. لا زلت أذكر باقة الورد التي أهديتني إياها، فجرحتني الأشواك، ثم نثرت في شقوق الكلوم ملحا أجاجا.. وهل ينسى الشاطئ اختطاف البحر لحبيبات رماله؟ لا الحقيقة حقيقة ولا الأنثى أنثى.. من القلب للقلب رسول.. الحكمة النبوية تقول: الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها إختلف.. أرسلت لك ملائكة تهدهد روحك وتداعب خصلات شعرك.. فأرسلت شياطين تنخرني بحرابها المسمومة.. فأصبحت جثة تتهادى على هامش الحب.. مزبلة الحب.. تجمع مهملات كل أنثى تتقن تمزيق القلوب ورسم الجراح.. جثث كثيرة.. ضحايا كثر.. قتلى وجرحى.. إنها حرب الحب.. إنها الأطلال المهدمة.. إنه الوهم النفسي.. إنها الحقيقة العارية.. هكذا أبدو كسطر باهت غامض لا معنى له على ورقة صفراء قذرة.. هكذا إذن.. لا الحقيقة حقيقة، ولا الأنثى أنثى..
أنظري لجراحي فقد زرعتها.. كنت أسقيها بالصبر والحلم.. كبرت.. ها هي النتيجة.. ورود متلألئة.. زئبقات وبنفسجات مشرقة.. الجراح قوة.. الجراح نواة عزيمة وإصرار.. أعلم أن الإله لن ينساني ما دمت أغطي الأشجار العارية.. ها هي ذي النتيجة.. حياة أخرى.. أفق آخر يلوح من بعيد.. شمس أخرى.. أشعة مستقيمة تقبل موطئ قدمي.. لكم بعثت روحا في الفيافي بعد أن زرعتها أزهارا وورودا تنبض بالحياة.. لكم بعثت روحا في الأوراق بعدما خططتها بسيل من الحروف والكلمات.. ولكم بعثت في قلبك روحا حين علمتك كيف تحبين.. هل نسيت ذلك؟ هل تنكرين أنني من علمك كيف تحفرين إسمي في هيئة قلب على جدع شجرة؟ هل تنكرين أنني من علمك إرسال زجاجة تتوسطها رسالة أسطوانية على ضفة النهر؟ هل تنكرين أنني من علمك كيف تمزقين صمت الليل كلما ألقى وشاحه على جفنيك؟ هل تنكرين أنني من علمك كيف تقضين على التردد، وكيف تدفئين بقايا الأشجان إلى الأبد؟ كيف تنكرين أنني من علمك الجلوس تحت الشمس في وضوح وقوة وصراحة؟ كيف تنكرين أنني من علمك خفق القلب بخفقات حلوة وبمذاق خاص، وخطو خطوات رشيقة بإيقاع موسيقي جميل، وتحويل شحوب الوجنتين إلى حمرة خفيفة توحي بالحب والحياة والأمل البسام؟ كيف؟ لا الحقيقة حقيقة ولا الأنثى أنثى.. سأظل أردد مقاطع الحزن من أغنية الحب اليائس حتى تفقد حدتها.. سأظل أتذكر الصفحة التي بعثت في قلبي حقدا عاتيا كالشيطان لا يموت.. سأظل أتذكر لحظة الحلم..مرت خاطفة حلوة.. تحولت فيها لحظات الحب إلى آلام ومأساة.. أحزان.. مأثم.. سأظل أتذكر قيود الخيانة التي أثقلت سيقاني النحيلة، وألصقت قدماي الحافية بالأرض حتى أصبحت معاق الحركة.. سأظل أتذكر الآذان الصماء التي رفضت سماع صيحاتي.. عقلك المغلق الذي رفض أن يفهمني.. سأظل أتذكر حينما وجت فوهات المدافع باتجاه صدري.. والموت لا يحتاج إلا إشارة بسيطة لأكون هباء منثورا في الفضاء.. سأظل أتذكر عندما أخذت مناجل الموت، فحصدت عروقي.. الموت شيء تافه ولعبة طريفة.. تمنيت أن يكون ما رأيته معك مجرد حلم من الأحلام المزعجة التي أراها في منامي كثيرا.. لكن الدم يصرخ.. لا بأس.. لا الحقيقة حقيقة.. لا الأنثى أنثى.. ولا البنادق الفارغة تطلق رصاصا!!!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رفعت شميس
- الزيارات: 13
ذكاء حمار
فقال الحمار الصغير وهو ما يزال يعدو : وما أدراني أنك لست ذئباً بقميص حمار .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: علاء الدين حسو
- الزيارات: 14
برقية
وصلت البرقية متأخرة ، ليست متأخرة عن موعدها وإنما بعد أوانها ..لو أنها وصلت قبل ثلاثة أعوام لتغير مجرى الحكاية والحدث والأرجح لن تكون هناك سببا للقصة أصلا.
من يتصور بان ست كلمات كانت كافية لمنع حدث قد حصل سيبقى أثاره حتى نهاية البشرية، وسيمتد الى ما لا نهاية في العالم الأخر الذي نؤمن به .
انتظرته سعاد خمسة عشر عاما ، سبعمائة وثمانين أسبوعا ،خمسة آلاف وأربعمائة وخمسين يوما ، مئة وواحد وثلاثين ألفا وأربعمائة ساعة ، لم تنتظره بلهفة كل هذه السنوات ،اللهفة والشوق كانت في السنوات الخمس الأولى ،تحول بعدها الى التزام أخلاقي لخمس سنوات أخرى تنتظر ابن عمها الذي سافر الى استراليا لتامين المستقبل وانقطعت أخباره بعد ستة أشهر من رحيله ، وخمس سنوات الأخيرة ادعت انتظاره وقد أحست بان فارق الشيخوخة يتقلص أكثر فأكثر .
سعاد لم تحسب كما كتبت وإنما كنت احسب بدلا عنها وارقب اللحظة التي تنهي فيها التفكير به كل يوم يجمعنا
فيه مكان العمل ..وكان القاسم المشترك لحدثينا فتعرفت عليه من خلالها ورأيته مرة واحدة قبل سفره وان كنت حفظت كل تصرفاته ومشاكله وأحلامه ..
قرأت نص البرقية مرة أخرى..لم تكن برقية بل رسالة أرسلت عبر البريد في زمن حلت الرسائل الالكترونية مكان البرقية والرسائل إلا أنها كانت مختصرة جدا كأنها برقية في ثوب رسالة ..
(سعاد لقد خرجت لتوي أنا قادم ) ..هذا هو النص لا سلام ولا تحية لاشوق .. ولكن كل حرف يدل على الشوق واللهفة والعجلة..
أدهشني طابع الرسالة البريدي لم يكن من استراليا ولا بلد غربي إنما من البحرين ترى ما الذي حوله الى البحرين ومتى أصبح في البحرين ؟
ساعي البريد الذي أعطاني الرسالة بصفتي زوج سعاد سألني بفضول عن درجة قرابته لي فقلت انه قريب سعاد
وتردد في البدء تسليمي الرسالة إلا انه عندما تأكد باني زوج سعاد عبر زميلي الجديد في العمل بعد استقالة سعاد
أعطاني الرسالة منتظرا مكافأة لتعبه فلم أخيب ظنه ..
استغربت سعاد شكلي وهيئتي لحظة دخولي البيت كأني احمل ثقلا اكبر من طاقتي ،وهمست في إذن طفلي الصغير أن لا يزعج أباه انه قادم من عمله متعبا فتراجع الصغير وانشغل بإحدى لعبه ..
- لك رسالة .
بفضول أنثوي سألتني :
- رسالة
وبغيرة رجل شرقي امتنعت عن ذكر اسمه إلا أني قدمت لها الرسالة
تناولت الرسالة وقد رأيت في عينيها صورته يوم دخل علينا في الشركة تعرفنا به كانت مغرقة بحبه وكانت لا ترى غيره تابعت عينيها وهي تمر على السطور بسرعة رمت الرسالة ونظرت الى طفلنا فنهضت نحوه تضمه
وبقيت الرسالة على الأريكة تنظر إلي تطلب مني شيئا يخصها..
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد ابراهيم محمد عمر
- الزيارات: 11
الهدية
أقبل العيد وفرحة مشوبة بالحزن والترقب تسيطر علي (الحى العربى) بمدينة القدس.. ثمة بقايا بيت فلسطيني متهدم.. آثار القصف والتنكيل تبدو علي كل حجرة من أحجاره.. بالداخل رجل يضع أمامه طست من الألمونيوم.. بجانبه إناء لماء الإستحمام.. يبدو علي الرجل أنه منهمك في غسل جسد ابنه- غسان- إبن الست سنوات.. لم يكن سويلم يشغل نفسه فيما مضي من حياته بمثل تلك الأمور.. لولا أن رصاص العدو- الذي انتزع منه زوجته-اجبره علي التفرق لمثل هذه الامور.. لقد خلف رحيل زوجته- ليلى- فراغاً هائلاً في حياته وتصرفاته ..
حمل ابنه من علي الطست ثم وضعه علي السرير.. وقد لفه بثوب تركته المرحومة أمه.. وبعد أن جفف جسد الصغير من الماء أخرج سروالاً صغيراً شده علي وسط الصغير.. ثم أغلق زرار القميص علي صدر البراءة المطلقة.. ثم شد حذاء- يبدو عليه التقادم- علي قدمي الصغير.. ثم قال وهو مبتهجاً لذلك :
-والآن ماذا تتمني أن أشتري لك ياغسان يا إبني ؟..
يبدو علي الصغير- بالرغم من صغر سنه- أنه غير مسرور لذلك.. بل ليس لديه أي رغبة في إمتلاك أي شئ..
لايسر ذلك اباه فيقول محمساً :
-هل أشتري لك عروساً؟!.. أم أشتري لك سيارة ؟! أم قطاراً أم طائرة ؟!..
يحملق غسان في وجه أبيه.. يبدو أنه لايرغب في امتلاك أية لعبة من تلك الألعاب التي يتمناها الأطفال ويسروا لمجرد سماع إسمها.. أحس سويلم بفداحة فقد زوجته( والدة هذا الطفل).. وان قتلها أمام عيني صغيرها جعله يعزف عن الحياة ومسراتها.. يحتضن سويلم ابنه.. يربت بيده علي رأس الصغير.. تغلبه الدموع.. فتنهمر علي رأس الصغير.. فيرفع رأسه مدهوشاً بقوله :
-هل تبكي يا أبتاه ؟! لقد قالت أمي أن الرجال لايبكون !..
ضم سويلم جسد ابنه إلي صدره.. وقد راقه وأثلج صدره مانطق به ابنه.. وقد ضاعف سروره وأجتث حزنه ما قاله غسان بعد ذلك :
-إن كان لابد من ذلك يا أبتي أشتر لي مسدساً..
بالرغم من أن سويلم قد سر لطلب ابنه و رغبته في هديه العيد.. إلا أنه يعلم أن تحقيق ذلك ضرباً من المستحيل تحت هذا الحصار المضروب على الحي.. ولكن لديه رغبة عارمة في إحضار الهدية حتى ولو كلفته هذه الهدية حياته.. يقبل ابنه ثم يطلب منه عدم الخروج من الحجرة إلى بهو المنزل مهما كانت الظروف.. ثم غادر سويلم الحجرة بعد أن حصل علي وعد من ابنه بعدم الخروج ...
إسترق سويلم النظر عبر الفراغات التي خلفتها القذائف على سور المنزل.. أبصر ناقلة جنود تمر على مقربة من سور المنزل.. ترجع برأسه إلى الداخل.. وبعد أن مرت ناقلة الجند أخرج سويلم رأسه من فراغ بالسور.. أحس بهواء الحرية يعبر من أنفه إلي صدره.. فمنحه ذلك دافعاً قوياً إلى الخروج.. أخرج نصف جسده عبر الفتحة التي بالسور.. أقبلت ناقلة جند من الطريق المقابل بسرعة نحوه.. تراجع بجسده كضب متمرس.. يبدو أنهم لم يروه وقد مروا بالطريق.. وقد مل هو من الإنتظار.. تذكر بانه قد قطع عهداً علي نفسه بأن يحضر لإبنه الهدية التي يرغب فيها.. وقد وعده ابنه بعدم الخروج من الحجرة فوفى بعهده.. وقد مرت نصف ساعة وهو يتوجس خيفة من الخروج ولم يفِ بوعده بعد.. وقد آلمه أن ابنه في انتظاره..تذكرأن الفرحة التي ستشع بعيني غسان تستحق المخاطرة.. أخرج سويلم جسده دفعة واحدة عبر فتحة بالسور.. لم يكن يعتقد أنه يمتلك شجاعة كهذه في وقت كهذا.. ولكنه وجد نفسه مرغماً على ذلك.. ثم أنه يحس بأن الحياة بعد أم غسان لا تطاق ...
يركض سويلم وقلبه يضطرب من الانفعال.. يجتاز الشارع المقابل لبيته.. وقد سره ذلك لأنه يعلم لو أنه إستطاع أن يجتاز الطريق المقابل فسيدخل الحي اليهودي وستقل فرص ملاحقته هناك.. ولم يكد أن يقترب من اجتياز الطريق الثاني.. أبصر ناقلة جند تنطلق نحوه بسرعة مجنونة.. أحس بالخطر وقد شل ذلك تفكيره.. أبصرعلى مقربة منه جرافة إسرائيلة متوقفة علي انقاض بيت فلسطيني.. يبدو علي قائدها أنه نائم وقد فرغ من المهمة التي أوكلت إليه.. لم يتردد سويلم كثيراً.. ألقى بنفسه علي الأرض.. ثم حشر جسده في الفراغ بين الأرض وهيكل الجرافة وقد ردد الشهادة بقلبه أكثر من مرة.. توقفت ناقلة الجنود على مقربة من الجرافة.. يبدو أن الجنود قد أبصروا ما أثار ريبتهم.. ترجل ضابط من الناقلة ثم قال مخاطباً قائد الجرافة
-هل أبصرت شخصاً مر من هنا ؟!..
صوت الضابط الجهوري وسؤاله الصارخ أيقظ سائق الجرافة.. فأدار مفتاح المحرك متصنعاً النشاط والإنهماك في العمل.. فإنتفضت الجرافة علي الأرض.. وانتفض جسد سويلم بعنف.. وقد ثار الغبار مغطياً جسده والموت تحت عجلاتها يهدد حياته.. وقد كان يتوقع الموت برصاص الإحتلال في كل لحظة.. ولكن في أبشع كوابيسه لم يحلم بأن يفرم لحمه وهو حي.. هم بأن يصرخ بأعلي صوته.. ويخرج من مكمنه.. لأنه يعلم حينها لن يتعدي الأمر رصاصة في الرأس ثم ينتهي كل شئ.. ولكنه لم يفعل بالرغم من أنه قد كاد أن يفعل.. وقد تراجع الضابط إلى ناقلة جنوده بعد أن أجابه السائق بقوله :
-لم أر أحد يا سيدي.. ربما رأيتم كلباً أو قطاً أو ربما شبه لكم !..
ولم يقنع الرد الضابط ولكنه مع ذلك عاد إلى جنوده وقد انطلقت بهم الناقلة مبتعدة عن المكان.. وقد أوقف سائق الجرافة هدير المحرك.. ثم عاد إلى نومه.. وقد خرج سويلم من تحت الجرافة زاحفاً حتي إبتعد عن المكان ..
**********
تناهت إلي مسمع غسان طرقات عالية على الباب الخارجي للبيت.. دفعه الفضول إلى الخروج من الحجرة مخالفاً بذلك نصيحة وأمر أبيه.. فتح الباب الحديدي.. وجد ثلة من الجنود يتقدمهم ضابط شاب.. تبدو عليه دلائل القسوة والإستهتار.. أحس غسان بغريزة الطفل أنهم يريدون شراً.. إلا أنه لم يرتجف.. وقف في منتصف الباب وقد بسط زراعيه وباعد بين رجليه كأنما يمنعهم من الدخول.. وهو يقول :
-ماذا تريدون ؟!..
وقد أعجب الضابط من جرأة الطفل فقال متجاوباً :
-إننا نبحت عن أبيك ..
فرد غسان بحدة :
-أنه غير موجود بالداخل ..
فقال الضابط :
-دعنا نتأكد من ذلك ..
- لن أسمح لكم بالدخول ..وقد قلت لك انه غير موجود..
قهقه الضابط حتى إهتزت معدته من الضحك .. وقد هم أحد الجنود بإطلاق النار على الطفل.. ويبدو أنه كان سيفعل ذلك لو لم يلتفت إليه الضابط وهو يقول :
-إياك أن تفعلها يا شاؤول.. إن الطفل لم يكذب.. مادام قد قال أن أبيه غير موجود فذلك يعني أنه غير موجود بالفعل.. ثم أن هذا البطل الصغير يستحق مكافأة من نوع آخر ..
قال ذلك ثم حمل غسان بيديه وألقي به بعيداً داخل المنزل.. فسقط الصغير علي الأرض والدم ينزف من جسده.. وقد أخرج الضابط جهازه اللاسلكي ثم قال مخاطباً :
-من ق (1) .. إلى النسر (24) .. هل تسمعني ؟
فأجاب عليه صوت عبر الجهاز :
-نعم أسمعك بوضوح يا ق (1)
-لقد تم تحديد الموقع ش ق (13) .. نفذ
-علم .. سنفذ
غادر الضابط وجنوده المكان بعد ان أغلقوا الباب خلفهم ..
************
دخل سويلم إلي متجر أحد اليهود.. ثم سأله :
-هل أجد عندك مسدسات الأطفال ؟!
فأجاب صاحب المتجر :
-نعم ..
-كم ثمنه ؟
- ثمانية شياكل ..
وجد سويلم ان المبلغ أكثر من كثير على لعبة اطفال.. بل أنه يكدح نهاره وليله نظير مثل هذا المبلغ.. ولكنه يعلم الجشع اليهودي.. وأن المبلغ لن يغلى علي ابنه غسان.. أخرج سويلم النقود.. ثم نقد التاجر الثمن.. فناوله الأخير المسدس.. فدسه سويلم تحت إبطه.. ثم خرج من المتجر مسرعاً ..
إجتاز سويلم منطقة الحي اليهودي وطرقه.. وبينما هو يهم بالدخول على الحى العربى ..أطبقت عليه دورية راجلة للجنود.. لم يدر متى تم إنزال الجنود بهذا الموضع.. لقد مر به قبل قليل ولم يكن به أحد منهم.. لم يعد امامه مفر وقد سقط في قبضة يد العدو.. لم يهتز ولم يخف.. ولكنه حزن على أنه لم يستطيع ان يوفي بوعده لإبنه..
أمره أحد الجنود أن يرفع يديه عالياً.. فإمتثل سويلم للامر.. وقد صوب الجنود مدافعهم الآلية عليه.. وأصابعهم المتوترة تربت علي الزناد.. إقترب أحدهم منه.. ثم فتشه جيداً.. وقد وجد الجندي المسدس الذي سقط من سويلم علي الارض.. تناوله الجندي من الارض وبعد أن تفحصه بإمعان.. قذف به بعيداً.. ومن ثم ركل بطن سويلم بعنف.. سقط سويلم علي الارض يتلوي من الألم.. ثم ركل الجندى سويلم علي وجهه بعنف.. فسالت الدماء من وجهه على الارض.. وقد كان بإمكانه أن يقاوم وربما تمكن من قتل الجندي بيديه العاريتين... ولكنه يمني نفسه بإيصال الهديه إلى ابنه الذي طال انتظاره.. إكتفى سويلم بمسح الدماءالتي تسيل من فمه وأنفه.. وقد طلب منه القيام.. وقف على قدميه بصعوبة.. تشاور الجنود فيما بينهم.. اخرج أكبرهم رتبة قطعة معدنية من جيبة ثم استهموا عليه.. فصار من نصيب الجندي- إيزاك- ابن العشرين عاماً.. فقال مخاطباً سويلم بصلف:
-سأغمض عيني .. ثم أعد من واحد إلي عشرة.. ثم سأطلق النار.. عليك أن تبتعد هيا..
لم يصدق سويلم أذنيه .. أنطلق مسرعاً.. وقد بدأ العد التنازلي لإطلاق النار.. تذكر أن طلقات المدفع الآلي ستلحقه لا محاله.. ولكنه حث نفسه علي التفاؤال وهو يركض.. وكأنه قد نسي ان حياته معلقة علي بلوغ الجندي للرقم عشرة.. ونسي رصاصات القنص التي ستلاحقه حينها ..
أحسن إيزاك بأن طريدته تبتعد بسرعة.. خشي أن يفلت الصيد من مرماه.. ولم يكمل بعد.. وقد نطق بالرقم ثمانية.. لم يتمالك نفسه.. أطلق رشقة من مدفعه الآلي.. وقد انحني سويلم في ذات اللحظة لإلتقاط المسدس اللعبة.. فسمع أزيز الرصاص يكاد يصم أذنيه فسقط على الاراض في ذات اللحظة التي انطلقت فيها الطلقات بموضع رأسه قبل أن ينحني.. ضج إيزاك من الفرح.. وقد أصاب الهدف.. ثم تحرك هو وصحبه.. إذ أن الامر كان معتاداً عليه بالنسبة إليهم.. ولم يكلفوا أنفسهم مشقة التأكد من موت الضحية بالفعل.. تحركوا بخطوتهم العسكرية النشيطة.. إذ أن امامهم الكثير من المهام التي يجب ان تنجز اليوم ..
.********************
وقف غسان علي قدميه.. مسح الدماء عن وجهه و عن جروح وخدوش يديه.. وقد قرر أن لايخبر أباه بذلك.. ثم تذكر وعده لأبيه.. عاد إلى حجرته مسرعاً.. هم بأن يستلقي علي السرير.. أبصر حية ضخمة تتربع علي السرير لم يتردد غسان كثيراً.. خرج..ثم عاد يحمل عصا كانت خارج الحجرة.. رفع العصا عالياً بكلتا يديه.. ثم هوى بها علي السرير.. انطلقت الحية نحو الباب وقد افلتت من الضربة.. خرج غسان خلفها.. فخرجت بفتحة كبيرة على سور المنزل.. لم يتردد غسان وقد خرج خلفها وهي تتجه نحو انقاض المنزل المجاور لبيت غسان وأبيه.. وقد دخلت تحت احجار البيت المتهدم وغسان يبحث عنها هناك ..
لم ينظر غسان إلى ( الأباتشي) التي تحلق على فضاء بيته.. كما لم يبصر قائد المروحية غسان بين أنقاض المنزل المجاور لبيته.....
دارت (الاباتشي) دورة كاملة ثم اطلقت صاروخاً موجهاً نحو المنزل.. ثم انطلقت مبتعدة عن المكان ..
سمع سويلم هدير المروحية.. أحس بالخوف يعتصر قلبه.. وهو يخشى على ابنه من نيران المروحية.. عض سويلم لسانه من الندم.. لأنه قد أمر طفله بأن لا يغادر الحجرة.. ركض سويلم نحو البيت مسرعاً.. فأبصره حطاماً.. وقد سوي بالأرض.. فهادت الأرض به وكاد أن يسقط مغشياً عليه من الحزن على موت ابنه ..
ومن بين انقاض البيت المجاور خرج غسان وقد أبصر أباه.. انطلق نحوه فرحاً.. حينها أبصر سويلم ابنه فطار إليه من الفرح.. وهو ينطلق نحوه كالسهم ولم يبالِ بالحجارة التي تتطاير من مكونات البيت ..
ثمة جنود إسرائيليون كانوا يراقبون الحدث.. وقد أبصروا الرجل قد انحنى يعانق ابنه.. تحمس أحدهم.. أطلق صلية من مدفعه الرشاش على الرجل وإبنه.. تأرجح الجسدان في الهواء من كثرة الأعيرة النارية التي إخترقتها.. طارت الروحان الي السماء.. وقد سقط الجسدان علي الارض يحتضنان المسدس اللعبة.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حسام سفان
- الزيارات: 13
ليلة مقتل المتنبي
حسام سفان
أخيراً .. بعد عناء عامين كاملين استطاع أن يحصل منها على موعد في الخامسة من مساء اليوم. يراقب عقارب الساعة المسلولة . ستون دقيقة تفصله عنها. وقف قبالة المرآة . ابتسم . مدّ يده مصافحاً الهواء ...
- أهلاً وسهلاً .. تفضلي بالجلوس .
هرش ذقنه بأصابع حائرة . كيف أفتتح الحديث معها ...؟!
أأحادثها في السياسة أولاً ؟.. لا يجب أن أبدأ الحديث عن المتنبي ، فكم من المرات رأيتها تحمله .. أقصد تحمل ديوانه... بل سأدخل في الموضوع مباشرة ...سأقول لها :
- أحبك ..أحبك ... فما نفع السياسة والأدب وكلّ العلوم أمام عاطفة الحب..الحب الذي يجتاح كل شيء ليسكن القلوب.
- أيها الإبليس من أين جاءتك الشطارة هذا الصباح لتستوقفها, و تطلب منها موعداً ( أريد التحدث معك في موضوع هام ).
- هام يا رجل . لا هام ولا سام. لا يوجد موضوع من أصله .
على أي حال لقد فهمت عليك ...نعم فهمت وإلا لما وافقت بهذه البساطة . ربما هي مثلك تريد التحدث في الأمر نفسه, لكن حياءها يمنعها .
سنتان يا رجل .. سنتان وأنت تفكر بها. تنتظر لحظة كهذه . لو كنت طلبت موعداً في أول مرة استوقفتها فيها لوفرت عاماً ونصف من عنائك ، لكنها أول ما حدّقت بك أضاعت توازنك .تخربط كيانك . سألتها عن الوقت ومضيت . قالت لك : الثامنة . رغم تجاوزها العاشرة. ماذا كانت تقصد حينها ، بل لماذا ابتسمت ...هل رأت الساعة بيدك ... أم كانت تقصد شيئاً آخر ....؟!سيّان عندك ، لكن لو كنت تعلم أنها ستوافق بهذه السهولة
لتشجعت وصارحتها منذ لقائك الثاني بها ، لكنك كما في المرة الأولى ارتبكت ، وتعثرت بكلماتك .لما كلّ هذا الوجل ....أوتظنها ستأكلك..!؟ لو قلت هذا الكلام لنفسك منذ زمن لطلبت موعداً ،على الأقل ، في لقائك الثالث بها.لكن هكذا شاء القدر.
لقد انتصرت على نفسك هذا الصباح، فمنذ اليوم لم تعد بالنسبة لك طيفاً يؤرقك. يسبي عقلك ، ويتركك تائهاً في سحب الدخان . بعد دقائق يصير الحلم حقيقة .
خمس وأربعون دقيقة تبعدك عنها ، فماذا سترتدي ..؟
- يجب أن أظهر أنيقاً ، فالانطباع الأول هو الذي يستمر طويلاً ...سأرتدي البنطال الأزرق الأسود والقميص الأخضر ..الأبيض ... الأبيض والأسود . ( فالضدّ يظهر حسنه الضدّ). تك ..تك ..تك ..أربعون دقيقة ...يرتدي ثيابه .
يسرح شعره .يضع قليلاً من العطر الفاخر .يضع علبة (المارلبورو) في جيب قميصه ، رغم أنه من مدخني (اللف) . ينظر إلى الساعة الكسيحة .
عشرون دقيقة . الشوارع تلتهمك ، والأرصفة تتقاذفك ، لتحط بك عند الـ(الكوفي شوب). لقد وصلت في الموعد المحدد . تدخل بقدمك اليمنى .تختار طاولة منزوية ،وتغيب برهة مع النغمات الهادئة. ها هي قادمة نحوك بقدها الرشيق ..شعرها الأسود
المنسدل على كتفيها..عينيها النجلاوين .. تبتسم . تحييك .ترد التحية .
- تفضلي.
- شكرا.ً
تجلس قبالته. يطلب فنجاني قهوة، ويغرقان في لجة من صمت. تحدق فيه ملياً
- ما الأمر الهام الذي أردت التحدث فيه ..؟
- خمّني..
- أخي .الموضوع له علاقة بماجد . كنت معه في المعتقل نفسه ..
- لا ..الموضوع لا يتعلّق بماجد ، فأنا لا أعرفه ، وإنما ...
يسرق النادل لحظات منهما بينما تحاصرها إشارات الاستفهام . بريق خاتم الزواج يخنق أنفاسه .. يحاصره
- إذاً . ماذا تريد أن تخبرني ..؟
تتشظى الكلمات بحنجرته . حباله الصوتية تعقد مشنقة لحروفه...
لم يجد سوى المتنبي مخلّصاً له .
- أحقاً قتل المتنبي بيت شعر.؟
عيناه ساهمتان في احتراق سنتين بنى خلالها قصوراً من الوهم انهدمت في لحظة واحدة ...لحظة واحدة أبصر فيها إصبعها مقيدة بخاتم الزواج. لم يعد يحس بالمكان من حوله ، ولا بدندنات الموسيقا، ولا بهمهمة الرواد ... لم يشعر بها أيضاً حين غادرت المكان ، ولما أفاق من شروده وجد فنجاناً خاوياً ترتسم على جدرانــه خطوط سوداء كأنها قضبان حديدية لزنزانة أسرته سنتيـن كاملتين .. إنها الشيء الوحيد الذي يدل على أنّ امرأة كانت تجلس قبالته قبيل لحظات. ضرب الطاولة بقبضته .لا ..مستحيل ..لا يمكن أن يُقتل المتنبي ببيت شعر .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د / ثروت عكاشة السنوسي
- الزيارات: 13
صعدت إلى قمة القبة العالية .. أنتظرتها كعادتي .. أمعنت النظر إلى أسفل ؛ تلك الكومة منزلنا ، وأشجار الأرز المحترقة تئن من حولي ، بينما تظهر طائراتهم تمتلك سماءنا ، وتبعث الأحزان ملء قلوبنا ، فنحن دائما نحترق ، وأسفل الحطام يرقد أطفالنا شهداء ..! طال انتظاري ، لكنها لم تعد ، لن تسألني ولن أجيب .. عدت أبحث عنها بين كفيّ ، احتضن وجهها الملائكي ، فيتغطى بحمرة الخجل ، ترفع عينيها تتأملني ، ثم تسبلهما مطرقة إلى أسفل ، بينما تميل الشمس للغروب.. ترحل فيرقص قلبينا حينما يهل القمر بوجهه المستنير .. ارفع وجهها الصغير إليّ ، أغوص في عينيها ، تتراقص شفتاها ، ويداها ترتعدان لهفةً واشتياقاً .. أقترب ، تدفعني برفق ، أعاود الكرة فتبتعد .. أطاردها فتتخاذل .. أمسك بها، أضمها بين ذراعيّ ، فتلقي برأسها على صدري في استحياء تطلب المزيد .. بينما عصافير الزينة الطليقة ترفرف راقصة فوق رؤوسنا على ذات النغم ، نذوب معا حين تسري دغدغة الحب في أوصالنا دافئة ، تسبح مع اللذة التي تسكننا ، فتثمر حبات اللؤلؤ الممزوجة بجينات السعادة ، تعلن أن هناك توأمان للعهد الجديد.. بين سحر الأمسية وفتنة الصباح ، تهب الرياح العاتية ، كي تهدم بيتنا ، وتقتلع أشجار الأرز المثمرة ، تدفن الحبات في بطن الرمال صرنا مكبلين بالأحجار ، والعناقيد الغاضبة تخترقنا وقلوب الصغار بلا رحمة فاندثر الجميع تحت الركام وحوائط المبكى ، تعانقت جدراننا كلها في ثورة الصاروخ فوق رؤوسنا .. ماتوا وبقيت ..!! لم استطع شيئا .. تركتهم يُقتلون ، ودموعي بقيت تؤنس وحدتي ، وتحمل أشياءهم ، تغلق عيناي عليها ، وتبحث عنهم في كل مكان ، ثم تنهمر من جديد .. هناك أنينٌ دامعٌ تحت الأنقاض .. ربما الصغار أحياء وزوجتي تناديني تطلب الإنقاذ .. الصوت يختلط بشقشقة العصافير المحترقة ، ربما هي أيضا ما زا لت تعيش وتستغيث..! يبدو أن زوجتي أحاطت طفليّ بعيدا عن الموت .. أتراهم أحياء ..؟ أسمع ضوضاءهم تأتي إلىّ صاخبةً ، فأطالبهم بالهدوء .. أمُّهُم لا تزال نائمة ، لكنهم أبدا لا يستجيبون .. أجري خلفهم ، أداعبهم بين أشجار الأرز فيختفون .. ألتفت هنا وهناك ، أجثو ، أحفر الركام بأظافري .. لا شئ سوى صرخاتهم تأتيني بعيدةً جداً يستغيثون.. ، بينما تعاود أجسادهم الغضة تصرخ وتستجير ، وأنا أسمع ولا أرى .. أخذت أهرول فوق الأنقاض ، لكني أسارع بالابتعاد ، كي لا أزيد الحمل على جسد الصغار فيموتون .. أظلمت الدنيا كلها ، وعاد الدخان كثيفاً يمتزج بدماء الصغار، ثم يغرق في بحر من السكون ، ويصاب الجميع بالصمم .. أغمضت عينيّ ثورة الرياح المتربة ، بينما رائحة الصغار تفوح في أنفي .. تستلهمني الصبر رويدا ، ويديّ زوجتي تبحث عنّي فلا تجدني وتناديني فلا أجيب .. أشعر بظلمتي ورائحة الريش المحترق مع أشجار الأرز تمتزجان بعد الارتواء بدماء أسرتي .. همساتهم المختنقة تستحثني للثأر ، فيعلو صوتي يحمل لعناتي إلى أرجاء الكون كله .. تعود الرياح الجنوبية تحمل غضبتي .. تتسلقني في قلب الظلام ، تهز العروش الراكدة ، كي تصحو مذعورة تبحث معي عن زوجتي والصغار .. ينظرون إلى كراسيهم ، يتململون ضيقا ويهزون رؤوسهم عجبا .. جميلة وهي تكتسي بدماء أطفالي ودافئة بأنفاس زوجتي ، حين جلسوا عليها وتركوني حائراً زاغت كراسيهم إلى أسفل واهتزت بعنف ، فحاولوا الهرب ، لكنهم بقبضتي .. يحيون ويسكنون شراييني الذابلة .. يستبدلونها بملابسهم الحريرية ، لكنهم يمزقون ما تبقى من جلدي المنحوت بفضلهم أعلى درجات المجد.. فقط يتدافعوني إلى أسفل والضيق يتملكهم من رائحة عرَقي الذائبة فيَّ باحتراق أبنائي وموتهم بالنار .. أشعر بالحنين يقتلني ، والألم يعتصرني ، فتهتز بقاياي المنهزمة .. هممت بمفردي لنجدة صغاري وزوجتي الثائرة لتأخري عليهم .. استعدتني سريعا ، حملت السلاح مجدداً ، وصعدت إلى قمتي أقاتل وحدي .. كلما قاتلت انتصرت ، أعود سريعا إلى الأنقاض .. أسمع ضحكات الصغار وثناء زوجتي .. كلنا في سعادةٍ غامرة ، انظر إلى قرص القمر .. أراه مبتسما ، بينما تبدأ أشجار الأرز في الاخضرار والنمو من جديد ..!! ***
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ركاطة حميد
- الزيارات: 10
نص قصصي: بيوت للفرح
=1=
فتح باب البراكة ، وصفقه وراءه وهو يسب ويلعن في غضب شديدين ، كان يسير وحيدا في الزقاق ، يحسب خطواته وينصت إلى وقعها المتردد، يفكر في وجهته الجديدة .أدخل يديه في جيبه بحثا عن سيجارة فلم يجد شيئا ، بصق على الأرض في سخط يلعن ويسب الظروف التي أوصلته إلى حضن تلك المدينة ، فقبل سنوات كان ذا شأن كبير ، موظف في الوكالة البنكية الوحيدة بالمنطقة ، كان حلمه أن يصل يوما إلى مرتبة مدير ، لكن موته المهني كان يوم اختلس من رواتب بعض الوكلاء ليطرد بصفة نهائية ..كان يسير وصور الماضي تقض مضجعه ، تقتله.
وصل ساحة الشهداء ، لاح له من بعيد طابور طويل أمام الشباك الأوتوماتيكي للبنك، تساءل إذا ما كان قد انقضى شهر آخر ، أشاح بوجهه نحو الجهة الأخرى ، فبدت له مقاهي السوق البلدي غاصة ، فكر في شرب فنجان قهوة ، فتذكر أن الليلة التي قضاها بالأمس في بيت حادة ، كانت جد مكلفة ، وأجهزت على كل مدخراته . ضرب الأرض بقدمه في غضب وقال :
لماذا لا يزدحم زقاق وهران مبكرا ؟
اتجه نحو حائط مؤسسة عمومية ، وأسند ظهره إلى مخدع هاتفي عمومي في انتظار أن تنشط حركة المارة.لاح له شرطي المرور يدخن في سهو قرب المدارة ، انطلق نحوه كالسهم ، سلم عليه وعاد وهو ينط من الفرح ، التفت إلى السيجارة التي أعطاه ، وقال في نفسه مازحا " لم أكن أتصور أن الصدقة تخرج من يد الشرطي بكل سهولة " عبر الشارع بحذر وعيناه زائغتان تبحثان عن مغفل قادم لسوق المدينة ، يفتتح به يومه البائس .
عاد لمكانه أحس أنه كالعصفور في قفص ، ينظر إلى المارة ، وهم متجهون إلى أعمالهم ، وهو رغم عدم ارتباطه بأي شيء ، يشعر وكأنه يحمل أثقال المدينة على ظهره ، لا يمر يوم بدون عراك أو مطاردة ..لام نفسه كثيرا على مغامرته بالأمس ، لم يعرف كيف تجرأ على المقامرة في لعبة واحدة بكل مدخراته ، وهو الذي يحتاط كثيرا في مثل تلك المواقف ، فالتمس لنفسه الأعذار محملا السكر المسؤولية ، ولحظة ابتسم في خبث وتساءل إذا ما كانت صديقته العجوز قد تآمرت عليه وتسببت في إفلاسه ..فقد ضايقها بالأمس كثيرا ، وأغضبتها كلماته .نظر حوله ، وفكر في الرحيل عن المدينة وتركها للأبد ، لكن بمجرد ما نبقت الفكرة في دهنه وأدها إلى الأبد . تساءل عن وجهته الجديدة ، وتراجع عن أفكاره السوداء قائلا :
لمن سأترك المدينة ؟
مر من أمامه ماسح أحذية ، فأمره بتلميع حذائه ، تساءل الصبي وهو جالس القرفصاء ومنهمك يعمل في صمت إذا ما كان "رامبو "سيؤدي له مقابلا...
=2=
اخترقت خديجة زقاقا ضيقا ، وانعطفت يمينا ثم يسارا باتجاه الشارع الرئيسي ، أحست بالشفقة على ذلك الرعديد الذي كان يلاحقها لمسافة طويلة ، دون أن يتجرأ على النبس ولو بكلمة واحدة ، كانت تحس أن نظراته تكاد تغرس في مؤخرتها المتراقصة ذات اليمين وذات الشمال ، لم يكن الوحيد ، بل رواد مقاهي الشارع جميعهم ، كانت تستفز رجولتهم تثير في أعماقهم ذلك البركان المكبوت ، لتسخر من توترهم وتصرفاتهم الصبيانية ، كانت تبرر حركاتها قائلة في نفسها " ما العيب في ذلك ؟ الشارع ليس ملكا لأحد بالتحديد ، والتفرج لا تؤدى عنه ضرائب كالتي يؤديها أصحاب المقاهي للصندوق البلدي " كانت تشفق على بلادتهم ، ووداعتهم ، وانحباسهم عن طواعية في بضعة أمتار مربعة كحيوانات أليفة لكنها مريضة ، وكسولة .
أضحى في مرورها تزجية للوقت ، ولحظات لفرجة مجانية ، وعرض للأزياء وإثارة من كل الأنواع .كانت تتمنى لو تتحول عروضها إلى ضريبة تقتطع كل صباح من رواتب رواد المقاهي مع تقديم عرض خاص لكل من يستطيع أن يدفع بسخاء . تساءلت وهي تذوب وسط جحافل من الناس ما الداعي إلى ما تفعله ؟ لكن سرعان ما عادت إلى وعيها لتجد نفسها مضايقة من طرف أربعة مراهقين أحاطوها وحاصروها بكلماتهم الطائشة ، فذوبت عنفهم بابتسامة ، وتابعت رحلتها باحثة عن صيد ثمين على رصيف قصي وهادىء .
مرت من أمامها سيارة فخمة ، فلاحقتها بعينيها إلى أن اختفت تماما ، تمنت لو كانت جالسة قرب سائقها ، خطرت ببالها صورة رجل هادئ ووديع يوشوش في أذنها بعذوبة ، فزادت رغبتها اتقادا ، فتحت عينيها ألقت نظرة سريعة على محياه فوجدته مخدوشا ، تقززت وارتعبت وانكمشت متحصنة بالصمت ، فسحبها بوداعة إليه ، فتمنعت في أدب ، اعتدل في جلسته ، وأدار محرك السيارة بعدما نقدها بورقة مائة درهم بحالها ، رفضت ، فدسها بأدب ، فتحت باب السيارة وهمت بالخروج ، فشدها من الخلف التفتت إليه فقدم لها رقم هاتفه وغادرت .
فتحت نجمة عينيها فوجدت نفسها لا تزال في موقف سيارات الأجرة الصغيرة ، جالسة فوق كرسي إسمنتي بارد جدا ، أحست بالبرد وبالفتور ، مسحت كآبة الشارع بعينيها طولا وعرضا ، فلمحت شابا واقفا في الجهة الأخرى ، كان متكئا على مخدع هاتف عمومي ، وهو يدخن في سهو .أحست بقوة تجذبها إليه ، همت بعبور الشارع ثم ترددت ، تساءلت "ماذا يحدث لي بحق الله؟" ربطت جأشها وانطلقت نحوه غير حافلة بمنبهات السيارات وشتائم سائقيها . وقفت بجانبه ، همت بسؤاله ، فسألها :
هل أنت خائفة ؟
ظلت صامتة ، نظر إلى حقيبتها ، ابتسم في خبث مدركا أن الحظ قد ساق إليه "همزة' هدية رائعة لم يكن ينتظرها و لا يفكر فيها ، ثم دعاها إلى شرب فنجان قهوة ، فقبلت دعوته في الحين ودون تردد.
=3=
وهما يسيران جنبا إلى جنب ، دس يده في جيبه بحثا عن سيجارة فخاب أمله ، أحس بنوع من الضيق ، وأخذ يفكر في حل للتراجع عن العرض الذي ورط نفسه فيه ، توقف بغتة ، أخذ يفتش كل جيوبه ، سألته إذا ما كان قد نسي حافظة نقوده ، فصمت ، ثم تابعا طريقهما غير حافلين بالمقاهي والناس والجدران ، نحو حديقة عمومية .
جلسا جنبا على جنب متكئين على جدع شجرة ، وهما غارقان في صمت قاتل . لم يتجرأ أي منهما النظر في وجه الآخر ، ولا هم بالكلام لتكسير طوق الجليد الذي لفهما فجأة ، ولحظة تشابكت أصابع أيديهما بقوة منتزعة معها بعضا من العشب الأخضر .نظرت إليه ، أخرجت علبة سجائر وأمدته بواحدة ، تسلمها صامتا وأشعلها على الفور .كانا يدخنان ، يتأملان الأزهار والأشجار والظلال والدخان ، مالت نحوه ووضعت رأسها على كتفه ، سألها بصوت خافت :
كم مر من سنة على آخر لقاء لنا ؟
خمسة عشر سنة أو أكثر ..
حسبت أننا لم نفترق إلا بالأمس فقط !
مر سرب من العصافير فوقهما ، فسألته :
أما تزال تربي الحمام الزاجل ؟
تأمل السرب المحلق طويلا إلى أن ابتلعه الأفق وقال :
ذات صباح صعدت لتفقد الخم ، فوجدته فارغا ، انتظرت عودة حمامي طويلا حتى فقدت الأمل ، وفي أحد الأيام بينما كنت مستلقيا على مصطبة فوق السطح ، لاحظت حركة داخل أحد الأقفاص تلاها هديل متواصل ، أسرعت فرحا نحوه فوجدت به حمامة هزيلة ووديعة ، لكنها ليست لي ، فتجاهلتها ، فاستفزتني بهديلها المقلق ، فتركت السطح والخم والحمامة .
سألته:
ولماذا فعلت ذلك ؟
أتعتقدين أنه قد عاد بوسع المرء أن يهتم لأمر شيء لا يعنيه !.
لكن كان بالإمكان أن تتوطد علاقتكما مع مرور الأيام .
لو كان الأمر كذلك ، لكان حدث منذ أزيد من خمسة عشر سنة ، أرجوك لم يعد بوسعي الاهتمام بالحمام أو بأي شيء آخر ...
طرقت كلماته أذنها ، تساءلت وهي تفكر في الأسباب التي دفعته إلى عدم تغيير أسلوب تعامله معها ولو مرة واحدة ..وكيف لم تحالفها حتى الصدف ولم تقف إلى جنبها ومؤازرتها ، ضحكت في صخب ، نظر إليها مندهشا سألها عن السبب ، فقالت:
قبل أن ألتقي بك ، كانت لي أمنية ، أحسست أني عشتها ، كانت كالحلم لذيذة ووديعة ،لكنها انتهت بكابوس ، فأحسست بالخوف وبحاجة إلى حماية وظل رجل قوي ، وبمجرد ما فتحت عيني رأيتك واقفا أمامي كالمارد ، وبدون شعور خاطرت بنفسي وعبرت الشارع نحوك ، غير آبهة بكل شيء ، ولكن اللحظة أحسست بتبخره.أتساءل لماذا التقينا ؟ وماذا نفعل هنا ؟
وقفت غاضبة بعدما تركت بقربه ورقة نقدية هي كل ما كان بحوزتها ، أخذها ودسها في جيبه دون أن يلتفت إليها . برحت المكان ، فتمدد على العشب وبدأ ينظر إلى أشعة الشمس المتسللة من بين وريقات الأغصان ، أعجبه المنظر أغمض عينيه ونام .
=4=
في طريق عودتها ، انتشلها زبون مخمور قرب حانة ، ورافقته ضاحكة نحو وجهة مجهولة . وهي تداعبه ، تذكرت وجه صديقها العابس ، تمنت لو لم تفارقه ، لكنها كانت مضطرة للبحث عن مورد رزق يومها ، وإلى جرعة من الحب ، فهي لا تستطيع العودة إلى البراكة دون زاد أو مؤونة ، أو نقود، ثم إن ما كان بحوزتها قد قدمته له دون تردد وعن طواعية ، أمدها الرجل بقنينة جعة فأخذتها شاكرة وصارخة في أعماقها "وداعا أيها الحزن"
=5=
فتح عينيه ، أحس بالجوع ، نظر حوله فلاح له عجوزان يجلسان فوق كرسي خشبي يلعبان الورق ، وهما يحتسيان الشاي من قنينة مربى صدئة / دنا منهما فرمقاه بنظرة قاسية ، أدار لهما ظهره ولعنهما في نفسه ، كره أن يصير في أرذل العمر مثلهما .
وصل الساحة لاهثا منهوكا تحت لهيب شمس الظهيرة المحرقة . باعة الكتب المستعملة ينشون الذباب ، ويفترشون مساحات كبيرة من الأرض بالكتب والمجلات ، بائعو السجائر بالتقسيط والكلمات المتقاطعة يجوبون المقاهي المجاورة ككلاب مسعورة / ماسحو الأحذية يضايقون الباغيات والسكارى بكلماتهم النابية ، وعلى جنبات سور خارجي لمؤسسة عمومية ، كانت زمرة من الأطفال المتشردين مكومين كالقمامة تحت ظل سورها الذي تفوح منه رائحة البول النتنة والمزين بالجداريات الجميلة . نظر إلى مقاهي السوق البلدي المكتظة بالكسالى ، وهم يهتكون مؤخرات المارة بعيونهم ويجسون نبض الساحة البطيء .مدخل الزقاق التجاري الحيوي والوحيد بالمدينة لم يكتظ بعد ، لكن عارضي الفواكه ، والمتسولين يتواجدون في أماكنهم وكلهم على استعداد للعمل . نظر وجهة شارع محمد الخامس فوجده عابسا وباهتا ، تم توجه نحو اقرب مقهى وتهالك فوق كرسي منتظرا حلول الظلام .
نشب عراك داخل المقهى ، هب مسرعا لفضه ، وأثناء ذلك تمكن من نشل حافظة نقود أحد المتعاركين ، ثم تبخر في حمأة الصراع ، فكر في التوجه نحو اقرب حانة ، لكنه سرعان ما عدل عن ذلك ، خوفا من محاصرته من طرف دورية للأمن بغتة ، أحس بانقباض كبير وكأن ستائر أسدلت عليه.
في الطريق أحس بلذة عارمة ، وبدفء يجوب أعماقه ، كان يتساءل لماذا تفجر الخطيئة ينابيعها في أعماقه ، وتلقي بظلالها البائسة على حياته ؟ والنساء ! ما سر سحره لهن ، وهو لاشيء ! لا مستقبل ، لا عمل لديه ..جلف قاس ، خائن ..لا يعرف عن الحياة سوى جوانبها السلبية ، وأفكاره دوما شيطانية ، ..تقلصت عضلات وجهه ولم يجرؤ على التفكير في نفسه ، وأخذ يحلم بمسائه الذي يرتقب أن يكون أحسن من صبحه فحاول السيطرة على أحزانه وكابوسه .
=6=
استقبلته "مامة" ، بالترحيب ، وأخذت منه الأكياس برشاقة ، استوى في جلسته ، داخل الغرفة، ثم سرعان ما وافته الخادمة بطاولة صغيرة وأثثتها بأنواع من الفواكه الجافة وبعض المخللات ، تبسم وهو يمد يده محتارا أيها يتذوق ، وبينما هو كذلك دخلت عليه شابة حسناء ممشوقة القوام ، دنت منه وجلست بجانبه فحفته بعطرها الأخاذ ، ظل ينظر إليها صامتا، تجلت له صورة "نجمة "منقبضة التقاسيم فكسر سهومه بضحكة مفتعلة صاخبة أعادته إلى وعيه .
تعجب كيف تنفلت اللذة من قيود الزمن وتسكت ذاته البائسة مخترقة بكل طياتها للأخلاق ومكسرة الطابوهات والمحرمات لتحتفي بالجسد فقط وتحرره من كل القيود والمكبوتات .
غادرته وهي تمشي في غنج ودلال ، حاول نبذ أفكاره فتوقف بريق الكلمات ، فطمر رأسه تحت وسادة ، أحس بصداع رهيب ، أطفأ أنوار الأباجورات بالغرفة ولحظة تناهت إلى سمعه أصداء همس خافت غير بعيد منه ، اعتدل في جلسته وعاد للتدخين .يقارن بين حياته في زحمة الأزقة ودخان السيارات وضوضائها ، ومطاردة رجال البوليس له كل مرة ، وبين حياة الظلمة الجميلة داخل بيوت الفرح ، تمنى لو يصيرا ثريا جدا ليحقق أحلامه ، ويعيش حياة باذخة ليدفن ماضيه الأسود وفقره المدقع وحياة الصعلكة للأبد .قطعت عليه "مامة" تفكيره رحبت به مرة أخرى قدم لها ورقة نقدية محترمة تسلمتها مصدرة ابتسامة خفيفة وشاكرة إياه ، كيف تفعلين ذلك و أنت ساحرة وقوية ..أنت الأقوى على الإطلاق . هيبتك ترغمني على إعادة كتابة تاريخي الموغل في الخداع والخبث ومحاولة اكتشاف نفسي من جديد ، أنفث ما نرسب مع مرور الزمن من أحقاد وكبت ،أنظف ركاما من الكلمات البائرة في قاموسي بعدما صارت كأوراق الخريف فاقدة للقوة وللنضرة وعاجزة عن الاستمرار .أنا اليوم برعم صغير في غصن من أغصانك في حاجة إلى شمس تدفئه وإلى نسيم وندى يمدانه بنسغ جديد ، بالأمل .
صمت فجأة ، وكأن الكلمات توقفت ورفضت أن تخرج من فمه محدثة شرخا وجرحا بليغا بداخله ، تمتم قائلا :
أنا بحاجة إلى امرأة تغسل حزني ، وتبدد كلماتي وتغرقني بحبها في أعماق الليل .
- حاول الكلام ،لكنها قاطعته ، وأردفت قائلة :
- لقد حولت هذا البيت إلى زاوية من نوع آخر ، مقرا لحل كل المشاكل المستعصية ، لو تكلمت هذه الجدران المتآكلة ، لنفثت ما صدأ عليها من هموم . لو تكلمت باحتها لرأيت الأمل مشرقا يانعا كأزهار الياسمين ، ممتلئة بحب الحياة . كل الذين توافدوا إلى هنا من اجل الفرح، كانوا يلقون بهمومهم خارج عتبة المدخل كما تلقى القمامة في الأكياس السوداء ، لا يعرف أحد ما بداخلها ، كل الذين حضروا إلى هنا كانت لهم حياتهم الخاصة، وأسرارهم المفزعة والمفجعة ، ومثقلون بأحمال ، لكنهم في هذا المكان بالذات كانوا مجرد أطفال صغار في روضة معلمة عجوز ، يشاغبون ، يتمردون على المألوف ، والواقع تماما كما تفعل أنت اللحظة...
- تنهدت بعمق ، وسرحت في ذكرياتها لكنه فاجأها قائلا :
- أريد معرفة كل شيء عنك ..
فحدجته بنظرة خاطفة ، أخذت منه ما تبقى من "الجوان" أوقدته من جديد وصارت تدخن وتتعقب الدخان المتصاعد في سهوم ، وقالت له :
- هل تحبني فعلا ؟
- نعم
- لقد علمتني التجارب ألا أثق في رجل ، كثير الثقة بنفسه ، ومعتز بمكانته .
- لكن ، أنا لا مكانة لي ، أنا أكبر صعاليك هذه المدينة !
- كلامك يثير الاندهاش ، لم تروم تغيير مجرى الحديث ؟
- أحاول فقط أن أنتزعك من صمتك ، لتعيري كلماتي اهتماما يليق بها ، البيت نابض بالفرح ونحن بحديثنا نغوص في قعر يم هائج .
- فقاطعته قائلة :
- كم أنت ظريف وغريب الأطوار ، نحن نتشابه في كوننا نركب العناد ، ونتحدى المستحيل ، لكن أتساءل هل فعلا ما يحكى عنك من قصص ونوادر قد لا تصدق أحيانا حقيقية ؟
- ماذا يحكي عني الآخرون ؟
- كل زبنائي لا حديث لهم في أماسيهم وسهراتهم إلا عن مقالبك ، لقد شككت لحظة في كونك شخصية واقعية ، لكن ما كان يؤثر في دوما هو إيثارك وسخاؤك وحبك للمستضعفين والفقراء .لقد كنت أتمنى أن تزورني يوما وها أنت قد فعلت .
- لو كنت أعرف أن لي كل هذه السمعة الطيبة والعجائبية في نفس الوقت ما كنت تجرأت حتى على الدخول ، والآن أتساءل كيف سأتجرأ على الخروج بين كل هؤلاء الذين حولوني إلى بطل ونسجوا عني حكايات ، أجهل تفاصيلها .أنا يا سيدتي رجل بسيط ، قهره الزمن ، وتكالبت عليه الظروف وتنكر له كل الأصدقاء ، لما قدمت إلى هذه المدينة ، كانت فرصي في حياة ناجحة كبيرة جدا ، لكني حدت عن مسار الواقع وأحرقت أحلامي بالأخطاء .
- ماذا حدث ؟
- لقد كان السر في الخسائر التي تكبدتها والانتحار الطبقي الذي عشته "امرأة"
- امرأة ؟
- نعم إمراة ، فاتنة الجمال ، قابلتها في بداية المشوار ، في أول تجربة حب حقيقية وصادقة ، لكن تهوري حول حياتي إلى جحيم ولست أعرف ماذا كان يحدث لي ، لكن كل ما أذكره هو أنني تركت كل شيء ورائي وتهت لسنوات ، تشردت ، ونبذت ، واختفيت ..وبعد ما نسي الناس أمري ، عدت في هيئة أخرى وبفكر مغاير ، أزرع الرعب في المدينة وأحيائها ، فحولوني إلى بطل أسطوري لكنه حي . رغم هذا المجد الذي رسمه لي الآخرون ، أشعر إنني أتعس إنسان في هذه الدنيا .
نظرت إليه ضمته ‘إلى صدرها ، والدموع في عينيها .تعالت رنات وتر شارد مرة وحزين ، وصدح صوت مغنية من غرفة أخرى ، بموال كسر الحزن والهشة والكآبة معلنا بداية الاحتفال .
=7
نزلت من سيارة الأجرة في الصباح الباكر بعيدا عن الحي ، ترجلت قليلا نحو مطعم بائس ، طلبت صحن "بيصارة" فول بزيت الزيتون،والكمون ، وأخذت تلتهمه بنهم شديد ، أحست بلذة غريبة ، تذكرت رحلتها الأولى إلى طنجة من أجل البحث عن العمل ، ووقوفها كل صباح في طابور طويل أمام محل لبيع "البيصارة " ومغامراتها الطائشة . لعنت حالتها . أغرقت ذكرياتها في الصحن من جديد ، وأخذت تحتسي وجبتها باكية ، تذكرت "عليلو المرنيسي " ذلك الشاب الذي عرض عليها حياة أفضل بمرافقته إلى مدشرهم ، والزواج به ، لكنها كانت تركب عنادها وتنظر دائما إلى أعلى من طاقتها ، كانت مصرة على أهدافها ، غير أنها عادت ذات يوم هاربة وخائفة من ملاحقتها من طرف أحد صبيان بارونات المخدرات بالمضيق و ظلت مختفية عن الأعين لأشهر .
طلبت كأس قهوة سوداء مركزة بدون سكر ، عبتها بسرعة تم سارت باتجاه الحي ، وهي شاردة الذهن مشتتة التفكير وحائرة ، تفكر في عزيز ، وفي صمته ، يخالجها إحساس كبير أنه لم ولن يتغير ، فهو سيظل مجرد لص حقير ، ورعديد وجبان .عناده ،غموضه ، نواياه ، غور أعماقه برودة أحاسيسه ، طرافته ، تهوره ، كل ذلك يجعله مختلفا عن كل الذين قابلتهم أو تعاملت معهم ، بل وأركعتهم بجاذبية جسدها المرمري البديع وحلاوة لسانها القاتل أحيانا وبقوة شخصيتها ، بساديتها أحيانا أخرى . كانت تحتقر كل الرجال إلا هو ، كرهتهم جميعا إلا هو ، احتارت ، احتقنت ، تساءلت عن السبب في ذلك الضعف الذي يصيبها أمامه رغم مرور كل تلك السنوات ؟ لماذا انهارت كقصر رملي على شاطئ كبير ، توقفت لحظة وجلست على حافة سور مطل على نهر أم الربيع ، أشعلت سيجارة وصارت ترشفها بعمق ، وهي تنظر إلى الماء وهو منساب في هدوء ، وإلى طيور النغاف وهي تقيم احتفالاتها الصباحية فوق أغصان الأوكاليبتوس الباسقة . مسحت بعينيها جانبا من الحديقة التي كانت فارغة إلا من آثار دخان موقد في أحد الأركان ، ضحكت وأكملت طريقها نحو المنزل ، تذكرت كيف كانت هي وذلك الحقير "عزيز" الذي أهانها بالأمس ، يتسامران في نفس المكان ، مسحت شفتيها .أحست أنها متوترة رغم قضائها ليلة مرحة وجميلة ، صارت في الزقاق النتن ببطء تنط من بقعة والى أخرى تحاشيا لتلويث حذائها الجديد بمياه الصرف الصحي التي تحاصر الممر الوحيد المؤدي إلى البيت . انتبهت إلى الأبواب القصديرية الصدئة والجدران الطينية المتآكلة ، والزرائب الملحقة ببعض البيوت ، بصقت ساخطة على وضعها الكريه ، ولحظة لمحت سيارة سيمكا 1100 مركونة قرب باب منزل بنت "ابراهيم" وأدركت أنها فوتت عليها ليلة "قصارة" مشهودة ، ولا غرو أن، الشيخة" مينة " قد أتحفت ضيوفها بوصلات من العيطة "المرساوية والحريزية ومواويل أمازيغية رائعة "..
تذكرت كيف كانت تهرب من المدرسة لتحضر تداريب الجوقة بذلك المنزل الذي وشم ذاكرتها الفجة بكثير من الندوب والذكريات الحلوة والمرة في نفس الوقت ، كيف كانت تقوم بكل أعمال السخرة والتنظيف مقابل حضور تلك الطقوس التي كانت تسحبها من عالم البراريك إلى عوالم تمتح من سماوات التصوف والسفر إلى ما لا نهاية مع روائح الكيف المسروقة وفضلات الموائد التي كانت تتولى مهمة جمعها وتنظيفها ، ودمعت عيناها وبكت في صمت يوم طردتها "المعلمة" من المنزل لعدم التزامها ببعض القواعد ، تنهدت وضربت بحقيبتها جدار الزقاق صائحة في أعماقها " لقد كنت بحاجة ماسة إلى تلك الدريهمات التي سقطت سهوا من جيب ولد المقدم إدريس ". لماذا التقطتها وانسحبت ؟
لم تكن تعرف أن البيت كان كله عيون ترصدها وآذان تلتقط أخفت الهمسات خلف الأبواب . ورغم عاداتها السيئة كانت مميزة جدا بصوتها الرخيم وملكة الحفظ السريع والأداء المتقن ، مما أثار حفيظة بعض الشيخات عليها وحكن الكثير من المؤامرات ضدها .
كل الوافدين على المنزل كانوا يطلبون سماع صوتها داخل مجموعة "مينة الحريزية" مما أفسح لها مكانا بات من الصعب التغاضي عنه مع مرور الوقت .
ابتسمت في صمت ، تذكرت "علال الكوامنجي " لما كان يتمرن ذلك المساء على مقطع من رائعة "خربوشة " فأطلقت العنان لصوتها يكسر كآبة الغرفة / مؤنسا وحشة الليل ، لكنها سرعان ما توقفت عن الغناء وهبت مسرعة نحو الخارج ، خائفة ومرعوبة من أن تلحق بها "مينة" مكروها ، فهي طردتها من البيت بصفة نهائية ولم يسمح لها بالعودة حسب قوانين بيوت الفرح . لكن لماذا كان علال يتمرد على كل القوانين والأعراف ويدعوها للحضور من حين لآخر ..؟
فتحت بوابة المنزل وتسللت إلى غرفتها على رؤوس الأصابع حاملة حذاءها . جلست أمام مرآتها المكسورة ، أو ما تبقى منها وجالت بنظراتها تتملى في صورتها المنعكسة ، أحست ببرودة يديها ، مسحت وجنتيها محاولة إزالة ما علق فوقهما من مساحيق فهالتها صورتها البشعة ، شتمت نفسها وبصقت على المرآة متسائلة ، ماذا يعشق الرجال في ؟ تنحت بوجهها نحو صورتها المعلقة في إطار كبير أمام باب غرفتها ، ازدرت نفسها وتهكمت صارخة " أنتِ مجرد رقم هاتف في مذكرة "!
ظلت تتقاذفها أفكار سوداء ذلك الصباح ولم تتمكن من التخلص منها إلا بالنوم ، فتناولت مسكنا وأوصدت باب الغرفة بالمفتاح ، فأظلمت الغرفة من جديد ، لكن ثقوب السقف اللعينة كانت تدخل خيوط نور شاردة تمزق سجاقة الظلام وتسقط بعضا من أشعتها على وجه المرآة الصقيل وتعكسها نحو سريرها . في الخارج دبت حركة غير عادية ، أدلوجات الماء المحمولة من و إلى السقاية كانت تحدث بعض الضجيج ، سمعت أمها تتحدث إلى جارتهم "رابحة" حول أحداث الأمس بمنزل بنت ابراهيم وتدخل دورية للأمن واعتقال كل من كان حاضرا بحثا عن مروجي المخدرات ووسطاء الهجرة السرية نحو الخارج ، تساءلت كيف تحولت البراريك المهمشة إلى منطقة غليان تعج بالحابل والنابل ومنجم ذهب للحالمين بالثروة ، لكن سكانها سيظلون كما هم مجرد قاذورات "ياميمونة" .
لطمت الأم خدها وأغلقت فم رابحة بيدها طالبة منها خفض صوتها ، فأبنتها قد عادت مبكرا من عملها ، منبهة إياها ومحذرة لها في غضب من عدم مناداتها باسمها المهني السابق ، فلا علم لأبنائها بذلك . انسلت الجارة بهدوء نحو منزلها تاركة "ميمونة " غارقة في ذكرياتها الحلوة والمرة ، باحثة عن أجمل لحظاتها وأبهى صورها ، تذكرت "علال الكوامنجي " الذي افتتنت به حتى الجنون ، والعربي وميلود والجلالي وعلي ، " والهادي الفاكنسي " الذي كان يلفها بآلاف الأوراق الخضراء حتى تصير ، حتى تصير كشجرة التين مزهوة ويانعة لكن في غير فصل الربيع . نظرت حولها وإلى الأواني المتواضعة التي كانت تقوم بتنظيفها ، وأخذت صحنا من لذائن وصارت تنقر عليه نقرات خفيفة ، مرددة روائع العيطة العتيقة .
سحبت نجمة الغطاء فوق رأسها وتمتمت ساخطة ، "الشيخة " لا تلد إلا شيخة أو ق.......، لا يحق لي بعد اليوم الندم على أفعالي أو الخوف مما تخبئه لي الأيام من مفاجآت ، فالمدينة كانت وستبقى بيتا كبيرا للفرح ، ولا شيء غير الفرح .
ركاطة حميد - المغرب
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد فريد عبدالله
- الزيارات: 10
في حضرة غياب زهر اللوز
محمد فريد عبد الله
لم أحصل على حقي في البكاء، لهذا أكتب.... فقلمي يذرف الدموع وأنا أبكي كلمات.
كنت تخاف قدوم اليوم وترافقهم، حيث سلمت عليه وطبعت على جبينه قبلة الوداع ليتوارى تحت الثرى في ظل شجرة اللوز تلك.
هذه المرة الأولى التي أزورك فيها بعد ذاك اللقاء الأخير... نفس الملامح التي كانت وجدتها اليوم ترتسم على وجوههم ... لم أكن أرغب في الذهاب ، لأن وظيفتي هناك ستكون مجرد كومبارس في فقرة صغيرة لفيلم وثائقي ستكون بطله.
عذراً ! "كنا" سنزورك قبل اليوم لكن هموم الحياة ومتاعب الدراسة وتقصيرنا منعتنا... ومع ذلك فقدومي هنا معهم ليس من أجلك، بل لإنقاذ موقف ما... وقلت لها ذلك.
عام تقريباً مر على فراقك... ربما ستزوره في أحلامه بعد ذلك اليوم... لكنك لم تطل عليه في كلماته، لأنه وعد بذلك.... لكن هذه الوعود بدأت تنهار أمام أول زيارة بعد الوداع، فها هي تداعيات ضيافتنا لضريحك بدأت تتلخص على ورقتي ، تنام بوقار في مهدك الأبيض ، ربما لم يعد أبيضاً ، وربما لم يعد هناك أصلاً.....
لم ألحظ الشكل الخارجي لقبرك،! لأن عيني اخترقتا المكان لأصلك ... لكن إحساس غريب راودني ، شعرت بوخزة ما تضرب داخلي، فقلبي استعاد تراث أوجاع ذاكرته.
نظرت حولي:
"ما زالت" فوق رأسك تبكيك.... وما زالوا يتحلقون حولك، كل شيء توقف تلك اللحظة، عدا ذلك العصفور الذي ظل يدور فوقنا... ربما ليعيد زهرة اللوز التي سقطت على قبرك يوم وداعك في اذار.... فما زال ظلها يشع نوراً حتى لو سلبت منك، فصورتها حاضرة كملح ذاكرة يحفظ ماضينا.
لكن ألم تلحظ شيئاً..؟ تلك الزهرة... سقطت عن شجرة شاعرنا محمود درويش، أذكر أن ديوانه كان حديث الشعراء ومقاهي الأدب عندما ودعناك واليوم ها هي الصدفة ربما ترتب لنا زيارة أخرى بعد غيابك ، في الوقت الذي يقدم فيه الرائع رثاءه في نثره الشعري الجديد "في حضرة الغياب "
ففي حضرة غيابك نزورك ..... ومن حضرة الغياب أقتبس:
" يا أناي النائم على بزوغ البياض من أبدية..وعلى تلويح الأبدية ببياض لا لون بعده .. فبأي معنى من معانيك أقيم الشكل اللائق بعبث أبيض....؟؟؟؟ " عذراً
محمد فريد عبد الله
جامعة النجاح الوطنية
- التفاصيل
- كتب بواسطة: خيري حمدان
- الزيارات: 12
?لى ابني صالح
منذ متى نبتت في ظهره تلك الحدبة؟.
تراخت تقاطيع وجهه .. وأنقلب شعره أبيضاً كالثلج المهاجر نحو الجنوب، حيث تلتقي تشنّجات العصر مع أنين المستقبل.
نظر الى وجهه بين قطع المرايا الراقدة بين يديه. لا شيء سوى عينان تبحثان عن جُحْرٍ يحتضن عجزهما. وضع المرآة جانباً وحدّق في كفّيه العريضتين. هذا كلّ ما تبقى من الجسد .. كفّان اختزلتا رحلة العمر الطويلة. ((أنا قادرٌ على سحق ثورٍ بين يدي هاتين، ولكني لا أقوى على رفع ظهري لتقبيل امرأة)). أغمض عينيه وقبض على حجرٍ أبيض. نصف قرنٍ مضى منذ أن بدأ ينقش تلال الحجارة ليبث في عناصرها وذرّاتها بعض الحياة، وليصب في أوردتها الجامدة سيلاً من الدماء الحارّة.
قذف الحجر بعيداً وانقلب على ظهره. ابتعدت كفّاه على عجل، أصبح يفصلهما عن تلك الحدبة بحرٌ لجوجٌ وليلٌ صيفيٌ طويل. ((الوداع يا عالم الشيخوخة، لن تكون كلمتك بعد اليوم)).
غمز أحد الكفّين الآخر قائلاً.
_ ما رأيك .. فلنهاجر؟. أجاب الآخر متعجرفاً.
_ ولماذا كلّ هذا الغمز .. نادِني باسمي، أنا لست نكرة!.
_ بل أنت مجرّد كف.
_ كفٌ عريضة ومستقلة، أنا كائن عضويّ لا يستهان بقدراتي بل وأستحق أن يكون لي اسماً.
_ جميلٌ يا توأمي، حان الوقت لنتعارف، أخبرني الآن، ما هو الاسم الذي اتخذته لنفسك؟.
صمت الكفّ طويلاً ثمّ أخذ يحكّ الرأس مفكراً. لم يطل به الانتظار، نظر الكفّ الى توأمه الآخر وصاح:
_ علي .. نادِني بهذا الاسم.
_ ضحك الكفّ الآخر وصفع عليّ مداعباً وصاح:
_ أنا لا أدري إذا كنت وإيّاك مذكر أم مؤنث؟. شعر عليٌ بالإهانة، لكنّه لم ينبس بكلمة واحدة.
_ علي .. اسمٌ جميلٌ حقاً، هل تعلم بأن الابن البكر لسيدنا يحمل هذا الاسم. نظر علي إليه غاضباً وصاح.
_ سيدنا .. من تعني بهذا؟
أشار الآخر الى الوراء وقال بصوتٍ منخفض.
_ العجوز ذو الحدبة!.
أمسك عليٌ بتلابيب توأمه وصرّ على أسنانه صائحاً.
_ قد يكون سيدك أنت. أمّا أنا فشيءٌ مختلفٌ تماماً. لن أسمح لكتلة العفن هذه أن تكون مسؤولة عن مسيرتي.
أفلت الآخر من قبضة علي وقال بهدوء.
_ أنت تعرفُ جيداً بأنك غير قادر على مصارعتي والانتصار على شخصي .. قوانا متعادلة بالمطلق، ونحن مرتبطان عضويّاً ولا يمكن لأحدنا الاستغناء عن الآخر. موتك يعني فنائي، وقوّتي تكمل قوتك. أرجو ألاّ يغيب هذا عن بالك. كما ويجب أن نضع قواعد للتعامل والاحترام المتبادل فيما بيننا ، ومن الأفضل أن تناديني باسمي ..
هزّ علي رأسه موافقاً وقد عَلَتْ حُمْرَة الخجل وجهه ثمّ همس قائلاً.
_ آه .. اسمك! كيف نسيت هذه الحقيقة، وما هو اسمك؟
_ تستطيع أن تناديني بالكفّ.
_ علي والكفّ .. يا له من ثنائي!.
ثنائيّ متناقض للغاية .. كلاهما يدرك بأن وجوده واستمراره مرتبطٌ بالآخر. لا مجال لأي شكلٍ من أشكال الاستقلال والتفرّد. وفي اللحظة التي يتسامى خلالها عليّ ليدرك الغمام يجد نفسه مضطراً للعودة الى الحضيض، ليعاود محاولة الإفلات من قوانين الجذب مجدّداً. وهذا لا يعني بأن توأمه الكفّ سيئ وسلبيّ بل متأنٍ وحذر. يحسب ألف حساب للخطوة التالية. أمّا الكفّ فكان يدرك بأنّه وشقيقه قد سقطا في حقلٍ من الألغام حيث يصبح القفز والتحليق الى مدارات مجهولة انتحاراً مرهوناً بالخطأِ الأول، والذي يعتبر في أحسن الأحوال الخطأِ الأخير كذلك.
كان يتحامل على آلامه وكرامته المتنامية، أمّا علي فكثيراً ما كان يتجاهل هذه الحقائق. إحساسه بتدفق القوّة في شرايينه جعله يفقد السيطرة على نفسه في بعض الأحيان، إلاّ أنّه _وحرصاً على هذه القوّة_ كان يخضع في النهاية لقوانين الطبيعة والبقاء، وسرعان ما يعود يبتسم لشقيقه ويستمع لنصائحه على مضض.
_ أنت تتنصّت على أفكاري!.
نظر الكفّ الى شقيقه وحكّ رأسه بحيرة. كيف يقنعه بعبث الاتهام؟
_ أنا لم أقصد أن أتنصت عليك، ولكننا نملك آذاناً مشتركة.
_ أكره أن تستمع إلي وأنا أمارس الجنس. تصرفك هذا يسبب لي متاعب فيزيائية ونفسية .. هذا عدا عن الحرج وعدم القدرة على الاستمرار الى النهاية .. أعتقد بأنك تفهم ما أريد قوله. كان علي يصيح غاضبا، بالرغم من ادراكه بأن الكفّ ضحية مثله وغير قادر على إيجاد حلٍّ جذريٍّ لهذه المشاكل المشتركة.
احمرّت وجنتا الكفّ خجلاً وهمس قائلاً.
_ لهذا أمارس الحبّ بصمت.
صمت الاثنان وأ?اح كلّ واحدً بوجهه عن الآخر. شعرا بأنّ لحظة الحسم قد دنت. لا يمكن لهذا النمط الغريب من العلاقة أن ت?تمر. كلّ واحدٍ منهما ينمو ويتشعب بعيداً عن الآخر. والرفض هو الصفة المشتركة بينهما، كلاهما يرفض أن تتشابك أغصان وجوده مع الآخر، بالرغم من الجذر المشترك.
_ لنحاول أن نجري هذه العملية؟. قال علي وقد لاحت علامات الجدّ على وجهه.
_ هذا يعني الموت!. أجاب الكفّ بأسى.
_ ليس هناك حلاً آخر. همس علي مغتاظاً، كان يدرك بأن النهاية قد اقتربت. ((سننفصل يا صديقي حتّى وإن كلفني ذلك حياتي، لن أسمح لك بأن تكون شاهداً مطلقاً على حياتي وممارساتي)).
_ اسمع يا صديقي، أعتقد أن المسألة أبسط ممّا تتصور. كلّ ما يجمعنا حبلٌ صُرّي رقيق .. قطعه لا يعني بالضرورة مأساة. دعنا نفعلها وننتهي.
ابتسم الكفّ بعد أن أنهى علي حديثه وأشار نحو البعيد.
_ هل نسيته..
نظر عليّ الى المكان الذي أشار إليه الكفّ.
_ ماذا تعني؟.
_ هل نسيت العجوز الذي يحمل بطيخة على ظهره!.
_ تقصد ..! قالها علي وقد جحظت عيناه هلعاً.
_ نعم .. لن يسمح لنا بذلك.
كان يتمنّى الكفّ لو يدرك علي هذه الحقيقة البسيطة، وهي أن كلاهما امتداداً لذاك العجوز.
نظر علي الى أخيه غاضباً وصاح به.
_ سأقتله .. سأقتله بيدي هاتين.
_ هل نسيت بأنني الي? الأخرى. أنت أحمق مغرور. إنّه يتحكم بمصائر عصبنا المحرّك.
_ أنظر .. إنّه يحدّق بنا.
قلّب العجوز يديه القويتين ووضعهما جانباً ثمّ غطّ في سباتٍ عميق.
_ لكنه بعيد .. بعيدٌ جداً. كان علي يهمس والخوف يتصاعد الى كيانه؟ ((ضاع ذلك الحلم الجميل، لن أكون سيد نفسي بعد اليوم. ما معنى وجودي الآن)).
_ ولكنّه العقل المسيطر؟. استمر علي يهمس والحيرة تتصاعد الى وعيه وكيانه. ضاع ذلك الأمل الذي انتظرته طويلاً. من المؤسف حقّاً خضوع حالة التمرد لقوانين الانتخاب الطبيعي.
انطلق علي نحو الشمال ودار الكفّ الى الجنوب. ابتعدا وشعرا للحظة براحة كبيرة تملأ كيانهما. إنها المرّة الأولى التي يغيب أحدهما عن الآخر.
_ وأخيراً. صاح أحدهما في آنٍ واحد. لهذا لم يسمع أحدهما خليله، ظنّا بأنّ مشاعرهما قد انفصلت. غمرت الفرحة قلب علي والكف. وأخذا يرقصان ويهللان. ولكن لم تمضِ سوى لحظات حتى تقابلا ثانية. أخذ الغضب يتصاعد الى خلاياهما العصبية.
_ أنت؟
انقض أحدهما على الآخر وأخذا يضغطان أصابعهما المتشابكة بشدّة. بقيا على حالهما ذلك حتّى خارت قواهما. شعرا بالوهن ينتشر في كلّ جزءٍ من كيانهما. وما هي إلاّ لحظات حتّى تراخت الأصابع المتشابكة. أدرك علي للمرّة الأولى بأنه مخلوق ضعيف وتابع. أمّا الكفّ فقد أحسّ بالهدوء يملأ نفسه. أحسّ بالراحة للمرّة الأولى منذ أن انفصل عن أخيه. كان قد قرر الانصياع أخيراً لإرادة ذلك العجوز ذو الحدبة الكبيرة.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: بديعة بنمراح
- الزيارات: 11
شمس لاتغيب
قصة قصيرة بديعة بنمراح
الساعة السابعة صباحا.. الأصوات التي سمعتها المرأة على الباب أفزعتها :
ـ ترى من يمكن أن يزورنا الآن ؟ وهجست : لابد أن أمينا ليس على ما يرام !
اليوم مشمس و الهواء عليل ، لكن لسعة برد حارقة اخترقت جسد المرأة وساورتها قشعريرة..
ـ افتحي أنا أمل!
صرخة استطاعت أن تمتص جزء من فزع المرأة
ـ اسمع سيدي ! أتستطيع دفع أتعاب العملية الآن ؟
ـ لكننا اتفقنا أن تمنحوني ثلاثة أيام ، لن تنتهي الا مساء هذا اليوم.
ـ نعم سيدي ! جئت أذكرك فقط ، ولأطمئن الادارة على امكانية...
قاطعه حفيف أقدام تلج الغرقة.
ـ أمين ! أمين !
همست المرأة وهي ترتمي في أحضان زوجها وابتسامة عذبة تسبح في عينيها.
.. هاهي ذي كل الأموال المطلوبة للعملية ، سوف تعود لك عافيتك ، وستخرج من هنا وأنت في أحسن حال.
بعذوبة ورقة كانت كلماتها تسيل.
ـ أهلا أمل ! قال أمين..وهو ينتبه لوجود أخت صديقه ،بعد أن صحا من عطر المفاجأة التي حملتها زوجته.
ـ كيف حالك سيد أمين؟ ضبابة وسوف تنقشع قريبا باذن الله !!
ـ أنا بخير سيدة أمل ، كل ما أرجوه أن تبقي الى جانب رجاء وهي وحيدة.
بخوف فكر كيف استطاعت أن تحصل على هذا المبلغ في وقت قصير ؟!
ألو أمل ! سأصل صباح غد الساعة العاشرة ، أيمكن أن تستقبليني في المطار ؟
ـ بكل فرح حبيبي ، أشواقي لك ملتهبة ، وقلبي يزقزق لأني سأضمك بين أحضاني بعد هذه الغيبة الطويلة!
وكان عناق وقبل وأشواق.
أأنهيت المهمة التي سافرت من أجلها ؟
ـ أجل يا أختي الحبيبة! وبقي لي بعض الوقت للتسكع في شوارع لندن ومسارحها.
ـ ولتمتع ناظريك بفتيات لندن ونسائها !
ـ وهذا أيضا.. كيف حال الأولاد ؟ لقد اشتقت اليهم كثيرا
ـ بخير.. بخير.. أحداث كثيرة حصلت في غيابك ، وكنا نحتاجك لتكون بيننا.
حضن قلبه بيديه وهو يستشعر من خلال بحة صوتها ، ويلمح في بريق عينيها آثار خبر غير سعيد..
وهي تلملم بعض الأشياء الصغيرة المتناثرة هنا وهناك ، لاحظت رجاء شحوبا لازال يعتلي ملامح زوجها ، لكنها سعيدة لأنهما استطاعا تحدي تلك الأزمة الصعبة ! عملية جراحية في القلب! آه يا ربي ! كيف يمكنها أن تتصور ؟ والطبيب يصعقها بالمفاجأة رفضت! قالت لا يمكن أن تسمح لهم بشق قلب حبيبها مهما حصل ، لكنها بعد أن هدأت وتخطت عتبة الصدمة ولجت شعاب القلق
" سبعة ملايين سنتيم نمبلغ فظيع !لا يمكنها أن تتدبره حتى لو باعت كل ممتلكاتهما الكبيرة والصغيرة.. ليت رفيقا كان موجودا ! لكنه رحل منذ ما يقارب الستة أشهر وهي لا تملك وقتا للانتظار"..حين ضاق بها الحال اتصلت بأمل فجاءت ومعها كل الأمل.
وهي تخرج من لجة خيالها ،اصطدمت رجاء بعيني زوجها المليئة بالحيرة و التساؤل ، ابتسمت وقالت:
ـ لا أظنني نسيت شيئا ، هل انت مستعد لنغادر المستشفى في الحال؟ الطبيب وقع اذن الخروج وصحة حبيبي تحسنت و...
ـ رجاء ! لم تتجاهلين تساؤلاتي مذ خرجت من غرفة الانعاش؟ كيف حصلت على المبلغ ، ومن الذي وقف الى جانبك في غيابي ؟
ـ أنا يا رفيق !
ـ ومن أين لك بسبعين ألف درهم؟
ـ رهنت بيتي.
ـ لكن كيف ترهنين البيت الذي يأويك وأولادك يا أمل ؟
ـ وهل تظنني أقل وفاء منك يا أخي العزيز؟ هل كان ممكنا أن أتخلى عن صديق عمرك وهو يمر بأزمة تهدد حياته ؟ آه لو رأيت دموع رجاء يا رفيق! لو أحسست بيأسها وتأوهاتها!
ـ ولم لم تتصلي بي يا أمل ؟
ـ الوقت كان سيفا على الرقاب ، والطبيب قال لا يمكننا الانتظار وأنا رأيت بامكاني انقاذ حياة انسان ففعلت.
شيء مضيء وانساني كان يشع بينهم وهم مجتمعون أربعتهم في بيت رجاء وأمين بعد أن خرج من المستشفى معافى ، ومن النافذة المفتوحة في الغرفة التي ضمتم ، اندفعت خيوط شمس حريرية بدا أنها أبدا لن تغيب