- التفاصيل
- كتب بواسطة: عطاالله شاهين
- الزيارات: 14
شبح امرأة
بقلم عطاالله شاهين
اذكر أنني كنت نائما حينما ايقظتني متسولة تدق باب منزلي بقوة،فهرعت نحو الباب غاضبا لأرى امرأة شابة بلباسها الردئ والممزق، تقول: أرجوك ساعدني. وقفت انظر إلى عينيها الحزينتين، ودعوتها لتستريح إذ بدا عليها علامات التعب والإرهاق. في البداية ترددت، ولكن مع إصرارها دخلت وأجلستها قرب مدفأة حطبٍ يداعب اللهب بقايا جدرانها المحترقة.
كانت ترتجف من شدة البرد، فأحضرت لها بعضا من الملابس، وقلت لها:اذهبي وخذي حماما وارتدي ما يناسبك من تلك الملابس.
بعد فترة خرجت وبدت جميلة للغاية بشعرها الأسود الطويل المنسدل على ظهرها بانسياب جنوني فقلت لها: أليس من العيب امرأة مثلك تعمل متسولة فأنت جذابة بجنون . فقالت:لقد انفصلت عن زوجي ولا يوجد لي احد في هذه الدنيا فاخترت التسول كي أتمكن من العيش.
فحزنت عليها ولم اسألها عن سبب انفصالها، وجلست على الأريكة وفي عينيها شيئ تود أن تبوح به ، فسكتت للحظات ثم سألتني هل تحتاج الى خادمة؟ يبدو أنك تعيش لوحدك.
فقلت لها: نعم اعيش لوحدي منذ طفولتي وقد تعودت على ذلك، ولكن إذا أنت بحاجة إلى عمل فأنا لا أمانع أن تعملي عندي، فاقتربت نحوي تشكرني وذهبت إلى المطبخ لغلي القهوة، وبدا عليها علامات السرور.
فشربنا القهوة معا، وتبادلنا الحديث، وتركتها وخرجت إلى عملي، وعدت عند المساء لأرى البيت بدا نظيفا فاستقبلتني بابتسامة عريضة، وقالت: هل يوجد فرق؟ وكانت تقصد أن البيت ينقصه امرأة.
فقلت لها: بالتأكيد.
في اليوم التالي صحوت من فراشي ولم اجدها ، فبحثت عنها في البيوت المجاورة وخلف جدار الفصل العنصري،لكنها اختفت ربما تكون شبحا ارادت أن توصل لي رسالة بأن الإنسان لا يستطيع العيش وحيدا.
وذات يوم كنت جالسا افكر في تلك المرأة الغريبة، وبغتة سمعت دقات على الباب، فخرجت ملهوفا لأرى من الطارق؟ فإذا هي ذاتها تبكي وتقول: لا أريد أن ينعتوني الجيران بأني امرأة داعرة، فاضطررت لترك منزلك تحت جنح الظلام. فهدأت من بكاءها، وادخلتها الى الصالون وقلت لها: ماذا تقصدين؟
فردت والدموع تنهمر من عينيها أريد الزواج منك ، حينها تسكت الأصوات المجاورة، لم أعطها جوابا نهائيا، ووعدتها بدراسة الموقف، فدعوتها للبقاء ، ولكنها اصرت على الزواج.
وخرجت ولم تعد وأنا ما زلت ابحث عنها من جديد .. ابحث عنها في الأزقة والطرقات لا احد يذكر لي بأنها متسولة. اعود الى بيتي وأقول: إنها شبح امرأة اذكر تلك الليلة حينما حاولت أن تغازلني في الظلام بطريقة جنونية لم اعهدها من قبل وكأنها طيف أراد اشباع رغباته بعيدا عن ضوء القمر .. ربما إن وجدتها سأتزوجها بعد أن تميتني بلسعاتها اللذيذة.
فأنا أحببتها وقبّلتها ذات ليلة ضحك فيها القمر ، أحببت امرأة متسولة بجسدها الجذاب هيهات أن اجد مثله في زمن الخوف والإرهاب.
اذرع غرفتي كالمجنون واقول:هيا ارجوك ارجعي لتريحيني من انعزالي المميت .. لقد اشتقت الى ابتسامتك العريضة .. اشتقت الى شفتيك الحزينتين. أين أنت الآن؟ هيا ارجعي وسأقبلك زوجة متسولة علة جسدي.
أين أنت الآن؟ ألا تشتاقين الى قبلاتي في الظلام الدامس؟
ارجعي وسأورثك جسدي لتحفريه بأظافرك الحادة. مزقيني كما ترغبين ارجوك ارجعي فأين أنت الآن؟
لا تتركيني اموت هكذا فأنا لم أحب امرأة مثلك فأنت من علّمتني الحب في الظلام لا يهمني من تكوني شبحا أم ملاكا .. وها القمر يطل فجأة وانتظر اختفاءه حتى ابحث عنك في الظلام .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سمية البوغافرية
- الزيارات: 9
شطارة...
سمية البوغافرية
المغرب
صراخ حاد هز في الظهيرة أرجاء مقهى حارتنا وانطفأ.. دب القلق في الأعماق.. فغرت الأفواه.. تجمدت الأشداق على ابتلاع الرشفات الباردة.. اشرأبت الأعناق.. استدارت العيون في المحاجر ثم تسمرت جاحظة بالركن الأيمن.. احتد الفضول.. تعددت التأويلات واللغز واحد لتستقر على الإرهاب السري.. هتف أحد الرواد.. لعنة العصر حلت بدربنا الموغل في الانغلاق.. تبا للإرهابيين وما تسول لهم أنفسهم.. اللعنة على مصاصي الدماء.. اللعنة على خفافيش الظلام.. تأهبت بعض الأقدام للفرار وتأهبت الأخرى للإنقاذ.. وبينما المقهى تفور وتغلي، هبت قهقهات مدوية من الركن الأيسر حيث يقبع دائما حمدون، صاحب المقهى، يخطط ويعد ويقيم... فعصفت القهقهات بالتوقعات وبددت القلق في النفوس فانقلبت عقارب البوصلات لتستدير الأعناق تبتسم مع حمدون وزبانيته المنهارين بالضحك..
هدأت النفوس وارتسمت البسمات على الشفاه، لكن الفضول احتد في العيون حدة شمس زوال ذلك النهار..
ها هو العم سعدون يخترق العيون الجاحظة.. يدب من بوابة حمام المقهى منطفئا، حافي القدمين وهو يشد بأسنانه الصدئة على طرف عباءته المرقعة.. يتعثر في مشيته.. يئن بصوت خافت كجرو يطرق بوابة الحياة.. يرتجف وينكمش على نفسه كمن يقاوم قشعريرة برد صقيعي.. ظهره المنجلي يغطي شكل جسده النحيف.. ركبتاه العظميان بارزتان وساقاه النحيفتان المكسوتان بجلد ذو طعم داكن لا تسعفاه على الركض.. والنادل فتحي يسرع الخطى.. يركض وراءه بشكل كاريكاتوري ليمكنه ما تركه في الحمام من شدة ما حل به: سروال عريض لا لون له وحذاء لم يبق إلا رسمه. ورواد المقهى القابعون على كراسيها المتململة، يكبحون الضحك.. يتساءلون.. يتهامسون..يستغربون المشهد اللغز الذي يعاينونه بلذة واستغراب.. يفتقرون إلى التعبير عن فصوله الكوميدية للتلذذ وقتل الوقت ولنسج حدوتة يروونها للغائبين..
العم سعدون غارق في مأساته.. شكله شكل طفل هزيل استفاق من عملية ختان أشرف عليها حجام مغمور.. يركض كالمخمور إلى بيته عله ينقذ ما يمكن إنقاذه.. تارة ينفث بفمه على ما تحت حزامه.. تارة يرفع إحدى رجليه ويطفئ حرقته بطرف عباءته.. وتارة أخرى ينط مثل جرو جارتنا العنيد الذي تعلقت بذيله يوما جمرة ملتهبة فطار من شدة الألم إلى سطح منزلنا ينبح ويعوي ، فبدا في الظلام كنجم لامع يدور في فلك بيتنا والرياح تزيده لمعانا. وكم تمنيت لحظته لو ينزل لأخمد جمرته برشة ماء، أما نار العم سعدون فلا تقوى على إخمادها حتى خراطيم مياه رجال المطافئ...
كعادته كل يوم جمعة، يستيقظ العم سعدون باكرا، يتطهر ويتعطر ثم يلبس جلبابه الوحيد المرقع الذي لا يملك سواه، وقد ورثه عن جده من أمه الذي مات من شدة لهفه عن أكل اللحم. يغطي صلعته بقبعة حمراء متلاشية الأطراف بعد تطهيرها من الغبار والبعوض. فيبدو آدميا بسحنته، طهورا محترما وقورا في شكله، كما يقطع عادة قضاء حاجته في مقهى حمدون. يلم جيرانه ونساء دربه لأداء صلاة الجمعة التي لا يؤدي صلاة غيرها. فيبدو وسط رفاقه قزما أنيقا، أقصرهم قامة، أقلهم وزنا، أخفهم دما وأكثرهم حركة و ثرثرة.
حكاياته السندبادية الهزلية ومغامراته الإبليسية وحركاته الميكانيكية الآلية جعلت منه نجم الحارة. وإذا حدث أن تغيب عن مجالس رفاقه يوما، تلهفت إليه النفوس وهرولت أقدام الصغار والكبار لتقتفي أثره.. كان العم سعدون محبوبا لدى الجميع رغم تطاول الألسنة عليه استهزاء وسخرية. قال له يوما الحاج مختار ضاحكا: "إني أراك يا سعدون الميمون تختزل الصلوات في صلاة الجمعة، وفي بقية أيام الأسبوع يتولاك الله برحمته" فرد عليه متحسسا بيده اليمنى رأسه الصلعاء:"دعنا من هذا الكلام الذي لا يجدي وإلا..." قاطعه الحاج مختار مبتسما:" وإلا تركت صلاة الجمعة أيضا."
لكن اليوم، اختفى العم سعدون عن الأنظار، وغاب عن الرفاق، واحتجب عن النساء، وصد باب بيته الذي لا يغلق عادة إلا في وقت متأخر من الليل. ولولا بعض الملابس المتلاشية، المنشورة قرب بابه، لحق القول أن داره مهجورة منذ زمن طويل.
بعد صلاة الجمعة، تقدم رفاقه إلى بيته وهم يتهامسون، يتنابزون.. قال الحاج مختار الذي لا يكف عن الاستهزاء به وإثارة أعصابه: "يبدو أن الجزارين والخضارين وبائعي السمك قد هاجموا بهرواتهم عمنا سعدون لينالوا منه حق ما اختلسه منهم بعدما عجزوا عن نيله بحجة الكلام، وأشك في أن يفتح لنا الباب.." ثم صرخ ضاحكا حينما تذكر ذلك الصباح الذي اشتكى له من الحرب التي نشبت بينه وبين الناموس والباعوض والبق... فاستشاره بجديته النادرة في طريقة الاستفادة من تلك الحشرات الضارة التي تؤذيه في جسده وتفسد طعامه وتؤرق نومه وتقلق راحته. فنصحه يومئذ الحاج مختار بأن يلم جمعا منها ويرحيها مؤكدا له بأن لحمها يقال عنه في بلاد الصين أنه ألذ من لحم الطير، ثم غادره يقهقه كالأبله تاركا إياه غارقا في البحث عن الوسيلة التي تمكنه من تحقيق هذه الفائدة ، وهو يتساءل محتارا إن كان سيتولى الجزار مسعود رحيها بعد جمعها دون أن يطالبه بالمقابل أو يشج صلعته بعظم آخر كما فعل معه سابقا حينما أمسك به يختلس اللحم من المفرمة...
اقتحم الرفاق عليه زنزانة "الغرفة" فوجدوا رفيقهم مستلقيا على ظهره، متوسدا وسادتين، عيناه شبه نائمتين، ساقاه متورمتان وركبتاه منتصبتان، ووجهه البني القاتم أضحى قمحيا من شدة ما حل به. سكنت حركاته وهاجرته ثرثرته المعهودة وانطفأت ابتسامته التي كانت لا تفارق شفتيه فدب القلق في أعماق رفاقه وخشوا أن ينطفئ كلية. حاولوا عبثا استنباط سر علته، لكن العم سعدون قطع أنينه برفع يده اليمنى إلى السماء في إشارة إلى قدر الله. في حين قالت زوجته زبيدة التي تكفكف دمعها وتخفف درجة حرارته بمناديل تبللها من فينة لأخرى وتضعها على جبهته: "بعلي كان سليما عندما ذهب إلى المقهى كعادته، لكن حمدون الرجيم..." انحبس الكلام في حلقها فانصرفت وهي تجهش بالبكاء.
كانت يدا العم سعدون تطولان كل شيء تلتقطه عيناه.. يدفع ثمن رطل واحد من الخضر أو الفواكه أو السمك... ويتحايل على دفع سعر أرطال منها. وحينما ينصحه رفاقه بأن يكف عن عادته هذه التي تصغره في عيونهم يجيب مفتخرا بنفسه: هي مسألة شطارة وحذلقة وليست سرقة..." وقد حاول مرارا أن يستخدم دهاءه للتحايل على أداء ثمن كوب من الشاي أو فنجان قهوة، لكن حمدون كان يقف له بالمرصاد ويحرمه حتى من الاقتراب من مقهاه أو الجلوس على كرسي من كراسيها قبل أن يطلب شرابا ويدفع ثمنه مسبقا.. كان يذكره باستمرار وبقسوة: "إنه مالي الخاص كونته بعرق جبيني.. إياك ثم إياك أن تقترب من المقهى لتصنع شيئا مما تحدثك به نفسك ". لكن العم سعدون، الذي لا يرضى بالهزيمة ولا تعوزه الوسيلة اهتدى إلى استغلال مرحاض الحمام.. يؤمه متى استغفل حمدون.. يقضي حاجته.. يتوضأ.. أحيانا يستحم ثم يخرج مزهوا بنفسه ليحكي لرفاقه كيف انتقم لنفسه ممن يعتبرونه أبطش منه.
تفطن حمدون لفعلة العم سعدون وتكرارها فنبهه سرا إلى مدى الخسارة التي يلحقها به بسبب ما يهدره من المياه. لكن العم سعدون لا يصغي إلا إلى نزعته الداخلية.. يستغفل حمدون.. يدخل الحمام.. يتوضأ وأحيانا يستحم ويخرج كعادته مزهوا فخورا بانتصاره ويبرر فعلته بأن الحمام مجانا.. لم يتمالك حمدون أعصابه فأسرع إليه يوما وأمسكه من رقبته القصبية ورفعه كالريشة وتركه معلقا بين السماء والأرض حتى كاد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، قائلا له بصوت حاد:"إذا كان الفأر شاطرا فالقط أشطر منه." ثم خبطه مع الأرض. لم العم سعدون أشلاءه بحذر مصطنع.. نفض ما تعلق بلباسه من غبار.. استرجع أنفاسه وازدرد ريقه ثم هز رأسه متحديا حمدون وشرارة عينيه فأطلق ساقيه للريح تاركا حمدون يغلي بداخله ويشحذ أسلحته...
يومها لم يتردد حمدون في نزع حنفية الحمام ووضع محلها سطلا متوسط الحجم يملأه من حين لآخر بلتر أو لترين من الماء.. وإذا حدث أن رأى سعدون يحوم حول مقهاه أو حاول الاقتراب منها توعده شرا بلسانه وعينيه وبالهراوة التي لا تفارق يده. ومع ذلك تهجم العم سعدون في أكثر من مرة على الحمام وقضى غرضه وخرج منه سالما معافى. ولم يرتدع حتى اليوم الذي أقدم فيه حمدون على صب كمية هائلة من الماء القاطع في سطل المرحاض ثم انزوى يترقب مجيء صيده.
يومه، قدم العم سعدون حذرا كعادته، التفت إلي يمينه ثم إلى شماله، وتسرب متخفيا إلى المرحاض. قضى حاجته ثم شرع يتوضأ.. وبعد هنيهة أطلق صراخه الذي اهتزت له أرجاء المقهى.. فخرج حمدون من مخبئه يفتل أطراف شنبه الكثيف المنتفضة بلذة ونشوة وهو يعقب فريسته، التي تتخبط في خطواتها كفأرة مسمومة تصارع الموت، وتقدم يبتسم وعلامات المكر بادية على وجهه، إلى زبانيته التي تتزلزل أجسادهم بالضحك فقال لهم مقهقها قولته المشهورة:"القاطع لمن لا يقطع عادته!..."
سمية البوغافرية
الناظور، 2002 ـ
المغرب
شطارة...
سمية البوغافرية
الناظور/ المغرب
صراخ حاد هز في الظهيرة أرجاء مقهى حارتنا وانطفأ.. دب القلق في الأعماق.. فغرت الأفواه.. تجمدت الأشداق على ابتلاع الرشفات الباردة.. اشرأبت الأعناق.. استدارت العيون في المحاجر ثم تسمرت جاحظة بالركن الأيمن.. احتد الفضول.. تعددت التأويلات واللغز واحد لتستقر على الإرهاب السري.. هتف أحد الرواد.. لعنة العصر حلت بدربنا الموغل في الانغلاق.. تبا للإرهابيين وما تسول لهم أنفسهم.. اللعنة على مصاصي الدماء.. اللعنة على خفافيش الظلام.. تأهبت بعض الأقدام للفرار وتأهبت الأخرى للإنقاذ.. وبينما المقهى تفور وتغلي، هبت قهقهات مدوية من الركن الأيسر حيث يقبع دائما حمدون، صاحب المقهى، يخطط ويعد ويقيم... فعصفت القهقهات بالتوقعات وبددت القلق في النفوس فانقلبت عقارب البوصلات لتستدير الأعناق تبتسم مع حمدون وزبانيته المنهارين بالضحك..
هدأت النفوس وارتسمت البسمات على الشفاه، لكن الفضول احتد في العيون حدة شمس زوال ذلك النهار..
ها هو العم سعدون يخترق العيون الجاحظة.. يدب من بوابة حمام المقهى منطفئا، حافي القدمين وهو يشد بأسنانه الصدئة على طرف عباءته المرقعة.. يتعثر في مشيته.. يئن بصوت خافت كجرو يطرق بوابة الحياة.. يرتجف وينكمش على نفسه كمن يقاوم قشعريرة برد صقيعي.. ظهره المنجلي يغطي شكل جسده النحيف.. ركبتاه العظميان بارزتان وساقاه النحيفتان المكسوتان بجلد ذو طعم داكن لا تسعفاه على الركض.. والنادل فتحي يسرع الخطى.. يركض وراءه بشكل كاريكاتوري ليمكنه ما تركه في الحمام من شدة ما حل به: سروال عريض لا لون له وحذاء لم يبق إلا رسمه. ورواد المقهى القابعون على كراسيها المتململة، يكبحون الضحك.. يتساءلون.. يتهامسون..يستغربون المشهد اللغز الذي يعاينونه بلذة واستغراب.. يفتقرون إلى التعبير عن فصوله الكوميدية للتلذذ وقتل الوقت ولنسج حدوتة يروونها للغائبين..
العم سعدون غارق في مأساته.. شكله شكل طفل هزيل استفاق من عملية ختان أشرف عليها حجام مغمور.. يركض كالمخمور إلى بيته عله ينقذ ما يمكن إنقاذه.. تارة ينفث بفمه على ما تحت حزامه.. تارة يرفع إحدى رجليه ويطفئ حرقته بطرف عباءته.. وتارة أخرى ينط مثل جرو جارتنا العنيد الذي تعلقت بذيله يوما جمرة ملتهبة فطار من شدة الألم إلى سطح منزلنا ينبح ويعوي ، فبدا في الظلام كنجم لامع يدور في فلك بيتنا والرياح تزيده لمعانا. وكم تمنيت لحظته لو ينزل لأخمد جمرته برشة ماء، أما نار العم سعدون فلا تقوى على إخمادها حتى خراطيم مياه رجال المطافئ...
كعادته كل يوم جمعة، يستيقظ العم سعدون باكرا، يتطهر ويتعطر ثم يلبس جلبابه الوحيد المرقع الذي لا يملك سواه، وقد ورثه عن جده من أمه الذي مات من شدة لهفه عن أكل اللحم. يغطي صلعته بقبعة حمراء متلاشية الأطراف بعد تطهيرها من الغبار والبعوض. فيبدو آدميا بسحنته، طهورا محترما وقورا في شكله، كما يقطع عادة قضاء حاجته في مقهى حمدون. يلم جيرانه ونساء دربه لأداء صلاة الجمعة التي لا يؤدي صلاة غيرها. فيبدو وسط رفاقه قزما أنيقا، أقصرهم قامة، أقلهم وزنا، أخفهم دما وأكثرهم حركة و ثرثرة.
حكاياته السندبادية الهزلية ومغامراته الإبليسية وحركاته الميكانيكية الآلية جعلت منه نجم الحارة. وإذا حدث أن تغيب عن مجالس رفاقه يوما، تلهفت إليه النفوس وهرولت أقدام الصغار والكبار لتقتفي أثره.. كان العم سعدون محبوبا لدى الجميع رغم تطاول الألسنة عليه استهزاء وسخرية. قال له يوما الحاج مختار ضاحكا: "إني أراك يا سعدون الميمون تختزل الصلوات في صلاة الجمعة، وفي بقية أيام الأسبوع يتولاك الله برحمته" فرد عليه متحسسا بيده اليمنى رأسه الصلعاء:"دعنا من هذا الكلام الذي لا يجدي وإلا..." قاطعه الحاج مختار مبتسما:" وإلا تركت صلاة الجمعة أيضا."
لكن اليوم، اختفى العم سعدون عن الأنظار، وغاب عن الرفاق، واحتجب عن النساء، وصد باب بيته الذي لا يغلق عادة إلا في وقت متأخر من الليل. ولولا بعض الملابس المتلاشية، المنشورة قرب بابه، لحق القول أن داره مهجورة منذ زمن طويل.
بعد صلاة الجمعة، تقدم رفاقه إلى بيته وهم يتهامسون، يتنابزون.. قال الحاج مختار الذي لا يكف عن الاستهزاء به وإثارة أعصابه: "يبدو أن الجزارين والخضارين وبائعي السمك قد هاجموا بهرواتهم عمنا سعدون لينالوا منه حق ما اختلسه منهم بعدما عجزوا عن نيله بحجة الكلام، وأشك في أن يفتح لنا الباب.." ثم صرخ ضاحكا حينما تذكر ذلك الصباح الذي اشتكى له من الحرب التي نشبت بينه وبين الناموس والباعوض والبق... فاستشاره بجديته النادرة في طريقة الاستفادة من تلك الحشرات الضارة التي تؤذيه في جسده وتفسد طعامه وتؤرق نومه وتقلق راحته. فنصحه يومئذ الحاج مختار بأن يلم جمعا منها ويرحيها مؤكدا له بأن لحمها يقال عنه في بلاد الصين أنه ألذ من لحم الطير، ثم غادره يقهقه كالأبله تاركا إياه غارقا في البحث عن الوسيلة التي تمكنه من تحقيق هذه الفائدة ، وهو يتساءل محتارا إن كان سيتولى الجزار مسعود رحيها بعد جمعها دون أن يطالبه بالمقابل أو يشج صلعته بعظم آخر كما فعل معه سابقا حينما أمسك به يختلس اللحم من المفرمة...
اقتحم الرفاق عليه زنزانة "الغرفة" فوجدوا رفيقهم مستلقيا على ظهره، متوسدا وسادتين، عيناه شبه نائمتين، ساقاه متورمتان وركبتاه منتصبتان، ووجهه البني القاتم أضحى قمحيا من شدة ما حل به. سكنت حركاته وهاجرته ثرثرته المعهودة وانطفأت ابتسامته التي كانت لا تفارق شفتيه فدب القلق في أعماق رفاقه وخشوا أن ينطفئ كلية. حاولوا عبثا استنباط سر علته، لكن العم سعدون قطع أنينه برفع يده اليمنى إلى السماء في إشارة إلى قدر الله. في حين قالت زوجته زبيدة التي تكفكف دمعها وتخفف درجة حرارته بمناديل تبللها من فينة لأخرى وتضعها على جبهته: "بعلي كان سليما عندما ذهب إلى المقهى كعادته، لكن حمدون الرجيم..." انحبس الكلام في حلقها فانصرفت وهي تجهش بالبكاء.
كانت يدا العم سعدون تطولان كل شيء تلتقطه عيناه.. يدفع ثمن رطل واحد من الخضر أو الفواكه أو السمك... ويتحايل على دفع سعر أرطال منها. وحينما ينصحه رفاقه بأن يكف عن عادته هذه التي تصغره في عيونهم يجيب مفتخرا بنفسه: هي مسألة شطارة وحذلقة وليست سرقة..." وقد حاول مرارا أن يستخدم دهاءه للتحايل على أداء ثمن كوب من الشاي أو فنجان قهوة، لكن حمدون كان يقف له بالمرصاد ويحرمه حتى من الاقتراب من مقهاه أو الجلوس على كرسي من كراسيها قبل أن يطلب شرابا ويدفع ثمنه مسبقا.. كان يذكره باستمرار وبقسوة: "إنه مالي الخاص كونته بعرق جبيني.. إياك ثم إياك أن تقترب من المقهى لتصنع شيئا مما تحدثك به نفسك ". لكن العم سعدون، الذي لا يرضى بالهزيمة ولا تعوزه الوسيلة اهتدى إلى استغلال مرحاض الحمام.. يؤمه متى استغفل حمدون.. يقضي حاجته.. يتوضأ.. أحيانا يستحم ثم يخرج مزهوا بنفسه ليحكي لرفاقه كيف انتقم لنفسه ممن يعتبرونه أبطش منه.
تفطن حمدون لفعلة العم سعدون وتكرارها فنبهه سرا إلى مدى الخسارة التي يلحقها به بسبب ما يهدره من المياه. لكن العم سعدون لا يصغي إلا إلى نزعته الداخلية.. يستغفل حمدون.. يدخل الحمام.. يتوضأ وأحيانا يستحم ويخرج كعادته مزهوا فخورا بانتصاره ويبرر فعلته بأن الحمام مجانا.. لم يتمالك حمدون أعصابه فأسرع إليه يوما وأمسكه من رقبته القصبية ورفعه كالريشة وتركه معلقا بين السماء والأرض حتى كاد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، قائلا له بصوت حاد:"إذا كان الفأر شاطرا فالقط أشطر منه." ثم خبطه مع الأرض. لم العم سعدون أشلاءه بحذر مصطنع.. نفض ما تعلق بلباسه من غبار.. استرجع أنفاسه وازدرد ريقه ثم هز رأسه متحديا حمدون وشرارة عينيه فأطلق ساقيه للريح تاركا حمدون يغلي بداخله ويشحذ أسلحته...
يومها لم يتردد حمدون في نزع حنفية الحمام ووضع محلها سطلا متوسط الحجم يملأه من حين لآخر بلتر أو لترين من الماء.. وإذا حدث أن رأى سعدون يحوم حول مقهاه أو حاول الاقتراب منها توعده شرا بلسانه وعينيه وبالهراوة التي لا تفارق يده. ومع ذلك تهجم العم سعدون في أكثر من مرة على الحمام وقضى غرضه وخرج منه سالما معافى. ولم يرتدع حتى اليوم الذي أقدم فيه حمدون على صب كمية هائلة من الماء القاطع في سطل المرحاض ثم انزوى يترقب مجيء صيده.
يومه، قدم العم سعدون حذرا كعادته، التفت إلي يمينه ثم إلى شماله، وتسرب متخفيا إلى المرحاض. قضى حاجته ثم شرع يتوضأ.. وبعد هنيهة أطلق صراخه الذي اهتزت له أرجاء المقهى.. فخرج حمدون من مخبئه يفتل أطراف شنبه الكثيف المنتفضة بلذة ونشوة وهو يعقب فريسته، التي تتخبط في خطواتها كفأرة مسمومة تصارع الموت، وتقدم يبتسم وعلامات المكر بادية على وجهه، إلى زبانيته التي تتزلزل أجسادهم بالضحك فقال لهم مقهقها قولته المشهورة:"القاطع لمن لا يقطع عادته!..."
سمية البوغافرية
الناظور، 2002 ـ
المغرب
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمــــــد النهـــــير
- الزيارات: 15
تبرجت ولادة بأجمل ما تتزين به النساء , ولبست أفخر ثوب من ثيابها المطرزة بأبيات شعر لاهبة , لأشهر شعراء الغزل الماجن , ثم هبطت بغنج زائد , درجات المنزل إلى الطريق المؤدية إلى مكان الاحتفال الكبير , الذي سيقام خصيصاً لذلك اليوم المشهود يوم تسليم غر ناطة ... !
بدت ولادة لذيذة الطعم , كفاكهة أندلسية أكتمل نضوجها , مثيرة وجذابة , أنوثتها الطافرة تنز من كلّ مفاتنها , شعرها الأسود مرخ ٍ كليل ٍاختفى قمره , لونه القاتم يكلل نصفها الأعلى إلى أسفل ردفيها المكتنزين , ووجهها الحليبي الساحر يشعّ أبهة ًووقاراً وعيناها الآسرتان تثيران الارتباك والشهوة , كأنهما عينا " ميدوزا " ما إن ترمق بهما أي رجل ساقه القدر إلى المرور في تلك الطريق , حتى يستمر في مكانه , مذهولاً ... مأسوراً بجمالها الفتان ... !!! .
عبقها الأنثوي , يعبئ المكان , يفوح كأريج صباح ربيعي باكر , من نهارات نيسان الدافئة , مجلواً بضياء شمس باهرة , انفلت شعاعها من أسر غيم شتاء طويل .
اليوم تسلم غر ناطة , بعد أن بيعت في مزاد علني ، حضره حشد كبير من المتفرجين . اشتراها أحد الغرباء بثمن بخس ونصب نفسه حاكما عليها .
الجميع منهمكون في الاستعداد لهذا اليوم المشهود ... لقد قرروا حضور الاحتفال الكبير ، الذي سيقام تخليدً لهذه المناسبة التي لا تنسى ... !!! .
ومن أجل أن يأخذ الاحتفال مظهراً كرنفالياً صاخباً ، وجه حاكم المدينة الجديد دعوات لكل سكان المدينة , كل باسمه ، يدعوهم فيها إلى حضور الاحتفال الكبير , كتب على كل بطاقة دعوة :" يسر سعادة حاكم غر ناطة الجديد , أن تلبوا دعوته الرسمية في حضور الفرح الكبير بتسليم غر ناطة ... مدينتكم الجميلة , وبما لهذا اليوم من أهمية خاصة , قررنا عدم قبول أي اعتذار عن الحضور ... وكل من يتخلف , سوف .... ؟ ؟ ؟ "
مدّ المستكفي رأسه البلوري الشفاف , من النافذة الصغيرة , التي تطل على الطريق , من الدور العلوي ، وصرخ غاضباً : ولادة ... يا ولادة ... تمهلي ... فالمغني سيتأخر قليلاً ... لأنه مازال نائماً . لقد أمسى مخموراً , ولم ينم ليله البارحة لحظة واحدة , ... فلم العجلة ... ؟ .
هزت ولادة رد فيها , معلنة عن عدم الاكتراث لما قاله المستكفي , ومضت في سبيلها ... تتقدم إلى مكان الاحتفال ... تتقدم شاردة الذهن , وكأنها مساقة سوقاً , بلا وعي , وبلا إرادة قالت في نفسها : ياله من مغني كسول ... في كل الاحتفالات السابقة لم يتأخر أبداً... ! .
ثم طوحت بحقيبة يدها الجلدية السوداء , إلى لا اتجاه , ونثرت شعرها الأسود ، بحركة دائرية سريعة من رأسها , فصار شعرها ليلاً دامساً ,غطى كل جسدها حتى وجهها القمري , اختفى تماماً ظلله سواد قاتم , فاختفت الشمس , وفرّ الضياء مذعوراً , وعمّ فضاء المدينة ليل حالك الدجنة , حتى ولادة نفسها صارت شبحاً أسوداً , ... قررت أن تخترق الظلام , وتذوب فيه ... !
- التفاصيل
- كتب بواسطة: افتهان عبد الفتاح الزبيري
- الزيارات: 12
(قصة )
لقطة من فيلم
أكرهك ..أكرهك.. أكرهك .. أكرهك.. أكرهك
أنت إنسان منحط.. حقير.. كاذب .. مداهن، صراخها كان يملأ المكان وأبناؤها في ركن الغرفة متماسكين يملؤهم الرعب ، وهو على كرسي هزاز ، النار مشتعلة في المدفأة المتواضعة تحدث أصوات تزيد من توتر الوضع.
كان صامتا ، دخان سجائره يغطي وجهه الأسمر يبتسم حينا ويغضب حينا آخر.. لكنها حين رأت ذلك الوضع بدأت بشتم أبنائها الثلاثة ...
أكرهكم أيضا لأنكم أبناءه وقفزت إليهم تريد ضربهم لكنها ما أن وصلت إليهم وتمعّنت أكثر للدموع والخوف في مقلهم البريئة وارتعاش أطرافهم الصغيرة ..توقفت ، أخذت كوب الماء الذي كان موضوع في طاولة مجاورة أثناء جنون دورانها في أطراف المنزل ، رمت الكوب عند قدمي زوجها الساكن غضبا لم ينكسر الكوب وانكسرت حين خارت قواها وركعت منهارة ،سار إليها ببطء ورفعها ببطء كان وقوفها متمايل متهاوي، فهوت يده على خدها الصغير ، لطمها بقوة وسقطت مرة أخرى وشتائمها له يبتلعها الخوف واللاوعي، لم تعد قادرة على المقاومة هذه المرة أو الصراخ أو الدفاع ،أغمي عليها .
تركها على أرضية المكان وأمر أبنائه بالاتجاه لغرفتهم وبدوره دخل مكتبته الصغيرة وأغلق الباب بعنف على نفسه.
رجل متسلط الطباع ،ترك أخلاقه مذ كان صغيرا عند أحد الباعة المتجولين ففقد أخلاقه بين تلك الزحمة !! فظ لكن المداهنة أسلوبه في كثير من الأحيان وادعاء الصدق والصراحة تبرير لعنفه .
مريض جدا فظاظة طبعه لا يتحملها سوى زوجته وبعض أفراد أسرته .
رفض أن يطلق زوجته ورفض التعامل معها بشكل راقي يحبها غير أن مرضه يسيطر عليه !! مرات كثيرة تحاول الهرب منه، لكنه أحسن الاختيار لأنها لا أسرة لها. رآها ذات مرة في الجامعة فتتبع أخبارها وعرف أنها تعيش في سكن الطالبات في الجامعة وقبلها كانت في أحد الملاجئ للأيتام ،توّلت أمر نفسها بعد ذلك.
في الوهلة الأولى بدا لها حنوناً جدا محباً مخلصاً ، ومتفان ! أرادت أن تعيش تحت ظلاله بدلا من صراعها والحياة.
رغم أنه ذكي فذ !! محبوب من قبل الآخرين مريض بالنرجسية أحيانا،خبيث التصرف أحيانا أخرى ،إلا أنه ناجح بحياته.. ذلك لأنه لن يسمح لأي إنسان اختراق أنانيته ، نفسه فوق كل شيء، التفكير بالآخر تأتي في المرتبة الأخيرة .
هذا إذا وضع لهم مرتبة أصلا في قاموس حياته المزدحم .
سلوى اكتشفت ذلك مؤخرا ، دائما تدافع عن سلوكياته. تبرر أخطاءه ترمي طباعه خلف تعبه وانهماكها مع كينونته ولم تكن ترى . لأنها أرادت أن تعيش رماها القدر بيد إنسان مريض مهزوز..!!
أفاقت وأبناؤها الثلاثة يصرخون يبكون ،الرعب يأكل استقرارهم .أبوهم ضيع معنى السعادة البرئية من أعماقهم يحبونه بشدة ويكرهونه بشدة ،شرس متقلب الطباع.
خرج من الغرفة المجاورة .. كان واقفا بشكل متجبر حتى أن أبناءه لم ينطقوا بكلمة واحدة ،اقترب .. واقترب الخوف منهم ، فتحت مقلتيها الناعستين ! كانت تنظر إليه ،أغلقت عينيها وسقطت دمعة ذل.. من مقلتيها الحائرتين.
جلس بجوار أبنائه وتحسس برفق رؤوسهم واحتضنهم وتساقطت من مقلتيه أيضاً دموع الندم.. ثم انحنى يقّبل زوجته لكن وجهها رفض وجبينها انحرف.
حاولت النهوض .. لكنها لم تستطع ، ساعدها ..
أخبر أبناءه أن يرتدوا أجمل ما لديهم لأنهم سوف يخرجون للنزهة وسوف يتناولون وجبة العشاء خارج المنزل وسيبتاع لهم ما يريدون.
هيا انهضوا وغيروا ملابسكم أيها الأحبة ، بكت بشدة أكثر لم تعد تعرف كيف تساكن رجل كهذا وتعايش وتعامل تقلباته المجنونة ،،، أيسكنه الانفصام؟
أخبرته أنها تشعر بالتعب والإنهاك ولا تريد الخروج وأصرّت أنها لن تخرج لأنها لا تستطيع وأصرّ بدوره على خروجها .
رفضت وأصرّ، بدأ الشجار .. وبدأت فرحة الأطفال تنطفئ .
حين رأت علامات التعاسة على وجوه أبنائها وصمتهم الذي يرجوها أن تذهب معهم !! استسلمت ونهضت بصعوبة من مكانها .
دخلت غرفتها ارتدت ملابس الخروج بعد أن غسلت وجهها المحمرّ إثر ..كرامتها المهدورة .
لم تعد قادرة خرجت رغماً عنها .حين عادت وأبنائها تذكرت تفاصيل المشكلة .
إنه يكره أي إنسان يناقشه في عيوبه وحين أخترق هذا القانون على يديها ..رفع يده عليها.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: نرمين فراويله
- الزيارات: 11
وحيدة علي أريكتها القديمه جلست...بل.... تهاوت بجسدها الُثقيل المتعب نعم تهاوت ...بل القت بجسدها في ألم واضح ...أخذت نفسا عميقا القت برأسها بين يديها ..تحسست عنقها ...دارت برأسها يمينا ويسارا ...ضغطت كفيها بقوة ..القت برأسها للخلف ..أغمضت عينيها ..ثم فتحتهما فجأة وارتسمت بسمة خفيفة علي وجنتيها .. أخذت تدور ببصرها في ما حولها وأطلقت زفرة حارة ...آه هدوء قاتل بيت خاو .. بارد... تصفر فيه الوحدة أنغاما طويلة وتعزف فيه ألحانا أليمه فتحت خزائن ذكرياتها ....أخذت تجتر ذكرياتها في كل ركن منه ذكري لها في كل حجر من حوائطه ذكري بل علامة في حياتها وأخذت الذكريات تتوالي في ذهنها هنا كانت بداية حياتي ... هنا أنجبت أولادي ... هنا كانوا يستذكرون دروسهم وهنا هنا كانوا يلتفون حول الطعام يأكلون ويمرحون . تذكرت أيام نجاحهم وأوقات إخفاقهم وكيف كانوا يرتمون في أحضانها يفضون إليها بأخبارهم .... أسرارهم ...أحلامهم . تذكرت التفافهم حولها يوم الخميس والسهر علي أغاني أم كلثوم ومسرحية التليفزيون. دارت ودارت ودارت بنظرها وتذكرت يوم جاءها أولادها الواحد تلو الآخر يزفون إليها ما تنتظره كل ام يوم يجد الابن والأبنه شريك الحياة ودار في خلدها شريط سينمائي يذكرها بأفراحهم تذكرت أول حفيد وكيف تلقفته بين ذراعيها وطعم ضمته لحضنها. وأطلقت تنهيده عميقة .. يااااه كيف مرت الأيام سريعا هكذا مرت مرور الرياح حياة غنية زاخرة بالحب معه .. هو شريكها .. حبيبها, وتوجهت إليه... إلي ما بقي منه ووقفت أمام صورته تتأمله....تتلمسه ...تخترق نظراته قلبها . وأخذت صورته في أحضانها ...ضمتها بشدة لقلبها, وتساقطت دموعها الساخنة تلفح خدها وترسم به علامات تجري في تجاعيد وجهها كجريان الماء في أخاديد نهر جاف كم تشتاق إليه!!! تتساقط دموعها بغزاره مع كل ضمه .. ضمت صورته كالتي تدخلها بين ضلوعها ...تزرعها في قلبها..وخرجت منها زفرة ألم وحدثته في صرخة عفويه آآآآآآه أفتقدك ..أين أنت ؟ لما تركتني وحيده ؟ آآه تعتصرني الآلام لماذا ؟ لماذا ؟ لماذا لم تأخذني معك ؟ كانت تلومه كالتي تراه وتحسست صورته وشعرت بأنفاسه من حولها بل شعرت بيديه تربت علي كتفيها. سمعت همساته في أذنيها تمنت لو ارتمت بين أحضانه والتفتت في لهفة المشتاق ودارت حول نفسها لكنها ..... لم تجده فتشت الحجرات دارت في المنزل تبحث عنه فقد نسيت لوهلة أنه مات أخذت تدور وتدور كالمجنونة أخذت تصيح وتصيح أين أنت ؟ أين أنت ؟ وأخذت تحدث نفسها في صراخ واضح : كان معي ... شعرت بيده... بأنفاسه ...بهمساته في إذني ...نعم كلمني ... لمسني ... أكاد أقسم بذلك . وانتبهت! فإذا هي وحيدة .... وحيدة في منزلها الصامت البارد المظلم وانهارت تبكي وتبكي وتبكي ...... حتي جفت دموعها, لكن لم تجف آلامها ...لم تنته وحدتها ولم ولن ينتهي شوقها إليه واحتضنت صورته وسارت عائدة لأريكتها القديمة بخطوات متثاقلة وارتمت عليها وتشبثت بالصورة تشبث رضيع بثدي أمه وكأنها ترفض أن يتركها مرة أخري وهدأت ... هدأت هدوء العاصفة ودارت بنظراتها مرة أخرى آملة أن تراه, آملة أن يكون إحساسها يقين ..دارت ودارت بنظرات منكسرة تملؤها الدموع وضمت صورته وسحبت غطاءها ...وأغلقت عينيها غارقة في دموعها ....راجية أن تراه في أحلامها.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عطاالله شاهين
- الزيارات: 12
حلم جنوني
عطاالله شاهين
ذات يوم حار وجدت نفسي اسير في شوارع رام الله حائرا حزينا وبغتة سكنني الضجر وقررت أن اذهب بعيدا عن صخب المدينة واتجهت الى شارع فرعي يصل في نهايته الى منطقة الماصيون وقبل أن ينتهي الشارع وقع نظري على فتاة تقف على شرفة فيللا فاخرة
كانت ترتدي بنطالا قصيرا وبلوزة تغطي نصف بطنها وتتكلم بجهازها الخليوي
في البداية لم اعرها أي اهتمام وعندما اقتربت كثيرا فاجأتني بسؤال: هل تبحث عن احد؟ فقلت لها: ابحث عن الهدوء
فقالت: وهل ستجد الهدوء هنا؟ فقلت لها: ربما
بدا لي انها خائفة ربما اعتقدت أني لص .
ولكني كنت في غاية الأناقة ارتدي بدلة وربطة عنق احضرهما لي صديقي المغترب
جلست على الرصيف ..غابت الفتاة لفترة داخل الفيللا وعادت الى الشرفة ورأتني جالسا تحت شجرة خروب
اقرأ كتابا اشتريته للتو
كانت المنطقة هادئة تخلو من السيارات والمارة فصاحت بصوتها ماذا تقرأ؟
فقلت لها اقرأ رواية بعنوان العشق في المطر
فقالت يبدو أنك انسان مثقف ومظهرك لا يوحي بأنك لص . هلا اقتربت من بوابة الفيللا
في البداية انتابني شعور بأن شيئا ما سيحدث ، ولكني اقتربت بحذر واتت باتجاهي وتحدثنا في امور عدة فأيقنت
من عينيها انها استسلمت وفتحت البوابة ودعتني للدخول
كنت مترددا ولكنها سحبتني من يدي وادخلتني الفيللا واجلستني في الصالون
فاكتشفت من خلال حديثها أنها تعيش لوحدها ووالداها الآن خارج الوطن
كانت الساعة تشير الى السادسة مساء والشمس اوشكت على الغروب فحاولت الإستئذان ولكنها ابت أن اخرج
دون عشاء فأحضرت عشاء لم احلم به اطباق من الكافيار وأطعمة لا اذكرها ومشروبات بأنواعها
وجلسنا لساعات نتحدث ومللنا الحديث فاقترحت الرقص ورقصنا معا ويبدو أنها كانت ثملة قليلا وحاولت أن تلصقني بجسدها مع إن جسدها كان يثيرني ولكني كنت افكر في اطفالي الجوعى وابتعدت عنها وقلت لها:
ارجوك أنا انسان مؤدب ولا اريد أن انتهك جسدا لا أحبه فقالت لا بأس اجلس وحدثني عن نفسك ماذا يزعجك؟
فقلت لها: انا انسان فقير ولا اجد مالا استطيع به شراء طعاما لاطفالي بسبب الحصار الدولي
فقالت : انتظرني غدا وسأُعطيك بعض النقود واستأذنتها بالخروج فأصرت على توصيلي بسيارتها الفارهة
لكني رفضت وسرت تحت ضوء القمر اهذي عن تلك النقود
وفي الصباح ذهبت الى المدينة ولم تات تلك الفتاة فانتظرت طويلا بلا جدوى لأكتشف أني كنت احلم ولم يكن هناك اية فتاة بل كان حلماً جنونيا حلماً غدر بي ذات ليلة
وقررت السير الى الماصيون ولم اجد الفيلا ولا شجرة الخروب وعدت خائبا الى صخب المدينة من جديد ابحث
عن طعام لاطفالي. في المرة القادمة سأبحث فعلا عن فتاة ميسورة الحال تنقذني من عذاباتي والى الابد
لا أريد أن احلم بعد الآن كفى احلام
- التفاصيل
- كتب بواسطة: منال دنديس
- الزيارات: 15
ثقل في يديها كأنهما مكبلتين، وقشعريرة سكنت الجسد حتى بات النفس يائسا بليدا ثقيلا في صدرها ،حملقت بخيبة في وجه الصغير الغائص وسط بركة من الدم، في كيس بلاستيكي شفاف، وحبل سري ملقى على صدره وبقايا ابتسامه .كانت تنظر الى محتويات تلك العلبة الكرتونيه التي ملئت زواياها الخارجيه برموز وارقام مخاصمة في ذلك اللغة العربيه واسمائها.
كثير من المرارة ،مضافا اليها اسى علقمي الطعم، وشعور بالخيبة محلى بالصبر والاحتساب، يلفه حزن شديد. خلطة مبتكرة من الالم تعكر صفو محيط .
وضعت يدها على بطنها وحدثته كما يفعل العاشقين لحظة الوداع : كم حلمت برؤية وجهك، تخيلتك تارة تشبه اباك وتارة تشبه ابي انا وتارة اخرى اتخيل سمرتك وحمرة خديك وارنبة انفك، دائما تخيلتها تشبه ارنبة انف القطط ، كم انت جميل تماما كما تخيلتك فارسا. اتذكر ياصغيري اسرارنا معا عندما كنت اضع يدي على بطني واحدثك، اتذكر احلامنا ووعودنا، وعدتني انك ستكون ولدا صالحا، وانك ستكون فخرا لي ولفلسطين والاسلام، وسنزور عكا والمجدل وصفد، وستفدينا بروحك انا وامك فلسطين، برهنت لي كم انت صادق .ولكني يامهجة القلب بت اعرف ايضا انك لن تأتي في ذلك الصباح الصيفي لتقبل يدي وتزف لي بشرى نجاحك ولن نستمع سوية لاغاني النجاح، ياحسرتي ياملاكي الجميل لن ارتدي ثوبي المخملي المزركش وانا ازغرد ليلة زفافك الى اجمل بنات البلد، ولن احمل اطفالك، ولن نحج سويه .
ابني الحبيب لا احد يستطيع وصف شعور الام لحظة حركة جنينها البكر في احشائها . اعذرني ياصغيري تحدثنا في كل التفاصيل حدثتك عن قريتنا السليبه، وعن بيتنا الذي بناه ابوك بعرق جبينه ،ولكني اجلت الحديث عن لحظة الولادة، كان امامنا شهرين لاخبرك عنها ، ولكني لم أعتقد يوما انك لن تولد ، اردتك فارسا بطلا ولكنك ياحبيبي تسرعت، يبدو اني حملتك الهم باكرا لذا تسرعت وخرجت مبكرا، اتذكر دميتي التي اخبرتك عنها ،تلك التي كنت لها اما منذ طفولتي سأعود اليها فرصاصتهم التي قتلتك قتلت معك أمل اخوتك في ان يكونوا اجنة في رحمي.
يبدو ايها الجميل الصغير ان حبلك السري متصل بالمخابرات وان اسرارنا معا كانت خطرا يهدد امن اسرائيل
وداعا ولكن ياصغيري ،غط نفسك جيدا هناك في الجنة .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ضيف الجيلاني
- الزيارات: 10
المعذرة أيها الطلبة!! .......... الجموع حاشدة أمام مدخل الجامعة..قامات منتصبة وأخرى ملقاة على هامشي الطريق تفترش صفحات بالية من الكرتون والجرائد.. وأعناق مشرئبّة.. قلوب تنبض, وداخل كل منها تتباين وتتصارع المشاعر.. خوف من ولوج الجامعة هذا العالم الفسيح. وأمل وتطلّعٌ في مسقبل ضبابي يعد في سمائه بالكثير من الإثارة.. إنّها السنة الجامعية الجديدة!! سيارات تترنّح أضناها الصداع من طوافهابهذا الشارع الفسيح,تنبعث منها موسيقا صاخبة متبجّحة في القوّة والكلمات!! أتمثّلها فراشات تقترب و تنفر من هذا المحجّ!! ذئاب بشرية شرهة تنظر بعطش هستيري إلى زرافات الفتيات الّلائي يتعمدن إثارة كلّ ناظر إليهن بقهقهات عالية وحركات توقظ الغرائز الميتة!! كانت هذه المشاهد لاتعني للَخْضَر الكثير فهي وإن كانت.... تقلّل من مؤشر اضطرابه وقلقه.. إنّه اليوم طالب جامعي!! وهاهو حلمه يتحقق, إنّه على مرمى حصى من المكان الذي وعد أبويه المعدمين بدخوله!! لم يعد لعبد القادر الابن الموسرأن يتطاول عليه ويتبجّح, فهما اليوم سيّان.. حذاؤه الضيِّق يوقظ فيه شعورًا بالألم حينا بعد حين.وبذلته الرمادية تستثير فيه الرغبة الملحة للنظر إلى لباس رفاقه. لا لشيء إلاّ ليوازن بينهــــا!! ـ كم أنت رائع بهذه البذلة يا أحمد؟ الله يحفظك من العين!! بهذه الكلمات ودّعته أمه هذا الصباح , ورسمت بشفتيها الذابلتين على جبينه الأسمر قبلة عريضة. إنّهما الحدث الأهم في الصفحة الأولى من ذكريات الطالب الجامعي. ـ لم يستطع البارحة أن يخلد إلى النوم لاضطرابه والمشاعرالغامضة التي انتابته!! سمع والده يفضي إلى أمّه رحمة قائلاً: ـ كم أنا سعيد يا رحمة بابننا لخضر؟ ! إنني لا أريده أن يفكّر إلاّ في مستقبله!! حلمي بأن أراه مهندسًا لا يبرح تفكيري.. كان حوار والديه يولّد لديه إصرارًا قويًّا يحفّزه للنجاح.... تُفتَح بوابة الجـــامعة ويندفق هذا السيل البشري: الصخب والضحكات المتعالية وطقطقات أحذية الطالبات,تمتزج بأنات تصدرها البوابة تعبّر بها عن رغبة في أن تبقى موصدة!! تطلّع عبر الأمواج البشرية التي وقفت وكأنها تذود عن حماها محاولاً أن يعرف مدرّجه . وبعد جهدٍ توصّل إلى مبتغاه, على غير عادته لم يكن سبّاقًا إلى الانتقاد فهاهو يلتمس الأعذار لزملائه.. إنه اليوم الأول في الجامعة. ـ قسم الهندســة المدنية ــ المدرج رقم:05 لخضر! لخضر! تناهى إلى سمعه النداء إنّه بنبرة ليست غريبة عنه, التفت يمينا ويسارًا , استطال ببصره , فإذا بها هي!! إنّها مروة الثرثارة زميلته السابقة في الثانوية. لشدّ ما سرّته رؤياها وبعثت في نفسه الثقة التي يحقُّ لها أن تغيب في يوم كهذا. ـ كيف حالك يا لخضر؟ مبروك!! ـ بخير والحمد لله!! الله يبارك فيك. ــ كم تبدو أنيقًا بهذه البذلة!؟ لم يشأ أن يعير تعليقاتها أقل اهتمام. كانت تسأله وتسأله وهو يكتفي مجيبًا عنها بهزِّ رأسه حينًا والابتسام حينَا آخر.وكأنه يوفّر طاقته الكلاميّة للحوار والمناقشة داخل المدرّج, وهو الطالب المعروف بفصاحته وجرأته الأدبية. توجه بصحبة زميلته إلى المدرّج. كان يحملق في الوجوه داخل الرواق عله يحظى برؤية واحد من الوجوه القديمة, مروى لاتزال ترافقه إنّه لايأبه لها.. أن وقاره وهدوءه واتزانه كلها صفات تميّزه عن غيره من الطلبة: ـ أنظر إلى قامتهــــا!!ـ الله ما أجملهـــــــا!!ـ ابتسم يا جميل!! ـ رضاك يا حلوة!! كانت هذه التغزلات والتحرّشات الكلامية بالطالبات تصل سمعه, تقصف سمعه غير أنه كان يتعمّد تجاهلها فهي لا تعنيه, وربّما سعادته في اللحظة التي يعيشها جعلته يتسامح ويغفر بل ويبحث عن مبرّرات لتجاوزات وأخطاء الآخرين. إنّه ليس كعادته اليوم فقد تغيّرت فيه أشياء كثيرة غير البذلة والحذاء... ولعلّ الجمعة ستستنسخه بشكل يختلف تمامًا عن شخصيته الحالية. المدرج رقم:05 يدخل وزميلته يحثان خطاهما فجأة وكأنهما يخشيان نفاذ الأمكنة!! يجلسان في الصفِّ الأول يبدأ المدرج في احتضان طلبة الهندسة المدنية , في أعلى المدرج تتعالى قهقهات الشباب العابث على إيقاع نغمات الهواتف المحمولة, يغيب بعيدًا لينظر إلى ساعته الجديدة فيرتسم في مخيّلته المشهد: ـ تقبّل يا خيضور ـ كما كان يحلو لها أن تناديه ـ هذه الهدية إنّها ساعة جميلة انتقيتها لك حسب ذوقي ما رأيك؟ ــ رائعة!! أشكرك. الله يحفظك. تناهى إلى فكره صورة أخته وهي تخوض معركة قويّة ضد زوجها أحمد لتنتزع منه ثمن الساعة, وهو الرجل البخيل,لعلّها عانت المسكينة كثيرًا لتأخذ منه ثمن الساعة!! إنّه يدرك خبث طبع زوج اخته وما تعانيه المسكينة معه. ....... صوت قويٌّ ينبعث من مصطبة المدرّج إنه يشل حركة تفكيره ويوقف استرجاعه لذكرياته. المعذرة أيها الطلبة!! الشروع في الدروس سيكون الأسبوع القادم!! الصياح والاحتجاج والتذمّر يملأ القاعة. يخرج الطلبة كجندي مهزوم وينصرفون, لخضر يتسلل كعادته ولكن بمشاعر محبطة وأسى يعتصر قلبه ...... ضيف الجيلاني /الجزائر 01/01/2007
- التفاصيل
- كتب بواسطة: نصرالدين نواري
- الزيارات: 15
- "ما أصعب الحياة، وما أصعب العيش فيها"..
كلمات لا تكاد تفارق ثغره الملائكي.. كلمات مزجها بدموعه ليرسمها بقلم أحزانه على جدران مدينته المتوحشة، كلمات حفظها فحفظته ولبسها فلبسته، كلمات اتخذها رفيقا فكانت له أنيسا ومحبا.
لا يعرف من الأصدقاء غير دفتر ورقي وكرسي متحرك لازمه منذ أن كان في سن الزهور.. يمضي معظم وقته أمام نافذة منزله، مغتصبا بنظراته الحزينة أخبار العالم الخارجي، متصفحا وجوه أناس خُلق مثلهم فأرادته الأقدار شبيها لهم..
اليوم وعلى غير عادته قرر خرق حظر التجوال، وطلب من أحد جيرانه أن يذهب به في جولة خفيفة ليشبع فضوله ويكشف أسرار مدينة أحبها فعكسته وقدسها فحبسته..مدينة رسمها ذات يوم شعلة من ضياء، فرسمته كرسيا من حديد.
أعين المارة تلاحقه في كل مكان، همساتهم تلسعه.. ضجيج المدينة يتعبه.. أحس بالملل، بالغبن، بالندم...
- "لا مكان لي هنا.. ليتني لم أخرج"..
يطلب من جاره أن يعود به فورا إلى المنزل.
في زاوية من غرفته الضيقة فتح دفتره.. حرك قلمه ..بدأ قصته:
-"إليك أيتها المدينة أهدي فجيعتي.. إليك أيتها الجائرة أسرد محنتي، باسمك يا ناكرة الجميل أبدأ قصتي:
يا مدينة من رماد ومن قلوب متحجرة، يا مدينة من أشباح ومن بيوت خاوية، يا مدينة مسكونة بأحزان وآلام الآخرين..كم سهل عليك نكران فضل أبناءك ومن عمروك، كم سهل عليك ابتلاع قوم أحبوك..
ولدت بين شوارعك، حالما آملا في أن يأتي اليوم الذي أداعب فيه أرصفتك وأمسح الحزن عن جدرانك، وأحنو فيه على أشجارك.. مغنيا مع طيورك، راقصا مع أزهارك..
غير أن مشيئة الله أرادتني إنسانا مقعدا فوق كرسي متحرك لا يكاد يفارق جسدي إلا كمفارقة الأم لرضيعها، أو كمفارقة المد للبحر..
أيتها المدينة.. تكبّر قومك وتجبرهم يؤلمني، لامبالاتهم تخنقني، تجاهلهم أحزاني وآلامي يبكيني، أحقادهم..غرورهم..زيفهم.. كل ذلك ينهش ما بقي في جسدي المكلوم..
أيتها المدينة..لست بحاجة إلى طلب شفقتك، ولا إلى طلب رحمتك، ولكني في أشد الحاجة إلى أناس يحترمون ضعفي.. إلى أناس يردون الظلم عني.. إلى أناس يصاحبون عقلي، لا جسدي..
عفوا أيتها المدينة، لقد أطلت عليك وقصتي لم تكتمل بعد.. سأروي آخر فصولها غدا..طابت ليلتك..".
الجو بارد هذا الصباح.. الطيور حزينة.. الشوارع مبللة..دخان السيارات يخنق المدينة..
تتوقف الحركة فجأة.. ترتفع أصوات سيارات الإسعاف مزلزلة القلوب قبل الآذان..الناس يهرعون في كل الاتجاهات .. يتوقفون أخيرا قرب أحد العمارات..
-ماذا حدث؟!..
-ماذا جرى؟!..
-يا إلهي.. جثة على الأرض
- لقد مات..
- لا لم يمت..
- سقط من نافذته ..أنظروا إنها مفتوحة..
-لا لم يسقط بل انتحر..
-بل سقط..
-انتحر
- نعم انتحر.. !!!
-نعم سقط !!!
- .. وأين كرسيه؟!!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أنوار سرحان
- الزيارات: 13
ألدُخلة والقربان
أنوار سرحان
سَرت في جسدي رعدةٌ غريبة لم أعهدها من قبل .... رعدةٌ مدغدغةٌ مثيرةٌ أوّل الأمر. ولكنّها سرعان ما شُحِنت بخوفٍ وقلقٍ حادّ اعترياني، حين انتصبت أمامي صورة أمّي وهي تحذّرني أيام الخطوبة وما سبقها ..:
.. " إياك أن تسمحي له بلمسك.. كوني أمامه محافظةً .. ألرجل لا يحب إلا الفتاة الرصينة . . .. إياك أن تضعفي أمامه فيتركك.. ألخطيب يختبر جسارة خطيبته أمام إغرائه.. فكوني جسورةً وقوية "..
وعبارة أبي المعهودة كلما أراد تبرير منعه لي من الانفراد بخطيبي ، دقَّت بحدّة كناقوس : " إذا خلا خطيبٌ بخطيبته، فثالثهما الشيطان!!"
كم حلمتُ بمعانقته دون خوفٍ أو وجل.. وكم ليلةٍ نمتُ وخيالي يصوّرني مستلقيةً بين أحضانه..أمسّد شعر صدره، ويمسّد شعر رأسي. وتمنيت إشباع عاطفةٍ وشوقٍ قاتلين لأكون في حضنه .أوليس من الحب أن يتعانق المحبان؟؟... ولكن عبارات أمي التي كانت تلازمني وحدود أبي التي تطوّقني.. حالت بيني وبين تلك الرغبة.
ياااه يا طاهر.. ليتني لم أحرم نفسي نكهة عشقك ، ورائحة عناقك.. ليتني عشت معك ما طلب قلبي وروحي.. ليتني أتحتُ لنفسي الفرصة لأحيا حبّك.. .
حتى حين كنت أسترق مهاتفتك وتقول لي كلمتك الساحرة :أحبك...كانت تسري إلى كل نقطة في جسدي وروحي.. كنت أحسّ بها تجري مني مجرى الدم مؤكدةً أنها لن تدع نقطةً مني تفلت من تأثيرها وسحرها... كم تمنيت أن تقولها لي وتعيدها , مرّات ومرّات, حتّى تؤجّج حبي ولهفتي اليك أكثر .وترافقني بنبرة صوتك الساحر تُطرب أذنيّ بأجمل نغمة.. أحبك . اللّه…أيّ سحر شحن في هذه الكلمة؟ ياااه.. كانت تذيبني وتصهر روحي وجسدي.. رغم ما كنت أبديه من عدم اكتراثي بها ، أو حتى انزعاجي منها... ما كان أغباني! إنزعاجي؟؟ وهل تنزعج الأنثى من أروع كلمة يمكن أن تحرك فيها كل أنوثتها ؟؟
أ ح ب ك.. يتقطّع حسّي في ملاحقته لتقطّع نبرتك..أ ح ب ك.. ليتني ملكتُ أن أسمعها منك كل ليلة..فما أشد ما تثير شوقي اليك.
وحين آن الأوان لإنهاء عذريتي ..وبات من حقي الاستمتاع بكل ما أردت.. وإطلاق كل ما كبتّ..لم أتمكن من ذلك! فكيف لي أن أخلع الآن كل أقنعتي؟ وأتجرد أمام من عرفني أقوى وأكبر من أية غريزة ؟؟؟ كيف تطالبونني أن أقطع كل المراحل بيني وبينه في ليلةٍ واحدة… ضاربةً عرض الحائط بكل ما عشته في خطوبتي؟؟.
تبوأت مقعدي عند طرف السرير المزدوج..دون أن أخلع فستاني.. ذلك الفستان الذي تقضي الفتاة عمرها تحلم بارتدائه.. وما أن ترتديه حتى يكون عليها أن تخلع معه كل أثواب الحياء ..ثمّ لتبدله بآخر لا يكاد يستر من جسدها عُشر ما يكشف..لتؤدّي واجبها ودورها في تسهيل الأمر والإنتهاء منه . … ولتصل إلى قمة ما بين رجلٍ وامرأة ..وكلّ ذلك في ليلة واحدة…بل خلال دقائق … ودون تدرج! ما اشدّ هذا الرّعب!!!
طأطأتُ رأسي والخجل يتجلى على وجهي الصغير.. اقترب مني بحنوّ ورقة..لكنها لم تحُل بيني وبين خوفي ..وخجلي..رفعتُ طرف عيني اليسرى بنظرة كسيرة.. أردت أن أرتمي بين أحضانه ولكني لم أستطع!. مدّ أصابعه إلى طرف خدي ورفع وجهي نحوه حتى باتت عيناي قريبة من عينيه ، فقال: "هل أنت خائفة؟"
- نعم .. قلتها بصوت يكاد لا يُسمع .. وأنا أحاول الهرب بنظرة عيني من وجهه...
-"لا تقلقي .. حبيبتي.. سيكون كل شيء على ما يرام . لا داعي للقلق! "..
ولكنّ شيئا لم يكن كذلك.. فرعشتي ترتفع فيها نسبة الخجل .. ثم الخوف.. وتبادرت إلى ذهني عبارات صديقتي منذ المدرسة :"هناك بنات لا تثبت عذريتهنّ...حتى لو لم يلمسهنّ أحد.. ربما منذ الطفولة..ربما.. ربما..من يدري؟.." .. ربي !! .. هل يمكن ألا أبدو عذراء؟!! ماذا سيكون جزائي من أهلي؟؟ ماذا سيفعل بي أبي؟؟ ستغدو دعارات إخوتي وسقطاتهم كلها طهرا أمام جريمتي.. أخي الكبير نزار سيجعل من خيانته لزوجته كل ليلةٍ في أحضان العاهرة الروسية "مينا"، حجا مبرورا أمام فعلتي.. والنصاب ماهر أخي الأصغر رغم إدمانه للكحول وخروجه ثملا كل ليلة من خمارة "سهارى".. سيبدو طاهرا ونقيا أمام شناعة جريمتي. .. سيتسابق الجميع إلى تخليص عارهم مني....سأغدو ساقطة الجميع.. وستجد جارتنا الحقودة أم خليل موضوعا تسلّي به جلسات ديوانها المملّ مع نسوة الحارة الفارغات ، باختلاق قصصٍ وحكاياتٍ لتبرير ما حدث..
أما الدنيء جمال الذي رفضت الارتباط به فسيؤكد أنه هو من رفضني لعدم وثوقه بسلوكي وأخلاقي.. ربي..ماذا أفعل؟؟ خوفي يزداد.. وقلقي يتوغّلني!!
اقترب مني طاهر برقّة بالغة : أتريدين مساعدتك في شيء؟؟
وماذا عساي أريد؟؟ فقط اتركني وشأني. واترك لأفكاري العابثة العائثة في فكري أن تهدأ وتستقر!!.
وبعد محاولاتٍ ومحاولات ..ما بين مداعباتٍ وملاطفات أو محاولة لبعض إثارات ..أيقن طاهر أني لا أفيده الليلة في شيء.. جلس إلى جانبي وأمسك براحتي بين راحتيه ثم قال بصوت يملأ الدنيا حنانا : ما الذي يريحك حبيبتي ؟؟.. نظرتُ إليه والضعف يكسوني .. صمتُّ قليلا .. حاولتُ تعديل جلستي بعض الشيء.. ورقرقَت في عينيّ دمعة ٌ..ثمّ أجبته بصوت مختنق مترجرج : دعنا نؤجل ذلك من فضلك ..
ابتسم قائلا بهدوء لم ينجح في إخفاء بعضٍ من الخيبة :" إن كان ذلك يريحك فليكن.. أمامنا العمر كله حبيبتي. لا بأس!"
وبدا توقّعه أن أبادله ابتسامته تلك .. إلا أنني غمرتُ وجهي بيديّ وانفجرتُ باكيةً بشدة ..
فسأل باستهجان: أليس هذا ما تريدين؟؟ ماذا تبقّى؟؟
-" وماذا أقول لأهلي؟؟" سألته محاولةً التخلص من حشرجةٍ علقت في أوتار صوتي.."سيسألون عن دليل عذريتي"!
نظر إليّ حتى برقت عيناه.. تنهّد تنهيدة طويلة كأنه أراد لها أن تمنحه نفسا عميقا يكفيه لاستيعابي . مدّ يديه إلى ذراعيّ وأمسكهما مسكةً حاول أن يحقنها بلطفٍ بالغ.. ثم قال بهدوء : لا عليك.. سيكون ما يرضيك.".
غادرني بضع لحظات إلى المطبخ ثم عاد يحمل سكينا! اقترب من ثوبٍ أبيض شفاف وُضع على السرير، خلع حذاءه ومدّ سكينه إلى قدمه فجرحها عند طرف الكعب وراح يرشّ على الثوب بضع قطرات من دمه النازف.
التفت إلي.. رمقني بنظرةٍ لم تخلُ من الخيبة والعتاب .. وقال: "هذا لأهلك.. للجميع..ألمهم أنت وأنا!!"
مرّت الآن سنواتٌ على تلك اللّيلة…أنا سعيدةٌ جدّا مع زوجي...إنّه أروع بكثير ممّا كنت أتصوّر.
حقيقة أنا سعيدة…سعيدة…سعيدة.
كلّ ما في الأمر…أنّني منذ تلك اللّيلة صرت أحلم كثيرا بأرجل مشعّرة تنزف…وتنزف كامل الليل…ثمّ ما يزعجني حقيقة حقيقة …أنّ كلّ أولادي يولدون بعلامة حمراء غريبة تبدو كالجرح الغائر عند طرف الكعب بالذات …في نفس ذلك الموضع الذي كان قربان دم ليلة دخلتي …هذا فضلا على أنّ أقدامهم جميعا مفلطحة بشكل غريب …
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد المسلمى
- الزيارات: 13
أقبلت نحوي فلم أشعر إلا بروحها المنتشرة في كل مكان قد تركزت في الحيز الذي تتحرك فيه لتضفي عليه مزاجاً من الجمال والقوة معاً .. اقتربت فخلتُ روحها تحيطني وتحاصرني .. كذلك احتلتني .. شعرت بروحها تعبث في الفضاء وتقترب مني .. لامست وجهي فطبعت على أساريره معانٍ شبهى بمعاني الانتشاء .. فأنا الآن أشعر – وهي تحاصرني – وكأنني أحرزت نصراً مستحيلاً بعد عراك محتدم .
اقتربت المسافة بينما أنا جالس على أحد تلك المقاعد الرخامية الصلدة المصمتة والكائنة أمام مبنى المدرجات العملاق أتصنع القراءة في رواية أفراح القبة لنجيب محفوظ .. لم أحس باقتراب المسافة إلا من الجو الذي غدا يعبق برائحة السعادة والطمأنينة معاً ويفوح بنكهتها الصارخة الزاعقة في كل حدب وصوب .. أحسست – وأنا أتحاشى النظر إليها – كأنني أحاول – عن اقتناع – تحريك جبل راسخ .. لم أجد بداً من استراق نظرة إليها .. فعلت .. فلم أصب من ملامحها إلا الدقة التي تشعرك بالتناسق ، وعدم التناسق في آن .. شعرت – إثر ذلك – بالخجل الشديد إذ أحسست أنني قد اختلست شيئاً لا أملكه .
أدركت عينيها الماضيتين القويتين تتجهان نحوي .. لم أدر بالتحديد اتجهت نحو عيني أم نحو الرواية العالقة في يدي .. ثمة إحساس فجائي سيطر علىّ ليخطرني أنها مقدمة علىّ .. استسلم قلبي – بعفوية – لهذا الإحساس المنعش العابر .. فرحت فرحاً تذكرت أنني لم أفرح مثله قط .. تأملت حولي بدافع لم أتبينه بعد .. أحسست لأول مرة - منذ قدومي للجامعة – بتأثير ذلك المكان العتيق في نفسي .
وسط هذا الغرق والانسياب الوجداني البرئ الذي لم يسبقه أية ترتيبات جاء دور مؤامرة العقل .. ماذا أقول لها عندما تأتي وتحدثني ؟ طفقت أفكر سريعاً .. تقترب المسافة ، ويقل التركيز بل يغيب العقل .. أخيراً توصلت إلى أنني لا أملك ما أقوله لها ..
شعرت بحاجتي للمساعدة .. صعوبة الموقف وعدم القدرة على التفكير أنتجا – في غموض – إحساساً بالتفاؤل طمأنني بأن المساعدة آتية لتنقذني .. انسجمت هذه المشاعر المتفائلة الوليدة مع تلك المشاعر الحالمة التليدة فاجتاحني شعور لا أستطيع وصفه ، لأنه لقصره وغموضه لم أتعرف عليه .
أتت المساعدة على نحو لم أكن أتخيله أو أتمناه .. اقتربت المسافة بيننا .. أدركتها تساعدني بأن مضت في وجهها – غير عابئة بي – إلى ما خلفي .. امتصت معها ما كانت قد طبعته روحها على وجهي من نشوة وعلى قلبي من طرب .. انتهى ذلك الاحتلال الذي رسفت فيه باستمتاع .. انتهى الشعور بالنصر الذي أحرزته بعد معركة دامية لم تلمس قدمي أرضها .. قفلت الرواية ثم جعلت أتأمل غلافها المثير .. الآن عرفت ما إذا كانت نظرت إلىّ أم إلى نجيب محفوظ !
ملحوظة رفيعة :-
هذه الأحداث من خيال كاتبها ، ولا تمتد بصلة لذاته لأنه ببساطة لا يجلس أمام مبنى المدرجات .
محمد المسلمي
كلية الطب
فرقـة أولـى
E-mail :
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سمية البوغافرية
- الزيارات: 12
تحية ود واحترام إلى كل الساهرين على تألق مجلة الأقلام الثقافية
هذا هو عملي الثالث الذي أبعث به إلى مجلتي والذي أتمنى أن يرى
النور كسابقيه
تحياتي الخالصة
سمية البوغافرية
قد يولد المرء مرة ويكتفي بولادته الأولى حتى تدركه المنية. وقد تعصف به الظروف فتشعل فيه فتيل التمرد على ولادته الأولى وعلى شخصه الأول فينحت نسيج شخصية جديدة ويولد شخصا آخر رغم أن القالب واحدا...
سر ولادتي الثانية
ـ 1 ـ
كنت برعما يشق طريقه إلى الوجود حينما امتدت يده لتقطفني. كانت لمسة يده أنعم من ندى الصباح..وهمسته نغمة.. نسمة ربيعية.. أعذب نغمة وأطيب نسمة.. ترنح جذعي الرقيق الطري يرقص على نغمات همساته الفجرية.. واستسلمت ولم أخش الترحال.. رحلت.. انصهرت في جنانه وتفتحت وردة في مهد يديه فأغدقت عليه بأريجي وعطري حتى الثمل... حتى الملل...
همست له يوما: إني أخشى الذبول وأكره الوحدة والموت في الصمت.. دعني أتجول في البساتين لأناطح الأرائج وأعود إليك أكثر عنفوانا وأفوح عطرا... مهلا مهلا لا تعصف فإني لا أخشى شيئا في الوجود مثل عاصفتك.. دعك كما ألفتك.. موجا هادئا، نسيما ربيعيا، أرجوحة تداعبها يدي طفل.. أقسم لك بأنسك ودفئك أن أريجي وبهائي لا ينضبان ولن ينضبا طالما أنك هنا بجانبي...أنت مصدر إلهامي وينبوع أريجي وسر جمالي... أنت سر وجودي وأنت ربان سفينتي... وهذه مفاتيح سفينتي وأسرار دواخلي أستودعها في يدك.. أنت تعرفني وتعرف سلالتي، لا تقدس شيئا مثل العشرة والمؤانسة ولا تحرص على شيء مثل العهد.. إني عربية أصيلة.. فلا تقلق.. لن أخادعك ولن أغدر بك يوما...
لكنه أعلن انتهاء مهمته ومهمتي وهيج العواصف والأعاصير ضدي... مهدي أضحى ورقة في مهب الريح..قاربا يصارع الأمواج والعواصف بدون مجاديف... وجدتني على قارعة الحياة وحيدة معزولة عارية... عارية من جماليتي ومن أشواكي ومن مناعتي... عارية من كل شيء إلا من آهاتي ومأساتي وحسراتي... تجلدني تعصف بي تمزقني تبترني تشتتني..
من آهاتي وآلامي وشظايا كينونتي الأولى شكلت نطفتي... نطفة صلبة محصنة... لقحتها من آفات الزمن والمكان.. وشحنتها بجينات التحدي... من مدرسة الطبيعة الوديعة الجميلة والصاخبة الموحشة شكلت جينات نطفتي الجديدة.. تعلمت من الرعد كيف أطلق حنجرتي في وجه من يريد أن يغتصبني.. ومن البرق كيف أومض لأعلن الحذر متى استشعرت الخطر.. ومن الرياح متى أكون نسيما، نايا ربيعيا ومتى أكون عاصفة أعصف بكل شيء حتى بأوراقي لأدافع عن وجودي... ومن الموج كيف أموت لأحيى... ومن الأشجار متى أكون ظلا، ثمرا ومتى أتعرى لأرقص مع العاصفة.. ومن الإعصار كيف أغني مع الوجود لفجر جديد...
شكرا لمن أعلن الحرب ضدي وهيج العواصف لتبتلعني.. عفوا، لتوقظني لأنك علمتني كيف أربي شوكي.. وأشحذ أظافري.. وأسنن مخالبي وأنيابي...مهلا مهلا فلن أعضك لأني من أصل عربي أعبد المعروف وأقدس العشرة والمؤانسة وأحرص على العهد، وإنما لأبني سدا يوقف زحفك إذا حاولت يوما أن تتسلق حصني.. لأحفر دربي في دروب الحياة... لأصدح بلحظة ميلادي الجديد... ميلاد الزهرة الصخرة...
ــ 2 ــ
تجاهل حبي.. صفع أنوثتي.. داس على آدميتي.. أفرغني من محتواي.. رماني على هامش الحياة أنسج الأوهام والآلام والندم.. أجتر الهموم والسموم وأغوص في بحر الآهات والسقم...
أعترف أنك صياد ماهر... وأنك من رمى الصنارة في بحر قلبي.. لكني لن ألوم الأيام وتشابك القدر بغفلتي وخيبة المنتظر.. لأني موقنة بأن النبش فيما مضى نزيف لا يجدي..
رغبتك في محو وجودي علمتني كيف أراجع أوراقي..
كيف أبحر في أغوار ذاتي أستجلي كنوزي...
كيف أعيش فارسا مغوارا ليس طفيليا عبيد الظل...
كيف أطرق بابا في نفسي ما كنت لأطرقه لولا التصدي...
كيف أسلك دربا في الحياة ما كنت لأسلكه لو سيجتني بشباك قلبك وأسرتني بقيود حبك وحظيت بعشقك إلى الأبد...
هذه هي أنا وهذه هي الحياة..
لا ننتهي عند مأساة أو معاناة...
نشق دروبا نتنفس عبقا فنخلق فجرا جديدا...
هذه هي الحياة وهذه هي أنا..
أولد في كل لحظة في حلة أبهى وأريج أقوى وأزداد مع الأيام عنفوانا...
فشكرا ثم شكرا لمن أهداني ميلادا جديدا...
احــذر..
لا تحاول الرقص على آهاتي... آهاتي جمرات... الرقص عليها ويلات... أنصحك أن تدع جمراتي تنام في داخلي وأحذرك أن توقظها...
جعلت مني وعاء فارغا إلا مما تشتهي.. نبهتك: إن الوعاء هش وعمره أقصر من عمرك وعمري... لكنك أصررت على تجاهل خطابي.. الوعاء قد تكسر يا حبيبي... شتتت شظاياه وبعثرت في كل أركان الوجود... بعثرتها الرياح ولاقتها السنون فتشكل الوعاء من جديد... لا تفرح... فصدع القلوب لا تجبره السنون.. وإنما الوعاء الذي أمامك وعاء آخر شكلته الحياة التي لا تنتهي عند معاناة أو مأساة... وعاء جديد ينفر من ماضيه ومن صنيعته الفطرية... وعاء اصطناعي ... الذي أمامك إنسان من صنيعة إنسان تنكروا لإنسانيته... إنسان آخر في ذات القالب الذي ألفته.. إنسان جديد لا يعبه بشيء غير كينونته... ولا يحسب حسابا إلا لدقائق عمره الجديد.. كيف يمضيه وكيف يثمر فيه وينعم فيه... احذر فالجديد غير القديم رغم أن القالب واحد... إنه يكره المجاملة ويرفض المساومة ولا تخدعه الشعارات المموهة... احذر منه فإنه قادر على أن يفعل كل شيء إلا أن يوضع في محك التصنيع ثانية...
سمية البوغافرية
سلا، أبريل 2007