امتثال
السيد زرد
بورسعيد - مصر
تُري كم لبثنا في وقفتنا الذليلة الخانعة أمامه ؟
لم يعد إليّ انتباهي إلا بعد ما تحركت يده البضة المزدانة بالذهب تهشنا و تصرفنا . استدرنا بآلية و خنوع . انتعلنا أحذيتنا و ما تبقي لنا من إنسانية مهيضة . قبل أن نغيب تماما عن بصره، كانت قاماتنا المهزولة تبذل غاية جهدها في الانحناء .
بعدما ابتعدت ، ظلت قامتي يشوبها الانحناء لفترة ، و لم تنمح تماما الابتسامة المرتعشة المتزلفة من علي شفتي .
مازلت حتى الآن لا أدرك سببا لاستدعائنا الدوري للمثول بين يديه ، بيد أن نتائج ذلك الاستدعاء تجلت في قامتي التي فقدت – مع مرور الوقت – قدرتها علي الاستقامة ، و في الابتسامة المرتعشة التي صارت من معالم وجهي الثابتة .
كانت عيناه تختبئان خلف عدسات قاتمة . لم نطالعه أبدا إلا و هو مسترخ في مقعده الوثير وراء مكتبه المهيب . لا يذكر أحد منا أنه – مرة – سمع له صوتا ، أو {أي فيه شيئا يتحرك سوي يده البضة المترعة بالترف .
رغم الضوء الباهر الذي يكشف أدق خلجاتنا و نحن وقوف – في حجرته – بين يديه ، فان ظلالا و عتامة ما تحف بشخصه ، و دوما ثمة رائحة غامضة تحوم في المكان ، تجعل بطوننا الخاوية ينهشها بضراوة سعار الجوع .
و نحن في حضرته ، كان يتراءى لنا دنيا جدا ، نستشعر لفح أنفاسه علي وجوهنا ، و نجزم بأنه يسمع منا خفقات القلوب . في حين أن المسافة التي تفصلنا عنه تتبدي – في ذات الوقت – شاسعة تستعصي علي الاجتياز .
في كل مرة نغادر فيها حجرته ، كانت التساؤلات تجابهنا : تُري كم لبثنا عنده ؟ مذا دار بيننا و بينه ؟ .. و في كل مرة لم يكن لدي أي منا إجابة . فقط كنا نحمل في كل مرة مزيدا من انحناءات الظهور ، و تنز شفاهنا المزيد من الابتسامات الذليلة .
مع الوقت ، انطوينا علي أنفسنا . أصبحنا منطوين حقيقة لا مجازا ، حتي اننا عندما دخلنا عليه ، لم نستطع أن ننصرف ، لأننا حُرمنا نعمة رؤية يده البضة تهشنا .. و مازلنا في حضرته .