مقالات متنوعة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: خيريه يحيى
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 5
عَقَ أبناءك فلسطين وبات حلوهم حنظل
هانت فلسطين على كثير من أبناءها ممن يؤمنون بالتشرذم ويدينون بالاقتتال وينحنون للطواغيت ويرفعوا راية الدم خافضين راية الإسلام والسلم والإخاء الداخلي، فكل من يحمل سلاحه في وجه أخيه لا لينجد أمه مما أحيك ويحاك لها هو ابن ضال وغير بار ولا بد أن التاريخ يؤرخه كفاشل ومتآمر وتاجر حرب لا تاجر سلم.
هكذا هو الحال بين الإخوة المقتتلين ومن يتقاذفون الاتهامات علانية غير خجلين من مجتمع العالم بأكمله والذي يرقب البؤس الدائر على ارض فلسطين على أيدي أبناءها، فإذا كان ظلم الاحتلال وصل إلى أقصى درجات الجور والانتهاك للحقوق الإنسانية وتمت معاملة الفلسطيني من قبل عدوه بعداء فظ إلا أن حرقة الاقتتال الداخلي في النفوس تفوق حرقة ظلم العدو.
وهنا لكل من يحمل سلاحه رافعا إياه بوجه أخيه في غزة:- ما الذي يحدث على ارض غزة أهي العدالة التي وعدتم فيها الأهالي؟ اهو الإصلاح والتغيير؟ ام انه إصلاح وتغيير سكان الأرض فهل بات السكان القدم لتلك الأرض دخلاء أم أن الحياة منوطة بفصيل ومحرمة على آخر، فكيف تعامل الأنفس بهذا الرخص وتستباح الحريات ليختطف شخص ويقتل آخر ويستهدف التالي ويعاني البقية عدم الاستقرار والمستقبل الأسود الحامل للأحقاد والمفعم برائحة الدم والثأر والفئوية، ليس هذا وحسب فبأي وسيلة توزع الاحتياجات الإنسانية من ماء ودواء وغذاء وغاز وكيف يتم احتكار هذه الخدمات لصالح فئة على حساب أخرى؟ فهل تظلِم جميع منازل غزة في آن واحد عند انقطاع الكهرباء؟ وهل يموت جميع المرضى من ندرة الأدوية؟ وهل يطهو الخاصة كما العامة مستخدمين الخشب والحطب؟ الأكيد أن الواقع ليس بهكذا وإنما بات السكان يعانون الطبقية المقيتة لا على أساس التفاوت المادي والاقتصادي أو الاجتماعي والعلمي وإنما على أساس الفئوية والحزبية؟ أليس هذا كله بعقوق للوالدة الأم والوحيدة ألا وهي ارض فلسطين الأرض التي مزقت واغتصبت من الاحتلال إلا أنها صبرت لأجل احتضان وتربية أبناءها ليقابلوها بقتل الأخ لاخاه أو اعتقاله والتنكيل به على صدرها ليبتسم ذاك المغتصب والمحتل فتزداد غصتها.
أما ساحة الضفة الغربية:- لما تنقل الأحداث من غزة إلى مدن وقرى الضفة الغربية أما كان الأفضل أن تحاول الضفة بما أعطيت من قوة الوقوف إلى جانب أهالي غزة ومحاولة الإصلاح لمظاهر البؤس ونتائج ما فعله الاحتلال من اغلاقات وخنق لسكان القطاع وللحد من الهمبقات الداخلية، أولا تقول الحكمة أن مصاب ابن غزة أي كان فصيله هو مصاب لأخيه في غزة وفي الضفة الغربية وفي الشتات؟ وهل في سياسة الاعتقالات الحالية جدوى لإنهاء الاقتتال الداخلي والخلاص منه لصالح الوحدة والتوحد بين جميع الفلسطينيين؟ فكفى لسياسة الفعل ورد الفعل؟.
وما السياسة المطبقة حاليا على أراضي غزة والرد عليها بما يشابهها في الضفة الغربية لهي الوبال القادم من الدول المتربصة للقضية والتي تسعى بجد وجهد لإراحة العدو الإسرائيلي وتمكينه من العيش الأمن، وحقا هذه النتيجة التي حُصِدت فإسرائيل تظلم و تلتهم الأرض الفلسطينية كما النار المندلعة في الهشيم دون أن تجد كلمة استنكار واحدة فأين انتم يا من تمتلكون الحناجر الحادة في تقاذف اللعنات وأين انتم يا من ترفعون السلاح وتتذاكون في تصويبه لصدور إخوانكم أين انتم يا من تنادون في حرية مواقعكم ممن يخالفونكم الانتماء.
هذه الأيام السوداء نستذكر الحكماء وندعو الله بولاء الرحمة للشهيد الحكيم الوحدوي الرئيس أبو عمار، الرحمة والمغفرة للقائد العظيم احمد يس وللدكتور الفذ الشهيد الرنتيسي، رحمهم الله فبموتهم تشرذم الأبناء باتوا فرقاء والمستفيد الوحيد هم الأعداء، فليت الله يمن على أبناء الشعب الفلسطيني بأمثالهم من القادة الوحدويين من يرون فلسطين ارض كاملة لشعب كامل لا فرق بين رافع لهذه الراية ورافع لتلك ولا مقامرة على الأرواح ولا هتك للنفس برفع السلاح، فقد أفرط المقتتلين في ظلمهم الواقع على أبناء شعبهم، وساهموا بالإساءة إن لم تكن الجريمة الكبرى في حق عدالة القضية فبات الغرباء يرون فينا نتاج سيء لاحتلال سيء.
ونهاية تبا لكل من أشعل أو شارك بإشعال الفتنة، تبا لمن يرى أن الدم الفلسطيني مستباح، تبا لمن يرى أن الزمن كله له، تبا لمن يلعن أخاه ويبخسه إعلاميا أو كلاميا أو إجرائيا، وسحقا لكل من يمرر مصلحة الغرباء والأعداء على حساب الأمن الداخلي الفلسطيني وعلى حساب وحدة أبناء فلسطين ولمن يحلم بمستقبله على حساب أنين أمه وأخاه،، فقد بات الحديث عن وحدة مطبقة لا حديث عن حديث في الوحدة هو المطلب الأكثر ضرورة وكفى للهذيان الدائر والظلم المتكاثر فالتاريخ يسجل ولن يُخلد مقامر.
خيريه رضوان يحيى
مديرة مركز شعب السلام للأبحاث والدراسات واستطلاعات الرأي
جنين- فلسطين
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رشيد شاهين
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 5
ليس فقط غزة، الوطن كله مستباح
رشيد شاهين
ما يحدث بقطاع غزة لا علاقة له بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي أبدا، ومن يدعي غير ذلك فانما كمن يحاول تغطية الشمس باصبع يده، نقول هذا بغض النظر عن الرضا أو الرفض لذلك، فحتى لو كان من ارتكب جريمة شاطئ بحر غزة فلسطينيا أبا عن جد، من هذا الفصيل أو ذاك، وحتى لو كان من ارتكبها عميلا للاحتلال أو لمخابرات أية دولة في هذا الكون، فإن هذه ليست المرة الأولى التي يحدث مثل هذا الفعل، حيث هناك تاريخ حافل من الجرائم التي ارتكبت سواء بايد فلسطينية متصلة بعناصر التنظيمات المختلفة أو من خلال عملاء لدولة الاحتلال تم زرعهم في الفصائل من أجل القيام بهكذا اعمال، في المحصلة إن ما يجري لا يمكن قبوله. ونحن عندما نقول ان هذا لا علاقة له بالصراع مع دولة الاحتلال فالمقصود هو ما جرى بعد وقوع الجريمة.
نحن لا نحاول التهوين من حجم الجريمة التي ذهب ضحيتها العشرات بين قتيل وجريح،ولا نحاول كذلك أن نسوغ مثل هذه الجريمة، إلا اننا نحاول القول بأن ما تبع تلك الجريمة من افعال ومن استباحة لكل شيء ليس له ما يبرره ولا ينم عن مستوى من المسؤولية عال خاصة وان المسائل وتحديدا في الظروف الصعبة والقاهرة لا يمكن التعامل معها أو معالجتها بردة الفعل العصبية التي شاهدنا والعالم، كما أن من الممكن أن يكون لها من التداعيات ما هو أكثر خطورة من الفعل ذاته او من الجريمة التي وقعت، وهل يكون التعامل مع الاوضاع الصعبة بهذه الطريقة، أو هل هذه هي الطريقة المثلى لمعالجة الموقف؟
إن ما يحدث يعتبر خطيرا بكل المقاييس، ولسنا هنا نحاول تبرأة احد ولا الدفاع عن اي كان، لكن ان يتم استعمال الاحتلال كشماعة يتم تعليق كل قذاراتنا عليها او ان نستعمل خلافاتنا من اجل ان نستبيح انفسنا واهلنا ووطننا فهذا ما لايمكن القبول به، كما لا يمكن القبول ولا بشكل من الاشكال الفذلكات الكلامية "والطبطبة" والمجاملة على حساب القضية الوطنية التي باتت ممرغة في وحل الخلافات والمطامع والطموحات سواء الفصائلية او الشخصية. ونعتقد بانه يجب التوقف عن التعامل مع المسالة الوطنية على اساس انها قضية ذاتية او ملكية خاصة مرتبطة بهذا الشخص او ذاك الفصيل، ولا نعتقد بان احدا قد تم تفويضه من اجل التصرف بالقضية الوطنية على هواه.
ما رايناه خلال الايام القليلة الماضية لا يمكن ان يبشر بالخير للشعب او القضية ويبدو ان الحديث عن اعادة اللحمة صار مجرد لغو ولغط لا اكثر ولا اقل، خاصة في ظل الهجمة التي مارسها كل من فتح وحماس تجاه بعضهما البعض، هذا المستوى من التعامل وصل الى حد بغيض وهو ينم عن كراهية وعداء نادرين في الساحة الفلسطينية ونعتقد ان من يجنح الى الحوار او التعايش والمصالحة لا يمكن ان يمارس مثل هذه الممارسات.
قد نستوعب ولو على مضض – برغم اننا ضد اي اعتقال سياسي- ان يتم اعتقال العشرات على خلفية الجريمة، لكن ان يتم اعتقال كل من له علاقة بحركة فتح من قبل اجهزة حركة حماس او ان يتم اعتقال اعضاء حركة حماس في الضفة لمجرد انهم اعضاء في هذه الحركة انتقاما للاعتقالات في غزة فهذا شيء بعيد عن المنطق والمعقول، كما ان مداهمة المؤسسات واستباحتها بهذا الشكل الذي صورته بعض الكاميرات والذي براينا كان مجزوءا ومبتورا ولا يصور الواقع كما هو انما يدل على مدى الدرك الذي وصل اليه مستوى التعامل بين ابناء القضية الواحدة، هذا عدا اننا لا يمكن ان نفهم تدمير الممتلكات او الطريقة التي يتم فيها تتفتيش المقرات التي يتم اقتحامها لان فيها كثير التشابه بين ممارسات نرفض حتى التفكير بها او تذكرها.
ما الذي ابقاه السادة في التنظيمين للانظمة العربية ولماذا اذن كان يتم التنظير عن الانظمة العربية والديكتاتوريات والحكم المطلق والاضطهاد والقمع وغير ذلك من الكلام الذي ثبت انه مع شديد الاسف– فارغ- ، او ليس هذا ما كانت تقوله التنظيمات الفلسطينية فيما مضى، وهل تختلف الممارسات التي شاهدها العالم عن تلك التي كانت تمارسها انظمة القمع العربية ضد الحركة الوطنية الفلسطينية.
خلال حواري مع احد القادة الفلسطينيين قال لي ان هذا الذي يجري ليس سوى – اول الغيث- وأن القادم أعظم، وكان في حديثه غصة كبيرة وما ينم عن شعور بالاسى والاسف العميق لما وصلت اليه الاوضاع في الساحة الفلسطينية وانها لم تكن ابدا بهذا السوء، هذا الاحساس الذي عكسه الرجل هو في الحقيقة احساس الكثير من الفلسطينيين في الشارع الفلسطيني. ترى من يتحمل هذا الشعور بالاحباط الذي اخذ يستشري ويسود في الساحة الفلسطينية.
ان تتم الاتهامات بهذه الطريقة الفجة والسريعة وقبل ان يبدأ التحقيق بالجريمة وقبل الوصول الى اثباتات قاطعة يذكرنا بالاتهامات التي تم توجيهها الى العرب والمسلمين بعد "غزوة مانهاتن" وتدمير برجي مركز التجارة العالمي والحملة التي تمت على كل من هو ذات ملامح عربية او شرقية في اميركا، ترى من المستفيد من هذه السرعة بتوجيه الاتهامات لحركة فتح،او ما قالته فتح عن ان التفجير هو نتاج خلافات داخلية في حماس، الم يكن من الاجدر والافضل ان يتم التروي في ذلك؟ وان تتم عملية التحقيق بروية وتمهل وتعقل قبل ان تقوم الاجهزة الامنية التابعة لحركة حماس بكل هذا الذي قامت به، او لم يكن من الافضل الاتصال بالقوى الفلسطينية المختلفة من اجل تطويق الموضوع بدلا من حالة الانفلات واستباحة كل ما يتعلق بحركة فتح وغير فتح حيث حاولت بعض العناصر اقتحام مقر او مكتب حركة فدا المركزي في غزة بعد ان اقتحمت وصادرت كل ما في مكتب فدا في خانيونس.
من الواضح ان احدا من طرفي النزاع لم يتهم إسرائيل ولم يحاول توجيه اصابع الاتهام باتجاه دولة الاحتلال او عملاء اسرائيل الذين استطاعت ان تجندهم على مدار سنوات الاحتلال الطويلة، برغم ان اسرائيل احد اكثر الاطراف المستفيدة من هذه العملية ومما تبع هذه العملية ومن كل التداعيات التي سوف تترتب عليها، فهل اصبحت اسرائيل خارج اللعبة او خارج الجهات المشبوهة في مثل هذا الفعل؟.
يبدو أن الإخوة الأعداء في التنظيمين اللدودين تجاهلا أو نسيا أو ربما تناسيا أن إسرائيل لا تزال رابضة فوق رقاب الفلسطينيين وصدورهم وأنها لا تزال تمارس كل أشكال القهر التي مارست طيلة سنوات الاحتلال وان لا شيء من السلطة للفلسطيني على هذه الأرض وان القوات الإسرائيلية لا تزال "تسرح وتمرح" مثلما تشتهي في الأراضي الفلسطينية وأنها وبينما يتقاتل الإخوة تقوم بهدم بيوت الفلسطينيين في القدس والخليل وتصادر الأراضي وتوسع المستوطنات وتبني الجدران وتسير في مخططات تهويد قدسكم وفي مخططاتها كما هي وانتم لا تخطيط ولا من يحزنون مجرد سلطة بلا صلاحيات ولا سيادة ولا حتى أهداف، إسرائيل تستبيح الوطن بكامله والفلسطيني يستبيح نفسه، أليس هذا قمة "المسخرة".
المشكلة أن حركة حماس لم تقدم دليلا واحدا حتى اللحظة وبرغم كل ما قامت به على تورط حركة فتح بالجريمة، ولا يمكن الاستناد الى ما تم بثه على التلفزيون الفلسطيني كدليل على تورط فتح بالجريمة، هذا عدا عن ان احدا من فتح لم يبارك او يتبن العملية، كما أن حركة فتح قالت وعلى لسان الكثيرين من قادتها بانها بريئة من هذا الاتهام وأن لا علاقة لها بالعملية، طبعا نحن نعلم بانها لن تقول بانها وراء العمية ولكن ان يتم توجيه الاتهامات بهذه الطريقة وبدون دلائل حتى اللحظة على الاقل فهذا غير مقبول، قد يثبت فيما بعد انها وراءها وهذا موضوع مختلف، وقد لا يثبت ذلك ابدا وعندئذ سيكون السؤال لماذا إذن توجيه الاتهامات؟.
من الملاحظ ان دولة الاحتلال اصبحت خارج اللعبة وخارج دائرة الاتهام في هذا الوضع القائم بين حماس وفتح واصبحت حالة الاتهام والاتهام المضاد هي السائدة بينهما، كما يبدو ان حالة التضاد والصراع بين الفصيلين اصبحت من العمق بحيث صار – او هذا على الاقل ما يبدو من المشهد- من الصعب ردم الهوة بينهما وهذا ما قد يضر بالقضية الفلسطينية اكبر الضرر وقد يعود بها الى الخلف لعشرات السنين ويضعها في زاوية مظلمة لا ترى النور وهذا ما سيفقدها بريقها وان يتسبب في تراجعها عن سلم اولويات ليس فقط الدول العربية – الشقيقة- لا بل وعلى كل المستويات الاقليمية والدولية.
هنالك إقرار من كل الفلسطينيين بأن ما يحدث مسيء لقضية، لكن وما دام الامر كذلك فمن الذي سيتحمل المسؤولية عن هذه الاساءات للقضية الفلسطينية خاصة وان هناك من الاساءات ما هو اكثر ضررا وخطرا على القضية من جريمة القتل التي وقعت على شاطيء غزة، ومن سيحاسب هؤلاء الذين يسحبون القضية الى منحدر لا قرار ولا قاع له، وهل يجوز ان تبقى القضية رهينة هذا الخلاف الذي يبدو انه مستعص ولا يبدو ان حله قريبا او في الافق.
عندما وقعت جريمة قتل الأطفال بعلوشة حذرنا من ان هذه الجريمة لن تكون الاخيرة وانها سوف تفتح ابواب جهنم وانها سوف تكون بداية لصراع وقتل ودم كثير يسيل على ارض فلسطين وان من سيتسبب في سيل الدم "إلى جانب ما يفعله الإسرائيلي" سيكون الثأر والانتقام، إلا ان احدا لم يستجب وتفاقمت الامور بعد ذلك الى الحد الذي راينا فيه من البشاعات ما لا يقبله العقل ولا المنطق لكن من الواضح ان هناك من لم يشبع بعد او لم يرتو من الدم الفلسطيني ولا زال ممعنا في غيه ولهؤلاء نقول ان عليهم ان يتقوا الله في الدم الفلسطيني وفي القضية الفلسطينية وان هذا يكفي اليس كذلك؟
بيت لحم
28-7-2008
- التفاصيل
- كتب بواسطة: نعمان عبد الغني
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 8
المخيمات.الصيفية.... .... لبنة أساسية في تنمية العنصر البشري
بفلم الاستاذ: نعمان عبد الغني
المخيم لبنة أساسية في تنمية العنصر البشري، ومكونا رئيسيا في تنشئة الأطفال والشباب.وظيفته غير قابلة للاختزال في الرعاية وحدها بل منبعا للمعرفة والبحث والمبادرة والعلاقات الإنسانية، ووسيلة تجعل الممارسة التربوية واقعية تتيح فرص متعددة لتحقيق المواطنة.
إن قطاع المخيمات الصيفية ومراكز الاصطياف في الوطن العربي لازال لم يحظ لحد الآن باهتمام الدارسين والباحثين بالنظر إلى المسيرة الطويلة التي قطعها ولا يزال يقطعها بعزيمة قوية لا تلين منذ عقد الأربعينات إلى اليوم، إنه قطاع له أهميته التربوية والاجتماعية البالغة، وكذا ارتباطه العميق بالمجتمع العربي ، حيث يلعب دورا طلائعيا هاما في رعاية الطفولة والشباب، كما يعكس هذا القطاع ببنياته وطموحاته ومكاسبه صورة واضحة المعالم للواجهة الأمامية للتحولات التي عرفها التنشيط السوسيو ثقافي ببلادنا. وتؤدي دوراً فعالاً في تربية الأطفال والنهوض بهم إلى مستوى أفضل ، لاهتمامها بالجوانب البدنية والنفسية والعقلية والاجتماعية للنشء ، ونظراً لذلك فقد ازداد انتشارها في الآونة الأخيرة ، حيث بدأ المهتمون بالعمل مع الأطفال على الصعيدين الرسمي والخاص بإقامة مخيمات صيفية عديدة للأطفال العاديين والمعاقين والأطفال الأيتام واللاجئين ومتضرري الحرب ومرضى السكري وغيرهم ، حيث تُقدم لهم في العادة برامج متنوعة تسهم في إنماء خصائصهم الشخصية وإكسابهم عادات سليمة واتجاهات مرغوب فيها .وتعتبر المراكز والمخيمات الصيفية من أرقى منتجات الصحوة لأنها أعمال تطوعية فريدة تمثل حاضنا ً مهما ً للشباب ، وتتنوع النشاطات في هذه المراكز والمخيمات الصيفية بين نشاطات ثقافية ورياضية واجتماعية ، لتمثل صورة نقية من الرقي الحضاري في لفتة وصورة رائعة من العمل التطوعي واستغلال الوقت ناهيك عن أنها محضن رائد للشباب .
ولا يعني ذلك أن هذه المخيمات والمراكز الصيفية معصومة من كل خطأ ونقص ، بل نعترف أن فيها قصورا ً في الجانب التوعوي الفكري ومبالغة أكثر من اللازم في الجانب الترفيهي البحت والإجتماعي ، وغيره من الأنشطة التي تخرج المنتسب لهذه الأنشطة قادرا ً على مواجهة الموجة الفكرية الحديثة .
في كل عام تتظافر الجهود في العديد من المؤسسات والهيئات المحلية والحكومية والدولية من أجل إقامة مخيمات صيفية للأطفال والفتيان والشباب وتكتسب المخيمات الصيفية أهمية بالغة كونها تأتي في مرحلة الإجازة الصيفية بعد عام دراسي طويل ومنهك تحتاج فيه الفئات المذكورة إلى الترفيه واللعب والاستمتاع والاستفادة واستثمار مكتسباتهم من التعلم الرسمي في ظل أجواء تتيح لهم الفرصة للتعبير عن ذاتهم والمشاركة النشطة التي تعزز لديهم المسئولية والديمقراطية ، فالمخيمات الصيفية تشكل محطة لاستقبال عدد كبير من الأطفال والفتيان والشباب خاصة في ظل النقص في عدد المؤسسات والأماكن الترفيهية والاجتماعية والتربوية والثقافية .والتي يجب عليها أن تخدم الأهداف التربوية أن تساهم في عملية التنشئة الاجتماعية وليس فقط أهداف إجرائية تعمل على توفير أنشطة من أجل الأنشطة وقضاء وقت الفراغ وإشغال فقط فترة الصيف.
إن فترة إجازة الصيف للأطفال والفتيان والشباب هي فترة توقف هامة تشهد انقطاعا من وتيرة النظام الدراسي ولكنها أيضاً نفس الفترة التي يقوم بها الأطفال والشباب لتحضير أنفسهم للدخول إلى عام دراسي تالي الذي يعتبر مرحلة جديدة في حياتهم الدراسية والاجتماعية، فيما يخص بعض الأطفال والفتيان والشباب الذين فشلوا في إتمام العام السابق أو مروا بخبرات صادمة خلاله وهي مواقف صعبة تحتاج إلى مساعدة لتجاوزها فإن هذه الفترة لازمة للمرور بسلام لكي يتمكنوا من الاستعداد لدخول العام الجديد بروح إيجابية.
الصيف أيضاً هو تلك الفترة التي يمتلك فيها هذه الفئات وقت فراغ كبير ينظر إليه البعض وخاصة الجهاز التعليمي إلى أن هذا الوقت يذهب سدى وهباء وخاصة أنه في نهايته تأتي البداية الصعبة للعام الدراسي الذي يجب على التلميذ أن يدخل من جديد في نظام تعليم صارم عليه التقييد بجدوله، هذا صحيح في حالة بقاء المشارك في حالة إجازة خلال الصيف لذا عند استغلال الصيف بوتيرته الخاصة لبث الرغبة لدي الأطفال والفتيان والشباب للتعلم واستثمار المكتسبات من الادارة التربوية الرسمية يمكن أن يعود بالفائدة ، لذا يجب أن تتم هذه المخيمات بشكل مغاير عن النظام الدراسي فهناك ضرورة لتمكين المشاركين في هذه المخيمات من الاكتشاف والتجربة والتعلم النشط في وقت يعيشه على انه متعة وترفيه هو هنا لتلبية احتياجات الأطفال والشباب النفسية والاجتماعية واحترام حقوقه.
ولا يمكن لذلك أن يتم إلا إذا توفر مشروع تربوي للمخيمات يعده فريق تربوي مختص معد أصلاً لذلك وفق معايير، لمن المخيم الصيفي، ولماذا، وكيف يتم العمل فيه، وما هي الاستعدادات لتوفير إجازة نوعية تلبي احتياجات المشاركين فيها وتخدم الأهداف المتعلقة بتنمية مهارات وقدرات المشاركين من الأطفال والشباب وممارسة حياة الجماعة وتعزيز الحوار بين أبناء المجتمع الواحد أو حتى الأحياء في داخل المجتمع مع الأخذ بعين الاعتبار طلبات المجتمع، والدور الذي يمكن أن يقوموا به من اجل خدمة قضايا مجتمعية.
• إن الأطفال والشباب في المجتمع العربي يشكلوا ما نسبته اكثر من 70% وهم محور العملية التربوية والتعليمية التي تستهدف تنشئتهم اجتماعياً ويمكن لهذه الفئات أن يكونوا عنصر تقدم وترقية اجتماعية فمواطنة هؤلاء لابد أن تمر بالضرورة عبر إعطاء الاعتبار والاعتراف بهم كعناصر فاعلة مشكلة للمجتمع وكنتيجة لذلك تبرز مواطنتهم عبر فعلهم اتجاه المجتمع وتأثيرهم بقضاياه.
علنا وأن نستفيد من تجاربنا ونتجاوز أخطائنا والإعداد للمستقبل بشكل أفضل وهذا يستدعي تكريس الجهد لتنظيم العمل الاجتماعي التربوي الثقافي مع الأطفال والفتيان والشباب بشكل عام ومع التركيز بشكل خاص على العناصر والأطراف الفاعلة فيه وذلك من خلال توفير سياسة اجتماعية وثقافية وتربوية تخص هذا العمل مع الأطفال والشباب خاصة خلال الاجازة الصيفية وفق معايير محددة وواضحة توفر الإطار للعمل وتحدد فيها المنهجية وإطار مهني ينظم عمل المنشطين ويعمل على تجديد وتطوير وتعزيز آليات التدريب المهني المتخصص لإعداد الكوادر والمتطوعين والفاعلين لمساعدتهم على فهم دورهم وتحمل مسؤولياتهم.
ويستدعي ذلك تنظيم جهة تقترح أطر وأنظمة تراعي المحاور السابقة توافق وتصادق على الدورات وتعتمد المخيمات الصيفية حسب هذه الأطر والقوانين بشرط أن تكون صالحة للكل تضع معاير وطنية وتشرف عليها وليس كما هو حادث اليوم من تخبط وغياب في المعايير وعدم الصلاحية لان بعض الجهات الرسمية واالمحلية تتاخد من هذا الامر محطات للاستفادة وتكوين العلاقات الشخصية علي حساب العمل العام.
علينا جميعاً بالسعي الجاد من اجل إيجاد مخيمات صيفية تشكل أماكن للإرشاد النفسي والاجتماعي للأطفال تساهم في تقليل حدة الأضرار الناجمة عن الخبرات الصادمة التي تعرض لها الأطفال ، مخيمات تقوم على الاحترام الكامل للأطفال والفتيان والشباب وتقوم في المقام الأول على ممارسات تطبيقية تؤمن حياة المشاركة والفريق معاً وسوياً نحو مخيمات وأنشطة صيفية تقوم على احترام حقوق الأطفال والشباب واحتياجات نموهم النفسية والاجتماعية وفق عمل عقلاني واعي تربوي تنموي يؤسس للتغيير الذي نريد.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. زياد الحكيم
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 4
تصور رواية (مأساة أمريكية) تصويرا حيا الجانب المظلم من الحلم الأمريكي - وهي قصة ما يمكن أن يحدث عندما تطغى الرغبات المادية على الجانب الأخلاقي، فلا يبقى للاخلاق قيمة، ويصبح مقياس النجاح هو ما يحققه الرجل في ميدان المال والاعمال. وقد اقتبس الروائي ثيودور درايزر في روايته قصة جريمة حقيقية ارتكبها تشستر جيليت، الرجل البسيط ولكن الطموح، عندما أغرق في نيويورك صديقته الحامل عام 1906 للتخلص منها بعد أن تبين له أنها تقف في طريق تحقيق طموحاته المادية المجنونة.
وتعتبر (مأساة أمريكية) أفضل أعمال درايزر الروائية، وعملا مهما من أعمال المذهب الواقعي الطبيعي الذي أبصر النور في أوربة، ولكنه انتشر وتطور في الولايات المتحدة. ويعتبر أتباع هذا المذهب الأدبي أن مصير الأفراد في المجتمع يتحدد بفعل الوراثة والبيئة الأمر الذي لا يترك مجالا للإرادة الحرة أو للاختيار. بل إن بعض النقاد يعتبرون (مأساة أمريكية) أهم رواية أمريكية في كل الأحقاب وفي كل المذاهب الأدبية.
وتقوم الثقافة الأمريكية على أساس ما يعرف بالحلم الأمريكي الذي يعني أن أمام الأمريكيين جميعا فرصة لتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. ويعتقد معظم الأمريكيين أن ظروف الإنسان الاجتماعية والاقتصادية عند الولادة في الولايات المتحدة لا تضع قيودا على حظوظه في الحياة وان بإمكان أي أمريكي أن يصعد السلم حتى يصل إلى أعلى درجة منه مادام راغبا في ذلك.
وإذا كان من الممكن أن نوجز ما يريد درايزر أن يقوله في جملة واحدة فإننا نقول إن الحلم الأمريكي خدعة كبرى. ونقرأ في الرواية عن عالم أمريكي معقد، فيه شخصيات من مختلف الطبقات الاجتماعية. ومصير الإنسان في هذا العالم محدد منذ البداية. وهذا الموقف الفلسفي والأدبي يقوم على أساس نظرية تشارلز داروين وغيره من العلماء الذين قالوا بان الكائن الذي يولد بخصائص معينة - وراثية واجتماعية - هو القادر على مواجهة الحياة وعلى البقاء على قيد الحياة وعلى تحقيق النجاح.
بطل الرواية هو كلايد غريفثس الذي تدفعه فكرة تحقيق الحلم الأمريكي بكل ما يعني ذلك من ثراء مادي ومن استمتاع بالحياة. وبكل ما يعني ذلك من الافتقار إلى قيم أخلاقية رفيعة. وهو لا يجد حرجا في الكذب على الآخرين واللجوء إلى الحيلة والخدعة لتحقيق رغباته وطموحاته. ولا يجد حرجا في التهرب من مسؤولياته ومن المشكلات التي يسببها لنفسه وللآخرين. وهو لا يرى حدا فاصلا من الواقع والخيال. ومن اجل التهرب من واقعه المادي الفقير يغرق نفسه في عالم من أحلام اليقظة التي يرى نفسه فيها صاحب ثروة وجاه. وهو يحقق هذه الطموحات بأعمال جبانة وغير أخلاقية.
روبرتا فتاة فقيرة وخجولة وساذجة تعمل في المصنع الذي يعمل فيه كلايد مشرفا. ومع أنها فتاة جميلة وذكية – بل يصفها درايزر بأنها أجمل وأذكى فتيات المصنع – إلا أن ذلك لا يفتح لها مجالا لتطوير نفسها والانطلاق في الحياة. فالفقر الذي تعيش فيه يشكل حكما قاسيا عليها بان تبقى في مكان متدن على السلم الاجتماعي. وتغدو صديقة لبطل الرواية كلايد الذي يعدها بالزواج فتسلمه نفسها وتحمل منه، بالرغم من أن الحمل خارج نطاق الأسرة في بداية القرن العشرين في الولايات المتحدة كان يعتبر عارا على المرأة، وكانت توصف المرأة الخاطئة بأنها ساقطة ويطاردها التمييز والتحامل مدى الحياة.
سوندرا فينشلي، من ناحية أخرى، شابة جميلة وثرية، وتتحرك في الطبقات الاجتماعية العليا. وهي تمثل كل ما يطمح إليه كلايد في الحياة: الثراء والمتعة. وهو يريد الوصول إلى سوندرا بكل ما يمكنه من وسائل. ويقرر قتل روبرتا عندما تبدي له سوندرا أنها مهتمة به.
ويفر كلايد من موقع الجريمة، ولكن جميع الأدلة تطارده. وتتمكن الشرطة من القبض عليه، ويقدم للمحاكمة. وينفي التهم الموجهة إليه، ويكذب على المحامين بشأن ما كان يعتزم القيام به وما فعله. وبعد محاكمة طويلة يحكم عليه بالموت. ولا تفلح محاولات أمه في تعديل الحكم أو تخفيفه. ويواجه الموت وحيدا.
في العشرينيات من القرن العشرين شهدت الولايات المتحدة نهضة اقتصادية لم تعرفها في السابق. واغتنى كثير من الأمريكيين بطريقة أو بأخرى بسبب انتعاش أسواق المال وارتفاع أسعار الأراضي، وبسبب اختراعات جديدة واستنباط طرق لإنتاج السلع لم تكن تعرف من قبل. فأصيب الأمريكيون بحمى الركض وراء طموحات مادية لا تعرف الحدود، وأصبحت الحياة المادية هي مقياس النجاح والتحقق. وجاءت رواية (مأساة أمريكية) عام 1925 لتؤرخ لمرحلة واجه فيها المجتمع الأمريكي أزمة أخلاقية وإنسانية مستحكمة.
----------------------------------------
لندن - بريطانيا
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عمر بوشموخة
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 4
الجمال.. من رؤية جمالية بقلم : عمر بوشموخة تظل فكرة الجمال هاجسا يؤرق الكاتب والمبدع والفنان، على أساس أن الفنان هو الكائن الأكثر قدرة واستيعابا للجمال،بل إنه يتعدّى هذا المعنى إلى أنه لا يكتفي بتذوّق الجمال وفهم أسراره الكامنة في هذا الكون،وفي كل نقطة تقع عليها العين المعنوية الثالثة للفنان..بل إن الفنان بقدر ما يستوقفه الجمال المبثوث حوله يجد نفسه صانعا للجمال،مبتدعا له بصورة من صور الإبداع،فالفنان بموهبته وبمقدرته الخارقة على تذوّق الجمال وأسراره وعبقريته يساهم في خلْق الجمال،وفي إضْفاء لمساته الجمالية على لوحات الجمال والإبداع المتناثرة هنا..و..هناك. سواء أكان الفنان مبدعا في الشعر، أم في فنون الإبداع الأخرى فإن الجمال يظلّ حاضرا في فكره، وفي ريشته الأدبية، وفي رنّاته على أوتار العود، وفي كل خفقة من خفقات قلبه!! ذلك ما تناولته آراء المفكرين وأفكار الفلاسفة على مرّ العصور في موضوع الجمال، وتباينت آراؤهم في فهْم أسرار الجمال، ولم يتفقوا على وضْع تعريف محدّد له، وتلك هي ميزة هذا الموضوع الفلسفي القائم على التساؤل والدهشة أكثر من كونه يقدم الأجوبة " الجاهزة" التي لا يتفق بشأنها كلّ دارس، والفئات أكثر الناس قدرة على فهْم أسرار الجمال؛ لأن العمل الفنّيّ الذي ينجزه ينبع أساسا من إحساسه العميق بالجمال!! أقول هذا وأنا في غمرة اطلاعي على فلسفة الفن والجمال من خلال صفحات كتابيْن جديديْن صدرا للأديب الجزائري" بشير خلف" ضمْن إصدارات "الجزائر عاصمة للثقافة العربية" يتناول الكتاب الأول موضوع الجمال باعتباره رؤى أخرى للحياة، ويتناول الثاني وجود الجمال فينا..ومن حولنا، وفي كل نقطة تقع عليها أعيننا. ومنذ البداية يحاول الكتابان استدراج القارئ، وكل متذوّق للجمال إلى الانخراط في منظومة الكاتب الفكرية والفلسفية للانفتاح على عبقرية الجمال بكل أبعاده، وبكل اللغات الناطقة به. وهل الفن والجمال إلاّ لغة تسمو على كل اللغات، بل لأنه( الجمال) مصدر كل الوحي والإلهام والعبقرية!! لا شكّ أن امتلاء نفس الكاتب والأديب "بشير خلف" بمعاني الجمال والفن هو الذي أفضى به إلى تبليغ القارئ رؤيته الجمالية للفن والجمال، فجاءت آراء الكاتب لتفصح عمّا تخبّئه روحه الشفافة المرهفة من وجْد وصبابة إزاء كل ما هو جميل وعبقري..ومعبرا بأصدق التعابير من أن الجمال هو كل شيء في هذه الحياة، فهو مبثوثٌ في النص القرآني، ويرمز لبلاغة الإعْجاز فيه، ومبثوثٌ في المتْن الشعري العربي،وفي صفحات المبدعين من الأدباء، وفي جمالية الكلمة..مشيرا إلى أن الجمال والقبح لا يجتمعان " إثنان لا يجتمعان: القبح والجمال، فإذا ظهر الجمال اختفى القبح،وإذا ظهر القبح اختفى الجمال فهما نقيضان، والنقيضان لا يجتمعان،ولا يلتقيان،والإنسان من بين المخلوقات جميعا هو الذي لديه المقدرة على معرفة الجميل من القبيح، والتمييز بينهما…" غير أن الكاتب " بشير خلف" ومنذ البداية يريد أن يأخذ بلُباب القارئ إلى فكرته التي مفادها أن مَواطن الجمال لا يمكن حصْرها عند زاوية بعينها أو عند نقطة يمكن تحديدها،بل إن المساحة التي يتواجد بها الجمال لا حدود جغرافية لها، وإن الفنان والمبدع بوجه خاص هو الأقْدر على تجاوز النظرة الضيّقة أو المغلقة التي تغلف بعض المفاهيم إزاء الفن والجمال، ولعلّ هذا ما حدا بالفنان والفيلسوف العبقري "جبران خليل جبران" أن يُمْعن النظر في وضْع فهْم متبلور للجمال من دون الوصول إلى غرضه سوى القول: « منْ يُعْطيني عيْنا ترى الجمال، ويأخذ خزائني؟ » وفي ذلك اعترافٌ بصعوبة تحديد مفهوم واحد لموضوع الجمال..ولكن " بشير خلف" يحاول تقريب الصورة إلى القارئ من خلال بعض تلميحاته وإشاراته إلى المَواطن المتنوعة التي ينبثق منها إشعاع الجمال، ويتخذ منها مصدرا له، ومن ذلك يشير الكاتب إلى أن البيئة باعتبارها فضاء الحياة الرّحْب يمكن أن تكون مصدرا هامّا لإحساس الإنسان بالجمال، ومن ثمّ فإن المحافظة على البيئة واجبٌ ومسؤولية مشتركة بين الجميع، وإنه " من الطبيعي جدّا أن يقع الاهتمام بإيقاظ المشاعر والأحاسيس للمواطن، فإنشاء نافورات مائية ملوّنة، ومُضاءة تثير النفوس وتدفعها داخليا نحْو الرقّة الجمالية". بما يُفهم من ذلك أن المؤلف من خلال كتابيه لا يذهب مذهب فلاسفة الفنَ والجمال الذين لا يعنيهم من الجمال المنسكب على أديم الأرض، أو المنتشر في الفضاء أكثر من التغنّي بدلالاته، والتعبير عن إيحاءاته والتوحّد في معانيه، ولكنه يسعى إلى أن ينزل بالقيم السامية التي يرمز إليها الجمال من السماء إلى الأرض لتكون مصابيح هادية إلى نور الحقّ والمُثُل العليا..وهو الأمر الذي يستدعي من الكاتب الاستعانة بما أُوتي من براهين يقينية لإقناع الناس بأهمية وقيمة هذا الجمال المنبثق من أعماقنا ومن حولنا. ".. من نعم الله على الإنسان أنْ وهبه الله شعورا فيّاضا، ورهافة حسّ تنزع به نحْو الجمال، والسعي إليه، فأصبح الجمال من مكوّنات حياته، حتى أصبح الجمال علما وفنا وصناعة، ودخل في الإبداع الأدبي بكلّ أجناسه وارتبط بجميع أنواع الفنون، وصار الّلمسة الإنسانية الراقية في كلّ مرافق الحياة ومتطلّباتها." ولأن الكاتب ابن بيئته ونبْتة حيّة من حديقة مجتمعه، فإن وفاءه لثقافة أمته، وانتمائه للقيم الجمالية والأخلاقية والإنسانية لموطنه، تترجمه هذه الخلفية والمرجعية التي تقف وراءه، وهو يبذر أفكاره ويرصّص كلماته، ويرسم رؤاه وأحلامه انطلاقا من التربية النقيّة التي يقف عليها، فنجد الكاتب" بشير خلف" يتخذ من الدين موضوعا للجمال والعبقرية، مبْرزا العديد والكثير من صُور الإبداع والجمال التي تشير إلى قدرة الخالق في صْنْع ما يخطف الأبصار، وما يخلب الألباب والأفئدة من عبقرية التصوير الفني، ومن المشاهد التي يرسمها النصّ القرآني، بل إن الكاتب يُكثر من الاستشهادات في هذا الموضوع من قبل العلماء، وأئمة الفكر الإسلامي من أمثال أبي حامد الغزالي، ويوسف القرضاوي، ومحمد الغزالي، والأحاديث النبوية الشريفة لتعزيز آرائه في موضوع الجمال الفني من أنّ ديننا الحنيف يقوم على قيم الحبّ والفضيلة، والجمال ولا يضيق أبدا أمام كلّ ما هو جميلٌ، وكلّ ما هو أصيلٌ..فالله جميلٌ يحبّ الجمال!! وتأييدا لما يذهب إليه الكاتب، يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي" «…يحبّ المؤمن الجمال في كل مظاهر الوجود من حوله، والمؤمن يحبّ الجمال كذلك، لأن الجميل اسمٌ من أسماء الله الحسنى، وصفةٌ من صفاته العلا، وهو يحبّ الجمال أيضا لأنّ ربّه يحبه فهو جميلٌ يحب الجمال، وهذا ما علّمه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه…» كما يستشهد الكاتب بشير خلف بأمثلة كثيرة من آراء وأفكار المفكرين المسلمين في شأن موقف الدين الإسلامي من الفنّ والجمال من ذلك قول الأستاذ " محمد قطب" عن القرآن الكريم: « هذا الكتاب لا يمكن بحالٍ أن يكون معاديا للفن.» كما يستشهد في هذا الموضوع بالدكتور محمد عمارة الذي يقول: « الجمال هو آيات الله التي أبدعها وبثّها في هذا الكون، وأمر الإنسان لأن ينظر في هذا الجمال، وهو امتثالٌ لأمر الله سبحانه وتعالى.» وتتوالى استشهادات المؤلف بالآراء والأفكار والمواقف النابعة من عمق الثقافة الإسلامية والتي عن اطّلاعه الواسع على الصورة التي يبدو لنا الأستاذ" بشير خلف" يجتهد في إقناع كل من يقرأ أفكاره في هذا الموضوع بجدّية طرْحه، وصدقية فكرته مفنّدا الآراء المنغلقة التي تذهب إلى أن الفن أو الجمال يتعارض وروح الدين الإسلامي، وكأنّ الكاتب يوجه دعوة خاصة لاستكشاف الجمال من رؤية جمالية يمثّل فيها الدين الحنيف الوجه المشرق، وأنّ ما يعرضه من آراء وحجج منطقية تدفع القارئ المتأمّل والمتأنّي إلى اعتبار هذا الموضوع يتأسّس من منظور إسلامي، في إشارةٍ إلى أن الدين كموضوعٍ للفن والجمال يستدعي تعميق الفكر، وتذوّق الجمال كما لو أنه يعبّر عن مقدرة الخالق، بل إن الكاتب يرى أن الجمال عنصرٌ من عناصر الإيمان، والقيم الجمالية الفنية تحمل في ثناياها ما يعمّق هذا الإيمان ويقوّيه، ويجعله وسيلة للسعادة، والخير في هذه الحياة. إن الرؤية الجمالية للكاتب رؤية شاملة تتأسس من كون الحياة ذاتها تعتبر منظومة جمالية بكل معاني الجمال، وهذا بالرغم من " عبثية الإنسان وفساده في الأرض، كما تشير إلى ذلك الآية الكريمة: « ظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقــهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجـــعون.»( الروم:41) ويريد الكاتب أن يأخذ بالقارئ إلى تقدير العرب للجمال قبل مجيء الإسلام، ولكنهم كانوا يحصرون هذا الجمال في الأشياء الحسية مثل جمال المرأة، والفرس، والبعير، والأطلال، وعلى المشاعر العاطفية المباشرة من حبٍّ وشوقٍ وحنين ولوعة ولهفة اللقاء، فكانوا ينظمون شعر الغزل، وحينما جاء الإسلام امتدّ اهتمامهم إلى جمال النفس والخلق وجوهر الأشياء. وللتشديد على قوّة الحجّة لا ينفكّ الكاتب في استعراض الشواهد والبراهين الدّالّة على أن الفنّ والجمال نعمة من نِعم الخالق على مخلوقاته لقوله تعالى:«…ولكم فيها جمالٌ حين تريحون وحين تسرحون.» وفي آية أخرى:« إنّا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوّنهم أيّهم أحْسن عملاً.» ولا يترك المؤلف ـ أحيانا ـ للقارئ فرصة لالتقاط أنفاسه وهو يهيم في سطور ما خطّه في بحثه من أفكار وآراء في موضوعٍ فلسفيٍ ما يزال البحث فيه قائما، وما يزال الجدال بشأنه يُسيل الكثير من الحبر؛ ولعلّ الأديب " بشير خلف " قد أدركه هذا الحسّ العميق نحْو موضوع وفكرة الجمال فأهدانا عصارة أفكاره، ومنحنا ذوب كبده من خلال عمله الدؤوب ليحفّزنا على الاقتراب أكثر من دوْحة الجمال، واكتناه أسرار الجمال الساكن فينا والذي يغمر الحياة من حولنا!!