..

 

1/ اللغة والتسمية:

إن اللغة تتوسّل بالتسمية لإحداث صورة للعالم ، وإظهار اختلافاته . لذلك نجد أن علاقة اللغة بالتسمية علاقة توليدية ، حيث تمارس كل واحدة وجودها ضمن وجود الأخرى ، لتعطي للوجود معنى« فاللغة ليست مجرّد أداة يملكها الإنسان إلى جانب غيرها من الأدوات، وإنما اللغة بوجه عام ، وقبل كل شيء ما يضمن إمكان الوجود وسط موجود ، ينبغي أن يكون موجوداً منكشفاً ، وهناك فحسب توجد لغـة  ويوجد عالم »[1] ، على حد قول Heidgger .

واللغة لا تُعرب عن نفسها ، ولن تبين إلاّ حين تقوم بفعل التسمية للعالم ، فهذا العالم لا يحدث«إلا في منفتح القول والتسمية»[2]. وبالانتقال من المشافهة إلى الكتابة تمّ تثبيت الصورة الصوتية وتجميدها على المكتوب، وبذلك كانت الكتابة الحدث الحاسم في تاريخ البشرية.

يقول Walter.J.Ong« أما الاكتشاف الحاسم الفريد الذي قادنا إلى عوالم جديدة من المعرفة فقد تمّ داخل الوعي الإنساني ، لا عندما نشأت العلامة السميوطيقية، بل عندما اخترع نظام شفري من العلامات البصرية التي يستطيع الكاتب بواسطتها أن يقرّر الكلمات الدقيقة التي سوف يولدها القارئ من النص ، وهذا هو ما نعنيه عادة اليوم بالكتابة في معناها الدقيق»[3]. ووفق الصيرورة التاريخية للغة ، نلاحظ التطور الآني .

 

 

2/ التسمية والعنونة :

اللغة ¬  التسمية ¬ الكتابة  ¬العنونة .

فاللغة جاءت كمرحلة لاحقة للكتابة ، حيث أن« كل مادة مدوّنة تحتاج إلى عنونتها بشكل ما ، وهذا لا يعني أن كل ما دوّن له عنوان»[4] . ونلاحظ أن هناك فروقات بين عمليتي التسمية والعنونة ، نوردها في الجدول التالي :

العنونة

التسمية

تدل على الهوية

تدل على الكينونة

ترسخ فاعلية التأويل

ترسّخ دلالة متواترة

حاضرة في الكتابي

حاضرة في الشفهي

دال يحيل إلى مدلولات

دال يحيل إلى مدلول

الزمكانية مؤجّلة

الزمكانية حاضرة في الشفهي

عملية لاحقة

عملية سابقة

3

3/ وظائف اللغة عند ياكبسون :

لذلك احتفى الدرس النقدي الحديث بالعنونة ، فأفرد لها مباحثَ وتخصّصات ارتقت إلى تكوين علم ما يسمى "La titrologie" ، علم العنونة .

ولقد أشار "ياكبسون" في خطاطته في وظائف جهاز الكلام الستة: المرسـل  المرسل إليه، السياق ، الصلة ، السنن ، الرسالة . التي تحقّق بعض الوظائف في العنوان باعتباره نصّاً فمع المرسل تولد الوظيفة التعبيرية أو الانفعالية، وتنزع هذه الوظيفة إلى التعبير عن عواطف المرسل ومواقفه إزاء الموضوع الذي يعبر عنه .

ومع المرسل إليه تتولد الوظيفة الإفهامية ، وتتجسّد في الأساليب الإنشائية التي يعتمدها الباث قصد إفهام المستقبِل .

ومع السياق تتحقق الوظيفة المرجعية ، وهي الوظيفة المؤسِّسة للإخبار ، باعتبار اللغة تشير ، وتحيل على أشياء نتحدّث عنها . فتقوم اللغة بوظيفة الرمز إليها .

ومع الصلة تولد الوظيفة الانتباهية ، حيث تضمن هذه الوظيفة إبقاء التواصل بين طرفي الجهاز أثناء التخاطب ، والحرص على نجاحه من خلال لفت الباث انتباه متلقيه.

ومع السنن تتولد الوظيفة المعجمية ، وتسمى وظيفة ما وراء اللغة . ومدارها أن يتأكد أحد طرفي جهاز التخاطب أنه يستعمل ، والطرف الآخر نمطاً لغوياً واحدا .

ومع الرسالة تتولد الوظيفة الإنشائية، وهي الوظيفة التي تكون فيها الرسالة غاية في حدّ ذاتها ، لأنها لا تعبّر إلا عن نفسها، حيث أن كل رسالة تتضمن وظيفتها الأدبية، ودرجة هذه الوظيفة تختلف من نص إلى آخر،سواء أكان النص أدبياً أم كلاماً عادياً[5].

 

4/ العنونة كدرس نقدي معاصر :

يتوسّع الدرس النقدي الذي خرج من المركزيات المهيمنة والتوجيه ، إلى "الماحول" أضحى يبحث عن امتدادات تعدّ روافد النص المركز ؛ تقدّم له ،تختزله ، وتنبئ عنه وتمثل رائدا دلاليا طافحاً . فتحرّكت الدراسة من المتن إلى المحيط . وبهذا التحوّل في استراتيجية القراءة النقدية ، وإيلاء الاهتمام لكائنات نصيّة غاية في الخطورة على مستوى فهم النص وتأويله ، والكشف عن أسراره . ففضح التمركز النصي باكتفائه بنصّه ، وأصبح النص لا يكتمل ، ولا يمارِس حضوره إلا من خلال حضور النصوص التي تحيط به .

فتمّ اقتحام العتبات ، والتي هي في حقيقتها عقبات مفتاحية ، ندلف من خلالها إلى النص الذي يحاول دائما أن يلتمّ على نفسه . فتكون العتبات محطّات للمسكوت عنه  واللامفكّر فيه ، يوظفها القارئ في تتبّع تطوّر الدلالة ، والقبض عليها .

ومن هذه العتبات ، عتبة العنوان ، التي أصبحت عِلماً قائما بذاته La titrologie  قد أسّس له مجموعة من الباحثين الغربيين ، نذكر منهم : Gérard Genette  ، Henry Mitterand   ، Lucien Goldman، Charles Grivel ، Roger Rofer ، Léo Hock . وعند الباحثين العرب ، نذكر : عبد الفتاح الجحمري : عتبات النص البنية والدلالة . جميل حمداوي : مقاربة النص الموازي . شعيب حليفي : النص الموازي في الرواية استراتيجية العنوان . جمال بوالطيب : العنوان في الرواية المغربية .

وإذا رجعنا إلى لسان العرب ، للبحث عن جذر مفردة "عنوان" ، نجد المعاني والدلالات الآتية :

عَنَّ الشيء ، يَعِنُ ويَعُنُّ عنناً وعنونا : ظهر أمامك .

عنَّ ، يعِنُّ ويَعُن عناً وعنوناً ، واعتنَّ : اعترض وعرض .

عنَنْتُ الكتاب وأعننْتُه لكذا : أي عرضتُه وصرفته إليه .

عنَّ الكتابَ يعنه عناً وعنْنَنَةً : كعنونه مشتق من المعنى .

وقال اللحياني : عنت الكتاب تعنيناً وعنَّيتُه تعنيةً : إذا عنونته . وأصله عنان ، فلما كثرت النونات ، قُلبت إحداهما واواً ، وكلما استدللتَ بشيء تظهره على غيره فهو عنوان له . وأضاف ابن منظور بأن العنوان مشتق من المعنى . فمعنى كل كلام ومعناته ومعنية قصده .

ومن قال علوان الكتاب جعل النون لاماً ، لأنه أخفّ وأظهر من النون. قال اللّيثُ: العلوان لغة في العنوان غير جيدة ، والعُنوان بالضمّ هي اللغة الفصيحة . وقد يُكسَرُ  فيُقال : عُنوانٌ ، عِنوانٌ ، وعُنيان[6] . وكل هذه المعاني مجتمعة تميل إلى دلالة العرض الظهور الاعتراض ، القصد والمعنى .

فالعنوان ليس زائدة يمكن الاستغناء عنها ، بل هو نواة مركّزة تمثّل وحدة دلالية تتصدّر جسد الرواية . فالعنوان هو الأثر الذي يُعرف به كل شيء[7] .

فعنوان الكتاب سمته و ديباجته ، وعنوان كل شيء ما دلّكَ ظاهرُه على باطنه[8] .

وهو ذلك التكشف الدلالي المختزل للنص ، حيث يحاول أن يكون رائداً يتقدّم  ويشير لحمولة الدلالة، والتأويل للنص الذي يتولّى قيادته والدعوة إليه ، فهو مجموعة العلامات اللسانية التي يمكن أن تُدرج على رأس نصٍّ ، لتحدّده ، وتدلّ على محتواه العام ، فتغري القارئ بالتواصل[9] .

فالعنوان عموماً ، والعنوان الروائي خصوصاً في بداية الأربعينيات ، مع ميلاد وتبلور الجنس الروائي كنموذج سردي ، تضبطه قواعد الحكي ؛ جاءت تلك العناوين بسيطة ، تحاول تحبيب الجنس الأدبي للقارئ ، مع محاولة استقطابه ، واكتسابه كمستهلك لهذا الجنس الجديد . وقد لجأ الروائيون كذلك إلى محاكاة عناوين قديمة في النثر العربي .كالمويلحي في حديث عيسى ابن هشام[10] . وعناوين أخرى تميّزت بالطول والسجع ، وأخرى اكتفت بعناوين اسمية مثل "إبراهيم" و "إبراهيم الثاني" للمازني ، و"أديب"[11] لطه حسين . وأخرى تميّزت بالإبهام والغموض مستدرجة القارئ إلى العالم المتخيّل ، وفكّ رموزه . وقد تتعدّد إشارية العنوان حين يقوم «بوظيفة جمالية محدّدة مع النص ، أو في مواجهة النص أحياناً ، وذلك مثل الإشارة إلى شخصية محورية (دون كيشوت) ، أو إلى مكان يشمل مساحة هامة محورية في فضاء النص (زقاق المدق) ، أو إلى حدث يمثل مؤشراً يحدّد الطابع الفكري والإيديولوجي للنص (موسم الهجرة إلى الشمال) ، أو يمثل رمزاً استعارياً مكتفيا لدلالة النص (ذاكرة الجسد) ، أو يشير إلى أسطورة موظّفة (رحلة السندباد) إلى غير ذلك من الوظائف الدلالية و الجمالية ، فإذا أشار العنوان إلى أمر غائب في النص فإن التقابل بينهما يمكن أن يصبح هو البنية المولدة للدلالة والجديرة بأولوية التحليل »[12] .

من هنا يتّضح أن عملية العنونة ليست عملية اعتباطية ، بل عملية تتوفّر فيها القصدية ، لأن العنوان ملتصق بكينونة النص . فهو قرينه و رديفه ، ويعتريه ما يعتري النص من الخضوع للفعل القرائي ، والمنهجيات المختلفة . ولقد تطورت تجربة العنوان في الممارسة الإبداعية المعاصرة إلى حدّ الخروج به إلى فيض دلالي يقيمه على خصوصية تعبيرية ، ربما آلت به إلى تكوينية دلالية وجمالية تفعمه بالتفرد والغرابة عن سياق نصّه ، وتضع له بلاغته المغايرة بما أوشك أن « يؤسس ثقافة نصوصية متميزة تحضر العناوين دون النصوص »[13] .

لذلك وجب التساؤل عن إمكانية استغناء النص عن عنوانه ، وهل يقفز إلى دائرة الحضور بذاته ، معربا عن نفسه ، وعن فخامته دون اللجوء إلى العنوان وملحقاته من النصوص الموازية ؟ . لذلك تأتي الإجابة نافية لحالة الاستغناء للنص بذاته ، فهو يكون خداجاً بدون ملحقاته ، وإنما يكتسب صفة النضج الكامل والوعي الكلي ، والبلوغ الأدبي باكتمال محيطه الذي وُجد لإكماله« إذ تفترض الزيادة المضافة إلى الشيء إكماله وإتمامه ، لكنها تكشف في الأوان ذاته عن نقص فيه وهوّة تأتي هي لتردمها»[14] ، على حسب رأي "جاك دريدا" .

فالعنوان يمثّل حالة برزخية يتقلّب من خلالها في حالة من التفاعل مع المتلقي فيملي إيحاءاته  ويفاوض لأجل إقناع المتلقي بنصّه فـ « سلطة النص وواجهته الإعلامية تمارس على المتلقي إكراها أدبياً ، كما أنه الجزء الدال من النص ، الذي يؤشّر على معنى ما ، فضلاً عن كونه وسيلة للكشف عن طبيعة النص والمساهمة في فكّ غموضه»[15] .

وتعدّدت التعريفات والتحديدات للعنوان على حسب الانتماء إلى المدرسة النقدية  فهو عند Roland Barthes « نظام سميولوجي يحمل في طياته قيماً أخلاقية واجتماعية وإيديولوجية»([16]) ، وهو رسالة يتبادلها المرسل والمرسل إليه ، بينما يرى Robert Choulz أن العنوان هو الذي يسمي القصيدة ، ويعيّنها ، ويخلق أجواءها النصية والتناصية[17] . ولدى محمد مفتاح أنه« يقدّم معرفة لضبط انسجام النصّ وفهم ما غمض منه  إذْ هو المحور الذي يتنامى ويتوالد، ويعيد إنتاج نفسه . وهو الذي يحدّد هوية الرواية ، فهو إن صحّت المشابهة بمثابة الرأس من الجسد ، والأساس الذي تُبنى عليه . غير أنه إما أن يكون طويلاً ، فيساعد على توقّع المضمون الذي يتلوه . وإما أن يكون قصيراً ، وحينئذ فإنه لا بدّ من قرائن فوق لغوية توحي بما يتبعه»[18].

وإذا كان العنوان خطاباً معنوناً وسمة للنص ، فإن قراءة العنوان « تحصر الإطار السوسيوثقافي والتناص الذي يندرج فيه التلقي ، بما أن العنوان يترجم البنية الكبرى للخطاب  فإنه يسهّل قراءة وفهم العنوان الفرعي أو النص التميزي المحدد للجنس الأدبي»([19]) .

وهوكذلك ينشئ علاقة جدلية بينه وبين نصّه، باعتباره نصا صغيرا(Micro texte)، يتقدّم ويصف نصاّ أكبر منه (Macro texte) . فكل نص وعمـل أدبي  مثلما يرى Michel Butour [20] ، يتكون من نصين : الجسد ، ويمثل العمل الأدبي  وعنوانه . فهما قطبان يمرّ عبرهما تيار كهربائي يولّد الطاقة الدلالية ويكثّفها .

والعنوان مثله مثل نصّه، له حياة اجتماعية في سياق اجتماعي أو إشهاري أو ثقافي وشأنه شأن الوجه البشري له وهج وسطوع خاص متقلب . فهو يظهر محايداً ثمّ يمر دون أن يثير الانتباه . وقد يحصل العكس ، إذ يحدث أن يأتي عنيفا ، مثيرا للانتباه  يشدّ بصر القارئ أو أذنه ؛ ومن هنا لا يتأثر إلى حدّ ما بتلك الأوجه الأنيقة التي هي مرآة روح الكتب[21]. فإذا كان هذا التعدد على مستوى الضبط والتعريف لتحديد العنوان ، فكذلك الوظائف تعددت واختلفت .

وظـــائـف العنــوان :

لقد تعددت وظائف العنوان وتنوعت بين ناقد وآخر؛ فمنهم من قصرها على وظيفة  ومنهم من عد  لها أكثر من وظيفة. أحصيت منها مجموعة وظائف لمجموعة من النقاد  حيث أن الجمع بين هذه الآراء يشكّل صورة مكتملة عن مجموع الوظائف :

<TD style="BORDER-RIGHT: windowtext 1.5pt solid; PADDING-RIGHT: 5.4pt; BORDER-TOP: #ece9d8; PADDING-LEFT: 5.4pt; PADDING-BOTTOM: 0cm; BORDER-LEFT: windowtext 1.5pt solid; WIDTH: 120.25pt; PADDING-TOP: 0cm; BORDER-BOTT

الناقد

الوظيفة

ليو هوك Léo Hock[22]

الإخبارية،الاشتراطية،التسموية،التعاقدية،الإقناعية،الإشارية.

جيرار جينات[23]

الإغرائية،الإيحائية،الوصفية،التعيينية .

هنري ميتران[24]

التعيينية،التحريضية،الإيديولوجية .

شارل قريفال[25]

التسموية،الإشارية،الإشهارية .

ترانس هوكس[26]

البصرية،الإيقونية .

صلاح فضل[27]

عنصر بنوي،يقوم بوظيفة جمالية محددة مع النص،أو في مواجهته أحيانا.