مقالات متنوعة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: منير الجاغوب
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 8
الأكاديمية الفلسطينية للعلوم الأمنية مصنع للرجال
بقلم :: ملازم شرطة منير الجاغوب
أن الاكاديمة الفلسطينية للعلوم الأمنية في أريحا والتي أنا احد طلابها الذين يفتخرون بانتمائهم وانتسابهم لها ،تعد صرح علمي فلسطيني نعتز بوجوده كعسكريين وفلسطينيين وقد شعرت في أسبوعي الأول في هذا الصرح العسكري العلمي الشامخ أن أهم مبادئ من يقومون عليها هو زرع مبادئ الشرف والتضحية والوفاء والقيم خلقاً وسلوكاً في نفوس منتسبي هذه الأكاديمية ، وتسليحهم بالمسؤولية والعلم والشجاعة والإيمان الصادق والإخلاص والعدل واليقين والولاء والطاعة لله والوطن ثم لقيادتنا الشرعية بقيادة السيد الرئيس محمود عباس ، لقد فكرة كثيرا في تسمية لهذا الصرح ولكن ما جاء في خاطري هو أنها مدرسة وجدت لصنع الرجال وصقلهم في الحياة العسكرية بكل ثقة ووعي وحزم ليكونوا دائماً على أهبة الاستعداد للذود عن الدين والدفاع عن الوطن ومقدساته وثرواته.
وبالرغم من حداثة أكاديميتنا الفلسطينية بين الكليات والأكاديميات العسكرية إلا أنها قد حققت بفضل الله طموحات قيادتنا في بناء الإنسان كما حققت إنجازاً قياسياً في العلم العسكري الأكاديمي تعليماً وتدريباً، وخطوات ملموسة ومبادرات على الصعد العلمية والثقافية والاجتماعية من خلال رؤية واضحة وبرامج دقيقة وخطط واقعية تستند إلى العقل والعلم وقبول التحدي الحضاري ومواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية .
ولا شك أن قيادتها الطموحة المؤهلة ذات الفكر والرؤية الواضحة التي ترتكز إلى العقل والعلم، ممثلة في اللواء توفيق الطيراوي رئيس المجلس الاستشاري للأكاديمية ومدير عام المخابرات العامة ، و الدكتور نور الدين أبو الرب رئيس الأكاديمية والكادر العسكري والمدني ، كان لها الأثر البالغ في تحقيق أسباب ومقومات النجاح والتقدم والرقي التي توافرت خلال مسيرة الأكاديمية البسيطة ، وخبراتهم الميدانية المكتسبة من المناصب القيادية التي تدرَّجوا فيها.
إن ما تحقق من إنجازات بإنشاء هذه الأكاديمية بفضل الله عز وجل ثم الأيادي البيضاء التي امتدت بالبذل والعطاء لتوئسس للتعليم العسكري والأمني وذلك بفضل الاهتمام والرعاية من قيادتنا حتى أصبح هذا القطاع يضم صرح علمي على مستوى راقٍ يفوق مستوى الكليات العسكرية العالمية وتضطلع هذه الأكاديمية بمهمة إعداد وتأهيل منتسبيها علماً وفناً وأداءً واحترافاً وتدريباً وتسليحاً؛ ليعملوا في مختلف المواقع العسكرية والأمنية.
وهذه الأكاديمية ومنذ أن خطت قدمي بوابتها الرئيسية شعرت باعتزاز كبير فيها وفي من قاموا عليها وتأكدت أننا نسير على الطريق الصحيح لتحقيق أهداف شعبنا في الحرية والاستقلال وكلمة حق تقال في كل العاملين في هذا الصرح العظيم من عسكرين واكاديمين أنهم فعلا يؤسسون جيلا عسكريا لقيادة الدولة الفلسطينية القادمة وإنني هنا ومن خلال كلماتي هذه أو أكد ومن خلال تجربتي وأسبوعي الأول في هذا الصرح العظيم والكبير انه مصنع للرجال والقادة القادمين
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد دعدوش
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 7
تمتلئ ساحتنا الإعلامية اليوم بدعوات النهضة والانطلاق، وتزرع في نفوس شعوبنا اليائسة شيئاً من الأمل بعودة المجد المفقود، وهي ترسم بذلك صوراً مشرقة للمدينة العربية العصرية.. حدائق نظيفة، أبراج عالية، مجمعات تجارية باذخة، وبالطبع جامعات ومكتبات فخمة.. وهي تعد بأن هذه الصور ليست أحلاماً خيالية، بل واقع ممكن وقريب التحقيق في فترات قياسية!.. فما هي الوصفة السحرية لمثل هذه النهضة الاستثنائية؟.. وعلى أي أساس تقوم هذه الوعود التي تكاد أن تكون مؤكدة؟!
يفترق هؤلاء النهضويون إلى فريقين: ليبرالي وإسلامي.. مع أن أحداً منهم لا يشغل نفسه بالتصنيف بل لعله يسعى لنفي أي صفة أيديولوجية عن نفسه، فهمّ النهضة لديهم هو الأساس، ولعل الفروق بين خطاب كل منهما في هذا المجال تكاد تتلاشى، إلا أن أهم ما يميزهما هو أن خطاب الليبرالي لا يخجل من الدعوة إلى تقليد النموذج الغربي بحذافيره، بينما يتحرج الإسلامي "التجديدي" من هذه اللهجة ويسعى جاهداً إلى أسلمة تلك الدعوة وتطعيمها بنكهة إسلامية!
السؤال الذي يجب أن نبدأ به هو: ما هو النموذج المثالي لهذا الخطاب المتفائل؟ ويأتي الجواب من الليبرالي بقائمة تبدأ بكوريا الجنوبية وسنغافوره وهونغ كونغ وصولاً إلى دبي، أما الإسلامي فيميل إلى إضافة مثال آخر هو ماليزيا، ويستعرض كل منهما أرقاماً وصوراً رائعة عن النقلة الحضارية الجبارة التي حدثت في هذه المناطق خلال بضع عقود، ثم ينتهي العرض بالتساؤل: ولماذا لا نلحق بهم؟.. وماذا ينقصنا نحن؟.. أليست لدينا القوة العاملة والمواد الأولية والثروة.. وحتى العقول المهاجرة التي تنتظر العودة؟.. ثم يأتي الجواب: تنقصنا الإرادة فقط، وعلى الجيل الواعد أن يحفز هذه الإرادة، وعندها سيحقق حتماً أسطورة النهضة المفقودة.
من جهتي، لا أرى بأساً بالطبع في هذا التفاؤل، بل هو نقطة الارتكاز لكل حركة نهضوية في التاريخ، ولكني أقول مهلاً.. فهل هذا يكفي؟.. وهل من المقبول أن ينطلق هؤلاء النهضويون في وضع خططهم قبل أن يعي الشباب سيرورة التاريخ وسنة الكون في نهوض وانهيار الأمم؟
لا يتسع المقام لإعادة التفصيل في نقد هذا الخطاب، فقد سبق أن عرضنا تحليلاَ تاريخيا واقتصاديا لاستحالة قيام نهضة حقيقية للأمم على النحو الذي حلم به أجدادنا في القرن العشرين، وأن المتاح الوحيد اليوم لهذه النهضة هو مجرد دول مدينية حالمة وبمواصفات محددة مسبقاً.
لقد فشلت كل وعود التنمية في العالم الذي سمي بالنامي منذ بداية الثورة الصناعية وحتى اليوم، ولم تنجح أي أمة في اللحاق بالمستوى الحضاري صناعيا واقتصاديا للغرب سوى اليابان، وذلك بعد التزام اليابانيين بالشروط الغربية بحذافيرها في السياسة والاقتصاد، وحتى الثقافة في السنوات الأخيرة. أما التجارب الأخرى فكانت محصورة إما بدول إقليمية صغيرة مثل تايوان وكوريا الجنوبية أو ما يسمى بالدول المدينية أي المدن الكبرى التي تحولت إلى دول مستقلة أو شبه دول مثل سنغافوره وهونغ كونغ ودبي.
الجامع المشترك لكل من المجموعتين هو أن جميع هذه الأمثلة لم تقم بأي نهضة حقيقية على النمط الأوربي، فجميع الدول- الأمم الغربية صنعت نهضتها بالتخلص أولاً من مشاكلها السياسية والاجتماعية، ووضع دساتير تقوم على الديمقراطية والحرية الاقتصادية والفكرية والدينية، وتجمع كل القوميات المتماثلة في دولة- أمة متماسكة، إذ قامت دولة بريطانيا العظمى لتجمع أمة متكاملة من الساكسون والإنجليز والسكوتلنديين، كما توحد الفرانكيون والنورمانديون في فرنسا، والبروسيون والنمساويون والجرمان في ألمانيا، والتشيك والسلوفاك في تشيكوسلوفاكيا، والصرب والبوسنيون والكروات في يوغوسلافيا.. إلخ، وهكذا توحد أتباع القوميات المتجانسة والمذاهب المتماثلة في أمة واحدة لها دستور ونظام واحد يجمعها ضمن حدود ما يسمى بالدولة الحديثة- ولعل يوغسولافيا كانت استثناء في وحدة المذاهب- ولم تنطلق النهضة الاقتصادية والحضارية إلا بعد تحقيق هذا الشرط: تأسيس دولة أممية ذات بعد قومي وديني واحد.
أما النهضة التي حدثت في اليابان فلم تبدأ إلا بعد اقتباسها معظم دساتيرها وأنظمتها السياسية والاقتصادية من أوربا، وعندما أبقى اليابانيون في بداية نهضتهم على نظامهم السياسي الإمبراطوري واكتفوا بالنهضة الاقتصادية أرسل الغرب أساطيله العسكرية ليحاصر الجزر اليابانية ويرسل إلى إمبراطورها إنذاراً مباشراً في غاية الوقاحة يحذره من أنه إذا لم يُخرج اليابان من هذه العزلة ويفتح لهم أسواقها فسيدمرون كل ما حصلت عليه من مكاسب التنمية الاقتصادية، فما كان منه إلا أن رضخ لطلبهم، ولكن هذا الرضوخ لم يكن كافياً، فبعد هزيمة اليابان العسكرية بإلقاء قنبلتين ذريتين على مدنها في الحرب العالمية الثانية لم يقبل الغرب استسلامها إلا بإنهاء نظامها السياسي وتحويل اليابان إلى دولة غربية خالصة.
الأمر نفسه يتكرر في تلك الأمثلة التي ينبهر بها دعاة نهضتنا، فالدول الصغيرة التي حققت نهضتها مثل تايوان وكوريا الجنوبية هي مجرد دويلات إقليمية حققت شروطاً للنهضة بمقاييس غربية بحتة، فقد قدمت للغرب ما يحتاج إليه من مصانع رخيصة بمواصفاته الخاصة، ورسمت خطتها بما يتناسب مع إمكانيات قواها العاملة، ثم وظفت جزءاً كبيراً من ميزانياتها على التعليم لتأهيل كوادرها، فتحولت إلى ورش عمل كبيرة لتصنيع أكبر قدر ممكن من متطلبات السوق الغربية. أما الدول الآسيوية الأخرى التي تسمى بالنمور الآسيوية مثل تايلند وأندونيسيا وماليزيا والفلبين فقد بدأت باستقطاب الشركات اليابانية القريبة منها جغرافياً لتجميع صناعتها في مصانعها ذات اليد العاملة الرخيصة ثم إعادة تصديرها، مع الاهتمام بالتعليم والتدريب، وصولاً إلى إنشاء مصانعها الخاصة وغير المقلدة. أما الدول- المدينية الصغرى مثل سنغافوره وهونغ كونغ ودبي فهي مجرد مدن تقع في مناطق نشيطة اقتصادياً وتتمتع بمواقع ذات خصوصية ما، حيث قام صانعو القرار فيها بوضع استراتيجيات تستقطب الشركات الأجنبية للعمل على أرضها مستفيدة مما توفره لها من بنية تحتية وشفافية وحرية في التجارة وإعفاء من الضرائب وغير ذلك من المزايا المغرية، لتتحول خلال سنوات إلى جزر صغيرة للأغنياء الذين يبحثون عن أماكن مريحة لإدارة أعمالهم والإقامة مع أسرهم في عوالم خيالية.. وكل ذلك بالطبع وفقاً للشروط والمقاييس الغربية الرأسمالية. والسؤال الذي يجب أن يطرح هنا: هل حققت هذه النماذج تنمية ونهضة حقيقية كما حدث في أوربا؟.. وما هو النموذج المثالي الذي يمكن تحقيقه في دولنا العربية؟
أولاً، تفتقر معظم الدول العربية إلى شرط النهضة الأساسي في وجودها، فقد ترك الاحتلال الأوربي الذي سمي استعماراً دويلات تم تقسيمها بعناية، فلا نكاد نجد دولة عربية واحدة تجمع داخل حدودها أمة متكاملة بقوميتها ومذهبها، ولا نقصد الأمة العربية ككل، بل حتى الأعراق العربية المختلفة تم تقسيمها، فبلاد الشام والجزيرة العربية والمغرب العربي قُسمت جميعها إلى دول أو دويلات.. وتُرك لكل منها أمر تدبر نهضتها بنفسها، ليستفرد حاكم كل منها بالسلطة المطلقة، ويأمر حاشيته بابتكار نماذج اقتصادية تحقق لشعبه تنمية ما دون المساس بسلطته، حتى وصل الأمر بأحد مفكري البحرين إلى وضع كتاب يحاول به إقناع العرب بأن دعوات الوحدة قد أصبحت بالية، وأن الحل الوحيد الذي بقي متاحاً لنا هو أن يسعى كل منا للحاق بركب الغرب على طريقته الخاصة (!). وإذا كانت الوحدة العربية محظورة علينا، فإن مجرد التفكير بالوحدة الإسلامية هو بحد ذاته مجازفة خطيرة!
ثانياً، إذا كان البديل هو تنمية كل بلد أو قطر عربي وإسلامي على حده، فالسؤال المطروح هو: ما هو النموذج المراد لنا تحقيقه؟.. وإذا طرحنا الآن جانباً الدويلات العربية الصغيرة، فهل يمكن للدول العربية الكبرى مثل مصر والسعودية أن تحقق نهضة متكاملة بمجرد الاكتفاء بالدعوة إلى الاهتمام بالتدريب والتعليم وإصلاح المدارس والجامعات والبحث العلمي؟.. لقد حقق الاتحاد السوفييتي نهضة علمية جبارة، ولكنه لم يلتفت إلى حق الشعب في ما هو أهم من الاقتصاد لتنهار إمبراطوريته الهائلة خلال سبعين عاما من إنشائها فقط، فهل يراد لنا قصر طموحنا على بناء الشركات الضخمة وناطحات السحاب؟ أم أن الإصلاح السياسي الذي يكفل حقوق الإنسان الأخرى هي ليست الأكثر أهمية فحسب، بل هي الشرط الأساسي لاستمرار ورسوخ هذه المدنية وعدم بقائها مقصورة على النخبة من رجال الأعمال والسياسيين الفاسدين؟
ثالثاً، في حال بقاء الانقسام العربي والإسلامي على حاله، وسعي الدويلات العربية الصغيرة إلى تحقيق تنميتها وفقاً للنماذج المذكورة سابقاً، فهل هي حقاً نماذج ناجحة على جميع الأصعدة؟ وهل يثق دعاة النهضة بأنها ستبقى مستمرة على ما هي عليه في المستقبل القريب فضلاً عن البعيد؟..
إذا أخذنا إمارة دبي- التي يراد لها أن تصبح مدينة الأحلام العربية- كنموذج، فهل هي حقاً نموذج مثالي؟ وهل هو نموذج قابل للتطبيق في مدن أخرى؟
المنبهرون بتجربة دبي يقصرون حديثهم الدعائي على مظاهر الحداثة، ويستشهدون بأرقام وإحصائيات تؤكد التحول الذي حققته من قرية ساحلية إلى مدينة نفطية ثم إلى دولة- مدينة إقليمية عالمية. وإذا وضعنا النفط جانباً واكتفينا بما تحققه دبي من شروط النهضة الحديثة فهل هذا هو ما نريده حقاً؟
هل يسعى دعاة النهضة إلى تحويل سكان مدننا العربية إلى أقليات في وسط بحر متلاطم من الأجانب؟.. وهل تصل الحاجة إلى المدنية وتشييد ناطحات السحاب إلى درجة من الأولوية تستحق التضحية بالهوية والأخلاق والتاريخ؟.. قد يليق هذا الخطاب التغريبي بمثقفينا الليبراليين، ولكن العجيب في الأمر هو أن يتجاهل الإسلاميون التجديديون هذه الحقائق.
لقد حققت دبي نهضتها بالاعتماد أولا على عوائد النفط، فأسست بنية تحتية جيدة من موانئ ومطارات وطرق واتصالات.. ثم رسمت استراتيجيتها على أساس تحويلها إلى مركز إقليمي لمنطقة "الشرق الأوسط"، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يجعل من مطارها نقطة التقاء للرحلات بين جميع القارات، ويعطي ميناءها البحري ميزة التوسط بين الشرق والغرب، وهكذا تحولت دبي إلى منطقة تجارة حرة كبرى، وفتحت الأبواب للمستثمرين بإعفاء كامل من الضرائب وتسهيلات كبرى في التأسيس والعمل، إلى جانب مغريات الحياة الرغيدة الأخرى.
إنه نموذج مثالي لتحويل المدن إلى شركات تجارية، فأصحاب القرار يديرون شؤونها بقرارات تجارية ويعاملون مواطنيها كموظفين، وتصبح حقوقهم الإنسانية والسياسية رهناً لولائهم لشركاتهم التي لم يكن لهم أي خيار في الالتحاق بها!
هذا النموذج الذي يراد لنا تطبيقه في الرياض والقاهرة وبغداد ودمشق وبيروت هو المثال المفضل لدى الغرب للمدينة العربية.. إنها المدينة الرأسمالية العصرية التي يتحول فيها الإنسان إلى آلة، وتنطبع الحياة اليومية بمظاهر الاستهلاك، وتنهار العلاقات الاجتماعية، وتصبح الرفاهية هي الهدف الوحيد من الحياة، وتضيع بذلك الحقوق السياسية والاجتماعية في وسط يمن على الجميع بما يقدمه لهم من بذخ وترف.
قد يكون كل ما ذكر مفهوماً عندما يصدر عن الليبراليين، فالعلمانية مشغولة أساساً بما يشبع نهم الإنسان من ملذات هذه الحياة، ولكن.. ما الذي يدفع بعض الإسلاميين إلى الانبهار بهذه المظاهر؟ ولماذا يسعون جاهدين لتأويل نصوص الحث على الإعمار في الأرض بإنشاء جزر رأسمالية غربية، ونصوص الحث على طلب العلم بتوظيف طاقاتنا في تحقيق متطلبات الغرب؟.. فنحن بحاجة إلى مفكرين متعمقين ليرسموا لنا طريق النهضة في خطة واضحة وشاملة، أما دور الدعاة والإعلاميين والمدربين فيأتي بعد ذلك لينقلوا هذه الصورة إلى عامة الناس بالطريقة المناسبة، قبل أن يبهروهم بمظاهر المدنية الحديثة!
أما السؤال الذي أطرحه على هؤلاء النهضويين من شتى المشارب والاتجاهات فهو: لماذا لا نأخذ رأي الشعوب أولاً؟.. وهل نريد تحويل مدننا إلى مدن غربية بحتة مثل دبي وهونغ كونغ؟ أم تحويل بلادنا إلى دول مغلوب على أمرها مثل اليابان التي لا تستطيع أن تصنع سلاحا ولا أن تملك جيشا؟
الغرب أيها السادة لا يمانع أبداً في أن نبني اقتصاداً مزدهراً يحقق لنا رفاهية وبذخاً.. فهو لا يخشى تمتعنا بملذات الحياة، بل هو مستعد لتقديمها بالمجان.
النهضة التي يريدها لنا الغرب هي تماماً كالتي يدعو إليها دعاة نهضتنا هؤلاء.. وهي حتماً ليست من النوع الذي حققه الهنود والصينيون، حيث تنهض الأمم لتؤسس الدول أولاً، وتبني وجودها على كيان سياسي وعسكري واجتماعي واضح ومتين، ثم يأتي الاقتصاد لخدمة ورفاهية الشعوب، تلك الشعوب الحرة التي تملك قرارها أو جزءاً منه، وترسم سياساتها بما يحقق مصالحها أولاً وليس لإرضاء الغيرعلى حسابها، وهي حتماً تلك التي تنظر إلى المستقبل البعيد قبل القريب، دون أن تنخدع بالقشور
***
ك.خ
- التفاصيل
- كتب بواسطة: لحسن بولسان
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 8
الإعلام المغربي بين شعارالمهنية وعقدة ملف الصحراء الغربية. بقلم:لحسن بولسان لايجهل أشقاؤنا في المملكة المغربية أن أول المبادئ العامة لميثاق الشرف الإعلامي الدولي عموما والعربي خصوصا تقوم على حقين، حق التعبير وحق الإطلاع ، وأن الإعلام مطالب بنشد الحقيقة في خدمة الحق والخير.ورغم الشعار الذي يُرفع في المغرب عن حرية الصحافة ،إلا أنه يبدو جلياً أن هذا المبدأ غائب وأن المهنية والموضوعية والإحترافية صفات لا تتوفر في الإعلام المغربي عندما يتعلق الأمربمعالجة تطورات قضية الصحراء الغربية ، إذ بقيت صورة الشعب الصحراوي بعيدة عن الموضوعية وتفتقر إلى الصدقية والدقة، وتميل إلى التهويش والتهويل والمبالغة، وتعتمد على الأخبار الكاذبة و المحرفة أو المصنوعة ،وظلت صورة مشوهة تواصلت حتى بداية التسعينات ،قبل أن تبدأ محاولات محتشمة لتسليط الأضواء على حقيقة تطورات نزاع الصحراء الغربية التي كانت أكثر من ظالمة لأن الإعلاميين المغاربة لا يرون تطورات النزاع إلا بعين واحدة هي عين النظام والجور والتحريف. فكل ما كتب عن الصحراء الغربية وذيع وبث كان روايات تفتقر إلى الواقع ،خطابها موتوراً.. حاقداً.. مضللاً.. من دون خجل أو حياء وتفشت ثقافة التحريف على نطاق واسع وأضحت مقياساً لتناول النزاع الصحراوي المغربي . وبهذا لا يمكن للباحث عن الحقيقة في المملكة المغربية أن يجدها عند هؤلاء المتأثرين بالدعاية الرسمية وببعض الصور المركبة عن الشعب الصحراوي. وحتى عندما حاولت بعض الأقلام المغربية من قبيل السيد على لمرابط رفع الرقابة الذاتية أتتهم الرقابة الخارجية مدججة بكل الذرائع ورمتهم في السجن. فمنذ إندلاع حرب الصحراء الغربية و الإعلام المغربي يتعامل مع هذه القضية بأسلوب كله إنفعال وعاطفة. ورغم أن الوهم قد إنقشع اليوم بفعل الوقائع على الأرض ، غير أن مايدعو إلى الدهشة أن بعضاً من الوسائط الإعلامية المغربية التي ترفع شعار المهنية والإحتراف مصرة على النوم في سرير الوهم و تحريف الواقع وبعيون معصوبة كي لا تُرى الحقائق التي ظلوا يحجبونها ويُلبسونها أثوابا ليست لها. ولا حاجة للتذكير هنا بأن سيطرة النظام على الإعلام بكل ألوانه وتوجهاته شكل أحد الأسباب الرئيسية وراء عدم قول الحقيقة فيما يخص نزاع الصحراء الغربية ، مما حد بشكل كبيرمن فرص النقاش الموضوعي حول حقيقة كفاح الشعب الصحراوي ومطالب المغرب بمنطقة لا يعترف له العالم بأية سيادة عليها ،وهذا ما أسهم إلى حد بعيد في تدني قدرة الشعب المغربي على فهم حقائق حرب الصحراء الغربية،بالإضافة إلى جهل عدد كبير ممن يكتبون عن الموضوع جوهر الملف ، وتعمد البعض الأخر تشويه صورة الكفاح الصحراوي بسوء نية مبيت. تلفزة إذا شهدتها، و إذاعة إذا سمعتها، ثم جرائد كلما قلبتها وتصفحتها جميعا لاتشعرإلا وأنك أمام مؤسسة واحدة وناي يعزف معزوفة واحدة ولوحة لونها واحد قاتم لايتغير، تحليلاتها وعناوينها وسطورها وما بين السطور لاينطق إلا بلغة ثابتة عنوانها الإساءة لصورة الشعب الصحراوي وعدم تحرى الحقيقة من تزوير وتشويه الحقائق والترويج للكثير من العادات التي يحاوَل فيها رسم صورة عكسية عن واقع كفاح الشعب الصحراوي حتى أصبحت نظرة المغاربة للصحراويين نظرة تعصبية. فمن كتاباتهم ومعالجاتهم ينبثق هذا العزم على تصوير كفاح الشعب الصحراوي تصويرا مشوها.وليس المجال مفتوحا الآن لتعداد مواقف جمة أبرزت هذا التوجه الواضح في الحقل الإعلامي المغربي ، وللتذكير فقط نشير إلى الحملات التي شنها الإعلام المغربي ضد الشعب الصحراوي وكيف حاول أن يعطي صورا كاذبة ومنافية للحقيقة:مرتزقة، إنفصاليون ،ضالون ، أحوش ….هذه بعض من الأوصاف التي كان الإعلام المغربي ينعت بها الشعب الصحراوي وإشتغل على ترسيخها حتى بات البعض يتصور أن في الصحراء الغربية أناس من أكلة لحوم البشر،و حتى أصبحت أغلب عقول أبناء الشعب المغربي محشوة بالأوهام والأخطاء والأفكار المسبقة عن الشعب الصحراوي . لقد ثبت اليوم في المغرب أن أضاليل الإعلام لا يمكن أن تغير الواقع على الأرض فيما يخص تطورات وحقيقة النزاع ،وأن الحال أصبح يجبر الإعلام المغربي أن ينحاز للحقيقة، لأن كل ما يبنى على خلافها هو زائف وخادع.والحقيقة التي تأكدت اليوم بعد حرب مؤلمة بالصحراء الغربية كان ضحيتها الشعبين الشقيقين الصحراوي والمغربي ، لسان حالها يقول إن هناك في أرض الصحراء الغربية شعب لا يرضى بحياة خارج حضنها الدافيء والمستقل والحر، ولا جدوى من التلاعب في الألفاظ والمصطلحات والمسميات إذا كانت الوقائع ومن بعدها الحقائق مدركة بالعين المجردة وبالأبعاد الثلاثية لليقين الذي زرعته تلك الأرض في وجدان الصحراويين على إمتداد مساحتها ، مثلما هو يقين قرارهم بعدم التنازل عن ذرة تراب منها. وقد لا نكون مبالغين إذا أكدنا هنا أنه ورغم التضليل الإعلامي إجتاز الشعب الصحراوي كعادته و بمهارة جميع هذه المؤامرات الضالة ووصل البرالعالي أقوى مكانة ودورا ،بل باتت هذه الحملات إفلاس رسمي لصانعيها ومنظريها وإحباط لمنفذيها.فهذه جريدة المشعل المغربية تنقل في عددها الصادر يوم الخامس أيار2008، عن العاملين بوكالة الأنباء المغربية شهاداتهم "باستفحال الممارسات الضاربة بأخلاقيات المهنة وواجب الحياد والموضوعية عرض الحائط، ،كاشفين "الحملات الممنهجة ضد جهات وصحافيين مستقلين لا يخدمون الطروحات الرسمية للمملكة ". فبعد سنة 1991 أصبح المغاربة يقرون لك أنهم خدعو بحملة تضليل إعلامية واسعة النطاق شنها المغرب بمساعدة جهات غربية وحتى عربية ، ويتسألون عن إنسياق الصحافيين المغاربة وراء الرواية المغربية الرسمية المغالطة والمنافية للحقيقة.فعلى الأرض نرى الأمم المتحدة تأتي للإقليم للإشراف على تنطيم إستفتاء تقرير المصير،و البوليزاريو تطلق سراح الألاف من أسرى الحرب المغاربة ،ووسائل الإعلام الدولية تنقل صور إنتفاضات شعبية بالمدن الصحراوية تطالب بتقرير المصير،.وهاهي البوليزاريو تبسط كامل السيادة على حوالي 33%من تراب الصحراء الغربية وتقيم علاقات دبلوماسية مع مختلف دول وشعوب العالم. لا شك أن هذه الحقائق وغيرها أحرجت الإعلاميين المغاربة لأنه إستحال عليهم إخفاء الحقيقة بسبب تطور وسائل الإتصال وقدرة الإنسان الصحراوي على إيصال حقيقة كفاحه للعالم . وبدأت بعض الوسائط المغربية ولو أنها قليلة في محاولات لوضع الأمور في نصابها وتصحيح المسارات الخاطئة والصور المشوهة الناجمة عن الحملات الإعلامية الدعائية،ولا ننكر أن مبادرات بعض الجرائد ساهمت في نزع تلك الغشاوة التي خلقت أمس على أعينهم وأعين الشعب المغربي أساسا، والمقام سانح أن نعبربإسم كل صحفي وكتاب الساقية الحمراء ووادي الذهب عن كامل تقديرنا لزيارة السادة أحمد بن شمسي والمهدي السكوري عن جريدة "نيشان" المغربية للمخيمات أخيرا وللسيد على لمرابط قبلهم ونأكد للصحافة الدولية والعربية أن هذه المخيمات مفتوحة لكل من يريد الإطلاع على الحقيقة عن قرب ونتمنى أن يتم تجاوز التعتيم الإعلامي المفروض على الشق المحتل من الصحراء الغربية ويسمح للصحافة الدولية بولوجها . صحيحٌ أن محاولات بعض الوسائط الإعلامية في المغرب لن تعيد التاريخ إلى الوراء،ولن تلغي تلك النتائج المأساوية التي سببتها الحرب وما ترتب عليها من نتائج كارثية وخطيرة على المنطقة المغاربية ، لكنّ ذلك قد يشكّل مقدمة لمراجعة جادة لكل ما قيل ونشر وإزالة ذالك الغشاء الأجوف والبحث عن الحقيقة المحجوبة .وكم نطمح نحن أبناء الصحراء الغربية أن نرى الإعلام المغربي حاضرا، تعليقا وتحليلا وتوثيقا، يخدم الرسالة الإنسانية والإعلامية المتوخاة من وسائل الإعلام مجسدا تلك المهنية التي يدعيها اليوم،إنسجاما مع أهم مبدأ للصحافة وهو" الحرص على رفض مبادئ التمييز العنصري، والتعصب بجميع أشكاله، والنضال في سبيل المبادئ العادلة وحق الشعوب في تقرير مصيرها وحق الأفراد في الحرية والكرامة." أليس إمتحان حرية الإعلام في المغرب اليوم يبدأ بالذات بالمعالجة الصادقة للموضوع؟وإعطاء حرية مأمولة في النقاش في تلك الوسائط التي تتدعي الإحترافية والمهنية ؟أليس التميز بالأكيد هوالإلتزام المهني الذي يمر عبر حق القاريء والمستمع والمشاهد في الإطلاع على الحقيقة ولا شيئ غير الحقيقة؟ بالصدق والدقة لا بد أن تظهر الحقائق شفافة، وتتراجع حلبة الرقص الإعلامي ،فتسليط الأضواء على حقيقة كفاح الشعب الصحراوي يجسد خطوة في الإتجاه الصحيح، لأن المعالجة الصادقة للموضوع ستؤسس لمحال لقواسم مشتركة بيننا نحن جميعا كنا في الصحراء الغربية أو في المملكة المغربية ،قواسم يمكن البناء عليها إذا ماتوفرت النيات الحسنة لإحقاق الحق ، وخاصة إذا ما أرادت الرباط تحقيق الحل العادل وضمان السلام الحقيقي بالمنطقة المغاربية،وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الشأن. لقد قلنا من قبل وسنؤكد من بعد إننا لسنا من أكلة لحم البشر، نحن شعب أجبرنا على الكفاح من أجل الحرية والسلام ونكن للشعب المغربي كل الإحترام والتقدير ،ولم يفارقنا أبدا وفي كل الأزمات التأكيد على أن الشعب المغربي شقيق وسنبقى متمسكين بثوابتنا لإحقاق حقنا وضمان الحل العادل وإشاعة السلام الذي نطمح إليه ولكن لا نستجديه . فبهذه الرؤية تتبدل صورة الإعلام المغربي القاتمة،ويتبدل دوره من طرفٍ يوهم بغير الحقيقة ظل مجندا لدعم الحرب ضد الشعب الصحراوي وقرع طبولها وإشعال فتيل نيرانها عمدا في المنطقة، إلى طرف المعالجة الحقيقية ، ومن ثم المساهمة في بناء مستقبل واعد يسعى إلى شد الأواصر وتعميق التفاهم والتفاعل بين الشعبين الشقيقين الصحراوي والمغربي، لا لإشعال الحقد والدغينة بينهما وتهديد المستقبل بالحروب القائمة على أسباب وهمية وخلق أجواء تجسر علاقات الشعبين لتعزيز مفاهيم وقيم التسامح والديمقراطية وإحترام الأخر في الوجود وتحديد ملامح علاقات ثنائية أخوية صادقة بين الدولة الصحراوية والمملكة المغربية . فعندما تتوفر مثل هذه الإرادة وتُعلن على الملأ، يُصبح السلام والحل في متناول اليد وفي مرمى البصر،فالإعلام المغربي بمهنيته والساسة المغاربة بشجاعتهم والصحراويون بحرصهم على تمتين علاقاتهم المستقبلية مع جارهم من الشمال، يتم تحقيق الحل العادل وعندها ستنطفي نيران الثأر الصحراوي وتتعافى المملكة المغربية من وجع الضميرالذي سببته لها مغامرة حرب الصحراء الغربية. لحسن بولسان:صحافي من الصحراء الغربية.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: لحسن بولسان
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 7
الإعلام المغربي بين شعارالمهنية وعقدة ملف الصحراء الغربية. بقلم:لحسن بولسان لايجهل أشقاؤنا في المملكة المغربية أن أول المبادئ العامة لميثاق الشرف الإعلامي الدولي عموما والعربي خصوصا تقوم على حقين، حق التعبير وحق الإطلاع ، وأن الإعلام مطالب بنشد الحقيقة في خدمة الحق والخير.ورغم الشعار الذي يُرفع في المغرب عن حرية الصحافة ،إلا أنه يبدو جلياً أن هذا المبدأ غائب وأن المهنية والموضوعية والإحترافية صفات لا تتوفر في الإعلام المغربي عندما يتعلق الأمربمعالجة تطورات قضية الصحراء الغربية ، إذ بقيت صورة الشعب الصحراوي بعيدة عن الموضوعية وتفتقر إلى الصدقية والدقة، وتميل إلى التهويش والتهويل والمبالغة، وتعتمد على الأخبار الكاذبة و المحرفة أو المصنوعة ،وظلت صورة مشوهة تواصلت حتى بداية التسعينات ،قبل أن تبدأ محاولات محتشمة لتسليط الأضواء على حقيقة تطورات نزاع الصحراء الغربية التي كانت أكثر من ظالمة لأن الإعلاميين المغاربة لا يرون تطورات النزاع إلا بعين واحدة هي عين النظام والجور والتحريف. فكل ما كتب عن الصحراء الغربية وذيع وبث كان روايات تفتقر إلى الواقع ،خطابها موتوراً.. حاقداً.. مضللاً.. من دون خجل أو حياء وتفشت ثقافة التحريف على نطاق واسع وأضحت مقياساً لتناول النزاع الصحراوي المغربي . وبهذا لا يمكن للباحث عن الحقيقة في المملكة المغربية أن يجدها عند هؤلاء المتأثرين بالدعاية الرسمية وببعض الصور المركبة عن الشعب الصحراوي. وحتى عندما حاولت بعض الأقلام المغربية من قبيل السيد على لمرابط رفع الرقابة الذاتية أتتهم الرقابة الخارجية مدججة بكل الذرائع ورمتهم في السجن. فمنذ إندلاع حرب الصحراء الغربية و الإعلام المغربي يتعامل مع هذه القضية بأسلوب كله إنفعال وعاطفة. ورغم أن الوهم قد إنقشع اليوم بفعل الوقائع على الأرض ، غير أن مايدعو إلى الدهشة أن بعضاً من الوسائط الإعلامية المغربية التي ترفع شعار المهنية والإحتراف مصرة على النوم في سرير الوهم و تحريف الواقع وبعيون معصوبة كي لا تُرى الحقائق التي ظلوا يحجبونها ويُلبسونها أثوابا ليست لها. ولا حاجة للتذكير هنا بأن سيطرة النظام على الإعلام بكل ألوانه وتوجهاته شكل أحد الأسباب الرئيسية وراء عدم قول الحقيقة فيما يخص نزاع الصحراء الغربية ، مما حد بشكل كبيرمن فرص النقاش الموضوعي حول حقيقة كفاح الشعب الصحراوي ومطالب المغرب بمنطقة لا يعترف له العالم بأية سيادة عليها ،وهذا ما أسهم إلى حد بعيد في تدني قدرة الشعب المغربي على فهم حقائق حرب الصحراء الغربية،بالإضافة إلى جهل عدد كبير ممن يكتبون عن الموضوع جوهر الملف ، وتعمد البعض الأخر تشويه صورة الكفاح الصحراوي بسوء نية مبيت. تلفزة إذا شهدتها، و إذاعة إذا سمعتها، ثم جرائد كلما قلبتها وتصفحتها جميعا لاتشعرإلا وأنك أمام مؤسسة واحدة وناي يعزف معزوفة واحدة ولوحة لونها واحد قاتم لايتغير، تحليلاتها وعناوينها وسطورها وما بين السطور لاينطق إلا بلغة ثابتة عنوانها الإساءة لصورة الشعب الصحراوي وعدم تحرى الحقيقة من تزوير وتشويه الحقائق والترويج للكثير من العادات التي يحاوَل فيها رسم صورة عكسية عن واقع كفاح الشعب الصحراوي حتى أصبحت نظرة المغاربة للصحراويين نظرة تعصبية. فمن كتاباتهم ومعالجاتهم ينبثق هذا العزم على تصوير كفاح الشعب الصحراوي تصويرا مشوها.وليس المجال مفتوحا الآن لتعداد مواقف جمة أبرزت هذا التوجه الواضح في الحقل الإعلامي المغربي ، وللتذكير فقط نشير إلى الحملات التي شنها الإعلام المغربي ضد الشعب الصحراوي وكيف حاول أن يعطي صورا كاذبة ومنافية للحقيقة:مرتزقة، إنفصاليون ،ضالون ، أحوش ….هذه بعض من الأوصاف التي كان الإعلام المغربي ينعت بها الشعب الصحراوي وإشتغل على ترسيخها حتى بات البعض يتصور أن في الصحراء الغربية أناس من أكلة لحوم البشر،و حتى أصبحت أغلب عقول أبناء الشعب المغربي محشوة بالأوهام والأخطاء والأفكار المسبقة عن الشعب الصحراوي . لقد ثبت اليوم في المغرب أن أضاليل الإعلام لا يمكن أن تغير الواقع على الأرض فيما يخص تطورات وحقيقة النزاع ،وأن الحال أصبح يجبر الإعلام المغربي أن ينحاز للحقيقة، لأن كل ما يبنى على خلافها هو زائف وخادع.والحقيقة التي تأكدت اليوم بعد حرب مؤلمة بالصحراء الغربية كان ضحيتها الشعبين الشقيقين الصحراوي والمغربي ، لسان حالها يقول إن هناك في أرض الصحراء الغربية شعب لا يرضى بحياة خارج حضنها الدافيء والمستقل والحر، ولا جدوى من التلاعب في الألفاظ والمصطلحات والمسميات إذا كانت الوقائع ومن بعدها الحقائق مدركة بالعين المجردة وبالأبعاد الثلاثية لليقين الذي زرعته تلك الأرض في وجدان الصحراويين على إمتداد مساحتها ، مثلما هو يقين قرارهم بعدم التنازل عن ذرة تراب منها. وقد لا نكون مبالغين إذا أكدنا هنا أنه ورغم التضليل الإعلامي إجتاز الشعب الصحراوي كعادته و بمهارة جميع هذه المؤامرات الضالة ووصل البرالعالي أقوى مكانة ودورا ،بل باتت هذه الحملات إفلاس رسمي لصانعيها ومنظريها وإحباط لمنفذيها.فهذه جريدة المشعل المغربية تنقل في عددها الصادر يوم الخامس أيار2008، عن العاملين بوكالة الأنباء المغربية شهاداتهم "باستفحال الممارسات الضاربة بأخلاقيات المهنة وواجب الحياد والموضوعية عرض الحائط، ،كاشفين "الحملات الممنهجة ضد جهات وصحافيين مستقلين لا يخدمون الطروحات الرسمية للمملكة ". فبعد سنة 1991 أصبح المغاربة يقرون لك أنهم خدعو بحملة تضليل إعلامية واسعة النطاق شنها المغرب بمساعدة جهات غربية وحتى عربية ، ويتسألون عن إنسياق الصحافيين المغاربة وراء الرواية المغربية الرسمية المغالطة والمنافية للحقيقة.فعلى الأرض نرى الأمم المتحدة تأتي للإقليم للإشراف على تنطيم إستفتاء تقرير المصير،و البوليزاريو تطلق سراح الألاف من أسرى الحرب المغاربة ،ووسائل الإعلام الدولية تنقل صور إنتفاضات شعبية بالمدن الصحراوية تطالب بتقرير المصير،.وهاهي البوليزاريو تبسط كامل السيادة على حوالي 33%من تراب الصحراء الغربية وتقيم علاقات دبلوماسية مع مختلف دول وشعوب العالم. لا شك أن هذه الحقائق وغيرها أحرجت الإعلاميين المغاربة لأنه إستحال عليهم إخفاء الحقيقة بسبب تطور وسائل الإتصال وقدرة الإنسان الصحراوي على إيصال حقيقة كفاحه للعالم . وبدأت بعض الوسائط المغربية ولو أنها قليلة في محاولات لوضع الأمور في نصابها وتصحيح المسارات الخاطئة والصور المشوهة الناجمة عن الحملات الإعلامية الدعائية،ولا ننكر أن مبادرات بعض الجرائد ساهمت في نزع تلك الغشاوة التي خلقت أمس على أعينهم وأعين الشعب المغربي أساسا، والمقام سانح أن نعبربإسم كل صحفي وكتاب الساقية الحمراء ووادي الذهب عن كامل تقديرنا لزيارة السادة أحمد بن شمسي والمهدي السكوري عن جريدة "نيشان" المغربية للمخيمات أخيرا وللسيد على لمرابط قبلهم ونأكد للصحافة الدولية والعربية أن هذه المخيمات مفتوحة لكل من يريد الإطلاع على الحقيقة عن قرب ونتمنى أن يتم تجاوز التعتيم الإعلامي المفروض على الشق المحتل من الصحراء الغربية ويسمح للصحافة الدولية بولوجها . صحيحٌ أن محاولات بعض الوسائط الإعلامية في المغرب لن تعيد التاريخ إلى الوراء،ولن تلغي تلك النتائج المأساوية التي سببتها الحرب وما ترتب عليها من نتائج كارثية وخطيرة على المنطقة المغاربية ، لكنّ ذلك قد يشكّل مقدمة لمراجعة جادة لكل ما قيل ونشر وإزالة ذالك الغشاء الأجوف والبحث عن الحقيقة المحجوبة .وكم نطمح نحن أبناء الصحراء الغربية أن نرى الإعلام المغربي حاضرا، تعليقا وتحليلا وتوثيقا، يخدم الرسالة الإنسانية والإعلامية المتوخاة من وسائل الإعلام مجسدا تلك المهنية التي يدعيها اليوم،إنسجاما مع أهم مبدأ للصحافة وهو" الحرص على رفض مبادئ التمييز العنصري، والتعصب بجميع أشكاله، والنضال في سبيل المبادئ العادلة وحق الشعوب في تقرير مصيرها وحق الأفراد في الحرية والكرامة." أليس إمتحان حرية الإعلام في المغرب اليوم يبدأ بالذات بالمعالجة الصادقة للموضوع؟وإعطاء حرية مأمولة في النقاش في تلك الوسائط التي تتدعي الإحترافية والمهنية ؟أليس التميز بالأكيد هوالإلتزام المهني الذي يمر عبر حق القاريء والمستمع والمشاهد في الإطلاع على الحقيقة ولا شيئ غير الحقيقة؟ بالصدق والدقة لا بد أن تظهر الحقائق شفافة، وتتراجع حلبة الرقص الإعلامي ،فتسليط الأضواء على حقيقة كفاح الشعب الصحراوي يجسد خطوة في الإتجاه الصحيح، لأن المعالجة الصادقة للموضوع ستؤسس لمحال لقواسم مشتركة بيننا نحن جميعا كنا في الصحراء الغربية أو في المملكة المغربية ،قواسم يمكن البناء عليها إذا ماتوفرت النيات الحسنة لإحقاق الحق ، وخاصة إذا ما أرادت الرباط تحقيق الحل العادل وضمان السلام الحقيقي بالمنطقة المغاربية،وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الشأن. لقد قلنا من قبل وسنؤكد من بعد إننا لسنا من أكلة لحم البشر، نحن شعب أجبرنا على الكفاح من أجل الحرية والسلام ونكن للشعب المغربي كل الإحترام والتقدير ،ولم يفارقنا أبدا وفي كل الأزمات التأكيد على أن الشعب المغربي شقيق وسنبقى متمسكين بثوابتنا لإحقاق حقنا وضمان الحل العادل وإشاعة السلام الذي نطمح إليه ولكن لا نستجديه . فبهذه الرؤية تتبدل صورة الإعلام المغربي القاتمة،ويتبدل دوره من طرفٍ يوهم بغير الحقيقة ظل مجندا لدعم الحرب ضد الشعب الصحراوي وقرع طبولها وإشعال فتيل نيرانها عمدا في المنطقة، إلى طرف المعالجة الحقيقية ، ومن ثم المساهمة في بناء مستقبل واعد يسعى إلى شد الأواصر وتعميق التفاهم والتفاعل بين الشعبين الشقيقين الصحراوي والمغربي، لا لإشعال الحقد والدغينة بينهما وتهديد المستقبل بالحروب القائمة على أسباب وهمية وخلق أجواء تجسر علاقات الشعبين لتعزيز مفاهيم وقيم التسامح والديمقراطية وإحترام الأخر في الوجود وتحديد ملامح علاقات ثنائية أخوية صادقة بين الدولة الصحراوية والمملكة المغربية . فعندما تتوفر مثل هذه الإرادة وتُعلن على الملأ، يُصبح السلام والحل في متناول اليد وفي مرمى البصر،فالإعلام المغربي بمهنيته والساسة المغاربة بشجاعتهم والصحراويون بحرصهم على تمتين علاقاتهم المستقبلية مع جارهم من الشمال، يتم تحقيق الحل العادل وعندها ستنطفي نيران الثأر الصحراوي وتتعافى المملكة المغربية من وجع الضميرالذي سببته لها مغامرة حرب الصحراء الغربية. لحسن بولسان:صحافي من الصحراء الغربية.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رشيد شاهين
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 5
لا انتفاضة في الأفق
رشيد شاهين
كثر الحديث خلال الفترة القليلة الماضية عن انتفاضة ثالثة قد تحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة وقد استند بعض من يعتقد بقدوم الانتفاضة إلى عدم إحراز أي تقدم في العملية السلمية أو التفاوضية الجارية بين الفلسطينيين والإسرائيليين وانسداد الأفق أمام أي حل بالإضافة إلى عدم وجود أية آفاق لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي خاصة في ظل التعنت الذي يبديه الجانب الإسرائيلي وعدم استجابته لأية مبادرات "سلمية" بما في ذلك المبادرة العربية.
هذا الحديث عن اندلاع انتفاضة ثالثة وبهذا الشكل إنما يشير وكان الأمور يتم تسييرها "بالريموت كونترول" وان الانتفاضة إذا ما قرر احدهم أن تندلع فهي تندلع مباشرة وكأن الأمر هو مجرد "ضغطة زر" بمجرد " كبسه" تتحول الأرض إلى جهنم تحت أقدام الغاصبين.
بداية لا بد من الاتفاق أو عدم الاتفاق على أن هنالك انتفاضة ثانية حدثت وإذا ما كانت هذه لا تزال موجودة أم لا، وإذا ما كانت انتهت فمتى وأين ولماذا؟هذا إن حدثت "انتفاضة شعبية حقيقة" أصلا، وهل ما بات يعرف بالانتفاضة الثانية أو انتفاضة الأقصى هي فعلا انتفاضة شعبية حقيقة مثل الانتفاضة الأولى أو انتفاضة الحجارة التي انطلقت في العام 1987 والتي كان لها آثارا كبيرة في الوجدان الفلسطيني وكذلك في الوجدان العالمي بحيث هزت الضمير الإنساني برمته وجعلت من دولة إسرائيل دولة عاجزة وغير قادرة على تبرير ما تقوم به من جرائم ضد أبناء الشعب الفلسطيني الذين واجهوا آلة الدمار "الاحتلالية" بصدور عارية وبأيديهم وبحجارتهم.
لا شك بان الواقع الفلسطيني ومنذ ما يزيد على السنتين أصبح مزريا تراجعت فيه القضية الفلسطينية إلى الدرك الأسفل من الاهتمام ومن واجهة الأحداث، بغض النظر عما يمكن أن يقال في هذا الإطار، لكن هل يمكن أن يكون هذا التردي في الواقع الفلسطيني وحالة الانقسام السائدة بين أبناء الشعب الواحد وكذلك الجغرافية الفلسطينية سببا في اندلاع انتفاضة جديدة، وحول السؤال هل ستقوم الانتفاضة الفلسطينية "الثالثة" إذا ما قامت ضد المحتل الإسرائيلي أم ضد القيادة الفلسطينية بشقيها في الضفة وغزة؟.
الانتفاضة الفلسطينية الثانية لم تكن أبدا انتفاضة شعبية كما كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي شارك فيها أبناء الشعب الفلسطيني بكل أطيافهم و"تلاوينهم" السياسية والحزبية وغير الحزبية، من هنا كان يمكن أن يطلق على تلك الانتفاضة بالشعبية، أما فيما يتعلق بالانتفاضة الثانية فنعتقد بأنها وان مرت في بعض الأوقات "القليلة" بأشكال شعبية وجماهيرية إلا أنها تميزت بأنها كانت "انتفاضة" أشبه بالهبات العسكرية أكثر منها بالهبات الشعبية، وقد كان لعسكرتها ربما آثارا أضرت بالقضية الفلسطينية أكثر مما قدمت من فوائد وذلك أن القائمين على الفعل العسكري للانتفاضة فشلوا في رفد تلك الأعمال بأعمال دعائية وإعلامية تبرر تلك الأعمال وقد هيأ ذلك لدولة الاحتلال أن تشوه صورة "الانتفاضة الثانية" وجعلت منها مجموعة من الأعمال "الإرهابية"- خاصة في ظل قيام أميركا بما بات يعرف الحرب على الإرهاب وانجرار العالم وراء هذا الشعار الزائف- وهذا ما سهل لإسرائيل أن تقوم بأكبر عمليات الاغتيال والقتل والإرهاب ضد أبناء الشعب الفلسطيني في كل الأراضي الفلسطينية دون أن نجد مجرد إدانة من دول العالم لكل أعمال إسرائيل وصارت الإدانات تتوالى ضد أعمال الفلسطينيين بغض النظر عن "عنف" أو سلمية تلك الأعمال.
عندما قامت الانتفاضة الأولى فهي إنما قامت نتيجة ظروف وتراكمات امتدت لعشرين عاما من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية ووصول الشعب الفلسطيني إلى مرحلة من القهر لم يعد بالإمكان تحمل المزيد منه، عدا عن أن الظروف التي سادت تلك الحقبة أدت إلى انفجار شامل لم يكن بالإمكان الوقوف في وجهه لا من قبل قوات الاحتلال ولا غيرها، فكانت الانتفاضة شعبية بكل تفاصيلها وعفوية بكل ما فيها بغض النظر عما يمكن أن يقوله هذا الفصيل أو ذاك، قد يكون هناك بعض الصحة فيما يمكن أن يقال عن دور الفصائل في المراحل اللاحقة للانتفاضة إلا أن هذا لا ينطبق أبدا على بداياتها، حيث إنها فاجأت الكل سواء الفلسطيني أو الإسرائيلي أو حتى الإقليمي والدولي.
أما فيما يتعلق ب"الانتفاضة" الثانية فيعتقد على نطاق واسع بان تلك "الانتفاضة" كان من المفروض أن تكون باتجاه السلطة الفلسطينية وضد رموزها، وقد جاءت زيارة شارون للأقصى لتفجر ما أصبح يعرف بانتفاضة الأقصى أو الانتفاضة الثانية، صحيح أن " الانتفاضة" الثانية كانت في بعض ملامحها في البدايات تحديدا انتفاضة شعبية إلا أنها لم تستمر كذلك إلا لفترة بسيطة ومن ثم تحولت إلى "حرب" واضحة النتيجة لأنها دارت بين قوتين لا مجال للمقارنة بينهما فكانت إسرائيل بقوتها وجبروتها العسكري وبين كتائب المقاومة بأجنحتها المختلفة والتي لا تمتلك سوى إمكانات محدودة والتي تعرضت للكثير من الانتقاد من قبل الشارع الفلسطيني هذا الانتقاد ربما كان بالسر أكثر منه في العلن.
عندما قامت الانتفاضة الاولى وما بات يعرف بالثانية كان لدى من قام بها آمالا بان يتم استثمار كل التضحيات التي بذلت وكل الدماء التي سالت، لكن هل تم استثمار تلك التضحيات وهل ارتقى القادة إلى مستوى تلك التضحيات وهل كانت النتائج هي المأمولة والمطلوب الوصول إليها؟ إن نظرة واحدة على الواقع الفلسطيني يمكن أن تكون فيها الإجابة الشافية التي لا يراها إلا كل من فقد البصر والبصيرة.
الحديث عن انتفاضة ثالثة في هذه الظروف وبعد كل الأحداث والتطورات التي حدثت في الساحة الفلسطينية يمكن أن يكون اقرب إلى التمنيات منه إلى الحقيقة خاصة وان إسرائيل التي تجثم على هذه الأرض منذ عشرات السنين تعلمت الكثير واكتسبت الكثير من الخبرة في كيفية السيطرة على الأراضي المحتلة عدا عن أنها استفادت من التجارب السابقة فيما يتعلق بالانتفاضتين الأولى و "الثانية" وطورت أساليبها وقدراتها- ماذا فعل الفلسطيني- بحيث صار من الصعب القيام بكل ما كان يمكن القيام به خلالهما هذا عدا عن أن وجود السلطة الفلسطينية وقيام ما يشبه المؤسسات الرسمية والوزارات وما إلى ذلك صار سببا في اختلاف الثقافة لدى الشباب الفلسطيني وتحولت ثقافة المقاومة والاحتلال والانتفاضة إلى ثقافة البحث عن الذات، وقد استطاعت إسرائيل أن تقزم طموحات الكثير من الفلسطينيين إلى ما هو مخجل ومعيب بحيث صار في بعض الأحيان أقصى طموح للبعض هو الحصول على وظيفة لدى السلطة أو أن يسير بدون أن يعترضه حاجز هنا وآخر هناك لا بل صار في بعض الأحيان يأمل أن يستطيع الحصول على خزان مليء بالوقود لسيارته حتى يتمكن من الحركة أو ربما الوصول إلى القدس من اجل الصلاة في مسجدها وليس من اجل السياحة أو الوصول إلى البحر "الميت" الذي حرمته إسرائيل منه على مدى سنوات- معظم أطفال فلسطين إن لم يكن جميعهم لا يعرفون البحر إلا من خلال الصور ولم يصلوا إليه أبدا برغم انه بحرهم-.
إن حصول انتفاضة ثالثة إذا كان هناك انتفاضة ثانية غير ممكن في ظل ظروف الانقسام الفلسطيني وحالة الشرذمة التي تعيشها الساحة الفلسطينية ولا يمكن لانتفاضة أن تقوم وقد أصبح من الواضح لمن هم حطب الانتفاضات أن من يقوم على شانهم غير مهتم سوى بمصالحه الذاتية والامتيازات التي حققها، ولا نعتقد بان حطب الانتفاضة والمقاومة هذا غير مدرك بان هناك من يجر القضية والشعب الفلسطيني إلى مجاهل لا يعلم بها احد، ومن هنا فلا نعتقد بان هذا الحطب لديه الاستعداد أن يشعل نفسه من جديد إلا إذا كان على يقين بان جذوته لن تذهب سدى وان ما سينتج عن انتفاضة يقوم بها سوف يكون غير النتائج التي تمخضت عن انتفاضته الأولى و"الثانية".
إن من غير الممكن أن نتحدث عن انتفاضة فلسطينية ثالثة في ظل عدم اتفاق لا بل وتحارب- وتذابح- أهم واكبر حركتين في الساحة الفلسطينية، ولا نعتقد بان جماهير الحركتين المتنازعتين سوف يقفان صفا واحدا في انتفاضة كتفا بكتف طالما تتنازعان في خلاف دموي على السلطة نعلمه ونعرف تفاصيله جميعا وقد رأينا بعضا من دمويته على الشاشات، إن الحديث عن انتفاضة ثالثة وتجاهل حقيقة الانقسام الحاد في الساحة الفلسطينية إنما هو حديث يرقى برأينا إلى حديث فيه الكثير من الاستغباء للآخرين واستخفاف غير مبرر بعقولهم.
لا بد لكي نتحدث عن انتفاضة ثالثة أن نقرأ الظروف التي قامت بها الانتفاضة الأولى و"الانتفاضة الثانية"،الأولى قامت عندما كان الكل موحد وهب هبة رجل واحد من رفح إلى جنين، وفي الثانية كانت الظروف السياسية شبه مغلقة ولا آفاق في العملية السياسية وكادت أن تنفجر في وجه السلطة واستطاع من استطاع أن يفجرها في وجه شارون، أما الآن فأين هي جنين وأين هي رفح وأين هي تلك الجماهير التي قتلها الإحباط مما يجري في الساحة الفلسطينية.
أن نتحدث عن قيام انتفاضة ثالثة قد يكون سهلا لكن أن نقنع الآخرين بان من الممكن أن يقوموا بانتفاضة أخرى فهو أصعب ما في الأمر في هذه الظروف، قد تأتي الثالثة لكن ليس في المدى المنظور وليس في ظل انقسام يلزمه ربما وقت طويل حتى تغيب آثاره وتندمل الجراح التي خلفها وهي على أية حال جراح عميقة بحسب ما نرى وبحسب ما نعرف وما نسمع ممن كانوا حطبا لحالة الانقسام التي راح ضحيتها مئات القتلى ومئات الجرحى، ولأننا لا نمارس خداع الذات فنحن نعتقد بان الجرح عميق وان لا انتفاضة في الأفق.
6-10-008