مقالات متنوعة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: مصطفى الواكد
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 7
أعلم أن الموت حق ، وأؤمن بأن للعمر نهاية مهما طال لكن الذي لم أكن أعلمه إو أتخيل مداه هو الألم والمعاناة اللذان يصيبا من يقف جوار أمه وهي ترقد على سرير للمستشفى يحتار بتسميته أهو سرير الشفاء أم سرير الموت ، أربعون يوما في المستشفى وأنا لا أملك القيام بأي فعل سوى السؤال عن صحتها وعن رأي الأطباء في حالتها ، أسترق وقت رفع جهاز التنفس عن فمها وأنفها لأسألها عن مواقع ألمها فتستعيض عن الجواب ، بعد التأكد من إحكام تغطية شعرها بشالها الأبيض ، بالدعاء لي ولأبنائي وكأنها حتى في أحلك الأوقات تصر على استثمار ما تبقى من قدرتها المتضائلة على الكلام في ما ينفعني وأبنائي
شعرت بالعجز عن القيام بأي عمل يسهم في شفائها أو يخفف من آلامها ، أمي التي كان طرف ثوبها يمثل لي أيام طفولتي درعا أحتمي خلفه من أعتى المخاطر ، تحتمي بي رجلا من ألم إبرة أو تستغيثني من وحشة مستشفى ممسكة بيدي ( تتركنيش يمه ) أخالفها مكرها إنصياعا لأمر طبيب أو ممرض ، تمنيت لو أتمكن على الأقل من الحيلولة بينها وبين إبرة إزرقت يدها من ألمها ، وقفت عاجزا أمام حماية يد لم تتردد صاحبتها ولو للحظة واحدة عن استخدامها ترسا يقي جسدي يوم كنت طفلا لا يدرك خطورة اللعب بالنار والإقتراب من الأخطار، ترى لو يضعوا الأبرة في يدي ويعود حبل الصرة بيني وبينها ليجري فيه الدم عكس اتجاهه أيام كنت جنينا تمدني بخلاصة غذائها ودمها النقي !!! هل أرد بذلك بعض الجميل ؟ والله لو حصل ذلك لا أظنه يغفر لي لحظة استسلام للموت دعوت الله فيها لراحتها وأنا أعتقد جازما أن ما من أم راودها مثل ذلك وعيناها تجافي النوم ساهرة جوار إبنها المريض أملها الوحيد شفاؤه رغم كل توقعات الأطباء .
لم تكن أم مصطفى رحمها الله أما لكل أبناء الحي كبعض السلطيات من جيلها بحكم بيئتها المدنية التي تؤمن بالخصوصية كما أنها لم تكن فياضة المشاعر تغمرنا بحلو الكلام ، لكنني ما وجدت صعوبة في إدراك وحس حبها لنا نحن أبناؤها وبناتها فالأفعال عندها أهم من الألفاظ العاطفية فكم أكلنا من خبز في طفولتنا كان عجينه مجبولا بمسك إفراز ما بين أصابعها وأما رضاعتي حولين كاملين والغفوة في أحضانها على أنغام دقات قلبها فهي سرعاطفة ما زالت تسري في عروقي وقد جاوز عمري الخمسين . لم يكن خافيا كذلك حبها ووفاؤها للمرحوم والدي رفيق دربها الذي سبقها بإثنين وعشرين عاما بعد أن كان قد اتفق معها صبيحة يوم رحيله على مكان دفنهما متجاورين في حديقة المنزل الذي لم تعد تطيق مغادرته ولو لبضع ساعات إلى أن غادرته قسرا إلى المستشفى الذي عادت منه محمولة لتدفن جوار رفيقها حسب رغبته طائعة له ميتا كما أطاعته حيا .
في اليوم الأول من رمضان في أول رمضان يمر علينا بعد رحيلك ، افتقدتك يا أمي ، كم أشعر باليتم ، ما أقسى اليتم بعد أن يصبح أحدنا أبا أو أما ويذوق لذة ومعاناة الوالدين ، إلى رحمة الله (يمّه) أنت وكل الأمهات والآباء
المهندس مصطفى الواكد
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد السروجي
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 7
المقاومة وإفشال "حلم إسرائيل الكبرى"
منذ أكثر من قرن من الزمان "عام 1897" وقف هرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول بسويسرا ليعلن أهداف الحركة الصهيونية " استعادة أرض مملكة إسرائيل بحدودها التاريخية من البحر إلى النهر" ومرت السنون ليأتي يوم الأحد 15\9\2008 ويعلن أولمرت الرئيس السابع عشر لحكومة الكيان الصهيوني أمام جميع وزراء حكومته أن الحلم تحول إلى كابوس بل أنه كان وهم كبير حين قال : "إسرائيل الكبرى من البحر إلى النهر وهم كبير وأنه وكل زعماء إسرائيل من قبل أخطئوا وعلينا أن نتقاسم الأرض مع من فيها" فما الذي أجبر أولمرت ليعترف بهذه الحقيقة المرة ؟ وما هي شواهد تآكل هذا الحلم الوهم ؟ وهل أثبت الواقع أن تيار المقاومة كان أكثر وعياً بطبيعة الصراع من الأنظمة العربية التي تعاملت مع الكيان الصهيوني وكأنه قدر لا فكاك منه؟!
شواهد تآكل الحلم الوهم
** ضعف الشعور والوعي القومي اليهودي كما رصدته مراكز الدراسات والأبحاث الصهيونية
** لم تعد إسرائيل هي الوطن القومي لليهود بل صارت وطناً كأي وطن يعيشون فيه وهذا ما سبب قلة الهجرة في السنوات الأخيرة كما أكد مكتب الإحصاء المركزي إنه في عام 2007م وصلت إلي 18500مهاجرًا فقط، وهو العدد الأدنى منذ العام 1988م.
** دراسات مكتب رئيس الوزراء لتعزيز صلة وعلاقة يهود العالم مع "إسرائيل"، التي أفادت بالمعطيات التالية: 70% من يهود الولايات المتحدة لم يكونوا أبدًا في "إسرائيل" ولا يعتزمون زيارتها، 50% من يهود الولايات المتحدة متزوجون زواجًا مختلطًا، 50% من الشباب اليهودي هناك لا يهمهم إذا اختفت "إسرائيل" عن الوجود، وفقط أقل من 20% من يهود رابطة الشعوب يتعرضون لمضامين يهودية
** تآكل أطراف دولة الكيان الصهيوني وانحسارها داخل تل أبيب "والمسماة حالياً بدولة تل أبيب" رغم المليارات التي تنفق للتوسع والانتشار لكن حالة الفزع والرعب الأمني تفسد كل المحاولات
** احتفاظ الاشكيناز (اليهود الغربيين) بعناوين ذويهم في الخارج.. وبعد توالي الهزائم زاد عدد من يطلبون الحصول على جوازات سفر غربية بالتزامن مع الهجرة العكسية من إسرائيل للخارج
** حالة التقهقر التي عليها إسرائيل بعد أن لحقت بها هزائم عسكرية متوالية منذ حرب الاستنزاف (في نهاية الستينيات) وحرب 1973 والانتفاضة الأولى (1987) والانسحاب من جنوب لبنان والانتفاضة الثانية والحرب السادسة أمام حزب الله والتي أثبتت أن الجيش الإسرائيلي يُمكن أن يُهزم
** هزيمة إسرائيل في الحرب مع حزب الله والتي ساهمت فيها المقاومة الفلسطينية التي أتعبت إسرائيل بوسائل رغم بدائيتها حيث لا يوجد لدى إسرائيل وسيلة لصدها لدرجة اقتراح بعض الإسرائيليين أن يمدوا الفلسطينيين بصواريخ سكود حتى يمكنهم التعامل معها..
** العمليات الجهادية النوعية لفصائل المقاومة والتي أربكت الكيان الصهيوني على المستويين المخابراتي والعسكري الميداني
** اعتراف قيادة الأركان الإسرائيلي بأن المؤسسة العسكرية مرهقة وأن حروب التحرير لا يمكن هزيمة العدو فيها وإنما إرهاقه حتى يُسَلم بالأمر الواقع علماً أن المقاومة في فيتنام لم تهزم الجيش الأمريكي وإنما أرهقته لدرجة اليأس من تحقيق المخططات الأمريكية وهو ما فعله المجاهدون الجزائريون على مدي ثماني سنوات (1954-1962) في حرب التحرير ضد المحتل الفرنسي
** الانقلاب الديموجرافي المتوقع لصالح السكان العرب والذي دعا الكيان الصهيوني لإعلان مسمى الدولة اليهودية وصدق عليه الكونجرس الأمريكي كإجراء استباقي لتهجير السكان العرب وغلق باب حق العودة لأراضي 1948
وأخيراً
لقد أثبتت المقاومة أنها كانت أكثر وعياً بطبيعة الصراع وأصدق إيماناً بحقها الوطني والشرعي وأنها لم تستسلم لأكذوبة الأنظمة العربية بأن الكيان الصهيوني قدر لا فكاك منه، بل من حقها أن تفخر بما أنجزته على مستوى الوعي الفكري والجهاد الميداني ، بل أنهم أثبتوا أن هذه المنطقة من العالم ذات طبيعة هاضمة وعصية على الذوبان وأن كل من مروا فوق أرضها كانوا '' عابرون في مشهد عابر'' طال الزمن أم قصر ... حفظك الله يا فلسطين ...
محمد السروجي
مدير مركز الفجر للدراسات والتنمية
- التفاصيل
- كتب بواسطة: فتحي العابد
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 6
بسم الله الرحمان الرحيم
أبعاد القراءة والكتابة
لعل انحسار الإقبال على اقتناء الكتاب بصفة عامة، والكتاب الأدبي بصفة خاصة، سواء أكان دواوين أشعار أو روايات أو مجموعات قصصية أو غيرها... داع إلى الحديث عن موضوع أزمة القراءة الشائك وأبعادها، ذلك الإستنتاج المتكرر التصريح به، والمثير للدهشة وللإستغراب والغوص في الحيثيات المحيطة به..
استنتاج يبدو وكأنه الحاضر والمسجل دائما وأبدا في كل التقارير المنشأة، عقب كل التظاهرات الثقافية، المعارض خاصة، تلك التي تهتم بالإبداع الأدبي المنشور ورقيا.
وإذا كان هذا هو واقع الحال ومعترف به، وإذا كان فعل اقتناء الكتب الأدبية أصبح النادر الورود، فليس من المبالغة في شيء القول بأن الأغلب الساحق من ذلك العدد القليل الذي يُقبل عليه ويشتري، يكون من قبل الأدباء أنفسهم، وذلك إما لتشجيع زميل أديب أو زميلة أديبة ما، أو الإطلاع على ما يمكن أن يكون قد قُرأ عنه من مستجدات وإبداعات جديدة، أو القراءة من أجل القيام بدراسات حول ذلك المقتنى.
ولعل أسئلة عريضة ومتناسلة تلح، وأيضا تطالب بالأجوبة حول الظروف التي أدت إلى نشوءه وتواجده، وكذا تعاظم وتيرته مع مرور الأيام، ذلك التوجه الإستهلاكي الجديد للأدب العربي، أي ذلك الإقصاء المتفاقم المزمن، إذ كيف يمكن فهم تخلي القراء العرب عن اهتماماتهم الضاربة الجذور في عمق التاريخ باللغة العربية، وبالنتاجات الأدبية المنسوجة من خيوط حروفها؟
ويبدو باستقراء لواقع الحال، وبسبر لأغوار الظروف المحيطة بهذه الظاهرة أن الأسباب كثيرة ومتعددة، وتتعلق بالأطراف الثلاثة التي تقوم عليها قضية التعامل مع الإنتاجات الأدبية العربية: الأديب والأدب، المنتج، والقارئ.
أبعاد القراءة:
حدثني أحد أصدقاء الصغر عن قصة وقعت في قريتي في غيابي.. طرَق ساعي البريد باب جارنا العم صالح، خرج الأبُ، فسلَّمهُ الساعي رسالةً، وقال: إنَّها لابنتـك!
لم يكن الأب يعرفُ القراءة، "وبدأ الفأرُ يلعب بِعبه" مِن أين أتت الرسالة؟ وهل تكون البنت...؟! وما مضمونها؟ خرج مسرعاً إلى الطريق لعلَّه يجد مَن يقرأ له الرسالة لتطمئنَّ نفسُه.
وجد المُعلمةَ راضية في الطريق راجعة من المدرسة، فقال هذا هو المطلوب، أتقرئين لي هذه الرسالة التي وصلت لإبنتي؟ سأل الأبُ... بالطبع، أجابت المعلمةُ، فضَّت الرسالةَ وبدأت بالقراءة... قرأت له رسالةَ غزلٍ موجهةً لإبنته من أحدهم! حَمل الأبُ الرسالةَ ومضى غاضباً، في الطريق لقي ابنَ صاحبِ البيت الذي يسكن فيه، فطلب منه أن يقرأ له الرسالة، يريد أن يتأكد! فقرأ الشاب، فإذا هي رجاءٌ من صاحب البيت للبنت أن تُذكِّر أباها بضرورة دفعِ أُجرة البيت المُتراكمة عليه، عارضاً لها سوءَ الأحوال، وضيقَ ذات اليد!
ما هذا أصبح عندنا قراءتان لرسالةٍ واحدة! صاحَ الأبُ، فما هي حقيقة الرسالة؟! لا بدُّ من ثالث ليُبيِّنَ لي ما في الرسالة.
فإذا بأحد الشباب الذي ينتظرُ فرصتَه للسفر أو العمل، أعطاهُ الرسالة بعد أن شرحَ له الحال، قرأ الشاب، فتحدَّث عن صعوبة العيش في القرية، وقِـلِّة فُرص العمل، وأنَّ من يُهاجر يجد فرصته في بلاد الرومية!
شـدَّ الرجلُ شعرَ رأسه، وصرخ: ولكن، أين هي الحقيقة؟! فلم يسمع إلاَّ صدى صوته!!
لقد رأى كلُّ منهم في الرسالة ما يُحبُّ أن يرى، وما في نفسه، لا ما هو موجود فيها فعلاً! لقد انعكست آمـالُ كلٍّ منهم، ورغباته، وطبائعه على الرسالة فلم يعُـد يرى غيرها! وهكذا ضاعت الحقيقة بين هذه الآمال والرغبات والطبائع.
هذه القصة الرمزية وإن كان جانب المبالغة الدرامية واضح فيها! إلا أنَّها تتحدث عن الحقيقة الضائعة عندما تتحول القراءة إلى حوار مع النفس، يقرأ من خلالها القارئ ما في نفسه لا ما هو مكتوب! وفي هذه الحالة تفقدُ القراءةُ قيمتَها وغايتها، فالكلمة هنا لا دلالة محددة لها، لأنَّه بمثـل هذه القراءة تصبح دلالة الكلمة لا نهاية لها، إذ يُمكن أن تكون دلالاتها بعدد ما على البسيطة من قُرَّاء! ومع الأسف الشديد هذه القراءة هي قراءة كثير منا اليوم! وليس فقط أننا لا نقرأ! بل عندما نقرأ، نقرأ قراءة خاطئة! مُسيَّـرة! قراءة أميَّة!! وكأنها جملة ينقضُ آخرُها أولَها! فكيف تكون هذه القراءةً؟ وأميَّةً في الوقت نفسه، لأن هذه القراءة مُجرد "فكِّ" الحرف دون فهم! وبلا ربط بين أول الكلام وآخره! وبين الكلمة في مكان وغيرها من الكلمات في مكان آخر! وبين قراءة الكلمة وقراءة الكون، أو الواقع! هذه القراءة سمَّاها القرآن الحكيم: أُميَّةً! حيث قال في محكم التنزيل "ومنهم أميُّون لا يعلمونَ الكتابَ إلاَّ أمانيَّ، وإنْ هم إلاَّ يظنُّون" (البقرة: 78). الأماني هي القراءة بلا وعي، ولذلك قال "لا يعلمون"، ولم يقل لا يقرؤون! فالقرآن يعدُّ الوقوف عند مستوى قراءة الحروف ضرباً من الأميَّة.
فالقضية التي نتحدث عنها كثيرة الذيول، عميقة الأبعاد! فكلنا نبدأ قراءتنا باسم الله! وأنا أقول وهو كذلك، فنحن قبل أن نقرأ نبدأ باسم الله، وقد يأخذ منا الثناء على الله، والحمد له سبحانه صفحات، فهل هذا هو الذي طلبه الله تعالى في أول كلمة نزلت في آخر رسالة؟! "اقرأ باسم ربك الذي خلق". إنَّ أبعاد القراءة باسم الله كَسَعَة هذا الكون، أعني القراءة التي تُحقِّـق هدفها. إنَّها استحضار رقابة الله حذراً من الوقوع في الطغيان. الطغيانِ في الفهم، فحمل النفس على الفهم تكليف. الطغيان في الدخول على النَّص وقد قررنا ما نريدُه مما لا نريده قبل أن نقرأ حرفاً! إنها باسم الله التي تقينا هذه المصارع. وكما بينت لنا النصوص أنَّ القراءة بلا علم ضلال، بينت لنا أنَّ القراءة دون باسم الله طغيان.
وقد صنفها علماء الكلام أربع مقابل أربع:
القراءة الذرية:
وهذه القراءة تُفكِّكُ النص، بل وتُفكِّكُ الجملة، بل وتـُفككُ الكلمة! إنَّها تغوص في الكلمة وتعزلها عما حولها، ثم تخرج منها لتدخل فيما بعدها دون أيِّ رابطٍ بينهما! إنَّها قراءة تعرّي النَّصَّ وتفهم كلَّ جملة، أو كلَّ كلمة بعيداً عن سياقها، ولذلك فإنها تبني على كلِّ كلمة قراراً وقضية جديدة، لا علاقة لها بقضية النص الواحدة، بمعنى أنها تمتصُّ دون فهم أو استـنتاج! لأنَّ صاحب هذه القراءة يتفاعل مع النص تفاعلاً غريزياً فلا يستطيع أن يفهم! من كلِّ كلمة، أو جملة قضية منفصلة! إنَّ النص في هذه القراءة يتكون من مجموعة من الجزر المنعزلة عن بعضها! تقابلها القراءة الإحاطية الشمولية، التي تستعرض النصَّ كلَّه، لتفهم عليه ما يريد. وصاحبُ هذه القراءة يُدرك أنَّ أيَّ استبعاد لأيةِ كلمة، قصداً أو سهواً، سينتهي إلى نتائج لم يُردها النصُّ، وأنَّ الفرق بين وجود حرف وعدم وجوده تـترتب عليه قضية هائلة رهيبة، قد تكون كالفرق بين الكفر والإيمان، كما حصل في سورة الكافرون!
إنَّ سوء الفهم يعود إلى أنَّ القارئ يتناولُ النص، أو ينظر إليه من زاوية معينة لا إحاطة فيها، ولو سعى القارئ إلى امتلاك مهارة القراءة الشمولية، وتناولَ النَّصَّ من مُختلف الزوايا لَبنى فيما بينه وبين الكاتب جسراً متيناً من التواصل والتفاهم.
القراءة العصافيرية!:
وتعني تلك القراءة التي لا تَراكُم فيها. فصاحبُ هذه القراءة لا يبني شيئاً، يعيش مع النصِّ في لحظة زمنية مُجمَّـدة، وقد يستمتع بقراءته، وقد يبكي ويضحك، ثم بعد ذلك كأنَّه لم يقرأ شيئاً ! فذاكرته ضعيفة، مُستباحة، لا تُمسك ماءً ولا تُنْبِتُ كلأً. قُدرته على الإستحضار شبه معدومة، دائماً يبدأ من جديد، فهو بالضبط كالعصفور الذي يقع في نفس الفخِّ الذي وقع فيه قبل قليل! فلا يستطيع بناء نَمطا حوارياً مع النص بقصد الوصول إلى الفائدة والتفاعل! تقابلها القراءة التراكُميَّة، وهي قراءة تـبني على ما سبق، وتربط اللاحق بالسابق، لِـتكوِّنَ من بعـدُ مجموعةً من الأفكار والفوائد المتراكمة، بها يستطيع القارئ أنْ يَلِـجَ إلى النصِّ ليفهم عنه ويتـفاعل معه.
القراءة الغرائزية:
ولئن سألتَ صاحبَ هذه القراءة، لماذا تقرأ؟ لقال لك: أنا أقـرأ لأنـَّني أعرف القراءة! وأمتلك كُتباً! وووو... فهو لايستطيع فهم النص، وأن يتـفاعل معه! إنَّ القارئ الغرائزي ينظر إلى النصِّ ولا يُبصره!! نظر المغشيِّ عليه!! ويُفكك حروفه تلقائياً دون أنْ تدخل هذه القراءة إلى برنامجه الذهني، ومواقـفه من النَّصِّ، سواء رفضاً أو موافقةً، مواقف غرائزية لا عقل فيها، فهي ردَّات أفعال، وسوانح خواطر، وليست مما يقتضيه العقل والفكر! وفي المقابل يقابله القارئ الواعي المريد، الذي يستقبل النص استقبالاً مقصوداً، عقله معه، وذهنه حاضر. يعرف لماذا يقرأ، ويعرف ماذا يقرأ، ويعرف كيف يقرأ. القراءة بالنسبة له نورٌ يمشي به يضيء له الطريق، ويحس معها بالدهشة التي يشعر بها من يطلع على المعرفة.
إن من أخطر ما يُعطِّل قيمة القراءة هي إشكالية التحيز، ويُفقدها غايتها، فيدخل القارئ على النص وهو مُتحيِّز إلى عاطفة، أو فكرة مسبقة! فإذا فعل ذلك تـشوَّش معيار التقويم، وضلَّ مقياس الموضوعية! ولا يخفى على المراقب أن قراءتنا نحن العرب اليوم غالبا هي متحيزة عاطفياً، وفكرياً، فنحن نحب أن نقرأ ما يدغدغ عواطفنا وإن خالف الحقيقة، ونأخذ موقفاً مسبقاً ممن نعرف أنه يخالفنا، أو يطرح ما يزعجنا! وهذا يعني أن معيارنا في القراءة أهواؤنا، ورغباتنا، ومقرراتنا المسبقة، فمن وافقها فهو الذي لم تلد النساء مثله! ومن الأمثلة على ذلك، قضية السلبية والإيجابية، فما هو مقياس السلبية والإيجابية عندنا؟ إنه ما نحب وما لا نحب! فإن قرأنا ما نتبنى ونحب فالكاتب إيجابي، وإلا فهو سلبي مُثبِّط! ومثل ذلك التـفاؤل والتشاؤم، مقياسهما لدينا مطاط جداً، حمَّال وجوه، والحكم في النهاية أهواؤنا ورغباتنا!
إنَّ الحل الذي يفك هاته الشفرة هي القراءة المحايدة، وأدرك أن الحياد المطلق غير مقدور عليه، لكن نُسدِّد ونقارب إلى الدرجة التي تكون فيها القراءة أقربَ ما يكون إلى الحياد، وأبعدَ ما يكون عن المقررات السابقة. إنَّ القراءة المحايدة قراءة تحب الحقيقة ولو أزعجتها، وتقبل الحق ولو كان من أبغض الناس، بل ولو كان من أفسق الناس. والقراءة المحايدة موضوعية، تحتكم إلى المعلومة التي تـنـقل الواقع كما هو، وتعرض الحقيقة كما ينبغي لا كما نحب.
القراءة المتسرعة:
خطفاً، ثم تبني عليه قصراً من وجهات النظر المتعجلة. ومن قرأ هذه القراءة فحتماً سينـقطع التواصل والتفاهم بينه وبين الكاتب، وسيحمل كلَّ ما يقرأ حملاً لا إنصاف فيه، وسيُوظِّف كلَّ ما يعرفه من آليات التعامل مع النصوص ليدعم وجهة نظره المتسرعة، فيشرع باصطياد الثغرات ليُرديَ الكاتب أرضاً، ويحمل المحتمل على الصريح، وينادي على رؤوس الأشهاد ملوِّحاً بالمحتمل، أنْ هذا هو كاتبكم العظيم فاحذروه! ويقابلها القراءة المتأنية المُنصفة، التي لا تستعجل النتائج، وتعطي الكاتب الفرصة التي يستحقها للفهم عنه، وتحمل محتمله على صريحة، وتستخدم آليات فهم النص لخدمة الوصول إلى الحقيقة.
إنَّ القراءة المطلوبة منا اليوم هي القراءة المبنية على الإخلاص والإنصاف والفهم والوعي والتدبر، القراءة التي تربط وتستنتج.
إن باب نهضة أمتنا هي القراءة الصحيحة، ولا يمكن أن ينجح شعار الـتوحيد أولاً دون هذه القراءة. فلا عجب أن كانت هذه الكلمة أول كلمة في آخر رسالة. هذه الكلمة التي أبلغ في وصف عظمتها وخطورتها السيد قطب رحمه الله حين قال "الكلمة التي أدهشت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأثارت معه وعليه العالم". فكيف لا وهي التي وضعها القرآن بداية للذين حمَّلهم مسؤولية تغيير العالم، وقيادة البشرية، وقد سُئل فولتير مرةً عمَّن سيقود العالم، فأجاب: "الذين يعرفون كيف يقرؤون".
مفهوم القراءة:
القراءة من الأنشطة المحورية والمهارات اللغوية، التي تمكن المتعلم من التزود من حياض المعرفة، ناهيك عن تطوير قدراته العقلية والوجدانية، مما يمكنه من استيعاب محيطه وفهم بيئته بشكل يسمح له بالتكيف السريع والإندماج السليم. وكثيرة هي الدراسات التي تناولت مفهوم القراءة، وعديدة هي المناهج التي قاربتها، ولكن الأمر المتفق عليه، أن القراءة ما عادت ذلك الإدراك البصري للرموز المكتوبة، وتحويل شفرة المكتوب إلى شفرة المقول، بل هي عملية مركبة، تستدعي جميع العمليات العقلية الإنسانية، وينسجم فيها ما هو فكري ونفسي وبيولوجي، من أجل فهم المقروء وتبين محتواه وترجمة دلالته.
ولعل هذا الأخير الأمر الجوهري الذي نطمح إليه، كي نتمكن من التفاعل مع المقروء، وبالتالي انتقالنا إلى مرحلة الوظيفية، حيث نستطيع توظيف ما تلقيناه من خلال القراءة، في مواجهة المشكلات التي يمكن أن تعترضنا في حياتنا العملية. ونهدم به غياب الإهتمام بالقراءة، في ظل الغزو الفاحش لتكنولوجيا الإعلام والإتصال، حيث أصبح مجتمعنا مجتمع صورة بامتياز، وأضحى كاتب اليوم "دون كيشوتّو" زمانه، حيث النية صادقة، لكن الزمن يأبى إلا أن يقف أمام مقاصده النبيلة، وبات بين كتبه كمن يرقص للعمياء.
ومن أجل العودة إلى زمن القراءة الجميل، أصبح من اللازم تنشيط رغباتنا المعرفية، واستثارة ميولاتنا القرائية، وتحويل القراءة لدينا من مجرد مهارة آلية إلى وسيلة للمتعة، يحقق فيها الفرد حاجاته النفسية. إن إيماننا بجدوى القراءة ومساهمتها في تنمية الذات، وتحقيق الإشباع النفسي، ودورها في تشكيل الفكر، وتربية الخيال والوجدان، كفيل بتذليل المعوقات الكثيرة التي تقف حائلا أمام تعلمنا المهارات القرائية.
حال الإنتاج الأدبي:
لا بد أن هنالك خصائص وصفات معينة للإنتاج الأدبي العربي الحالي ساهمت في العزوف عن الإطلاع عليه وفي رفض تلقيه، إذ ما تزال كتابات أغلب الأدباء العرب تلك داعية إلى التيه بين أدغال الشك وأشواك المجون. فشعرهم هو ذلك الغامض المبهم الخالي من كل معنى إلا ما أعان على التحرر من الدين ومن القيم والأخلاق. ورواياتهم وقصصهم وحكاياتهم ما هي إلا تصوير لأحوال الفاسدين المنحلين المتمردين على كل ماتلقاه الإنسان من ربه من توجيهات ومبادئ. وحتى خواطرهم لا تغوص كلماتها إلا في حلقات مفرغة ويصيب التجوال بين أحرفها بالدوار وبالغثيان، ولم تخرج من إطارها القديم المتجاوز، فما تُركز إلا على كل فعل قبيح اقتُرِف منهم في زمن ما، وتحملوا تبعاته المخزية، ثم يصورونه على أنه البطولي المُقحِم لهم في عوالم المُتًحَدِّين الراسخين في علم التمرد المُمَيَّزين.
هذه هي الحمولة الفكرية التقدمية والقومية والحداثية، التي مجها القارئ العربي في الزمن الحاضر، تلك التي تبث بين الكلمات، فتتحول النصوص تبعا لذلك إلى ما يجب أن يحشر في حيز إرث عُفي عنه، وحتى تُجُوِزَ بفعل نزوع الشعوب العربية نحو إعادة النظر فيما استخف بواسطته بها من أفكار ومفاهيم تُخُلِّيَ عنها، وكذا استُبدِلت في كل أنحاء المعمورة بما هو مواز للتعبير عن حقيقة الذات. فالكتابات الأدبية العربية الحالية استُغني عن قراءتها لأنها ما عادت تروي الظمأ إلى الإنعتاق، ولا تحقق حتى أحلام التحرر من التبعية.
الكلمات تائهة ومُركسة، في يم المعاني الهائج المضطرم الفاقد لشاطئ آمن يُرسى فيه، والجمالية المتغنى بها والمتحدث عنها في كل المنابر غائبة، رغم القول بأنها الكامنة بين ثنايا الأحرف، ويطالب القارئ بتقفي آثارها، وباستيفاء أنوارها المجهولة المفترضة. إبهام وغموض وارتجال حد الهذيان، وتمييع وتبسيط، وغوص في متاهات العامية حد المباشراتية، والتقريرية والسوقية، واستعمال لغة الغوغاء. ثم يبدو أن البقية الباقية من الإحتفاء بالأدب متعلقة بجنس أدبي واحد وهو الرواية، وهذا الإستثناء مرتبط فقط باحتوائه هذا الجنس على مكون الحكاية ليس إلا، فهو من دون الأجناس الأخرى تتواتر فيه الأحداث وتتناسل ويعرف عن طريقها إن مآل البطل أو صيرورة باقي الشخصيات. ولعل هذا الإصرار على حضور الحكاية من أجل الإطلاع على الأدب العربي الحالي، متعلق بإدمان ذلك الصنف المطلع من القراء العرب على اللذة الكامنة في الحكايات المصورة المبتذلة الساقطة في المسلسلات والأفلام. ولا شك أن هذا التبرير يبدو مشروعا حين يطلع على نوعية الروايات الرائجة، فهي البسيطة الأسلوب وحتى المفعمة بالعامية، الكثيرة الأحداث، المتطرقة للتافه من المواضيع وللشاذ المنحرف من الشخصيات... فكل الروايات المتميزة الأسلوب، الراقية اللغة، والسامية المنحى الفكري، والمتوسلة للرمزية وللصور الشعرية، لا تكاد تبرح مكانها على رفوف المكتبات إلا إذا وهبت أو أودعت في مستودعات التجميع.
حال القاريء:
لا بد وأن لهذا العنصر دور فعال أيضا في مسار تداول الإبداعات الأدبية في واقعنا العربي. فمؤثرات عدة تمكنت من التغلغل عميقا في نسيج عقل القارئ العربي، ودفعت به إلى تغيير قناعاته بخصوص احتياجه إلى جمالية كامنة وموحية في النص الأدبي، تلك الغائبة المغيبة عن اللغة التقريرية والسطحية التي يلتقي بها في الأساليب الكتابية في الصحافة وفي باقي المجالات الأخرى.
ولعل الناظر المتفرس في أحوال القراء الفكرية وحول طرائق تلقيهم للثقافة عموما وللأدب خصوصا، يجد أنه من الممكن تصنيفهم إلى نوعين من جهة نوعية الأسباب الدافعة لهم إلى الإبتعاد عن تذوق الأدب، وعن الإقبال على اقتناء الكتب المحتوية لمختلف أجناسه.
أ ـ الصنف الأول:
هم الذين انزرعت بذور الوعي في مساحات فكرهم، ويبحثون عما يغني تلكم المساحات، ويحولها من القفر اليباب إلى الجنان الوارفة، فيها ما ينفعهم ويؤجج وتيرة نهضتهم، وكذا يسرع من استيقاظهم. تهمهم الجمالية ولا يغمطون أنفسهم حقها فيها، لكنهم لا يريدون هدر الوقت فيما لا طائلة من ورائه، مما لا يقدم شيئا ولا يعين على تلمس طريق.. اطلعوا على جل ما يكتب تحت اسم الأدب فوجوده طلاسم وهراء، وحكايات وهمية وأساطير مستوردة، وسير شخصيات لا تربطهم بهم وشائج، وليس لهم معهم قواسم مشتركة إلا نوعية الأسماء أو الإنتماء الجغرافي، فالقناعات مختلفة، والهموم متباينة، والتطلعات متناقضة، وبالتالي لا يمكن أن يعنيهم منهم الحال ولا المآل. فهم السائرون نحوالأهداف، وتأرجح غيرهم وهم الثابتون على المبادئ، وانحرف أصحاب المجون وهم المصرون على الفضيلة والإستعفاف، وانبطح الخائفون وهم الطامعون في الانعتاق، فما يمكن أن يستفيدوا من تلكم الأسفار الأدبية إذا اطلعوا عليها، إلا الحجة على أن غياب الهوية الذاتية مُقتنَع بها، ومُسْكَنَة في المهج، يؤدي إلى استجداء شذرات من تلك للغير، ثم تبعية تتواتر حلقاتها بعد ذلك، ولا تحرر مبشر به ولا انعتاق...
ودائما يشار بالبنان إلى شيوع القناعات الدينية لدى هذه الفئة كسبب من أسباب تدني نسبة الإقبال على الأدب، ويطلق عليها تلك القناعات مسمى الفكر الغيبي الخرافي، وحتى تلصق به كل التهم من رجعية وظلامية، لكن وبالرغم من محاولات تسليط الضوء المتواصلة على المقولة ومن التذكير المتواتر بها، فإن الكل يدرك أن التدين الحق لا يمكن أن يكون أبدا ذلك الصاد عن استمراء آثار الكلمات الجميلة العذبة المعبرة، ولا ذلك المانع من التلذذ بالإيحاءات السامية الرفيعة. فما هو كائن لا يعدو كونه انحسار، أو انعدام، لاهتمام القارئ العربي من هذا الصنف الواعي بالأدب الذي لا يهتم به كشخص وبقناعاته الجديدة، بل ويهاجمها ويسفه المقتنعين بها، ويريده دائما ذلك القارئ العلماني الذي فصلت مقاساته من القرن الماضي، مقاسات يريد بعض الأدباء العرب استدامة تواجدها على الساحة الأدبية من أجل تسويق منتجاتهم، وبهدف استبقاء الطمأنينة حواليهم، وذلك بالرغم من هدير انجراف دوحة الأفكار التي كانوا يستظلون بها ويستوحون منها إلهاماتهم.
فالقارئ العربي اليوم صار واعيا، لم يعد الساذج ولا الجاهل بما يتقضيه منه الحرص، وكذا اليقظة ضروريين من أجل استكمال إيجاد العناصر الممكنة من إعادة بناء صرح الذات، وذلك تأهبا لاستعادة الكرامة ولنبذ أوزار الإمتهان. فهوالآن المستيقظ المتوثب غير الحريص على فقاقيع متعة تتهاوى، فلا تترك من آثار سوى مذاق حيرة وهدر وقت ثمين...
ب ـ الصنف الثاني:
لا شك أن ظاهرة الإعراض عن الأدب محصورة بالمتدينين فقط كما يشاع، بل وأصابت حتى العلمانيين وغيرت من سلوكياتهم تجاه كل الأجناس منه وتجاه حتى من ينتجها. إذ هم الأدرى بأفول نجم الفكر العلماني رغم استماتتهم الشرسة في الدفاع عنه في بعض الأحيان، وهم الأعلم بخلو جل الإبداعات منهم، مما يمكن أن يُعجِب أو يكون الطعم يُعْلًق فيه، وذلك إذا ما استثنيت تلك الصور الجنسية البحتة، وتلكم الخطابات المذكية للغرائز والمحققة للمتع المبتذلة الرخيصة. وبالرغم من تلك الحمولة الشهوانية، والداعية إلى التحرر من ربق الإنقياد للدين التي يحرص الكثير من الأدباء على إدراجها في نسيج كتاباتهم، بهدف استدراج عناصر هذا الصنف الثاني وترويج السلعة بينهم، فإن لهذه الفئة أيضا السبق في مسار الإعراض عن الأدب والقراءة الأدبية، إذ تجدهم في الأغلب الساحق، سوى الأدباء منهم، الزاهدين في كل ما توحي به شياطين الشعر وحتى النثر، قد اكتفوا بالحكي المصور المشاهد، وذلك عوض المقروء أوحتى المسموع الذي انحسر تأثيره حتى قارب أن تنقضي جاذبيته وتندثر.
ويظهر هذا التوجه والإختيار في أوضح تجلياته عند فئة الشباب، ذلك المُفرغ من كل جزئيات الهوية الكَلُّ العَيِيُّ، الذي ما يكره أكثر من بذل الجهد من أجل استيعاب فكرة ما، غزت التقنيات الحديثة الفضاءات المحيطة به، وانخرطت في ثنيات حياته، حتى ما تركت له من احتمال الإعتماد على النفس من أجل التوصل إلى نحت مسار فكري خاص به، متعرض ليل نهار لقذائف الأفكار مضمنة في أنعم الوسائل تسللا إلى ذهنه، وألطفها على عقله، ومعها كل المغريات والمقبلات. فالصور على الإنترنات، أوعلى شاشات التلفزيون والسينما هي المحببة إليه، وتأتيه بالفرجة والمتعة وارفة، وتغنيه عن بحث اللذة الفكرية التي يجدها في وسائل أخرى، لكن فيها الخشونة وفيها انعدام الفرجة، وحتى تتطلب منه بذل الجهد وتشغيل آليات التفكير، ثم القراءة هي آخر ما يجذب اهتمامه، والأدب هو آخر ما يهمه الإطلاع على القديم وحتى المستجد منه. وحتى حين يقرأ شيئا، ونادرا ما يفعل، لا يقبل إلا على تلكم الروايات المثيرة، التي يعرف عنها أنها تلك التي سوف يجني من وراءها متعا حسية، وحكايات تنضح بالتفاصيل حول شخصيات وفضاءات مقربة إلى فكره، وذلك لانتمائها لحيز اهتماماته نظرا لنوعية سلوكياته ونمط عيشه... وعربدات فكرية وسفاسف مبيحة للتفلت وللإنحراف.
فحتى المضامين المتعلقة بقضايا الأمة التي قد يشذ أحد الأدباء فينحت إبداعا حولها الآن، القضية الفلسطينية نموذجا، لم تعد تثير فيه إلا الإشمئزاز والقرف، لأنه الذي أُغرق بالقطرية حتى أضحى ما يعبأ بما هو خارج الحدود، ثم حتى الفردانية تلك المتأججة مع انعدام القيم فعلت فعلها فيه، فهو ذاك الأناني، الذي لا يهتم بما يتجاوز خطوط ذاته ويحقق لها ما تبتغيه وترغب فيه. ولعل هذا الصنف الثاني من المستهدفين يفتقد حتى القدرة على فهم اللغة الأدبية الرصينة، البعيدة عن التقريرية والبساطة المتضمنة في الكتابات الأدبية، وذلك: لعدم اهتمامه باللغة العربية أصلا، لاعتباره إياها من مخلفات ماض ينبغي التنكر له، والتنصل من تبعات الإنتماء إليه، ولضعف مستوى النظام التعليمي الذي أضحى المزمن وأثر على قدراته ومؤهلاته، ثم بعد ذلك لعدم انخراطه في عملية التكوين اللغوي المستمر عن طريق ممارسة القراءة.
وقد قرر مجاراة هذا الصنف بعض الأدباء طمعا في استجلاب اهتمامه، فكتبوا بالعامية، واستعانوا بالألفاظ السوقية، لكنهم ما حصلوا على مستهلكين، ولا سوقوا ما يكتبون. فما هو موجود في إبداعاتهم مضمن في أفلام ومسلسلات متوفرة متعددة، ويجنبهم استهلاكها مشقة التخيل وتعب تشغيل آليات الإستيعاب... ثم هي تلك الكتب الأدبية لا تسحق أن يبذل ـ في نظرهم ـ أي مقابل مادي من أجلها ومن أجل ما فيها من تفاهات يمكن حيازة مثيلاتها في كل آن وبالمجان.
إننا نمتلك وسيلة الحضارة، ومنهج التقدم، ألا وهو القرآن، ومع ذلك فإن حالة الوهن التي نعيشها تحرمنا من الإفادة من هذا الكتاب الحكيم.
إن حوارنا حوار طرشان، والتواصل فيما بيننا معدوم، ولقد يصدق علينا الحديث الرائع الذي يصف عجزنا عن القراءة المنتجة، وكيف أن القراءة المطلوبة ليست هي مجرد قراءة الأحرف، فقد روى زياد بن لبيد، فقال: " ذكرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلـم شيئاً، فقال: "وذاك عند ذهابِ العلم، قُلنا يا رسولَ الله : وكيف يذهبُ العلمُ؟ ونحنُ قرأنا القرآنَ ونُقرئه أبناءَنا، وأبناؤنا يُقرؤون أبناءهم، فقال: "ثَكِلتْكَ أمُّكَ يا ابنَ لبيد، إنْ كنتُ لأراكَ من أفـقهِ رجلٍ بالمدينة، أوَ ليس هذه اليهودُ والنصارى يقرءونَ التوراةَ والإنجيل، ولا ينتفعونَ ممَّا فيهما بشيءٍ؟!". رواه ابن ماجة وابن حبان بسند صحيح.
أبعاد الكتابة:
الكاتب يكتب عبر لغة موحية توهجاً تشد قارئها إلي ما بعد القراءة، وكأن النص يتحول عنده إلى لعبة في التبادل والتوالي والإنكفاء إلي اللانهائي الذي لا حدود لوصوله ووصاله، ولا قبض علي لحظته، إنها كتابة في الحضور الباهي للجسد غير الناضب وكتابة في المرآة السحرية التي تمنح الجسد فيزياء متعالية. رائعٌ هو الحرف، مقدّسة ٌهي الكلمة..... كل من في الوجود إلى زوال ويبقى الله تعالى جلّت قدرته، ويعيش الشهيد أبداً، وتدوم الكلمة دوماً خالدةً خلود الحياة، وحتى إلى ما بعد الحياة. لقد كرّمنا الله وكرّم أهل الجنة بأن لسانهم ولغتهم العربية... لغتنا رافقت بواكير الحياة مع بدء خلق آدم عليه السلام، واستمرت تحمل طهرها وصدقها وروائعها، فكانت وسيلة التعبير لكتاب الله، وكانت أمينةً على كل معانيه في الوجود والقيم، وكان الحافظ ُ لها إلى أيام الجنان والخلود. والكلمة تزداد ألقاً وروعة ًعندما تحكي حكايات الحب بكل نواحيه ومعانيه، تستمد منه نبضها وأناقتها، فتزداد جمالاً وحسناً، وتتحد مع جمال المحبوب، فيصبحا عاشقين متيّمين، فينضحان شذاً وعطراً وعبقاً يُضمّخ الكون.... والحياة. وقمة وأرقى أنواع الحب هو حبّ الله والوطن.
"يعبق شعري بشذا موطني لولاه لا يزكو ولا يَحسن"
فالقلم خيراً بـه ابتغيتَ أَو شراً في نثرِكَ أَو شعرِكَ أَردَّتَ، فهو طَوعٌ لكَ، ورسولُ أَفكارِكَ، وطريقُك للنهاية التي تتوخاها منه، ولذلك لابد أَنْ تحسن التعاملَ بـه، فلا تشتم أَحدا ولا تجرحه، ولا تبطش بخلق أَحد ولا تشينه، ولا تسيره إِلى هـلاك أَفكاركَ، بل عليك أَنْ تختار الفكرة البناءة، والفكر النير الذي تسير هذه الأَفكار على نوره وهداه، والأُسلوب الحسن الجميل الذي تلبسه هذه الفكرة، فلا تجعل لباسه أَسودَ في قوم فكرهم أَبيضُ، ولا تحادث الناس من الفرح الأَبيض في حزنهم الأَسودِ أَو تحادثهم العكس عكساً.
حال الأديب:
استمر اهتمام العربي بالأدب منذ فجر كينونته حتى بداية القرن الماضي، ثم حدثت تغييرات جذرية في التوجهات الفكرية والإيديولوجية لدى الأدباء العرب، إذ نحوا في الأغلب الساحق نحو اعتناق الفكر التقدمي الاشتراكي أو حتى الشيوعي، وذلك:
* تأثرا بالتيار الفكري المادي التحرري العلماني المكتسح للغرب آنذاك،
* ونأيا بالنفس عن الدين لحسابات خاصة بهم وبمن يحركهم.
وقد تأثر بتلك الموجة الفكرية كثير من المتعلمين القادرين على ممارسة القراءة في الوطن العربي آنذاك، وذلك بفعل الدعاية العالية الوتيرة والمكثفة النبرات التي قامت بها السلطات السياسية الفاعلة في أرجاء الوطن العربي، تلك السلطات المؤمنة بالقومية وبالسراب الذي تلاه..
فقد كان أولئك المتعلمون الجدد في تلك الحقبة هم الفئة المستهدفة بتلقي أنساق الكلمات المدبجة من قبل الأدباء المناضلين، الذين يشاطرونهم نفس وجهات النظر المستجدة، ويقاسمونهم الرؤية من نفس الزاوية..
توافق كان إذا في تلك الفترة... وإقبال كان أيضا، واستهلاك لكل ما تفتقت عنه قريحة الأدباء، الذين ما توانوا في تأجيج النبرة النضالية في كتاباتهم، وما قصروا في رفع جرعات الدعوات إلى المقاومة في إبداعاتهم... وما تأخروا عن إقحام الإشارة إلى ازدراء المقدس في إنتاجاتهم، وذلك تماشيا مع تلكم الرغبات في الانعتاق حتى من الدين التي كانوا يدركون أنها الكامنة في عمق العربي، ذلك الخارج توا أو يكاد من عمق وهدة الإستعمار الحالكة، ومن مستنقع التحجر والجمود الآسن، اللذين طالته آثارهما المدمرة لعصور ممتدة تواترت وتناسلت بفعل فقدان الهوية وضياع سبل التفكير الرصين.
فقد كان التفاعل على أشده بين الأديب المناضل وبين القارئ المتعطش لتشرب الأنساق الأسلوبية المضمخة بأريج التحدي، وبعبق جمالية إثبات الذات، حد اعتقاد ذلك القارئ في قداسة الأديب التقدمي، وإيمانه بانتمائه لفئة الحكماء، وحتى لجماعة المقاومين الباذلين كل شيء من أجل إكساب الرفعة والتقدم للوطن العربي وللمواطنين العرب ككل.
وقد لمعت أسماء بفعل هذا التوافق العقدي بين الملقين والمتلقين، وحتى وُجد من الأدباء من بنوا صروحهم الإبداعية على القضية الفلسطينية، تلك القضية التي كانت أكثر ما كان يلفت النظر ويحوز الإهتمام آنذاك، وذلك بفعل جرح الغصب كان لا يزال حديثا، وتنزف جوانبه الدامية المنكأة من طرف العدو باستمرار...
ودام الوضع على هذا لسنوات أو لعشرات من السنين، ثم انهارت قبلة التقدميين والشيوعيين، وتصدع محراب الإشتراكيين، وتناثرت حجج القوميين، ثم بدت عورات الأنظمة السياسية التي كانت تتعبد في ذلك المحراب وتتوجه إلى تلك القبلة وتتوسل تلك الحجج، فأصبحت عارية من كل شيء، إلا من أوزار شعوب جُوعت وأُذلت وقُهرت باسم الإنسانية والمساواة والعدل والتحرر، وأضحت واهنة رغم كل الشعارات التي نفخت في كيانها وحاولت إرجاء سقوطها من حين إلى حين...
وهكذا استفاقت الشعوب من أوهام الدعايات المنمقة، وعرف المواطنون العرب أنها كانت مجرد الأراجيف والأكاذيب، تلك التي أفهموا أنها الترياق نافع وطارد لكل أدواء التخلف وأسقام التبعية. ثم رأوا بل واستيقنوا من أن تلك الأمراض التي كانت قد تفاقمت، وتلك الأفكار التي لُقنوها تخلى عنها حتى منتجوها وتبرأوا منها.. وأصاب أولئك المتلقين دوارا وحيرة وتغلغلت في أغوار المتعلمين القراء المفترضين، الذين أصبحوا المتحررين من ربق المنبر الواحد بفعل الثورة الإعلامية وتعدد القنوات الفضائية، فقرروا نبذ كل ما يذكرهم بذلك الماضي، شُحنوا فيه بحمولة فكرية أدركوا أن عدوهم المباشر ليس ذلك الصهيوني بل من يتبنى وينثال من عمق فكره ضده.
استوعبوا أنها دولة دينية تلك التي هزمتهم شر هزيمة، بل ومرغت كرامتهم أو ما تبقى منها في التراب الذي استحلته وطردتهم منه، وأيقنوا أنه خطاب ديني ما ترفع عقيرتها به، ذلك الذي عُلموا أن يستهينوا به وأن يمجوه وأن يحتقروه في كتاباتهم وإبداعاتهم.
وعَلموا أيضا أنهم ضيعوا وقتا ثمينا كان سينفع استعماله في غير ما استعمل من أجله... قصائد أوهام قومية... وقصص حيرة وجودية.. وروايات عهر رخيص، وتحرر مبتذل ماجن وانحرافات مشينة، متع لحظية زائفة، وما أضحى لها الآن في الزمن الحاضر من قيمة بالنسبة إليهم مقابل الغصة المتراكمة والمرارة التي اكتسحتهم ونغصت حياتهم. أحاسيس ذل، وضغوط يقين بالهزيمة، وشعور بالتبعية عمياء ولا مناص من الإستسلام لها، ثم وكل تلكم الترهات المتغناة بها سابقا أضحت لا تصلح إلا لمزابل التاريخ، وذلك حتى لا تجرف الجيل اللاحق كما فعلت مع السابق الذي ما زال منه من لم يرد الإعتراف بتفاهة معتقدات الماضي مكابرة وعنادا، بالرغم من أن جعجعاتهم في الأغلب الساحق لا تعكس إلا تشنجات ما قبل الإحتضار والموت.
وقليل من أولائك الأدباء العرب بدأ مرحلة الإستفاقة فقرر أن يعيد للدين وللحديث عنه بعض مكانة في كتاباته، لكن بطريقة كنسية، فهم عباد الله الذين لا يتورعون أن يتصرفوا كما يشاءون ويحلو لهم... نسخة مما عند الغرب. ثم هي أممية وإنسانية... مصطلحات أضحت الدالة على مفاهيم أصبحت البديلة للقومية وللإشتراكية والشيوعية ولما راج في الزمن الماضي... مفاهيم يغذون بها نصوصهم ويستوحون منها مضامين إبداعتهم. لكن المشكلة أن هاته المفاهيم المستجدة ليست المرحب بها هي أيضا من طرف القراء العرب، الذين أصبحوا يدركون أن كل مستورد فاسد لا يصلح إلا لمن أوجده. وبالتالي فهم المصرون على أن لا يهبوا اهتمامهم إلا لمن أخلص للهوية، وصور حقيقة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: خليل مزهر الغالبي
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 9
على الشعر النطق بالجميل المدهش ...
...................................................................................................... خليل مزهر الغالبي15 أيلول، 2008
ان الشعر هو المجنون العاقل والمدلل الفقير في العائلة الادبية هو التاج الذي نريده لنا و لايريده له ، اصرخ به ولايرتديه لكثرة تمدده الجميل على الارصفة وفراغ حقائبه وصفرة عافيته الملازمة، هو من شتم ويشتم لعن ويلعن كل التشويهات والمظالم المتأتية مجاوراً كان اوهدفا لها والذي يملأ اركان كثيره ليس في القيادة المحركة للعالم بل حتى في ذلك الادبي الرخيص والذي وثق نفسه مع السلطات، شريفة كانت او غير شريفة في خطابها.
كم توقف هذا الشاعر الصائب محقاً في الافق الممزوج بالوعي والمعرفي الشعري ليقول لنا جديده لايقول لنا تكراره الذي كثرنا مللاً ورتابة فكم قرأنا المتنبي ورامبو و و و لان ماكتبوه في القديم لازال جديدا يواصل مدهشه الجميل ومتعته وذائقته... نعم لا يمكن للتراب الزمني ان يغطي الكثير من عطاياهم لذا لابد هنا من الامعان والدقة في الاتيان الشعري هذا القائد الادبي الذي يعيش حصارا غبيا يقوده المتشاعرين المتهورين بحجة التجديد مثلما تعمل عشائر الشعر القبلي العتيق والذي لايتنفسوا غير ثاني اوكيد الكربون ويريدوا لنا ذلك.
لقد اصبح من الموقنات الشعرية تكاثر الفاسد الشعري هذا التكوم الذي يشبه هنا وهناك اكوام المزبلة المنتضرة حمالها ،نحن في عصر العطاء العلمي العام الشامخ البايلوجي و الالكتروني...الخ عصر النباهة العقلية العلمية فلماذا يبقي الاتيان الشعري واقفا في مكانه كثيراً، هذا العطاء العقلي الخاص والفسيح المدلل و(العقل الماخذ راحته في العذافرحية) في شغله ،فهو من ينظم الهوس والهذيان اللاعقلاشعري ويعطية اسبابه للتلقي و الاندهاش الصنعي ومعترفه.
ان العقل لينسجم ولابد ان ينسجم في فورانه الزمنولادي كي لايحصر ولايشتت ماجمعته الذهنيةالشعرية وما خزنته له البارحة من حجج شعرية لاتيان النص حمال للغة(جان كوهين) العالية المتقدمة او التعبيرية الأستخدامية المولدة للدلالات اللحظية ل(رومان جاكبسون) ورركنيات الفارابي وغيرهم في خروجات الهؤلاء المبررة والقانونية جماليا لعند(تودروف) و مرادات (بارت)الصائبة وغيرهم.
لايمكن ان تقاس الشعرية لاسلوب ناجح واحد، وذلك لتنوع اسلوبية الناجح هذا في ابداعه وليكون مرة في رسم وتكوين الصورة الشعرية او في تنشيط(تفجير)اللغة اومن خلال علائقية اللغة مابين مفردات اللغة.
نعم لايمكن ان نتطاير بما عندنا لابد ان نتمعن وننتقى ومن خلال حرث الذاكرة وتنشيط الذاكرة وخيالها لتأخذ الذهنية الشعرية فذيتها ومطلق قواها في ذلك ،لايمكن للاختلال هنا لانه سيقصم قامة النص سيعطي التبعثر والذي يتلاعب هنا في المساحة الزمنية الصعبة وهي ومن الولادة واتيان اللغة لتجميل النص المنتظر ، هنا تقاصر الهوس ولابد للذهنية ان تشحذ همتها الشاعرية للمحافظة على قابليتها في أتيانها للجمال اللغوي نثي او الصورينصي وهكذا لكل ماله جمال القول ، لابد من العمل بجهد شعري وتدقيق شعري وهوس شعري وكل ماله نفس في ذلك الشعري لمنح ما قلنا بأتيانه وكفي تخرصاً وتعكزاً وتدنياً كفى تشاعراً كاذباًلأننا تقولنا بالجيد المبدع وتعهدنا فيه شعرياً.
لايمكن في زمن الانترنيت وباقي العطاء العقلي المتنوع من اتيان الكسيح الشاعري والمعوق كثيرا ، لاضير هنا من التلكؤ ولكن قبل الخاتمة واعطاء النص الونتظر المأمول والذي سيأتي بالمدهش والمتقدم وكل ماله بأعطاء المغايرة والانزياحية لكنه الداخل الاصولي والمنطقي بقانون الشعر الحديث والحامل لمواصفاته الجمالية والملبي للذائقة الحديثة
............................................................................................................................................
- التفاصيل
- كتب بواسطة: يسري عبد الغني عبد الله
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 11
" البديعيات "
فن بلاغي يحتاج إلى التأمل
بقلم
يسري عبد الغني عبد الله
باحث ومحاضر في الدراسات
العربية والإسلامية
Email:
عنوان المراسلات :
14 شارع محمد شاكر / الحلمية الجديدة / بريد القلعة (11411) / القاهرة / مصر .
هاتف : 3176705 022 أو 3959261 022
جوال : 0105276260
المقصود بالبديعيين :
عندما نقول "البديعيين " فإننا نقصد بهؤلاء الذين تحدثوا عن الصور البلاغية تحت اسم (البديع) ، وأرادوا بها ما يندرج غالباً تحت علم البيان وعلم البديع في عرفنا الحاضر .
وإن كان ضياء الدين بن الأثير صاحب كتاب (المثل السائر في أدب الكاتب والشعر ـ الذي حققه أستاذنا الدكتور / أحمد الحوفي ، بالاشتراك مع أستاذنا الدكتور / بدوي طبانه ، وصدر في القاهرة سنة 1962 م ) ، أطلق كلمة بيان ، وأراد بها ما أراده زملاؤه البديعيون ، وعلى هذا الأساس يجعله بعض البحاثة معهم من باب التغليب ، لأنه بنهج نهجهم ، ويسير على طريقهم .
وبعض هؤلاء العلماء يتحدثون عن الإيجاز والإطناب والمساواة ، وهو علم المعاني في عرف المتأخرين ، وما تفرع منها تحت اسم البديع .
وأول عالم من هؤلاء كان في أواخر القرن الخامس ، وأول القرن السادس الهجري ، وهو أبو زكريا الشيباني التبريزي ، المتوفى سنة 502 هـ ، صاحب (شرح الحماسة لأبي تمام ) ، و ( تهذيب المنطق لأبن السُكيت ) ، و ( شرح سقط الزند للمعري ) ، و ( شرح المفضليات للضبي ) ، و ( شرح القصائد العشر ـ المعلقات ) ، و ( الوافي في العروض والقوافي ) الذي تحدث فيه عن الصور البلاغية .
ويلي التبريزى في أواخر القرن السادس الهجري ، الشاعر الفارس / أسامة بن منقذ ، المتوفى سنة 584هـ في كتابه ( البديع ، الذي قام بتحقيقه أستاذنا الدكتور / أحمد بدوي ، بالاشتراك مع الأستاذ الدكتور /حامد عبد المجيد ،و صدر في القاهرة ، سنة 1960 م) .
وبعد ذلك جاء ضياء الدين بن الأثير ، كما ذكرنا ، وهو وإن لم يتكلم عن البلاغة ، فإنه غلب عليها اسم البيان ، لأن البيان في نظر أصحاب هذا الاتجاه يشمل البيان والبديع في عرف المتأخرين .
وبعد ذلك نجد ابن أبي الإصبع المصري ، ذلك الرجل الذي وهب نفسه للجمال الأدبي والبلاغي ، وفكره للخيال ، وعقله للتفنن والابتكار ، والذي ولد سنة 585 هـ أو 589 هـ ، وتوفي سنة 654 هـ ، وهو صاحب كتاب (تحرير التحبير) الذي حققه أستاذنا الدكتور / حفني شرف (رحمه الله ) .
البديعيات :
لم يسر هذا المنهج في الدراسة البديعية كما أراده ابن المعتز ، وعبد القاهر الجرجاني ، وأسامة بن منقذ ، وابن الأثير ، وابن أبي الإصبع المصري ، بل اتجهت الدراسة بعد ذلك إلى صنع قصيدة على غرار البردة في مدح خاتم الأنبياء والمرسلين ، الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم ) ، أو مدح غيره ، مشتملة هذه القصيدة على أسماء الصور البلاغية ، مع صلاحية البيت الذي فيه اسم الصورة شاهداً لهذه الصورة .
وإن اختلف أصحاب هذه البديعيات ، فبعضهم كان يذكر اسم الصورة مصرحاً به ، والبعض الأخر يعتمد في معرفة اسم الصورة على ذكاء القارئ وفطنته . [حفني شرف ، البلاغة العربية ، ص 220 ، وما بعدها .]
وابن أبي الإصبع المصري كان آخر من تكلم عن الصور البلاغية على طريقة السابقين ، والمعروف لنا أنه توفي سنة 654 هـ ، أي في أوائل النصف الثاني من القرن السابع الهجري .
وفيما يلي سنحاول قدر الإمكان أن نستعرض أهم البديعيات بدءً من منتصف القرن السابع الهجري إلى القرن الرابع عشر الهجري ، محاولين التعليق عليها بإيجاز ، آملين أن نتناولها في دراسة موسعة إذا كان في العمر بقية .
استعراض لأهم البديعيات وتعليق عليها :
منتصف القرن السابع الهجري :
في النصف الثاني من القرن السابع الهجري يطالعنا صاحب أول قصيدة أو بديعية ، وهو علي بن عثمان الأربلي ، الذي نظم قصيدة في أحد معاصريه ، وقد توفي سنة 680 هـ ، ولكن لم تصل لنا بديعيته ، وبمعنى آخر لم نتوصل إليها ، وعليه فلم نستطع أن نعرف عدد الألوان البديعية ، ولا المنهج الذي سلكه في صياغتها .
في القرن الثامن الهجري :
1 ـ ثم ننتقل بالبديعيات إلى القرن الثامن الهجري ، فنجد العلامة / عبد العزيز ابن سرايا بن أبي القاسم بن أحمد بن نصر بن أبي العز الحلي الطائي ، المولود في يوم الجمعة ، الموافق الخامس من شهر ربيع الآخر ، سنة 677 هـ ، والمتوفى سنة 750 هـ ، ومطلع بديعيته هو :
[ إن جئت سلعاً فسل عن جيرتي العلم
واقرأ السلام عن عرب بذي سلم ]
( ونشير إلى أن : سلع ، وعلم ، وسلم ، أسماء جبال ) .
وقد بلغت القصيدة التي كتبها الحلي الطائي مائة وخمسة وأربعين بيتاً من بحر البسيط ، وإن ضمن الحلي كل بيت صورة بديعية ، إلا أنه لم يصرح باسمها في النظم .[شوقي ضيف ، البلاغة تطور وتاريخ ، ص 36 وما بعدها ]
وأطلق الحلي على هذه القصيدة اسم (الكافية البديعية في المدائح النبوية ) ، ثم قام بشرحها تحت اسم (النتائج الإلهية في شرح الكافية البديعية في المدائح النبوية ) .
كما قام بشرحها العلامة / عبد الغني النابلسي ، شرحاً سماه (الجوهر السني في شرح الصفي ) ، ولعله يقصد (الحلي ) أي بديعية الحلي الطائي .
2 ـ وفي نفس القرن (القرن الثامن الهجري ) نلتقي بالعلامة / شمس الدين بن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن جابر الأندلسي (ابن جابر الأندلسي أو جابر الأندلسي ، الذي عاش فترة من الزمان بالإسكندرية المصرية ، ودفن بها ) ، المولود سنة 698 هـ ، والمتوفى في شهر جمادى الآخرة سنة 780 هـ ، نلتقي به في بديعيته المسماة (الحلة السيراء في مدح خير الورى) ، ومطلعها :
[بطيبة أنزل وتمم سيد الأمم
وانثر المدح ، وانشر طيب الكلم .]
وقد شرحها ابن جابر الأندلسي نفسه ، ومعنى مطلع البديعية يوضح لنا بأن هذه براعة ليس فيها إشارة تشعر القارئ أو السامع بغرض الناظم ، بل أطلق التصريح ، ونثر المديح ، ونشر طيب الكلام .
والبديعية لابد لها من براعة تهدف إلى حسن التخلص ، وحسن الختام ، وهذا بالطبع له تأثير فعال في نفسية المتلقي ، فإذا كان مطلع القصيدة مبنياً على تصريح المديح ، فإن حسن التخلص لا يكون له محل ولا موضع .
وهذه البديعية لابن جابر الأندلسي قام بشرحها : أبو جعفر الرعيني المتوفى سنة 779 هـ ، أي قبل وفاة ابن جابر الأندلسي بعام واحد تقريباً
3 ـ كما نلتقي في نفس القرن (القرن الثامن الهجري) بالعلامة /عز الدين الموصلي ، المتوفى سنة 789 هـ ، فنراه ينظم بديعيته على غرار قصيدة ابن جابر الأندلسي ، ومطلعها :
[ براعة تستهل الدمع في العلم
عبارة عن نداء المفرد العلم ]
ونلاحظ أن الموصلي يمتاز عن الحلي الطائي وابن جابر الأندلسي بأنه يصرح في بديعيته باسم اللون البديعي أو البلاغي ضمن نظمه ، على عكس السابقين ، فإنهما كانا يكتفيان بذكر الصورة البديعية أو البلاغية أمام البيت (أي على الهامش ) .
وهذه البديعية قام بشرحها عز الدين الموصلي بنفسه ، شرحاً ضافياً ، سماه : (التوصيل بالبديع إلى التوصل بالشفيع) .
في القرن التاسع الهجري :
1 ـ ثم نترك القرن الثامن الهجري إلى القرن التاسع الهجري ، وفيه نلتقي بالعلامة / تقي الدين أبي بكر علي بن محمد ، الذي نعرفه باسم ابن حجة الحموي ، المتوفى سنة 837 هـ ، في بديعيته التي مطلعها : ـ
[ لي في ابتداء من حكم يا عرب ذي سلم
براعة تستهل الدمع في العلم ]
فنجده قد نهج منهج عز الدين الموصلي في تضمين البيت الشعري في بديعيته اسم الصورة البديعية ، وإن كان لم يعجبه هذا النهج أو هذا المنهج فانتقده لما فيه من الثقل والتكلف (من وجهة نظره) .
ولكن ابن حجة الحموي يلتمس العذر لنفسه بذلك ، بأنه مع تصريحه باسم الصورة البديعية أو البلاغية فقد أجرى فيها الرقة والسلاسة .
ثم قام ابن حجة بشرح بديعيته شرحاً مسهباً مطولاً ، تحت اسم (خزانة الأدب وغاية الأرب ) ، وهو الكتاب المتداول بيننا الآن تحت اسم (خزانة الأدب) لابن حجة الحموي ، وهو بالطبع غير كتاب (خزانة الأدب ولب لسان العرب ) ، الذي خلد اسم عبد القادر البغدادي ( المتوفى سنة 1093 هـ ) وجعله زعيماً لللغويين في القرن العاشر الهجري .
ولذلك عندما نقول صاحب الخزانة فنعني عبد القادر البغدادي ، وعندما نقول عبد القادر البغدادي قلنا بعدها مباشرة صاحب الخزانة .
نعود لنقول : في هذا الشرح المستفيض المسهب أكثر ابن حجة من الشواهد لكل لون وصورة من الشعر العربي القديم ، وشعر معاصريه في القرن التاسع الهجري ، مما جعل خزانته الأدبية بحق وحقيق تمتاز على جميع البديعيات التي عرفناها ، وذلك لأنها جمعت كل ما يحتاجه الباحث في الصور البديعية أو البلاغية ، وبمعنى آخر كل ما نحتاجه لمعرفة المذهب البديعي في الأدب العربي .
2 ـ وفي نفس القرن ، نلتقي بالعلامة / شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر ، المعروف لنا بابن المقري ، المتوفى سنة 837 هـ ، وله بديعية مطلعها : ـ
[ شارفت ذرعاً فذر عن مائها الشيم
وجرت تملي فنم لا خوف في الحرم ]
وقد جمع ابن المقري في بديعيته مائة وخمسين صورة بديعية ، وقد سلك فيها مسلك من يهمل اسم الصورة في النظم مكتفياً بذكره أمام البيت أو على هامش القصيدة البديعية .
وقد عدى المقري (أي جعلها فعلاً متعدياً) كلمة (ذر) بعن على تضمينها معنى تنح أو أُترك ، وقد قال المولى جل علاه في محكم آياته : {... ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } [الأنعام : 91] ـ والمعنى : دعهم في أباطيلهم ، فلا عليك لوم بعد هذا التبليغ ، وإلزام الحجة
فلم يسمع عن العرب (ذر عنه ) ، والتضمين لا يقاس عليه ، وفي رأينا : إن ارتكاب هذا الخطأ اللغوي من جانب ابن المقري في طلع قصيدته البديعية مناف للذوق السليم ، ولا يصح بأي حال من الأحوال أن نعلله بالضرورة الشعرية .
3 ـ وفي نفس القرن (القرن التاسع الهجري ) ، نلتقي بالإمام الحافظ الموسوعي / جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ، المتوفى سنة 911 هـ ، وذلك في بديعيته المسماة (نظم البديع في مدح خير شفيع ) ، ومطلعها : ـ
[ من العقيق ومن تذكار ذي سلم
براعة العين في استهلالها بدمي ]
في القرن العاشر الهجري :
وننتقل إلى أوائل القرن العاشر الهجري ، حيث نلتقي بالشيخة الصالحة / أم عبد الوهاب عائشة بنت يوسف بن أحمد بن خليفة الباعوني (في بعض المصادر الباغوني ، والصواب ما أثبتناه ) ، المتوفاة سنة 523 هـ ، في بديعيتها التي بلغ عدد أبياتها مائة وثلاثين بيتاً ، مطلعها : ـ
[ في حسن مطلع أقماري بذي سلم
أصبحت في زمرة العشق كالعلم ]
وهذه البديعية قامت صاحبتها بشرحها تحت عنوان : (شرح الباعونية) ، ولعائشة الباعونية شرح آخر لبديعية أخرى يبدو أنها قد كتبت في عصرها ، وعنوان هذا الشرح (الفتح المبين في مدح الأمين) ، وأولها :
[ مبتدأ خبر الجرعاء من أصم
حدث ولا تنس ذكر البان والعلم ]
وقد التزمت عائشة الباعونية في بديعيتها ، وكذلك في البديعية التي قامت بشرحها ، التزمت أن تذكر كل محسن من المحسنات البديعية .
القرن الحادي عشر الهجري :
1 ـ ننتقل بالبديعيات إلى القرن الحادي عشر الهجري ، وفيه يكون اللقاء بالعلامة الشيخ / شهاب الدين محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن علي الحُميدي المصري ، المتوفى سنة 1005 هـ ، وذلك في بديعيته التي مطلعها :
[ رد بع اسماً واسمي ما يرام رم
وحي حياً حواها معدن الكرم ]
نجد الحُميدي في هذه البديعية يسير على نهج من ترك اسم الصورة في نظمه ، وقد شرحها شرحين :
أ ـ الشرح الصغير ، وسماه (منح السميع في شرح تمليح البديع بمدح الشفيع ) .
ب ـ الشرح الكبير ، وسماه (منح البديع بشرح تمليح البديع ) .
والذي نلاحظه على الحُميدي في بديعيته ، أنه برغم عدم تصريحه باسم الصورة البديعية أو البلاغية ، أو توريته عنها أحياناً ، إلا أن نظمه كان ركيكاً بشكل واضح ، نلاحظ فيه تكرار الحروف ، مما جعل هذا النظم ثقيلاً على نفس القارئ أو السامع ، مما يؤدي إلى أن يمجه أو يكرهه الذوق السليم ، وتأنفه النفس السوية المطبوعة على الجميل من القول .
2 ـ كما نلتقي في نفس القرن بالعلامة / أبي الوفاء بن عمر الشافعي ، أو الذي نعرفه باسم الشيخ / أحمد القِصَرِي الخَلواتي من علماء القرن الحادي عشر الهجري ، وذلك في قصيدته التي مطلعها : ـ
[ براعتي في ابتداء مدح الذي سلم
قد استهلت بدمع قاص كالديم ]
فوجدناه فيها كأغلب من سبقه من علماء البديعيات في التورية عن ذكر الصور البديعية ضمن البيت ، وقام أبو الوفاء بشرح بديعيته تحت عنوان : (فتح البديع في حل الطراز البديع في مدح الشفيع ) .
في القرن الثاني عشر الهجري :
1 ـ ثم انتقلنا بالبديعيات إلى القرن الثاني عشر الهجري ، وفيه نلتقي بالعلامة / صدر الدين السيد علي بن نظام بن محمد بن معصوم الحسن الحُسيني ، المولود سنة 1052 هـ ، والمتوفى في أصبهان في حدود سنة 1120 هـ ، عن عمر يناهز (68 ) عاماً ، فنجده يبدأ بديعيته بقوله :
[ حُسْنُ ابتدائي بذكري جيرة الحَرم
له براعة شوق تستهل دمي ]
وقد نسج في بديعيته على طريقة عز الدين الموصلي ومن تبعه في ذكر اسم الصورة في البيت ، ثم شرحها شرحاً وافياً سماه (أنوار الربيع في علم البديع ) وسلك فيه منهج ابن حجة الحموي في الإكثار من الشواهد القديمة والحديثة ، كما ناقش كثيراً من علماء البلاغة السابقين ، ونقل عنهم ، وعزا ما نقل إلى أصحابه ، ولهذا فإننا نعتبره أنضج أصحاب البديعيات بعد ابن حجة الحموي ، كما قدم لأنوار الربيع بمقدمة مهمة ذكر فيها شيئاً مختصراً عن تاريخ المذهب البديعي في الأدب العربي . [علي الجندي ، في علم البديع ، ص 3 ، وما بعدها ، بتصرف ] .
2 ـ كما التقينا في القرن (القرن الثاني عشر الهجري ) بعلي بن محمد تاج الدين الملكي الحفني فألفيناه يؤلف يديعيه مطلعها : ـ
[ براعة المطلع ازدانت من الحكم
وانسبلت تستهل الجود من الكرم ]
وهو فيها يورى عن الصور البديعية ضمن ألفاظ البيت .
3 ـ ثم التقينا في القرن الثالث عشر الهجري بالعلامة الشيخ / عبد الغني بن أحمد بن إبراهيم المعروف بالنابلسي المولود في دمشق السورية في الخامس من شهر ذي الحجة سنة 1150 هـ ، و المتوفى في عصر يوم الأحد الرابع والعشرين من شهر شعبان سنة 1243 هـ ، فوجدنا له بديعيتين ، الأولى منهم فيها منهج من ورى باسم الصورة البديعية ومطلعها : ـ
[ يا حسن مطلع من أهوى بذي سلم
براعة الشوق في استهلالها ألمي ]
وتسمى هذه البديعية (مليح البديع في مدح الشفيع ) ، كما ألفيناه (أي العلامة النابلسي ) يكتب بديعية أخرى ، مطلعها : ـ
[ يا منزل الركب بين البان فالعلم
من شعر كاظمة حييت بالديم ]
وسماها (نسمات الأسحار في مدح النبي المختار) ، وقام النابلسي بشرحها شرحاً ضافياً سماه (نفحات الأزهار ) ، وهو في هذه البديعية ينهج منهج من لم يذكر اسم الصورة البلاغية أو البديعية ضمن البيت من الشعر .
وقد كتب النابلسي في مقدمته لشرح بديعيته الأولى ما نصه : "نظمت هذه القصيدة الميمية المسماة بنسمات الأسحار في مدح النبي المختار على طريقة تلك القصائد (البديعية ) معرضاً عن نظم اسم النوع البديعي في أثناء البيت ، لأن رأيت ذلك إنما يكسب تنافر الكلمات ، وغرابة المباني ، وقلاقة المعاني ، ـ وليت شعري ـ مع التصرف في اسم ذلك النوع ضرورة نظمه من كلمات البيت ، وكيف يظهر لمن لم يعرفه أن اسمه كذا ما لم يكن فهمه باسمه ورسمه ، وبعد ذلك لا يحتاج إلى تسميته بالكلية " . [عبد الغني النابلسي ، شرح بديعية مليح البديع في مدح الشفيع ، ص 3 ] .
في القرن الرابع عشر :
وفي القرن الرابع عشر الهجري التقينا بأربع من أصحاب البديعيات ، فوجدناهم لم يزيدوا عمن سبقهم من كتاب البديعيات شيئاً ، وهم على النحو التالي : ـ
1 ـ العلامة الأديب الشيخ / محمد بن أمين بن خير الله الخطيب العمري ، من علماء القرن الرابع عشر الهجري ، وبديعيته مطلعها : ـ
[ حسن ابتاء كلمي يوماً بذي سلم
براعة المدح في استهلال نعمي ]
2 ـ الشيخ / طاهر بن محمد بن صالح الجزائري ، المتوفى بدمشق السورية سنة 1341 هـ ، في بديعيته التي مطلعها : ـ
[ بديع حسن بدو ذي سلم
قد راقني ذكره في مطلع الكلمي ]
وقد أنشأها في مدح الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) ، وقد قام بشرحها شرحاً جامعاً سماه (بديع التلخيص وتخليص البديع ) ، ويختلف الشيخ / طاهر الجزائري عن سابقيه بأنه جعل مبدأها حسن التخلص ، ومنتهاها حسن الختام .
3 ـ الشيخ / عبد الحميد قدسي بن محمد بن علي الخطيب المدرس بالمسجد الحرام ، في بديعيته المسماه (نظم البديع بمدح الشفيع) ، ومطلعها : ـ
[ من ذكر رامة والريان والعلم
عقيق دمعي جرى والشوق كالعلم ]
وشرحها تحت اسم (طالع السعد الرفيع في شرح نور البديع على نظم البديع المتضمن لمدح الحبيب الشفيع ) .
4 ـ العلامة / السيد عبد الهادي بن السيد رضوان نجا الإبياري ، المتوفى سنة 1205 هـ ، في بديعيته التي مطلعها : ـ
[ بحمد مبدع الأمور عابد الهادي
نجا مصلياً على الرسل ]
وقد قام الإبياري بشرح بديعيته شرحاً أطلق عليه (طرفة الربيع في أنواع البديع ) .
والذي نلاحظه أن الشيخ عبد الحميد قدسي في البديعية الثالثة ، وكذلك العلامة / الإبياري في البديعية الرابعة ، أنهما لم يوريا عن الصورة البديعية بخلاف ابن خير الله العُمري في البديعية الأولى ، والشيخ / طاهر الجزائري في البديعية الثانية ، فإنهما يصرحا بذكر الصورة ، وهم جميعاً من كتاب وعلماء القرن الرابع عشر .
البديعيات في الميزان :
لقد كانت هذه أشهر البديعيات التي عرفت في تلك القرون المتطاولة (من القرن الثامن الهجري إلى القرن الرابع عشر الهجري ) ، ولا يمكن للباحث أن يترك هذه المرحلة في تطور البلاغة العربية دون أن يبدي الرأي فيها .
يجمع الباحثون على أن أهم ما يمكن لنا أن نلاحظه على بلاغة هذه المرحلة هو الضحالة (إلى حد ما ) في اللغة ، والاضمحلال في الأدب ، والبلادة في الحس ، والضعف في الذوق ، مما أدى إلى الاتجاه بالبلاغة العربية إلى ذلك المنهج القائم على الاختصار ، وذلك بصياغة الصور نظماً ، والإسراع في التسابق في هذا النظم ، والعمل على جمع الألوان مهما كانت تافهة لا تغني ولا تسمن من جوع ، ثم الإطالة في الشرح الذي لا يؤدي بالبلاغة إلا إلى التعقيد والضعف والكثرة في الأسماء .
ويعلق أستاذنا المرحوم الدكتور / شوقي ضيف ، فيقول : إن طولها كان في الحواشي والشروح ، ولكنه طول في غير طائل ، أو طول خارجي عماده المنطق والفلسفة ، طول لفظي عماده شرح الألفاظ المبهمة في المنظومات البديعية . [شوقي ضيف ، البلاغة تطور وتاريخ ، ص 367 ] .
وبذلك نجد أهل البحث البلاغي والنقدي يقولون في صراحة : إن البلاغة العربية من أوائل القرن الثامن أصيبت بالجمود والتعقيد الذي وصل إلى حد الألغاز .
ولنا رأي :
بالطبع نحن نحترم ونقدر كل ما قيل عن البديعيات في تاريخ البلاغة العربية ، والنقد الذي وجه إليها ، ولكن لنا بعض الملاحظات المتواضعة ، والتي نرى أنها من الممكن أن تضيف شيئاً في مجال الكلام عن البديعيات ، وهذه الملاحظات نوجزها فيما يلي : ـ
1 ـ إن معظم الكلام عن البديعيات جاء وصفياً ، ولم يشر بشكل أو بآخر إلى العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي أدت إلى الضحالة والاضمحلال والبلادة والضعف (على حد قول من تحدثوا عن البديعيات) كمثال للتأليف في البلاغة خلال الفترة الممتدة من القرن الثامن الهجري إلى القرن الرابع عشر الهجري .
2 ـ ليست كل البديعيات تتصف بضحالة اللغة ، أو الاضمحلال في الأدب ، أو البلادة في الحس ، أو الضعف في الذوق ، فالقراءة المتأنية لهذه البديعيات تكشف لنا عن وجود بديعيات على درجة كبيرة من النضج الأدبي والفني والبلاغي ، تستحق الوقوف أمامها ، والاستفادة منها تاريخياً وفنياً .
3 ـ الشروح والحواشي والمتون التي أحياناً ما نسخر منها ، لا يجب أن ننكر أنها كنوز رائعة تعلمنا الكثير ، وتحوي في داخلها درراً ثمينة لمن أراد العلم والتعلم ، وكم من علماء أجلاء استفادوا منها ، وأفادوا بها طلابهم ، وما نحن إلا عيال على هذه الشروح والحواشي والمتون .
4 ـ إن عملية الاختصار بصياغة الصور البديعية أو البلاغية نظماً ، والإسراع والتسابق في هذا النظم ، والعمل على جمع الألوان مهما كانت ، ذلك كان له ما يبرره ، فمع القرن الثامن الهجري بدأ ما يسمى بعصر التجميع العلمي لكل الثقافة العربية والإسلامية ، خوفاً من ضياعها وشتاتها ، وذلك بعد سقوط الأندلس على يد الأسبان ، وسقوط بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية على يد التتار ، ولعل ذلك ما دفع العلماء إلى عملية اختصار وصياغة البلاغة أو نظمها وجمعها .
5 ـ إن البديعيات تعد بمثابة وثائق بلاغية يجب علينا دراستها دراسة علمية ممنهجة ، تكشف لنا عن تطور البلاغة العربية ، وفي نفس الوقت تعرفنا بنظرات صائبة سبقت عصرها ، وتستحق التأمل .
6 ـ إن البديعيات تذخر بالجوانب البلاغية والنقدية المهمة التي يجب أن نعرف بها الجيل الجديد ، وذلك بالوقوف عليها وتحليلها ، ورصدها رصداً علمياً متأنياً ، في إطار السياق العام لدراسة البلاغة العربية في نشأتها وتطورها .
والله ولي التوفيق ،،،