مقالات متنوعة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حنان بديع
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 12
ثقافتنا على قياسنا
حنان بديع
من الطبيعي جدا أن يأتي خبر الحكم بالإعدام على فتاة في بلد عربي لقتلها شاب حاول اغتصابها غريباً ومستهجناً ذلك لأن قتل الأنثى بدافع الشرف ليس جريمة بل هو رفع للعار .. فكيف يصبح جريمة إذا ما ارتكبته أنثى دفاعاً عن هذا الشرف الذي اختصرناه في ثنايا جسدها وهي المسئولة عن شرفها وشرف العائلة وربما القبيلة بأكملها ؟
لكن السؤال الأكثر خطورة .. ماذا لو لم تفعل ؟ ألن تدفع الثمن عارا أو دما يسيل على يد أقرب المقربين من رجال العائلة ؟ أليست هي المسئولة في كلتا الحالتين عن هذا الاغتصاب، لأنها هي التي تفقد عذريتها وهو مقياس الشرف في بلادنا اليوم ؟ وهل الحكم بإعدامها أقل قسوة أو أشد وحشية من حكم مجلس القرية في باكستان على مختار مي التي تعرضت لاغتصاب جماعي في عام 2002 لتدفع ثمن جريمة أخيها ؟
وهل هو تواطؤ آخر مع ثقافتنا يجعلنا نكافئ الرجل الذي يغتصب فتاة بالزواج منها إذ تسقط عنه التهمة إذا تزوجها طبقا لقانون العقوبات المعمول به في معظم المجتمعات العربية والذي يدفع بالبنت المغتصبة لأن تتزوج من اغتصبها حفاظاً على ما يسمى شرف العائلة ولينجو الجاني من العقاب مرة أخرى.. ومن مخرج آخر ؟
وهو هو أيضا تواطؤ آخر وآخر ذلك الذي يجعلنا لا نعترف بالاغتصاب الزوجي قانونياً فللزوج الحق في اغتصاب الزوجة متى شاء ما دامت على ذمته ؟ فيما يتم إدانته في الدول الغربية التي نعيب عليها ثقافتها المنحله ؟
ليس كل هذا لأخرج عن موضوع ظلم هذه الفتاة الى سلسلة مظالم تتعرض لها المرأة في شرقنا البائس .. بل لأدين ثقافة لا تحترم المرأة وعقلها وروحها وجسدها وخياراتها الحرة ولا زالت تنظر اليها بوصفها ملكاً للاب والأخ والزوج يفعلون بها ما يشاءون.
ولأطعن بمفهوم الشرف عند العرب بوصفه أحد الثمار المرة لثقافة العبيد والاستبداد الذي يمارسه الشخص الأعلى على من هو أدنى منه بدءً من القهر الذي يمارسه الرئيس على مرؤوسيه وانتهاء بالرجل العادي فيما بعد والذي لا يجد متنفساً إلا في المرأة الخاضعة له بحكم الثقافة والتربية. لماذا إذن كل هذه الفظاعات ؟
هل لأننا حقاً نؤمن بكل هذه السخافات ؟
هل لأن مفهوم الشرف نسبي قمنا بتفصيل شرف خاص بنا على قياس ثقافتنا ورغباتنا ليس من مفرداته القيم العليا من صدق وأمانه وشهامة ورجولة وشجاعة ووفاء؟
هذه المفردات التي تعكس مفهوم الشرف في الثقافة الغربية دفناها نحن بإرادتنا في جسد المرأة لأننا عجزنا ربما عن أن نكون شرفاء بمعنى قيم الشرف الحقيقي ..
كثيراً ما يسألونني ما الذي أريد وأطالب به..
وأقول لا أريد أن ندفن رؤؤسنا في الرمال خوفاً من حساسية الموضوع .. فلنكن أعلى إنسانية وأقل أنانية وأكثر انصافاً وعدلاً فنبحث عن شرفنا بعيداً عن جسد الأنثى ولنعترف بأن الشرف قضية كبرى .. لأنه كذلك
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سيد يوسف
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 12
نصيحة إلى صاحب الحق الأبكم
سيد يوسف
تمهيد
هم صنف لديهم غيرة محمودة على الحق والقيم التى طالما تعايشوا بها
وإنك لتراهم يستنكرون القماءة كما استنكرت بتعجب شديد المرأةُ العربية حين قالت (أو تزنى الحرة)؟
إنهم يستنكرون تبجح الباطل وأبواقه التى طالما لا تنفك عن أصحابها
والباطل بيئة خصبة لهؤلاء يتعايشون معه فهو سبب وجودهم يدورون معه كما يدور الذباب مع القذارة ولا عجب فتلك بيئتهم التى لا يعرفون العيش فى غيرها.
ترى : من منهم يعتقد ان هذا الكلام ينطبق عليه؟!!
ومن عجائب القدر أن ترى احدهم يسقط مثل هذا الكلام على أصحاب الحق والخير..
إلى هؤلاء الذين يستنكرون الباطل وتبجحه لكنهم فى ظل ثورتهم المدفوعة بغيرتهم يفقدون هدوء العاطفة..
إلى الذين يعقلون لكنهم لا يستطيعون الوصول بما معهم من حق إلى المكان الصحيح...
إلى الذين يدركون عن تجربة وبعمق ان إذا علا صوت العاطفة قل منطق العقل لكنهم يعجزون عن ضبط انفعالاتهم...
إلى هؤلاء جميعا أسوق تلك الكلمات...
هى كلمة تحتاج إلى عقل يقظ ونفس قوية تتحمل الأذى ..
على الفاقهين ان يتقوّوْا بالصبر فى مواجهة الباطل الوسيم
انك قد تكون على الحق ...تدرك ذلك بالعلم والفطرة النقية التى تسعى ان تعيش بها ويزيد اطمئنانك بما أنت عليه من حق بشهادة أهل الحق والخير
وأنت على الحق لان ما لديك من بضاعة يتطابق مع ثمرات العقل الحر ومع ثمرات الفطرة النقية
أقول قد تكون على حق لكنك لا تحسن توصيله إلى الناس...لا تحسن عرض بضاعتك..لا تجيد لغة اللف والدوران التى يجيدها أهل الصخب
لا تجيد السير بمرونة بما معك لتصل بما تحمله من حق إلى مكانه...
لا تستطيع ان تتخطى عقبات الباطل التى أمامك....لا تستطيع الوصول بما معك إلى ما تريد...
وقد يكون الباطل مع غيرك لكنه يجتهد ان يلبس الحق بالباطل يجتهد ان يزين الباطل ليريه للناس حسنا...يحسن عرض بضاعته لأنه يجيد اللف والدوران....
وأنت حين ترى ذلك تتألم.... تغتم...تثور: هذا الألم وهذا الغم وهذه الثورة
إما ان تكون ثورة ساكنة فتكبت فى نفسك الألم فتنعزل عن الناس ومن ثم يعزلك الناس عنهم.....
وإما ان تكون ثورتك صاخبة هائجة تتناسب وما يعتمل داخل صدرك من غيظ أن ترى الباطل لا ينكره الناس وان ترى الحق يتنكر له بعض الناس وبقية تراه وتصمت (جهلا أو خوفا أو إيثارا للسلامة أو عدم تقدير جيد للموقف أو غير ذلك)ومع هذه الثورة الصاخبة فسوف يكثر خطؤك ومن ثم يتنكر لك الناس حتى بعض الفاقهين ....كل ذلك والحق معك والباطل مع غيرك.
وقد يغيظك تنكر الناس لك ويؤلمك أشد الألم صمت الفاقهين القادرين فتضيق بالحياة وبالناس كل الناس ويسوء تقديرك للناس وتخطيء فى تعميم مسئولية الناس جميعهم على أنهم لم يقفوا معك ولم يحسوا بما تحس به من مرارة تستشعرها من غباء قوم كأنهم ما خلقوا إلا ليغيظوا أهل الحق...
عندئذ ستصير ساخطا غالبا ومتشائما وناقما على الجميع : على نفسك أولا ثم على عملك وقد يخسرك الجميع...
أنا لا أطالبك بان تعمل ما هو ضد طبيعتك( أى ان تجيد اللف والدوران واستخدام طرق تراها رخيصة للوصول بالحق الذى تحمله إلى مكانه الصحيح).
ولا أطالبك بمخالفة ضميرك...
ولا أطالبك باليأس من الناس ..
لكنى
أطالبك وبقوة ان تصبر...
ان تتشبث بالحق الذى معك....
ان تناضل (بالحكمة والموعظة الحسنة) فى سبيل توصيل أهدافك النبيلة للناس..
أطالبك ان تؤمن بان المجتمع يتطور تطورا يجعل الناس يحكمون على الشخص بحقيقته لا بمظهره كما يرى أ/ الغزالى.
وثق بهذه الحقيقة إن مجتمعاتنا (وكل المجتمعات) لا تتغير بين عشية وضحاها....فالطريق من ههنا مما معك ولكن تذكر ان هذا الطريق طويلة خطواته وكثيرة عوائقه..
لكن
حتما سوف يصل إلى هدفه طال به الزمن أو قصر.
فالحق الذى ننادى به يتحقق دوما حينما:
1/ يجد رجالا يصبرون عليه.
2/ويجتمعون عليه.
3/ ويورّثون الحق الذى يحملونه إلى الأجيال القادمة.
4/ويتسلحون بالعلم ويتعايشون بمبادىء السماء.
5/ولا ينسون الله من حساباتهم
فى النهاية
اصبر (إنما النصر صبر ساعة)
ثابر فالمثابرة من شيم الفاقهين.
كافح فالكفاح قرين النصر.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد الخميسي
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 17
فاجعة مسرح بني سويف إلى متى يموت المثقفون ؟
أحمد الخميسي
الحريق الذي شب في مسرح بني سويف التهم مع المقاعد والستائر حياة عدد من أفضل الشباب المثقفين أبناء الحركة المسرحية بكل روافد اختصاصاتها من كتابة وموسيقى وتمثيل وإخراج وديكور . منهم : نزار سمك - محمد بهاء الميرغني – شادي منير الوسيمي – مدحت أبو بكر - حسن عبده- أحمد عبد الحميد – محسن المصيلحي – محمد شوقي – مازن قرني – أحمد الفيومي – أيمن الجندي – أحمد عزت – حاتم شحاته – سعد صالح – خالد محمد (16 عاما ) –محمد صلاح حامد ( 17 عاما ) ووالده صلاح حامد – أميرة حسين الفيومي – محمد حافظ – أشرف سعيد – سناء عطوة – ربيع محمد – سيد سعيد – محمد منصور – أحمد سليمان – عبد الله عبد الرازق – حسين حسن – سامية محمد – ياسر ياسين – أيمن الجندي- مؤمن عبده - حسن عبده - وغيرهم ممن يرقدون في المستشفيات في حال خطرة بين الحياة والموت . شب الحريق خلال عرض مسرحية " هاملت " وصيحته الشهيرة " أن تكون .. أو لا تكون ، تلك هي القضية " . ثم سقطت شمعة وامتدت منها النار إلي كل ناحية ، ووجد الجميع أنفسهم محاصرين باللهب والدخان ، فأخذوا يتدافعون بيأس نحو الباب الوحيد في القاعة ، لكنه كان مغلقا من الخارج بإحكام كما قيل . من المسئول عن تصميم مسرح وقاعات بهذه الشكل ؟ . الأبواب المغلقة سياسة كوارث قديمة ، تتجدد . فقد كانت الأبواب مغلقة أيضا في حادثة قطار الصعيد التي احترق في عرباتها السبع نحو ألف مواطن في فبراير عام2002 ، وفي حينه تبرأت الحكومة من المسئولية وألقت بعبئها على الركاب ، ولم يحاسب مسئول واحد، ودمغت الضحايا بختم المهمل الذي أدى لوقوع الكارثة ! سياسة الأبواب المغلقة سياسة عامة في القطارات ، والمسارح ، ومجال التعبير ، وحقوق التظاهر ، والاجتماع ، والاحتجاج ، والتنظيم . أبواب مغلقة بإحكام ، حتى لو قاد ذلك إلي اندلاع الحرائق وتفحم البشر .
المثقفون عندنا يقتلون أيضا في حوادث السيارات ، كما وقع في ديسمبر 1979 مع المناضل زكي مراد ، وكما جرى في أبريل 1981 للكاتب المبدع يحيي الطاهر عبد الله . وفي نوفمبر 1999 صدمت سيارة الصحفى محمد همام، وبعدها بيومين توفي الإعلامي المعروف صلاح زكي في حادثة مشابهة . هل كانت تلك الحوادث مصادفة ومجرد سوء حظ ؟ أم أن ذلك وقع في إطار أن مصر تشهد ثلاثين ألف حادثة مرور سنويا ؟ . في كل تلك الحوادث لم يحاسب أحد من المسئولين عن أوضاع الطرق أو حالة المرور في مصر ، وهي حالة تفضي فقط لكل احتمالات للموت ، ولم يحاكم وزير واحد .
المثقفون عندنا يختفون ، ويتبخرون فجأة ، وهم ملء السمع والبصر ، في عز النهار ، كما حدث مع الصحفي رضا هلال الذي اختفى في 11 أغسطس عام 2003، ولم يستدل على أثر له منذ ذلك الحين . هل توفي ؟ هل فقد الذاكرة ؟ هل قتل ؟ . لم تعبأ أجهزة الأمن المسئولة عن أمان المواطنين بالإجابة ، واكتفت بالإعراب عن عجزها أمام الحالة السحرية التي ابتلعت رضا هلال على مرأى من الجميع . وفي كل تلك الحوادث لم تدفع الدولة تعويضا لأحد، ولم تعتبر أنها مسئولة عن شئ .
المثقفون عندنا يختطفون ، كما اختطف عبد الحليم قنديل في مطلع نوفمبر العام الماضي ، دون أن تتمكن الأجهزة إلي الآن من الوصول إلي الفاعل .
المثقفون عندنا يضربون في الشوارع ، نساء ورجالا إذا خرجوا في مظاهرة أو تجمعوا للتعبير عن احتجاجهم على وضع أو آخر .
المثقفون عندنا يموتون من العزلة والتجاهل والمرارة ، كما حدث مع جمال حمدان.
المثقفون عندنا يموتون بلا علاج ، كما حدث مع الزميل الراحل فتحي عامر المسئول عن صفحة الثقافة في العربي ، وقد ظل فتحي عامين يشكو من الكبد ، فلما توفي لعجزه عن جمع المال اللازم ، صرح المسئولون عن الثقافة بأن الفقيد " باغتنا بموته " ! المثقفون عندنا يمرضون ، فيجري أصدقاؤهم في كل ناحية بحثا عن مخرج ، كما حدث حين مرض الشاعر طاهر البرنبالي ، والزميل العزيز خليل كلفت ، وحين مرض أديب وكاتب معروف مثل علاء الديب حاصل على جائزة الدولة التقديرية ، قدمته المستشفى للنيابة ، لأنه لم يسدد مصاريف العلاج ! أما الفقيد الشاعر حسن بيومي فقد رقد مؤخرا في معهد ناصر ، بينما كانت زوجته الفاضلة الدكتورة سناء تلهث في أروقة كل وزارة، بحثا عن تمديد لطلب العلاج المجاني ، فيردونها ، ويماطلونها ، إلي رحل حسن بيومي عن عالمنا منذ أسبوع .
المثقفون الذين يفوتهم الحريق ، والحوادث ، والمرض ، لا تفوتهم سجون الدولة وأقسام الشرطة .
مساء 8 سبتمبر ، أقيم عزاء عام بمسجد الشاذلية في منطقة المهندسين ، شارك فيه صحفيون وكتاب وفنانون وممثلون ومثقفون من شتى المجالات ، وساده وجوم غريب ، ونحيب متقطع يصدر من هنا وهناك . ووقف أهالي الراحلين وأصدقاؤهم على الرصيف المقابل للمسجد رافعين يافطات الاحتجاج ، بوجوه اشتعل فيها الغضب بين الدموع . وكانت الدولة قد أعلنت أنها ستصرف 15 ألف جنيه لأسرة كل فقيد ، و 3 آلاف جنيه لأسرة كل مصاب . وكان يكفي للمرء أن ينظر إلي وجوه الأهالي ، لكي يدرك حجم الإهانة التي أحسوا بها حين اعتبرت الدولة أنها بتلك الملاليم قد عوضتهم عن أبنائهم ، من دون أن تقدم مسئولا واحدا للحساب .
ما الذي ارتكبه المثقفون – ويرتكبونه - لكي يلقوا مثل هذه المعاملة من الدولة البليدة الشعور والثقافة والعلم والنخوة؟
في أكتوبر 2002 ، اقتحمت مسرح " دوبروفكا " في موسكو مجموعة من المسلحين ، وسيطرت على المبنى ، واشتبكت معهم قوات الأمن الروسية ، فقتل نحو ألف شخص ، وأصبح ذلك العرض الوحيد في تاريخ المسرح الذي قتل فيه المتفرجون ! بعد وقوع الحادثة بيومين صرح ستانيسلاف بيلوكوفسكي رئيس مجلس الاستراتيجية القومية بقوله : " إن ما جرى في مسرح دوبروفكا قد يؤدي إلي تغييرات هامة في النظام السياسي لروسيا " . أما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فقدم اعتذارا رسميا إلي الشعب في أول خطاب له بعد كارثة المسرح قائلا : " نحن لم نستطع إنقاذ الجميع .. فسامحونا " . أما عندنا ، فلا اعتذار ، ولا محاسبة ، ولا تغيير ، ولا تعويض لأهالي الضحايا ، ولا شئ. عندنا يموت المثقفون بشتى الطرق ، فلا يعبأ أحد . إن الإصرار على محاكمة المسئولين ، ودفع تعويضات تليق بالبشر ، هي قضية كل الكتاب الشرفاء ، وعلى أكاديمية الفنون بدورها أن تسعى في ذلك بعد أن فقدت ما فقدته من أبنائها الذين علمتهم ، وبذلت من أجلهم الوقت والجهد والمال ، فلم تستطع الدولة الاستفادة منهم إلا باعتبارهم ضحايا ، عاشوا آخر لحظات حياتهم يتخبطون بين الدخان واللهب مندفعين نحو الباب المغلق .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: نور الدين أبوعاصي
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 12
نور الدين حسن محمد أبو عاصي – فلسطين –
تختلف البنية السيكولوجية عند الإنسان الفلسطيني عن غيره من باقي شعوب الأرض اختلافاً ملحوظاً ، هذا الإخلاف شهدت عليه الوقائع وأصقلته الأحداث وذلك من خلال تجارب تجارب شاقة ومريرة عاشها ولا يزال .
ولعل مرجع هذا الاختلاف إلى الظروف التي عاشها ومر بها حيث تنوع المواقع الجغرافية بعوامل التمزق والتهجير والشتات وتعدد المناخات السياسية وفقا لطبيعة الأنظمة الحاكمة التي عاش الفلسطيني تحت سقفها بغض النظر عن انتمائه لها أو عدمه ، كذلك تكرار الأحداث المأساوية التي مرّ بها تاريخ النضال الفلسطيني وتنوع المشارب الفكرية والأيديولوجية والمدارس السياسية .
كل ذلك ساعد في تشكيلة وبناء الفلسطيني النفسية والذهنية في مكان تواجده بحيث أنه من الممكن لكل من يتتبع الأمور بنزاهة وشفافية أن يحدد وبوضوح التراكم الكمي والكيفي لمظاهر المأساة بكل أوجهها وأطيافها من خلال معالم وبصمات التواجد الفلسطيني وتراثه الشعبي وألوانه الفكرية وتعدد الرؤى المرتبطة بتعدد نتائجها وإفرازاتها .
وعلى الرغم من شدة وقسوة التجارب التي مرّ بها الفلسطيني فقد ازداد تمرساً وتأصلا وانتماءاً من خلال حب الوطن والاعتزاز به وعشقه وديمومة الدفاع عنه والأمل في النصر والتحرير كما ازداد تجذراً كالأشجار اليانعة القوية التي تضرب بجذورها عميقاً في تراب الوطن بحيث لا يؤثر عليها رياح عاتية ولا عواصف هوجاء . فهو بصبر وبمثابرة يقاتل ويتعلم يربي ويُعلّم يزرع ويصنع بإرادة فولاذية وعزيمة لا تلين يحن إلى وطنه ويصبو نحو حريته على الرغم من ضعف إمكانياته وقلة حيلته لأنه يملك من وراء ذلك سيكولوجية منيعة وعصية أمام عبث العابثين وقهر المتآمرين يملك سيكولوجية من طبيعتها العطاء والفاعلية ومحتواها الرغبة التواقة في العيش بسعادة وبأمل لا يغيب من بين عينيه فمهما اشتد ظلام الليل حلكة وسواداً فإن وراءه انبثاق فجر جديد مشرق بالنور ومبهج بالضياء والحيوية .
إن هذا العطاء الفلسطيني الجبار يأتي من خلال نظرة شمولية واعية تعبر عن انتمائه وتجذره وهي شمولية الفهم والوعي والإدراك والقيام بالواجبات المناطة على كاهله خير قيام .
والفلسطيني اليوم على أرض وطنه في حاجة ماسة وضرورة عاجلة إلى كل مخلص وغيور من أبناء هذا الوطن لتقديم برامج خدماتية تعينه على الصمود والتجذر والثبات فالمرحلة القادمة تحتاج إلى مستحقات يجب النظر إليها باهتمام فالأمن الشخصي والتعليم والصحة والبطالة والأمن الغذائي والسلم الاجتماعي كلها أمور تشغل بال المواطن .
الواقع محفوف بكثير من عوامل الفشل والإحباط والمواطن ينتظر التغيير بقلق وكأني أرى الفلسطيني المنتمي لقضيته يقف بين نارين : نار تدفعه للعطاء والإبداع ونار تقف عائقا امام عطائه وإبداعاته ولا ينحصر قصدي هنا في مجال دون آخر فلا فرق في العمل الذي يهدف بجملته الفلسطيني نفسه حياة وكرامة وخدمة وحرية ورفاهية وعلاجاً وتعليماً وغير ذلك .
إن سيكولوجية الفلسطيني لا تقل عطاءاً في أعماقها المنتجة والمبدعة عن سيكولوجية الألماني أو الياباني الذي نافس في إنتاجه واقتصاده ليس فقط الإنتاج والاقتصاد الأمريكي بل الإنتاج والاقتصاد العالمي ولكنه يحتاج إلى جهات فلسطينية حاضنة وراعية لكل الأدمغة المكتشفة والمخترعة والتي أصبحت مغمورة لا يعرفها ولا يسمع بها أحد ، فالمدرس في اليابان لا تسمح له حكومته عند بلوغ سن التقاعد أن ينزوي في بيته ينتظر الموت أو يقضي جل وقته بين كبار السن الذين نخر العجز عظامهم وأجلسهم الجهل على قارعة الطريق وقد أمسوا وكما يقول المثل الشعبي ( على الرف ) . بل تعتبره الحكومة اليابانية مرجعاً خصباً ومنهلاً عذباً يستقي منه العاملين الجدد كل معاني التوجيه والإرشاد في مجال التربية والتعليم إن كان مدرساً أو في مجال الصحة إن كان طبيباً أو في مجال الزراعة والصناعة والسياسة والقانون وكافة مجالات الدولة كل حسب مجاله وتخصصه ويوفرون له جميع الإمكانيات وأساليب العمل والإشراف لكي يفيد غيره من واقع خبراته الطويلة كما يهيئون له المناخ الصحي لكتابة مذكراته لتعتبر مرجعية مكتوبة من خلال مبنى يتم إعداده وتجهيزه بشكل خاص لكل أولئك أصحاب التجارب وهذا ما جعل أطفال اليابان أكثر تفوقاً من باقي أطفال العالم في التصنيع فشرائح الحاسوب وألعاب الأطفال وغيرها من صنع الطفل الياباني الذي لا يزال شعبه يعاني القصف النووي الأمريكي على بلاده علماً بأن الشعب الياباني استلم اليابان من الأمريكان بعد الحرب وهو يفتقر إلى أدنى الإمكانيات التي تؤهله للزراعة والتصنيع بسبب ما ألحقته القنابل النووية من دمار لحق بالتربة .
وفي بريطانيا أقامت الحكومة مبنياً ضخماً على رقعة أرض تزيد مساحتها على عشرة آلاف دونماً وسط لندن جعلته الحكومة خاصاً بالمبدعين والمكتشفين والمخترعين لجميع مجالات العمل والإنتاج والحياة على الصعيدين النظري والتطبيقي وقد زودتهم بكل الإمكانيات وقدمت لهم كل التسهيلات وعوامل التشجيع .
وأكثر من ذلك فإن هناك دول أعدت حكوماتها مرا كز متخصصة في علم النفس هدفها الوحيد هو مراقبة ودراسة حركات وانفعالات وطرق التفكير لجميع العاملين في سلك الدولة وخاصة فيما يتعلق بالأمن القومي لتلك الدولة مثل مركز دانيال زيف للأبحاث في إسرائيل ووظيفته دراسة نفسية المفاوض الفلسطيني وتقديم النصائح للحكومة الإسرائيلية في هذا الشأن .
في كثير من دول العالم لا بد من أن يقضي كل مواطن ساعة على الأقل في اليوم في مجال القراءة في غرفة مكتبته التي يعتز بها ويطورها بنفسه ويخصص مبلغا من دخله ولو يسيراً لشراء الكتب .
المدرس في كثير من دول العالم الغربي لا يعمل أكثر من عشر سنوات وبعدها لا تُقبل له شهادة في محكمة بحكم انتهاء صلاحية استعماله وهذا واقع حقيقي لا أسرده هنا لغرض الطرف الكلامي .
الفلسطيني في وطنه يعيش بين حب العطاء المنتمي لشعبه من جهة وبين الواقع المأساوي من جهة أخرى .
إياك أخي أن تقارن بيننا وبين واقع دول العالم كبريطانيا وألمانيا واليابان فملايين الدولارات التي ذهبت هدراً كفيلة بأن نرتقي في جميع مجالات حياتنا .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حنان بديع
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 9
الخطوط الحمراء
حنان بديع
اذا ما اعترفنا بأن أقوى الأسلحة على الاطلاق هي مفاتن المرأة .. فإننا لسنا بحاجة للاعتراف بأننا توقفنا طويلا أمام خبر قيام فنانة تشكيلية سورية بخلع ثيابها في ساحة" واشنطن سكوبر بارك " ووقوفها عارية أمام وسائل الاعلام والسائحين، وقد كتبت على ظهرها باللغة العربية والإنجليزية عبارات تطالب بإيقاف الحرب في العراق وفلسطين .. وربما تمنى البعض لو كان الخبر أكثر تفصيلاً وتصويراً..لكنها خصلة دأبنا عليها..أن نسارع الى بلع الأفكار ثم قبل هضمها نطلق اللعنات في كل الأحوال دون أن تخضع هذه الافكار والأخبار الى غربلة عقلية تمحيصية.
هذا ما فعلناه ونفعله دائما ونحن ممدون أمام أجهزة التلفاز نشاهد الفيديو كليب، هذا الفن الذي تلقفناه متأخرين منذ بدأه الغرب في أواخر السبعينات ونصر على أن نرى فيه وجهاً جديداً للغزو الثقافي ومؤامرة لإعاقة التقدم وإفساد ثقافة المجتمع بأشكال اغترابية تعيدنا الى عصر الحريم، ونتجاهل أن هذه التقنية موجودة في المجتمعات الغربية منذ سنوات ولم تكن سبباً للتخلف أو عائقاً أمام التقدم العلمي او الانجازات العلمية.
هذا ما حدث .. ويحدث كلما صدمتنا أغنية شبابية هابطة أو مبتذله أو خبر صادم لتقاليدنا ومعاييرنا..
وهو ما حدث وتكرر مؤخرا في مواجهة خبر تعري الفنانة التشكيلية في واشنطن.
هذا الخبر وما تبعه من مقالات وتعليقات في الصحف المطبوعة والالكترونية والتي زادت عن الألف تعليق حيث كان الموضوع الأكثر قراءه ومتابعة..فماذا علقوا قائلين؟
وما هي أهم التحليلات والنظريات التي تمعن في دوافع هذا التصرف الأحمق ؟
طبعا لم تكن هذه الفنانة المتظاهرة لتتوقع أن يشفع هدفها السامي دون تعرضها لهجمة واسعة لم يتعرض لها مثقف منذ زمن بعيد ..أحدهم كتب بلغة عامية (اللي اختشوا ماتوا )
وأضاف أحدهم (أنها أرادت اظهار مفاتنها ليس الا وهي مدعاة للرذيلة )
وعلق آخر (أن العرى هو الارهاب بذاته) !
فيما بقي جمع من المثقفين مترفعاً عن الرشق بالكلمات والاتهامات وارجع اهتمام الاعلام الغربي بالواقعة الى نظرية المؤامرة فلم يفعلوها الا نكاية بعقليتنا العربية التي تدعي ما ليس فيها وفي الغالب هي ليست سوى مأجورة لتشويه الصورة العربية!!
نحن بحاجة الى علم اجتماع خاص بعالمنا العربي..وعلم نفس خاص بالعقلية العربية..العقلية المضطربة التي تعاني من انفصام في الشخصية وتضخم الأنا ..
هذه العقلية التي تنتج كل مبررات المؤامرة على مجتمعاتنا الشرقية لسد الشعور بالنقص ازاء تهمشنا الحضاري..
لكن اذا كان التعري كنوع من الاحتجاج ليس بالأمر الجديد في التاريخ فما هو الجديد الذي فعلته هذه الفنانه العربية المغتربة بعد أن طلبت ألا يساء فهمها وهي تقوم بخطوة صادمه وغير متوقعه لتقول (لا للحرب) بطريقة فيها شيء من الفانتازيا .. أو على الأقل بطريقتها الخاصة كفنانه..
ما الذي فعلته هذه المرأة بتعبيرها الشاذ عن الألم النفسي أو برسالتها الجسدية الغاضبة ذات المضمون السياسي ؟
ألم يكن بامكانها أن تقول ما قالته بلافته ترسم أو تكتب عليها موقفها الرافض مرتديه ملابسها كاملة ؟
الم يكن بامكانها أن تصرخ وتتألم وتبكي على جدران لوحاتها في معرض تشكيلي مفترض ؟
وهل كانت ستصيب الهدف لو فعلت ؟
هل كانت وسائل الاعلام ستتناقل مضمون رسالتها بهذا القدر من الشغف والاهتمام ؟
المؤسف أن تظاهرها بهذا الشكل الفاضح الذي تخطت به الخط الأحمر لن يقدم أو يؤخر بل سيعيق تحركاتنا من أجل حرية المرأة العربية في شرقنا التعيس، حيث أسلوب هذه الفتاه غير مفهوم في عالمنا العربي ويتناقض مع رؤيتنا لمفهوم الجسد العاري، فهل هي امرأة عاهرة أم انسانه شجاعة ؟
وبعد أن فعلت وانتهى الأمر..
ما الذي حدث ؟
حدث أن حققت الهدف في واشنطن حينما جذبت أنظار وسائل الاعلام بلغة الجسد وهي لغة ملفته للانتباه في عرف الثقافة الغربية في مدينة احترفت الحرب احتجاجا على الحرب وبطريقة معيبة وقليلة الأدب وربما لا أخلاقية بالنسبة لثقافتنا الشرقية لكنها لم تكن سوى شماعتنا لنعلق عليها مبرراتنا في الهجوم، فنحن مجتمعات لا تشارك بالفعل بأي طريقة أو لغة لكن كلنا حماسة لكي نلعن صرختها الجريئة الوقحة بكل اللغات والألفاظ والشتائم.