مقالات متنوعة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رضا محافظي
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 8
رضا محافظي
تحولت مسألة اعتراف فرنسا بجرائمها التي اقترفتها بالجزائر منذ احتلالها سنة 1830 م موضوع الساعة عند حديث عن العلاقات الفرنسية الجزائرية هذه الأيام. و معروف إن معاهدة للصداقة بين البلدين كان من المفروض إن يتم إمضاؤها نهاية سنة 2005 م غير إن ذلك أرجئ مرات ومرات بعد أن طالب الرئيس الجزائري من فرنسا الاعتراف بجرائمها كشرط مسبق لأية معاهدة صداقة. و كان من شأن ذلك إن حدثت بعض التشنجات في العلاقات حتى على المستوى الرسمي.
مطالبة فرنسا بالاعتراف بجرائمها هو – من دون شك – حق للشعب الجزائري الذي لا يزال جزء كبير منه يسترجع ذكريات الاستعمار المرة حين يخلد إلى النوم و يسمع أنين المعذبين و بكاء الثكالى و المقهورين آنذاك. كما انه دين للغائبين من الشهداء في ذمة الحاضرين الذين لا يمكن أن يتسامحوا فيه احتراما لأرواح من قدموا نفسهم فداء لحياة الأجيال اللاحقة. هو قبل كل شيء أمانة يحملها الضمير الجزائري الجماعي تجاه تاريخ هذا البلد و تاريخ هذه الأمة و التزام أخلاقي يقف إجلالا أما سيل التضحيات على مدى سنين طويلة و لا يمكن إن يكون بأي حال من الأحوال سلعة توضع في المزاد لمن يعرض أكبر مبلغ أو سلاح مساومة لمن لا سلاح له .
أقول هذا الكلام بعد قرأت في الصحف أن رئيس لجنة التشريع و القانون بالبرلمان التركي هدد باستصدار قانون يجرم الأعمال الاستعمارية الفرنسية بالجزائر في حال أبقت فرنسا على عزمها بعث قانون يجرم تركيا على المجازر التركية في حق الأرمن في ظل الدولة العثمانية بين سنة 1915 م و سنة 1917 م. هذا الاشتراط التركي، و إن كان البعض يراه خطوة أولى في تحالف أو جبهة تركية جزائرية من أجل مواجهة التعنت الفرنسي الذي يرفض الاعتراف بتاريخه المظلم، فانه في وجهة نظري لا يعدو غير استغلال غير أخلاقي لتاريخ أمـة و ضمير شعب من اجل معالجة ظرف سياسي جديد، و لا ينبثق بأية حال من الأحوال من إرادة جدية صادقة في إعادة الاعتبار لتاريخ الأمة و إجبار فرنسا على إظهار الحقيقة كما ينبغي أن تكون عليه. الاشتراط التركي يعني أنه لو تراجعت فرنسا عن القانون المجرم للمجازر التركية في حق الأرمن و لو تراجعت عن شرطها هذا من اجل انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي، فان تركيا ستسحب ورقة الضغط الجديدة التي تلوح بها حاليا. يعني أن الأمر ليس مبدئيا و لا ينبع من أمانة سياسية و فكرية تريد تصفية عادلة لقضية تاريخية شائكة و إعادة الاعتبار لكـرامــة شعب و كرامة أمة.
نحن من جانبنا نقول أننا كشعب عانى سلفه من قهر الاستعمار الفرنسي الوحشي و من همجية عسكره و مدنييه في الجزائر طيلة أكثر من قرن من الزمن، و لا يزال خلفه من ويــلات و آثار ذلك القهر و تلك الهمجية، لا نقبل المساومة بتاريخ امتنا و بضميرها،و لن نتنازل عن المطالبة بضرورة إجلاء الغبار عن تاريخنا سواء انضمت تركيا إلى الاتحاد الأوربي أو ترأسته أو صارت حتى إمبراطورية جديدة عليه. تاريخنا ملكنا و لن يكون سلعة تعرض في المحافل هنا و هناك من اجل المزايدة و المساومة و هو أمانة الشهداء في أعناق الإحياء الذين لا يهمهم كثيرا الانضمام إلى الاتحاد الأوربي أو غيره من التكتلات بقدر ما تهمهم كرامتهم و بقدر ما يهمهم شرفهم.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: زياد اللهاليه
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 7
ما هي النوايا الحقيقية من وراء التطاول على الإسلام ؟
يبدو ان الدين الإسلامي اصبح المستهدف الأول والأخير في هذه المرحلة واصبح المسلمين يتعرضون إلى المضايقات والتمييز العنصري والقتل والاعتقال على الهوية , لقد اصبح الإسلام لا يروق إلى الكثيرين من النظام السياسي والاقتصادي العالمي المتمثل في المحافظين الجدد المنتمين إلى الكنيسة الإنجيلية او المسيحيين الصهاينة لتنضم إليهم الآن الكنيسة الكاثوليكية والتي تمثل اكثر من مليار شخص ثلاثة أرباعهم من دول العالم الثالث مستغلة ضعف العالم الإسلامي والحملة العالمية على الإرهاب والتي هي في الأساس الحرب على المسلمين لتشترك هي الأخرى في التحريض على الإسلام
اعتقد ان الحملة على المسلمين هي حملة منظمة ومخطط لها ولها ذيول وأهداف دينية بالدرجة الأولى وسياسية واقتصادية والحركة الصهيونية لها باع طويل في هذا المجال وتشترك في تخطيط وتحريك تلك الخيوط بشكل محكم ومدروس فلو أخذنا تلك الخيوط على حدة لوجدنا العلاقة التي تربطهما وهي أن المحافظون الجدد هم من اتباع الكنيسة الإنجيلية الصهيونية التي ينتمي أليها بوش والإدارة الأمريكية والتي تؤمن دينين بالتوراة والعهد الجديد والقديم وتسمى بالصهيونية المسيحية الإنجيلية القائمة على اعتناق ثلاثة مبادئ :
أولا : الإيمان بعودة المسيح ،
ثانيا : أن عودته مشروطة بقيام دولة إسرائيل ،
ثالثا : وبالتالي تجمّع اليهود في فلسطين .
ونتيجة لهذه المعتقدات ظهر الكثير من الحركات الدينية المسيحية الإنجيلية الأصولية في بريطانيا والولايات المتحدة ، وأهم وأخطر هذه الحركات هي ( الحركة التدبيرية ) ، التي نشأت في الولايات المتحدة بعد قيام دولة إسرائيل . وتضمّ في عضويتها أكثر من خمسين مليون أمريكي ، ، ومن بين أعضائها الرئيس الأمريكي آنذاك ( رونالد ريغان, وال بوش ) وهي تسيطر على قطاع واسع من المنابر الإعلامية الأمريكية ، وتمتلك محطات تلفزة خاصة بها ، ويشارك قادتها كبار المسؤولين في البيت الأبيض ، ومجلس الأمن القومي الأمريكي ، ووزارة الخارجية بصناعة القرارات السياسية والعسكرية ، المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي .
وتعتقد هذه الحركة أنّ الله قد وضع في الكتاب المقدس نبوءات واضحة ، حول كيفية تدبيره لشؤون الكون ونهايته وكأنّ الله قد أوصاهم بذلك , من هنا تبلور الموقف المعادى للمسلمين وللدين الإسلامي واطلاق الأوصاف التي تعبر عن قناعة وفلسفة دينية تريد النيل من الإسلام ورموزه ووصف الإسلام بالفاشي والنازي , ودين وعقيدة إرهاب , والحرب التي تشنها الإدارة الأمريكية بالحرب المقدسة والعقائدية , ثم تأتى بعد ذلك الرسوم الكاريكاتورية التي تعبر وتجسد تلك الأوصاف ليأتي اليوم بابا الفاتيكان لينضم إلى تلك الموجة والحملة المعادية وهذا الموقف لم يأتي جزافا وانما جاء منذ تغلغل اللوبي الصهيوني والمسيحيون الجدد في الكنيسة الكاثوليكية والكرسي البابوي وإعطاء البابا السابق صك الغفران وتبرئتهم من دم المسيح والاعتذار لهم عما لحق بهم
فيما لم تجرؤ الكنيسة عن الاعتذار للمسلمين عن الحروب الصليبة والأذى الذي لحق بهم من تلك القرون الغابرة ونحن لا نريد أن ننبش في كتب التاريخ عن ملايين المسلمين وغير المسلمين والتطهير العرقي الذي ارتكبته الكنيسة بحق المسلمين في بلاد الشام وتطهير الأندلس من المسلمين وحينما دخل المسيحيون الولايات المتحدة قاموا بأكبر عملية تطهير عرقي عرفها التاريخ ضد سكانها الأصليين الهنود الحمر وهذا ما حصل مع السكان الأصليين الكنديين وحتى في نهاية القرن الماضي ما قام به اتباع الكنيسة الكاثوليكية من التطهير العرقي بحق المسلمين في البوسنة والهرسك ليأتي البابا اليوم ويتحدث عن السيف والشر
ان موقف البابا من الإسلام والقران الكريم وهو ليس شخص عادي اما ينم عن تخلف وجهل ثقافي وديني وتاريخي يتمثل في قمة الهرم البابوي والكنسي اتجاه الإسلام ويؤسس الى ثقافة العداء الديني وصراع الأديان والتمييز الديني والطائفي والعرقي ويدخل العالم في دوامة لن تنتهي ولن يسلم أحد , واما جاء ليعبر عن سياسة بابوية جديدة تهدف من ورائها الكنيسة التحريض على المسلمين والعودة إلى الحروب الصليبية وتحديدا بعد ان أقال البابا مسؤول حوارات الأديان في الفاتيكان او الحد من الامتداد الإسلامي الذي بدء بغزو أوروبا حيث لم يكن هناك وجود يذكر للإسلام قبل اقل من قرن ليصبح الآن كابوس يمتد على حساب الكنيسة حيث وصل تعداد المسلمين في أوروبا اكثر من 60 مليون مسلم حسب مصادر( مجلة الوعي ) فمثلا ( ألمانيا ) التي ينتمي اليها البابا يشكل المسلمين 4% من تعداد السكان وفرنسا10% وبريطانيا 3% أمريكيا 3% وهناك إحصائية وردت في قناة الجزيرة ان عدد المسلمين الذين يدخلون في الإسلام في الولايات المتحدة الأمريكية يقدر بحوالي 20الف مسلم سنويا هذه النسب على المدى البعيد تشكل تهديد حقيقي لامتداد الكنيسة والذي يعني أسلمت المجتمع الأوروبي , أضف الى ذلك ثقافة الحروب الصليبية والأطماع الدينية في الشرق الأوسط والتي مازال يروج اليها في الأوساط الكنسية وان كانت بشكل محدود
ولكن ما هو الرد على الفاتكان وعلى التطاول على الإسلام والمسلمين ؟
اعتقد ان المسلمين اصبحوا الآن مطالبين اكثر من أي وقت مضى لاتخاذ مواقف بقدر التحديات كتشكيل جبهة إسلامية موحدة تستطيع ان تفرض مواقف سياسية واقتصادية ومقاطعة تلك الدول والشخوص التي تستهدف العالم العربي والإسلامي والدين ومقاطعة اقتصاديات تلك الدول , وسحب السفراء من الفاتيكان وطرد سفراء الفاتيكان من العالم العربي والإسلامي , فتح الحوارات وبناء علاقات مع مؤسسات المجتمع المدني الأوروبي وجلب الوفود الرسمية والشعبية للاطلاع على الثقافة الإسلامية عن قرب ,وإيجاد ودعم المؤسسات الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية التي تقدم الصورة الحقيقية للإسلام بلغات تلك المجتمعات .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سالم أيوب
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 6
"الفاتيكاشوعية" في زمن العلمانية
بقلم : سالم أيوب
كاتب ومحلل سياسي
المتابع لمحاضرات بابا الفاتيكان السادس عشر "بنديكت" قبل إعتلائه عرش البابوية يلمس حقيقة إعتزاز وفخر "البابا" بعصر الدولة البيزنطية التي مارست العِداء للإسلام بشكل واضح وصريح. والبابا "بنديكت" يَعي جيداً التاريخ اللاهوتي للمنطقة العربية التي أنزلت وتناوبت عليها ثلاث ديانات سماوية كان آخرها بالطبع الإسلام، وهو يستشهد على الدوام بكل ما يشير إلى الإسلام بمظهر سلبي ومشكِك في آن معاً. ففي إحدى المحاضرات التي ألقاها البابا "بنديكت" قبل أن يتبوأ "البابوية" تحت عنوان "البعد الأخلاقي والروحي للحضارة الأوروبية"، وفي محاولة منه لبناء نقد ذاتي يمر عِبر رحلة طويلة تحاول أن تُعرّف أوروبا ليس بشكل جغرافي، ولكن عبر خارطة ثقافية - دينية. ويرى أن أوروبا وآسيا وأفريقيا كانت كتلة ثقافية واحدة تتمحور حول البحر الأبيض المتوسط. غير أن هذا التكتل تفكك فجأة عام 700 بانطلاق الحضارة الإسلامية، ونشر دعوتها في الأجزاء الجنوبية والشرقية لهذا البحر. مما دفع الحضارة المسيحية - الأوروبية إلى الهجرة إلى الشمال، إلى ألمانيا وبريطانيا والبلدان الإسكندنافية، وهو يتحدث عن سقوط روما، وقيام الدولة البيزنطية، وأطوار عزها ومن ثم انحدارها في القرن الخامس عشر. ويرى أن البيزنطيين بدورهم هاجروا إلى الشمال الشرقي حيث بزغت القوة الروسية بكنيستها ولغتها السلافية، وأصبحت موسكو عاصمة جديدة للحضارة الشرقية لأوروبا.
هنا نشهد عقلية متعصبة جداً لكل ما يمُت بصلة للحضارة المسيحية – الأوروبية لا بل يُحمل الحضارة الإسلامية المسؤولية على إندحار وتراجع المسيحية الكاثوليكية وتقدم المسيحية الأرذوكسية القريبة في حضارتها إلى الثقافة الشرقية المحافظة، وخير دليل على ذلك تسيد المسيحية الأرذوكسية المنطقة العربية في مسيحها العرب. وتجلت نقمة البابا على الحضارة الإسلامية بشكل واضح في المحاضرة التي ألقاها حديثاً في جامعة ريغينسبورغ الألمانية عن العلاقة بين العقل والعنف في الديانة الإسلامية، واستشهاده بكتاب الامبراطور البيزنطي مانويل الثاني من القرن الرابع عشر، ويقحمها في محاضرته ليس لغرض إلا أنه اعتاد على التشكيك الدائم لكل ما له صلة بالإسلام الذي يحمله البابا المسؤولية على ما أصاب التبشير النصراني كي تعم المسيحية العالم أجمع، لاسيما أن هذا الامبراطور كان خلف الدسائس والمؤامرات والمتاعب التي تعرض لها السلطان مراد الذي تقلد أمر الدولة العثمانية عام 1421 ميلادية، وعمره لا يزيد على ثماني عشرة سنة وكان محباً للجهاد في سبيل الله والدعوة للإسلام في ربوع أوروبا. فلم يكن مستغرباً من استشهاد بابا روما بهذا الامبراطور المتعصب والعدو للإسلام، فعندما كان البابا "بنديكت" كاردينالاً ومدرساً للاهوت امتاز بمعاداته للإسلام وكان متعصباً جداً للمسيحية وتجلى هذا التعصب حينما عارض بشدة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وحجته في ذلك أنها بلد مسلم ولا تنتمي إلى النسيج الأوروبي الذي هو نسيج مسيحي بشكل كامل.
الكاردينال جوزيف راتزينغر الذي يسمى حاليا ببابا الفاتيكان "بنديكت" ألقى عظة في وقت حساس جداً من تاريخ الفاتيكان كانت في القداس الإلهي الذي أقيم قبل انتخاب الحبر الأعظم الجديد بعد وفاة البابا الخامس عشر يوحنا بولس الثاني، أناط من خلالها بعض اللثام عن الوجه الحقيقي لتعصب البابا "بنديكت"، كرس خلالها الكاردينال راتزينغر قسماً من العظة للدفاع عن عقيدة الكنيسة القويمة وأدان بشدة "ديكتاتورية النسبية". يقول "بنديكت": أن يكون عند المرء إيماناً واضحاً حسب ما تعلّمه الكنيسة، يُصنِّفه عالم اليوم في خانة الأصوليَّة، فيما النسبيَّة، أي السير حسب ما تمليه رياح العقائد المغلوطة يميناً ويساراً، تظهر وكأنَّها تصرَّفاً حكيمًا على مستوى متطلِّبات زماننا الحاضر. ويضيف "بنديكت": إن مقياسنا الوحيد كمؤمنين هو (إبن الله)، أي سيدنا عيسى عليه السلام، الإنسان الحقيقي. هو وحده مقياس الإنسانيّة. فالإيمان الناضج ليس اتباع آخر موضة عصرية، إنما هو الصداقة العميقة المتجذِّرة بالمسيح.
لا أريد أخوض كثيراً فيما قاله البابا ولكن نسوق دليلين على تعصب الحبر الأعظم للمسيحية التي تدفعه إلى عدم الاعتراف المطلق بأي ديانة سماوية أخرى في هذا العالم. فعندما تحدث عن الديكتاتورية النسبية وربطها بالعقائد المغلوطة كأنه أراد أن يشكك بمصداقية الديانات الأخرى، وأكد ذلك عندما قرن مقياس الإنسانية فقط بسيدنا المسيح عيسى عليه السلام في محاولة لإلغاء الآخر من الرسل والأنبياء، وهذا يشمل أيضاً سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. في حين أن الإسلام يدعو المؤمن الحق من المسلمين إلى الإيمان الكامل بكل ما أنزل الله به من كتب سماوية وديانات ورسل، وحث المسلمين على التعايش والتحاور مع جميع الأديان بل كلف الدولة الإسلامية أن ترعى وتحمي "أهل الذمة" من غير المسلمين وتصون معتقداتهم وأماكن عبادتهم.
وفي ختام العظة نفسها ينتقل البابا "بنديكت" للحديث عن الثمار الروحية الواجب على كل مسيحي أن يحملها اتماماً لوصية المسيح عليه السلام، مدفوعاً بِهمّ التبشير بكلمة الإنجيل حتى أقاصي الأرض...... السؤال هنا: هل التبشير بالمسيحية حق مكتسب للكنيسة دون الديانات الأخرى، وبالأخص الإسلام !؟ للأسف فإن جميع مدلولات مفردات حديث البابا في تلك العظة تدلل على هذا !! ففي حديثه هذا تعرى الوجه الحقيقي للبابوية الجديدة في الفاتيكان بتعصبها الكامل والمطلق للمسيحية وإنكار كل من يخرج عن نسيجها. فالانعطاف غير المباشر والإشارة إلى أن الإسلام قد نشر بحد السيف في حديث البابا من جراء استشهاده بحديث الامبراطور البيزنطي لا يبتعد كثيراً عن كتابات ومناظرات الشيوعيين مع المسلمين، فما أشار له البابا يعتبر العنوان العريض لمعتنقي الفكر الشيوعي حين يهاجمون الإسلام بضراوة، وهذا قليل من فيض، لاسيما وأن الشيوعية تحارب الأديان وتعتبرها وسيلة لتخدير الشعوب وخادماً للرأسمالية والإمبريالية والاستغلال، مستثنية من ذلك اليهود .. لأن اليهود حسب زعمهم شعب مظلوم يحتاج إلى دينه ليستعيد حقوقه المغتصبة !! تماماً كما تيقني من أن البابا "بنديكت" يستثني اليهودية من كل احتقار وقد يذهب في محاباته للصهيونية بعيداً إذا ما وقف بصفٍ واحد مع الرئيس الأميركي جورج بوش (الإبن) الذي يدعي بأن الله يكلمه ويوحي له بالأفعال التي يمارسها !! وللعلم، فإن البابا يدين بشكل عميق كل أشكال الديكتاتورية والاشتراكية العلمية التي كانت سائدة في فترات متعددة من القرن العشرين. ولكن اعتزازه بالثقافة المسيحية لأوروبا يمثل شكلاً من أشكال الاعتزاز القومي، الذي يمكن أن يكون أساساً لشكل من أشكال التميز أو حتى التمييز الديني أو الثقافي. حتى إنه في بعض أجزاء من كتاباته يمتدح اهتمام الصفوة السياسية الأميركية بدفع عملية الديمقراطية حول العالم، كأيديولوجية سياسية شبه دينية تعطي دفعاً معنوياً وثقافياً للسياسات الخارجية الأميركية. ويرى أن ذلك يمثل شكلاً من أشكال الانتصار للقيم الروحية البروتستانتية، التي تحاول أن تحل محل بعض القيم الكاثوليكية حتى في الدول المجاورة للولايات المتحدة في القارة الجنوبية.
ويبدو أن الشغل الشاغل للكاهن الأكبر، هو أن أوروبا تعاني اليوم من مرضين متزامنين، أحدهما التراجع الحاد في أعداد السكان، ونزوع معظم الأوروبيين خاصة من الشباب إلى الابتعاد عن القيم العائلية في بناء عائلة واستخلاف عدد من الأبناء. أما العلة الأخرى في رأيه فهي أن أوروبا لم تعد تثق بالقيم الأخلاقية المسيحية التي اعتمدت عليها عبر تاريخها الطويل. وهي إن لم تُعِد سبر أغوار عقلها الديني، فإن الخواء الروحي الذي تعيش فيه، كما يقول، كفيل بأن يحقق نبوءة (أوزوالد سبرنغلر)، بأن الغرب وأوروبا في طريقها إلى الانحدار لأنها قد فقدت بوصلتها الثقافية والروحية.
والآن، هناك حقيقة لا بد التأكيد عليها نوجهها لكل من يجهل معرفتها... ففي بدايات الدعوة الإسلامية وفي زمن الرسول الأعظم سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وبعد أن دانت الجزيرة العربية بالإسلام، أرسل خاتم الأنبياء (ع) الدعاة والمبشرين والمعلمين لكل من فارس والروم، ولكن رد الطرف الثاني كان عنيفاً ومستهجناً فعذب وقتل الرسل وأصحاب الدعوة للإسلام، الأمر الذي استدعى التدخل الحازم من قِبل الرسول الكريم من أجل إزالة الطغاة من حكام الشعوب المستضعفة كي تتعرف على الدين الإسلامي وتنعم بالإيمان به. وبينما البابا "بنديكت" يوَّصف المسيحي الحق هو كل من يبشر بمسيحيته على الدوام في كل مكان وزمان، فالإسلام لم يفعل خلاف هذا الأمر من مبدأ أنه بشر بدينه أيضاً، وقد ذهبت الكنيسة بعيداً بعض الشيئ حينما أيدت وباركت الحملات الصليبية على المشرق العربي لنهب ثروات الأمة وممارسة التنصير بالقوة للعرب والمسلمين !!
أما ونحن الآن في عصر العولمة التي تستعر في خضمها العلمانية بشكل كبير نستهجن موقف الحبر الأعظم من الإسلام، فكيف لا وهو الحاكم البابوي الأكبر في الفاتيكان ويتبعه مئات الملايين من كاثوليكيي المسيحية، ويقبع في امبراطورية الفاتيكان، تلك الدولة الصغيرة في قلب مدينة روما، ويمتلك خزينة متخمة بالأموال وممرات سرية وشفرات خاصة.... إنها فعلاً مملكة الأسرار !! لهذا أشك من أن العالم العربي والإسلامي يعرف الكثير عن الفاتيكان، سوى أنها مقر بابا روما، وهذا نقص في المعلومات بجانب النقص الكبير الذي نعاني منه في سائر فروع المعرفة ومنها معرفة الشعوب الدول وأوضاعها الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية. ومع أن الفاتيكان دولة صغيرة إلا أنها بما تملك من مركز ديني مؤثر ومن ثروات كبيرة، فهي أغنى الدول، ومن شبكة من وسائل الإعلام (تملك أكثر من 200 جريدة يومية ومجلة أسبوعية وشهرية، و154 محطة إذاعة، و49 قناة تلفزيون) تحتل موقعاً مؤثراً في الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية في العالم المسيحي، لا سيما في العالم الكاثوليكي الذي يتراوح تعداده بين (850 - 900 مليون نسمة)، وفي العالم أجمع. والجنود السويسريون الذين يقومون بحراسة الفاتيكان يقسمون على ألا يفشي أي منهم أي سر من أسرار الفاتيكان. وحسب المقولة المشهورة هناك (وهي خاطئة بالطبع) فالقاعدة هي: "لا يمكن لأي شخص يعرف سراً من أسرار الفاتيكان أن يفشيه حتى في العالم الآخر". وهذا هو ما يجعل من هذه الدولة الصغيرة مساحةً (تبلغ مساحتها 44 هكتاراً فقط) والكبيرة من ناحية التأثير لغزاً يجذب العديد من الباحثين لمحاولة استجلاء غموضها، ومعرفة ما يدور فيها في الظاهر وما يحدث خلف الكواليس والأنظار.
ويوجد في الفاتيكان خمسة تيارات مختلفة، أحدها قريب من العلمانية (احتمال أن يكون البابا منتمياً لهذا التيار بشكل أو بآخر)، وأربعة تيارات دينية. فالتيار العلماني هو منظمة "فرسان مالطا". ولها تاريخ قديم وهي منظمة ارستقراطية واشتهرت بعدائها للعثمانيين (والآن للأتراك) وللإسلام، وتشكلت في أول الأمر في جزيرة "روديسيا".
أما التيارات الدينية الأربعة فهي:
- منظمة أو جمعية "Opus Dei" (أي الشؤون الإلهية): وهي من أصل إسباني ويرجع تاريخ نشأتها إلى ما قبل 65 سنة فقط، ولكن تأثيرها كبير. وهي جمعية سرية وجميع أعضائها من الكاثوليك طبعاً، وهناك في كل بلد كاردينال مسؤول عن هذه الجمعية. وكل كاردينال يحمل جواز سفر من الفاتيكان ويتمتع بحصانة دبلوماسية. وهم مسؤولون أمام البابا فقط. وشعار هذه المنظمة:"البابا أولاً".
- "طريقة دومينيكان": المهم لدى هذه الطريقة إدامة استمرارية "الكنيسة"، أي أن شعارهم هو: "الكنيسة أولاً". والمعروف عنها أنها ارستقراطية تتسم بالغدر والدوغمائية (تستند أساسا إلى المثالية في تقييمها للامور، وتقسمها إلى أبيض وأسود). فأعضاؤها هم الذين شكلوا محاكم التفتيش المرعبة في العصور الوسطى، وحرقوا ملايين الناس، ولا سيما النساء بتهمة السحر والشعوذة. فقد بلغ عدد النساء اللواتي تم حرقهن على يد هذه المحاكم مليوني امرأة تقريباً.
- "طريقة فرنسيسكان": شعارها "المسيحية أولاً" أي لا يهتمون كثيراً بالكنيسة الموجودة في روما، بل بالمسيحية في العالم، وهي تقف بجانب الفقراء، وتتكون من القسس والرهبان الذين وهبوا أنفسهم للدين دون أي مقابل. ولا يهمهم البابا أو الكنيسة كثيراً، بل يركزون اهتمامهم على نشر المسيحية في العالم.
- "طريقة الجزويت": وهي تضم تياراً نشيطاً كطريقة "فرنسيسكان" ومتعصباً كطريقة "دومينيكان". وتعد الطبقة المثقفة في العالم الكاثوليكي. المهم عندها هو "المقام البابوي"، أي ليس المهم الكنيسة ولا شخص البابا بل الدفاع عن المقام البابوي. لذا فإنهم كثيراً ما وقفوا أمام بعض البابوات ومنهم البابا الحالي موقف المعارضة.
الخلاصة أن بابا الفاتيكان لربما أراد أن يركب موجة الخطابات الديماغوجية التي تعم العالم بقيادة القطب الأميركي الأوحد والرئيس جورج بوش، وقد يكون أخذ هذا القرار في إطار منعزل عن سياسة الفاتيكان المتبعة في العالم وعلاقتها مع الأديان الأخرى لهذا سمعنا أصوات جهات عديدة من داخل المؤسسة الفاتيكانية تستنكر قول البابا في تلك المحاضرة. وحاول البابا أن يقدم اعتذاراً ناقصاً أو أن يلتف على هذا الأمر في لعبة المفردات في ظهوره الأخير في قداس الأحد بعد إلقائه لمحاضرته تلك، ولكن نؤكد أن ما قاله البابا لم يكن إعتذاراً عما استشهد به ولكنه أكد على أسفه من أن أفق العرب سطحي جداً بحيث أنهم لم يفهموا القصد من وراءه!! فأي قصدٍ هذا يا معالي الحبر الأعظم !؟؟
- التفاصيل
- كتب بواسطة: احمد عبد البارى شراب
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 7
فرأى فيها جدارا يريد ان ينقض فاقامه
صدق الله العظيم
--------------------------------------------------------------------------------
متى نرمم جدار النفس فلا ينخر فيها القساد وما اكثر امراض النفس
حتى نعود نفسا مطمئنة فترجع الى ربها راضية مرضية
--------------------------------------------------------------------------------
ومتى نرمم جدار القلب فقد صدات القلوب ببعدنا عن القران وعن شرع الله
_________
ومتى نرمم جدار سلوكنا زواج مبالغ فيه والعريس نقول له عندك كام نفسنا نسال بيصلى ولا لأ وفى المآتم مبالغات
نفسنا يبقى العزاء على المقابر كما اوصى الحبيب فقط
__
وفى العمل متى يرمم الجدار رياء كى يصل بعضنا فوق بعض فى العمل
فمتى نصل بمجهودنا وبالاخلاص
فلا نقرب الا الكفاءات ومتى نرمم الجيرة فلا يؤذى الجار جاره وتسود المحبة بدل الغيبة والنميمة وسير الناس
--------------------------------------------------------------------------------
جدار اولادنا بينهار فمتى نرممه التربية القويمة والسلوك الصحيح
والتوجيه البناء اذا رممنا
كل الجدران فلن تنهار علينا عمائر
ويكون الضحايا من السكان الابرياء
ولن تنهار مدارس فيكون الضحايا زهرة ورودنا
يكفنوا بكراريس احلامهم
ويخط القلم نهايتهم
هيا بنا هيا
رمموا معى رمموا معى
ضعفنا
وخوفنا
وجبننا
وتكاسلنا
لكن ااذا رممنا عمارة او مدرسة فهى سهلة
فهل ياترى نستطيع ترميم العالم اجمع
انهار بناء العالم
تنحى العدل جانبا
ومتى نرمم جدار الفقر بالعالم فلا نرى انسان يموت جوعا و جفافا
--------------------------------------------------------------------------------
وجدار الحياء متى نرممه فلا نرى العرى والابتذال وعرض الجسد
وبيعه
كل تلك الجدران تحتاج ترميما يا انسان حتى نتميز عن عالم الحيوان
وتختفى الاهات ومرارة الاشجان
فاعود انسان
قد رممت الجدران فى كل مكان فاعود انسان
هيا معى
--------------------------------------------------------------------------------
فراى فيها جدارا يريد ان ينقض فاقامه
صدق الله العظيم
- التفاصيل
- كتب بواسطة: زين العابدين الانصاري
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 6
لا أعتقد أن هناك أنظمة تحتقر أبطالها وتحاول تحطيمهم وشيطنتهم وتشوش على بطولاتهم مثل بعض الأنظمة العربية الحالية، فمن شدة استمرائها للخنوع والضعف والاستكانة والعجز والهوان والتبعية، يبدو أنها أصبحت تضيق ذرعاً بالأبطال، وتحاول التبرؤ منهم، كما لو كانوا رجساً من عمل الشيطان. وقد ظهر ذلك جلياً في وسائل إعلام بعض الدول العربية التي ما انفكت تنال من الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، وتحاول إظهاره بصورة المغامر اللامسؤول، علماً أن إعلام العدو أشاد عظيم الإشادة بقدرته وقدرة مقاتليه الذين دوّخوا لواء النخبة (جولاني) في الجيش الإسرائيلي. بل إن قائد اللواء الإسرائيلي الشهير تمنى من كل قلبه لو كان مقاتلوه بربع بسالة مقاتلي المقاومة الوطنية اللبنانية وبأسهم.
لقد اعترف الإسرائيليون بعظمة لسانهم بأنهم انتصروا على النساء والأطفال والشيوخ العزّل في لبنان بتدمير المنازل والمشافي والجسور والملاجئ فوق رؤوسهم. لكنهم هـُزموا شر هزيمة على الأرض أمام مقاتلي المقاومة، وهو المعيار الحقيقي الذي تستخدمه الجيوش في قياس النصر والهزيمة. لكن بعض وسائل إعلامنا الناطقة بالعربية تصر على قلب الحقائق العسكرية بتصوير آثار القصف الإسرائيلي للمرافق المدنية اللبنانية بأنه النصر بعينه، وذلك لإفراغ انتصار المقاومة العسكري من مضمونه والانتقاص من قدر أبطالها وقادتها.
وقد وصل الأمر بهيئة الرقابة على المصنفات الفنية في إحدى الدول العربية إلى رفض مشروع فيلم سينمائي يحتفي بشخصية السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله "بحجة أن الفيلم يحرّض ضد إسرائيل ويزيد من الاحتقان الشعبي إزاءها". ألا تحتفي الأمم التي تحترم نفسها بأبطال أقل قيمة من حسن نصر الله بعشرات المرات؟ قد نتفهم منع السلطات الإسرائيلية لأغنية: "هلا يا صقر لبنان... هلا يا حسن لبنان" التي يتداولها المواطنون العرب داخل إسرائيل. لكننا نقف حائرين أمام منع بعض السلطات العربية أي احتفاء شعبي أو فني بأبطال المقاومة اللبنانية. لماذا لا نتعلم من الأمريكيين والأوروبيين أنفسهم الذين يتلقفون أي نصر يحققه مواطنوهم حتى يخلدوه ويخلدوهم؟ ليس هناك أبطال أهم من أبطال الحروب في الغرب "الحضاري".
يُعتبر "شارع وايت هول" في منطقة "ويستمنستر" بلندن من أشهر شوارع العاصمة البريطانية، فهو يحتضن مبنى وزارة الخارجية ويتصل بالشارع المحاذي لمبنى البرلمان وأيضاً بساحة "الطرف الأغر" الشهيرة. والأهم من ذلك أنه أحد عناوين سكن الملكة إليزابيث. بل هناك شيء أكثر أهمية من كل ذلك وهو أن الشارع الأشهر في بريطانيا شارع "داوننغ ستريت" الذي فيه مقر الحكومة البريطانية يتفرع من شارع "وايت هول". باختصار فإن منطقة "ويستمنستر" وما يحيط بها من شوارع تـُعتبر القلب السياسي النابض لبريطانيا. وبما أن القلب عادة هو العضو الذي يختص بالحب والكراهية، يُعز من يشاء، وينبذ من يشاء، فقد آثر قلب بريطانيا آنف الذكر(المؤسسة الحاكمة) أن يقرّب إليه أحب الشخصيات، التي، برأيه، تستحق التمجيد أكثر من غيرها عبر التاريخ، وذلك من خلال تخليدها بنصب تذكارية عظيمة.
مررت قبل فترة بمنطقة "ويستمنستر" وتوابعها، وبدافع الفضول بدأت أعاين التماثيل المـُقامة فيها لعلها ترشدني إلى طبيعة العقلية الحاكمة في ذلك البلد الذي امتلك في يوم من الأيام امبراطورية لم تغب عنها الشمس. وكم كنت مخطئاً في توقعاتي كملايين العرب. فنحن نعيّر بعضنا البعض عادة بأننا لا نقيم وزناً كبيراً للمفكرين والمثقفين والفنانين والأدباء والمبدعين والمخترعين. ولطالما كنا نحترم الغرب ونحسده على إيلائه مفكريه ومبدعيه اهتماماً عظيماً. لكن جولة بسيطة في منطقة "ويستمنستر" ستظهر لنا كم كنا مغفلين. لا أريد أن يستشف أحد من كلامي أن الغرب لا يحترم أدباءه ومخترعيه وكتابه العظام، فهو يضعهم في مرتبة متقدمة، لكنهم لا يستطيعون، بأي حال من الأحوال، أن ينافسوا أبطال الحروب والجنرالات وقادة الجيوش وقادة الحملات الاستعمارية والغزاة الغربيين على الحظوة بمكان لائق حول المنطقة المحيطة بالبرلمان البريطاني ومقر الحكومة.
لم أجد وأنا أتلفـّت يميناً وشمالاً في شارع "وايت هول" وغيره من الشوارع المتفرعة منه غير تماثيل لهذا القائد العسكري أو ذاك. فهنا تمثال لـ"مونتغمري" الذي قارع "هتلر" و"روميل" في الحرب العالمية الثانية، وهناك تمثال لـ"كرومويل" المعروف تاريخياً بسطوته العسكرية الرهيبة، وفي الزاوية الأخرى نصب لقائد القوات البريطانية في هذه المعركة التاريخية أو تلك. وفي زاوية ثانية عدة تماثيل لجنرالات قتلوا وسفكوا ما تيسر لهم من الدماء البريئة وغزوا من البلدان أكثر مما قرأوا من كتب. ولا ننسى أن ساحة "الطرف الأغر" تحتضن واحداً من أعلى النصب التذكارية في البلاد، ألا وهو تمثال "اللورد نلسون"، البطل الذي صارع الفرنسيين في أكثر من معركة وانتصر عليهم. وإذا وجدتَ تماثيل لبعض المفكرين والمخترعين في الساحة الشهيرة سترى أنها تماثيل قزمية بالمقارنة مع تمثال المقاتل الشرس "نلسون"، ولايتجاوز ارتفاعها مترين أو ثلاثة على أكثر تقدير، كما لو أن الطبقة الحاكمة تقول: "القوة وبس والباقي خس"، وإن الجبروت هو أعلى وأرفع القيم التي نؤمن بها.
وللتذكير فإن هناك بقعة صغيرة على الطرف الآخر مقابل تمثال اللورد "نلسون" مباشرة لايوجد فيها تمثال. وقد شكلت الحكومة لجنة خاصة لاختيار شخصية تاريخية كي يـُقام لها نصب في تلك البقعة. وقد أمضت اللجنة ثلاثة أعوام وهي تبحث عن شخصية عظيمة كي تقابل "نلسون" في الطرف الآخر، فلم تجد، مما حدا بالحكومة البريطانية إلى أن تنسى الموضوع، وأمرت بعد كل هذا الجهد بزراعة شجرة في المكان الذي كان مخصصاً لبطل يضاهي "نلسون" في قوته وجبروته وبطولاته. لا أدري مثلاً لماذا لم يقيموا نصباً للأديب العظيم شكسبير. ربما لأنه ليس رمزاً للقوة والعنف والبطولة.
وإذا كان البريطانيون قد شيدوا لـ"نلسون" تمثالاًً شاهقاً كي ترنوا أعين الناس إليه إلى الأعلى، فإن الفرنسيين قد أقاموا لنابليون تمثالاً بطريقة تجعل كل من يريد أن يراه ينحني. لقد بنوا النصب النابليوني في قاع المكان المخصص للتمثال، لكن ليس للانتقاص من قدره، بل كي يحني المشاهدون رؤوسهم، وهم ينظرون إليه كنوع من الخشوع والتقديس لذلك البطل الفرنسي الخالد.
إن أهم قيمة عبر التاريخ هي قيمة القوة، وليس أي شيء آخر. وإذا كانت أمريكا ترهب العالم هذه الأيام فليس بذراعها الاقتصادي أو الأخلاقي بل بسطوتها العسكرية الرهيبة، حيث وصلت قواعدها العسكرية إلى حدود الصين. ولعلنا نتذكر مقولة "ستالين" الشهيرة حينما أخبروه بأن الفاتيكان قد انقلب ضد الاتحاد السوفياتي فسألهم "ستالين": "وكم يملك من الدبابات"، فأجابوه: "ولا دبابة"، فضحك "ستالين" بملء شدقيه ساخراً من ذلك الخطر المزعوم. وهناك أيضاً مقولة للقائد البريطاني آنف الذكر "كرومويل" حينما أخبروه بأن هناك مظاهرة حاشدة حول مقره فسألهم: "هل يحمل أي من المتظاهرين أسلحة"، فأجابوا: "لا"، فرد عليهم "كرومويل" بضحكة مجلجلة: "دعوا أحد الجنود يطلق عليهم رصاصتين وسيتبخرون بسرعة البرق".
وفي الوقت الذي لا يقدس فيه الغرب سوى القوة والأقوياء، ويتسلح فيه العالم حتى أسنانه، نجد بعض الأنظمة العربية لا هم لها سوى الترويج لما يسمى بثقافة السلام والهوان ومحاصرة المقاومين، يساعدها في ذلك رهط ممن يسمون بـ"الليبراليين العرب الجدد" الذين أخذوا على عاتقهم إدانة وتجريم كل عربي يحاول أن يدافع عن وطنه بحجر صغير أو بسكين المطبخ. كيف لا وقد كان مثلهم الأعلى الرئيس المصري أنور السادات الذي أعلن قبل توجهه إلى إسرائيل عام 1977 أن حرب أكتوبر ستكون آخر الحروب العربية مع إسرائيل؟ مع العلم أنه لم يحدث في التاريخ أن أعلنت دولة ما بأنها لن تحارب من الآن فصاعداً. فهناك مثل يتداوله العالم منذ الأزل يقول: "إذا أردت السلام فاستعد للحرب". مع ذلك فهناك توجه عربي غريب يجنح للسلم "عمـّال على بطـّال"، والويل كل الويل لمن يستخدم مفردة "مقاومة" فقد غدت كلمة ملعونة مطعونة إلى يوم الدين.
لا تخجلي من تمجيد القوة يا "أمة الفتوحات"، فالتاريخ لا يصنعه إلا الأقوياء. ولو ألقينا نظرة بسيطة على تطور التاريخ نجد أنه عبارة عن سلسة متصلة من المعارك والغزوات، لا أكثر ولا أقل. وقد قال عز وجل في محكم كتابه: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض". وكل من يحني ظهره يصبح مطية للركوب.
صدقوني، لو كانت المقاومة اللبنانية غربية لرأينا اليوم: ثلاجات وسيارات وألعاباً ومناطيد وأغنيات وشارات تحمل أسماء أبطالها. وأنا واثق من أن هوليوود ستكون قد قامت الآن وفي هذه الفترة الوجيزة بتصوير عشرات الأفلام عنهم، وأنتجت مسلسلات من الصور المتحركة للأطفال. وأصدرت كتباً تروج فيها أساطير حول بطولات المقاومين ومآثرهم. ولكان سلفستر ستالوني وأرنولد شفارتسنيغر بالمرصاد لتأدية دور المقاومين الذين يستطيع الواحد منهم إبادة كتيبة معادية بمفرده دون أن يمسه سوء.
وليحمد أبطال الحروب العربية القديمة من أمثال صلاح الدين الأيوبي وعمر المختار وعبد القادر الجزائري وعبد الكريم الخطابي وأحمد عرابي وسلطان باشا الأطرش - ليحمدوا ربهم أنهم لم يحاربوا في هذا الزمن العربي الرديء، وإلا كانوا اعتبروهم إرهابيين ومغامرين. لكن لو كان السيد حسن نصر الله أمريكياً أو أوروبياً لحجز لنفسه تمثالاً ضخماً في منطقة "وايت هول" البريطانية أو "سنترال بارك" الأمريكية. أما عندنا فحسبه أن ينجو من نقيق الضفادع.