- التفاصيل
- كتب بواسطة: بلال الحراق
- الزيارات: 8
القدمُ الحافي )
- قصة
بلال الحراق
منتصف يناير ، شتاء طويل وكئيب ، لم يتوقف فيه انهمار المطر طوال أسبوعين ، برودة تعشش في العظام ، تحقن الوجوه والأطراف بمصلها المجمّد للدماء..
كان يسير محاذر الخطى ، يبتلع الوحل إحدى نعليه فيكاد أن يسقط أرضا ، يحافظ على توازنه في صعوبة ، تُبرق السماء وتُرعد فتعتريه رجفة ، يتوقف عن المسير وهو يشهق في خفوت ، يتطلع بعينيه الصغيرتين الدامعتين إلى السماء الحالكة المظلمة.
يتابع المشي في توجس شّادا في كفه اليمنى على القطعة المعدنية في حرص ، أضواء فوانيس بعيدة تشع كالنجوم ، تظهر وتختفي ، أنوار خابية في مداشر* بعيدة تبث في نفسه حنينا إلى الضوء . يا للعتمة القاسية !
تتسارع دقات قلبه ويحُث الخطى إذ يتناهى لمسمعه عواء ذئب الغابة تردد صداه الخنادق .
هزيع الرعد وقصف البرق ، كطلقات البنادق في موسم الصيد ، عرس من الومضات الخاطفة للبصر ، قصف مُدوي وخيط ضوء رفيع تتشقق له السماء ، تغزو الصبي مشاعر خوف شديدة فيرخي لدموعه العنان ، بينما الأمطار تنهمر كالشلال ..
يركض وجلا ، بالكاد لا يبصر الطريق ، يتنبه إلى نعله التي توشك أن تتمزق فيرتفع نحيبه .
يتوقف انهمار المطر ، وتهمد ثائرة السماء . الأرض الآن تشرب الماء في صمت مخيف ، يتوقف عن العدو ويشرأب بعنقه إلى السماء التي تلوح له عالما أسود مليئا بالأسرار والخبايا ، يرتجف ، ثيابه مبللة من عنقه إلى كوعيه ، بدأ يقهقه وسط دموعه ، يفتح كفّه فيتركز بصره على النجمة الخماسية التي تتوسط القطعة المعدنية .
ترتسم في ذهنه صورة والده جالسا كعادته ينصت للمذياع في اهتمام ، بينما سحب دخان الكيف* تظلل البيت ، الرائحة النفاذة تدوّخ ، الزوجة تُعد العشاء ، يتعالى صراخ الأب ، تهاجمه موجة السعال المعتادة ، يرتجف الصبي حينما يسمع أباه ينادي عليه والسعال يقطع عليه الكلام ، يهرع إليه ويجثو على ركبتيه بينما يباغته والده بصفعة تزلزل كيانه ، تهاجمه رغبة جامحة في التقيؤ وتتجمد الدموع في مآقيه .
- لماذا تتباطأ حينما أنادي عليك . يقول الأب صارخا.
ويردف والرذاذ يتطاير من شفتيه المكتنزتين مادّا إلى الصبي بالقطعة المعدنية :
- ستذهب إلى البقال وتأتيني بالولاّعة .
يلتقط الصبي القطعة المعدنية من راحتي والده ، ويتجه نحو الباب وهو يشهق في خفوت ، يسد الباب وراءه فيلُفه الظلام .
يلبث للحظات أمام مدخل الدار يتأمل الطريق المظلمة الموحلة الممتدة أمامه ، فينتحب في مرارة .
يستفيق الصبي من هواجسه حينما تبصر عيناه المقبرة التي لا يفصله عنها سوى بضعة أمتار ، كيف تناسى وجودها؟ بل كيف سيمر سالما دون أن تحتجزه إحدى الجنيات التي تملأ المكان ؟
لبث مترددا لوهلة قبل أن يجمع شتات عزيمته الخائرة ، تقهقر خطوتين إلى الوراء وأسلم ساقيه للريح مخترقا كالسهم ظلمة المقبرة . تتمزق نعله فيتركها وراءه دون أن يتوقف ، تعثر قدمه الحافية بإحدى جذوع الأشجار التي تمتد عبر الطريق فيسقط أرضا بينما تغمر ملابسه الأوحال ، يتابع بصره - عبر الظلمة – القطعة المعدنية التي تتدحرج من يده إثر سقطته ، يختلج صدره وتتسارع نبضات قلبه .
يحس بآلام مبرحة في قدمه التي تحطمت إحدى أصابعها إثر عثرته ، وتمتزج في ركبتيه الأوحال بعصارة الدماء ، يرنو ببصره إلى ما حوله فلا يرى غير السواد ، يتخايل لعينيه شبحا يثبّ من خلف الأشجار التي تملأ المقبرة ، فتنطلق صرخاته ، يترك نعله في مكان انبطاحه ويعدو وهو يلتفت وراءه مذعورا .
تنكسر على وجنتيه دمعتا قهر ويرن في أذنه صوت والده المتوعد الصارخ :
- سيكون حسابك معي عسيرا إن تأخرت أو أضعت النقود . هيا !
يتأمل كفه الملطخة بالأوحال والدماء فيجهش بالبكاء .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سعدي صبّاح
- الزيارات: 9
وهل هـي ذئبـــة ... ؟
القاصّ : سعدي صبّاح
حين تمزّق خيوط الرمضاء غلالة الصباح وتتناثر على مأواك القابع بشجيرات النبق الشائكة، أمل جديد يدخل إلى قلبك يا شعبان،فتُماشي شويهاتك الوديعة إلى بقايا سنابل بعثرتها أسراب الطيور،واستهوتك سخال تُمأمئ بين الروابي ! فتناسلت أعشاب غبطتك ونسمات الصّبا ملأت رئتيك، فرحتَ تحوم بالأحراش فعثرت على جروٍ صغير ، دنوتَ منه في شبه الذهول ! جثوت على ركبتيك وانقضضت عليه كالنسر يا شعبان،زويته وعُدْتَ إلى مغناك جاعلا منه قرّة عين الصغار! غير عابئ بتلك اللعينة التي كانت تتربّص بشفير الوادي! وقد شامت احتجانك لرضيعها الذي أمسى رهينا لأطفـالك الذين يسحبونه على الأشواك ، يعبثون بهيكله.. يحوّلونه إلى أشلاء عنوة في الذئاب ! والحصاة تنتف شعيراته البنيّة بعدما أنبأ به الزمان ! وثريّا تضحك حدّ القهقهة بعين نجلاء وبرغبة تنوي أن تًُعدّ لك فاكهة الليل يا شعبان! ليلتها اندثرت رائحة الشجو بين أحضان قمر بليلة قمرية من أمتع الليالي !ومع سحرة الصباح منحتك ثريّا وردة البكور وأخرجتَ القطيع في مرحٍ إلى المراعي، ولا تدري أنّها تنتظرك مُكشّرةً على أنيابها الضّارية كثكلى سلبوها وحيدا يشاطرها وحشة الأغوار ! قفزت مذعورا! تأمّلتها فتربّد وجهك.. ارتعدت فرائسك تسرّبت سبائخ باردة إلى ظهرك ، وقفت مرتاعا تبسمل وتعوّذ من الشيطان يا شعبان، فكّرت في استرجاعه لكنّه بقايا رميم ينام تحت الهشيم! غمغمت: " يا للفجيعة هل هي ذئبة أم جنيّة متنكّرة " وعدتَ بالشياه بعدما حالت بينك وبين المراعي ، وفي المساء حوّلت الدرب عن منحناها، ..سُقْتَ القطيع إلى بقاع أخرى متّقيا شرّ ذئبة تترصّدك بين المعاطف وحمدت الله على النجاة، أخرجت الناي تنوي أن تملأ تلك المراعي القفراء أنغاما غجريّة تلحّد من خلالها أشباح الصّبح إلى حين،وبغتة رأيتها تقطع المراعي المترامية واثبة بين الجنادل كالبلاء! فأقلعت عن الناي وجلاً ! دنوتَ..ثُلْتَ وبالت من حولك الشياطين يا شعبان .. ارتعدتَ وكدتَ أن تسقط مغشيّا، ورحت تُهشّ على الشياه مزمجراً لتقودها في لمح البصر، انهارت أعصابك أصبحت أسير عالم الجنّ والغيلان يا شعبان ! أحدثت خطاك دويّا أيقظت طيور تبغض الجلاء وفاء لبرّ الأمان! كُنتَ تنوي أن لا تبوح ولكن ستظلّ ملامحك غير كاتمة لكوابيس ذئبة خبّأها لك الزمان يا شعبان، هذه الكلبة سلبت نور عينيك الذي لا ينضب وغيّرت مجرى حياتك على عقب، هرعت قبل الخلود إلى النوم وارتميت على الفراش مرتعشا ترى أشباح سراحنة يحفّون بك ! يرغبون اختطافك من بين أحضان القمر الذي لم يخطر بباله أن يتكهّن سرّ المعضلة، تعتع لسانك .. تدثرت متوهّمــا أنّها ستتسلّل إلى مضجعك تتشمّم رائحة صغيرها بيديك المخضّبة بدماه ! وتهذي كأنّ بك مسّ من الجنون، أشباحها تطاردك حتى انبلاج الفجر ولم يأتِ بأمل جديد ! وتنهض ثريّا ملبّية ثغاء نعجتها الحلوب تأتيك بثغر النعمان وبيديها الجميلتين قدح الحليب ورغيف التنّور الأسمر! ولكن حالتك المتردّية سدّت نوافذ شهيتك يا شعبان،تتأمّل ثريّــا بعينين ذابلتين وتتذكّر عنفوان الشباب حين تيّمتك بجمال الوجه الصّبوح وحيويّتها والخصلات الهاربة من الدّياجي ! يوم كانت تتخطّر برمّان نهديها ! وبين عشيّة صرت مرهق الأعصاب مضطرب العقل، ووراء انهيارك ذئبة كُنت محل سخطهــا حوّلت فيك حبّ الطبيعة إلى كراهية، تندَسُّ في حنبلٍ متآكلٍ مستاء من بلاوته ! فتتراءى لك شجيرات الشيح والمثنان هياكل ذئاب شرسة!.. نعاجك البريئة توهّمتها وحوشاً ضارية! ونسيتَ أنّك كنت العاشق الولهان لحبّ المراعي وحبّ السارقة لوجه القمر والتي أطربتك برنّات الخلخال وعزف الأساور! وقد كنتَ هاتفا بحبّها وبحبّ المروج والتلال، ثريّـا اللحظة فقط أيقنت تدهور حالتك، فأخبرت مسعود على الفور فحملك في الحال إلى الأساة طمأنُوك : " لا بأس نوبات وستزول، أعطاك خبيرهم حبوبــا ساعدتك على التدهور، عرّج بك إلى شيوخ التعاويذ، ختمت بكلمات الله التامّات بعد الأقراص والحقن، اعتكفت الليالي تنفر للطعام وشرب الشاي وذات ليلة قمريّة هادئة بدا وجهك مقمراً وتناثرت على محيّاك بتلات ورديّة، وامتثلت للشفاء ! وأنت تتأمّل ثريّــا التي حطّت العصافير على وجنتيها الحالمتين وبرعمت زهور الأمل لثغر قد غادرته الضّحكات، وتمتمت :" أبشري أيّتها الشياه غدا إلى المراعي والظلّ الوارف بين الشجر، راحت ثريّــا إلى الخصّ وقد غمرتها نشوة الفرح ولا تلبث أن عادت لتتفقّدك وتطمئنُّ عليك، وأنت تسبح بلجّة حمراء! شلالات من النجيع... سُفُنٌ بحريّة لكنّها من فولاذ .. ربّانتها ذئبة بمخالب دامية تريد سلب روح تحبّهــا مقابل جروٍ تحبُّهُ ! وأنت يا شعبان قد أوهمت ثريّا لكنك الآن تحتضر وثريّـــا ترتعش في عزّ الخريف ! تقدّمت منك .. لم تصدّق فوجدتكَ جثّة هامدة ! صرخت بصوت مبحوح .. تبكّمت وأنبأت بكلّ أسى مسعود، فتحوّلت الشجيرات بمناكبه إلى صريم ! دخل عليك مسعود .. تأمّلـــك يريد أن يأخذ قبلة من جبين أخيه الذي توارى وراء وجه آخر غير الذي يعرفه مسعود! لم يفعل مسعود إلا بالدّموع وثريّــــا شحّ عليها دمعها فارتمت على الأطفال فاستيقظوا على النواح، نادى كبيرهم أبي لكنّك أصبحت غريبا عنهم وعن ثريّـا التي منحتك الحبّ الكبير، وغُصّت الرّدهــة بالحرائــر والتــفّ النــاس حيارى ! تقدّم شيخ طاعــن فتح أزرار بردتك وكشَفَ عن جسدك البارد جارحـة .. جارحـة غسّلك وبخّك بعطر الرّياض، حُبّكت أفنان العرعر وأُعدّ نعشك بإتقان يا شعبان ! وهؤلاء الذين يحبّونك أناخوا أتانهم وحملوا جثّتك الباردة بهدوء على ظهرهـــا ، نخزوهـا فتحرّكت ..استحثّوهـا فسارت وئيدة يتبعهـا الموكب الجنائزي بخشوع على الأحمرة ،مهللا ومكبّــراً :" الله أكبر إنّا لله وإنّا إليه راجعون .. " سالكين بك دروبـا كنتَ تسلكهـا مع القطيع،وهم في حيرة تفتّت الأكباد،أفكارهم محلّقــة مع الظّلام الغشيب .. وجوه مصفرّة وقلوب خاشعة واجفة، مرّوا بسرحة كنت تجلس في ظلّها تعزف لحنــا حانيا للشياه التي حُرمـت على حين غرّة من مراعيها الخصاب! وواصلوا السّير بك بوهاد تعرفهـا شبرا شبراً ، مسعود يتأمّل جثتك المترجرجة على الأتان.. يتذكــر خصالك الحميدة إلى أن نهّقت الدابّة التي تحمل جثّتك المسافرة يا شعبان! فإذا بها ترسل عواءً يبعث الرّهبة في النفوس! وفي جوّ قاتم لاحت اللعينة كجنيّة تلاحق الموكب على قدم وساق، تطوي البقاع القفراء! فتهامس الناس في ذعرٍ : " ذئبـــة .. جنيّة على هيأة ذئبة كانت بحياته " وساد الصّمت مع وصولهم إلى مثواك الجديد يا شعبان، وتلك اللعينة وعوعت بغضب ووثبت كالعفريت على الأموات، ثمّ جثمت على سياج المقبرة، لسانهــا يتدلّى ككلبة مسعورة ! في حالة من الهلع أزاحوا النقاب على وجهكَ الورسي.. أدخلوك الرّمس في حيطة، فأقْعتْ تصرُّ أذنيهــا وعينيها عالقتين بجثّتك الهاربة المتحرّرة من شبحها يا شعبان ! هالوا عليك الأتربة وأنت غير مكترث بعطر الثرى يا شعبان، وتكالبت الأيادي تسُحُّ الماء على ثراك طلبــاً في الثواب! وعاد الموكب بعيون ضحلة جُفّت دموعهــا المالحة وتلك الشيطانة لم تزل رابضة لا أدري ما تريد يا شعبان .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حسن الشيخ
- الزيارات: 12
محطة الملح
قصة / حسن الشيخ
القطارات تعبر الزمن الرطب على سكك خشبية مكسورة ، والظاعنون قد حملوا أمتعتهم على أكتافهم الضامرة ، ووقفوا على أرصفة محطات ملحية بلون الشهب الساقطة ، ينتظرون القطارات القادمة من مدن الشمس البعيدة.
وقف صادق عبد الوهاب قرب الضوضاء المتكسرة تحت أقدام العابرين ، وفتح عينيه ببلادة محدقاً في هوامش الأمطار الغزيرة ، وهمهمة البالونات التي طيرها الخوف وأعياها السهاد.
حدق بتركيز في وجوه القطارات بلا مبالاة ، وتلفت للبحث عن عينين عرفهما في زمنه الماضي. أصاخ دون رغبة منه إلى حديث عابر بين رجلين خلفه.
- أرجوك ابتعد عني
- .. لكني أريد أن أحدثك في شيء ما.
- لا يهمني شيء الآن .. أخشى أن يرانا أحد ما هنا ويفتضح أمرنا.
- لا تخف ، ستسجل القضية ضد مجهول.
إلا أن صادق عبد الوهاب .. أحس أنه بلا رغبة تذكر في الاستماع إلى حديثيهما. فعاود البحث عن عينين يعرفهما ، عينين عذباه ويحبهما ، ولكن بلا جدوى ..
القطارات .. تقرقع .. بأصوات بها شيء من المرارة ، المرارة التي عرفها مرسومة على جفنيه قبل ارتدادهما للمرة الأولى. فحدق في اللون الأسود .. في أعماق الحفرة المظلمة ، والمشرقة بالضياء الحالك. وابتلع رحيق الحزن الطاغي .. كسهم مزروع في الحلق.
عاودت أذنه التي قضمها ساحر جبار ، يسكن مغارة جبلية منذ ألف عام ، إلى اصطياد جزء من حديث الرجلين خلفه.
- تذكر أنك شريكي في قتلها.
- نعم .. نعم أعرف ذلك. قتلناها سوياً.
- احتفظ بالسر .. واحتفظ بنقودك.
- .. ولكن ماذا عن صادق عبد الوهاب .. هل سيلقى نفس المصير؟
- .. لا أدري .. سنتحدث عن ذلك لاحقاً.
الشمس فوق الرؤوس التي هدها الطاعون ، والخواء ، طاعون الظهيرة في هذا الوقت المغسول بالأوساخ ، والمكفن بالسحب الصيفية الدكناء.
الحرارة .. تشعل المحطة المثبتة بأهداب النهار الذي لا ينتهي.
تذكر صادق .. الآن فقط أنه سمع حوار الرجلين قبل قليل .. هل ذكرا اسمه؟
لم يكن متأكداً من أنهما تحدثا عنه. رغب في الالتفات إليهما .. إلا أنه عدل عن ذلك .. فليس من طبعه الفضول. تأكد من أنه ينتظر عينين بهما زرقة سماء صافية ، وبهما نبعان صافيان .. انحدرا من جبل لم تطئه قدم بعد.
لم يتحرك من مكانه .. فهذا المكان بدا وكأنه ضمهما لأول مرة ..
يبدو أنه غفا قليلاً ، فالمحطة الآن أهدأ في ليل الصفيح الساخن ، والأرصفة .. وحدها بدأت تحركها ببطء .. إلا أنها تتحرك ، استعداداً للهروب الأخير من براثن طاعون المدينة الموحش. والعبرات غسلت نجوم الصيف ، فأمست أشد لمعاناً من أي ليلة مضت ، على محطة الملح.
تحركت الأرصفة .. وصادق عبد الوهاب واقف ينتظر عينين لن تأتيا بعد. وفي الرصيف الآخر .. كان بائع الصحف يصيح (اقرأوا .. المرأة العجوز .. التي قتلها اللصوص).
إلا أن صادق عبد الوهاب .. لم يسمع النداء.
قاص وروائي من السعودية
- التفاصيل
- كتب بواسطة: مسعود غراب
- الزيارات: 10
تحياتي ، سلامي و مودتي..
مسعود غراب /
قصة قصيرة:
الكلب يقودني إلى البيت..
خرجنا فجرا كالعادة ، مستأنسين بصفاء الحال ، الشمس لما تطلع بعد . كان أكثر مرحا مني وحيوية ، و كنت أستعين بعصاي المتوسطة الطول ، والمعقوفة قليلا في الأعلى ، أمسكها بيد ، و باليد الأخرى اثني طرف الحبل ، والذي لست أدري أكنت أشده به أم يشدني . الأكيد أني منذ سنوات خلت ، كنت اصطحبه معي لأهم الأماكن في هذه الناحية المجاورة ، حيث كان حديث العهد بالبيت ، وبالحياة . نستمتع بالسير في الشارع الشجري ، والذي يفضي بنا إلى وسط المدينة، حيث المحلات التي قد نمر عليها أيضا في طريقنا عند العودة ..
أخذنا دربنا المعتاد ، كنت بطيء الحركة ، ثقيل الخطو ، وكان مرحا ككل صباح ، يسبقني مرة ، ويتخلف أخرى ، يميل إلى اليمين تارة و إلى اليسار تارة أخرى ، يمر بين رجلي ، يكاد يسقطني ، ومرة يتمرغ على حافة الطريق ، أو يبسط ذراعيه ، وكأنه بذلك يعتز بفتوته ، ويستعرضها على الطريق التي ألفت رفقتنا.
عندما نبتعد عن البيت يصير الكلب أكثر ملازمة لي ، وأقل حركة ، حيث يحرص ألا يتركني وحيدا ، وكأنه يحس بحاجتي إليه ، وأصير أكثر حرصا على أن لا أرخي الحبل بيدي ، فقد يلهيه شيء ما ، ويغفل عني ، أو اغفل عنه ، وأضل الطريق ...
إنه دائما يغمرني بوفائه ، و طيب العشرة بيننا ، فهو الرفيق الوحيد الذي كان يملأ علي حياتي بعدما قفرت بيتي من كل الأهل و الأحباب .، كان ينسيني الكثير من الهموم ، وأستعيض بوفائه عن الكثير من خيانة الناس ، وغدرهم ، ومن نفاقهم ، إلا أنني دائما و مع كل ذلك كنت أحذر طبع الكلاب.
أخذت مكانا ما بعدما أحسست بشيء من النصب ، واسترحنا . تذكرت قول الشاعر:
كنا كلابا مهذبة
تحفر قبل التبرز
ثم تردم الماضي ..
تعرفون وفاءنا طبعا
انظروا أنتم ماذا فعلتم
في مصائر أصحابكم
القطط الخبيثة
التي صاحبناها مرغمين
لأنها تعرف المدينة أكثر
حكت عن أعمال غريبة
عن تفاهتكم في البيوت
التي لا تستطيعون الوقوف في نوافذها العريضة
آمنين ..
و أنا أهم بالرجوع ، ضربت من حولي ، لم أجد إلا عصاي ، اعتمدت عليها لأنهض من مكاني :
- يا ترى أين ذهب ؟
أنا متأكد أنه سيعود ، ولكن ليس هذا هو الوقت الذي يتركني فيه .. أوه ، إنني لا أستطيع العودة بدونه ، إن بصري لا يتجاوز قدمي . أوه أين غاب هذا الملعون ، أين غاب.. ؟؟
بعد فترة عاد ، وبسط ذراعيه أمام رجلي ، وكأنه يعتذر عن هذا الغياب ، هممنا بالرجوع وطرف الحبل بيدي ، لم يعد يكثر الحركة كما في الصباح ، يلاصقني ، يسبقني قليلا .
مشينا ..،
ها قد توقف، ربما رأى شيئا ما ..؟ ، أحثه على السير .
لا يستجيب .
أحاول أن التفت هنا وهناك ، لم أر شيئا ، ولم أسمع .
مازال الكلب رابضا مكانه ، أحثه على السير ، أهش عليه بالعصا ولا يستجيب .
استرقت السمع ، وقد عوى الكلب عواء خفيفا ، وحرك ذيله الملتوية التي لامست رجلي ، وكأنه يرحب بأحد ، وبقي شاخص البصر صوب الناحية الجانبية.
حاولت أن أعرف ما الأمر ، تمعنت جيدا ، واقتربت بنفس الاتجاه ، تحرك معي هذه المرة ،
و زادت حركة الذيل ، ولهاثه ، كأنما رأى حبيبا .
ها أنا قريب من المشهد كانا شبيهين في كل شيء ، لون واحد ، وقوام واحد ، وعينان تتبادلان الشوق .
يلتفت إلي ، ويرفع رأسه نحوي وكأنه لا يود الفراق، ولكن شيئا خفيا كان يجذبه إليها ، في النهاية جمع في عينيه معنى الوداع الأكيد..
جذبت الحبل ، لعلنا نكمل طريقنا ، ولكنه بقي ساكنا مكانه ، لم يسعفني الكلب ، وراح يقترب أكثر منها ، وراحت تلعقه بلسانها .
لقد فلت من الحبل ، وكأنه ارتبط بخيط آخر أكثر متانة ، وبقيت متكئا على عصاي ، و الحبل يتدلى بين يدي ، وراحا معا حبيبين رفيقين في الطريق ، و قد خلفا وراءهما معنى وذكرى ، وبقيت وحدي وسط الشارع الكبير.
ــــــــــــــــــــ
* الأبيات للشاعر حسن خضر/قصيدة الليل و الكلاب.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبد العزيز نايل
- الزيارات: 10
عبد العزيز نايـــــــل
هانت .... قالها لسائق النصف نقل بعد أن قطعا سويا مسافة الليلِ كلِه من ميناء سفاجة حتى عبرا مزلقان بولاق الدكرور ـ أقذر أحياء القاهرة ـ وما برح يواصل الاعتذار للرجل , عن هذا المطب وتلك الأحافير , التي تتأرجحُ السيارةُ فوقها صاعدةً وهابطةً , في اتجاه اليمين تميلُ كثيرا , ثم في اتجاه اليسار مالت قليلا , والسائق متشبث بعجلة القيادة محاولا النجاة بسيارته أولا ثم بنفسه ثانية ثم حفاظا عليه أيضا , ليس من أجل عينيه , بل من أجل ما تبقى له من الأجر المتفق عليه ,فهو لم يأخذ منه سوى عشرين جنيها , استكمل بها ما معه ثمنا لتعبئة السيارة بالديزل على الطريق , من أجل كل ذلك جاءت إجابته أسوأ من صمته و تبرمه الذي يبين على سحنته ليقول : ولا يهمك ...... بتوددٍ , أشار له على مبنى اختلف اتساعا ولونا , انه مصنع للخشب , على يمين الطريق , قال : فادخل في الشارع المقابل له على يسار الطريق , لم يُظهر السائقُ أيَ نوع من الاستجابة , استمر في صمته مؤجلا انفجاره المروّع , جراء ما عانت سيارته مذ عبرا مزلقان القطار.....إلا أنه قد رآه وهو يختلس النظر على يافطة المصنع , ثم يدير عجلة القيادة في اتجاه اليسارـ تأرجحت "سورة الإنسان " والتي طُبِعت على رقعة من البلاستيك , وهي معلقة تتأرجح في سبحة من الزجاج على طول الطريق أمامهما ؛ أسقطتها من مقصلتها الزجاجية بين رجليه , زفرة أطلقها غضبا واحتجاجا وهو يستدير في اتجاه اليسار بسرعة وقوة , جعلت توازن السيارة يختل , تفادى ذلك سريعا , ليدخل في شارع فاروق حرب , طمأنه فقال : بعد خمس حارات على اليمين تجيء حارة ربيع حسن رقم 11 , وقفت السيارة أمام المنزل , تجمّع الصبية من كل صوب وحدب , وهم يتصايحون مرحبين بصديق قديم , صافحهم واحدا واحدا , تاركا السائق يفك الحبال حول الأجولة والكراتين والحقائب , المكومة فوق ظهر السيارة بغير نظام , أطل سكان الحارة رجالا ونساء وأطفالا من الشبابيك والبلكونات , سمع للنسوة لغطا , ـــ فهمه بعد حين ـــ قالت واحدة : مسكين !!!!!, فتجيبها أخرى: بنت الحرام!!!!!! ,قالت الثالثة وهي تتأوه : على نياته يا عيني !!!!!! إنها قليلة الأصل !!!!!!! ثم رأى " أبو مبارك " خارجا من دكانه ـــ الذي خصصه لنفسه , أسفل بيته والذي أعطى لنفسه سلطة ألا يسمح لغريب أو قريب , أن يصعد لأية شقة إن لم يكن رجل البيت موجودا , , كان هذا شرطا ساعة التوقيع على عقد إيجار الشقة منذ عشرين سنة , تأكد أن زوجته وأولاده ما زالوا بخير تحت طائلة هذا القانون ـــــ ليحتويه بين زراعيه مهللا , حمد لله على السلامة , فك السائق اشتباكهما الحميم , بصوت غليظ مصطنع , أنا انتهيتُ يا باشا , فانسلَّ من بين ساعدي صاحب البيت , ليُخرج من جيبه ما تبقى من حساب السائق , سمع واحدة من إحدى النوافذ , تقول , يا ناس ... يا عالم ..... لا تدعوا السائق يمشي , غطى على صوتها صوت السائق يطلب المزيد متعللا بما جرى لسيارته من خلال المطبات , وسرد عشرات الحُجج لتبرير الزيادة المطلوبة ,لكنه تنازل عن الزيادة المطلوبة , بعد أن رأى تحرش جميع رجال الحارة به , توجه إلى باب سيارته وهو يرطن رطانة أضحكت الواقفين , وضع أبو مبارك يده تحت إبطي العائد مصطحبا إياه إلى دكانه , ليصب له من شايه الأسود كوبا لم يشربه منذ تغرب , هكذا قال له , ولم يلتفت إلى طلبه أن يستدعي , من يحمل أشياءه إلى شقته في الطابق الخامس , وعن سؤاله عن زوجته وأولاده ... لم يُجبْه , قطع مع جمهور من رجال الحارة , الأمتار الثلاث وهي المسافة التي بينهم وبين الكراسي الموقوفة أمام الدكان لمن يجلس من أهل الحارة , في نصف ساعة ..توسط تلك الدائرة التي اتسعت رويدا رويدا بأهل حارته المرحبين , فاجتذبت النساء أيضا , وكانت غريبةٌ عليه تلك الموّدةُ التي بَدتْ على " أملْ " هذه المرأةُ الفخمة البيضاءُ والتي لم تكن تتحدث معه , قبل سفره قط باعتباره " بصباصاً " , وهي ترحب بعودته , ابتسم خلسة , عندما قالت له : ولا يهمك , ظنها مرتبكةً , مثله يوم كان يذهب إلى أية جنازة , وما كان يعرف ما الذي يقوله الناس في مثل هذه المناسبات , فكان يصافح من يعزيه في فقيده , وهو يتمتم بشفتيه بكلام ليس مفهوما , كان يعلم أن صاحب العزاء قد برمج أذنيه على الذي يريد أن يسمعه , تراخى في جلسته أمام الدكان , و الجميع حوله واقفون , أراد عندما امتدت يدُ أم مبارك حاملة له كوبَ الشاي الأسود , أن يستفسر عن هذي الدموع التي احتجزتها في عينيها , قطع عليه اهتمامه بدموعها , عندما تقدم أحمد النجار ليقول له , ولا يهمك , ربنا يعوضك خير , وقبل أن يستفسر عن مقصده , أكمل أبو مبارك : زوجتك , تركت الشقة وأخذت المقابل , بموجب التوكيل العام , كما أنها باعت قطعة الأرض التي باسمك في ارض اللواء , وأفهمت أم مبارك أن أمها وأباها وخالاتها وأعمامها وأخوالها , ومن سيأتي من ذريتهم إلى يوم الدين قد قرروا جميعا أن تتركك , ثم يا ابن عمي ــ تنهد وهو يقولها ــ المرأة التي تبيع زوجها بعد أن تحتال عليه لتجرده من كل شيء , هي في جميع الأعراف لا تستحق ملء إذنيها نخالةً , أما أخبرك أحد بأنه لا أمان للمرأة إذا امتلكت , وأن تسعين في المائة من النساء يسعين لمثل هذا بكل الطرق , لتنقلب الأوضاع في هذه البيوت فتصبح المرأةُ رجلاً والرجلُ امرأةً , هي لم تصنع ذلك رغبة منها في إبعادك .... أبدا ... أبدا , بل إن ذلك مطلبا في طبيعتها أن تملكك أو تملك ما معك , فإن لم تحظى بأي منهما , هجرتك أو قتلتك فإذا لم يتبق لها إلا الخيانة خانتك , كل ذلك يُستحدث , كما لو أنها تُخصِب قنبلة نووية في مفاعلها , وقبل سن اليأس خاصة حيث تذبل في جسدها رائحة الأنثى , ومن حكاياتها عرفت أم المبارك أن نساء عائلتها كلهن صنعن ذلك , مستلبات شوارب أزواجهن ليخبئنها بين أسنانهن وشفاههن , يومئ العائد وعيناه تتقلب في الماضي طويلا بعد أن نظر نظرة عابرة على شقته في الطابق الخامس , الرجال والنساء يتسربون من حوله بعد أن يطبطب كل منهم على ظهره في حُنُوٍّ واحد واحد , يا أخي قالها الأستاذ ميلاد ــ والذي لم يغادر الجلسة بعد ـــ امتلأت الجرائد في هذه الأيام, عن زواج المصريين من اليهوديات , أيكون ذلك من قلة النساء في مصر , ابتسم العائد , ليس من قلة ربما هربا من ضعة البعض وخستهم , قالها واستدار نصف دورة على كرسيه , ليخرج هاتفه فيتصل بأخيه الحاج سيد في قنا , أجابه بعد أن عرف منه ما حدث , في نصف ساعة سأتصل بمن سيرسل لك سيارة , تحضرك إلى هنا , وفي الطريق من القاهرة إلى قنا تداعت الأحداث القاتمة , فالتفت إلى السائق يسأله
ماذا حدث في المحروسة يا ابن عمي ؟
قال السائق : أهي بنت أحد أقربائنا في البلد ؟
و إلى أن ذبلت ضحكته التي انفجرت على فمه, والتي جعلت السائق يتخلى عن مراقبة الطريق ليلتفت إليه , قال له :
المحروسة هو اسم مصر, ذلك لأن الله يحرسها , فيستفسر السائق بملامح بلهاء
يحرسها ممن ؟
يحرسها من الأعادي , ثم أكمل بصوت محزون , يبدو أن الله تعهد بحمايتها من الأعداء فقط , ولم يتعهد بحمايتها من أبنائها
كيف ذلك وهي لم تسلم طوال تاريخها من المستعمرين
ربما يكون المقصود هو حمايتها من التخريب حتى في وجود المستعمر
وهل ترك مهمة تخريبها لأبنائها
ربما ... ولا أدري لماذا يكتبون على بواباتها في الموانئ البحرية والجوية والبرية " ادخلوا مصر إنشاء الله آمنين " وما إن دخلت صالة الميناء في سفاجة , حتى تفرق دمي وجيبي بين الموظفين , وعلى الطريق وجدت أكشاك المرور ..... قطاعَ طرق !!!! ذهبت إلي بيتي فلم أجد زوجتي ولا أولادي , ولا حتى مسكنا لي , تآمرتْ مع أهلها على أن أخرج من حياتهم عريانا كما ولدتني أمي , ولم يك ذلك مفاجأة لي , فقد استشعرت هذه المؤامرة منذ عام وقبل أن تسبقني إلى مصر في إجازة لم تعد منها , كانت تصر وهي معي على أن أبيع كل ما هو باسمي , بحجة أن أباها , والذي استكتبتني توكيلا عاما له , سيرتب لنا أوضاعا أفضل , كانت تخطط لجرائمها بالنهار , وفي الليل تنام عارية إلى جواري , حتى في هذا الوضع لا تمل من التأكيد على البيع ,وإكمال مخططات أهلها .
ــــ وأنت كما " الْبَوّ " صنعت لها كلَّ ما أرادت
كلُّ الرجال يستشعرون التخليِّ والغدرَ والخيانة , يكتشف ذلك جهاز الرادار عند المرأة , فتتوقف مخططاتها مؤقتا ثم تبالغ في الغنج والعطاء فيظن الرجال بأنفسهم السوء ... يتراجعون فتبدأ المرأة ثانية في مخططاتها إنها اللعبة الأبدية للمرأة منذ اعتلاها الرجل , فتشكل للنساء حزب لا يُرى ولا يُسمع لكنه ماض في مخططه بقوة وصلابة ليطيح في يوم ما بهذا الرجل الصعلوك المغرور, ولم أك غبيا , إلا أنني كنت أجرب طُرقاً يتمجد فيها اسم الرب والإنسان معا رجلا وامرأة فاتني أن أنظر في بؤبؤ عينيها , لأرى أسلافها من الحيات والشياطين , الآن أدركت لماذا كانت دوما تغلق عند مواجهتي جفنيها على بؤبؤ عينيها , فأتيه فرحا لهذا الخجل العذري , وما كانت "بربشة " أجفانها , إلا إشارة تتأتى من جدتها الحيّة , كي تظل قابعة في مكمنها , ولم أك ذلك " الْبَوّ " هذا الكيس المحشو بالتبن على هيئة ابن البقرة , يُوضعُ أمامها كي تتحنن فتدر حليبها
لو حدث هذا معي لذبحتها في عرض الطريق
مرت كما البرق ذكريات اثنين وعشرين عاما , مع امرأة رقطاء ,حتى ثقلت رأسه وجفونه فلم يستيقظ إلا على صوت أحد رجالات أكشاك المرور , وهو يرفض أعطية السائق باعتبارها قليلة ..., التقط زجاجة من الماء , رفعها إلى فمه العطشان , ولكنه ألقى برأسه بين رجليه , فاتحا فمه وحلقه على مصراعيهما ليتفل كل الماء من فمه وجوفه , صارخا : مرارة بالماء كالحنظل .... مَرْجَح السائق رأسه عجبا !!! وهو يردد ... الماء مُرٌٌ !!!.. ماءُ النيل مُرٌ .!!!! عجبي !!!! نظر إليه متخذا وضع الحكيم ليقول له : الذين يولدون في المرارة لا يستشعرون لها طعما ...
وأمام البيت في قنا تجمع عمال شركة أخيه وتجمع أخوته وأخواته , وعدد من أصدقائهم , وفي دقائق أنزل العمال , حمولة السيارة ,وبترحيب جمّ , يفلت من أحضان هذا ليتلقفه حضن ذاك تركوه جميعا ثم تجمعوا حول الكراتين التي تفتحت من جراء , انتهاكها في الجمارك , والطريق , والإنزال المتكرر , وإذا بأيديهم تتقلب داخل الكراتين ليخرج كل منهم شيئا أراده لنفسه,
التقطت عايدة ساعة للحائط , وتشبثت سعاد بدراجة قديمة , أما عبد المريد أبو السبع فقد هام عشقا" بطاس " من النحاس , قال : سيستخدمها في النصب على الأهالي في قريتنا , سيزعم أنها كاشفة للكذب بعد تسخينها ليلعقها المتهم بلسانه فإن أحرقته فهو كاذب وان لم تحرقه فهو صادق , ستصبح" طاسك " قاضي القضاة , وستفتح باب رزق جديد لي ,ترك الجميع وأخذ يستعيذ بالله من امرأة في هذا البيت تصنع المكائد بسهولة ذوبان قطعة من الحلوى في فمها , ولم يدر , من أخذ ومن لم يأخذ , وما تبقى , وضعه العمال , في شقة خالية , في بيت الحاج سيد , خمسة عشر يوما قضاها ضيفا ثقيلا , على أخوته حتى أمه لم تعد متحمسة لبقائه في شقتها , إلا أن الحاج سيد تكفل بإقامته كاملة , عاد إلى القاهرة تاركا أشياءه أمانة عند أخيه , ذهب إلى إدارة التعليم فتفضل عليّه الشيطان القائم بأعمال مدير التعليم في ........... القاهرة التعليمية بالفصل فورا , وحيث انه لا يستطيع الانتظام في عمله , آثر البقاء مفصولا , ثم أخيرا وجد مسكنا لمدة سنة في التجمع الخامس , في عمق القاهرة الجديدة , كانت شقة واسعة تحتاج لأن يُحْضر أشياءه , وفي قنا لم يجد من أشيائه شيئا , تفرقت أدوات مطبخه وأدوات الكومبيوتر وكل ما له قيمة أو نفعا لم يجده , فعاد إلى القاهرة غير نادم على الذي راح منه , لم يغضب , من الزوجة المحتالة , ولا من موظفي الجمارك , ولا من قريبته صانعة المكائد , ولا من إخوته الذين رأوا أنهم أحق منه بهذه الأشياء , لأن لهم بيوتا ومنازلا , أما هو ففي الشارع , ولا من مدير التعليم , ولا من موظفي أكشاك المرور , ولا من جارته التي رأت سجادة افترشها وحيدة في شقته فطلبتها منه قائلة , أنت لست محتاجا إليها , ولا من أهل زوجته الذين استولوا على فلتر الماء والراديو القديم وبعضا من ملابسه , بقية ملابسه وكل كتبه مغتصبة عندهم أيضا , ولا من راكبي السيارات في القاهرة , حيث مازالوا يطاردونه بأقوى آلات التنبيه , كلما رأوه يعبر شارعا , فَهِمَ الآن لماذا كان الناسُ في الخارج يلقبونه " بعلي عوض " ولأنه لا يمتلك القدرة أن يغضب من كل سكان المحروسة , لذا وجب عليه , التحمُل والتحامل فقط من اجل أن يرى عاصم وعنان وعلا , كلّ فترة , مرعوبا أن يحدث معهم ما حدث لابنته الكبرى , والتي استطاعت امرأة كالساحرة العجوز أن تنتزع منها عقلها وقلبها , هذه الساحرة المتصابية والتي أقسمت أن تنتقم منه في ابنته , منذ أن احترق قلبها بزواجه من ابنتها , عرف وقرأ بأن الساحرة العجوز ستلقي بها غدا مِزقا إلى الكلاب , لذلك كان البقاء قرب أولاده الصغار مهمة تستحق العناء , وكافة الأحكام الجائرة لكل من يعرفه ,
بعد أيام من الإقامة , دون عمل ودون أصدقاء ودون الإخوة إلا من المساعدات التي تجيئه من الحاج سيد ومن المتر حجاج على استحياء مصحوبة في كل مرة بأنها آخر مرة , ثم تتكرر مساعداتهم احترازا من العار الذي سيلحق بهما لو يتركانه , فربما يلجأ إلى مسلك مشين, أما بقية إخوته فتحريضا عند المتر وعند الحاج , بأن لا تمتد يد المعونة للعائد من بلاد الذهب , لذا فقد ترك نفسه , مضغةً بين أسنان غربته , لم يشعر بغربة كهذه , يوم كان بعيدا عن مصر , فقد كان يملك أن يتصل بهم واحدا واحدا بتعريفة دولية , ساعتها كان يرى بعينيه لهفتهم ويسمع اشتياقهم ,فيسوقه العطش إليهم ليشتري قارورة من الماء , شربة تشبع أشواقه لأولاده وشربة تشبع الشوق لإخوته وشربة تشبع الحنين للمحروسة بأرضها وناسها , فكيف وهو في قلب المحروسة الآن قد أصبح ماء النيل في شقته الخربة ملحا أجاجا وله مرارة كمرارة الحنظل , وليس عذبا فراتا , وهواؤها ليس إلا رسائل بالنذير والوعيد , وطلاء من الجير هشٌ , كلما مرّ إلى جواره تفلّت من الجدران , مستهدفا صدر الغريب , فيزعج سعاله كائنات الليل , والصراصير والفئران والعفاريت , فتقاومه هذه الكائنات بالتكاثر , لتستلب منه مساحة إثر مساحة , حتى استقر في النوم والمعيشة بجوار بابها أسيرا مأسورا , يخاف الموت فيها وحيدا , وقف مرة يلوح في وجوه الأشباح والعناكب فيها قائلا : لماذا هذه الشقة تحديدا , وجميع الشقق في هذا البيت خاوية على عروشها , حتى هذه الجارة التي طمعت يوما في سجادتي الوحيدة , رحلت مع أولادها تاركة شقتها , وبقيت وحدي كعفريت "القيالة ", في عمارة كاملة , تحتوي على تسع من الشُقَقْ الخالية , والعاشرة التي اسكنها , هل ترونها قبرا , بهذه الكلمات واصل الصراخ في مواجهة كائنات الليل , فلما التقت عينه بعيون هذه الكائنات , أدرك أن السحر الذي كان في مصر القديمة لا زال معمولا به , فإذا ما جاء الليل , فينفخ السحرة في أبخرتهم , فيطلقون جنودهم , من رجال الحكومة , ورجال الجمارك , والعاملين بأكشاك المرور , ونذالة الأصدقاء القدامى , والذين رأوا في حالته فرصة للتشفي والشفاء من الدونية ومن مركبات النقص التي يعانون منها ,ومتهم بالخيانة العظمى من شباب ورجال الحزب الذي انتمى له يوما , وكذلك غضبة الأخوات اللواتي افتقدن أحمالا من الذهب والفضة في حقائبه , فخبأن الطعام عنه , وجميع النسوة الخائنات , وسائقي السيارات في شوارع القاهرة , ليتحول كل هؤلاء إلى , هذه الأشباح وهذه العناكب , وبعضا من هذه الصراصير والفئران , وكثيرا من القمل والنمل , وكائنات من بنات الظلمة مجهولة الأسماء ,قال : أخاف أن أموت هنا وحدي رعبا, وربما تقتلني هذه الكائنات الليلية فإن مت أو تعفنت في هذه الشقة , فلن يتشمم رائحتي أحدٌ ,
جلس يتطلع إلى سقف الغرفة الجديدة التي استأجرها في حي مكتظ بالناس والحيوانات والديدان ,سواسية كأسنان المشط , مستمتعا بتساقط التراب فوق رأسه , مع كل دقة من دقات الهاون , وكذلك يطرب لصوت هذا الهاون الواضح النقي في أذنيه , تدفعه طاقة الحياة ومتعة مشاركة الآخرين لأن يمسك بعصا , جاءت مع ركام كراكيبه المتناثرة , في الغرفة , آخذا في الرقص على دقات الهاون , تحت وابل من ذرات التراب المتساقط من سقف غرفته , ما أشبهه بالكرنفال , يُحَرضهُ على القفز فيحجلُ بين كراكيبه وكتبه وبعضا من أدوات المطبخ المتناثرة على أرضية الغرفة مترنما على السلم الموسيقي لإيقاع الهاون وما أخل بصحة الإيقاع إلا هذا الطرقٌ المتواصل على باب الغرفة , فتح فإذا بامرأة تصرخ في وجهه , مساء الفل يا باشا , من أول ساعة لك في الغرفة , سَتُسقِطُ على رؤوسنا سقف الغرفة , أعتذر لها كثيرا , لكنها أبتْ إلا أن تهدده بأنها المرة الأولى والأخيرة , ولو تكرر منه هذا الإزعاج , لصعدت إليه وألقت بأشيائه في الشارع , أغلق الباب وكان سعيدا حيث أن الناس هنا يسمعون دبة النملة وهذا ما أراده , هربا من الوحدة القاتلة في ذاك التجمع الكئيب ,
أغلق عينيه لينام وهو مطمئن , في خمائل الضجيج , نام متوسدا أصواتَ الرجال والنساء والأطفال وهدير السيارات , نباح الكلاب , عراك النساء بأقبح الألفاظ .
رأى حين عودته في الثالثة عصرا , بخفي حنين , بعد جولته على جميع مدارس الحي باحثا عن عمل , رأى أناسا يُثَََبِِِِّتون في الأرض أخشابا لسرادق كبير عرف بعد ذلك انه ليس للموت , بل من أجل عرس بنت الجيران , وحيث أن أباها تاجر المخدرات المبَجَّلْ ....فسيكون فرحا , هكذا سمعهم , لم تشهد الحارة مثله من قبل , بارك للجميع , ودعا لهم بوابل من الأفراح .
عندما بدأ تجريب الميكرفون , قفز من مكانه محتجا على هذا الصوت العالي , نظر من النافذة فإذا بالميكرفون معلق على نافذته , ولما كان قد انتهى لتوِّه من ترتيب الغرفة ووضعْ الأشياءَ في أمكنتها , قال : ليست مشكلة , أن يكون اليوم للفرح,ففتح نافذته بطريقة خاصة ليرى مراسم العرس ولا يراه أحد , ذلك لأن كل النوافذ التي في المنزل المقابل معبأة بالنساء الكاسيات العاريات , يخاف لو لمحنه , وهو مازال في وضع الغريب في هذه الحارة , فلا يعرف ما سوف يحدث .
صوت " الدي جي " في هذه السماعات والميكروفونات يمكنه أن يخفي صوت قنبلة لذا فقد بدأ يكلّم نفسه بصوت عال , مستعرضا حياته طفلا محروما , وسني المراهقة كلها مرت دون أن يُقبِّل امرأة أو بنتا ,ولم يرَ سنتيمترا واحدا فوق الركبة لامرأة إلا في السينما , وحتى في السينما كان ما فوق الركبة بالأبيض والأسود , أليس هذا سببا كافيا لأن يخطئ في اختيار شريكته ,سقط لأنه رأى لحما حقيقيا , وكيف وهو صاحب الصنائع السبعة , ينتهي به المطاف إلى هذه الغرفة , ليموت فيها وحيدا , ولكنه لن يتعفن , فسيحمله الناس فورا إلى مقبرته , كيف وأنا الذي تمترست على جبهة القتال خمس سنوات متواصلة لأدفع عن المحروسة أعداءها , ثم تتنكر لي هذي المحروسة وكل الذين يأكلون المن والسلوى , وقد خرجوا من مخابئهم مدقوقين في عروشهم دقا و مرشوشين في أحياء مغلفة بالحدائق والأسلاك الشائكة ,وكانوا قد استعملوني حارسا لحدود المحروسة بجنيهين وثلاثين قرشا في الشهر,خمس سنوات وأنا اقتات خبزا مغموسا برملها وترابها , قفز يواجه سحنته في المرآة الصغيرة و ليخزق بسبابته المرآة , متهما نفسه بالغباء , صرخ يقول : ما أشبهني بالقوّادْ , حين قاتلت حتى تحتفظ المحروسة بعذريتها , وتفاخرت بنفسي وتفاخرت بأشلاء الممزقين بالقنابل و النابالم أمام عيني ؛ لنقدمها عذراء فينتهكها أولاد الكلب , لم تنهض من سريرها ولم تغتسل قط , وما برحوا يتقسمونها كل ليلة حتى اتسع فرجها ودبرها , فلما افتقدوا المتعة معها , صاروا يبيعونها قطعة قطعة أو يؤجرونها لكل من يملك قضيبا كبيرا , , ثم يجندون الآن زوجتي لتختطف أولادي , وهم أنفسهم الذين استصدروا الأمر لمدير التعليم أن يلقي بي إلى الشارع ,ثم ساقوني إلى هذه الغرفة المقبرة والتي أعدت للشاهد الوحيد المتبقي , حيث لا تقوى المحروسة أن تنظر في عينيه , بعد أن امتهنت البغاء والدعارة ,كانت تعرف أنه سَجَلَ في رأسه أسماء كل مغتصبيها , وهم أيضا يعرفون ....... أحس بدوخة فمادت الأرض تحته , تشبث بسور النافذة , نقرٌ من الآلام لا يحتمل يتصاعد و يدق ظهره وصدره , وما عاد يقوى على المقاومة , إنها شوكة الموت ــ هكذا صدقت ظنونه ــ تجرفه إلى الأعالي , فيتفتت بين السماء والأرض , ثم يتساقط الجسد الثقيل إلى حيث يرقد, بعد أن خرجت من كل خلية فيه شظية من شظايا الروح , إلا انه مازال واثقا أنهم سيصعدون من الشارع , تاركين عرسهم ليستردونه من بين أسنان شوكته , فقط عليه أن يرتفع صوته قليلا مستنجدا بهم , وإذا به لا يسمع هو صراخَ فمه , فيحاول أن يقف ليفتح النافذة فلا يقوى , وما زالت شوكة الموت تجرف بقاياه للأعالي , تمدد قسرا ليموت قهرا على سجادته, وما يرى سوى أولاده الثلاث يحاولون الخروج من الجدران التي راحت تقترب من جسده , فلما التقت الجدران الأربع على صدره , تسرب أولاده تحت جلده , ثم اجتهد أن يجمع في الشهيق الأخير كل ما احتوته الغرفة من الهواء , هبط صدره بعد أن أفرغه من الزفير الأخير محملاً .....ببصقة...... أطلقها خارج النافذة , فانشطرت مطرا ورعدا حارقا من دمه , ليستمع وهو في الأعالي إلى الصراخ والعويل , بعد أن تجمعت شظايا روحه فوق دخان الحرائق , ثم رأت رجال المحروسة ونساءها في أسراب, تتلوى في نشيد الآلام , هابطة إلى جحيمها ...... مكبلة بالأغلال أعناقهم , وابتسمت الروح حين رأت المحروسةَ تسترد بكارتها , ولها جناحان يمتدان من البحر إلى البحر , تخفق بهما على أطفالها , ثم رُفِعتْ الأقلامُ , وجفَّت بحيرات البكاء . على أرضها......................
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عثمان عبداللطيف
- الزيارات: 9
مسرح الظل
عندما خرجت في سترة سوداء وتنورة زرقاء كيمامة، كان الصيف جبارا لايرحم.... وكان عطرها الشفيف من اعشاب الحدار والبابونج يملا الفضاء وراءها فتموت كل الجنادب.... العظاءات والكائنات القذرة.
كانت اعلانات العروض الاخيرة لمسرح اللاشئ تملا اعمدة الكهرباء... ارصفة الشوارع... ولوحات الاعلانات لتجلب ربات البيوت النبيهات.... المثقفين الهرئين.... والديمقراطيين المتانقون دوما في القذارة والسهو ساعة سماع اغاني الرمز.
مدت تذكرتها التي اهداها اياها احد اصدقائها القدامى الى قاطع التذاكر..
اجتازت المدخل الامامي الرئيسي اثناء دخولها من الباب المخصص للاناث تقدمت ناحيتها فتاة تحمل بيدها عقودا من البنفسج المائي... خاطبتها بصوت ناعم يذكرها بقطتها نوسة: لكل فتاة تدخل وحيدة اليوم عقد هدية من منتجي المسرحية.
كان العقد على رقبتها يضيف جمالا ماكان لينقصها.
وجدت مقعدها المكتوب رقمه على ظهر البطاقة بسهولة.. وكانت ضجة الحاضرين قبل بداية العرض تعطي احساسا بحتمية فوضى الانسان داخل القطيع البشري.
اتحهت ببصرها صوب خشبة المسرح التي كانت واسعة جدا ومضاءة اضاءة عالية، كان هناك كرسيا اسودا انيقا في منتتصف الخشبة ولايوجد غيره من ديكورات جانبية.. كان على الحائط ستارة من القماش كستائر دور السينما.
فجأة دخل احد الاشخاص رافعا يده امرا الحضور بالصمت.... صفق الحضور بحرارة اعقبها صمت مخيف ...ذاك الصمت الذي يعقب مرور غيمة على شمس ضاجة بالغضب المشتعل فتهمد كل الاسئلة والحواس.
قال كلاما لم تستبنه اذناه سرعان ماانصرف لياخذ القماش في التحرك حركاتا خفيفة... فظهر ظل رجل يقف متكئا بظهره على حائط... وبدا صوته في الوضوح وكان مميزا مخنوقا كانه ياتي من بئر::
مسرحنا هو الظل... لان حياتنا الحقيقة فيه.... ولان بداخل كل منا بقعة اثيرة مظلمة.... مدسوس فيها كل الاشباح.... الوساوس.... الدسائس...... والاحلام السوداء.
نحن ابدا لانفشي السر لذا لن نقول كل شئ.... فقط سنضئ الاشارة.
دخلت فرقة موسيقية الى المسرح والاتها، كانوا ثلاثة رجال وثلاث نساء.... جلسوا في اطراف المسرح على الارض متواجهين.
ثم واصل ستكون حكايتنا اليوم عن فتاة لاككل الفتيات.... فتاة لها زمن موغل في الوحشة والاستئناس... كان عندما يصيبها داء الحذر تختار اسهل الطرق.... تقف الان في مفترق طريقين... تمد بصرها بعيدا كربان سفينة يائس، لترى ان كان هناك من درب ثالث...
لكن هيهات.... فالقلب اذا امتلا بالحيرة صار اعمى لاتدله المواقف.
بدات الفرقة بعزف هادئ قامت الظلال خلاله بتكوين مدينة كاملة من بيوت..... شوارع.... شجر وسماء.
ظهرت غرفة وبداخلها صبية تمشط شعرها في جديلة واحدة.... كانت تغني غناءا خافتا وتخرج الى الشارع حاملة سلتها لتتداخل مع البشر حولها... تنظر في فراغ عريض كانها لاترى احدا.... تقف فجاة مع البعض لتضحك ضحكاتا ارجوانية ثم ترحل مسرعة.
وتلمس جديلتها لتتاكد من عدم انسدالها على كتفها.... كانت العيون تتابعها اينما ذهبت.... كغزالة جميلة هاربة كانت تركض في الشوارع وعند انسدال شعرها على كتفها كانت تجلس لتمشط شعرها... بقربها سلتها وتغني غناءها الخافت.
وفي احد المرات اثناء هروبها ذاك... تابعها ظل لعاشق... كان يجري خلفها حافيا وذات مرة بينما كانت جالسة تجدل شعرها راته اتيا نحوها.... اجفلت وقامت راكضة الى الغرب تاركة سلتها .....
عندما لم يدري اي اتجاه سلكت ركض الى الشرق حاملا سلتها وصارا في ركض مستمر..
فجاة تحولت الستارة الى كرة كبيرة والطيفان يركضان على اطراف الكرة وبمسافة غير بعيدة عندما كاد الطيفان ان يلتقيا توقفت الصبية عن الركض جلست لتمشط شعرها وعندما اكملت جديلتها نهضت راكضة الى الشرق.
بحركة سحرية اختفي ظلها من على الستار الذي عاد الى حالته الاولى وكانه القى به على الكرسي في منتصف المسرح.
اصبحت الخشبة مضاءة كلها الا من بقعة مظلمة يختفي فيها الكرسي الاسود... وظهر ظل الرجل المتكئ على الحائط ليقول بنفس صوته المخنوق:
ليس في مسرحنا اي نوع من الاثارة الشاذة.... نحن لانحكي كل شئ حتى يفهمنا الغير بعمق.... لان شخصياتنا تصنع الافعال المريعة والقلق الدائم.... سنكون وهما يخافه من ضيع الثقة وكابوسا لكل من تردد وحيرته الاشياء.
بدات الموسيقى تعزف مقطوعة الشتاء لـفـيـفالـدي عندما قال:
وكانت تاتي اوان الظهيرة بطعم البن....ورائحة طفولة مليئة بالشجر والعصافير.....
فيحس الكهول بطرقات خفيفة على ابواب قلوبهم الخلفية فيبتسمون في حكمة.
وعندما تبتسم هي باناقة تفاحة في خضم فاكهة..... تنفض الاشجار اوراقها اليابسة..... تصحو العصافير من سباتها اللذيذ..... فيسال عصفور صغير: الى اي طائفة تنتمي هذه الكاسرة؟
تضحك امه قائلة:: لليمام وهو جميل..
يوشوش النهر لجارات الضفاف من اعشاب اغروها لترد مائي والا................!
قالت سمكة مخمورة لاختها سيفعلها ....." هـــــق"... فهذا نهر جرئ.
ولانها لاتدري ارتباط الصمت بالفتنة.... كانت عندما تسير ترمي بحديد صمتها في جميع الاتجاهات... ليتكسر الزجاج في نوافذ القلب ساعة رؤويتها... وتظل نوافذ القلب بعدها مشرعة للرياح والزوابع.
ولان حضورها شاسع كفكرة مراوغة..... كانت لاتدري ان ارتباط العشق بالخوف وثيق لدرجة..... بان من يعشق الخوف ومن يخاف العشق يخافه.
في تلك الاثناء دخل احد الممثلين الى خشبة المسرح وفي صمت وقف برهة امام بقعة الظلام.... نظر مليا ثم جرى الى احد اركان المسرح انتحب قائلا:
اعطوني قلبا اخر..... كل هذا القلب لدي لايكفي لعشقها.
قال صاحب الظل: وهي المحفزة بالصمت والركض بين الاشياء منها واليها دون التقاء.... تضحك تظن بان لااحد يدري عنها شيئا....... تخونها اعينها عندما تمد البصر بحثا عن شئ من السر في اعين الاخرين....... يصيبها العمى عندما تجده...... ولاتظن ان تجد من يقرا السر في صمت العيون.
العيون بوابة الذاكرة.......... كجلجامش رأت كل شئ...
واصبح الظلام اليفا في تلك المنطقة التي تحيط بالكرسي، كانه طيف لفتاة واضعة رجلها فوق الاخرى.
ودخل ممثل اخر ووقف امام الكرسي المختفي وتقدم نحوه الى ان اختفي منه جزء في الظلام ثم خرج.
وقال صاحب الظل من جديد بعد ان اعتدل في وقفته: عندما يكون الانسان في متاهة عليه ان يتخيل الاشياء من الخارج.... ان يحلق بعيون نسر.... فكل من سيظل يزحف مع مشاكله لن يري شيئا..... وسيعلق الى الابد في متاهة السؤال.
سنطفئ الان جميع الاضواء وبعد قليل سنضئ لكم البقعة المظلمة لنرى جميعا كيف تبدو صاحبة الظل والظلام.
ذات غرة اضاءت الانوار البقعة المظلمة كلها........ كان هناك كرسيا وحيدا ابيض اللون في منتصف الظلام
وجاء صوته حريفا من نفس مكانه القديم وكان هذه المرة مختفيا في الظلام:
هذا ماحدث في جميع عروضنا السابقة.... الاتظهر ابدا ويظل مكانها فارغا..... تخاف دوما من الدروب الثالثة والحلول الصعبة.... ستكون الى الابد متفرجة جيدة وبداخلها الهروب الكبير.
لان من يجيد مراقبة الاشياء ويهرب من ذاته، سيكتشف ذات لحظة بانه يراقب نفسه في مسرح الاخرين.... ولن تكون النتيجة سوى الدهشة الحارقة ومزيدا من الهروب.
قامت فتاة من الحضور قالت: اظنكم تبحثون عني نظر اليها الجميع في غرابة.... ضحك صاحب الصوت عندما قال:
اشارة ما قد تضللك عن الطريق.... وحجر صغير يلقى في بحيرة سكونك العملاقة قد يثيرها كلها.
لكن ليس غباءا ان تتشابه عليك الاشياء، الغباء ان تكون متاكدا ولو خطأ انك المقصود ثم تهرب.
اجلسي انت، ولن يكون في الهروب من ذات الهروب معنى للراحة. لان دائما من يعرف يتعذب.... ساعتها يكون الهروب انكار للمعرفة والعذاب.
نحن هنا لمنح العذاب للهاربين.... لاهدائهم اللعنة والضياع في خبايا النفس.
قد كان هذا نهاية للعرض القصير.... الاول والاخير في مسرح هذه المدينة، ستعودون غدا وبعد غد ليشاهد كل فرد عرضه في مسرح الحياة.
ستخرج فتاتنا التي لن تعود لمسرحها الخاص... مسرح الظل..... بعد ان منحناها فرصة للاعتراف رفضتها... فقط لتعلم ان الاعتراف فرصته واحدة فقط.... بعد ذلك سيكون طعمه مزورا وباهتا كالكذب..
عندما خرجت من الباب كان العقد في رقبتها ازرقا فسفوريا.... تجاهلت نظرات الناس اليها وسارت الى بيتها على قدمين حافيتين.
عندما دلفت الى منزلها جلست على كرسيها الوثير قرب النافذة.... احست بارهاق مفاجئ وصداع ثقيل... اغمضت عينيها وبدأت في استرجاع احداث المسرحية.
احست بهواء بارد يهب من النافذة والاصوات تخفت تدريجيا..... احست بنعاس يداعب اطرافها.
عندما افاقت من غفوتها كان الظلام يعم المكان..... كانت الردهة واسعة جدا وكأن هناك عشراتا من الاعين تراقبها.
عندما قامت من كرسيها الوثير القت عليه نظرة فاحصة..... تذكرت اين رأت هذا الكرسي الابيض اخر مرة..
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رولى بتكجي
- الزيارات: 12
كنت أرقب وجومه بعين متسائلة ورحت أستعرضه من أم رأسه حتى أخمص قدميه . كانت خصلاته مسرّحه بعناية شديدة ، عيناه سوداوان تلمعان كمئة أمنية وقد توردت وجنتاه بينما ضاعت ملامح الفم الذي كان منكمشاً كوردة جورية صغيرة ، وراحت أصابعه الدقيقة تعبث بزر قميصه . كان هندامه مفرطاً في الترتيب وبدا لي أنه قضى ردحاً من الوقت في اختيار ثيابه وردحاً آخر أمام المرآة .
تكسّرت كل محاولاتي وايماءاتي وابتساماتي الموزّعة في كل اتجاه، أمام صلابة صمته فكلما تلاقت نظراتنا كان يشيح بوجهه عني .
كنت قد بدأت أشعر باليأس ، وعندما فتح فمه ليتثاءب لمحت غياب سنه الأمامية ... ففهمت وعذرت خجل طفولته الطريّة!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: وائل رداد
- الزيارات: 11
(مسرحية من فصل واحد)
للنَصِّ بُعْدٌ آخَر
(في الخلفية لوحة زيتية لتمثال الحرية, لكننا نراه من وراء قضبان متمثلة كقضبان السجون كما لو كان محبوسا..
وفي عرض المسرح سرير معدني, تمدد عليه شاب حاملا بين يديه عودا يدندن عليه ألحانا من مقتطفات مارسيل خليفة الساحرة..
يدخل عليه شاب آخر يماثله في السن تقريبا, ويحمل لفافة تحوي وجبة من مطعم "كنتاكي", لكن الشاب الأول يبقى على شروده وسهمه مع الألحان الشجية التي يعزفها ببطء وتأثر..)
الشاب الثاني (سندعوه هنا رياض): جلبت الطعام, هلم بنا للأكل..
الشاب الأول (الذي سندعوه رامزا) باق على شروده وألحانه, مما دعا صاحبه إلى إطلاق تنهيدة حارة من سويداء قلبه..
رياض (بعد أن يتخذ لنفسه مجلسا بجوار صاحبه): أتراك سمعتني يا رامز؟ انهض فالطعام جاهز..
رامز (متجهما): لا رغبة لي, كل لوحدك..
رياض (واضعا يده على كتف صاحبه): يجب أن تأكل شيئا, أنت على هذه الحال منذ البارحة يا رجل..
رامز (متهكما): وما الأكل؟ وما الشرب؟
رياض: وما العزف على العود؟ وما بالك؟ أهي فلسفة جديدة تزمع ابتكارها؟
رامز: ولم لا؟ هل كانط وهيجل أفضل مني؟
رياض: ربما, فقد كانا يتعشيان على الأقل قبل البدء بالفلسفة..
رامز (مدندنا على العود): إليك عني يا صاحبي, فلا شهية عندي..
رياض (وهو يفض لفافة الطعام): علينا بالأكل يا رامز, لأن علينا بالعمل, والعمل هو ما يوفر لنا مال الإيجار لصاحب هذه الغرفة..
رامز (بأسى): اليهودي ابن اليهودية! ألم تجد غيره كي نستأجر من عنده؟ سحنته الشبيهة بغراب البين تثير هلعي قبل اشمئزازي, وهو يزيدهما بكرمه اللامتناهي ومعاملته الطيبة لنا!
رياض (محتدا): ماذا كنت تتوقع؟ جنة الله في الأرض؟ طريق وردي مفروش إلى حيث ما يسمونه هنا "الحلم الأمريكي"؟
رامز (بحزن واضح): كيف طاوعتك يا ترى وهاجرت معك إلى ارض العذاب؟ كيف لم أبقَ هناك في..
رياض (مستهجنا): في وطنك؟ وطنك الذي أطعمك وسقاك وما إلى ذلك من هراء العواطف الجياشة إياها؟
أنسيت الرزق الضئيل؟ أنسيت المعاملة المقيتة؟
رامز (باستهجان مماثل): من يسمعك يقول بأننا قد وجدنا السماء تمطر ذهبا وفضة هنا, ناهيك عن الناس اللطفاء الذين يسيئون لنا كلما مشينا في الشوارع, جنس ومخدرات وكل ما يدع القيء يفيض بغزارة! أنا لم أعد أحتمل أكثر..
رياض (بازدراء): كنت أعلم أنك ابن أمك لا أبيك! قدمت لك فرصة العمر التي يحلم بها شبان العروبة أجمعين, فإذا بك تركلها الآن كما لو كانت صفيحة صدئة..
رامز (ينهض والعزم على وجهه): قل ما شئت ودعني لحالي, دعني في همومي وأحزاني, دعني أتذكر تفاصيل داري وفراشي, دعني أسترجع النوتات التي كنت أدونها في أوراقي..
دعني أتذكر مذاق الطعام الذي كانت والدتي تعده, ورائحة لفافة تبغ والدي وشقاوة إخواني! (تسيل دمعة مريرة على خده وهو يخرج)
رياض (يتناول لقمة من الطعام قائلا باحتقار): طفل كثير البكاء! (صوت طرقات صارمة يتصاعد) من بالباب؟
صوت (بصرامة تلك الطرقات): أنا أدوناي رياض! (ومن ثم يدخل صاحبه, كهل يرتدي ملابس سوداء أنيقة, سحنته غير مريحة بالمرة بسبب الهالات السود البشعة حول عينيه من كثرة السهاد في إحصاء المال)
رياض (متظاهرا بالحبور): مستر مردخاي! أشرقت وأنورت!
مردخاي (متفقدا ببصره أرجاء الحجرة قبل أن تعابث يده طرف السرير): كيف حالك أدوناي؟ عسى أن تكون مرتاحا في الحجرة؟
رياض (ضاحكا بارتباك): ولو؟ أنت الخير والبركة مستر مردخاي!
مردخاي: والحجرة ليست مجانية كما تعلم, أم أنك نسيت؟ ربما تناسيت, فشاب مثلك أحيانا يحب فعل التناسي السخيف!
رياض: أنا أتناسى؟ أنا يا مستر مردخاي؟
مردخاي: سعيد لكوني مخطئا إذن, وسأكون أسعد لو تكرمت وناولتني إيجار حجرتي أدوناي..
رياض (بحرج بالغ): آه! بشأن الإيجار مستر مردخاي إن..
مردخاي (مطقطقا بفمه والابتسامة لا تفارقه): لا! ليس زبوني المفضل الشاب هو من يقول لي ذلك! كنت مخطئا قبل قليل فما الحكاية أدوناي؟
رياض:لا مستر مردخاي, كل ما في الأمر أن المال.. في مكان آخر!
مردخاي (ببرودة): مكان آخر كيف؟ داخل بنك مثلا؟
رياض (مطلقا ضحكة سطحية): ليس إلى تلك الدرجة لكن..
مردخاي (يدنو من ضحيته قبل توقفه): اسمعني جيدا أيها الشاب, قد أبدو لك إنسانا أحمقاً, لكنني بصراحة لا آبه لرأيك السقيم, كان اتفاقنا على أجرة محددة تدفعها لي في زمن محدد, والإخلال ببند واحد من الاتفاق يعني..
رياض (يقاطعه متحمسا): أقسم بالله العظيم ألا نية عندي للحنث بالعهد الذي بيننا! نحن عرب ومسلمون مستر مردخاي, وديننا علمنا الإيفاء بالعهود!
مردخاي: لا يهمني ما إذا كنت بوذيا حتى! أريد مال الإيجار الآن..
رياض (بوجه محتقن): أريد مهلة للغد فقط..
مردخاي (ببسمة ساخرة): أأبدو لك ممن يمهلون للغد؟ إما الدفع الآن أو الطرد حالا دونما إبطاء..
رياض (كمن أسقط بيده): مستر مردخاي أنا أتوسل إليك.. (لحظة صمت صال خلالها مردخاي وجال أرجاء الخشبة قبل توقفه مطرقا رأسه, في حين يتابع رياض كل خلجة من خلجاته متشبثا ببصيص أمل..)
مردخاي (وهو يهرش ذقنه مفكرا): كما تعلم أدوناي أنا رجل لا يحب أن يظلم أحدا..
رياض (متلهفا): هذا أمر معلوم!
مردخاي: ولكي لا أظلم نفسي سأحاول الاستفادة منك! ولربما أخفض لك الإيجار إذا ما أعجبتني نتائجك, من يدري قد تصبح شريكا لي في تقاسم الأرباح! (رياض يصمت وقد بدا عليه قلق, في حين يسترسل مردخاي) أنت تعمل لدى صاحب مطعم عربي أليس كذلك؟
رياض (متوجسا): الحاج طلال..
مردخاي (وقد لان وجهه): هو بذاته! كل ما عليك فعله هو جلب عقد ملكية المطعم, إنه يحتفظ به في درج مكتبه المعدني, وهو قابل للكسر!
رياض (بهلع): مستر مردخاي! ما الذي تقوله؟ تريدني أن أخون الرجل الذي أعمل عنده؟
مردخاي (بنبرة خشنة): هذه ليست خيانة بل صفقة, صفقة عمل عليك أن تفكر بها جيدا.. صفقة تخولك بأن تصير مديرا للمطعم يا رياض, مديره مرة واحدة! هل تتخيل مدى روعة ذلك؟
رياض (مزدريا لعابه): ليس بإمكاني الاستيلاء على مطعم الرجل بتلك البساطة, إن هذا..
مردخاي (ببرودة): أهلا بك في عالم الأعمال يا بني! أكنت تحسب أمريكا بلد الفرص لمن يأتي إليها كي يغسل الأطباق في دهاليز المطاعم؟ لا بد وأنك أحمق! لكن لا بأس, أنا هنا كي أرشدك..
أمريكا بلد اغتنام الفرص الكبرى, بلد الفرص الجريئة, وأنا أعددت لكل شيء عدته, لدي شهود وثبوتيات لن تكتمل إلا بورقة ملكية المطعم الأصلية.. إنها فرصتك يا بني لولوج عالم الأعمال من أقصر الطرق وأسهلها!
رياض (كمن يخاطب نفسه حالما): وأصير مديراً على المطعم؟
مردخاي (بدهاء): وتصير مديراً! (هكذا يصافحه رياض على ذلك لاشعوريا)
صوت (آت من خلف الكواليس): "ستوووووووووووووب!" (يظهر المخرج وقد لحق به شاب يرتدي نظارات سميكة ويمسك عددا من الأوراق يلوح بها كالمجنون)
المخرج (للشاب): لا يا كاتب السيناريو لا, لن أغير رأيي, الفن لا يغير رأيه أبدا!
الكاتب (بانفعال مهتاج): يا سيادة المخرج أرجوك بأن تفهمني, هذا السيناريو مبني على حكاية مردخاي وابنة أخيه استر, لكن في زماننا هذا! وأنت تريد إقصاء دور استر بجعلها مجرد راقصة تعر؟!
المخرج (بضجر واضح): هذا برأيي أهم من دور ممل تتكلم به, سيكون لرقصها أكبر دور بإنجاح الفيلم!
الكاتب (وهو يشد شعره): سينسفنا النقاد نسفا! ستحيل عملا كان ليغدو كلاسيكيا إلى فيلم عبث وقلة حياء!
المخرج (في شمم): لا حياء في الفن! قالت استر ومردخاي قال! أتريد خراب بيوتنا جميعا؟ الجميع يريد مشاهدة إسترك هذه تتلاعب بالجميع عن طريق جسمها لا عقلها!
الكاتب (منتحبا): أقسم أن أفعل أي شيء, لكن لا تدمر تحفتي أرجوك!
المخرج (بغطرسة وهو يستعد للمغادرة): بل هي تحفتي الآن, ولن أدع أحمقا مثلك يدفعنا إلى إشهار إفلاسنا باسم الإبداع! استعدوا لتصوير مشهد استر وهي ترقص في "الكاباريه"! (يبتعد وخلفه الكاتب محاولا بيأس إقناعه بالعدول عن تلك المصيبة)
رياض (يتكلم عبر هاتفه النقال): آلو؟ جاهزة يا حياتي؟ أنا في طريقي إليك (يدنو منه مردخاي على استحياء)
مردخاي (بنبرة حرج): أستاذ هاني, أرجو ألا أزعجك بمطلب صغير..
رياض (بانزعاج شديد): لا تقل لي مزيدا من الوقت! لن أعطيك مهلة أخرى يا رائف, وسداد ما اقترضته من مال أتوقعه اليوم قبل الغد..
مردخاي (يكاد أن يجهش بالبكاء): آخر هذا الشهر, أعدك ألا أطلب مهلة بعدها أبدا..
رياض (بغطرسة وتأفف): وهو كذلك, آخر هذا الشهر, وبعدها إما السداد أو الشرطة..
(هكذا يصافحه مردخاي على ذلك لاشعوريا!)
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ركاطة حميد
- الزيارات: 12
قصص قصيرة "أحزان الملائكة"
حزن موارى بين الثقوب
لما هم بزيارة صديقه المريض ، أدرك رشيد أن الحزن المتواري بين ثقوب جدران المصحة ، يسكن برهبة أعماق العاملين فيها ، أما المرضى فيبددونه على مضض بجرعات مهدئات مميتة . .وهو يفتح باب الغرفة وجدهم يغطون وجهه بلحاف أبيض ، وعيونهم تفيض من الدمع والأسى ، فتساءل هل تبكي الملائكة؟
دموع فراشة
في الحانة كانت توزع القبلات والابتسامات ، وهي محلقة كفراشة . أمام المرآة تنكرت فجأة لصورتها البشعة ،همت بنزع أحمر الشفاه فاغر ورقت عيناها بالدمع ، تذكرت كيف غير اللون الأحمر تاريخ البشرية ، وأحمر شفاهها يرغمها على الاستمرار في الحفاظ على تزييف حقائقها ، ويمنعها من إماطة ولو جزء صغير من قناعها السخيف .
أحزان الملائكة
وهو على ظهر أمه الجالسة قرب باب المسجد ليلة القدر ، كان صبي يلوك جلباب أمه المتسخ وهي باسطة يدها للإحسان ، تمر جحافل أطياف بقربها إلى داخل المسجد تباعا راغبة في المغفرة والتواب دون أن تدرك أن الرحمة التي ينشدونها انتزعت من قلوبهم ، تجاهلتها أعينهم ، وهم يهرولون نحو الصفوف الأولى والإمام يرتل القرآن بصوت شجي كان صراخ الصبي يعلو بقوة محتجا على تجاهل صفه الغير مصنف ويد أمه الكليلة والفارغة .
ركاطة حميد قاص من المغرب
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد العربي الوالي
- الزيارات: 7
لم يبق إلا الحزن.
يوم كان زعبوط زعبوطا فقط.
كان كما يقال من الذين لا يولدون إلا ثوارا..يذكره البعض طفلا ذا جسم نحيل، ملفوفا في قندورة تآكلت أطرافها، وقدمين مشققتين حافيتين طوال العام.أبوه
كان من الفقراء المعوزين، وأمه كانت تزور كل سنة إخوتها ليساعدوها ببعض الأكياس من الشعير ضمانا لقوت الشتاء القاسي الذي، الذي كان يقضيه وأفراد أسرته متراصين كأكياس التبن فإحدى زوايا الكوخ، هروبا من قطرات المطر،التي كانوا يشقون لها خيوطا في الأرض لتوجيهها نحو فتحة في أسفل الجدار،لتسريبها إلى الخارج.
وكان يذهب ورفاقه من الأطفال،لجمع الحلزون والضفادع لبيعها للفرنسيين في المدينة.عاد ذات مساء وفي يده ثلاثمائة فرنك حصيلة أيام مـــن العمل.
وفرحت أمه كثيرا لما سلمها لها وقالت له مازحة:
" هل تعرف أنني تزوجت من أبيك بأقـــــل منها؟لقد كان مهري مائة فرنك.”
ودهش للأمر متسائلا.كيف أن أمه الجميلة العاملة، والتي تحب الناس جميعا لا تساوي إلا مائة فرنك.بينما رقية بنت جارهم تزوجت منذ أيام بألف فرنك!
وحتى يطمئن أمه و يخفف مما تصوره انزعاجا.
أمي!لكم أود أن أكبر بسرعة،حتى أحضر لك كثيرا من الدراهم. وأول ما سأفعله، سأشتري لك حذاء، لتلبسيه حتى لا تجرح رجلاك، عند ذهابك إلى العين لجلب الماء".لكن أمه ردت عليه،ردا أنبأه أنها تخاف عليه.
" أبوك كما ترى رجل كبير..لكنه لا يحضر الدراهم.لأنه لم يجد عملا.فأنى لك أن تحصل أنت عليه؟"
ونام ليلته تلك على فراش وثير، تقديرا له على ما قام به، حرصت أمه على أن تفرش على قطعة الحصير المتعددة ثقوبه، بقايا صدرية عسكرية، جاء بها خاله،نهاية الحرب بين الألمان والفرنسيين.بعد سنوات عدة لأن فرنسا سجنته، بتهمة مناصرة الألمان، وتثبيط معنويات جنود الكتيبة التي كان ينتمي إليها.
ثم حدث أن استشهد خاله في الحرب التحريرية، لأنه كان من المجاهدين الأوائل.
وخرج أبوه من السجن بعد أشهر طوال، قضاها في زنزانة منفردة.خرج بقايا إنسان، برجل مقطوعة، وبيدين ترتعشان دون توقف، وبصدر ينزف دمـا، وسعال حاد، يشبه صفيره محرك شاحنة العسكر، وتجحظ لـــها عينا الأب، وتلفظ رئتاه، خيوطا صفرا وحمرا. وتمسك الأم برأسه وترفع إصبع يد أبيه اليمنى، وهي تردد.
" لا إله إلا الله محمد رسول الله".
كان المنظر يمزق نياط قلبه.ولكن أمه أوصته، بمراقبة أبيه كلما حلت به النوبة " حتى لا يموت دون شهادة."
وفي كل ليلة كانوا ينتظرون موت الأب.والحرب تشتد، والعسكر الفرنسيون يزدادون شراسة، وبعد أن أفنوا الكبار، أشهروا أسلحتهم في عيون الأطفال.
يقسم أحد الأطفال الذين حضروا مظاهرة ضد العدو، أنه شاهد زعبوطا، وهو يرفع صوته منشدا " جزائرنا..يا بلاد الجدود."، يوم استشهدت عمتي الزهرة التي كانت تقود المظاهرة، وكان زعبوط قريبا منها ويتقدم المسيرة الغاضبة، فأسرع إليها لما أصابتها القذيفة، وهي تتهاوى، فخطف منها العلم، مخافـــة أن يسقط، ثم انحنى عليها، متفحصا صدرها الذي كان يقذف دما غزيرا..ودعا الجمع إلى مواصلة الزحف، وكان ينشد بصوت أقوى حماسا وأحلى إيقاعـا، وهو يلوح بيديه المضرجتين بدم الشهيدة، وهو يقسم برأس أبيه، أن ينتقم لعمتي الزهرة، والرصاص ما يزال ينثال. لجأ العدو إلى المدفعية لما لاحظه من اشتداد الثورة،ثم جمع قواته المحمولة والراجلة، وداهم القرية.
مساء ذلك اليوم المشهود،تساءل النساء والأطفال عن سراختفاء زعبوط.
وتضاربت الأقاويل، وكثرت الإشاعات.فمنهم من يزعم أن العسكر قد ألقوا عليه القبض، وأنهم قد أخذوه معهم ومامن شك في أنهم قتلوه.وأخفوا الأمر.وبكى بعضهم متمنين لو أعطوهم جثته حتى يدفن كما يدفن الشهداء، بينما يرفض البعض هذا التأويل رفضا قاطعا، ويؤكدون أن العسكر أنفسهم يحثوا عنه، وقد ثار قائدهم عليهم أشد الغضب أشبعهم سبا، لأنهم لم يعثروا عليه رغم أنهم شاهدوه بالمنظار، وأعلموه بمواصفاته.
وبعد أيام، زال اللبس، وتأكد لهم أن زعبوط كان عينا للثورة في الجهة كلها،وأنه كان يخبيء وثائق سرية وهامة، وخوفا من أن تقع في أيادي العدو، عند مداهمة العسكر للقرية، نزل الوادي وتسلل إلى الغابة فارا بحمولته.
وأمسى زعبوط نجم القرية، لا حديث للناس إلا عنه..وكم رحب به أصحابه ليلة عاد بلباس جندي مع الثوار، ومما مازحه به بعضهم " أنت على الأقل نـجوت من العري، وحصلت على حذاء.ويرجوه آخرون أن يحكي لهم عما حضـره من قتال للفرنسيين، وفيما إذا كان الرومي، عندما تشتد المعـركة، ويفعل الرصاص فعلته، يفر وهو يصيح: ماما..ماما..
وشهد بعد ذلك معارك عديدة، صنع فيها الرجال من أجسادهم ما لاعين رأت، ولا أذن سمعت. وقد أبلى فيها جميعها أيما بلاء.وأصبح يلعب مع الطائــرة الصفراء للعدو لعبة الصياد والعصفور. وكم كان يحزن لاستراحة المــحارب التي يعتمدها الثوار استعدادا لهجوم موال، لأنه كان على أهبة مستمرة لخوض الأهوال، انتقاما من المعتدين الظالمين.
نزل زعبوط المدينة ذات يوم، وأعلام النصر تزين المباني والشوارع، والبشر يعلو وجوه المتعبين. واستقبله أناس لم يكن يعرفهم،وفتحوا له عوالم غريبة لم يكن يحلم حتى بوجودها وهو البدوي الذي كان ليلة يحلم وهو صبي يرى أباه وقد عاد من السوق وقد أحضر في قلمون برنسه شيئا من التمر.أو بالغزالة التي تأتيه عندما ينام لتسقيه
من ظمأ، كما تقول أمه كلما ألح في طلب جرعة مـاء الذي يكون قد نفد، ولم يكن بوسع أي كان الخروج ليلا لجلب الماء خـــوفا من رصاص العدو.
ووجد نفسه بين ليلة وضحاها، ينتقل من شظف العيش، وهول المعارك، ومناظر الدماء والدموع. ليعيش في رفاهية من العيش، فهذه فيلات تفتح له أبوابها للسكن، وهذه سيارات تهدى.وهذه بدلات يغيرها صباح مساء، دون أن يدفع ثمنا لها، وتلك سجائر مختلفة الأحجام والألوان..وهذه خمور معتقة يسقاها وهو الذي كان قد ذبح أكثر من واحد نتيجة سكره، أشهرا قليلة قبل الاستقلال.
وجملت المدينة في عينيه، وأشرب قلبه حبــها، وحب المحسنين والمحسنات بالفتيات الغضات الإهاب.ونسي أن يعود إلى القرية التي أنجبته، ليسأل عن عمته العـمرية التي ذبحت له آ خر دجاجة كانت ترتزق من بيضها..
ولعله نسي أن هـناك قرية.
وجاءته الوجوه الجديدة، بوثائق ليضع إمضاءاته عليها، مصرحا بشرفه أنهم كانوا من الجنود الأوائل الذين فجروا الثورة، وحرروا البلاد والعباد بتضحياتهم.
تردد أول الأمر. ولكن أحباءه وحبيباته أجهزوا على تردده.ولم يجد بـدا مــن تزكية نضالا تهم ونضالا تهن.وكيف لا يفعل.وأنى له أن يقاوم؟ وهؤلاء الخـيرون من البشر يغدقون عليه المال دون حساب.أو ليسوا هم الذين بــادروا بالإحسان، أو يكون قليل الأصل، ناكرا للجميل؟. وسخر من نفسه التي راودته يوما بمثل شعبي
" الحشمة تولد...."ولكنه سرعان ما عاد ليقنع نفسه
" ما الضرر في أن يكثر في بلادنا المجاهدون!وهي بهذه الشساعة والغنى!..هكذا أبعد شكوكا مرت بخلده...
وهكذا ازداد دخله، وازدادت مكانته سموا،وكلماته تأثيرا.
غيرت له إحدى محضيا ته اسمه الذي كانت تجد فيه آثار بيئة متخلفة خشنة.وهي تجد حرجا وانزعاجا شديدين في ذكر كلمة زعبوط أمام صويحباتها. وهو لم يكن فيما مضى ينتبه إلى اسمه، وما حدثه أحد عن بشاعته، ولكنه اليوم يلعنه، ويكاد يلعن أمه لسوء اختيارها، وانحطاط ذوقها. والواقع أنه قد صار شديد الاهتمــام بكل تفاصيل حياته المادية. فهو لا يغادر عتبة بيته إلا إذا عرض شاربـه على المقص والمرآة.وتعطر، بعد أخذ ورد في أي القمصان يلبس، محاولا إيجاد تناغم بينها وبين ربطة العنق، ولون البذلة. لقد علمه أصدقـاءه في عالمه الجديد أن الرجل بمظهره، وما عدا ه طعام الميتين.لقد أقنعوه أن الرجــل العصري هو من يضع على أرنبة أنفه نظارات تريح بصره و توحي بمستوى ثقافي راق، رغم أنه لم يكن يطالع حتى الجرائد والمجـــلات الفرنسية، التي يزين بها رف المقعد الخلفي لسيارته.
كما اقتنع بوجاهة رأيهم بأن لا خدمة تقدم لأحد دون مقابل.وأن الحياة الحقة هي الأخذ من الآخرين فقط، وإن كان لابد من عطاء فليكن من جيوب الآخريـن كذلك وقيل له أن الحياة هي" قفزات"، وأن من عز بز. وكان تلميذا جــادا في تنفيذ ما قيل له، وما لم يقل، بل ذهب به ذكاؤه إلى ابتداع طرائق خاصة به.
وامتدت به السنوات، ووجد أن الوجوه التي تعامله تتغير، بتغير مسكنه
و ملبسه ومأكله ومركبه..وما عاد يشعر بذلك الدفء، ولا الاطمئنان لأي كان ولا حتى لنفسه.
لقد افتقد تلك الأحاسيس، وتلك العزة التي كانت تملأه، كلمـا عاد إلى القرية من ميدان المعركة، ليستريح بعض الليل، ويتناول قطعة من الخبز، وفنجانا من القهوة إن وجد..
وهو غاضب أشد الغضب على بـرامج التلفزة الوطنية، التي تنغص عليه حياته. ولولا البرامج الأجنبية من أفلام، حتى ولو كانت صورا متحركة، أو مقابلات في كرة القدم، لكانت عيوننا قـد عميت، وصدورنا قد صدئت من غبار جرارات الفلاحين، وآليات الجيش التي تشـق طريق الوحدة الإفريقية.
وقد أوضح له الفاهمون جدا، والذين لا يفكرون بصوت مسموع أبدا، إن سياسة البلاد خرقاء, إن حكامنا الجهلة الذين تربوا في الفقر، لا ينظمون إلا إلى فقراء العلم وضعفائه. ولو أنهم فتحوا صدورهم، وعقولهم إن كانت لهم عقول لأمريكا أو فرنسا، لكنا اليوم من الدول المتقدمة.وهو لم يكـن يناقش أصحابــه.فهم لا ينطقون عن الهوى. ودليلهم الحي هو زعبوط نفسه.ألم يغدُ غنيا في فترة وجيزة.ولو أن الحكام لم يوصدوا الأبواب في وجوه القادرين على القفز لفعلوا ما فعل هو، وحلت المشكلة.
ذات صباح أسود من أيام أواخر شهر ديسمبر، استفاق على آيــات من القرآن الكريم تتلى في المذياع. تصور أول الأمر أنه استفاق فجرا على غير عادتـه. ولكن المذيع راح يقرأ بصوت تخنقه العبرات" إنا لله وإنا إليه راجعون" لقد انتقل إلى رحمة الله فجر هذا اليوم المجاهد، الذي قهر الأعداء."وجاء على ذكر اسم أحد إخوته المجاهدين.
وبعد ذلك لم يفهم ما جرى، أحس بدوار وغثيان يمتلكانه.وعادت إلى مخيلته، الذكريات الجميلة التي جمعتهما جنبا إلى جنب في الأحراش والغابات يقاتلان الأعداء. وتذكر كيف كانا يتنافسان في مواجهة رموز الشر والعدوان.وكيف كان كل منهما يتمنى الشهادة، التي لم ينعم بها أي منهما.
كان إخوته الجدد كلما مر ذكر اسم صديقه المجـاهد، عوذوا بالله منه، ومن أفكاره الكافرة.وألحقوا به كل مآسي الأمة منذ نشأة الخليـقة. لم يكن زعبوط الذي يسكنه مقتنعا بما يدعيه هؤلاء القوم، لأنه أعرف بأخيه. ولكن الـرجل العصري الذي صاره، لم يكن يهتم لا كثيرا ولا قليلا بالصراع الدائر بينه وبينهم.بل كان أميل إليهم لأنهم أكثر دراية بما يجري في العالم الخارجي الذي زاره مرات معهم،وأعجب به أيما إعجاب.
وبينما هو في شروده إذ لمح ابنه يمر مسرعا، متوجها نحو الخارج.
ناداه.: هل سمعت الخبر؟
نظر الابن إلى أبيه بعينين تملأ هما الدموع، ولم يزد على أن رد.
- "ومتى كانت الأخبار تهمك؟ ألم تكن تتمنى تتنكر لأخيك هذا ؟ أوليس هذا ما كنت تتمناه وجماعتك؟"
أحس الأب بالأرض تبتلعه ابتلاعا، وتضغط على رئتيه، فتقطع أنفاسه، وعلى رأسه فتطقطق عظامه...ود أن يلحق بابنه العاق ويصفعه، أو يكسر عظامه،ويفهمه أنه قبل أن يبلغ سنه كان جنديا ثائرا، وأن الوطن يسكن أعماقه.ولكنه لما هم بملاحقة ابنه تذكر مقولة نقلها له ابنه ذات يوم عن أخيه المجاهد الذي توفي اليوم" إن الجهاد ليس وساما أبديا."
انهمرت الدموع غزير قوية من عينيه، بل أحس بها دماء تنزف من قلبه. بكى كما لم يبك في حياته من قبل..وهو يسير في الموكب الجنائزي الضخم، الذي جمع الأمة كلها بشيوخها وعجائزها وحتى أطفالها.وتساءل كيف أن مكانته الاجتماعية الراقية، والمريحة ماليا لم تمكنه من نيل حب ابنه واحترامه له. بينما ملايين المشيعين يرفعون أصواتهم، مهللين ومكبرين كما كان يحدث إبان الثورة عند دفن الشهداء وهم يرددون.
" كلنا فداك ياشهيد...لو نفع الفداء.".
فهم يوم ذاك سر استجابة ابنه لكل نداء يوجهه المجاهد الشهيد للشباب.
ود لو أن ابنه قسا عليه، ولم يرحمه..لعله كان قد أرجعه إلى غابات قريته، وإلى الأحضان الدافئة لأهله..التي كاد ينساها إلى الأبد...
لكن هل سيجد أهلا، وهل سيفتحون له صدورهم وبيوتهم كما كانوا يفعلون؟.وهل بقي منهم حي يرزق؟ هل بقي مكان شاغر في صف ابنه، وحتى ولو كان خلفيا، ليتموقع فيه؟وفو جيء بابنه عندما عرض عليه فكرة الذهاب إلى القرية لزيارة إحدى المجاهدات" عمتي الزهرة"، يخبره بأنـها توفيت منذ أكثر من شهرين.وإنه كان يلتقي بها في بيتها بالقرية، ويبيت عندها، وتسلق له بعض البيض، في كل عطلة مدرسية.وأنها كانت تحبه كثيرا لأنها ترى فيـه زعبوط الصغير.وعندما سأل ابنه فيما إذا كانت تذكره بخير.قال الابن لأبيه.
- سألتني عن أخبارك، قبل موتها بأيام، ثم دمعت عيناها وقالت لي.
" أبوك اصبر اصبر، وكي أتلاحت في الطاجين كفر"
قام الابن منصرفا..
أطرق الأب مليا...
يذكر زعبوط جيدا...أنه كان فتى فرحا. فرحا، رغم الجوع، والحرب، والموت.
ولكنه اليوم..رغم المال والجاه...حزين.حزين..حزين.
محمد العربي الوالي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد العربي الوالي
- الزيارات: 11
لـــم يبــق إلا الحـــزن
يوم كان زعبوط زعبوطا فقط.
كان كما يقال من الذين لا يولدون إلا ثوارا..يذكره البعض طفلا ذا جسم نحيل، ملفوفا في قندورة تآكلت أطرافها، وقدمين مشققتين حافيتين طوال العام.أبوه
كان من الفقراء المعوزين، وأمه كانت تزور كل سنة إخوتها ليساعدوها ببعض الأكياس من الشعير ضمانا لقوت الشتاء القاسي الذي، الذي كان يقضيه وأفراد أسرته متراصين كأكياس التبن فإحدى زوايا الكوخ، هروبا من قطرات المطر،التي كانوا يشقون لها خيوطا في الأرض لتوجيهها نحو فتحة في أسفل الجدار،لتسريبها إلى الخارج.
وكان يذهب ورفاقه من الأطفال،لجمع الحلزون والضفادع لبيعها للفرنسيين في المدينة.عاد ذات مساء وفي يده ثلاثمائة فرنك حصيلة أيام مـــن العمل.
وفرحت أمه كثيرا لما سلمها لها وقالت له مازحة:
" هل تعرف أنني تزوجت من أبيك بأقـــــل منها؟لقد كان مهري مائة فرنك.”
ودهش للأمر متسائلا.كيف أن أمه الجميلة العاملة، والتي تحب الناس جميعا لا تساوي إلا مائة فرنك.بينما رقية بنت جارهم تزوجت منذ أيام بألف فرنك!
وحتى يطمئن أمه و يخفف مما تصوره انزعاجا.
أمي!لكم أود أن أكبر بسرعة،حتى أحضر لك كثيرا من الدراهم. وأول ما سأفعله، سأشتري لك حذاء، لتلبسيه حتى لا تجرح رجلاك، عند ذهابك إلى العين لجلب الماء".لكن أمه ردت عليه،ردا أنبأه أنها تخاف عليه.
" أبوك كما ترى رجل كبير..لكنه لا يحضر الدراهم.لأنه لم يجد عملا.فأنى لك أن تحصل أنت عليه؟"
ونام ليلته تلك على فراش وثير، تقديرا له على ما قام به، حرصت أمه على أن تفرش على قطعة الحصير المتعددة ثقوبه، بقايا صدرية عسكرية، جاء بها خاله،نهاية الحرب بين الألمان والفرنسيين.بعد سنوات عدة لأن فرنسا سجنته، بتهمة مناصرة الألمان، وتثبيط معنويات جنود الكتيبة التي كان ينتمي إليها.
ثم حدث أن استشهد خاله في الحرب التحريرية، لأنه كان من المجاهدين الأوائل.
وخرج أبوه من السجن بعد أشهر طوال، قضاها في زنزانة منفردة.خرج بقايا إنسان، برجل مقطوعة، وبيدين ترتعشان دون توقف، وبصدر ينزف دمـا، وسعال حاد، يشبه صفيره محرك شاحنة العسكر، وتجحظ لـــها عينا الأب، وتلفظ رئتاه، خيوطا صفرا وحمرا. وتمسك الأم برأسه وترفع إصبع يد أبيه اليمنى، وهي تردد.
" لا إله إلا الله محمد رسول الله".
كان المنظر يمزق نياط قلبه.ولكن أمه أوصته، بمراقبة أبيه كلما حلت به النوبة " حتى لا يموت دون شهادة."
وفي كل ليلة كانوا ينتظرون موت الأب.والحرب تشتد، والعسكر الفرنسيون يزدادون شراسة، وبعد أن أفنوا الكبار، أشهروا أسلحتهم في عيون الأطفال.
يقسم أحد الأطفال الذين حضروا مظاهرة ضد العدو، أنه شاهد زعبوطا، وهو يرفع صوته منشدا " جزائرنا..يا بلاد الجدود."، يوم استشهدت عمتي الزهرة التي كانت تقود المظاهرة، وكان زعبوط قريبا منها ويتقدم المسيرة الغاضبة، فأسرع إليها لما أصابتها القذيفة، وهي تتهاوى، فخطف منها العلم، مخافـــة أن يسقط، ثم انحنى عليها، متفحصا صدرها الذي كان يقذف دما غزيرا..ودعا الجمع إلى مواصلة الزحف، وكان ينشد بصوت أقوى حماسا وأحلى إيقاعـا، وهو يلوح بيديه المضرجتين بدم الشهيدة، وهو يقسم برأس أبيه، أن ينتقم لعمتي الزهرة، والرصاص ما يزال ينثال. لجأ العدو إلى المدفعية لما لاحظه من اشتداد الثورة،ثم جمع قواته المحمولة والراجلة، وداهم القرية.
مساء ذلك اليوم المشهود،تساءل النساء والأطفال عن سراختفاء زعبوط.
وتضاربت الأقاويل، وكثرت الإشاعات.فمنهم من يزعم أن العسكر قد ألقوا عليه القبض، وأنهم قد أخذوه معهم ومامن شك في أنهم قتلوه.وأخفوا الأمر.وبكى بعضهم متمنين لو أعطوهم جثته حتى يدفن كما يدفن الشهداء، بينما يرفض البعض هذا التأويل رفضا قاطعا، ويؤكدون أن العسكر أنفسهم يحثوا عنه، وقد ثار قائدهم عليهم أشد الغضب أشبعهم سبا، لأنهم لم يعثروا عليه رغم أنهم شاهدوه بالمنظار، وأعلموه بمواصفاته.
وبعد أيام، زال اللبس، وتأكد لهم أن زعبوط كان عينا للثورة في الجهة كلها،وأنه كان يخبيء وثائق سرية وهامة، وخوفا من أن تقع في أيادي العدو، عند مداهمة العسكر للقرية، نزل الوادي وتسلل إلى الغابة فارا بحمولته.
وأمسى زعبوط نجم القرية، لا حديث للناس إلا عنه..وكم رحب به أصحابه ليلة عاد بلباس جندي مع الثوار، ومما مازحه به بعضهم " أنت على الأقل نـجوت من العري، وحصلت على حذاء.ويرجوه آخرون أن يحكي لهم عما حضـره من قتال للفرنسيين، وفيما إذا كان الرومي، عندما تشتد المعـركة، ويفعل الرصاص فعلته، يفر وهو يصيح: ماما..ماما..
وشهد بعد ذلك معارك عديدة، صنع فيها الرجال من أجسادهم ما لاعين رأت، ولا أذن سمعت. وقد أبلى فيها جميعها أيما بلاء.وأصبح يلعب مع الطائــرة الصفراء للعدو لعبة الصياد والعصفور. وكم كان يحزن لاستراحة المــحارب التي يعتمدها الثوار استعدادا لهجوم موال، لأنه كان على أهبة مستمرة لخوض الأهوال، انتقاما من المعتدين الظالمين.
نزل زعبوط المدينة ذات يوم، وأعلام النصر تزين المباني والشوارع، والبشر يعلو وجوه المتعبين. واستقبله أناس لم يكن يعرفهم،وفتحوا له عوالم غريبة لم يكن يحلم حتى بوجودها وهو البدوي الذي كان ليلة يحلم وهو صبي يرى أباه وقد عاد من السوق وقد أحضر في قلمون برنسه شيئا من التمر.أو بالغزالة التي تأتيه عندما ينام لتسقيه
من ظمأ، كما تقول أمه كلما ألح في طلب جرعة مـاء الذي يكون قد نفد، ولم يكن بوسع أي كان الخروج ليلا لجلب الماء خـــوفا من رصاص العدو.
ووجد نفسه بين ليلة وضحاها، ينتقل من شظف العيش، وهول المعارك، ومناظر الدماء والدموع. ليعيش في رفاهية من العيش، فهذه فيلات تفتح له أبوابها للسكن، وهذه سيارات تهدى.وهذه بدلات يغيرها صباح مساء، دون أن يدفع ثمنا لها، وتلك سجائر مختلفة الأحجام والألوان..وهذه خمور معتقة يسقاها وهو الذي كان قد ذبح أكثر من واحد نتيجة سكره، أشهرا قليلة قبل الاستقلال.
وجملت المدينة في عينيه، وأشرب قلبه حبــها، وحب المحسنين والمحسنات بالفتيات الغضات الإهاب.ونسي أن يعود إلى القرية التي أنجبته، ليسأل عن عمته العـمرية التي ذبحت له آ خر دجاجة كانت ترتزق من بيضها..
ولعله نسي أن هـناك قرية.
وجاءته الوجوه الجديدة، بوثائق ليضع إمضاءاته عليها، مصرحا بشرفه أنهم كانوا من الجنود الأوائل الذين فجروا الثورة، وحرروا البلاد والعباد بتضحياتهم.
تردد أول الأمر. ولكن أحباءه وحبيباته أجهزوا على تردده.ولم يجد بـدا مــن تزكية نضالا تهم ونضالا تهن.وكيف لا يفعل.وأنى له أن يقاوم؟ وهؤلاء الخـيرون من البشر يغدقون عليه المال دون حساب.أو ليسوا هم الذين بــادروا بالإحسان، أو يكون قليل الأصل، ناكرا للجميل؟. وسخر من نفسه التي راودته يوما بمثل شعبي
" الحشمة تولد...."ولكنه سرعان ما عاد ليقنع نفسه
" ما الضرر في أن يكثر في بلادنا المجاهدون!وهي بهذه الشساعة والغنى!..هكذا أبعد شكوكا مرت بخلده...
وهكذا ازداد دخله، وازدادت مكانته سموا،وكلماته تأثيرا.
غيرت له إحدى محضيا ته اسمه الذي كانت تجد فيه آثار بيئة متخلفة خشنة.وهي تجد حرجا وانزعاجا شديدين في ذكر كلمة زعبوط أمام صويحباتها. وهو لم يكن فيما مضى ينتبه إلى اسمه، وما حدثه أحد عن بشاعته، ولكنه اليوم يلعنه، ويكاد يلعن أمه لسوء اختيارها، وانحطاط ذوقها. والواقع أنه قد صار شديد الاهتمــام بكل تفاصيل حياته المادية. فهو لا يغادر عتبة بيته إلا إذا عرض شاربـه على المقص والمرآة.وتعطر، بعد أخذ ورد في أي القمصان يلبس، محاولا إيجاد تناغم بينها وبين ربطة العنق، ولون البذلة. لقد علمه أصدقـاءه في عالمه الجديد أن الرجل بمظهره، وما عدا ه طعام الميتين.لقد أقنعوه أن الرجــل العصري هو من يضع على أرنبة أنفه نظارات تريح بصره و توحي بمستوى ثقافي راق، رغم أنه لم يكن يطالع حتى الجرائد والمجـــلات الفرنسية، التي يزين بها رف المقعد الخلفي لسيارته.
كما اقتنع بوجاهة رأيهم بأن لا خدمة تقدم لأحد دون مقابل.وأن الحياة الحقة هي الأخذ من الآخرين فقط، وإن كان لابد من عطاء فليكن من جيوب الآخريـن كذلك وقيل له أن الحياة هي" قفزات"، وأن من عز بز. وكان تلميذا جــادا في تنفيذ ما قيل له، وما لم يقل، بل ذهب به ذكاؤه إلى ابتداع طرائق خاصة به.
وامتدت به السنوات، ووجد أن الوجوه التي تعامله تتغير، بتغير مسكنه
و ملبسه ومأكله ومركبه..وما عاد يشعر بذلك الدفء، ولا الاطمئنان لأي كان ولا حتى لنفسه.
لقد افتقد تلك الأحاسيس، وتلك العزة التي كانت تملأه، كلمـا عاد إلى القرية من ميدان المعركة، ليستريح بعض الليل، ويتناول قطعة من الخبز، وفنجانا من القهوة إن وجد..
وهو غاضب أشد الغضب على بـرامج التلفزة الوطنية، التي تنغص عليه حياته. ولولا البرامج الأجنبية من أفلام، حتى ولو كانت صورا متحركة، أو مقابلات في كرة القدم، لكانت عيوننا قـد عميت، وصدورنا قد صدئت من غبار جرارات الفلاحين، وآليات الجيش التي تشـق طريق الوحدة الإفريقية.
وقد أوضح له الفاهمون جدا، والذين لا يفكرون بصوت مسموع أبدا، إن سياسة البلاد خرقاء, إن حكامنا الجهلة الذين تربوا في الفقر، لا ينظمون إلا إلى فقراء العلم وضعفائه. ولو أنهم فتحوا صدورهم، وعقولهم إن كانت لهم عقول لأمريكا أو فرنسا، لكنا اليوم من الدول المتقدمة.وهو لم يكـن يناقش أصحابــه.فهم لا ينطقون عن الهوى. ودليلهم الحي هو زعبوط نفسه.ألم يغدُ غنيا في فترة وجيزة.ولو أن الحكام لم يوصدوا الأبواب في وجوه القادرين على القفز لفعلوا ما فعل هو، وحلت المشكلة.
ذات صباح أسود من أيام أواخر شهر ديسمبر، استفاق على آيــات من القرآن الكريم تتلى في المذياع. تصور أول الأمر أنه استفاق فجرا على غير عادتـه. ولكن المذيع راح يقرأ بصوت تخنقه العبرات" إنا لله وإنا إليه راجعون" لقد انتقل إلى رحمة الله فجر هذا اليوم المجاهد، الذي قهر الأعداء."وجاء على ذكر اسم أحد إخوته المجاهدين.
وبعد ذلك لم يفهم ما جرى، أحس بدوار وغثيان يمتلكانه.وعادت إلى مخيلته، الذكريات الجميلة التي جمعتهما جنبا إلى جنب في الأحراش والغابات يقاتلان الأعداء. وتذكر كيف كانا يتنافسان في مواجهة رموز الشر والعدوان.وكيف كان كل منهما يتمنى الشهادة، التي لم ينعم بها أي منهما.
كان إخوته الجدد كلما مر ذكر اسم صديقه المجـاهد، عوذوا بالله منه، ومن أفكاره الكافرة.وألحقوا به كل مآسي الأمة منذ نشأة الخليـقة. لم يكن زعبوط الذي يسكنه مقتنعا بما يدعيه هؤلاء القوم، لأنه أعرف بأخيه. ولكن الـرجل العصري الذي صاره، لم يكن يهتم لا كثيرا ولا قليلا بالصراع الدائر بينه وبينهم.بل كان أميل إليهم لأنهم أكثر دراية بما يجري في العالم الخارجي الذي زاره مرات معهم،وأعجب به أيما إعجاب.
وبينما هو في شروده إذ لمح ابنه يمر مسرعا، متوجها نحو الخارج.
ناداه.: هل سمعت الخبر؟
نظر الابن إلى أبيه بعينين تملأ هما الدموع، ولم يزد على أن رد.
- "ومتى كانت الأخبار تهمك؟ ألم تكن تتمنى تتنكر لأخيك هذا ؟ أوليس هذا ما كنت تتمناه وجماعتك؟"
أحس الأب بالأرض تبتلعه ابتلاعا، وتضغط على رئتيه، فتقطع أنفاسه، وعلى رأسه فتطقطق عظامه...ود أن يلحق بابنه العاق ويصفعه، أو يكسر عظامه،ويفهمه أنه قبل أن يبلغ سنه كان جنديا ثائرا، وأن الوطن يسكن أعماقه.ولكنه لما هم بملاحقة ابنه تذكر مقولة نقلها له ابنه ذات يوم عن أخيه المجاهد الذي توفي اليوم" إن الجهاد ليس وساما أبديا."
انهمرت الدموع غزير قوية من عينيه، بل أحس بها دماء تنزف من قلبه. بكى كما لم يبك في حياته من قبل..وهو يسير في الموكب الجنائزي الضخم، الذي جمع الأمة كلها بشيوخها وعجائزها وحتى أطفالها.وتساءل كيف أن مكانته الاجتماعية الراقية، والمريحة ماليا لم تمكنه من نيل حب ابنه واحترامه له. بينما ملايين المشيعين يرفعون أصواتهم، مهللين ومكبرين كما كان يحدث إبان الثورة عند دفن الشهداء وهم يرددون.
" كلنا فداك ياشهيد...لو نفع الفداء.".
فهم يوم ذاك سر استجابة ابنه لكل نداء يوجهه المجاهد الشهيد للشباب.
ود لو أن ابنه قسا عليه، ولم يرحمه..لعله كان قد أرجعه إلى غابات قريته، وإلى الأحضان الدافئة لأهله..التي كاد ينساها إلى الأبد...
لكن هل سيجد أهلا، وهل سيفتحون له صدورهم وبيوتهم كما كانوا يفعلون؟.وهل بقي منهم حي يرزق؟ هل بقي مكان شاغر في صف ابنه، وحتى ولو كان خلفيا، ليتموقع فيه؟وفو جيء بابنه عندما عرض عليه فكرة الذهاب إلى القرية لزيارة إحدى المجاهدات" عمتي الزهرة"، يخبره بأنـها توفيت منذ أكثر من شهرين.وإنه كان يلتقي بها في بيتها بالقرية، ويبيت عندها، وتسلق له بعض البيض، في كل عطلة مدرسية.وأنها كانت تحبه كثيرا لأنها ترى فيـه زعبوط الصغير.وعندما سأل ابنه فيما إذا كانت تذكره بخير.قال الابن لأبيه.
- سألتني عن أخبارك، قبل موتها بأيام، ثم دمعت عيناها وقالت لي.
" أبوك اصبر اصبر، وكي أتلاحت في الطاجين كفر"
قام الابن منصرفا..
أطرق الأب مليا...
يذكر زعبوط جيدا...أنه كان فتى فرحا. فرحا، رغم الجوع، والحرب، والموت.
ولكنه اليوم..رغم المال والجاه...حزين.حزين..حزين.
محمد العربي الوالي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د/ثروت عكاشة السنوسي
- الزيارات: 9
صعدت إلى قمة التبة العالية .. أنتظرها كعادتي .. أمعنت النظر إلى أسفل ؛ تلك الكومة منزلنا ، وأشجار الأرز المحترقة تئن من حولي ، بينما تظهر طائراتهم تمتلك سماءنا ، وتبعث الأحزان ملء قلوبنا ، فنحن دائما نحترق ، وأسفل الحطام يرقد أطفالنا شهداء ..!
طال انتظاري ، لكنها لم تعد ، لن تسألني ولن أجيب .. عدت أبحث عنها بين كفيّ ، احتضن وجهها الملائكي ، فيتغطى بحمرة الخجل ،ترفع عينيها تتأملني ، ثم تسبلهما مطرقة إلى أسفل ، بينما تميل الشمس للغروب..
ترحل فيرقص قلبينا حينما يهل القمر بوجهه المستنير .. ارفع وجهها الصغير ، أغوص في عينيها ، تتراقص شفتاها ، بينما يداها ترتعدان لهفةً واشتياقاً ..
أقترب ، تدفعني برفق ، أعاود الكرة ، فتبتعد ، أطاردها ، فتتخاذل .. أمسك بها، أضمها بين ذراعيّ ، تلقي برأسها على صدري في استحياء ، تطلب المزيد ، بينما عصافير الزينة الطليقة ترفرف راقصة فوق رءوسنا على ذات النغم ..
نذوب معا حين تسري دغدغة الحب في أوصالنا دافئة ، تسبح مع اللذة التي تسكننا ، فتثمر حبات اللؤلؤ الممزوجة بجينات السعادة ، تعلن أن هناك توأمان للعهد الجديد..
بين سحر الأمسية وفتنة الصباح ، تهب الريح العاتية ، كي تهدم بيتنا ، وتقتلع أشجار الأرز المثمرة ، تدفن الحبات في بطن الرمال ..
صرنا مكبلين بالأحجار ، والعناقيد الغاضبة تخترقنا وقلوب الصغار بلا رحمة فاندثر الجميع تحت الركام وحوائط المبكى ، تعانقت جدراننا كلها في ثورة الصاروخ فوق رءوسنا .. ماتوا وبقيت ..!!
لم استطع شيئا .. تركتهم يُقتَلُون ، ودموعي بقيت تؤنس وحدتي ، وتحمل أشياءهم ، تغلق عيناي ، وتبحث عنهم في كل مكان ، ثم تنهمر من جديد ..
هناك أنينٌ دامعٌ تحت الأنقاض .. ربما الصغار أحياء وزوجتي تناديني تطلب الإنقاذ .. الصوت يختلط بشقشقة مستغيثة من العصافير المحترقة ، ربما هي أيضا ما زا لت تعيش وتستغيث فلا مجيب..!
يبدو أن زوجتي أحاطت طفليّ بعيدا عن الموت .. أتراهم أحياء ..؟
أسمع ضوضاءهم تأتي إلىّ صاخبةً ، فأطالبهم بالهدوء .. أمُّهُم لا تزال نائمة ، لكنهم أبدا لا يستجيبون .. أجري خلفهم ، أداعبهم بين أشجار الأرز فيختفون .. ألتفت هنا وهناك ، أجثو ، أحفر الركام بأظافري.. لا شئ سوى صرخاتهم تأتيني بعيدةً جداً يستغيثون..
يقاومني الهدد ، بينما تعاود أجسادهم الغضة تصرخ وتستجير ، وأنا أسمع ولا أرى ..
أخذت أهرول فوق الأنقاض ، لكني أسارع بالابتعاد ، كي لا أزيد الحمل على جسد الصغار فيموتون ..
أظلمت الدنيا كلها ، وعاد الدخان كثيفاً يمتزج بدماء الصغار، ثم يغرق في بحر من السكون ، ويصاب الجميع بالصمم ..
أغمضت عينيّ ثورة الريح المتربة ، بينما رائحة الصغار تفوح في أنفي .. تستلهمني الصبر رويدا ، ويديّ زوجتي تبحث عنّي فلا تجدني وتناديني فلا أجيب ..
أشعر بظلمتي ورائحة الريش المحترق مع أشجار الأرز تمتزجان بعد الارتواء بدماء أسرتي .. همساتهم المختنقة تستحثني للثأر ، فيعلو صوتي يحمل لعناتي إلى أرجاء الكون كله ..
تعود الريح الجنوبية تحمل غضبتي .. تتسلقني في قلب الظلام ، تهز عروشهم كي تصحو مذعورة ؛ تبحث معي عن زوجتي والصغار ..
ينظرون إلى كراسيهم ، يتململون ضيقا ويهزون رءوسهم عجبا .. جميلة وهي تكتسي بدماء أطفالي ودافئة بأنفاس زوجتي ، جلسوا عليها وتركوني حائراً ، فزاغت إلى أسفل واهتزت بعنف .. حاولوا الهرب ، لكنهم بقبضتي .. يسكنون شراييني الذابلة .. يستبدلونها بملابسهم الحريرية ، لكنهم يمزقون ما تبقى من جلدي المنحوت بأظافرهم أعلى درجات المجد.. فقط يتدافعوني إلى أسفل والضيق يتملكهم من رائحة عرَقي الذائبة فيَّ باحتراق أبنائي وموتهم بين النار والهدد ..
أشعر بالحنين يقتلني ، والألم يعتصرني ، فتهتز بقاياي ..
هممت بمفردي لنجدة صغاري وزوجتي الثائرة لتأخري عليهم .. استعدتني سريعا ، حملت السلاح مجدداً ، وصعدت إلى قمتي أقاتل وحدي .. كلما قاتلت انتصرت ، أعود سريعا إلى الأنقاض .. أسمع ضحكات الصغار وثناء زوجتي ..
كلنا في سعادةٍ غامرة ، انظر إلى قرص القمر .. أراه مبتسما ، بينما تبدأ أشجار الأرز في الاخضرار والنمو من جديد ..!!
***