مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

بحوث و دراسات

ندوة " تدبير الاختلاف في الثقافة العربية "

التفاصيل
كتب بواسطة: أ. د / مصطفى الشليح
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 19 ديسمبر 2000
الزيارات: 10
 

ندوة " تدبير الاختلاف في الثقافة العربية "

بكلية آداب المحمدية / المغرب

أ. د /  مصطفى الشليح

 

من أجل فكر نقدي وعقلاني لبناء ثقافة الإنسان

 

مراسلة خاصة 

انعقدت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية التابعة لجامعة الحسن الثاني الندوة الدولية التي اختارت " تدبير الاختلاف في الثقافة العربية " درسًا أديرت عليه محاورها، يومي 12- 22 مارس 2006، بمساهمة جمهرة من الباحثين الجامعيين المغاربة ووفد مصري ممثل لجامعة عين شمس وكلية الآداب بها.

كانت الورقة التقديمية للندوة بيانا جاء فيه: " يتسم الفكر العربي، في مشتمليه التصوري والتدبري، سواء أكان تراثياً أم معاصراً، باعتماد المرجعيتين الدينية والدنيوية في تصريف الشأن الثقافي وفي التنويع عليه، ثم في عقد حوار مسترسل بين تينك المرجعيتين لفهم التاريخ ولتمثل سبل التعامل مع الواقع المعيش، ومع الأخر الحضاري في سلم الحضارة الإنسانية.

وقد يكون ذلك الفكر، على امتداد حقبه وعصوره، أوجد أنساقه وأنظمته في تفاعل مع أنساق معرفية أخرى حيناً وفي اشتباك حواري معها أحياناً أخرى.

ولعل، في هذا النزوع إلى الاشتباك السجالي، ما أذن باستمراريةٍ مراوحةٍ للمترتب عن ذياك الفكر من أنشطة ثقافية قد تكون منسحبة على غير قليل من الحقول المعرفية والجمالية؛ وإن اعتورتها قطائع لم تتسرب إلى الجوهر بقدر ما استبانت في المظهر.

من ثمة يمكن إدراك انعطاف المثقف العربي إلى تراث موغل في القدامة دون توجس منها، ومن غير إحساس بالبون الزماني القائم بين المعاصر والتراثي، وبالتباعد بين معرفتين ليستا متشاكلتين في المعاقد والمقاصد؛ وإذا تسلل الوهم بإمكانية حدوث التشاكل فإن المسافات غيرالتفاعلية الناجمة عن الهوة بين الهوية والعولمة الثقافيتين خليقة باطراح ذلك الوهم.

إن الثقافة العربية – كما اعتمدتها المنظمة العربية للثقافة والعلوم – " تنتظم جماع السمات المميزة للأمة من مادية وروحية وفكرية وفنية ووجدانية. وتشمل مجموعة المعارف والقيم والالتزامات الأخلاقية المستقرة فيها، وطرائق التفكير والإبداع الجمالي والفني والمعرفي والتقني، وسبل السلوك والتصرف والتعبير، وطرز الحياة. كما تشمل أخيرا تطلعات الإنسان للمثل العليا، ومحاولاته إعادة النظر في منجزاته، والبحث الدائم عن مدلولات جديدة لحياته وقيمه ومستقبله، إبداع كل ما يتفوق به على ذاته ". إنها ثقافة الإنسان.

ولأنها ثقافة الحياة فقد انبنت على قواعد تنصرف إلى الإنسان واضعة قيما ثقافية لعلها كانت تفسيرا لامتداد الفكر العربي وعدم احتجابه عن مد جسور الأسئلة بين الأصل وما تفرع عنه من فكر لعله أصبح أصولاً أو يكاد.

تلك القيم الثقافية ينتظمها الحوار والتسامح، والبناء الحضاري للإنسان، والانفتاح على التنوع الثقافي الكوني، والإسهام في التقريب بين المذاهب والأفكار، والإلمام بالآخر المعرفي لإيجاد قنوات الشراكة الوجودية في ضوء التكامل الثقافي الذي يؤسس للكينونة الكونية الناشئة عن حوار الحضارات، وعن الحق في أن يكون لكل هوية ثقافية معنى إنساني له أن يكون.

إن البحث في/ عن هذه القيم في الثقافة العربية محاور تستدعي مقاربات تأملية لآليات تدبير الاختلاف في الثقافة العربية، سواء منها ما يتصل بالفكر، أو ما ينبري من المنجز الأدبي، أو ما يتمظهر عبر التشكل البلاغي بكافة انتظاماته. "

 

تم استهلال الندوة بمحور "القيم الثقافية في تدبير الاختلاف" في الجلسة الأولى، التي ترأسها د. إدريس الخطاب، والتي تناولت فيها دة ثناء أنس الوجود " مفهوم الاختلاف وحق القراءة "، مبينة عن كون " الاختلاف، في حد ذاته، لا يعني عداوة وانفصالاً، فقد أصبحت الفجوة بين المسلمين واسعة وبحاجة إلى تدبير، رغم أن الاعتقاد الأولي بالتبني- كما أتصوره – هو تكريس هذا الاختلاف والمحافظة عليه، لا بوضعه الحالي الذي يمثل تمزقا أكثر من أي شيء وإنما على النحو الذي يصبح فيه الاختلاف نوعاً من التيارات المتجددة والمتعددة التي تصب في مجرى واحد فتعمل على احتفاظ ذلك المجرى بالجريان والاستمرار والتجدد .. ".

والتفت د. محمد البركة إلى " الاختلاف بين الحقيقة والمجاز "باستحضار" الزمان التاريخي في الربط بين الأفكار والوقائع ليس باعتباره الزماني فقط، ولكن باعتباره المعرفي والروحي وانعكاسه في واقع تعددي مع تنوع الأساليب ..، مقدمة لنهضة متماسكة قد تكون عائقاً إذا لم تتمازج الأفكار والأساليب والرؤى .. ولعل هذا ما يعطي للاختلاف المعرفي، كلما علا نضجاً عبر التواصل والحوار، تعاضداً وإعادة ترتيب للأولويات وتقريب للاتجاهات . ".

وانصبت مداخلة د. عبد الناصر السباعي على " تدبير الاختلاف بين الدراسات النفسية والدراسات الإسلامية " مشيراً إلى أن " الدراسات النفسية الحالية للشخصية القاعدية التي يلاحظها الباحثون في المجتمعات العربية الإسلامية تعطي صورة سلبية عن الإنسان العربي المسلم فيما يتعلق بقبوله للآخر المخالف. ويفسر هذا الواقع على خلفية الخصوصية الثقافية للمجتمعات العربية الإسلامية حيث تجمع الدراسات على جعل الاستبداد والسلطوية أبرز سمة في ثقافتنا."

وتطرق د. إدريس عدلي إلى " عولمة الثقافة وانهيار اليوتوبيا " إثارة إشكالية التعامل مع الثقافات الإنسانية في زمن العولمة، والتفاعلات المواكبة لها باعتبار التطور المعلومياتي الباذخ؛ مما يحفز على اعتقاد تأسيس ثقافة إنسانية نموذجية عالمية نافياً إمكانية حدوث ذلك، وذاهباً إلى اعتماد مقاربة تبحث عن المشترك في الثقافات الإنسانية تكون قاعدة لحوار الثقافات ..

 

اختصت الجلسة الثانية ب " اللامفكر فيه في ثقافة الاختلاف "وأدارتها د. ثناء أنس الوجود. نظر د. عصام عبد الله في "الاختلاف .. ومنطق الشبيه"مبلوراً أنه" على عكس ما هو شائع تكشف " صداقة المفاهيم "أن الأمور ليست كما تبدو لنا، وإنما هي تمضي من دون توقف نحو" التماثل "لا التعدد والاختلاف، وهنا مكمن المفارقة، وإن شئت المراوغة، فهي تقر وتعترف بالتعدد والاختلاف والتنوع، ولكن من أجل إلغائه ودمجه في "وحدة" هي "وحدة معنى" أو "تجربة مبنى" إن منطق الشبيه إذا استعملنا لغة دريدا ف "سياسات الصداقة" هو منطق استعلائي يرفض الآخر وينبذ الاختلاف .."

وقام د. محمد جدير باستثمار المنهج الوظيفي في قراءة "البؤرة والبعد الخطابي في الرواية البوليسية" مقترحاً مقترباً إجرائياً يتوسل بتفكيك البنية الأسلوبية لبيان مواقع الاستفهام بنية موجهة للتفاعل بين اللغة والسياق والموضوعة الروائية المتخيرة. وكان الأستاذ الباحث منصرفاً إلى بلورة الاختلاف الأسلوبي وكيف اعتمده السارد لتدبير الكتابة بشكل عام.  

وخص د. أحمد توبة "الأفق الروائي: ثقافة الاختلاف" بتركيز على محمد زفزاف في روايته "أفواه واسعة" حيث أثار السؤال عن تجليات المعتقد الديني في الرواية من خلال طروحات السارد عن الآخرة والموت والروح والتعصب الديني، .. وألح عليه في البحث عن دواعي إحجام الدارسين النقدة عن الإحجام في مقاربة هذه الشبكة من التجليات.

واستأثر د. محمد  بن الأشهب باقتناص "عبورية البيان" مداخلة اعتبرت أنه "تنبثق البيانات وتتعدد أنماطها وأشكالها ضمن سياق المنازعة، وفي زمن الاختلاف والخلاف. وهو رهين باستشعار الأزمة، ومحموم بصراع الجماليات. ذلك الصراع الذي يفتق من جديد السؤال الشعري، والسؤال حول الأدب بعامة. وننطلق في هذه الدراسة للبيانات الحداثية العربية من دعوى نسميها "عبورية البيان"، وهي أن البيان محكوم بالضرورة بالعبور من المعارضة إلى المحافظة .."

وخلص د. عبد الإلاه تزوت في مداخلته "مظاهر الاختلاف في السجالات النقدية بالمغرب" إلى القسم الأول منها موسوم بالذاتية والانطباعية، نقداً وتعقيباً، ومعلوم بالتقليدية، وإلى أن الثاني منهما ذو اتصال بالإديولوجيا أكثر من اتصاله بالأدب والكتابة النقدية.

 

أما الجلسة الثالثة التي أطرتها "بلاغة الكتابة في التراث العربي" محوراً، والتي قام بها د. أحمد توبة مسيراً، فقد افتتحتها دة. آمنة الدهري بمداخلة "الجاحظ: صناعتا الكلام والكتابة" بقراءة في"رسالة التربيع والتدوير" باعتبارها خطاباً حجاجياً ساخراً مفارقاً يسعى إلى منافرة الأفكار المتداولة، وقلب القيم الثقافية والجمالية لعصر الجاحظ. ومن ثمة إعادتها النظر في تحديد عدد من المفاهيم:

1 - الكاتب بين النموذج والنموذج المضاد

2-  صناعة الهزل في مقابل صناعة الجد أو صناعة الكتابة  

3 - المعرفة ومقترح جمعها بين الدين والفلسفة اليونانية

4- الطبائع من منظور فكرة الوسط الأرسطية  

فهي على هذا تتركز حول علاقة الإنسان بالعالم لتبني واقعا آخر للفكر والمفكر العربي في العقد السادس من القرن الثاني الهجري ."

وكانت مداخلة د.مصطفى الشليح بحثا في "من المتعدد إلى الواحد المتعدد: التحديقُ في النصِّ، حيث انتهى إلى أن  "للنصِّ المحقق صاحبين. له ذلك الصاحبُ التراثي الذي أتى ممهوراً باسمه أو أتى عارياً منه، وله هذا الصاحبُ المعاصر الذي أعاد إليه هويته الثبوتية وخول له الرواج في السوق النصية بعد أن قام بتأهيله حتى يقيض له أمرُ التداول بين قراء مختلفين؛ أي إن المعاصر من المواطنيْن ابتعث النص من رماده ليظلَّ عنقاء لا يدركها البلى، إذ إن الغضى القرائي ما انفك مشبوب الأوار التفاعلي، وما برح مشتعلا يتقدم نحو نهر الحياة ليستحم مرتين تراثا ومعاصرة.

 

     أيهما المؤلف ؟ أهو الكاتب أم المحقق ؟

 أليس التحقيق، في عمقه، ابتعاثـًا للنص من العدم، وإذا لم يكن عدما فهو قريب منه، وسعيا به إلى الترويج القرائي أم أنه كتابة ثانية له ليس شرطا أن تكون سوية الصورة ؟

وإذا كان على هذا النحو، وما إخاله إلا كذلك، فكيف يتناسل النص الواحد تحاقيقَ بها من التباين ما يزري بالتشابه ؟ وفيم يزعم كلُّ ذي كتاب أنه آخذه بيمينه وأنّ ما أتى به صورة ٌ"نموذجية" للأصل، وأن ما ورد عن " الآخرين" به من التخطئة ما يورده مهاوي الخطيئة ؟ "

وركزت د. نعيمة التوكاني على "زمن الفعل بين النحو العربي والدرس اللغوي الحديث" حيث سعت القاربة إلى إبراز "الخصائص الزمنية للفعل في اللغة العربية بالتركيز على إحالات أدى غيابها في النحو العربي إلى الاختلاف في ضبط العلاقات الزمنية بين بعض الآيات في النص القرآني الكريم؛ وذلك بتقديم نموذج من خلال إجراء الإحالة على الزمن السابق في القصص القرآني. يتم هذا الإجراء من خلال قواعد متسلسلة تكون نسقاً خاصاً. غير أن النحاة العرب أهملوا بعضها وأوردوا البعض الآخر منعزلاً عن النسق بحكم تركيزهم على دراسة الجملة دون النص. "

واختتمت الجلسة بمقاربة د. محمد حدوش  "المقصود بالتبَع في محاورة الغير بالذات" فاعتبر أن "أن حل المشاكل الكبرى في ثقافتنا العربية الإسلامية يستلزم مقاربة متميزة بالتأمل النقدي منفتحة على مكاسب العقل الإنساني وتقطع مع المحاولات التي تعتبر كل مسعى يشذ عن بروتوكول القراءة والتفسير الذي وضعه السلف مآله النبذ.."

                  

انعقدت الجلسة الرابعة الباحثة في "المعرفة – الهُوية – شَراكة الكينونة" برئاسة د. لحسن حيرا، وباستفتاح من د. سعيد شبار الذي عنونه ب "الاختلاف في الثقافة الإسلامية: من القطيعة إلى التواصل والتكامل"، واهتم ب "توضيح تأصل وتجذر الاختلاف في الثقافة الإسلامية باعتباره رافداً بنائياً من روافد هذه الثقافة. لكن الممارسة التاريخية حولت الاختلاف إلى عنصر هدم وتطاحن مما أسس لظاهرة القطيعة ليس بين التيارات الفكرية الدينية والسياسية والقائمين عليها فحسب، بل كذلك بين العلوم والمعارف المشكلة لنسغ هذه الثقافة، الأمر الذي يجعلنا أمام كيان ثقافي مهلهل ومثخن بالجراحات، غير قادر على مواجهة التحديات العاصفة من حوله. الأمر الذي يفرض، من جهة أخرى، رد الاعتبار لفكر الاختلاف لكن ضمن نسق منهاجي تواصلي تكاملي بنائي في مصادره المعرفية وتياراته الفكرية من أجل كيان ثقافي متعدد ومستوعب يعكس من قوة العالمية والإنسانية والكونية "

وجاءت مداخلة د. مولاي عمر بن حماد في "القرآن الكريم والاختلاف من الشرعية إلى التدبير" حيث عمل الباحث على إبراز القيم الثقافية المستمدة من القرآن الكريم. وركز د. إدريس مقبول على مقاربة "من التجوهر إلى التكوثر: بحث في أسباب الاختلاف الملي وطرق تدبيره" والتفت د. عبد المجيد مفلاح إلى "تدبير الاختلاف بين القراء والنحاة "، وانصرف د. عبد الكريم الواطي إلى " قواعد تدبير الاختلاف في الثقافة الإسلامية"

         

وقد اتسمت المداخلات المقدمة بالصرامة العلمية في الطرح، وبالمكاشفة النقدية في السؤال ثم اصطبغت بالحيوية الحوارية بين المتدخلين وبين الجمهور الذي تابع أشغال الندوة بانتباه فاعل تمثل في التعقيب الاستدراكي، وفي التعليق الاستفساري، وفي التذييل الحجاجي لما اشتملت هاته المداخلة أو تلك، بالتركيز على الذات والآخر، وبالتنصيص على أن هناك صيغا  لتدبر الاختلاف بين الأنا والأنا؛ إذ إنه عبره، يتم الخلوص إلى تصريف قنوات التواصل مع الغير، ثم بتخصيص الصدارة للتفكر التأملي / التمثلي قبل إيلائها للتدبر التطبيقي الإنجازي.

 

وكان من توصيات هذه الندوة الدولية تجذير التأمل في "تدبير الاختلاف في الثقافة العربية" حلقة ثانية تنعقد  بجامعة عين شمس المصرية في السنة المقبلة، بل جعلها حلقات دراسية على امتداد عقد من الزمان، ثم سؤال المؤسسات الدولية العمل على تأصيل مفهوم التواصل والاختلاف، والتوجه إلى الرأي العام بوجوب احترام الخصوصية والمغايرة والاختلاف في إطار ثقافة تحتفل بالإنسان، لترسيخ ثقافة الحياة والإنسان.

 

 

قراءة شعرية في سردية (من يسكب الهواء في رئة القمر)

التفاصيل
كتب بواسطة: منال الشيخ
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 16 ديسمبر 2000
الزيارات: 310

قراءة شعرية في سردية (من يسكب الهواء في رئة القمر)
منال الشيخ
قاصة من العراق
ثمة صوت خفي ينبؤنا من أول سطر في الرواية بأننا سنقرأ عملاً لا يشبه الرواية مصطلحاً ومفهوماً تعودناهما وإن كان النص يحمل مصطلح ( رواية شعرية ). استرسال القراءة يوقف التلقي أمام نفس شعري أثيري المفعول. يرسم لخطى القراءة انقياداً نحو وجه آخر لا يشبه المألوف الكتابي ويمارس بذكاء وهدوء عملية تنويم مغناطيسي لمفاهيم ألفتها الذاكرة، وهو يتخطى حدود السرد، حدود الشعر، حدود الألم، حدود طبيعة الإنسان وجوداً وأسباباً، ويتخطى محدوديته وانفراد آدم بمحبة الرب … وامتداد مسيرة الخلف بوراثة جنة موعودة، وما يترتب عليها من تقبل مقتنيات الحياة الفانية والتعامل مع مفرداتها كما لو أنها عبئ واجب على العبد، ويرفض في كثير من الأحيان تعيين صفة لازمة لحقيقة متوارثة، متعارف عليها :(ملأنا جيب حزيرانها بالموتى.. ووشمناها بلحظة مرارة ظلت تهرول خارج السياق)، أهو سياق حزيران؟ ربما إذ نعي أن حزيران يمثل للفلاحين والمستثمرين شهر خير ورزق متواصل، لكننا نكتشفه في القراءة لحظة مرارة فالشاعر مغيب عن أجندتها، لا يندرج تحت قائمة منتشين لعرس حزيران.. وسيتماثل الشاعر بكتابته إلى أضواء منتفعات الحاضر، كرم ثابت قابل للتعويض ببدائل، إنها حسرة التجربة، تجربة الرغبة (الفاحشة) في ضمير اليقين، ليبدأ بخلق أمزجة تتلاطم، أمزجة من معلمين وشخصيات فذة استرطبت التسطير على حساب انهدارها في قالب ألوهية؛ يحاول استعارة منتجات كانت شبه محرمة لكائنات تبحث عن جنة في غسق المجون، ومرة أخرى سيحاول مخاطبة الطوارئ مفردة مفردة وهي تظهر على منصة تجريبه وتغريبه:
- وصمون الجيش المقفى بالاجبان كلها سوى الـ(كيري) الذي كان يخدش حياء الآريات والفرسان في الربايا
- وغنجهن المسكوب داخل عبوات الرطانات من شربت فرات و مينو والقائمة تنفتح لتشمل...
ويزدنه بما يمكن الجوع من خلق بدائل ظاهرة للحظة النشوة :
- .... لتشمل نقيع التمر ونقيع النسيان والتناسي..
وتباعاً يحاول الشعر شد التلقي إلى تيهه المترابط العصي على الانفصال عن جسد الروي، يباغت كل توقع يفترض أن يقام على حدية قراءة وتنبؤ بإحداثيات عرضه لأسطرات علمانية وكهنوتية، يجمع تناقضات خلف وراءها مسهدا، يضيق بالحكمة رأس مرابي الزمان، كأنه إعلان عن حد لا يعرفه مراوغون ومنفى آخر لم يلجا إليه لاجئ من قبل ولا من بعد 00 تتابع آسر لفكر يتحرك في اللغة، وتماحك يساوي افتعال أزمة عرقية متناهية في هوية الرواية، وانتساب الشعر يجعل من الحدث مشهدا مليئا بمكابدات غريزية متواصلة تبلغ ذروتها في حمى فوهة الانفلاق، انفلاق صادم لواقع فارس دائم البحث عن قطبي عالمه؛ الرغبة والحقيقة 000
" وعلى بطونهن من الزنبق 00 وعلى أفخاذهن من اللوتس وبين أوراكهن من النعناع والزعتر وعلى عصافيرهن من التو سيرام والليزر 000 "
يعمد الشعر ويعمّد نبوءته التي انتشلته من سؤال الأبدية عن وجود الثمرة وأوراق التوت المنقشعة عن آنية لواقع مجتمعي حكمته المادة المنسلة من سلة حزيران، حكمته وبقيت مثل عقدة للشعر ولازمة تحثه على ترويض مخيلة المثقف عموما والمثقف العراقي على وجه الخصوص، يزجه في مكابدة دائمة وحوار دام مع آخر مقفل ومعمم بموانع تفكير وتحضر جراء حصار وكبت فكري وتمكين سلوك القسر على تهجير مفكرين وأدباء وعلماء إما إلى خارج البلد أو إلى كوامن النفس 000
لم يبق في الحضرة من أحد 00 كلهم سافروا 00 السعد والصلاح ومحمد الفاتح وأديبهم الوحيد....
ما يذهب إليه الشعر أيضاً صب أسماء واقعية في قالب أسطوري، وربما تدويني لتاريخ يلجا بالمقابل إلى ترميز شخصيات وأسماء لا يظهرها، ربما بسبب غيابها المجحف أو لاجتناب تساؤلات تشكيكية سيذكيها هذا الآخر.. بين بيت وبيت ترادف واقعة تاريخية من حياة الفرس تقوده إلى أزمة النبوغ الأول وفضل شخصيات (حمارية) بحتة في نحت ذاته ورسم الخطة المحكمة لإيصاله إلى عرش ما يقصده:
- وظلت المشكلة الأكبر تضرب بأقدام ثقيلة وصارمة على أرض هواجسهم لتطلع ماء على نية العريف محمد جفال ..
إن حضور المعلم الدائم، الملازم لرحلة الفارس إلى كوامن الروح توازي ظهور منظومة الرؤى المستوية التي تتنبأ بالتحاقه إلى طبقات المستحيل، السماوات السبع، واللجوء إلى رحم الأرض لاستبطان مفهومي الفضيلة والرذيلة.. هو نفسه، هو يرشده ويلقنه تعاليم نواميس وقواميس، بيد واحدة يعقب وبالأخرى يمسح دم الندم والخضوع، كما لو أنه يوزع نفسه على خشبة مسرح ليكون الفارس والمعلم والناطق باسم إلهه الآري ووجد الحبيبة المغيبة بوحها عن الظهور دفعة واحدة ليختمها في نهاية المطاف بالشاعر الذي رأى كل شئ:
- وصاح المعلم: فتحت كل شئ ورحلت أبقيتني معها..
- وأنت لماذا لم تخبريه كما أخبروك بأن المبالغة بشحذ السكين تثلم حدها القاطع
- وأنتما معاً ..لماذا لم تنتظرا حتى أقول لكما.. كما قال لي المعلمون الأربعة
- أنا العالم الذي تحسبين نفسك قادرة على تحسينه ولا تعرفين أنك إذا حاولت فستحلينني إلى خراب..
وللعقل تناقضات كبرى أيضاً وتفاوتات في مستويات الإدراك الآني، وهذا يوحي بحلول ذاتي في ضمير ارتحالات مهادنة لشخصية فصلية، شخصية تديم البحث عن بدائل مقنعة لفهم شقه الآخر، القاصي، فهو به حاجة إلى آدم وحواء وإلى معلم لا يشبه شيطاناً مقتدراً، وإلى شاعر يمجد لحظة الوقوع في فخ البشرية، وفي امتهان العقل القادم من رحم الخطيئة، كل ما يتعلق بولادة وموت وبلوغ وضمور وجوع وتخمة، وكل ما قد تنتجه الاحتمالات من نقائض ومترادفات لأسماء تعلمها كلها في لحظة تلقين، بعيداً عن مسمع الملائكة وحضور الفضوليين؛ هو ينشئ بوصفه شاعراً، مسلته ثم يحفر عليها قوانينه الشعرية ويذيلها بملحق صغير، هذا الملحق هو إرادة السرد بشكل أو آخر، إرادة بديهية لا تقبل الانقسام إلى عضتين.. عضة تمنح الشعر مجداً معلقاً موبوء الخصائص، مفردات ومشاهد وصور لا أثيرية وانفعالات بربرية يحاول من ركامها اقتناص لحظة ولوج محرم في لذة السبعين عاماً:-
- هل كتب علي أن أتجسد خطاء في كل مرة؟ هل كتب علي في كل تجسد أن ادفع حواء إلى حلق طيطفون
- ... بينما أجرجرها أنا إلى مسالك لم تطأها أقدام حدسها....
وعضة أخرى هي غفلة القراءة عن ارتقاء مهاجر لسردية الشعر في حوصلة متخمة بذهول..
- عبر ممر الضوء يمر أنبياء.. هل أمر على الضوء وأقرأ تحت هدير التاروت هذه النبوة؟.
بحث متواصل يغب فكرة ضائعة، والتي يعتقد الشاعر أن لا بأس أن تضيع الفكرة في عالم يضيع فيه كل شئ وعلى حد مستوى البحث فهو غير مقتنع بفكرة (ضياع الفكرة) أو تقبل ضياعها ..الأسئلة كثيرة تغص بسجالات وأجوبتها تصل مبتورة بسبب نفاد بطارية المريدين أو انشغال شبكة المحلقين في طابور التجسس العمودي نحو غياهب السماء.. هو بسماء .. هو ينتظر غيث الأجوبة في أشهر لا تكاد الغيوم تعرف طريقاً لها إلى سماء، هذا الرأس المحلى بأراجيز وأحجيات، هو صنعها وهو قدمها مادة متعقلة إلى فم قارئ.. هو مثل أي شاعر، وبتجسداته المتمثلة بفارس ومعلم وجوع وحصار يعلف ألم الخطيئة.. به حاجة إلى تجسدات تجاري امتثاله لصور التكوين، الفارس به حاجة إلى أميرة ضائعة في قصر ملوك قساة، ليطفئ رغبة سيفه الملتهب، المتلمظ إلى نحر وحدة تتأله على المعقول، والمعلم به حاجة إلى حكمة تمتص غياب زيفه وإلى حلول ارثه في عبرة يقين، والجوع به حاجة إلى (نبيلة عبيد) لتفند له استهلالات الحضارة والقذارة كلها، ولترسم أمامه منتجعاً من ألقاب وجماجم، وهو كحمار عاقل يقرأ الأسفار ويفهمها به حاجة إلى حمارة تقرأ أسفاره وتفهمها، وبين هذه التجسدات يحل الشعر/ الشاعر نفسه ليحل عقدة الآدمي الموازي لحكمة الله، ومن ثم ليختار خوض مقامرة دخوله الشرعي من بابه الأربعين ويسحب الشمس والقمر وينزلق إلى معدة الغروب"
المرأة ملازمة شخصية، حيناً يراها جوزاء أو سيدة جداً وهي ببساطة حواء بلحمها وشحمها يريدها حواء دون مهادنات، دون سجال معتق بألم السؤال عن الرغبة الملحة في تكوير هذه العلاقة إلى مصادفة عاطفية تصل حد الاشتعال ولو لم تمسسه نار، ويظل يردد أن الخلق بدأ بلعبة.. مسرح وشخوص قامت بالدور، وكاتب تهجأ الحروف الأولى لمشاهد ناجزة، وشاهد عيان توسد فرط الفجيعة بكل تناقضاته يدعوها للعب وبكل حضاراته، معولا على مستوى لغوي بسيط يتمظهر من خلاله صدقه على أفضلية اللعب، وشتان ما بين حزيران والصفر، هكذا يفكر وهو مدرك تماماً خسارة الجولة للمرة الألف:-
- وسمرني صمتها على جسر يربط بين احتمالين لكنني أغمضت عيني ونسفت الجسر ولعبت دوري وعلفت تنوراً جداً جداً جداً، دون أن أعرف ماذا كانت هي تلعب بالضبط..
إنها موقتات أحداث متلاحقة، من مطاردات ذهنية وائتلافات روحية تعبر عن نية الحدوث في أي وقت. من السهل احتلال أمكنة في أزمنة غابرة، ومن السهل العبث بمقدرات مجموعة انتشت بهول وقائع، يوقتها ويقلب الحقيقة إلى قلبها بمراجعة تاريخية جديدة تحاول تصدير رسم لخريطة مباحة تستمرؤها العصور، و الشعر/الشاعر يرسم برصده وقائع مائلة للخلق مجدا كونيا جديدا بارتداء مغامرات جينية واستحضار ما هو محضر لتكملة مشهد في زمن ما، ربما قد مضى وربما هو أزف:-
- الضروري في حياتنا إبليس.
- ما زلت أتدلى من كتف أيسر تسميه مدينة أو سديما أو امرأة
وحين افتح مظروف وهمي لا أجد ضلعا اعوج
ومرة أخرى هي محاولة لإنكار بديهيات، لو كان سلم بها لمات التجسد المسؤول عن فهم النسخة الثانية لهذه الحياة ولكان تلكأ في تدوينها على صفحات رواية شعرية وربما اجلها لإنشائها لاحقا تقريراً سنوياً..
إنه حضور الغيب والتغيب بتجانس رهيب يعطي للنص قدرة إشعاعية لتأمل حكاية ومتابعتها بدون حكاية نكاية بسردية العمل.. عبوراً بالأنبياء وأسرار السماوات وطبيعة الفلك والقمصان المقتدية وبحار ناضرة وصيادين مصابين بخشوع الفشل، مروراً بالفصول الدائخة والقبور الناطقة بحقيقة منقذ العالم وهذا الكم الرهيب من ارتجاليات لصفقات بين الأرض والسماء والحلول والأفول والمراباة والمجازاة والكر و الفر كل هذا يستوقفنا عند عمل نراه قريباً إلى فكرة تفويت الفرصة على السرد الرتيب لصالح تسيد شعرية النهج، إذ ما معنى أن نقرأ كل هذا الوجل و هذه المهاترات الأليفة
- كنت تقول لي اسرجي نبض الجواد الجريء
- يا نظرتي العابرة حين تشطفين العواصف عن الأفق
إنها دعوة مفهوم الشعر إلى مسخ الملموس واستبداله بتجسدات يختارها بعناية، وصار عليه فيما بعد أن يمسخ الروح الرغبات التي تحرك من حوله المفاهيم، وإذا كان أدونيس قد أسرج دمه فهنا يسرج الشعر/الشاعر نبض الجواد وليس الجواد؛ صورة تفوق في تجريديتها فعل أدونيس لدم مادي ملموس بلون وطعم ورائحة، ترى أي مقدرة كونية محكومة بقوانين يمكن أن توكل إليها مهمة سرج النبض!
تتعدى الجناسات حدود المجاز والرمز المألوفة إلى قصد فعل مجاز يمسخ أفعال الواقع ويحتال على الطبيعة باستعارة أدواتها وتكليفها (هو) بما يرتضيه له نَفَسَه الشعري ليختم حواراته المتلاطمة في ضوئها بغيبيات الصوت والصورة وباختزال لحظة في قرن تدفق…
- كل نسيان أنا.
- هذا هو الطريق، عمري المنضد على سطر غفلة
يا مجد هذا الوهم هل أنا أنا، هل أنا هو، هل أنا أنت، هل أنا هم، أم أنا هل؟
محو لتمظهرات الخوف والفزع والألم وتحويل إلى مفاخرات رتيبة تعود أن يتناولها بعد كل وجبة غفلة، حيث امتهانه الحياة يأخذ شكل دمعة.. دمعة يرثيها لكثرة تجسداتها في الخلفيات والأنيات وواجهات القهر والصبر؛ مرة أجهض حلما فسقطت بلورة من السماء وصار عليه أن يعوضها بدموع، يستنفرها من تحليق أفكاره حول فكرة دمل .. ومثل أي عاشق مطعم بنقر السكون في الوجدان يعين الحبيبة بألف عين، يستعيرها من غبرة لحظة عاشها أو وهج جنبه امتلاك حقيقة لها أوجه عدة، بعدد احتلاماته بإنجاب ولادة لا تشبه الولادات ووريث يعمم عليه كل الانفصاليات، فلمن يترك هذا الإرث ومن سيصون أرضه المنهارة بشيم عابرين على أشلائه.. هو صانع الحريات والحوريات ومبتكر الشهقة والدفقة، فلا يحتمل أن يجد قبالته نصفاً أراد يوماً صرفه في وجه القطب، يدعوه/ يدعوها إلى أن تكون مجنونة في زمن بات عبئاً على حامله العقل.. هي المجنونة بكل ما أوتيت من حكمة.. العازمة على استغوار سياق الأكذوبة المنفلتة من ضمير اليقين.. يهادن على احتمال نضوجها، كمشروع طاولة لسفح ارتباكاته المؤجلة السارية مفعولاتها مع غير الموعودة بوشمه المختال، ولكنه لا يدرك أنه يسفح الخيبة التي وقتها في عمق ربيعه، حتى لا تنفتح الأسرار ويبقى الحلم مفتوحا ويعيد رتابة الخيبة على طريقة صوفية، يحقن المشهد بمسايرات المدافع والأذان وارتجاج المنارات لديك العرش وتطويع النفس دائماً لإيقاع التزهد، مع رشفة من نقيع التمر.. كما الزهاد.. له بدائل عن كل شئ إلا عن الله..
- بك أسألك أن تنزل معي إلى القبر
كي اعبر واغرق في أمرك الخفي
بريد بين قبرين:
ثمة فرق بين خطاب يتجاذبه طرفان متواجدان عند خط شرعي كوني مرسوم للقائهما وبين خطاب يتجاذبه تجسدان حال دون حلولهما في المادة محكمة الصنع فجابا في ثنايا اللماذات والسنوات واستلم كل نصيبه من المعرفة بمصير الآخر وصار الواحد يخاطب الأوحد والأوحد يتجزأ إلى أمة في خلد مراسل ينقل التقارير والتصوير عبر استمكانات حلمية وتوقعية في آن واحد. في الأول نلمس تواتراً وبراهين لفرضيات وتوصلا لنتائج غائرة في آنية اللحظة....أما الثاني فهو نافذة واحدة، وهي هنا مطلة على قبريهما، حيث لا ساعات ناقلة لبرهنة الزمن ولا حجرات مهيأة لتلمس كعب الإفاقة ويبقى الشاعر مع أسئلته وأجوبته تائها في موج نشيد ألفه هو هو من قرارةِ وِرد معتزل للتكهن:
(إلى حيث الأفواه مزمومة
بانتظار أن تحط النقاط إلى القبل )
وعلى شطر المواجهة المرتجلة بين الذات والأنات يتقمص تجسده الخامس باختراق محراب حواء والنبش في مستويات رقيها وإيصالها إلى حد يحيلها قطرة قدره المزدانة بعبثيات خطأ وصواب، فيما تغفل هي ( فيه هو ) عن المتلصصين الغرباء الذين سلخوها من جلد ضميره، لتصير محض فكرة مستعرة فوق الضمائر الأخيرة كلها. يرتقي بالحوار ليصل حد همس ملائكة، وأحياناً حد نجوى شياطين. كم كبير من عتاب وعقاب وموت قاس ورغبة فائرة في فم إحداهن دون المختارة، ودائماً ثمة لحظة لم تأت رغم المكابدات واسالات حقائق وردية وبيضاء على معتركات اليأس.. رفقاؤه كثر يستمد منهم هذه الاستهلالات الانشطارية والمنفلقة في غيب الشعر، وهمه يصير موشوراً يبصر عالماً بألوان لم ترد على ذاكرة الطبيعة بعد، حارقة لأبديته ويفترضها أن تكون معهودة.. القبور أنواع وأحجام وربما اختار هو قبرا لم تحفره حضارة ولم يبنه فرعونيون.. قبر صنعته له آلهته المتوسدة حتمية وجود ارتضائها لنفسه منفى مليئاً برغبات وآلام وجوار حسان مسلمات لجنونه الغيبي، وكان مهما لديه أن يكون هذا الخطاب وهذا الحوار (فلاشيا) يضاهي النفخ في حوصلة العمر، ويخترق من جديد هذا الكائن القابع المسمى بـ(دودي) فهو كأي مجنون يحب امتهان الموت مع امرأة وعلى كتف امرأة وفي رحم امرأة حيث الحسرة لخبرة متاهاتها المعلقة من جسر في اللازمكان، ويخترق أيضا هذه الاستعارات الخلابة الباحثة مع القراءة عن مجون كلمات وهرطقة مفردات وانفلات فكرة مسوغة لاحتكامه على مفاتيح أسرارها وخلاصها من حزيرانات ومقابر جاهزة، وجاهزة للتحليق بالحبيبة إلى تضوع منتهى وخلاص تراءى لها /له خلاصا.. وينتهي كما بدأ وحيدا أمام حيرة الرؤيا واختطاف غفلته المترفة آلاما وأوهاما تجناها في غفلة من حواء..
********
القسم الثاني أو القَسَم الثاني
عبد آبق وقسيسة وسيدة
حضور وجودي إزاء مفهوم التدين لا يقبل التجزئة، مهما اختلفت مفاهيم تقبل فكرة غياب الرب وحضوره، واحتمال سردية حكايات أنبياء وملائكة وأبالسة وما تندى من ختم آدم وإقلاع حواء عن برهنة ثورتها المنقادة إلى خندق تدجين، واستثمارها في نسخ متوازنة، متوازية، غضة ومزيفة أحياناً وكلها لها الهدف الأوحد ( رفض الجنة في تقويم المصائر)، هذه المرة اختارها قسيسة، فهو به حاجة إلى رونق يخمد له ناراً تؤججها على الدوام من يسميها السيدة جداً جداً، وهذا يدلنا إلى أن به حاجة كما سلف إلى حواءات بعدد يفوق ربما أصابع اليد 00 يستلهم وقائع فجيعة حصارات ووهج صحافات منطفئ تحت أقدام سحرة ومالكين ومحتكرين لأعناق مسومين في مزولة الكتابة والرتابة 00 أدب يعلّم كل واقعة بحقيقة مرثيته المنتقاة من جمهرة ملاحم والياذات .
بشار عبد الله رص مكعبات حِرائه واعتكف داخل فجوة تغريب ليخرج إلى جاهلية الكتابة بشعرية متعشقة ببحث كلكامشي عن حقيقة الوجود وعن حزنه على انكيدو وعن غارقة بالمجون والحروب والغدر والوفاء لأبطال طروادة الذين ختموا كف الآلهة بخيار رحيل 000
هو لم يرحل، أراده صرحاً قائماً على أحجار زاوية ثلاثة (السؤال واللغز والاحتمال ) وخارج كل هذا وذاك وجد مدخراته الحسية تنقاد دون شك نحو أيائل قسيسة قبلت أن تكون اليد المصفقة لرقصة مذبوح في محراب سيدة، كانت رفضت أن تكون نصف اليد الأخرى 00 هو نفسه هو 00 يظهر بتجسداته من جديد عبدا آبقا وقسيسة وسيدة 00 لكل شكل رأس حكمة ولهذا هو على رأس القائمة ولكل شكل استناد أول ولهذا القسيسة في المرتبة الثانية وتأتي السيدة في المرتبة الثالثة لأن لكل شكل انفلات ضلع اعوج، وربما أصبحت مرثيتها أقوى بكثير برحيلها وقبول أن يعزف غرباء على أوتار دمها، دمها المغترب، فيما ينبع تهجد تبعية القسيسة له من فرط إيمانها بعبودية الشاعر.. وهذا ما لم تعه السيدة في دروسه الرغبوية لانبلاج عصر جديد، أراد بناءه من هرم مغاربي ومشارقي دون الجنوب 00 ويظل العراف والعرافة والكاهن والزاهد والملائكة وإبليس واليوم والغد والليل والليل وكل ما يتخللها من طفح قسري كل ذلك يظل ثابتا على ألم العزوف عن مقتنيات مستبيحة لعلمي اللاهوت والتاروت، إنه مراسل حربي عتيد بين الوهم والحقيقة، بين الموت والحياة، بين سَجل الملائكة وغياب نطق البئر.. هو يسأل وهو يجيب، ولكن عن ماذا ؟؟؟
- من شرق السؤال إلى حدود الأجوبة
- ومر السؤال عبر نفق الظهيرة فأيقظ الأسئلة المتهالكة على النبع المطمور
- وعندما التفت ليطرح عليها السؤال الخالد, لم يجد غير صرة معقودة في مكانها
- توالت عليه قوافل الأسئلة الغفيرة من كل صوب، كان السؤال بوزن الأرض ملحاً00لا جواب000
 

 

من سيرتي الذاتية

التفاصيل
كتب بواسطة: د. فاروق مواسي
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 10 ديسمبر 2000
الزيارات: 8
 

من سيرتـــي الذاتيــــة

 

من رحلتي الشعرية:

د فاروق مواســــي

http://wwwgeocities.com/faruqmawasi

 

    هي رحلة شاقة بقدر ما هي ماتعة.  فيها العزلة وفيها التواصل، تصحبني جنية الشعر إلى آفاق جميلة ومدهشة، وقد تنقطع عني حتى يعود الضحى بعد سجو الليل،  وعندها لا تودعني هي... ولا تقليني. بدأت قرزماتي في المدرسة الابتدائية. كنت أولاً أجمع أقوالاً للشعراء في مواضيع معينة، فأنشر ذلك في مجلة"حقيقة الأمر"، وكنت ثانيًا أنشر في " جريدة الحائط" التي كانت تعلق في ساحة المدرسة. ثم أخذت فيما بعد أحوّر أبياتًا شعرية من قصائد معروفة،فإذا قال الرُّصافي:

"هي الأخلاق تنبت كالنبات" قلت أنا :"هي الأرزاء تكثر في البلاد"....وإذا قال قَطري بن الفجاءة: "فصبرًا في مجال الموت صبرًا"، قلت:" فصبرًا في بلايا الدهر صبرًا"...... وهكذا كلمة بدل كلمة ، وجملة بدل  أخرى، وكان الله بالسر عليما.

          ولما حاولت أن أتحرر من هذا التقليد والانتحال كتبت مقطوعة نثرية سميتها شعرًا،وأرسلتها إلى صحيفة "المرصاد" فنشروها في "رسائل القراء"  ، ومعها تعليق ساخر :  "يبدو أن هذا لون من الشعر لا نعرفه". ثم أخذت أحفظ الشعر وأطالعه بكثرة، وشاركت بل فزت في مسابقات أدبية إذاعية،ويظهر أن الاهتمام والصقل والمران تقوي كل موهبة،فهذا المتنبي أستاذي الأول حفظت له مئات الأبيات،فكان ملهمي ومصاحبي حتى يومنا هذا. وقد كتبت له قصيدة هي بعيدة عن أدائه،ولكنها قريبة إلى فخره:

                            يا أبا الطيب أنصت       روحك الصغرى تغني

                            إن يكن مجدي سماء      أنت  رب  منك   فني

لن يكون الشعر شعرا       دون أن يرقى  بفني

                              إن شعري  لهو سحر      من دنان الخمر  دني

..الخ

وبالطبع فهذه "القصائد" الأولى لما تنشر.

وهكذا كنت أدوّن ما يعتلج بخاطري من آلام وآمال فإذا رأيت قصورًا في بعض المعلمين كتبت أهجو            قد ضقت ذرعًا أيها الرجل      أمعلمون توافهٌ   نفـَل ؟!

وخاطبت مفتش المعارف الأستاذ أحمد إدريس -  وهو شاعر كذلك:

أبا مروان قد أبديت ودا      فقلدنا من الأشعار عقدا

ثم عشت مشكلة شخصية عبرت عنها،فقلت في مطلع القصيدة:

قسوة الأقدار فرض لا يطاق      فلماذا العيش من غير اتفاق ؟؟

وفي يوم "النكسة" كتبت قصيدة "كفرية" ظلت في أوراقي..

كانت قصائدي تترى، وكنت أقرأها على هذا المثقف أو ذاك،وأبحث عمن اقرأها له وأجره عندي عظيم. غير أن أحد الزملاء المتأدبين. – وكانت له محاولات شعرية جميلة – كان يعكر علي صفوي وهو يعلق:

"هذا المعنى ضعيف"،"هنا ركيك"،"لم تقل شيئًا جديدًا" ،"اللغة تقليدية".... فتفتر حماستي، وأقول لنفسي:" الشعر صعب وطويل سلَّمه".

 ثم قدّمت لصاحبي هذا قصيدة لي جديدة، وادعيت أنها للشيخ يحيى بن يحيى المعافري، وزعمت أنه شاعر عاش أواخر الدولة العباسية، وقرأت:

                 وحدي بهذا الكون لا خلٌ وفي           يصفي   إليَّ   الود   لم   يتكلف

وعزاء نفسي أنني    مستلهم           فكري وشعري من هواها المسعف

 

قال زميلي:"دعني أنقل هذه القصيدة الرائعة.   قل لي:كيف تعرفت على هذا الشاعر، وأين قرأت له و.و.."؟؟؟!!! فلما انتهى من نسخها أخذت ورقته بين يدي ووضعت اسمي مكان اسم يحيى، لأنني أحق منه بها،  فقال مبهوتًا :"مش معقول" !! وترك الورقة بين يدي.

(تذكرني هذه الحكاية بما جرى مع إسحق المَوصلي الذي قرأ شعرًا له على مسمع الأصمعي:

هل إلى نظرة إليك سبيل       فيُروّى الصَّدي ويُشفى الــعليل

فعلق الأصمعي أن هذا هو "الديباج الخسرواني". وسأل عن صاحب الشعر ،  فلما علم أن الشعر "ابن ليلته" - أي للموصلي – قال"أفسدته،أما إن التوليد فيه بيِّن" .

هذه الحكاية وعشرات غيرها تنحو نحوها أكدت لي ألا أحفل بآراء الآخرين إلى درجة قصوى،بل آخذ ذلك في حسابي دون أن يثبّط أحد  من عزيمتي.

من قصائدي الأولى التي "أعترف" بها  اليوم - كانت قصيدتي "حلم السلام"،  وقد كتبتها على إثر زيارة قمت بها  لفدوى طوقان في منزلها،فلما نشرت القصيدة في "المرصاد" بعثت بها إليها، فأرسلت لي رسالة عنونتها: "إلى الشاعر الرقيق..".

إذن فشعري رقيق لا "ركيك" وبشهادة فدوى طوقان.......

***

 

عندما عدت من نابلس أحمل في سيارتي ديواني الأول "في انتظار القطار" – 1971 كانت الدمعات تنساب خفيفة على خدي، وكنت أحس أن لدي دافعًا لأن أخاطب الجبال والتلال على جانبي الطريق ، وأقول لها إنني  أصدرت ديوانًا، وقد حدث أن أشار لي مسنّ بأن انقله في سيارتي،فنقلته إلى قريته وأهديته كتابي – رغم أنه لم يهتم إلا بصورتي على الغلاف.

كانت قصائد الديوان منتقاة،لغتها متخيرة،وربما كنت أعمد إلى ذلك تدليلاً على براعة مفترضة،وكان غلاف الديوان قد رسمه فنان من نابلس قيل لي مؤخرًا بأنه مجنون، وكان قد أودى بحياة أمه.   ..........ترى هل يرتبط الشعر بنوع من الجنون؟

قدم د.ساسون سوميخ أستاذي – حينذاك – في جامعة بار إيلان هذا الديوان،وكنا صديقين حميمين،فجعل التصدير أبياتًا استقاها من شعر شيلي:

"إن أخلص ضحكاتنا لمثقلة بشيء من الألم، وأعذب أغانينا هي تلك التي تحكي عن أحزن الأحزان".

وفي علمي أن هذا المعنى ورد كذلك في شعر علي محمود طه في ديوأنه "أرواح شاردة" وبصورة مجملة،  وخاصة في الشق الثاني من القول:

وإن أشهى الأغاني في مسامعنا

ما سال وهو حزين اللحن مكتئب

لقد رسخ الأستاذ س.سوميخ بي ثقة بالغة،فهو يحدّث القارئ عن اللذة والفائدة والمتعة في اكتشاف معانيَّ الجديدة والعميقة،وهو يرى أن شعري تجريبي ،  وأن "ثمة بشائر أسلوب خاص بالشاعر الشاب فاروق مواسي ....إذا تعهده صاحبه بالعناية والصقل والمثابرة فلسوف يستطيع أن يصل به درجة الإبداع الفني" (مقدمة الديوان،ص4).

وأحسست أنني، وقفت على قدمي..... ومضيت في سبيلي.

في ديواني الأول أو في نهايته اخترت باب "من الدفتر القديم" ، حيث أودعت فيه قصائد تقليدية الشكل، وكأنني أتحفظ منها، أو أنني منها على استحياء، كما جعلت في الصفحة الأخيرة تذيـيلاً بشرح الأسماء الواردة في قصائدي كالغافقي،"صغير الأندلس"،النرفانا،سيزيف،اللوبركال... وكأنني أهمس للقارئ – ها هي أشعاري تدل على ثقافة واطلاع،فإذا لم تفهمني فالمشكلة هي مشكلتك،أو كما قال أبو تمام  : "يا هذا لم لا تفهم ما يقال"....ومع ذلك،فيشهد الله والشعر والجنية التي حدثتكم عنها أن كل كلمة كتبتها هي صادقة صادقة،وأن لكل قصيدة قصة.فالقصيدة"الأولى في الرثاء" مثلا هي في رثاء الرئيس جمال عبد الناصر،فقد استمعت إلى نعيه في إذاعة القاهرة،فأخذت أكتب وأبكي،ولما فرغت من القصيدة بعد ربع ساعة سميتها"القصيدة الأولى في الرثاء" ظنًا مني أنني أول من رثاه،وكذلك لأنها للرجل العربي الأول في عصرنا ،أو ربما لأن الرثاء الحقيقي في نظري يجب أن يبدأ من هنا،وليس أدل على ذلك من دموعي التي لم تجف .

إن العناوين في أشعاري كثيرًا ما تحتمل أكثر من معنى......فالقطار في ديواني الأول قد يعني قافلة الجمال،والقطار قد يعني المطر، كقول الشاعر:

ألا يا حبذا نفحات نجد      وريا روضه بعد القطار

بمعنى أنني انتظر الغيث الذي يغيث،فينقّي الأرض ويخصبها معًا. وقد يكون العنوان محمولاً على معنى القطار الحديث – أي أنني أنتظر أمرًا لا أعرف إن كان قد وصل أو أنه قد فاتني،أو ربما أنتظر كما ينتظر (جودو).

وقد عبّرت عن القضية الفلسطينية في قصائد – "أنا ومحنة الغافقي"، و "العودة إلى حكاية لقيط الإيادي" وفي "نشيد أو نشيج". كما رثيت عبد المنعم رياض في "بكائية ليست كالبكاء" وهي قصيدة تمزج بين أوزان الشعر وصوره.     وكانت "مرثية حظ عاثر" و "مكاشفة" لهما بعد صوفي،كما كانت هناك قصائد حوارية وخطابية للذات الإلهية.

***

أصدرت ديواني الثاني "غداة العناق" – 1974 بقالب (فورمات) جديد،وجعلت "غداة" ذات إمكانيتين في القراءة،وكتبت للمجموعة مقدمة سميتها"مفتاح" قلت فيها:

"فإذا ما جذبك الإيقاع إلى بوابة الوصول تلتقي هناك الرمز حارسًا،فيبقيك في مجالات التردد يثير الدهشة .من الكلمة ونغمتها إلى تجربتي،فإذا بها تصبح تجربتك،فتعيد تشكيل القصيدة بالشكل الذي ترتئي،ولا غرو أن تكون أنت الشاعر"،قلت ذلك ولم أكن قد تعرفت بعد على نظرية التلقي.

بدأت المجموعة بقصيدة "المسرح والمهموم" ...وهذه القصيدة مطلوبة في امتحانات البجروت(ضمن الوحدات الأربع)،وقد ترجمها إلى العبرية زكي بنيامين،وحاورني حولها جاد ليفي في الإذاعة العبرية.وفي الديوان قصائد وطنية أخرى ليست مباشرة،كما أن فيها "صورة جديدة لامرئ القيس" و "ليلة ابن المعتز" و "المزمور الحادي والثلاثون" ...ولكل قصيدة حكايتها. ويبدو لي اليوم – ناقدًا – أن هناك ضرورة لاستقصاء أجواء كل قصيدة وظروفها ،  ولتقديم أضواء كاشفة تحد من حرية التخيل التي هي في غلو وإيغال،إذ أنني واثق أن المتعة في التلقي ستكون أكبر وأكثر.

***

صدر ديوان"يا وطني  !!" عن مكتبة الشعب في كفر قاسم سنة 1977م ، وفيه ثلاث قصائد من وحي يوم الأرض، وهنا أخذت أجرؤ أكثر سياسيًا،فأشارك في منصات الحزب الشيوعي،كما كتبت عن وثيقة كينغ العنصرية،ونافحت عن أهالي الخليل المحاصرين، وكتبت عن القدس ولبنان ومسجد قيسارية الذي أضحى حانة، ورثيت راشد حسين،وألقيت القصيدة يوم تشييعه،كما رثيت الفدائيين الذين حرقوا في بيسان.. ومن جهة أخرى كتبت قصيدة فيها نغمة يائسة هي "تنويعات منا وفينا" ،  وكتبت عن "الجاهلية" التي تنخر فينا،وعن بعض تقاليدنا وعاداتنا السلبية.

ولا بد من تسجيل التتويج الذي أملت أن يكون يومًا ما نشيدًا وطنيًا:

الأمل المخضرّ على صفحة قلبي

يسألني يومًا يومًا .....عن دربي

هل أملك أن أحفظ عرضي

أعشق أرضي ؟

........

***

في ديوان "اعتناق الحياة والممات" (1979) طغت قصائد تروي عن البقاء والثبات رغم الموت الذي يحدق بنا ويحيق،فتغزلت وتجرأت، وكتبت قصائد قصيرة منها ما يدعو إلى ضرورة التعايش بين الشعوب. وكانت هناك"لعبة السفر والموت" في أشكال ودوائر وخطوط تتقاطع فيها كلمات مفردة. وكانت هذه التجربة تسجيلاً فنيًا لحادثة سير كادت أن تودي بي. وأنهيت المجموعة بأربع صفحات بيضاء -  هي قصيدة "صمت".وبالطبع فقد كانت هاتان القصيدتان سببًا للتندر من قِبل هذا وذاك،فهذه المفتشة هالة أبراهام المسؤولة عن اختيار النصوص في مناهج التعليم تسألني إن كنت أوافق على اختيار قصيدتي "اللعبة"، وهذا صديق يأتيني مفاخرًا بأنه يحفظ لي قصيدة من ألفها إلى يائها،وعندما أطلب منه أن يقرأ علي ،فإذا به يصمت صمتًا طويلاً..... وقد فوجئ الكثيرون لقولي إنني استطيع أن احلل هذه القصيدة "الصامتة" في كتاب كامل.

أما ديواني "إلى الآفاق" (دار الأسوار – 1979) فقصائده معدة للشبيبة والطلاب، وقد حفزني على كتابتها أن شعراء متميزين في العالم، أعطوا كذلك للأطفال ولأبناء الشبيبة،فالإبداع هو إبداع. وسرني أن بعض قصائدي هذه لاقت استحسان هذا الملحن أو ذاك،فلحنت قصائد "القدس" ،"نعم المعلم" ، "طالب العلم"، "نشيد المطر"،و "دراجتي" وقد صدرت لي أواخر عام 2001 مجموعة أخرى هي "أناشيد وأغاريد".

***

صدر ديوان "من شذور التعب" – 1987م – ضمن "الأعمال الشعرية الكاملة – المجلد الأول"، وفي هذا الديوان قصائد وجدانية منها الوطنية والمراثي (السرطاوي، سامي مرعي  ،  فهد القواسمي،عبد اللطيف الطيباوي، أبي..) وفيه الغزليات الجريئة شكلاً ومضمونًا. ومن الطريف أن أذكر أن هناك قصيدة عنوانها "فاروق مواسي" وتبدأ :

"أحببت هذا الاسم حتى قد كرهته.." وتحدثت فيها عن أشجاني وخيباتي، ومنطلقي هنا أن الشاعر يجب أن يتحدث عن ذاته أولاً وقبلاً.

وفي ديوان "الخروج من النهر" – 1989 ثلاث قصائد طويلة : الأولى "الخلاص من نهر الظمأ"، والثانية "مصطفى العابد"، والثالثة "أندلسيات"، وقد قدم الناشر في "دار الشفق" المجموعة بقوله:

"تتميز أشعار د.مواسي بأنها صادقة تنبجس من نفس حساسة تجيش عاطفة ووطنية، وهو يمارسها معاناة ووجدًا تشي ألمًا ووعدًا.." وإني لأسأل اليوم، هل كنت قد ساعدت الناشر في كتابة هذه الكلمات عن نفسي؟... ربما  !!

نشرت القصيدة الأولى أولاً في 18/12/1987 بعد أيام معدودات من بداية الانتفاضة.

ومن الطريف كذلك، أنني تنبأت فيها بكل ما حدث بعد ذلك من استمرار المقاومة من جهة، ومن قتل وقلع أشجار وهدم ونفي وتشريد وحتى دفن الأحياء من جهة أخرى.

وكانت "أندلسيات" على إثر زيارة لهذه البلاد الرائعة، وقد بدأتها بمعارضة لموشح لسان الدين بن الخطيب، وأنهيتها بالعود إلى الموشح، بينما تخلل ما بينهما أشعار عن مواقع زرتها، وذلك في أوزان مختلفة، اللهم إلا مقطوعة "على نجوة من مضيق جبل طارق" فهذه انطلقت بلا وزن ولا قافية، لأنني لم أجد ما يضبط جموح عاطفتي هنا أو يوقع إحساسي.

***

في ديواني "قبلة بعد الفراق" – 1990 كتبت عن قيامة الشهيد، ورثيت أبا جهاد، وخاطبت "العقل" اليهودي في أكثر من قصيدة. ومن جهة أخرى كتبت تخطيطات لوجوه رائدة في مجتمعنا.

أما  ديوان "ما قبل البعد" – 1993م ففيه قصائد عن القدس، وهنا بدأت بما أسميته "قـُصَيِّدات" وهي تتراوح بين الحب والوطن والفلسفة الذاتية.

وفي ديوان "لما فقدت معناها الأسماء" – 1995م مزقت كلمة (معناها) على الغلاف إلى ثلاثة أقسام، وبدأت المجموعة بغزلية لرفيقة عمري، حيث شكوت لها بعض ما أعانيه من عقوق، وشكرت لها وقوفها إلى جانبي في كل أزمة. كما تحديت الذين كانوا يتقولون بعض الاقاويل على توفيق زياد – القائد الوطني، فكتبت قصيدة "كأسك يا توفيق  ! ". وفي الديوان قصيدة "الماء المجنون ورثاء المجهول" وهي على إثر زيارة لي إلى المغرب، وكنت قد زرت مشاهد لا تنسى في أعقاب فيضان هائل، وفيه كذلك قصيدتي "بكائية على الصلاة الإبراهيمية" عن جريمة غولدشتاين في الخليل – وقد نشرت هذه القصيدة في "أخبار الأدب" المصرية وبمكان بارز ، وقرأتها على مسامع إيهود أولمرت  (كان رئيسًا لبلدية القدس )  ، وأحس بنبضها من نبراتي في قراءتها .

واختتمت المجموعة بقصيدة ليست لي، وإنما هي تتحدث عني، تبدأها هي:

ألأنك لم تقرع في شعرك باب السلطان

لم تتمسح أعتابـًا في بهتان

ما استاموا لك في سوق الشعر

أغنية

***

في "خاطرتي والضوء/نبضات" (1998) الصادر عن "بيت الكاتب" في الناصرة، بدأت بجواز مرور شرحت فيه أن كتاباتي ليست طواعية وترفـًا، بل هي تعبير عن قلق ينتابني. وكانت قصيدة "حبي فلسطيني" فاتحة لديواني:

الأرض أرضي وليس الشوق يبريني

الشوق يحدو إلى حبي  -   فلسطيني

ومن العجيب أنني كنت قد نشرتها "يحدوني" وقرأتها مرارًا وتكرارًا كذلك دون أن أنتبه إلى كسر في الوزن، حتى نبهني عليه أحد الأصدقاء، وكم صعب علي تقبل التصويب.....

وثمة قصائد أخرى منها "عذاب المدى" بعد زيارة لي لأطلال عين غزال وإجزم، وقرأت هذه القصيدة الطويلة فيما بعد على مسامع ابن عين غزال قريبي الدكتور إحسان عباس فأثرت أشجــانه.

أما "حوارية الموت" فربما تكون أول قصيدة تناولت الموت بتفصيل وفلسفة مركزة وبأضواء تنبث فيها رفضيات الموت.(قرأت بعدها  بفترة "جدارية محمود درويش" المعبرة عن تجربة حية درامية).

وفي الديوان بعض القصائد الاجتماعية:"باسم الشرف" – وهي عن قتل المرأة ظلمًا وعدوانًا ،  و "مأهاة من جيل اليوم"- وهي عن بعض الشباب الخنَّع. واستمرت هنا أيضًا قُصَيداتي أو مقابساتي، واختتمت المجموعة "بسمفونية" هتاف  الصدر ،  وهي غزلية جريئة، ثم بشلالات نياغارا(بعد أن تمليت منها) – حيث لاقت هذه أصداء طيبة، ولا يزال بعض الأصدقاء يحفظون منها، بل يسمعون أذني عنها ما يروق لها سماعه.

***

ماذا يعني لي الشعر:

للأمانة سأبدأ هنا بإعادة بعض ما كنت قد ذكرته للطالبة ألطاف أبو هنطش التي كتبت عن شعري في نطاق وظيفة تخرج،( وقد نشرت أقوالي في صحيفة "أيام العرب" 23/6/2000 ) قلت:

" أجبت عن هذا السؤال بصور مختلفة تبعًا للموقف عن العلاقة الجدلية بين الشعر والحياة – أي ماذا يجب أن يعكس الذات بصورة خاصة أم الذات المعبرة عن الهم الجمعي؟ هل هو الفيض التلقائي حسب ووردزوورث أم هو عملية بنائية تنطلق من الشعور، وكلها كنت قد عايشتها حقًا وصدقـًا.

شبهت قصيدتي بأنها فراشة زرقاء لاحقتها ، وإذ أمسكت بها تناثرت.... ولم يبق منها إلا كلمة "حب".

إنني أعمد إلى الشفافية في الأداء، ذلك لأن الكلام المبهم مستغلق، ولا يؤدي إلى شيء،قلت:

" لو يأتي من يحفظ شعرًا مخصيًا أو معميّا

يلقيه على مسمع معشوقة

هل ترعش شفتاها

هل ينبض نهداها

هل تطلق آها

أم تتحرك

لوداع؟!"

القصيدة – في رأيي – التزام إبداعي صادق،تعبر عن الشاعر وعن همومه التي تتلاقى وهموم مجتمعه، والشاعر له جوانب وحالات وأشجان،وأحاديث ذات شجون،وهو يحس القضية، ويتألم، ويعشق، ويرفض، وقد تكون بعض انطلاقاته سياسية،أو قد تكون السياسة لبستها.... فكونت فرادة بمعنى INDIVIDUAL .

الشعر ليس هواية بمعنى ترفي،بل هو قدري ولعنتي وحبي ومجتلاي،وكما تفرح الوردة في نشر أريجها أفرح أنا في نشر قصيدتي. أستمع إلى ردود الفعل،وأسعد إذا راقت أو إذا ذُكرت بخير. بعد سنتين أرى كل قصيدة بمنظارها الحدثي أو المنطلق من التجربة بعينها.

وكثيرًا ما أقرأ قصيدة لي  قديمة ،  فأقول لنفسي :" اليوم أنت – يا ولد – لا تستطيع أن تكتب سطرًا مما كتبت. كيف استطاع فاروق الأمس أن يهتدي إلى هذه المعاني؟ "

وإذا لم أجد لقصيدتي أذنـًا أقول لها : لك الله يا قصيدتي...لابد إلا أن يحضر الناقد الجاد/فانتظري!.

يهمني أن يرضى الجمهور الواسع عن قصيدتي الوطنية،ولا يهمني كثيرًا أن أجد العدد الكبير لقصيدتي الفكرانية أو المتعمقة. أما "الوطن" في كتابتي فهو يعني المكان والزمان والنباتات والطيور والتربة والهواء والسماء، وأهم من ذلك الناس بعلاقاتهم وانفعالاتهم وتداخلاتهم وتشربهم لهذا الوطن، ففلسطين ليست مجرد ترديد يُحفظ،.... إنها كينونة وانصهار في بوتقة.

 القصيدة لدي تتخلق بعدما أعايش أحداثها أو أجواءها أو أشعتها، أحيانًا تلد مخلوقًا كاملاً مثل قصيدتي "ندّ على أضرحة عراقية" -  إذ وردت علي بسبب العدوان على العراق،فكتبتها بتواصل والدموع تنساب من مآقيّ. ولم أكن في بلاد الأندلس – حين كحلت عيني بمناظرها -  أنظم أو أستشعر، بل ظننت أن معين الشعر قد نضب.... إلا أن زوجتي كانت تطمئنني أنني بعد عودتي سأكتب قصيدة - هي القصيدة في نظرها. و صدق حدسها في أنني كتبت .... .

إن أهم ما يميز شعري هو الصدق، فقصيدة غزلية مثلاً من شأنها أن تقيم عليّ القيامة أمام زوجتي، ذلك لأنها تعرف أنني لا أكتب هكذا عفوًا أو عبثًا أو من غير نار تتوهج في خلل الرماد. ثم إنني أعالج (التابوهات) – المحرَّمات من دين وسياسة وجنس بصراحة ،  وإن لم تكن أحيانـًا غير متناهية. فاقرأ قصيدتي " أغسل خوفي" مثلاً لتجد هذه النقمة العارمة على التزمت الديني البعيد عن المنطق الذي ورد في قولة تعالى "لا إكراه في الدين".

أحاسب قصيدتي_ ناقدًا – ولا أحابيها، بل أجد الجرأة لأن أقول لشاعر معين "قصيدتك هذه أفضل من قصيدتي في بابها " وقد حدث ذلك أكثر من مرة. وبالطبع فهذه صفة تندر بين الشعراء، وقد لا يصدقها عني بعض الأصدقاء..... ولكنها حقيقة.

الرمز وارد كثيرًا في قصائدي بأشكالها المختلفة، فمن الرموز ما هو تاريخي أو أسطوري، أو فولكلوري، فلسفي أو إبداعي مستجد.

وفي شعري تناصّات كثيرة من القرآن ومن وحي الصوفية. والدين لدي هو حضور الحضارة الإسلامية العربية في نسيج قصيدتي حضورًا يتجاوز الناحية الشكلية غير الموظفة.

ليس في شعري ولا أظن في شعرنا المحلي وقفات وصفية طويلة مستقاة من الطبيعة، فالطبيعة عندي هي الوطن،المرأة،والإنسان في الطبيعة.

شعري هو أناي،تلخيص لي،وأحب أن ينطلق.....وأن يكون حرًا يعانق الكون كله.....أطمح إلى  أن تكون كل قصيدة في دوائر ثلاث على مستوى التوصيل(وهذا القول كررته،مع أن الأمر متعذر في كل القصائد):

-         دائرة ذاتية  -  وهذا البعد يقرأه كل قارئ ويجد فيه نجواه.

-         دائرة فلسطينية – أن يجد القارئ بعدًا وطنيًا يحلّق فيه.

-         دائرة إنسانية – أن يقرأ قصيدتي قارئ أرجنتيني -  مثلا -  فيجد فيها طاقة خلاقة وشمولية إنسانية، وبالفعل فلدي عشرات القصائد مما ينطبق عليها ذلك.

أما عن الشكل الشعري فلي قصائد كثيرة على الصياغة التقليدية،وخاصة قصائد الرثاء ،  أو القصائد التي تلقى في المحافل الوطنية.

أما القصائد التفعيلية فهي الغالبة على شعري. بينما "قصيدة النثر" كتبتها في حالات تضطرني إلى الخروج من إيقاع أو تطريب، كما أشرت في حديثي عن وقفتي أمام مضيق جبل طارق، وهذا القصائد لا تتجاوز أصابع اليد. أجدد وأبدع – ما وسعتني الحيلة – في كل قصيدة مبنى ومضمونًا ،وأحاول أن أخلق الصور المتوالدة ليكون ثمة إيحاء ومشاركة. وقد تسألوني: كيف تبدأ قصيدتي غالبًا؟ إنها تبدأ بتهويمة أو دندنة إيقاعية لمعنى معين، ثم ما تلبث الصور تتآزر وتتضافر حتى تشكل بنية القصيدة. أكتب القصيدة أنى حلت الفكرة وخطرت الصورة، وكأنها  تتهادى أمام مخيلتي ، فإذا استجاشتني للكتابة أعانق جسدها. أحيانًا أكون سائقًا سيارتي، وآنًا أكون على فراشي، آنا بين كتبي وبعد ومضة أشعَلَها كتاب ما، أو إبراقة شعت من قصيدة لشاعر معين.

 

أشغلت الأنثى حيزًا في شعري، ذلك لأن الأنثى هي الرقة والجمال والعذوبة والأنس. هي الصوت العذب الذي يسري على النفس. هي المشاركة الوجدانية الأخاذة التي تعطي الرجل معنى التكامل بقدر ما يعطيها الرجل إحساسًا بالتفوق. المرأة هي نقطة قوتي، وهي نقطة ضعفي. وقصائدي الغزلية أكثر من أن تُحصى، فكثير منها كتبته لبعضهن.... ولم احتفظ أنا  بنسخة عنه، ومنه ما لا أجرؤ على نشره، فجعلته في دفتر "المكنونات"  ، ففيه شبق جنسي كنت قد عبرت عنه في السبعينيات والثمانينيات.

ومن غزلياتي ما هو مرتبط بالأرض كما هو الحال في كثير من شعرنا الفلسطيني. وثمة غزل آخر لا عهد لنا به من قبل، فقد كتبت قصيدة أهديتها لرفيقة عمري أثارت غيرة زوجات بعض الشعراء من أصحابنا ، فاضطروا للكتابة  كل إلى حرمه المصون .

أما الغموض الشفاف فهو المستحب لدي، إذ أنفر من كل تعقيد والتواء حتى في المخاطبات اليومية. أطالب القارئ أن يكون مسلحًا بمعرفة أولية عن الشعر وتوليداته، ولا يهمني كيف يقرأ أو يفهم. الشفافية هي كشفافية الحسناء التي لا يسلس قيادها لأول لمسة يد أو لأول نظرة، بل هي التي تعطي وتمنع، وتراوح وتجذب، تؤمّل بقدر ما تكون عصيـّة. الجمال الغامض الذي لا يتكشف مجانًا هو لدي الأحب. إن الصورة البعيدة عن الفانتازيا المُغربة في الإبهام هي التي تقدم لنا خيالاً نستطيع أن نحلق في أجوائه وأبهائه.

***

شاركت وأشارك في الندوات الشعرية المختلفة، وكذلك في المهرجانات الشعرية وغير الشعرية (النشاطات في الجبهة، ومرة كانت في الحركة التقدمية)، وقد حضرت مهرجان لندن الثقافي الذي أقامه رياض نجيب الريس في لندن صيف 1988م، وذلك بتوصية من سميح القاسم الذي كان رئيسًا لاتحاد الكتاب العرب في البلاد (كنت نائبا للرئيس آنذاك).

وفي لندن تعرفنا إلى عشرات الشعراء - أذكر منهم نزار قباني، وسعاد الصباح، ومحمد عفيفي مطر، وبلند الحيدري، وأحمد مطر و...، وفي الليلة المخصصة للشعر الفلسطيني قرأ محمود درويش وسميح القاسم وطه محمد علي، وقرأت أنا قصيدتي  "الخروج من نهر الظمأ" -  القصيدة التي تتناول الانتفاضة – وكانت موضوع الساعة – قال لي  الناقد المعروف غالي شكري، وكان قد قرأ بعض نتاجي قبلاً: لماذا قرأت هذه القصيدة؟ قالها بنوع من العتاب وإبداء عدم الإعجاب.

أما صبري حافظ فقد حياني وقال: مثل هذا الشعر المقاتل ضروري أن ندرسه وندرسّه. ومهما يكن فقد استمتعت جدًا باللقاءات الكثيرة والسهرات الأدبية التي كانت لي أشبه بحلم، وشاركت فيها بحضور بارز، وظلت الصور الفوتوغرافية شاهدًا جميلاً ومعبرًا ، ومدعاةً للاعتزاز  .

في سنة 1990 قرأت شعرًا في معرض الكتاب الدولي في القاهرة بتقديم جميل لا يُنسى ....من محمد أبو دومة. ومن خلال لقاءاتي المتكررة في معرض الكتاب وفي أكثر من سنة تعرفت إلى كبار الشعراء والمتميزين من النقاد.

وفي نفس هذه السنة دعيت لحضور مهرجان الشعر العالمي في القدس، وذلك في مشكنوت شأننيم، وكان المهرجان سنتها حاشدًا بالمدعوين، حيث شارك الشعراء العرب واليهود في البلاد، كما شارك بعض الشعراء الفلسطينيين. وتعرفت جيدًا في هذه اللقاءات إلى الشاعر يهودا عميحاي -  كبير الشعراء العبريين، وكنت قرأت ثلاث قصائد بالعربية قام الممثل مكرم خوري بقراءتها بالعبرية.

وصدر عن المهرجان كتاب يضم أنتولوجيا شعرية بالعبرية والإنجليزية، فكانت قصيدتي "الشيخ والبحر" ممثلة لي في هذا الكتاب.

وقبيل ذلك في سنة 1989م صدرت لي مجموعة شعرية بالعبرية هي "الأحزان التي لم تفهم" (העצבונים שלא הובנו) بترجمة روجيه تابور وإصدار رابطات الكتاب في إسرائيل ، وبتقديم دافيد ساندو.

ثم شاركت في قراءات شعرية في ألمانيا، وذلك ضمن ندوات كنت أُدعى إليها. ومن الجرأة أن أترجم قصيدتي بنفسي إلى الألمانية. فأدعها بعد ذلك في يد من ينقحها، ثم أقرأها بالألمانية. (الألمان يتحمسون جدًا لمن يستخدم لغتهم).

وهنا لا بد من ذكر الإلقاء وفنه، فكثيرًا ما اسمع تقريظًا لطريقة إلقائي، فأسمع من  يصفها بالتماثل مع الصدق الذي ينطلق من أعماقي.... بل إن شاعرة عبرية أصرت على أن أقرأ لها قصيدتها على مسمع الجمهور، وكنا مدعوين معًا. ومهما أوتيت من قوة هنا إذا صح ذلك – فإنني أشهد أن الإلقاء الذي بهرني و "دوّخني" هو إلقاء الشاعر الروسي  يفتشنكو  ، وكنت قد تعرفت إليه في "بيت الأديب" في تل أبيب. كما كانت تثيرني قراءات سميح القاسم ومحمود درويش ونزار قباني على وجه الخصوص. ومما يُعجب في الإلقاء أن يحفظ المُلقي قصيدته غيبــًا، وهنا تواصل أقوى وأعلى، وليس أدل على ذلك من إلقاء الفنانة نضال الأشقر -  المبدعة جدًا في إلقائها وفي أدائها ( وقد عبرت لها عن رغبتي أن تقرأ لي  ، فسألتني أن أرسل لها  قصائدي ، وهيهات  أن تصل ! ).

لقد كتب عني أو عن شعري الكثيرون، فأصدر خلدون الشيخ علي كتاب "صورة الشهيد الفلسطيني في أشعار فاروق مواسي" – جنين 1995م، ويضم الكتاب بين دفتيه كذلك مقالات لحسان نزال، عبد الناصر صالح، بدر الكيلاني، سناء بدوي وغيرهم. كما أصدر د. يحيى زكريا الآغا كتاب "إضاءات في الشعر المعاصر" ج2، دار الحكمة – 1998م ضمّنه فصلاً بعنوان "فاروق مواسي – التزام، انصهار وانبعاث" (ص189 – 233).

 وكانت قد صدرت مقالات عديدة أذكر منها مقالات  دالية بشارة، أنطوان شلحت، محمود غنايم، صبحية الصالح، مفيد صيداوي ، عبد اللطيف عقل، محمود مرعي، وائل سعيد، وحسين حمزة...

ومن المقالات الهامة التي تناولت شعري كذلك مقال محمد عبد الله الجعيدي: "حضور الأندلس في الأدب الفلسطيني الحديث" (عالم الفكر، الكويت – العدد الرابع، يونيو 2000) وحول هذا الموضوع أيضًا كتب رؤوبين سنير دراسته بالإنجليزية التي عنونها "نهوض الأندلس من دمشق. الأندلس في الشعر العربي الحديث"

Hispanic Issues، volume 21 p 263 – 293.

وقد ذكَرني بإشارات متفرقة هنا وهناك، ولما سألته:

 لماذا تركزت على محمود درويش و "كمنجته" في الأندلس، وهو لم يتناول التفاعل مع هذه البلاد بصورة بيّـنة، وأغفلت مقطوعاتي التي تخدم دراستك وموضوعك بصورة مباشرة  ؟

صارحني وبجرأة:

–       إن الكتابة العلمية أيضًا تجري وراء الأسماء المعروفة، فيكفي أن أقول "محمود درويش " حتى تجد الآذان صاغية والانفتاح لقبول ما أقول، فاعذرني، واعلم أنني لا أنكر أنك أكثر من تناول هذا الموضوع بشاعرية واقتناص للمكان.

وهنا لا بد من ذكر أن هناك بعض الدراسات قد تناولت شعري، وهي لطلاب في الجامعات ودور المعلمين. وعلى ذكر ذلك، فانا أرفض أن يكتب أي طالب من طلابي دراسة عن شعري، حرصًا على الموضوعية، بيد أني أشجعهم على تناول قصائد الشعراء المحليين، حتى ولو تنكر لي بعضهم أو أساء.

***

كم يسعدني أن التقي من لم أكن أعرفه، فأجده يحفظ  من شعري .   وقصيدة "شوق الأرض دليل" التي اختزنت طاقات مقهورة في داخلي على ضوء الأحداث المتلاحقة في اضطهاد أبناء شعبي كتبتها بحرقة حقيقية ،  وقد أسعدني أن يقول لي أستاذي المرحوم حسن بشارة بعد أن قرأها: "لقد نفست عن غيظنا كلنا".

   أقول بعدها في نفسي : ثمة ما يستحق أن أكتب وأواصل. ذلك لأنني أتردد أحيانــًا  قبل أن امسك القلم، وأبحر في دنيا القصيدة، فمن الذي يقرأ حقــًا ؟ !  و "ماذا يفيد القول في روع الأعاصير" ؟ 

ومما يثبّط قليلا أن الصحف تفتح أحضانها لكل "حكي" واختلط القمح بالزؤان والشاعر بالشعرور، فاعتزلوا يا أولي الألباب.

ان الحديث عن المحاولات البعيدة عن الأدب الذي يثبط العزيمة يعيدني إلى محاولاتي الأولى في تأسيس "الورشة الأدبية" لتدريب "الشعراء المبتدئين"، فكنت أدعو لذلك بعض الأدباء المعروفين ليناقشوا المتأدبين، وقد تناولت هذه الفكرة في حديثي عن رحلتي النقدية، وحبذا عودة الفكرة ، وحبذا أن يقوم بذلك غيري.

غير أن علي واجبًا للاعتراف أن صديقي  المرحوم نواف عبد حسن -  القارئ المتميز كان قد عرفني على مجلة "الآداب" التي كنا نقرأها في جبعات حبيبة، فنتعرف إلى الأصوات الشعرية الجديدة، وعلى الأبعاد النقدية المختلفة، وكان يصر علي أن أتقبل الشعر الحر أكثر فأكثر، بل هو الذي غير اسمي المستعار (  اللامستعار- حقيقة ) :  "محمد إبراهيم" ..... فكتبت اسمي في صحيفة "الأنباء" في بداية السبعينيات، وكان هو المواكِب والمصاحب لكل ما أكتب .....حتى وإن كان له تحفظ هنا وهناك.

كما أن علي واجبــًا للشكر للدكتور فهد أبو خضرة والشاعر حنا أبو حنا اللذين ارتأيا أن أضم مختارات من شعري  ( بعد إحجامي عن ذلك ) - لمختارات الشعر الفلسطيني التي صدرت عن مجلة "مواقف" العدد 24 -25/2000م، وهي من اختياري وتقديمي.

وبعد..

فهذا مجمل لرحلتي الشعرية، وقفت خلالها في محطات ومعالم، صاحبتني، وكانت لك مني مواقف متباينة، ومهما يكن فإن الشاعر فيَّ ممثل لما نعانيه جميعًا، فما أنا إلا واحد منكم، قلبي ينبض بحبكم، ولن تضنوا علي بالقول "الله يعطيك العافية !"

ومع العافية سأواصل المشوار، ومن يدري فلعل الشعر يحدث بعد ذلك أمرا.*

 

* ملاحظة :  بعد كتابة هذا العرض أصدرت الأعمال الشعرية الكاملة في مجلدين ( إصدار مكتبة كل شيء ، حيفا – 2005 ) .

 

 

بين وردة الفجر والموت

التفاصيل
كتب بواسطة: حسن غريب أحمد
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 04 ديسمبر 2000
الزيارات: 10
 

لوركا 00000 بين وردة الفجر و رماد الموت

 

حسن غريب أحمد

 

توحى قصيدة لوركا ، شاعر إسبانيا الشهير { مشهد مع قبرين و كلب آشورى } بأنه كان يشعر باقتراب نهايته وسقمه يمكن أن يكون شاهداً على قتل الشاعر رغم أنه كان محايداً أثناء الحرب الأهلية التى عاشتها إسبانيا وما رافقها من مجازر واغتيالات سادَّية نالت من المقاتلين من أجل الكرامة كما نالت من الأدباء والفنانين وباقى الرموز الحضارية التى صنعت مجد إسبانيا الحقيقى 0

ولد لوركا المحايد إلا فى انتمائه للوطن و الشعر عام 1898 م فى قرية ( فوينتى فاكيروس ) الواقعة فى مقاطعة غرناطة. كانت عائلته من الملاك الميسورين. أما السمة التى طبعت طفولته الأولى فهى التذوق الشديد للموسيقي المكتسب فى عائلته، والظاهر فى أعماله الشعرية المتمتعة بالحس الإيقاعى. وهو الحس الذى وسعه عبر الاتصال بصديقه [ مانويل دى فالا ] 0

بدأت الكتابة طريقها إليه و هو لم يتجاوز الثامنة عشرة وذلك إثر رحلة دراسية عبر مدن ( قشتالة ) الأثرية، فجاء كتابه ( انطباعات و مشاهد ) ثمرة لتلك الجولة ثم عُرف  { لوركا } فى مجال الشعر بعد أن نشر عام 1921 م ديوانه ( سفر القصائد ) الذى جرى الاتفاق على أنه إحدى نقاط انطلاق الشعر الجديد، لكن الشاعر الذى لم يكن مديناً إلا لنفسه بفرادة تعبيره، استمر بتخزين الألحان والأغانى، يدندنها سراً قبل إخضاعها لحكم أصدقائه.

هكذا ولد ديوان الأغانى ثم الديوان الفجرى Romancero Gitano  عام 1928م، وهو آنذاك رائعة الشاعر وهنا اختلط الانفعال الذاتى بانفعال الشعب والتقت الغنائية فى تدفقها مع مياه تراث تاريخى وقومى عظيم. هكذا فى هذه القصائد التقت المتناقضات من جديد وظهرت كالمنمنمات الشرقية المحاطة بالورود والقرنفل والتى يحتضنها شريط ماء حى.

إن امتلاء الشكل والوحى والفكرة و الغناء يكفى دون شك لتفسير الرواج المدوى لمجموعته {الديوان الفجرى} التى تأتى كملحق لتلك الموشحات الأندلسية التى كانت تغنى فى غرناطة، أيام جعل العرب من الأندلس  ( أجمل مملكة إفريقية ) فـ { لوركا } هو الأول، دون شك، الذى جمع ذكراها بهذا القدر من الدقة وأعطاها شكلاً بهذا الكمال.

بعد ذلك نلمح إيقاعاً مختلفاً فى مجموعته (الشاعر فى نيويورك) التى سطرها بمناسبة إقامته فى الولايات المتحدة الأمريكية ربيع 1930م  فما كتبه آنذاك أتى إبقاعاً أوسع، متطابقاً مع إيقاع الحياة فى المدينة الأمريكية الكبيرة، المدينة التى تعبر فوقها [ قطعان ثيران تدفعها الريح ]. كان لوركا فى هذه القصائد يستحضر عبر لغة تذكر بلغة ( ويتمان ) ما بقى محفوراً فى نفسه من صور الشاعر الأمريكى العجوز، الذى يصفه على شاكله تمثال فخم وعملاق مرسوم بألوان الشمس الغاربة على شواطئ الهدسون: أيها الشيخ الجميل والت ويتمان.

لم انقطع لحظة واحدة عن رؤية لحيتك المليئة بالفراشات

وكتفيك المخملتين الممحوتين تحت القمر

وصوتك, عمود رماد 

لقد جمعت تباشير قصائد لوركا ما بين مشاهد الطبيعة الميتة والغيتارات النائمة والخيالات المبسطة والصور الشعرية المتحولة إلى مشاهد ذات خطوط أنيقة تهيمن عليها مجموعة الألوان الحمراء والصفراء، ورسوم لوركا الأولى، تلك الرسوم التى كان يرسلها إلى أصدقائه الغرناطيين حين استقر فى مدريد، والتى أراد الإشارة فيها إلى أن الرسم لا ينفصل عن الشَّعر.

يروى ( سيلفيا دور دالى ) الذى عرف لوركا فى سن العشرين، عندما كان طالباً حقوقياً، عن الاجتهاد الذى كان يتميز به لنسخ رسومه على قصائده. ما من صورة شعرية لم تحضره بلون فاقع، محاطة بذلك النغم الموسيقى الرائع الذى يدلنا على مقدرته غير العادية لإعطائنا الألوان بشعاعها الصافى المصقول دائماً بصور طفولته البراقة.

لقد حافظ بأمانة متواصلة على صور تلك المدينة القديمة، مدينة غرناطة التى ولد بالقرب منها والتى تتكسر عليها ألوان الطيف كما على جوهرة بألف زاوية انعكاس.

وبمقدار ما سينضج نتاج الشاعر ستخف الألوان لكنها لن تُمحى بالتأكيد ولن تذبل، و هى تشكل جسداً واحداً مع الكلمة، سوف تدخل فى الظل، تتجمع فيه كموضوع الموت المتشابك مع الصور والتنويعات المأساوية والمؤلمة، ومع الحزن الشفاف الممتزج بالصور الأكثر غبطة:

القلوب الأندلسية

تفتش دائماً

عن أشواك قديمة ).

فى كل مكان نكتشف هذه الرموز وصور الموت الدامية المقترنة بالحب هكذا، من الموسيقي واللون والكلمة يتعارض الحب والموت، ويتداخلان بشكل حميم جداً تعكسه قصائد لوركا، بحيث يستحيل فصل الأول عن التالى.

إنهما موضوع واحد يجرى التعبير عنهما، والخلط بينهما، عبر صور تحتمل غالباً معنى مزدوجاً، وهذا الذى نفهمه منذ البدء عندما نقرأ تلك القصائد، وذلك الذى نكتشفه فيما بعد داخل أنفسنا: (كل ضوء العالم يتجمع فى مقلة) و (أتطلع إلى قلق عالم حزين متحجر، لم يعد يعتر على نبرة نشيجه الأول)

إضافة لذلك، انجذب لوركا إلى المسرح، وكتب مسرحية ( أذية الفراشة ) التى عرضها فى مدريد            عام 1921 م و رغم فشلها، إلا أنه استمر فى الكتابة المسرحية، فجاءت بعدها مسرحيته (ماريا بينيدا ) و هى دراما تاريخية منظومة، و تلاها مسرحيات متنوعة أخرى، مثل يرما Yerma (المرأة العاقر ) التى شهدت نجاحاً منقطع النظير على مسارح بلاده و أمريكا الجنوبية.

تتميز هذه المسرحيات جميعاً بجاذبيتها. حيث يجرى استخدام فن الصمت ببراعة وبكثافة شعرية عظيمة. و لكى يخدم هذا الشاعر فنه، و يجعله شعبيَّاً حقاً دون تنازلات عديمة النفع, لم يتوان عن جوب الطرقات على رأس فرقة مسرحية تقدم تمثيليات فى المدن الصغيرة وقرى المقاطعات.

كان قد درس عن كتب مشكلات الفن المسرحى، فى كوبا حيث حاضر فى الأدب الإسبانى، وفى الأرجنتين حيث قدم اقتباسات للأدباء الكلاسيكيين الذين شاخت لغتهم، بيد أنه تدرب على الإفراج مع فرقته الجوالة تدريباً سمح له بمواصلة رسالته الفنية.

هذا المسرح البسيط والصارم، أعاد إلى الحياة تقليد الشرق القديم، وهكذا دفع ضريبته للأرض الأندلسية، لكنه كان يريد أن يعبر عن شئ آخر، أن يتجاوز الإطار الذى حدده لنفسه منذ البدء، وأن يرسم الإنسان فى ذروة انفعالاته.

إن الموت فى نظر الشاعر هو الحقيقة النهائية، القوة التى لا تنفك تلتهم وتلد فى حركة متكررة إلى الأبد. لقد عاش (لوركا) مهووساً بفكرة الموت والدم. بيد أنه كان يختزن فى أعماقه شهوة عارمة للحياة تفوح منه حيوية جعلته مركزاً متحركاً يدور حول الأصدقاء والمعجبون، رسامون، وشعراء، وموسيقيون. عبَّر عن ذلك الشاعر (بدرو ساليناس) إذ قال {كنا نتبعه جميعاً لأنه كان العيد والفرح} حركة دائرية، دوامة مؤلمة مشددة إلى الأسفل، إلى التراب الأبدى والعشب النابت فى الأجساد المتآكلة. وأرهب ما فيها ذلك النسيان يمر بمياهه على الوجوه الحميمة، فيطمسها إلى الأبد، تلك المساواة فى الموت، حيث تتشابه الكائنات جميعاً دونما استثناء.

هكذا كان يستحيل على القتلة، و هم يمزقون قلب شعب إسبانيا بخناجرهم الحاقدة الباردة، أن يهيئوا لفديريكو مصيراً آخر، فلقد كان يرسل جذوره عميقاً فى الأرض الأندلسية، ويفتح ذراعيه واسعتين لريح المستقبل وأشعة الفجر الطارق أبواب قرطبة وأشبيلية ومدريد. ففى صبيحة التاسع عشر من تموز عام 1939م كان جثمانه مرمَّياً  فى وادى فيزنار قريباً من غرناطة التى أحبها.

هكذا كان لدى شاعرنا الذى مات فى سن الثامنة والثلاثين فضول لا حدود له، رغبة قوية فى معرفة كل شئ و الاستفادة من كل شئ. لقد دمج فى شعره الغربة والموت والحب والحياة واللون والدم الذى سقى به انتماءه إلى أرض غرناطة القديمة التى بقى شاعرنا أميناً لها حتى النهاية.

وتبقى الأرض خشبة الخلاص الوحيدة رغم  الآلام والرهبة والإحساس بالنهاية الفاجعة.

إن التزاوج بين النقيضين هو ما يضفى على نتاج لوركا الشعرى والمسرحى تلك الكثافة التى تحاذى الانفجار

(ها هنا لا يوج غير الأرض

الأرض بأبوابها الأبدية

الموصلة إلى حمرة الثمار)

مازالت الأرض تضج بالموت والظلم والفجر، وصور لوركا تضج بالصراخ المتناغم الذى يعلن  (مجئ مملكة السنبلة ).

نموذج من قصائد لوركا:

( حضور الجسد )

رأيت أمطاراً رمادية تركض أمام الأمواج

رافعة أذرعها المثقوبة الحنون،

كيلا تصطادها الصخرة الممدودة.

صمت كريه الرائحة يرتاح،

ماذا يقولون ؟ قربهم جسد راقد يتلاشى

له شكل البلابل الصريح

و هو يمتلئ أمام أعيننا بثقوب لا قرار لها 00

من يجعد الكفن ؟

لا أحد ها هنا يغنى ، أو يبكى 00

أريد أن يدلونى على بكاء كالنهر 0

له غيوم ناعمة و ضفاف سحيقة 00

فليصبح الليل فى أدغال الدخان 00

إن البحر يموت أيضاً

 

المصادر : -

1-   لوركا وعالمه الشعرى: ترجمة عدنان بغجاتى، دار المسيرة، بيروت 1979 م

2-   لوركا: ترجمة وتقديم كميل داغر، منشورات المؤسسة العربية للدراسات, دمشق 1975 م

3-   قمم فى الأدب العالمى، تأليف الدكتور بديع حقى، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1973 م.

4-   الوشاء: الفاضل فى صفة الأدب الكامل 2 / 90  منشورات وزارة الإعلام العراقية.

5-    محمود الألوسى، بلوغ الأدب 2/162 - دار الكتب العلمية – بيروت 

6-   د 0محمد عبد العزيز مرزوق: الفنون الشعرية فى المغرب والأندلس ص 134، 1995م نهضة  مصر.

المرأة بين الواقع والمرتجى في النظام الأبوي البطركي

التفاصيل
كتب بواسطة: نضال القادري
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 01 ديسمبر 2000
الزيارات: 9
 

المرأة بين الواقع والمرتجى في النظام الأبوي البطركي

دراسة مقارنة

 

نضال القادري

 

يحكى دائماً عن مكتسبات في مسيرة الحركة النسائية وعن القرب من تحقيق المساواة. إن فكرة مساواة المرأة مع الرجل طرحت لعقود طويلة بطريقة لا تخلو من غياب الجوهر الحقيقي للموضوع، ويستطيع الباحث أن يرصد الكثير من الأقاويل والقصص المثيرة للجدل للتدليل على قهر المجتمع بصورة عامة للمرأة. فعندما تتحدث أي امرأة عن ظلم الرجل لها، ومطالبتها بحقوقها، يشار دائماً إلى فكرة أن الرجل أقوى وأقدر على الحماية والولاية على كل ما يتحكم بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة، رغم كل ما يقال من أن المرأة هي نصف المجتمع ليس قناعة منه بذلك بل فقط ليدغدغ عواطفها، ولينقلب إلى شخص أخر في موقع المدح المدفوع سلفا للإقتناص من معنوياتها في وقت لاحق، والسؤال الذي يطرح نفسه علينا بطريقة مستدركة: إذا كانت المرأة نصف المجتمع، فكيف يمكن أن يتطور نصف المجتمع ويبقى نصفه الآخر بدون تطور؟!

 

إن ما يقال عن تحقيق مكتسبات في تاريخ العلاقة بين الصنفين لهو لغو نسبي لا يتعدى أكثر من إحصاء بسيط ولا يطال نواحي الحياة الفعلية لهما ولا يدلك على المجرى الحقيقي الطبيعي للمنطلقات الإنسانية بينهما. فالمكتسبات النسائية هي هشة بطبيعتها في المجتمعات العربية، وهي تواجه أنواعا عدة من العقبات أهمها ما يعرف بالهجمة الذكورية، والردة الإيديولوجية للمكنون الديني الذي يقود المجتمع بطريقة \"بطركية\" كما يقول الباحث هشام شرابي في كتاباته. وفي هذا الجو المحموم من العلاقة، تتكرر الموضوعات المستعارة المستوردة في أغلبها من الغرب، ومن الولايات المتحدة خصوصا، ومفادها أن مستنصري التوجه النسائي يبالغون في تصوير المشهد الأولي لاضطهاد المرأة في مجتمعاتنا، وعمليا قد يكون انتهى إلى غير رجعة ذلك الزمن من التحرش الجنسي المستتر، وكذلك الاغتصاب بين الأزواج، والزواج بالإكراه كما كان ساريا من قبل في مجتمعاتنا العربية، إذ هناك بعض النساء ممن لا يستسلمن بسهولة لأي وسيلة إخضاعية، وهذا النموذج يتخذ خطوات أكثر جرأة تبدأ بالتمرد على التهميش العائلي والإستفراد في منزل أهلها وتنتهي بطلب الطلاق والإفتراق من الزوج الذي لا تحبه أو أجبرت على الزواج منه، ولكن ذلك لا يشكل البطولة ولا الإنصاف المنشود الذي تسعى لتحقيقه الحركات النسائية. ولا بد للمتسائل أن ينبري للتوقف عند ما يزعم أنه التحرر والافتراق والإنعتاق من واقع مرير، لكن عند بعض المجتمع أو بعض الأسر قد تأخذ هذه الصفة (التحرر والافتراق والإنعتاق) وتعطيها معان أخرى بعيدة كل البعد عن المعنى الأصلي للكلمة، فمجتمعاتنا تحكم على المرأة المطلقة بالموت المعنوي والدعائي، مهما كانت ظروف طلاقها وأيضا دون النظر إلى حالتها السابقة التي مرت بها، ومهما كانت معروفة أطباع وسوء الرجل الذي انفصلت عنه، فلا بد أن تكون المرأة هي المخطئة في مجتمعاتنا ويكون بذلك الرجل المتحكم بها دائما على حق مبين، هذا إذا لم يطعن الرجل وأسرته وأحلافه القبليين في أخلاقها وشرفها، وغالبا ما يحدث هذا بصورة بشعة، تخلق من دون أدنى شك صورة معنوية هزيلة للمطلقة في مجتمع يحكمه الذكور المتشوقين إلى ضحية وأصنام الأعراف الماضية البائدة التى لا توفر من لا يعنيهم الأمر.

 

إن الردة الرجعية لبعض المفاصل في القوانين التي تتحكم في حياة المرأة التي أصابها القدر السيء، تضعنا أمام تحديات جمة، خصوصا إذا ما أصبحت وحدها تجابه الريح العاتية الأتية من كل حدب وصوب، والمثال الأتي يشهد ما أقوله عندما تكون العِصْمَة التي بيد الرجل أبدية حتى بعد الموت، إذ تتحول إلى سيف قهار بتار لا يرحم نساءنا في الشرق، فالمرأة مثلاً لا يجوز لها أن تكون وصية على أطفالها بعد وفاة زوجها، لا في مسألة تزويجهم أو إدخالهم إلى المدارس أو تسفيرهم إلى الخارج أو توريثهم شرعا، وتبقى الأرملة على الدوام بحاجة أو تحت رحمة أحد أقارب زوجها المتوفىّ من أصحاب الصفة القانونية لكي يشرف على معاملاتها التي تبقى دوماً أسيرة لموافقة أو لمزاج أولي الأمر. والسؤال يطرح نفسه من دون مقدمات تذكر: من ينصف المرأة؟! من يحاسب ظلاّم المرأة ويأخذ لها حقوقها الأساسية أو يحافظ على ما تبقى منها؟! هل نذهب كما قال البعض: \"لا بد من أيجاد محكمة نسوية صرفة\"، الحاكمة فيها امرأة عانت ما تعانيه النساء من ضروب الظلم المتعددة والتي قد تبدأ بالحرمان من التعليم ولا تنتهي فقط عند تلقي الضرب والإهانة على يد الأزواج؟! الجواب: لا، إن الأمر ليس كذلك، لا أعتقد ذلك على الإطلاق، ففاقد الأشياء لا يعطيها، وكيف به إذا صار متحكما ويريد أن يسترجع ما فقده منذ زمن بلحظة حياة واحدة.

إن تطبيق القانون يجب أن يكون سيد المواقف، وإن أي تشكيل لمحكمة نسوية صرفة سيقلل من مصداقية أحكامها وقراراتها واجتهاداتها، وسينظر الرجال إلى هيكليتها من زاوية عنصرية فاقدة لكل ما تقوم به حتى ولو كانت درجات الإستئناف بها تأخذ حيزا كبيرا. إن الناظر في الأشياء يرى أن جهاز القضاء، على سبيل المثال في لبنان، قد أصبح يعج بالأسماء النسوية وأصبح عدد النساء في معهد الدروس القضائية يشكل ما نسبته 80 % من عدد الطلاب المقبولين، مما طرح أكثر من علامة إستفهام وسؤال داخل الجسم القضائي وخارجه لمعالجة ما اعتبر مشكلة بين الجنسين، ولكن هذا لا ينتقص من قيمتهن أو كفاءتهن، إذ أكبر دليل على كفائتهن السيدة القاضية \"ربيعة عماش قدورة\" التي دخلت تاريخ الجسم القضائي في لبنان والدول العربية كأول قاضية تتولى مهام \"مدعي عام تمييزي\".. مثال أخر هو السيدة القاضية \"تهاني الجبالي\"، أول امرأة تعتلي عرش القضاء المصري من بنات حواء للفصل في القضايا بنص القانون وروح العدل، إن قلبها يتسع للدنيا كلها لتحسم الكثير من الجدل حول مدى أحقية وكفاءة المرأة في أن تحكم بين الناس وتحل مشاكلهم وتفصل في نزاعاتهم، ولم تقف عند هذا الحد، بل تم إنتخابها عضوة في المكتب الدائم لإتحاد المحامين العرب، لتصبح بذلك أول سيدة عربية تنتخب في هذا المستوى بالإتحاد منذ تأسيسه في عام 1944م. ولم تكن المرأة في سورية بعيدة عن سلطة العدل، إذ وصلت على سبيل إلى أعلى درجات القضاء حيث تتولى منصب النائب العام القاضية \"غادة مراد\" وهي سيدة من أكفأ النساء العاملات  في مجال  القانون وحكمت في العديد من قضايا الإعدام والإفلاس الشائكة.

 

منذ القدم، لا يزال المجتمع الذكوري مسيطرا، بالرغم مما قدمته المرأة على كل الأصعدة، في الحرب والسلم والهدنة، وللمتسائل أقول أنه لا يوجد نص قرآني يمنع تعيين المرأة في القضاء، وفي ذلك يقول الله في قرأنه الكريم: (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)، فقد أعطى الدين الإسلامي للمرأة حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكما قال أيضا محمد رسول الله: \"خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء\"، حيث أعطى حق الإفتاء للسيدة عائشة والصحابي عمر بن الخطاب، وأعطى القضاء في السوق لامرأة تفصل فيما ينشب من مشاكل بين التجار. إن الظلم يقرّه ولاة المجتمع، ويدعمه الجهلة من أتباعه رغم كل الأقوال البائتة في عدم جوازه، وإن أي محكمة تطرح على بساط البحث يجب أن تحفظ إنسانية الإنسان بالدرجة الأولى وكرامة المرأة كونها إنسانا رقيقا، فهي الأم والأخت والبنت والخالة والعمة.. ومن يقبل العبودية لأهله والإهانة لأهله فهو ليس أهلا للشورى والولاية على كل أنواعها، إن المحاكم التي تقر بوجوب أن تصدر أحكام على العنصرية والتفرقة بين الجنسين مرحب بها من كثير من أبناء الشعب، والمحاكم ليست مشكورة منقبل الهيئات التي ترى أن النتائج هي عملية إنتقاص من صلاحيات يدعون ألوهيتها بطلانا ويعتبرون أن ما ألت إليه الأمور باطلا بطلانا تاما وبائنا. نعم، لمحكمة تأخذ لنا حقوقنا من مجتمع الرجعية والتخلف دون النظر للجنس واللون والطائفة والدين لكل من أطراف النزاع والدفاع والحكام، واقتراح تشجيع استخدام الآليات القضائية ‏مثل الطعن في الأحكام غير الدستورية واستخدام آليات العدالة الاجتماعية مثل ‏المحكمة الجنائية الدولية وحث الدول على المصادقة عليها.

 

إن النظرة إلى المجتمع الأبوي في العالم العربي بطريقة أحادية الجانب لا تخلو من العنصرية، لذلك يعتبر الخطأ والخطيئة فخاً واحدا منصوباً أمام الفتاة الشرقية في كل زمان ومكان، علماً بأن العلاقات الشبابية بين الذكور والإناث هي علاقات أُلفة ومحبة مشروعة ومتبادلة، ولذا ينبغي أن يكون الخطأ والخطيئة  (الذنب) أيضاٌ متبادلاً، أي عندما يتم ارتكاب أية هفوة فإنّ على المجتمع محاسبة الطرفين على حدٍ سواء، لكن الذي يجري في العادة لا يعكس الصورة الحقيقية لمجريات الحدث، بل تُنْسَب أي غلطة إلى الفتاة وتعتبر خطيئة لا تغتفر إلاّ بغسل العار الذي يتم عادة بقتلها، أو إلزامها بالبقاء ضمن أربع جدران إلى أبد لا نعرفه غسلا لعار مزعوم لم ترتكبه، ويتبين من معاناة المرأة أنها لا تزال تحت قيد المعاناة، وإن إزالة هذه الحالة عنها لا تعني أن المساواة قد تحققت، حيث أننا نجد من بين كل عشر إناث تعرضت سبعة منهن للضرب في المغرب ووصلت النسبة في مصر إلى 25% وفي اليمن إلى64 % ، بالإضافة إلى جرائم الشرف التي تقع ضحيتها النساء بنسبة 59%، ويخطرني في ذلك، حادثة السيدة \"رانيا الباز\"، المذيعة السعودية التي تصدرت حادثة ضربها من قبل زوجها، السعودي أيضًا، عنوانين الصحف وأجندة الاعلام العربي والغربي في عام 2005 لمدة لا يستهان بها. وبهذا المعنى، فإن النساء سيشكلن أقلية حتى لو وصلت نسبتهن ديموغرافياً إلى 70% أو 80% في بعض البلدان العربية في ظل مجتمع \"بطركي\" أبوي سلطوي المنشأ والمجرى، هذا المنطق سيكرس ثقافة التلاوين والتمايزات وعدم قبول الآخر، ويمكن أن يؤسس لمثنويات جوهرية سلبية في المستقبل المنظور (أبيض/ أسود، لغة سيدة/ لغة مبتذلة)، وبالتالي فإن المثنوية الجوهرية (رجل / إمرأة) ستفسح في المجال لتلاوين عنصرية أخرى، وستزرع ثقافة أقل ما يقال فيها بأنها \"مضطربة\" في مكنوناتها.

 

وفي هذا المجال لا يسعني إلا أن أعبر عن تقديري لرهافة الكاتبة \"سوسن العطار\" عندما تكلمت عن زميلتها \"أحلام مستغانمي\" ناقدة لفكرها القصصي الذي لا يعبر عن مكنونات المرأة العربية في التحرر والسيادة والإستقلال، خصوصا عندما تقدم هذه الأخيرة منهما أشخاص نسائها في القصة: \"هذه هي أحلام مستغانمي، تحبها النساء وينام على عبق رواياتها الرجال، تنتظرها بشغف وإعجاب المثقفات المتحررات/.. من الزوجة الخائنة إلى الزوجة التي تدري بخيانات زوجها وتصمت كأن ذلك أحد حقوقه، أو الزوجة الغبية التي لا تدري أصلا بخيانات زوجها، إلى الأم الأرملة التعسة الجاهلة والمطلقة المستسلمة.../ ثم تنبري الكاتبة \"سوسن العطار\" لزميلتها قائلة:\"بصدق أنا أستمتع وأنا أقرأك، وسأحاول أن أعيد قراءتك لعلي أجد فيها مخفيا بين الشخوص، عن امرأة ما أو رجل ما، لا أريده / أريدها مثاليا، ولكن عاديا، يعيش لفكرة ما، لهدف ما إلى جانب غرائزه، ولا يستخدم سحر قضاياه ورومانسية عذاباته لتجميل غرائزه وجعلها أكثر إغراءا، الخيانة ليست فضيلة، الخيانة خيانة لوطن، لزوج، لصديق، فلا يتزوج أو يستمر في الزواج من لا يشعر أن الآخر صديقه وزوجه ووطنه\".. إن الزواج ليس إنعتاقا من حالة يأس بالقوة إلى حالة يأس بالفعل، إن الزواج حالة حياة مثلى لنظام كوني مصغر يختبر الإنسان فيه مكنوناته الأولى تمهيدا لولوج نهائيات الكون في جمالياته الأخيرة. إن الزواج عمليا بالنسبة للفتاة هو إحدى الوسائل المساعدة لحصولها على جزء من حريتها بطريقة أو بأخرى، ويجب ألا يكون إستعمارا جديدا واستعبادا قبليا من الناحية الأسرية والعائلية، وكذلك السياسية أيضا. وإذا كان الذي يحصل لا يدل على ذلك، فإن الأخذ بنظام \"الكوتا\" في الممارسة السياسية لهو ضرورة ملحة على أن يكون ذلك إجراءاً مرحليا ليحمي المرأة من مجتمع يتحكم الذكور في صغائره وكبائره، وهذا النظام الحصصي تعمل به حوالي 75 دولة في كافة أنحاء العالم، وبالتالي سيكون ضرورة للتصدي للإتجاهات المحافظة والرجعية التي إرتفع صوتها، ومن هنا أستدرك السؤال لأقول: ألا يعتبر النضال من أجل إصدار قانون عصري للأحوال الشخصية من الأولويات النضال؟!!

 

بعد كل ما تقدم، أعتقد أن سبب تردي أوضاع المرأة في السياسة كمشروع نهضوي يرجع لأسباب جوهرية من أهمها عدم إنخراط المرأة في العمل السياسي لفترة من الزمن، وعدم وعي المرأة الناخبة لأهمية مشاركتها في الانتخابات، ولنقص موارد التمويل للحملات الانتخابية أو لتأثرها بقرار الرجل في اختيار المرشح أو لغياب المؤسسة النسائية المنظمة القادرة على تبني المرشحات من النساء ودعمهن. ومن هنا، إن الدعوة لضرورة التصديق على إتفاقية \"سيداو\" (إتفاق إلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة) هو ضربة تشريعية في محلها تسهم إلى حد كبير بوضع الأمور في نصابها الصحيح. وعند مناقشة هذه الحالة، تحضرني آراء النهضويين الذين عاشوا في بلاد الشام أمثال الأساتذة الكبار أحمد فارس الشدياق، وبطرس البستاني، وفرح أنطون، وأنطون سعادة، وكانت مذاهبهم أكثر تنورا ممن عاشوا في باقي العالم العربي، إلا أن تأثير أفكارهم لم يكن كافيا ورسوليا على ما يبدو لتغيير العقلية الذكورية المسيطرة على سكان البلاد، مرد ذلك لما شهدته بلادنا من قهر سياسي قضى على أفكار بعضهم واغتالها تحت ذرائع الإنفتاح الممنوع. ضف إلى ذلك، أن العمل على وقف بثّ الصورة السلبية  للمرأة في وسائل الاعلام التي تمثّلها كجسد والعمل على إزالة تكريس الصورة النمطية للمرأة هو إنجاز في محله يرفع درجة احترامها ويعيد الكثير من صورتها المفقودة كوجه متكامل بكل أبعاده الإنسانية. وسأذكر على سبيل المثال، الوجه المتكامل للمراة التي جسدت صورة بلادي من الناحية الإعلامية السيدة \"لبيبة هاشم\" التي أصدرت في عام 1906 مجلة (فتاة الشرق)، والسيدة \"ماري عجمي\" التي أسست في عام 1910 مجلة (العروس)، وأسست جمعيات نسائية عدة للنضال ضد المستعمر العثماني، وقد اتضحت مسيرتها النضالية حين التقت بالمناضل \"بترو باولي\"، لكن الأتراك قبضوا عليه، وأعدم مع مجموعة الشهداء في 6 أيار، وبقيت وفية له ولم تتزوج أبدا، كما واجهت بدورها الاستعمار الفرنسي بذات الروح النضالية، ولم أنس السيدة \"عادلة بيهم الجزائري\" التي شاركت في النضال السياسي ضد قهر السلطة العثمانية، وحمت ورفيقاتها أناسا كثرا من أعواد مشانقهم. ولا يخفى من بعدها، دور المرأة السورية التي ازدادت وتعاظمت في السمو، إذ نالت حق المشاركة في الانتخاب عام 1949، وفي شباط 1958 تم تشكيل مجلس أمة موحد في سورية كان من بينهم امرأتان هما السيدة \"جيهان موصللي\" والسيدة \"وداد أزهري\". وفي التاريخ الحديث، كان على المرأة في بعض البلدان العربية أن تسلك طريقا يعتمد في بعض أدواره على الكفاءة أو المحسوبية/ أو التلطي تحت سقف العباءات السياسية أو الإقطاعية/ وإما الإختباء في سلالة المورثين في الحزب والدولة والجمعية ونوادي السياسة وكل ما إلى ذلك من أجل الوصول إلى المنال والمراد، وهذه الذهنية لم تشكل حتى الأن صورة مقنعة عن المرأة المستقلة بقرارها إستقلالا تاما يؤدي إلى أعتبارها نموذجا صحيحا للإقتداء به بين جمهور النساء. ولكن كلامي في ذلك، ليس للتقليل من أهميتها بل للتدليل على أسلوب وصولها إلى الأضواء في الأنظمة المركبة بطريقة مثيرة للجدل، وتحضرني الأسماء التالية كنماذج يمكن إسقاطها على ما تقدم: (ربيعة عماش قدورة، نضال الأشقر، أليسار سعادة، بشرى مسوح، هيام محسن، جولييت المير سعادة، بهية الحريري، غنوة جلول، مها الخوري أسعد، نائلة معوض، منى الهراوي، نعمت كنعان، ندى السردوك، منى فارس، بثينة شعبان، أسمى خضر، حنان عشراوي، توجان الفيصل...).

 

إن الصورة الوحيدة التي لا تزال عالقة في أذهاني هي صورة المراة المقاومة البطلة التي تخطت كل عرائض المطالبات بالمساواة، إن ما قدمته لهو زيادة فوق الزيادات، صورة تختلف عن التي طالبت بها المشاركات في \"مؤتمر المرأة العربية\" الذي أقيم في بيروت بعد التحرير، ولا أنكر حق المرأة التي طالبت الأحزاب والقوى السياسية والاتحادات النقابية بترشيحها وإدراجها داخل هيئاتها القيادية على اللوائح الانتخابية تحت نظام \"كوتا\" أو التي اقترحت في إطار تنظيم الاعلام والاعلان الانتخابيين على تصويب صورة المرأة في وسائل الاعلام، بل رأيت أن الصورة الصواب هي أن نضع فسيفساء الصمود والتحدي أمام مهزلة التخلف التي نجتهد منذ زمن لتصحيحها. إن النموذج الفريد والأوحد الذي يهز المشاعر هو الذي شهدناه بعدما إزاحت المشاركات في المؤتمر الستار عن نصب وجدارية «المرأة المقاومة» التي صممها الفنان \"وجيه نحلة\"، هذا الستار الذي أسدلت ليل ظلماته في النضال ضد اليهود، إبنة المفكر \"أنطون سعادة\" مؤسس الحزب السوري القومي الإجتماعي الشهيدة \"سناء محيدلي\" ورفيقات من بعدها على مذابح الحرية الحمراء، إن هذه الصورة ليست بحاجة لمن يجملها، إنها البداية والنهاية ومساواة للمعنى والمبنى، إنه وطنها الأرحب الذي لا نشكل كلنا إلا أطراف مجده الأتي.. وخير ما أسعدني في ذلك اليوم أيضا، ما تقدم به رئيس بلدية بيروت د. عبدالمنعم العريس عندما أتحف المشاركات بالقول:\"كان أوج المجد الذي وصلت إليه المرأة، ارتقاؤها إلى مستوى المرأة المقاومة، وفي تجربتنا اللبنانية لم تكتف المرأة بدور المساندة لأعمال المقاومة، بل ذهبت إلى ممارسة المقاومة فعلا، وصولا إلى السيادة، وإننا إذ نزيح الستار عن نصب وجدارية المرأة المقاومة في قلب بيروت، نؤكد على معنى المقاومة التي انطلقت من بيروت في عام 1982، وجسدها الشهيد البطل خالد علوان\".

حقا، لا مساواة إلا في محبة الوطن وفي الذود عن بتلاته، ولا تكتمل المكتسبات إلا للذين يحبون الحرية.

 

هـوامش:

1- إن \"العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية\" في الديباجة التمهيدية يقر بما يلي: \"إن الدول الأطراف في هذا العهد، ترى أن الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم، ومن حقوق متساوية وثابتة، يشكل، وفقا للمبادئ المعلنة في ميثاق الأمم المتحدة أساس الحرية والعدل والسلام في العالم، وإذ تقر بأن هذه الحقوق تنبثق من كرامة الإنسان الأصيلة فيه، وإذ تدرك أن السبيل الوحيد لتحقيق المثل الأعلى المتمثل، وفقا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في أن يكون البشر أحرارا، ومتمتعين بالحرية المدنية والسياسية ومتحررين من الخوف والفاقة، هو سبيل تهيئة الظروف لتمكين كل إنسان من التمتع بحقوقه المدنية والسياسية، وكذلك بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإذ تضع في اعتبارها ما على الدول، بمقتضى ميثاق الأمم المتحدة، من الالتزام بتعزيز الاحترام والمراعاة العالميين لحقوق الإنسان وحرياته، وإذ تدرك أن على الفرد، الذي تترتب عليه واجبات إزاء الأفراد الآخرين وإزاء الجماعة التي ينتمي إليها، مسئولية السعي إلى تعزيز ومراعاة الحقوق المعترف بها في هذا العهد\".

2-  إن المادة الرابعة من \"العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية\" في فقرتها الأولى تقر بالأتي: \"في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسميا، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي\".

 

  1. سطوة الاغتراب وجمالية الكتابة في
  2. قراءة في قصيدة طائش حتى الإزرقاق
  3. الاعلام العربى و الانظمة الدكتاتورية
  4. الرياضة النسوية إلى أين

الصفحة 58 من 66

  • 53
  • 54
  • 55
  • 56
  • 57
  • 58
  • 59
  • 60
  • 61
  • 62

المتواجدون الآن

125 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك