بحوث و دراسات
- التفاصيل
- كتب بواسطة: المصباحي عبدالرزاق - المغرب
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 8
قـراءة :
سـوق النساء أو ص.ب: 26 :هي آخر إصدارات القاص ’ الروائي , و الأكاديمي جمال بوطيب .و بإصدارها يكون الكاتب الاستثنائي قد استنفد الكتابة في بنى خطاب أجناس متعددة : القصة , الشعر , ثم الرواية .
و بنية الخطاب التي نعمل هنا تتحدد بوصفها : بنية عامة و مجردة لها من القيمة المعيارية ما يجعلها رقيبا على الإنجاز .1 بعبارة أكثر تبسيطا :فإن بنية الخطاب مفهوم مؤشر على ثنائية الجنس و سلطته التوجيهية و الإسقاطية , و الإنجاز الذي هو في سياق الحال مفهوم النص . و هذه الرقابة هي من شواغل النقد عموما . و الذوق الجمالي في أحايين كثيرة . و هذا كان حال الإنجاز الكلاسي *.
و هذه الورقة تسعى –ما استطاعت إلى ذلك –إلى تمثل مؤشر محوري من مؤشرات التجريب في رواية سوق النساء هو ما نسميه : بنية التناص و تناص البنى . و التناص هنا باعتباره علامة أساس من علامات البعد الحداثي في الرواية .إذ نعتقد أن جوهر عمل الروائي جمال بوطيب تحدد بالأساس في إعادة النظر في علاقة بنية النص و بنية الخطاب , فعوض العلاقة الرأسية و الإسقاطية التي نلفاها متجسدة بشكل سافر في الأعمال الروائية الكلاسية , ينسج المؤلف علاقات مغايرة بين الإنجاز الفعلي و فرضيات الجنس نحدها في علاقتين :
- علاقة التماثل بين بنية الإنجاز ) النص( و بنية الخطاب : و هو ما يسميه barthes تناصا , إذ كل نص – في نظره : »إنما هو تداخل بين النصوص , ففيه تحضر نصوص أخرى من مستويات متعددة :نصوص الثقافة السابقة و نصوص الثقافة المحيطة « 2 . و هذا التداخل يتم على مستويين :
- مستوى الدلالة : تستحضر فيه نصوص غائبة تخدم دلالة النص الحاضر و تؤكد حمولاته .
- مستوى البناء : يتم فيه الالتقاء على مستويات التعجيم و الصيغ .... و تمثل آليات إنتاج نصوص أخرى , و هذا المستوى ندرجه ضمن العلاقة الثانية .
- علاقة تجاوز بنيتي خطاب في نص واحد : هو في هذا السياق نص الرواية , و هي ثلاث بنى : بنية خطاب الشعر , بنية خطاب الرواية , و بنية خطاب النقد . .
1- علاقة التماثل بين بنية النص و بنية الخطاب : التناص .
يدفعنا الانطلاق من عنوان الرواية باعتباره عتبة كبرى و مؤشرة إلى التساؤل عن الوظيفة التي يتلبسها في علاقته بالمتن من حافة , و عن النصوص الغائبة التي تخترقه التي يمثل بالنسبة إليها حضورا لغياب محتمل بالمعنى الديريدي ) نسبة إلى ديريدا ( من حافة ثانية . فهو إذا كان في بعده النمطي مخلصا لوظيفته المرجعية حيث المتن تفصيل لدلالاته و إحالة أمينة لمحتواه ’ فإنه هنا يفقد الكثير من سلطته على التدليل لصلح الوظيفة الشعرية التي هي من صميم حبكة النص و تنسيجه الجمالي , و هو أمر نتلقفه من خلال بحثنا في التأويلات الممكنة لدال سوق النساء في علاقته بالنص في سياقه الخارجي من حيث تناصه مع قول عبد الرحمان المجذوب :
سوق النسا سوق مطيار .
يا داخلو رد بالك
يوروك من الربح قنطار
و يرزوك في راسمالك .
فمن خلال النص يتأكد المحمول الدلالي السلبي الذي يصم دال العنوان ’ و دلالة الوصم تتحدد في فقدان رأسمال بما هو تأشير على خسارة محتملة .أما من حافة علاقته بسياقه الداخلي ’ فإن العنوان يدفعنا إلى أسئلة مفخخة : هل يتعلق الأمر فعلا بسوق للنساء أم هل يتعلق بامرأة واحدة تختصر كل ما يمكن أن تجده في امرأة ؟
أنا نساء قي امرأة .... أنا مرهونة ..... « )ص26( . إجابة تواجهنا من لدن أحد شخوص الرواية لبانة الربيعي . محور الحكي و ثيمته الأساس في علاقتها بعبدالرحيم دباشي الذي يدين بدلالات العنوان الحافة و يتنزلها في فصول كثر حيث يتجسد متصوره بشكل لافت : عاق أنت يا قلبي مثلك مثل قلب سيدي عبدالرحمان المجذوب :
ياقلبي نكويك بالنار و لا بريت نزيدك
يا قلبي خلفت لي العار
و تريد من لا يريدك . ص12
منافذة نصية تكرس دلالات الفقد و المكابدة , و تؤشر على فرضية قرائية تجعل من عبدالرحيم دباشي و لبانة الربيعي طرفي صراع من نوع خاص .
إيذان بالصرم هي مدلولات العنوان , و انفراط لقد تواصل مغيب غياب التصور الذهني و الامتداد لعنوان فرعي استند تخيره لوكد تخييب أفق التلقي أكثر من من محموله اللغوي و دلالات المواضعة .فحرف العطف أو الذي يفيد التخيير أو التعيين قد يوهمنا بوجود عنوان رئيس في موازاة عنوان رئيس اخر داخل المناص نفسه paratext , بيد أنه يفقد بعده الإحالي و التدليلي كذالك , بالقياس إلى البعد الغرافي graphique الذي نميز من خلال عناصره الإيقونية بين : عنوان رئيس يشكل عنصرا مهيمنا و فرعي داله : ص.ب : 26 بما هو علامة على تواصل منفرط نراه معادلا رمزيا للمنفلت من شخوص الرواية .
و الاشتغال على العنصر المهيمن –في نظرنا - مقوم أساس من مقومات التحديث , يتخذ مظهرين في النص :
- تقويض سلطة المرجعي بالقياس إلى الشعري الإشهاري .
- تفعيل البعد العلامي غير اللغوي الموزع بفتنة على السند فتنة خطاب الشعر و تداخلاته في نص الرواية , و هو خطاب أدى وظيفة مزدوجة : تأتيث فضاء الرواية , و تلبس ذوات قائليه و تصوراتهم في لحظات سنم االعشق و عمق انحداره أيضا : من اين لي بقناعة عاشق ولادة لأقول : و إني لأتجلد و أرى الشامتين أني لريب الدهر لا أتضعضع ص12 . جلد يقتات عبدالرحيم منه و هو المفضوح بحب لبانة : أنا المفضوح بحبك بعد أن نظر الأعمى إلى عيوني فكشف حبك الجبار و الطاغية و سم الأصم هوس لساني . ص13 .
دوال منثورة تحيل إلى إلى شوارد المتنبي :
أنا الذي نظر إلى أدبي و أسمعت كلماتي من به صمم .
هما في سياقين قوليين مختلفين طبعا , لكنهما معا يقصدان إلى ضرب من السجال و يعنيان أسرار الفن أو ليس الحب فنا ص13.
و تناصات الشعر تكثفت بشكل لافت في استبطانات عبدالرحيم دباشي و بوحه بمكنونات الشعور , و هو أمر لا نلفاه في الفصلين الخاصين بلبانة , و لا غرو ما دام كاتبا :صرت أبحث عن أي بياض أفتقه بأية تفاهة قد تتبادر إلى ذهني فأسجلها أو أشطبها , متلذذا بوهم الإحساس أني كاتب . ص7 . و الكتابة هنا بمفهومها البارطي barthes , بما هي جنس مفتوح قد يخترق أجناسا أخرى , و يستحضر - عن وعي - بناها و يتنسجها في نص الرواية .
2 – علاقة تجاوز بنيتي خطاب في نص الرواية :
يعد هذا النوع من التجاوز علامة هامة على نصية النص و فرادة خطابه و تنسيجه ’ إذ أن حضور الإواليات الخاصة بأجناس أخرى قد يفضي بالنص إلى فقدانه لقيمتين محورتين يتسم بهما : السبك و الحبك coherence / cohesion و يفقده ترابطه السنتجميمي . ما دام يعرف بوصفه : ترابطا مستمرا للاستبدالات السنتجميمية التي تظهر الترابط النحوي في النص. 3
مثبطات لم تمنع جمال بوطيب من ولوج هذه المغامرة , من خلال اشتغال خاص على اللغة الشعرية فيها من ماء الخطاب ما أهل الرواية لتنساب في ذوات القراء و تنتج تناصا توالديا هو من صميم اللغة الواصفة التي يتلبسها نص الرواية . و الرواية إنجاز يتضمن آثار تنضيد بعض بنياتها : شخوصا , و زمنا , و تعددا للموضوع خلاف القصة , و أمكنة رئيسة و أخرى ثانوية و سردا و وصفا , و ساردا ينوب عن الكاتب في سرد الأحداث ..... . و لكن بمتصور جديد و خروج عن تلك البنيات بوساطة استغلال بعدها التوجيهي لا القسري من خلال : بعثرة فصول الرواية و ترتيب صفحاتها , غياب الصفحة الوهمية و الخطاب المقدماتي , غياب الفصل الرابع و السادس , و تضليل الفهرس , و تضخم الأنا .
مؤشرات تدفعنا إلى تأكيد انتماء النص إلى رواية التجريب و الحداثة , رغم استعصاء تأطير النص تماما كما خطاب الشعر ’ الذي تتأثل بنيته في نسيج النص :
أما )
وجل أنا من بعدك .....سيدتي .
إذ فجر غشت غشني
و بانطفائك رشني
ألثم وجنة باردة
و يدا سكنت
من بعدما سكنت غلالات القلوب .ص31
تبئير على اللغة ذاتها و الرسالة نفسها : مجاز , و جناس تام و ناقص , و قافية مرسلة و متتابعة و إيقاع داخلي منساب .... قد يوهمك بتناص مع قصيدة تفعيلة أو نثر .
شعر هي دوال النص الجملية و مكثف أساس لمعاني البوح . و الشعر كتابة داخل كتابة , كتابة بالشعر تتجسد قي بناه المؤتلفة في نظام النص ’ و كتابة عن الشعر يصبح فيها موضوعة للغة واصفة هي أس بنية خطاب النقد : نقد الشعر و نقد لواقع الشعر , واقع المشرفون على مهرجانات الشعر فيه منظمو حفلات , واقع يفخخك بأسئلته : ماذا لو قام شعراؤنا القدامى ماذا سيزن كثير من زناتنا أمامهم ؟ هو استلزام حواري يفتك بالقوة الإنجازية الحرفية كما يفتك نص الرواية ببنى خطابه المطية .
الهوامش :
1- قريرة , توفيق : التعامل بين بنية الخطاب و بنية النص في النص الأدبي , عالم الفكر , العدد 2 المجلد 32 أكتوبر –ديسمبر 2003 .ص: 185.
*- نمثل لذلك في الثقافة العربية بعمود الشعر الذي شكل بنية خطاب الشعر .
2- نفســه ص : 191.
3- حسين , جميل عبدالمجيد , علم النص : أسسه المعرفية و تجلياته النقدية , عالم الفكر , العدد 2 المجلد 32 أكتوبر –ديسمبر 2003 .ص: 145.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. جميل حمداوي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 9
صورة العنوان في الرواية العربية
الدكتور جميل حمداوي
1- مفهوم العنوان:
يعد العنوان من أهم عناصر النص الموازي وملحقاته الداخلية؛ نظرا لكونه مدخلا أساسيا في قراءة الإبداع الأدبي والتخييلي بصفة عامة، والروائي بصفة خاصة. ومن المعلوم كذلك أن العنوان هو عتبة النص وبدايته، وإشارته الأولى. وهو العلامة التي تطبع الكتاب أو النص وتسميه وتميزه عن غيره. وهو كذلك من العناصر المجاورة والمحيطة بالنص الرئيس إلى جانب الحواشي والهوامش والمقدمات والمقتبسات والأدلة الأيقونية.
2- الاهتمام بالعنوان:
لقد أهمل العنوان كثيرا سواء من قبل الدارسين العرب أم الغربيين قديما وحديثا،لأنهم اعتبروا العنوان هامشا لاقيمة له وملفوظا لغويا لايقدم شيئا إلى تحليل النص الأدبي؛ لذلك تجاوزوه إلى النص كما تجاوزوا باقي العتبات الأخرى التي تحيط بالنص . ولكن ليس العنوان" الذي يتقدم النص ويفتتح مسيرة نموه- يقول علي جعفر العلاق- مجرد اسم يدل على العمل الأدبي: يحدد هويته، ويكرس انتماءه لأب ما. لقد صار أبعد من ذلك بكثير. وأوضحت علاقته بالنص بالغة التعقيد. إنه مدخل إلى عمارة النص، وإضاءة بارعة وغامضة لأبهائه وممراته المتشابكة(...) لقد أخذ العنوان يتمرد على إهماله فترات طويلة، وينهض ثانية من رماده الذي حجبه عن فاعليته، وأقصاه إلى ليل من النسيان. ولم يلتفت إلى وظيفة العنوان إلا مؤخرا."1
وعلى الرغم من هذا الإهمال فقد التفت إليه بعض الدارسين في الثقافتين: العربية والأجنبية قديما وحديثا، وتنبه إليه الباحثون في مجال السيميوطيقا وعلم السرد والمنطق وأشاروا إلى مضمونه الإجمالي في الأدب والسينما والإشهار نظرا لوظائفه المرجعية واللغوية والتأثيرية والأيقونية. وحرصوا على تمييزه في دراسات معمقة بشرت بعلم جديد ذي استقلالية تامة، ألا وهو علم العنوان(TITROLOGIE) الذي ساهم في صياغته وتأسيسه باحثون غربيون معاصرون منهم: جيرار جنيتG.GENETTE وهنري مترانH.METTERAND ولوسيان گولدمانL.GOLDMANN وشارل گريفلCH.GRIVEL وروجر روفرROGER ROFER وليوهويكLEO HOEK الذي يعرف العنوان بكونه" مجموعة من الدلائل اللسانية (...) يمكنها أن تثبت في بداية النص من أجل تعيينه والإشارة إلى مضمونه الإجمالي ومن أجل جذب الجمهور المقصود"2.
هذا وقد نادى لوسيان گولدمان الدارسين والباحثين الغربيين إلى الاهتمام بالعتبات بصفة عامة، والعنوان بصفة خاصة. وأكد في قراءته السوسيولوجية للرواية الفرنسية الجديدة مدى قلة النقاد" الذين تعرضوا إلى مسألة بسيطة مثل العنوان في رواية الرائي le voyeur الذي يشير- مع ذلك بوضوح- إلى مضمون الكتاب، ليتفحصوه بما يستحق من عناية".3
وتعتبر دراسة( العتبات SEUILS) لجيرار جنيت GERARD GENETTE أهم دراسة علمية ممنهجة في مقاربة العتبات بصفة عامة والعنوان بصفة خاصة؛ لأنها تسترشد بعلم السرد والمقاربة النصية في شكل أسئلة ومسائل، وتفرض عنده نوعا من التحليل4. ويبقى ليو هويك LEO HOEK المؤسس الفعلي ( لعلم العنوان) ؛ لأنه قام بدراسة العنونة من منظور مفتوح يستند إلى العمق المنهجي والاطلاع الكبير على اللسانيات ونتائج السيميوطيقا وتاريخ الكتاب والكتابة. فقد رصد العنونة رصدا سيميوطيقيا من خلال التركيز على بناها ودلالاتها ووظائفها.
كما أن النقد الروائي العربي لم يول العنوان أهمية تذكر، بل ظل يمر عليه مر الكرام. لكن الآن بدأ الاهتمام بعتبات النص وصار يندرج" ضمن سياق نظري وتحليلي عام يعتني بإبراز ما للعتبات من وظيفة في فهم خصوصية النص وتحديد جانب أساسي من مقاصده الدلالية، وهو اهتمام أضحى في الوقت الراهن مصدرا لصياغة أسئلة دقيقة تعيد الاعتبار لهذه المحافل النصية المتنوعة الأنساق وقوفا عندما يميزها ويعين طرائق اشتغالها؟"5
ومن أهم الدراسات العربية التي انصبت على دراسة العنوان تعريفا وتأريخا وتحليلا وتصنيفا نذكر ما أنجزه الباحثون المغاربة الذين كانوا سباقين إلى تعريف القارئ العربي بكيفية الاشتغال على العنوان: تنظيرا وتطبيقا، وهذه الدراسات هي على النحو التالي:
1- (النص الموازي في الرواية(إستراتيجية العنوان))، مقال للدكتور شعيب حليفي منشور في مجلة الكرمل الفلسطينية في واحد وعشرين صفحة، العدد46 ، سنة 1996. ويعد في رأيي أول مقال درس العنوان دراسة تاريخية وبنيوية بشكل جيد؛ وأهم مصدر استند إليه الدارسون في حديثهم عن العنوان؛
2- مقاربة العنوان في الشعر العربي الحديث والمعاصر للدكتور جميل حمداوي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في الأدب العربي الحديث والمعاصر، تحت إشراف الدكتور محمد الكتاني، نوقشت بجامعة عبد المالك السعدي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ( تطوان) بالمغرب سنة 1996، ويطرح فيها صاحبها منهجية جديدة لدراسة العناوين سماها (المقاربة العنوانية)؛ وتعد - على حد علمي- أول دراسة تحليلية شاملة للعنوان في الوطن العربي(562 صفحة من الحجم الكبير) ؛
3- (العنوان في الرواية المغربية)، للدكتور جمال بوطيب، مقال منشور في كتاب الرواية المغربية، أسئلة الحداثة، منشورات دار الثقافة، الدار البيضاء سنة 1996 ، و يوجد المقال في (12) صفحة؛
4- عتبات النص: البنية والدلالة، للدكتور عبد الفتاح الحجمري، منشورات الرابطة، الدار البيضاء، طبعة 1996، وفيه يدرس صاحبه العنوان على ضوء رواية الضوء الهارب لمحمد برادة في ست صفحات من الحجم المتوسط؛
5- ( السميوطيقا والعنونة)، مقال للدكتور جميل حمداوي في33 صفحة، نشر في مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلد 25، العدد3، يناير/مارس، سنة 1997، وكان مصدرا ومرجعا للكثير من الدراسات التي انصبت على دراسة عتبة العنوان ؛
6- مقاربة النص الموازي في روايات بنسالم حميش، للدكتور جميل حمداوي، أطروحة دكتوراه الدولة ، ناقشها الباحث في يوليوز سنة 2001 بجامعة محمد الأول بوجدة تحت إشراف الدكتور مصطفى رمضاني؛
7- (صورة العنوان في الرواية العربية) للدكتور جميل حمداوي، مقال في حوالي 21 صفحة، نشر في شهر يوليو سنة 2006.
3- وظائف العنوان:
إن العنوان عبارة عن علامة لسانية وسيميولوجية غالبا ماتكون في بداية النص، لها وظيفة تعيينية ومدلولية، ووظيفة تأشيرية أثناء تلقي النص والتلذذ به تقبلا وتفاعلا، يقول الباحث المغربي إدريس الناقوري مؤكدا الوظيفة الإشهارية والقانونية للعنوان:" تتجاوز( دلالة العنوان) دلالاته الفنية والجمالية لتندرج في إطار العلاقة التبادلية الاقتصادية والتجارية تحديدا؛ وذلك لأن الكتاب لايعدو كونه من الناحية الاقتصادية منتوجا تجاريا يفترض فيه أن تكون له علاقة مميزة وبهذه العلامة بالضبط يحول العنوان المنتوج الأدبي أو الفني إلى سلعة قابلة للتداول، هذا بالإضافة إلى كونه وثيقة قانونية وسندا شرعيا يثبت ملكية الكتاب أو النص وانتماءه لصاحبه ولجنس معين من أجناس الأدب أو الفن".6
كما للعنوان وظائف أخرى تتمثل في الوظائف التالية:
الوظيفة الإيديولوجية، ووظيفة التسمية، ووظيفة التعيين، و الوظيفة الأيقونية/ البصرية، و الوظيفة الموضوعاتية، والوظيفة التأثيرية ، والوظيفة الإيحائية، ووظيفة الاتساق والانسجام، والوظيفة التأويلية، والوظيفة الدلالية أو المدلولية، والوظيفة اللسانية والسيميائية...
4- العنوان في الرواية:
إن العنوان هو الذي يوجه قراءة الرواية، ويغتني بدوره بمعان جديدة بمقدار ما تتوضح دلالات الرواية. فهو المفتاح الذي به تحل ألغاز الأحداث وإيقاع نسقها الدرامي وتوترها السردي، علاوة على مدى أهميته في استخلاص البنية الدلالية للنص، وتحديد تيمات الخطاب القصصي، وإضاءة النصوص بها. إن العنوان كما كتب كلود دوشيه CLAUDE DUCHET" عنصر من النص الكلي الذي يستبقه ويستذكره في آن، بما أنه حاضر في البدء، وخلال السرد الذي يدشنه، يعمل كأداة وصل وتعديل للقراءة".7
إن العنوان في الحقيقة" مرآة مصغرة لكل ذلك النسيج النصي"8 واسم فارغ"، وهذا يعني أنه علامة ضمن علامات أوسع هي التي تشكل قوام العمل الفني باعتباره نظاما ونسقا يقتضي أن يعالج معالجة منهجية أساسها أن دلالة أية علامة مرتبطة ارتباطا بنائيا لاتراكميا بدلالات أخرى. ومن ثم فإن العنوان قد يجسد المدخل النظري إلى العالم الذي يسميه، ولكنه لايخلقه إذ إن العلاقة بين الطرفين قد لاتكون مباشرة [ كما هو الشأن في الآثار الفنية التي يحيل فيها العنوان على النص والنص على العنوان (الأسطورة ومعظم حكايات ألف ليلة وليلة والرواية الموسومة بالواقعية) على نحو مباشر]. وفي هذا الحال فإن العنوان يتحول من كونه علامة لسانية" أو مجموعة علامات لسانية تشير إلى المحتوى العام للنص" إلى كونه لعبة فنية وحوارية بين التحدد واللاتحدد، بين المرجعية المحددة وبين الدلالات المتعددة وذلك في حركة دائبة بين نصين متفاعلين في زمن القراءة".9
انطلاقا من كل هذا قد يكون بالإمكان تتبع عمل العنوان في النص والشروع في نمذجة تصنيفية(Typologie) للعناوين وفقا لعلاقاتها بالشرح الروائي بالذات عن طريق الاختزال إلى الحد الأقصى. فإما أن الرواية تعبر عن عنوانها" تشبعه وتفك رموزه وتمحوه، وإما أنها تعيد إدماجه في جماع النص وتبلبل السنن الدعائي عن طريق التشديد على الوظيفة الشعرية الكامنة للعنوان، محولة المعلومة والعلامة إلى قيمة والخبر إلى إيحاء".10
إن العنوان الذي يلتصق به العمل الروائي قد يكون صورة كلية تحدد هوية الإبداع وتيمته العامة، وتجمع شذراته في بنية مقولاتية تعتمد الاستعارة أوالترميز. وهذه الصورة العنوانية قد تكون فضائية يتقاطع فيها المرجع مع المجاز، فمثلا عنوان رواية" زقاق المدق" عند نجيب محفوظ قد يعني" الحارة الضيقة من حارات القاهرة القديمة كما يعني سكانها من البشر خلال الحرب العالمية الثانية. لكن امتداد ظل هذا الزقاق كمكان وقيامه بدور المركز في الحركة القصصية وتحديد مصائر من يسكنه جعله يقوم بدور البطولة الفعلية في القصة ويفرض نفسه على عنوانها ويبلور رؤية المؤلف لعالمه".11
ومن هنا فالعنوان عبارة عن صيغة مطلقة للرواية وكليتها الفنية والمجازية. إنه لايتم إلا بجمع الصور المشتتة وتجميعها من جديد في بؤرة لموضوعات عامة تصف العمل الأدبي، وتسمه بالتواتر والتكرار والتوارد. إذاً، فهو الكلية الدلالية أو الصورة الأساسية أو الصورة المتكاملة التي يستحضرها المتلقي أثناء التلذذ والتفاعل مع جمالية النص الروائي ومسافاته الاستيتيقية. فالصورة العنوانية قد تندرج ضمن علاقات بلاغية قائمة على المشابهة أو المجاورة أو الرؤيا، فيتجاوز العنوان مجازيا مع دلالات الفضاء النصي للغلاف وتنصهر الصورة العنوانية اللغوية في الصورة المكانية لونا ورمزا.
إن فهم الصورة العنوانية وتفسيرها وتذوق جمالها وصيغ أساليبها مرتبط بمعانيها" ضمن" خطاطة المجموع"، أي السياق الكلي للرواية".12. وتتجلى أهمية الصورة العنوانية عندما نكون أمام عناوين رمزية ذات الشحنة الاستعارية والمجازية في عناوين بعض الروايات كما عند أندريه جيد ANDRE GIDE "قوت الأرض " و" الباب الضيق" و"السيمفونية الريفية".13
وإذا أخذنا على سبيل التمثيل رواية الطاعون(LA PESTE) لألبير كامو A.CAMUS ، سنجد العنوان عبارة عن صورة رمزية معقدة، يتماهى فيها البعد المرجعي مع البعد الإيحائي. أي تختلط خيوط التسمية العنوانية، وتتلاشى أضواء الحقيقة لتعوضها دلالات التضمين الرمزي. "فالعنوان" نفسه رمزي، أو هو بدقة أكبر أليغوري. والطاعون حرفيا هو وباء أصاب مدينة وهران سنة 1944م، ولكنه في الوقت نفسه رمز للاحتلال النازي. وهو على مستوى أعلى شر ميتافيزيقي وخلقي في هذا الكون العبثي الذي نحيا فيه. وأكثر من ذلك تثير فكرة الطاعون نفسها على طول الرواية، العديد من الصور التي تنسج تارة دلالتها الأدبية، وتارة مظاهرها الرمزية."14
هذا وإذا تأملنا النصوص الروائية فغالبا مانجد على ظهر الغلاف سجل العنوان وتحته التعيين الجنسي(رواية) على شكل عنوان فرعي مكتوب بأحرف صغيرة، على عكس العنوان الأساسي الذي يكتب بأحرف بارزة كبيرة دلالة على أهميته وبعده الأيقوني ومركزيته في تبئيردلالات الرواية. والعنوان الذي يحدد التعيين الجنسي ( رواية) هو بيان إيضاحي يؤكد مدى احترام العمل الإبداعي لخصائص الجنس الروائي وسماته بطريقة جمالية وفنية. كما نجد عناوين الفصول التي تلخص مضامينها وتكثف أهم ماجرى فيها من أحداث ووقائع، وتسجل أسماء شخصياتها والأدوار التي قامت بها والصعوبات التي واجهتها في حياتها والمصير الذي آلت إليه في نهاية المطاف.
ويتطلب العنوان من المؤلف وقتا واسعا من التأمل والتدبر لتوليده وتحويله ليصبح بنية دلالية وإشهارية عامة للنص الروائي، فكل عنوان يلصقه الكاتب على ظهر روايته أو يعلقه كالثريا في رأس الصفحة أو يموقعه في وسط كل فصل أو قسم "لاشك أن المؤلف أفرغ فيه جهدا وتطلب منه اختياره؛ لأن صياغة عنوان أي عمل إبداعي جزء من الكتابة الفنية نظرا لما للعنوان من أهمية على المستوى الإعلامي ( الإشهار) أولا، على المستوى الفكري ثانيا، وعلى المستوى الجمالي ثالثا، ونظرا إلى كل هذه الاعتبارات فإن العنوان ذو أهمية خاصة بالنسبة للمؤلف والمتلقي على السواء؛ لأنه جماع النص وملخصه"15.
ويمكن اعتبار العنوان الروائي بنية عامة قابلة للتحليل والفهم والتفسير والتقويم أيضا من خلال عناصر النص الأساسية التي تتمثل في مشاهده ومتتالياته ووحداته الوظيفية ومراحل تكوين بنيته العامة، التي تتمثل كذلك في بنياته الأساسية، وخطاباته، ومنظوره الفني الذي يبدو في الشخوص، والأحداث، والفضاء الروائي، والراوي، ومنظور التعدد( الرواة- اللهجات- اللغات).
ومن ثم فإن العنوان ذو موقع نصي استراتيجي" يشتغل بوصفة دليلاsigne ، به تمتاز الرواية عن غيرها. ومنه يعلن نواياه ومقاصده. وعبره يشي النص بمحتواه دون أن يفصح عنه بكيفية كلية. واعتمادا على هذا التحديد تنهض علاقة العنوان بالرواية على أساس التضمن المتبادل. وفي مدار العلاقة هذه، تتبدى الرواية جوابا... عن الأسئلة الطافحة في جملة العنوان. ويستعلن من هذا أمران: يقول أولهما: إن الرواية تنهض بوظيفة المرجع ، فالعنوان نص بدئي يمانع عن الفهم إذا لم يرد إلى القصة التي تفصل ما أجمله وتبسط مااختصره وتطلق ما احتجزه، أما الأمر الثاني فيلهج بالاشتغال الكنائي للعنوان؛ إذ إن الأخير جزء من كل. ويسمح التحدث به باستحضار هذا الكل. وبهذا المعنى يفترض في العنوان الاشتمال على عناصر الخطاب المكنى عنه، وتشغيلها بما يضمن عدم إرباك العلائق الوظيفية بين المكنى والمكنى عنه".16
وليست العناوين الروائية دائما تعبر عن مضامين نصوصها بطريقة مباشرة أي تعكسها بكل جلاء وبوضوح ، بل نجد بعض العناوين غامضة ومبهمة ورمزية بتجريدها الانزياحي، مما يطرح صعوبة في إيجاد صلات دلالية بين العنوان والنص.. ولكن على القارئ أن يبحث عن العلاقة بين العنوان والنص وأن يبحث عن المرامي والمقاصد والعلاقات الرمزية والإيحائية. فكثير من المبدعين كتبوا نصوصا بعناوين غامضة وبعيدة عن مضامينها مثل: رولان بارت في ( S/Z) وسارتر في( les mots). وهكذا فإذا كان كل عنوان يحاول أن يلم" شتات النص المعبر عنه ويلخص كل ماورد فيه من وقائع وأحداث وما تفاعل فيه من شخوص وأبطال في نطاق الزمان والمكان: أي داخل فضاء معين أو فضاءات مختلفة؛ فإن المؤلفين لايفلحون دائما في اختيار العناوين المعبرة عن محتويات كتبهم أو الدالة على كل ما أرادوا قوله فيها، أو دالا على ما يراه المؤلف أساسيا، أو ذا قيمة خاصة بالنسبة إليه. وهذا مايؤكد أن كل كتاب أو كل نص أدبي قابل لأن يحمل عنوانا مغايرا أو تسمية أخرى غير تلك التي اختارها المؤلف".17 ومن هنا نؤكد أن ثمة عناوين مخادعة ومضللة للقراء، لاتعبر عن محتويات أعمالها ولا تصور لهم الدلالة الحقيقية التي ينطلق بها النص، مثل رواية محمد برادة: لعبة النسيان18، أو روايته الثانية: الضوء الهارب19، حيث يصير العنوان عبارة عن مجرد تسمية من " تسميات كثيرة ممكنة. وهي على الرغم من اختيار المؤلف ليست ملزمة للقارئ الذي من حقه أن يقترح للكتاب المقروء عنوانا بديلا أو تسمية جديدة، قد تكون أكثر ملاءمة وأصدق تعبيرا عما يرغب المؤلف في إبلاغه إلى المتلقي، أو عما يتوصل إليه القارئ نفسه من خلال قراءته"20
5- منهجية مقاربة العنوان:
عند دراسة العنوان لابد من تأطيره ضمن النص الموازي أو العتبات، أو هوامش النص كما يعبر هنري متران. وهذه العتبات عبارة عن ملحقات تحيط بالنص من الناحية الداخلية أو من الناحية الخارجية. وهي تنسج خطابا ميتاروائيا عن النص الإبداعي، وترسل حديثا عن المجتمع والعالم. ومهما تبدت مستقلة أو محايدة، فإنها شديدة الارتباط بالنص الروائي الذي تقف في بوابته ومداخله.
وترتكز مقاربتنا لعناوين النصوص الروائية على منهجية مبنية على أربع خطوات أساسية نجملها في:
1- البنية
2- الدلالة
3- الوظيفة
4- القراءة السياقية: الداخلية والخارجية.
ولقد اخترنا هذه المنهجية لأن العنوان يعكس لنا النص في تضاريسه السطحية والعميقة. ومن ثم فالعنوان هو النص، والعلاقة بينهما علاقة تفاعلية وجدلية، وهو كذلك بؤرة النص وتيمته الكبرى التي يتمحور حولها. وما النص إلا تكملة للعنوان وتمطيط له عبر التوسع فيه وتقليبه في صيغ مختلفة.
يشكل العنوان-إذاً- خطابا أو نصا مستقلا في حد ذاته. فهو نواة معنوية أساسية. وكل ماتلاه من ملفوظ فهو عبارة عن شرح وتوضيح له. وهكذا فالعنوان الذي يوجد في أعلى الصفحة هو أساس كل خطاب روائي، عليه يبنى النص أو المشهد أو الفصل أو القسم أو المقطع الروائي عبر التحوير والشرح والتمطيط والإسهاب في المعنى وتفصيله حتى يمكن لنا القول: إن الرواية تتلخص غالبا في العنوان؛ لأنه المركز وماعداه محيط. أما العلاقة بينهما فهي علاقة جدلية تتمثل في تفاعل النص مع العنوان عبر الانسجام والتغريض الدلالي أوتخييب أفق انتظار القارئ.
وفي كل هذا ننطلق من العنوان إلى النص، ومن النص إلى العنوان عبر مراعاة السياقين: الداخلي والخارجي، ومن خلال القراءة المباشرة وغير المباشرة مراعين مبدأ التأويل المحلي ومقاصد النص ونوايا المبدع.
وإذا كنا نؤكد مدى نسبية هذه المقاربة العنوانية، فإن هناك من يحاول أن يصفها بالعلمية اعتمادا على معطيات اللسانيات والسيميائيات. فقد اصطلح على الاهتمام بالعنوان والاشتغال عليه"TITROLOGIE" (علم العنونة) أو ( علم العناوين)... ومن ثم، صار العنوان موضوعا لعدة مقاربات سوسيولوجية وسيكولوجية ولسانية وسيميائية ونقدية بحسب اختلاف الرؤى الإيديولوجية والمنظورات الذاتية والموضوعية.
ويمكن تقسيم العنوان منهجيا إلى العنوان الخارجي ( العنوان الغلافي أو المركزي)، والعنوان الأساسي الداخلي ( العنوان الرئيس)، والعنوان الفرعي، والعنوان الفهرسي، بينما يقسمه جيرار جنيت إلى العنوان الأساس والعنوان الفرعي والتعيين الجنسي. كما يحدد للعنونة أربع وظائف أساسية وهي: الإغراء والإيحاء والوصف والتعيين.21
وعليه، فعند مقاربة الرواية وعوالمها التخييلية لابد من استحضار عتبات النص الموازي بصفة عامة، وهوامش الخطاب الغلافي من واجهتيه: الأمامية والخلفية بصفة خاصة.
6- تحقيب الرواية العربية عنوانيا:
سنحاول في هذه الدراسة المتواضعة تحقيب الرواية العربية وتحديد محطاتها على ضوء المقاربة العنوانية لفهم مكوناتها ومشخصاتها الفنية قصد تحليلها وتفسيرها. ولقد صدق الباحث المغربي شعيب حليفي حينما قال بأن:" دراسة عناوين الرواية العربية كخطاب هي دراسة تبسط مشهدا كاملا يغري بالمتابعة، ويدعو إلى استفتاء خصوصياته ومكوناته، ثم وظيفته الوصول إلى نتائج تدعو إلى تحليل صارم للعنوان باعتباره جزءا من المشهد الروائي المتميز في الراهن الثقافي".22
وكم كانت رغبتي ملحة وعارمة للاستجابة للنداء الذي أطلقه أحد الباحثين المغاربة حينما قال:" إن تحليل" الضوء الهارب [ للروائي المغربي محمد برادة] كعنوان يفرض علينا وضعه مع مجموعة من العناوين الأخرى للرواية المغربية أي نقوم بدراسة نسقية لهذه العناوين وذلك على الشكل التالي:
- جرد العناوين الروائية المغربية.
- تصنيفها بحسب صياغتها وتحديد أنواعها والصيغ الغالبة والصيغ الغائبة.
- استخلاص العناوين الحداثية منها.
- تحديد مميزات العناوين الحداثية....".23
وعليه فلا يمكن أن نضع تيبولوجية ( صنافة) لعناوين المتن الروائي المغربي قبل أن نضع تصنيفا عنوانيا للرواية العربية بصفة عامة، نضع فيها عناوين الرواية المغربية قصد فهمها وتفسيرها: مناصيا ودلاليا وإيديولوجيا. ومن ثم نحدد أنماط العنونة من خلال بناها الدلالية والشكلية. وهذا ماقام به الباحث المغربي شعيب حليفي في مقاله القيم( النص الموازي للرواية-إستراتيجية العنوان-).
وإذا تأملنا النصوص السردية والروائية، سنلاحظ قطيعة وتجاوزا على مستوى تطور البنية العنوانية خلال المراحل التالية التي قطعتها الرواية العربية عبر عمرها الطويل:
أ- مرحلة الحكي العربي القديم:
تعتبر الأشكال السردية الحكائية القديمة أنماطا روائية تراثية ( ألف ليلة وليلة مثلا) بمقياسنا العربي الأصيل، لابمفاهيم الرواية الأوربية الحديثة( رواية القرن التاسع عشر) التي أوقعتنا في التقليد والانبهار والتلفيقية والتجريب رغبة في العولمة والحداثة؛ وإن كان ذلك على حساب الأصالة والتراث والذات والهوية والفهم الحقيقي للشخصية العربية والتواصل الحضاري وربط الماضي بالحاضر. فهذه الأمور هي الكفيلة بتحقيق قفزة حضارية: قوامها التوازن بين الماديات والأخلاقيات الإسلامية.
ب- مرحلة الجهود الروائية الأولى:
وهذه المرحلة امتداد للمرحلة التراثية الأولى، كما نجد ذلك في أعمال كل من حافظ إبراهيم( ليالي سطيح) والمويلحي( حديث عيسى بن هشام)، ورفاعة الطهطاوي( تخليص الإبريز في تلخيص باريز) ، ومحمد بن المؤقت المراكشي(1894-1949) في ( الرحلة المراكشية أو مرآة المساوئ الوقتية).
وكانت هذه الجهود امتدادا لألف ليلة وليلة وسيرة عنترة وسيف بن ذي يزن ومقامات بديع الزمان الهمذاني أو الحريري وكتاب ابن المقفع (كليلة ودمنة) وابن بطوطة( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)، والشريف الإدريسي( نزهة المشتاق في اختراق الآفاق). وهي تؤكد التواصل الحضاري والفني وربط الماضي بالحاضر. لكن صدمة النهضة والانبهار بالحضارة الغربية والتهافت على الجديد الأدبي- لا التكنولوجي- وتقليد رجل الغرب في طقوسه وشكلياته وعاداته- لا في عقليته الاجتهادية وإبداعه العلمي- سبب القطيعة الفكرية والانفصام الحضاري وانفصال الحاضر عن الماضي على مستوى التخييل الحكائي والإبداع السردي.
ج- مرحلة التجنيس الفني للرواية العربية:
مع بداية القرن العشرين سارت الرواية العربية على نهج الرواية الأوربية في تمثل قواعدها الفنية والتجنيسية. ومن ثم عرفت روايتنا العربية جميع التيارات الغربية من كلاسيكية ورومانسية وواقعية الخ... وذكرتنا بروايات فلوبير وإميل زولا وبلزاك وستندال وتولوستوي ودويستفسكي. ولما حاز نجيب محفوظ جائزة نوبل قال أحد القراء الغربيين: لقد عاد إلينا بلزاك مرة أخرى. وهذا يترجم موقف المشارقة القديم من الأندلسيين:"هذه بضاعتنا ردت إلينا".
يلاحظ- إذاً- على هذه المرحلة تقليد الرواية العربية للرواية الغربية في مضامينها وأشكالها الفنية وتياراتها الأدبية، مما أوقع الرواية العربية في شرك الاحتذاء الأعمى، والتجريب والاستهلاك، والانقطاع عن التراث الروائي بدلا من محاولة تطويره امتدادا وتواصلا وإبداعا: شكلا ومضمونا ورؤية.
د- مرحلة الرواية العربية الجديدة:
وقد سعى أصحابها إما إلى التحديث الروائي على غرار الرواية الفرنسية الجديدة le nouveau roman التي من أقطابها كلود سيمون وآلان روب گرييه وريكاردو وميشيل بوتور ومارگريت دورا... والنهج على طرائق رواية مابعد الحداثة nouveau roman modern التي كان يمثلها كل من فيليب سولرز وجوليا كريستيفا بعد تطور النقد الحديث وظهور جماعة تيل كيلTEL QUEL ومابعد البنيوية، وإما التأصيل والبحث عن شكل روائي عربي. إلا أنهم عادوا إلى التراث قصد استلهامه معارضة وحوارا وامتصاصا وإعادة بنائه في أشكال تخييلية تناصية مثلما كان يفعل إميل حبيبي والطيب صالح وواسيني الأعرج وجمال الغيطاني وبنسالم حميش ومؤنس الرزاز في روايته(متاهة الأعراب في ناطحات السراب)،24 وروائيون آخرون.
هذا وإذا عدنا إلى النصوص السردية العربية القديمة سنجد العناوين تنقسم إلى قسمين:
1- نوع يركز على الزمن مثل: ألف ليلة وليلة؛
2- نوع ثان يركز على الأسماء البطولية: عنترة وسيف بن ذي يزن وبنو هلال...وحمزة البهلوان.....
وكان العنوان قديما يتميز بعدة خاصيات ضابطة له منها: خاصية السجع والطول والتوازي الإيقاعي والطابع الفانطاستيكي وتفريع العنوان الأساسي.
وإذا انتقلنا إلى مرحلة الجهود الروائية الأولى، سنجد هيمنة العنونة التراثية رغبة في ربط الحاضر بالماضي الحضاري لاسيما في مرحلة القرن التاسع عشر، بل حتى حدود الأربعينيات من هذا القرن (روايات محمد بن الموقت المراكشي)، فقد جاءت العناوين الملصقة بالروايات على النمط الحكائي التقليدي.
وليس هذا الاحتذاء تقليدا أو اجترارا لقوالب التراث العربي القديم- كما يعتقد شعيب حليفي-25 بل رغبة في استكمال مسيرة تطور الرواية العربية نموا وامتدادا وتواصلا. لذا اعتمدت الطول في الكتابة الجملية والتسجيع في إثارة القارئ وتشويقه إيقاعيا علاوة على ظاهرة التناص التي تتحكم في هذه العناوين محاكاة للسرد العربي القديم.
ويلاحظ مع مرحلة الانفتاح على الغرب وتجنيس الفن الروائي العربي اعتمادا على المعايير الفنية للرواية الغربية أن الرواية الحديثة في العالم العربي منذ ظهور زينب لمحمد حسين هيكل(1914) أو الأجنحة المتكسرة لجبران خليل جبران اعتمدت نمطيا العنونة الكلاسيكية أوالتقليدية التي كانت مرآة تشخيصية للذات أو الواقع أو المرجع التاريخي.
لذا كانت الهيمنة لأنماط عنوانية ثلاثة:
1- العنونة الفضائية التي تشخص المكان وتجسد الواقع الموضوعي والفضاء بكل عوالمه الأصيلة والموبوءة( روايات نجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي الواقعية)؛
2- العنونة التجريدية التي تشخص الذات والقيم المثالية والحب الطوباوي كما هو الشأن في الرواية الرومانسية( الأجنحة المتكسرة لجبران، رواية زينب لهيكل، روايات يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس وعبد الحليم عبد الله والمنفلوطي والسير الذاتية...الخ)؛
3- العنونة الوثائقية في الروايات الإخبارية والتاريخية والوطنية والقومية( روايات جورجي زيدان ونجيب محفوظ في مرحلته الأولى ( كفاح طيبة -رادوبيس)).
ونسجل إلى جانب هذه الأنماط العنوانية طغيان ظاهرة الأسماء العلمية ( أنثوية كانت أم ذكورية) على المنتوج الروائي الذي ظهر ما بين 1914 و1960، وشكل ما يسمى بالرواية الفنية الحديثة مثل رواية زينب لمحمد حسين هيكل، وثريا لعيسى عبيد1922 ورجب أفندي لمحمود تيمور 1928 وأديب لطه حسين 1935 وحواء بلا آدم لطاهر لاشين1934 وسارة للعقاد 1938. ونكتفي بهذه النماذج لنقول بأن "السمة الغالبة في هذه المرحلة للعناوين هي سيادة الأسماء بالدرجة الأولى. وذلك راجع إلى سيادة البطولة المطلقة وروح الفردية وهو مايشير إلى بداية الرواية الأوربية كما تحدث عنها كوزينوف ومارت روبير وحملها لأسماء أبطالها( دونكيشوت، تيل، كروز...). فهذا النوع من العناوين التي سادت في مرحلة كاملة كان من أجل إعادة الاعتبار للفرد بالإضافة للمكان الذي حفلت به عناوين أخرى( عند البستاني والطهطاوي وفرح أنطون وتوفيق الحكيم...). فقد ساد الإحساس بالغربة عن الذات والمكان، وهو يؤكد أن احتشاد الانكسار الفادح الذي كان يتخفى تحت إهاب الكلمات عكسته العناوين، فجاءت على وتيرة واحدة لتخلق مستويات متعددة المعاني تفيض بآلام الذات العربية التي اختارت هذا المجال كوسيلة للتعبير عن الأسى والرعب الذي استجمع قواه لرؤية انهيار العديد من القيم في حين أن العنوان في الخطاب الروائي الحديث يشكل إستراتيجية خاصة لها خصوصيات ومكونات تدخل في إطار التجريب انطلاقا من استفادتها من الركام الكلاسيكي من جهة، ثم الوعي بأهمية العنوان وتغيراته من جهة ثانية."26
لقد أصبح العنوان في الرواية الفنية الحديثة يتسم بعدة خصائص منها:
1- تشخيص الذات والواقع والمرجع التاريخي والرمزي.
2- الاختصار والوضوح.
3- دقة العنوان ونفاذه.
4- ارتباط العنوان بالنص مباشرة.
5- الاشتمال لمكونات العمل ودلالاته ومقاصده.
6- تكثيف المعنى في كلمات معدودة.
7- تذييل العنوان الأساسي بالعناوين الفرعية المشوقة للقارئ.
8- التلخيص الاستباقي.
9- الإيحائية المجازية والرمزية.
10-الاستفادة من تقنيات الـگرافيك واللون والحيز المكاني.
11-الإثارة وجلب انتباه القارئ عبر عنونة الفصول والمقاطع النصية.
وهكذا فلم تقتصر الرواية العربية الحديثة في بنيتها العنوانية على الصورة اللغوية والبنية الحرفية التقريرية المباشرة، بل تجاوزتها إلى الصورة البصرية على غرار العناوين السينمائية ذات الوظائف الإيحائية والسيميولوجية. فالسينما الحديثة حرصت على" اختيار عناوينها من كلمة أو كلمتين أو من حرف. أما السينما التي اعتمدت الروايات البوليسية وأعمال الخيال العلمي فإن مكوناتها ظلت كما هي تحتفظ بالعنوان الحدثي المؤسس لبؤرة الرواية قصد تزكية العنوان البصري( الصورة). كما أن سينما الخيال العلمي ظلت تنحو منحى تتخذ فيه الزمان والمكان مكونين للعنوان قصد الإيحاء الوظيفي وأداء مهمة تحيل على المستقبل.
نستنتج -إذاً- أن العنوان الفني يتميز بخصائص محددة تميل نحو ماهو بلاغي في محاولة التقاط جوهر الشيء، وليس الشيء في ذاته: عناوين سريالية تميل نحو ماهو استعاري وتؤدي وظائف متعددة ومتراكبة في آن."27
وتمتاز العناوين في الرواية الكلاسيكية أو الفنية الحديثة بخاصية الانسجام على مستوى مظاهر القصة( الأحداث- الشخصيات- الفضاء)، والخطاب(الرؤية- الصيغة- الزمن).
غير أن العناوين في الرواية العربية الجديدة التي ظهرت مع الستينيات من القرن الماضي تبتعد عن العناوين الكلاسيكية على المستويات التالية: البنية والدلالة والوظيفة رغبة في التجريب والعصرنة والعولمة والتأصيل.
لذا فالعنونة الحداثية في الرواية الجديدة قد اتخذت مسلكين عنوانيين:
* المسلك الأول يريد الدخول إلى العولمة الإبداعية من خلال الاستفادة من تقنيات الغرب وتمثل طرائق الرواية الغربية واستيحاء أنماطها السردية وتشكيلاتها الفنية.
* المسلك الثاني يريد تحقيق المعاصرة عبر الاستفادة من التراث ومحاورته معارضة وتحريفا وسخرية بارودية وتمثل سروده القديمة بطريقة تناصية وتفاعلية على النحو التالي:
أ- العنونة التجريبية رغبة في التحديث.
ب-العنونة التراثية رغبة في التأصيل.
إن العنونة الحداثية التي ظهرت مع الرواية الجديدة منذ ستينيات القرن الماضي، وقبل ذلك بقليل( كتب المسعدي في منتصف الخمسينيات بتونس رواية تراثية عنوانه: حدثني أبو هريرة فقال:) ستبتعد عن العناوين التقليدية المباشرة، وتؤسس لنفسها إيهاما يوحي بالغواية والتأويل المغاير، علاوة على شاعرية تنفلت من الجملة ومدى اتساعها الدلالي.28
سيتجاوز العنوان الحداثي - تجريبا وتأصيلا- بنية الجملة العنوانية إلى بنية النص، خاصة عندما يستصحب العنوان الرئيس العنوان الفرعي مثل رواية مجيد طوبيا ( تغريبة بني حتحوت إلى بلاد الشمال، حيث الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة وخوض الأهوال وانقلاب الأحوال وتسلط الفأر على القط وركوع الأسد للقرد).29
وسنلاحظ كذلك تجاوزا للصورة اللغوية وإرفاقها- على غرار السينما- بالصورة البصرية التجريدية ذات الوظائف السيميولوجية. وتتحكم الصورة- الرؤيا( الرمز- الأسطورة- الفانطاستيك- المفارقة) في معظم عناوين الرواية الجديدة، إذ أصبحت لهذه البنية العنوانية وظائف أخرى جديدة، تتطلب قارئا ذكيا يوظف الذهن أكثر من الوجدان، ملما بتقنيات الرواية الحديثة وطرائق الكتابة التراثية ومنفتحا على الرواية العالمية ومناهج النقد الحديث وطرائق الكتابة التراثية ومنفتحا على الرواية العالمية ومناهج النقد الحديث كالشعرية والبنيوية والسيميوطيقا ونظريات التأويل والتفكيك.
نقول بكل اختصار: لقد عمدت عناوين الرواية الجديدة إلى التجريب قصد تحقيق الحداثة والعالمية، والتأصيل قصد التواصل مع التراث والانفتاح عليه وتطعيمه بمفاهيم جديدة وتصورات معاصرة بعد القطيعة التي شهدتها الرواية العربية إبان انفتاحها على الغرب لاستيراد أشكال روائية وتقنيات حديثة تقليدا وانبهارا واقتباسا وتمصيرا.
وكل هذا عن الرواية العربية بمحطاتها الكلاسيكية والتجديدية،فماذا عن الرواية المغربية؟
7- تصنيف الرواية المغربية عنوانيا:
يمكن تصنيف الرواية المغربية عنوانيا على الشكل التالي:
أ- العنونة التراثية في الأشكال الروائية الأولى(1930-1956):
ومن النماذج التمثيلية لهذه العنونة التراثية التي تستوحي بنيتها السردية من الرحلة والمقامة والمناقب( الرحلة المراكشية أو مرآة المساوئ الوقتية لمحمد بن الموقت(1960)، وطه لحمد الحسن السكوري(1941)، والزاوية للتهامي الوزاني(1992).
ب- العنونة الكلاسيكية في الرواية الفنية المغربية الحديثة(1956- 1970):
وتنقسم هذه العنونة إلى:
1- العنونة التاريخية: رواية وزير غرناطة لعبد الهادي بوطالب والمعركة الكبرى لحمد أشماعو...
2- العنونة الرومانسية: كما في ضحايا حب لمحمد بن التهامي والمرأة والوردة لمحمد زفزاف...
3- العنونة الواقعية: كرواية دفنا الماضي لعبد الكريم غلاب....
ج- العنونة الحداثية في الرواية المغربية الجديدة(1971- إلى يومنا هذا):
وتمثل هذه العنونة مجموعة من النصوص الروائية ذات السمات والخصائص التالية:
1- العنونة الرمزية: في روايات عديدة كرفقة السلاح والقمر لمبارك ربيع والمباءة لمحمد عزا لدين التازي...
2- العنونة المجازية: كما في رواية رحيل البحر لمحمد عز الدين التازي والضوء الهارب لمحمد برادة....
3- العنونة الشاعرية: تكثر في روايات أحمد المديني ولاسيما وردة للوقت المغربي وزمن بين الولادة والحلم...
4- العنونة العجائبية: مثل سماسرة السراب لبنسالم حميش وأحلام بقرة لمحمد الهرادي...
5- العنونة الأسطورية: كبدر زمانه لمبارك ربيع...
6- العنونة التاريخية/ التراثية: كمجنون الحكم والعلامة لبنسالم حميش وجارات أبي موسى لأحمد توفيق.....
ويلاحظ على هذه العنونة الحداثية أنها تجمع بين تجريب تقنيات الرواية الغربية وتأصيل الرواية المغربية عن طريق الاستفادة من التراث واستلهام قوالبه معارضة ومحاورة وتعلقا كما عند بنسالم حميش ومبارك ربيع وشغموم الميلودي ومحمد الهرادي ومحمد الشركي...
خاتمة:
تلكم نظرة موجزة ومقتضبة عن العنوان وعلاقته بالنص الموازي والعمل الإبداعي وسماته البنيوية والدلالية والوظيفية في ضوء تطور الرواية العربية بصفة عامة والمغربية بصفة خاصة.30
1- الهوامش:
- علي جعفر العلاق: ( شعرية الرواية)، علامات في النقد ، المجلد 6، الجزء 23 ، السنة 1997 ، صص:100-101؛
2 - A Regarder LEO HOEK : La marque du titre, ed
MOUTON 1982 ;
3 - لوسيان گولدمان وآخرون: الرواية والواقع، ترجمة رشيد بنحدو، عيون المقالات، دار قرطبة، الدار البيضاء، ط1 ، 1988، ص: 12؛
4 - A ; regarder G. Genette : SEUILS, COLLECTION SEUILS, PARIS, 1987 ;
5 - عبد الفتاح الحجمري: عتبات النص: البنية والدلالة، منشورات الرابطة، الدار البيضاء، ط 1 ، 1996، ص: 7؛
6 - إدريس الناقوري: لعبة النسيان- دراسة تحليلية نقدية- ، الدار العالمية للكتاب، الدار البيضاء، ط1 ، 1995، ص:24؛
7 - كلود دوشيه: (عناصر علم العنونة الروائي)، أدب، فرنسا، عدد12 ، كانون الأول، 1973، ص:52-53؛
8 - د. شعيب حليفي: ( النص الموازي للرواية:إستراتيجية العنوان)، مجلة الكرمل، العدد 46، السنة،1992،ص:84-85؛
9 - د. موسى أغربي: مقالات نقدية في الرواية العربية، دار النشر الجسور، وجدة، ط1، 1997، ص:5-6؛
10 - دليله مرسلي وأخريات: مدخل إلى التحليل البنيوي للنصوص، دار الحداثة ، بيروت، لبنان،ط1 ، 1985، صص:43-44؛
11 - موسى اغربي: مقالات نقدية في الرواية العربية،دار النشر الجسور، وجدة،ط 1، 1997، صص:5-6؛
12 - د. محمد أنقار: المرجع السابق، ص:35،
13 - المرجع السابق، ص: 36؛
14 - المرجع السابق، ص:36؛
15 - د. إدريس الناقوري: المرجع السابق، ص: 51-52؛
16 - عبد الجليل الأزدي: ( عتبات الموت- قراءة في هوامش وليمة لأعشاب البحر")، ص:39. وهو في هذه القولة يترجم نظرية شارل گريفل حول العنونة؛
17 - د. إدريس الناقوري: المرجع السابق، ص:75؛
18 - محمد برادة: لعبة النسيان، دار الأمان، الرباط، المغرب، ط 3، 1995؛
19 - محمد برادة: الضوء الهارب، نشر الفنك، ط2 ، 1995؛
20 - إدريس الناقوري: نفس المرجع السابق، ص: 75؛
21 - G ;Genette :Seuils .COLLECTION Poétique, ED, SEUIL, PARIS 1987, p : 73-97 ;
22 - شعيب حليفي: ( النص الموازي للرواية-إستراتيجية العنوان-)، الكرمل،ص:84؛
23 - جمال بوطيب: ( العنوان في الرواية المغربية)، الرواية المغربية: أسئلة الحداثة،دار الثقافة الدار البيضاء،ط1 ، 1996، ص: 204؛
24 - مؤنس الرزاز: متاهة الأعراب في ناطحات السراب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ن لبنان، 1986؛
25 - شعيب حليفي: نفس المرجع السابق، ص: 87؛
26 - شعيب حليفي: نفسه، ص:88؛
27 - نفسه،ص:89؛
28 - نفسه، ص: 99؛
29 - مجيد طوبيا: تغريبة بني حتحوت، بيروت، دار الشروق، ط1 ، 1988؛
30 - للاستزادة من المعلومات حول العنوان انظر: د. جميل حمداوي: (السميوطيقا والعنونة)، عالم الفكر، الكويت، المجلد 25، العدد 3، يناير ومارس،1997، صص:79-112.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رفعت شميس
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 10
مع كل لحظة تمضي تزداد شبكة الإنترنت العالمية اتساعاً سواء من حيث ازدياد عدد المشتركين أو من حيث ازدياد المواقع ، وهذا ما يؤدي بطبيعة الحال إلى ازدياد حجم المعلومات التي تنتقل عبر الشبكة ، ولا يمكن لأي محاسب أو حاسوب أن يحدد ولو بشكل تقريبي مقدار ما يتطلبه سيل المعلومات من تكلفة مالية ، وذلك لسبب بسيط مفاده أن بعض المعلومات يمتلك خاصية السرية فيساوي لذلك ملايين الدولارات … ومن المعلومات ما تمتلك أهمية من حيث مادتها ، لا من حيث حجمها ، وبالتالي هي تساوي الكثير … وهذا ما جعل لصوص الحاسوب ينشطون في مجال القرصنة للحصول على ما يتيسر لهم من المعلومات القيمة . قد يتبادر إلى الذهن سؤال :
إذا كانت الحكومات أو الشركات أو حتى الأشخاص ، إذا كان هؤلاء يخافون على معلوماتهم لماذا إذاً يضعونها على الشبكة العالمية ..؟ بالطبع لا أحد يضع معلوماته على الشبكة إلا ليطلع عليها الآخرون ، وبعض من المعلومات يكون مباحاً للعموم إذ يكفي أن تكتب في أحد محركات البحث العبارة التي تبحث عنها وسوف يتولى محرك البحث باستعراض المواقع التي تحتوي على طلبك ، إنما هناك معلومات تكون مباحة لأشخاص معينين دون سواهم ولا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق كلمة مرور أو عنوان فريد ID وغالباً ما تكون هذه المعلومات سرية أو خاصة كتلك التي تتوضع في صندوق البريد الإلكتروني فلا يصل إليها إلا صاحبها ( المرسل إليه ) .. وتلجأ الحكومات أو الشركات وكذلك الأشخاص العاديون إلى تحميل مواقعهم بالمعلومات ليتمكنوا من الوصول إليها بسهولة عند الحاجة ، إلا أن القرصنة ليست مقصورة على اقتحام الشبكة بل حتى الحاسوب الشخصي وما يحمله قرصه الصلب الخاص من معلومات قد يكون عرضة للقرصنة ، إذ ومن خلال الشبكة يمكن للقراصنة الدخول إلى إي حاسوب لا تتوفر فيه الحماية المطلوبة ، ومن ثم سرقة المعلومات منه بنسخها ومن ثم لصقها أو تخزينها على أقراص مضغوطة ، وأكثر أجهزة الحواسيب عرضة لهذا النوع من القرصنة تلك التي تستخدم لأغراض عسكرية أو لغايات مصرفية في البنوك والمصارف العامة والخاصة . .. ويستطيع قرصان الحاسوب أن يدخل إلى مجلدات القرص الصلب وأن يفتح الملفات ويمكنه أن يحوّل مبالغ مالية من حساب مصرفي إلى آخر دونما الحاجة إلى قناع ومسدس وتهديد أو قتل … وهنا يتحول من قرصان معلوماتي إلى إرهابي معلوماتي ، فالفرق بين القرصنة والإرهاب في المفهوم المعلوماتي يكمن في أن اللفظة الأولى تعني أن يتجسس القرصان على خصوصيات الغير ويسرق منها ما طاب له من نسخ ، أما اللفظة الأخرى فتعني أن يقوم إرهابي المعلوماتية بتدمير القرص الصلب وإتلاف محتوياته أو مسحه من كل ما فيه من معلومات .. ويتم ذلك إما بالمسح المباشر أو من خلال نسخ ملفات مفورسة أي تحتوي على فايروسات viruses فتقوم تلك الفايروسات عاجلاً أم آجلاً بتعطيل وإتلاف المعلومات . .. أما لماذا يقوم بهذا الفعل فهناك عدة أسباب منها حب التخريب والمتعة في إلحاق الضرر بالآخرين أو لأسباب انتقامية كأن ينتقم أحد الموظفين من الشركة التي كان يعمل بها أو قد تكون هناك دوافع سياسية أو عدائية ، ولا بأس من أن نتعرف على الفايروس virus قبل المتابعة ..؟. شبه البعض الحاسوب بجسم الإنسان ، فالعقل البشري يقابل وحدة المعالجة المركزية في الحاسوب والأعصاب تقابل النواقل ، وآلية الرؤية ببطاقة الشاشة ، والتذكر من الماضي بالقدرة التخزينية لدى الحاسوب ( القرص الصلب ) …الخ . إذا كان هذا التشبيه على ما فيه من طرافة ينطبق إلى حد ما من حيث الوظائف الفيزيولوجية للأعضاء ، ووظائف أجزاء الحاسوب ، فماذا عن الفايروس virus الذي أطلق عليه هذا الاسم لتشابه ضرره بما يسببه الفايروس virus البيولوجي في الجسم ..؟ الفايروس virus : هو برنامج صغير أوجد من برنامج ما ، يربط نفسه ببرنامج آخر ، ولكنه يغير عمل ذلك البرنامج كلياً أو جزئياً لكي يتمكن من التكاثر عن طريقه . ويتكون برنامج الفايروس virus بشكل عام من أربعة أجزاء رئيسة هي :
1 ـ آلية التكرار : وهو الجزء الذي يسمح للفايروس virus أن ينسخ نفسه .
2 ـ آلية التخفي : وهو الجزء الذي يجعل الفايروس virus قادراً على الاختفاء ويمكن أن يتضمن تشفيراً لمنع البرامج الماسحة التي تبحث عن نموذج الفايروس virus من اكتشافه .
3 ـ آلية التنشيط : وهو الجزء الذي يسمح للفايروس virus بالانتشار قبل أن يتمكن المستثمر من تحديد مكانه ومسحه ، كاستخدام ساعة توقيت الساعة في الكمبيوتر أو الانتظار لتنفيذ برنامج ما عدداً معيناً من المرات .
4 ـ آلية التنفيذ : وهو الجزء الذي ينفذ الفايروس virus عندما يتم تنشيطه ويكون مجرد رسالة على الشاشة أو مسح بعض الملفات. علامات وجود فايروس virus في الحاسوب :
1 ـ الزيادة الغريبة في حجم الملفات ( وقد يكون ذلك بسبب ترقية بعض البرامج) أو زيادة زمن تحميلها إلى الذاكرة.
2 ـ تباطؤ في أداء الحاسوب ،( وقد يكون السبب امتلاء القرص أو تبعثره وليس بسبب فايروس virus ) أو حدوث أخطاء غير معتادة عند تنفيذ برنامج أو أكثر .
3 ـ ظهور رسائل أو تأثيرات غريبة على الشاشة ، أو اختفاء بيئة WIN وتلون الشاشة بلون أزرق أو أسود .
4 ـ زيادة في زمن قراءة القرص إذا كان محمياً لأن الفايروس virus يحاول الكتابة عليه وإصابته وكذلك يمكن أن تظهر رسالة Fatality Error
5 ـ تغير في تاريخ تسجيل الملفات.
6 ـ في بعض الإصابات يمكن سماع نغمات موسيقية غير مألوفة من مكبر صوت الحاسوب .
7 ـ حدوث خلل في لوحة المفاتيح كأن تظهر رموز مختلفة عن المفاتيح عند ضغطها .
8 ـ نقص في مساحة الذاكرة المتوفرة .
9 ـ ظهور مساحات صغيرة على القرص كمناطق سيئة لا تصلح للتخزين . وتجدر الإشارة إلى أن بعض الفايروس virusات خطير جداً يؤدي إلى إتلاف كلي للمعلومات بل وقد يؤدي إلى إتلاف أجزاء من الحاسب كاللوحة الأم والذاكرة … وليست الفايروسات viruses وحدها تلك البرامج التي تسبب الضرر ، هناك أنواع أخرى وهي :
الديدان - Worms : وهي برامج شبيهة بالفايروسات viruses من حيث إمكانية أن تنسخ نفسها من حاسوب لآخر عبر شبكة وهي لا تخرب الملفات لكنها تستهلك موارد الحاسب كالذاكرة والمعالج والأقراص وتسبب زيادة عبء تحميل الشبكة . حصان طروادة - Trojan horse : وهي برامج توحي للمستخدم بأنها تقوم بعمل معين بينما هي في حقيقة الأمر تقوم بعمل آخر ، ويكون ضارة على الأغلب وتتميز عن الفايروسات viruses بكونها غير قادرة على إنتاج نفسها القنبلة المنطقية - bombard logical : وهي برامج شبيهة إلى حد ما بالفايروس virus ، ويتم تنشيطها بوقوع حدث أو حالة معينة ويمكن أن تكون جزءاً من برنامج الفايروس virus أو حصان طروادة . ويلجأ إرهابيو المعلوماتية إلى تحميل ملفات مفورسة على الشبكة في بعض المواقع الأكثر زيارة ، بعض الملفات المفورسة تنتقل مباشرة عبر الشبكة إلى الحاسوب بمجرد فتح الموقع وبعض آخر يكمن للمستخدم في ملفات معينة ما أن يقوم بفتحها حتى ينتقل الفايروس إلى حاسوبه …
إن الأمن المعلوماتي يتطلب نظام حماية على مستويين اثنين - الأول : حماية حاسوب المستخدم من الاختراق سواء كان الاختراق لهدف القرصنة أو لعمل تخريبي ، والثاني : حماية المواقع أو السيرفر والمخدِّم أو الذي يؤمن اتصال بإنترنت ، وهذا عمل عصي على الأفراد بل يجب أن تقوم به الحكومات والشركات الكبرى نظراً للتكلفة المادية الكبيرة التي يتطلبها هذا المستوى من الحماية . وعلى المستوى الأول يمكن حماية الحاسوب من الاختراق المباشر أي أن يلجأ شخص إلى القرصنة والإرهاب المعلوماتي دون الاستعانة بالشبكة ويتم ذلك بتشغيل الحاسوب المستهدف والعبث به ، وتتم الحماية في وضع كلمة مرور يطالب فيها النظام بعد الإقلاع مباشرة وقبل أن تظهر نافذة سطح المكتب ، إلا أن هذه الطريقة ليست مجدية تماماً فالقرصان الذي يملك الوقت الكافي لنـزع مدخرة التغذية للوحة الأم mother board قادر بذلك على إلغاء المطالبة بكلمة مرور للدخول إلى النوافذ … وهناك حماية من نوع آخر كأن يقوم المستخدم بتغيير امتداد ملفاته الخاصة ، ومع ذلك فهذه الطريقة ليست فعالة في الحماية إذ أن القرصان الذي يملك بعض المعلومات عن برامج فتح الملفات قادر على اختيار البرنامج الخاص لكل ملف … وإذا تمت الحماية بهذه الطريقة من خطر القرصان فهل تجدي أمام إرهابي المعلوماتية ، بالتأكيد لا فهو يستطيع بأبسط الحالات محو الملفات دونما الحاجة لمعرفة كبيرة بالعمل في بيئة النظام … وفي المستوى الأول إي حماية الحاسوب من الاختراق ، يمكن أن يكون الاختراق عبر الشبكة ، فهناك برامج خاصة لمكافحة القراصنة وإرهابيي المعلوماتية … ومع ذلك يمكن للمخترقين الوصول إلى أجهزة الحاسوب من خلال ملفات الفايروس التي تصل ربما على هيئة رسالة أو بطاقة معايدة أو برنامج مضغوط …
أما في المستوى الثاني : أي حماية المواقع على الشبكة فهذا يتطلب كما قلنا ميزانية كبيرة وهو عمل يقع على عاتق الحكومات وكبريات الشركات … وقد سعت بعض الشركات إلى توفير الحماية من خلال ما يسمى بالأمن المعلوماتي البيولوجي ، ففي العام 1968 ظهر فيلم من الخيال العلمي، تدور أحداثه في العام 2001، وحمل ذلك الفيلم اسم (ASpace Odyssey). أي "ملحمة فضائية" وتدور أحداث الفيلم في مركبة فضائية عملاقة وهي تجارية أي تنقل المسافرين عبر الفضاء لقضاء إجازاتهم في مستعمرات على القمر وهذه المركبة تتضمن حاسوباً قوياً وذكياً ، اسمه الكومبيوتر "هال 9000" (HAL 9000). واستخدم ذلك الحاسوب آلات تصوير وتقنيات ذكاء صناعي ليتعرف إلى المدعو ديف وهو قبطان المركبة الفضائية، وليحدد الحقوق التي يملكها على تلك المركبة. وها نحن اليوم نعيش في العام 2003ليس لدينا مركبات فضائية تجارية يمكنها نقلنا إلى مستعمرات فضائية ، لكننا بتنا نملك حواسيب يمكنها التعرف إلى الأشخاص، اعتماداً على خصائصهم الفيزيائية (physical attributes)، ومنحهم حقوقاً معينة للتعامل مع شبكة الحواسيب، بناءً على ذلك، أو حجب هذه الحقوق عنهم.
ونشهد اليوم ظاهرة تنتشر بشكل بطيء نسبياً، في أجهزة الحواسيب الشخصية والمحمولة، ألا وهي: تزويد هذه الأجهزة بأنظمة التحقق البيولوجي (biometrics). وتستطيع مثل هذه الأنظمة تسجيل معلومات عن بصمات الأصابع ، والوجوه ، والأصوات، وقزحية وشبكية العين، والتوقيع اليدوي، وغيرها من الخصائص الفيزيائية، وأن تعمل كحارس لنظام معين، وتسمح بمرورك من بوابة معينة، أو أن تمنعك من المرور، بناء على انطباق خصائصك الفيزيائية مع المعلومات المخزنة في قاعدة البيانات. ويمكنك أن تنظر إلى هذه التقنية على أنها طبقة من الأمن، تعتمد على شيء لا يمكنك أن تنساه أو تفقده أو تتركه في مكان غير آمن، مثلما يحدث مع بطاقات الدخول الممغنطة، أو كلمات السر. ولا ريب أنه توجد أنواع كثيرة ومتزايدة من الاستخدامات، للتقنيات الأمنية المعتمدة على التحقق البيولوجي، حيث تستخدم هذه التقنيات اليوم للتأكد من وجود الأشخاص في مكان معين (مثل مراقبة دوام الموظفين بدقة)، أو التحكم في إمكانية الوصول الفيزيائي إلى مواقع معينة. ويمكنك أن تجد تطبيقات جلية لتقنيات التحقق البيولوجي في الحياة اليومية، مثلاً، منع الوصول غير المخوّل إلى الحسابات المصرفية، أو محافظ الأسهم. وتقدم بعض المؤسسات المالية ماسحات بصمات الأصابع للزبائن مجاناً، للتحقق بشكل أفضل من هويات هؤلاء الزبائن، لضمان سير تعاملات إنترنت الخاصة بالمصارف والأسهم بشكل آمن. وقد بدأت بعض الشركات ابتداء من العام 2002، بإصدار بطاقات ائتمانية ذكية، تدمج فيها معلومات خاصة ببصمة إصبع مالك البطاقة. وتضمن أكشاك الصرافة الآلية وأمثالها اليوم ماسحات للوجوه أو أنظمة للتعرف إلى الصوت. ونتوقع أن نرى بعد أن تثبت هذه التقنية حضوراً راسخاً، مزيداً من أنظمة التحقق البيولوجي (biometrics) في أجهزة المساعدات الرقمية الشخصية (PDAs)، والهواتف النقّالة، وغيرها من الأجهزة اللاسلكية. لكن ربما كانت أكبر القطاعات التي ستشهد نمواً في مجال أنظمة التحقق البيولوجي، هي مجال استبدال، أو التكامل، مع الأنظمة الأمنية التي تعمل باستخدام كلمات السر في المؤسسات. وإذا كنت تتساءل عن الحاجة إلى استبدال نظام كلمات السر بنظام آخر، فمن المفيد أن تستعين بتبرير بعض خبراء أمن المعلومات، حيث أن الغالبية العظمى من المستخدمين يعتمدون على 80 ألفاً من الكلمات الشائعة فقط، في تكوين كلمات السر، وهذا أمر يسمح باكتشاف هذه الكلمات بعد عدد كبير من محاولات الاختراق. وتحمل معظم كلمات السر معنىً شخصياً للمستخدم، مثل الطعام المفضل، أو اسم الابن أو الأب أو الأم أو الزوجة …، ذلك لتسهيل تذكر هذه الكلمات، لكن يصبح من السهل في الوقت ذاته توقع هذه الكلمات من قبل المخترقين ، وغالباً يختار البعض كلمات يصعب تذكرها، إلا أنهم عادة يكتبونها على ورقة ، ويحتفظون بهذه الورقة في مكان بجانب الحاسوب، مما يلغي فاعلية هذه الكلمات، وسريتها. وتحتوي كلمات السر على جانب سلبي آخر هو حاجتها إلى "الصيانة" الدائمة، حيث يجب تغيير هذه الكلمات بشكل دوري، لضمان مستوى أعلى من الأمن.
وتوجد سلبية مادية كذلك لاستخدام كلمات السر، فهي تكلف الشركات الكبيرة أموالاً، حيث بينت دراسة أجرتها شركة Forrester Research أن استبدال الأنظمة التي تتطلب إدخال كلمة سر، بنظام آخر لا يتطلب من المستخدم إدخال كلمات سر، سيوفر على الشركات الكبيرة 200 دولار تقريباً من النفقات، عن كل مستخدم! وتعتبر البطاقات الذكية ( smart cards)، وهي بحجم البطاقات الائتمانية، وتحمل معلومات تعريف شخصي تسمح للمستخدم بالدخول إلى شبكة معينة، بديلاً لكلمات السر، لكنها تحمل سلبيات استخدام كلمات السر ذاتها، حيث يمكن أن يفقد المستخدم هذه البطاقة أو أن ينساها في المنزل، وفي الحالتين يبقى هذا المستخدم خارج الشبكة، حتى يأتي مدير الشبكة ويمنحه حق الدخول. وتعتبر البطاقة المفقودة أو المنسية في مكان معين، وسيلة للدخول إلى الشبكة قد تقع في يد الشخص الخطأ، أما وسائل التحقق البيولوجي، فهي وسائل تضمن ألا يدخل إلى الشبكة إلا الشخص المخوّل بذلك. على سبيل المثال يستخدم المصرف التجاري في ولاية لوس أنجلوس الأمريكية نظام DigitalPersona في كل محطة عمل، لمسح بصمات أصابع الموظفين. ويقول سلفادور فيلار المدير العام للمصرف: "مكاتبنا مفتوحة على بعضها البعض، ونحتاج لذلك، أن نضمن ألا يتمكن شخص من الاطلاع على معلومات من جهاز أحد الموظفين، عندما يترك ذلك الموظف مكتبه". وتعتبر أنظمة التحقق البيولوجي مفيدة كذلك، في محاربة جرائم الحواسيب، والتي يجب أن تتوقع كل شركة أن تشهد حادثة منها كل بضع سنوات على الأقل. ووجد استطلاع للرأي أجرته الجمعية الأمريكية للأمن الصناعي عام 1999، أن الشركات الألف الكبرى، تعرضت لخسائر قدرت بحوالي 45 مليار دولار نتيجة سرقة معلومات سرية خاصة بهذه الشركات.
ومع الاتصال بإنترنت، فُتِحت الأبواب على مصاريعها أمام المخترقين. يُتوقع في العام 2005 أن يتضمن كل حاسوب شخصي نظام تحقق بيولوجي كجزء رئيسي منه، وذلك حسب دراسة أجرتها "مجموعة التحقق البيولوجي العالمي" (International Biometrics Group, IBG)، وهي مجموعة استشارية، لديها مختبرات لفحص أنظمة التحقق البيولوجي، موجودة في مدينة نيويورك. وتبيع كل من شركة Acer، وIBM اليوم، حواسيب محمولة تتضمن قارئات بصمات الأصابع، وتقدم جميع الشركات الرئيسية المنتجة للحواسيب الشخصية أجهزة التحقق البيولوجي كخيار إضافي في أجهزتها الموجهة للشركات. إلا أنه لا تخلو أجهزة التحقق البيولوجي من ثغرات. ويقول جون دوناهيو مساعد مدير إدارة الطيران والفضاء الأمريكية، أن أجهزة التحقق البيولوجي رخيصة الثمن ما تزال غير ناضجة بعد، حيث يمكن أن يتم تزويرها بسهولة. ويضيف: "ترغب ناسا في أن تسمح للموظفين أن يعملوا عن بعد، حتى في ما يتعلق بالتحكم بالمهمات الفضائية. وستضيف الوكالة حتماً أنظمة تحقق بيولوجي لأنظمة الأمن المعمول بها في مجال الاتصال عن بعد، خلال السنوات الثلاث أو الخمس المقبلة، حيث أن التقنيات تزداد تطوراً، ما يتطلب طبقة إضافية تسمح بمنع الأشخاص غير المخولين من الدخول إلى عمليات التحكم بالمهمات". ويقول خبراء الأمن، آخذين هذا الأمر في الاعتبار، أن الطريقة الوحيدة لحماية أي نظام حاسوبي بفعالية، هي عبر إضافة طبقات متكاملة من التقنية، لا تتضمن فقط أنواعاً مختلفة من أنظمة التحقق البيولوجي، كأنظمة مسح الوجه والبصمات، بل تتضمن كذلك، بطاقات ذكية، وتشفير، وكلمات سر. وعلى الرغم من أن القطاع الخاص ما زال يختبر أنظمة التحقق البيولوجي، إلا أن عدداً من الحكومات بدأت بتطبيقه فعلاً. ووجدت دراسة أجرتها شركة IDC عام 1999، أن حجم مبيعات نظم التحقق البيولوجي للقطاع الخاص كانت 51.6 مليون دولار، بينما كان حجمها بالنسبة للحكومة الأمريكية 115 مليون دولار. وتوقعت الدراسة أن يبلغ حجم السوق الإجمالي عام 2004، حوالي 1.8 مليار دولار. وبدأ عدد من الجهات الحكومية في الولايات المتحدة، مثل دائرة الخدمات الاجتماعية، في استخدام قارئات بصمات الأصابع لمنع عمليات الاحتيال، مثل التسجيل للحصول على معونة باسمين مختلفين، حيث يتم مقارنة البصمات المقروءة مع قاعدة بيانات تتضمن جميع الأشخاص الذين يحصلون على معونة حكومية، وإلغاء أي شخص سجّل باسمين مختلفين. وتقدم دائرة خدمات الهجرة في الولايات المتحدة كذلك، خدمة تعتمد على قارئات البصمات، للأشخاص كثيري التنقل واستخدام المطارات، بحيث يمسح هؤلاء أصابعهم لدى الدخول إلى المطار، لتفادي الوقوف في الدور. وتستخدم الدائرة ذاتها ماسحات البصمات للتعرف إلى المطلوبين للعدالة، لدى محاولتهم السفر. ويوجد جانب آخر للأمن ألا وهو الخصوصية. واستخدمت في الولايات المتحدة كاميرات لمسح وجوه الداخلين إلى الملعب، لحضور المباراة النهائية لدوري كرة القدم الأمريكية، خلال مرورهم عبر البوابة. وقد استخدم المنظمون تقنية التعرف إلى الوجوه من شركة Graphco Technologies، وهي شركة تقدم منتجات تحقق بيولوجي. واستخدمت الصور الملتقطة لوجوه الداخلين إلى الملعب، لمقارنتها مع قاعدة بيانات لعدد من المجرمين والمشاغبين المعروفين. وبعد أن انتشر خبر هذا النظام، حذر الكثيرون من أنه يمكن استخدامه للتعدي على خصوصية المواطنين. ودافع باري هودج من شركة Graphco عن النظام، كونه ضروري للحفاظ على السلامة العامة في مثل هذه الأحداث التي يحضرها عدد كبير من الحشود، وقال: "يجب أن نتناقش بشكل جدي، حول حجم الخصوصية التي يجب أن نتخلى عنها، مقابل الحفاظ على السلامة العامة". الحفاظ على هوية خفية مع ازدياد استخدام شبكة إنترنت، تتداخل قضايا الأمن والخصوصية مع قضية الثقة وإمكانية الوصول. وقد أصدر المشرع في الولايات المتحدة العام الفائت، قانون التوقيع الإلكتروني، الذي اعتبر العقود الموقعة إلكترونياً ملزمةً قانونياً.
وقد أدى هذا الأمر إلى انتشار المنظمات التي تمنح المصدقات، مثل شركة VeriSign، بالإضافة إلى قواعد التشفير، مثل البنية التحتية للمفتاح العام PKI (Public Key InfraStructure)، لزيادة ثقة المستخدمين في التعاملات عبر شبكة إنترنت. وتسمح مثل هذه المصدقات بإنشاء أنظمة ومناهج للتعرف إلى مصادر الوثائق والبيانات عبر إنترنت، والتأكد من أنه لم يجر العبث بها، أو تغيير مسارها قبل الوصول إلى المستقبِل. وتقدم أنظمة التحقق البيولوجي لذلك، آخر المكونات الضرورية لإتمام الأعمال بشكل إلكتروني، وذلك بالتأكيد على أن الشخص على الطرف الآخر، هو فعلاً من يدّعي. ويبقى أمر واحد مؤكداً: سيصبح الإبقاء على هويتك مجهولة في خضم كل هذه التقنيات للتعرف البيولوجي، صعباً جداً. من يحتاج إلى الحماية : تعتبر أجهزة حواسيب ومواقع ويب الولايات المتحدة الأمريكية ومن ثم إسرائيل أكثر عرضة للقرصنة والإرهاب المعلوماتي ، ولا عجب في أن يكونا مستهدَفين فهما الأكثر عنصرية وتطرفاً وإرهاباً في العالم ، وليس بالضرورة أن يكون قراصنة المعلوماتية وإرهابيوها الذين يمارسون الاختراق المعلوماتي من العرب إذ أن أمريكا وإسرائيل ليستا عدوتين للعرب فقط ، بل بعض من الحكومات العربية لا ينظر إلى إحداهما أو كلاهما على أنهما عدوتان ، وظاهرتا القرصنة والإرهاب المعلوماتي لا ترتبطان دائماً بالسياسة ، ولا عجب أن يكشف النقاب بين فترة وأخرى على فضيحة تجسس أو قرصنة تمارسها إسرائيل ضد الولايات المتحدة الأمريكية رغم علاقتهما المميزة ، وليس غريباً أن تكون أمريكا عاجزة عن مواجهة قراصنة الإنترنت فقد كلفت الاختراقات المعلوماتية الشركات الأمريكية والمؤسسات الحكومية مليارات الدولارات في العام 2001، بزيادة كبيرة عن العام 2000 وأكد التقرير الصادر بعنوان /تقرير 2001 حول الجرائم المعلوماتية والأمن/ أعده معهد الأمن المعلوماتي ومكتب التحقيقات الفدرالي /اف بي أي/ إن الهجمات التي تستهدف الأجهزة المعلوماتية سواء عبر الفيروسات viruses أو إرسال كميات كبيرة من الرسائل الإلكترونية، لشل عمل هذه الأجهزة، أو اختراق رموزها السرية وغيرها تزايدت في الولايات المتحدة ، وقال الروس جبهارت، مدير مكتب اف بي آي في كاليفورنيا الشمالية إن نتائج تقرير هذه السنة تؤكد على خطورة وتعقيد الجريمة المعلوماتية ، وقال إن مشكلات ضمان سلامة المعاملات التجارية التي تجري عبر الإنترنت لا تزال تشكل تحديا للشرطة ، وبعد سؤال 538 خبيرا في الأمن المعلوماتي يعملون لدى شركات ووكالات حكومية وجامعات، خلص معدو التقرير إلى أن الشركات والمؤسسات الأخرى تفقد سنويا ملايين الدولارات بسبب الجرائم المعلوماتية. ووافق 35% فقط من الأشخاص الذي تم سؤالهم الكشف عن حجم خسائرهم التي فاقت لوحدها 377 مليون دولار العام الفائت، أي بزيادة حوالي 265 مليون دولار عن الخسائر المسجلة في العام 2000 . وفي مواجهة القرصنة والإرهاب المعلوماتي فإن شركة " نتوورك آسوشيتس", الشركة العالمية الرائدة المتخصصة في مجال توفير حلول تكنولوجيا المعلومات المتعلقة بحماية شبكات الكمبيوتر قد أعلنت عن شرائها لشركة "انتروفيرت نتووركس" وهي شركة متخصصة في مجال تطوير تقنيات تأمين الشبكات المعتمدة على الويب ضد عمليات الاختراق بصفقة قيمتها 100 مليون دولار أمريكي. وتهدف شركة "نتوورك آسوشيتس" من وراء هذه الخطوة إلى تطوير استراتيجيتها الرامية إلى تفعيل الخبرات المتخصصة لديها لتدعيم قائمة حلولها التقنية المتعلقة بتوفير درجة أمنية عالية للشبكات الخاصة بالشركات الكبيرة في المنطقة. ولعل الاختراق والقرصنة والإرهاب المعلوماتي كل ذلك بات يشكل هاجسا لدى الحكومات والشركات لا سيما أن طريقة الاختراق لا تحتاج إلى خبرة كبيرة من قبل قراصنة المعلوماتية ، إذ يمكن لأي شخص من أي مكان في العالم أن يعطل البريد الإلكتروني مثلاً لأي مستخدم وذلك بإرسال كمية كبيرة من الملفات إلى ذلك البريد ولما كانت طاقة البريد الإلكتروني محدودة فيما يتعلق بالسعة التخزينية فإن الرسائل ذات القيمة والموجهة بشكل هادف إليه لن تصل لعدم وجود مساحة كافية ، وهذا ما يربك صاحب البريد الإلكتروني إذ يتوجب عليه أن يفرغه من محتوياته بشكل دائم . وذكرت دراسة جديدة أن الخوف من عمليات التسلل والاختراقات الأمنية من المرجح أن يؤدي - إي الخوف - إلى ارتفاع هائل في تكلفة الحماية تصل إلى 300 بالمائة في الإنفاق الحكومي وإنفاق الشركات على خدمات الأمن المعلوماتية خلال السنوات الأربع القادمة.وتنبأت مؤسسة إنترناشيونال داتا كوربوريشن للبيانات بأن يصل حجم سوق الأمن المعلوماتي العالمي إلى 21 مليار دولار بنهاية عام 2005. مقارنة ب 7. 6 مليارات دولار العام الماضي. وقال كبير محللي الشركة آلان كاري إن «النمو في هذه السوق سوف يأتي من جانب الشركات التي تدرك قيمة الاستعانة بطرف ثالث مقدم للخدمات لديه مهارة في تطوير استراتيجيات أمنية معدلة وفقا لطلب الزبائن لحل مشاكل العمل».وأشارت الدراسة إلى منطقة آسيا والباسيفيك على أنها من مناطق النمو الكبير في هذا المجال بمقدار 29 بالمائة سنويا خلال السنوات الأربع القادمة. وقال كاري (إن أحد العوامل التي تؤثر في هذا النمو هو اتساع نطاق استخدام الإنترنت. سواء من خلال مقاهي الإنترنت في الصين أو الأجهزة اللاسلكية التي تتصل بالويب في أنحاء المنطقة). وقالت الدراسة إن قطاع الخدمات المالية يتفرد في كونه يمثل أكبر مصادر الإنفاق على خدمات الأمن المعلوماتي. حيث من المتوقع أن ينمو الإنفاق فيه على تلك الخدمات الأمنية على مستوى العالم من 848 مليون دولار في عام 2000 إلى حوالي 2.2 مليار بحلول عام 2005. وأوضحت الدراسة أن أوقات تعطل الأجهزة المعادلة لخسارة أرباح الصفقات. والحاجة إلى البقاء في مأمن من عمليات النصب والاحتيال. بالإضافة إلى القواعد الحكومية. تمثل جميعها عوامل تؤدي إلى هذا الارتفاع المتوقع. وقال روس ويلسون المدير الإقليمي لشركة سيمانتك كوربوريشن إن الشركات في آسيا في حاجة إلى تبني اتجاه أكثر نشاطا تجاه تأمين التقنية المعلوماتية. ونقلت صحيفة بيزنيس تايمز عن ويلسون قوله (تميل الشركات الآسيوية إلى أن تكون أكثر حرصا فيما يتعلق بالتكاليف. بدلا من أن تكون أكثر حرصا فيما يتعلق بالقيمة).
والسؤال الذي يطرح ذاته : هل هناك أمن معلوماتي عربي ..؟ إن حكومات دول الخليج العربي عرضة لمخاطر كبيرة من الإرهاب الإلكتروني عبر الإنترنت وفقا لتصريحات أحد كبار المسؤولين في شركة كومجارد المعنية بتوفير خدمات وحلول حماية وأمن البيانات، والتي أدلى بها أمام حشد من مسؤولي الحكومات الإلكترونية العربية مؤخرا .. فقد صرح هيربيرت كيمنسكي، المدير العام لشركة كومجارد قائلاً إن الحكومات العربية في منطقة الخليج عرضة لهجمات الإرهابيين الإلكترونيين عبر الإنترنت الذين يمارسون نشاطاتهم التخريبية من أي مكان في العالم، وهذه المخاطر تتفاقم مع مرور كل يوم لأن التقنية وحدها غير قادرة على حماية بيانات الحكومات بشكل كلي من الهجمات المتوقعة . وأضاف أنه بالرغم من وجود الجدران النارية، تحدث الاختراقات كل يوم، وبالرغم من وجود تقنيات التشفير، يتم سرقة أسرار الشركات التجارية كل يوم، وبالرغم من وجود التشريعات الداخلية في المؤسسات، يتم استخدام الإنترنت بشكل غير سليم كل يوم. من هنا، على حكومات دول المنطقة، بالإضافة إلى اعتمادها على أحدث الحلول التقنية المعتمدة في العالم لحماية البيانات، أن تعتمد على تنفيذ إجراءات حماية يدوية داخل المؤسسات تحميها من التهديدات الداخلية والخارجية في آن معا . ولعل دول الخليج العربي – بوصفها مصدر غزير للنفط ومكان توضع كبرى الشركات العالمية – هي أكثر المناطق العربية عرضة للقرصنة والإرهاب المعلوماتي ، ولا تزال هناك عقبات كثيرة تعيق تحقيق الأمن المعلوماتي العربي منها نقص الكفاءات العلمية ، وكذلك عدم الثقة بشركات الحماية ، والخوف من أن تقوم تلك الشركات نفسها بتسريب المعلومات التي تقوم بحمياتها ، ومن الطريف أن بعض شركات الحماية تعرّض لما يسمى بالقرصنة والإرهاب المعلوماتي ، فقد نجح قراصنة الكمبيوتر في اقتحام موقع شهير على شبكة الإنترنت يتولى حراسة الشبكات الإلكترونية وتوفير الحماية لها من اختراقات الفضوليين وقراصنة المعلومات، وتمكن المهاجمون من تعطيل الموقع الذي يقوم بتحذير الوكالات الحكومية من الهجمات المتوقعة للقراصنة، ومن الفايروسات viruses لأكثر من 30 ساعة. ومنع المهاجمون الراغبون بتلقي خدمات الموقع التابع لإحدى الجامعات الأميركية من الوصول إليه وذلك عبر بث كميات هائلة من المعلومات سدت طرق الوصول إليه، ولم يتعرض الموقع للتخريب، كما لم تسرق أي معلومات منه على حد قول المسؤولين عن إدارة الموقع.
وقال أحد المسؤولين عن الموقع "نحن نهاجم كل يوم، وكان هذا واحدا من الهجمات التي نتعرض لها، ولكن الدرس الذي يجب أن نتعلمه أنه لا يوجد موقع حصين على شبكة الإنترنت ضد هذا النوع من الهجمات التي تتسبب في مشاكل تشغيلية وهي تحتاج إلى وقت لإصلاحها". وتأسس موقع سيرت عام 1988، وهي اختصار لعبارة فريق الاستجابة الكمبيوترية الطارئة، ويتلقى المركز مساعدات سنوية بقيمة 3.5 مليون دولار تدفع وزارة الدفاع (البنتاغون) القسم الأكبر منها… ويقول المسؤولون في المركز إنهم فشلوا في تحديد موقع الهجوم، كما أنهم لم يعرفوا عدد الكمبيوترات الخدمية "السيرفرز" التي اشتركت بالهجوم. ونجح القراصنة في 4 مايو/أيار من اقتحام موقع البيت الأبيض على شبكة الإنترنت بالطريقة نفسها، وتعذر الوصول إلى الموقع لمدة ساعتين كاملتين، كما استخدمت هذه الطريقة في شل مواقع شبكة سي إن إن ومزاد آي بي الشهير في شهر فبراير/شباط الماضي. إن الأمن المعلوماتي العربي لا يزال في مرحلة الطفولة ورغم أن تقنيات الاتصالات باتت في متناول أغلب الدول العربية فإنها لا تزال تفتقر إلى الحماية الذاتية ، فهي دائماً تستعين بالشركات الأجنبية سواء من أجل حجز النطاقات على الشبكة أو من أجل توفير سبل الحماية كالجدار الناري مثلاً ، إلا أنه لم يتوفر بعد لدينا نحن العرب ما نخاف عليه على الشبكة العالمية من معلومات إلا القليل هذا إذا استثنينا دول الخليج العربي ، فأسرار التكنولوجية العربية في الصناعات الثقيلة سواء المدنية أو العسكرية ليست هدفاً لدى قراصنة المعلوماتية لسبب بسيط هو أنه لا نملك هذه التكنولوجية ، فنحن لا نملك أسلحة التدمير الشامل التي من شأنها أن تكون أسرارها هدفاً للقراصنة ، وقد فشلت أمريكا في إثبات مزاعمها حول امتلاك العراق لمثل هذه الأسلحة . إن الأمن المعلوماتي العربي ضرورة ملحة يفرضها الواقع ، ونحن نعترف أننا لم نصل إلى المستوى الأمني المطلوب إما للتكلفة الباهظة التي يتطلبها نظام الحماية وإما لقلة الخبرات والكفاءات في هذا المجال ، والمطلوب منا أن نكون حذرين في التعامل مع المعلومات المتدفقة عبر الشبكة لسببين أحدهما قطع الطريق على العولمة وما يحمله هذا المصطلح من معنى ، والحد من الغزو الثقافي ، والآخر لتأمين بعض الحماية لمعلوماتنا من الاختراق ، ولعل الإجراءات التالية كفيلة بتوفير الحد الأدنى من الأمن المعلوماتي :
أ – عدم فتح رسائل البريد الإلكتروني مجهولة المصدر فقد يكمن فيها أحد أخطر أنواع الفيروسات … وإذا كان لا بد فلا بأس بمعاينة الملف بواسطة برنامج مكافحة الفايروسات .
ب – تفريغ محتويات البريد الإلكتروني من الرسائل التجارية التي لا تهمنا والتي ترسلها بعض الشركات للدعاية دون إذن مسبق من قبل صاحب البريد الإلكتروني ، وهذا الإجراء لتوفير المساحة التخزينية المعطاة من قبل موقع الويب الذي نتعامل معه .
ج – الحذر من العروض المجانية فقد لا يخلو بعضها من الفيروسات .
د – اختيار كلمة سر معقدة تتجاوز الست محارف ، وحفظها في مكان آمن .
هـ – عند التعامل مع الشبكة ، عدم الدخول إلى المواقع غير الآمنة ، ويمكن فتح الموقع وحفظه بطريقة " حفظ باسم " من القائمة المنسدلة " ملف " ، ثم قطع الاتصال وتصفح الصفحات المحفوظة ، ذلك أن قطع الاتصال يقطع الفرصة على قراصنة المعلوماتية وإرهابيوها من الوصل إلى القرص الصلب .
و – تدريب العناصر واختيار الكفاءات الجيدة للعمل في مجال المعلوماتية .
وأخيراً إذا لم يكن لدينا ما نخفيه أو نخاف عليه لا يعني أننا لا نحتاج إلى الأمن المعلوماتي ، فنحن نتقدم بخطوات واسعة في مجال المعلوماتية ، ولا شك أننا بحاجة إلى حماية ما لدينا من مخاطر القرصنة والإرهاب المعلوماتي ، ولسوف تكون معلوماتنا وأسرارنا مستهدفة من قبل هؤلاء الذين لطالما استهدفوا العقل العربي بما يسمى الغزو الثقافي ، وما زلنا عاجزين على الرد بذات السلاح إي أن نقوم نحن بالقرصنة والإرهاب المعلوماتي ، أما سبب العجز الرئيسي ليس في قلة المهارات والكفاءات وإنما ينبع من المبادئ والأخلاقيات العربية ، وهناك من أفتى بتحريم نسخ المعلومات وسرقتها بدون إذن مالكها ، هذا إضافة إلى قانون حماية الملكية الفكرية الذي يعمل به في أغلب دول العالم ، وتبقى كلمة ( الإرهاب ) بكل معانيها مرفوضة لدينا ، وإذا حدث أن مارسنا الإرهاب المعلوماتي ، فإننا سنكون مصرين على تسمية هذا العمل بالمقاومة المعلوماتية ، إذ يصبح لدينا الحق المشروع في هذه المقاومة عندما نتعرض للقرصنة والإرهاب المعلوماتي . وعلى مبدأ المثل القائل " المال السائب يشجع السرقة " علينا أن نوفر لمعلوماتنا أمن الحماية المطلوب .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. جميل حمداوي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 9
المغــــــرب والحداثـــــــة
للدكتور جميل حمداوي عمرو
إذا كانت أوربا قد عرفت الحداثة منذ القرن الخامس عشر، فإن العالم العربي بصفة عامة والمغرب بصفة خاصة لم يفكر فيها إلا منذ القرن التاسع عشر مع التغلغل الاستعماري الأجنبي وضغوطاته العسكرية والاقتصادية عبر مسلسل من الإصلاحات والتغييرات قصد مواكبة مستجدات الآخر المعنوية والمادية. إذا، ماهي الحداثة والتحديث ؟ وكيف تعرف المغرب على الحداثة الأوربية؟ وكيف تعامل معها؟ وماهي النخب المغربية التي حملت مسؤولية التنظير والدعوة إلى الإصلاح والحداثة؟ وماهي مميزات الكتابة الحداثية والإصلاحية بالمغرب مابين القرن التاسع عشر والقرن العشرين؟ وهل استطاع الخطاب الحداثي والإصلاحي المغربي أن يحقق ميدانيا ما كان يدعو إليه على مستوى النظرية والخطاب، وبتعبير آخر: ماهي مفارقات الخطاب الإصلاحي؟ هذه هي الأسئلة التي سنحاول الإجابة عنها بشكل مختصر.
1- مفهوم الحداثة والتحديــــــــث:
ظهرت الحداثة في أوربا مع النهضة الإنسية التي قامت على أكتاف الحضارتين: اليونانية والرومانية مع الاطلاع على الفكر العربي عن طريق الترجمة والاحتكاك بالعرب عبر مجموعة من القنوات كالحروب الصليبية وطرق التجارة والأندلس وبعض مرافئ إيطاليا كصقلية. وقد تجسدت الحداثة الأوربية إثر انطلاق الاكتشافات الجغرافية واكتشاف أمريكا واختراع المطبعة على يد يوهان جوتنبرغ واندلاع الثورتين: الفرنسية والأمريكية وتطور الفلسفة العقلانية وظهور النظرية النسبية مع إنشتين وتطور الرأسمالية الغربية مع تطور الثورة الصناعية والتقنية. كما ظهرت الدولة الحديثة وحقوق الإنسان والطبقة البورجوازية التي ساهمت في تطوير المجتمع الغربي وتحديث وسائل الإنتاج والاستغلال الاقتصادي والطبيعي وانتشار الفكر الليبرالي القائم على الحرية والفردية وخلق الثروة قصد تنمية المجتمع. وقد آلت الحداثة بالغرب إلى نهج سياسة إمبريالية قائمة على الغزو والتوسع في معظم أرجاء العالم قصد نشر الحضارة الغربية الجديدة مقابل استغلال الشعوب الضعيفة واستنزاف ثرواتها لصالح شعوبها المترفة. فقد كان الأوربي في إفريقيا على سبيل المثال يقدم للأفارقة الصليب والإنجيل وكان يأخذ منهم ثرواتهم وأرزاقهم.
وعليه، فالحداثة في الجوهر هي تجديد وإبداع واكتشاف والاستفادة من الماضي مع تجاوزه نحو آفاق مستقبلية رحبة قوامها العمل واستغلال الطبيعة والتحكم فيها واستخدام العقل والفكر البرجماتي. ويمكن الحديث عن حداثة كلاسيكية حتى منتصف القرن العشرين وأسها العقل، وما بعد الحداثة التي ظهرت منذ ستينيات القرن الماضي مع التفكيكية والنقدية الجديدة الألمانية والفلسفة العدمية مع نيتشه لتقويض دعائم العقل الأوربي والدعوة إلى اللاعقل والاختلاف والاهتمام بالذات والإنسان والعاطفة والروح والثورة على التمركز الأوربي. وفي هذا الصدد يقول محمد سبيلا:"الحداثة حركة انفصال، إنها تقطع مع التراث والماضي، ولكن لا لنبذه وإنما لاحتوائه وتلوينه وإدماجه في مخاضها المتجدد. ومن ثمة فهي اتصال وانفصال، استمرار وقطيعة: استمرار تحويلي لمعطيات الماضي وقطيعة استدماجية له. هذا الانفصال والاتصال تمارسه الحداثة حتى على نفسها، فما يسمى بعد الحداثة لايمثل مرحلة تقع خارج الحداثة و"بعدها" إنه أقرب مايكون إلى مراجعة الحداثة لنفسها لنقد بعض أسسها وتلوينها، فإذا ما غلب على دينامية الحداثة منطق الفصل والقطيعة فإن ذلك وسم المراحل الظافرة للحداثة في ذروتها لتعود إلى توسيع وتليين آليتها ابتداء من منتصف القرن العشرين."1
هذا، وتتسم الحداثة بخصائص عدة يمكن إجمالها في مايلي:
1- الإيمان بالعالم الطبيعي بأنه العالم الحقيقي أو على الأقل العالم الذي يجب أن نهتم به؛
2- الإيمان بالإنسان بأنه أهم كائن في هذا الوجود وهو مقياس الأشياء كلها؛
3- الإيمان بالعقل لأن به يتميز الإنسان عن باقي الكائنات الأخرى وهو مصدر الإنسان الذي به حقق تفرده وتفوقه؛
4- الإيمان بالقوى والروابط الإنسانية أساسا لبناء المجتمعات.2
وهناك من يحدد مقومات أخرى للحداثة ويحصرها في:
1- العلمانية-2- العقلانية-3-اعتماد العلم ومناهجه-4- الإيمان بفكرة التقدم-5- الحرية الفردية-6- الديمقراطية الليبرالية-7- احترام حقوق الإنسان.3
وإذا كانت الحداثة تعني التجديد والإبداع وتجاوز التقليد والتخلف، فإن التحديث حسب فتحي التريكي هو" مجموعة العمليات التراكمية، التي توجه المجتمع نحو المزيد من الإنماء والتطور والتقدم، ويكون ذلك اقتصاديا بتعبئة الموارد والثروات، وتطوير قوى الإنتاج، وسياسيا ببلورة دولة المؤسسات، القائمة على تحرير تقاليد الممارسات السياسية من أجل المشاركة في الحياة العامة، واجتماعيا بتأسيس القيم والقوانين والنواميس، وإبعادها عن المواقف العقائدية".4
ولقد انتشرت الحداثة الأوربية شرقا وغربا عبر الاستعمار والاستيطان والتوسع الإمبريالي والمثاقفة والبحث عن الأسواق التجارية والاكتشافات الجغرافية والعلمية. إذا، ماهو السياق التاريخي الذي أفرز الخطاب الإصلاحي إبان عصر النهضة العربية أو منذ منتصف القرن التاسع عشر؟
2- السياق التاريخي الذي أفرز الخطاب الإصلاحي المغربي:
انتهج المولى سليمان منذ بداية القرن التاسع عشر سياسة احترازية من الغرب قائمة على الممانعة والتحصين. وحاول أن ينهج سياسة إصلاحية مخزنية قائمة على تطبيق الأفكار الوهابية قصد محاربة القبائل المعارضة لحكمه السياسي والزوايا المتمردة والطرق الصوفية التي أعلنت رفضها لحكمه الذي قلص من نفوذها الروحاني والمادي والاجتماعي. وقد التقت وهابية الحجاز بوهابية المخزن المغربي من خلال المراسلات التي كانت تتم بين السلطان المولى سليمان وسعود بن عبد العزيز. وتحول" هذا الالتقاء بالمغرب إلى نوع من الإيديولوجية السياسية، سعى المولى سليمان إلى توظيفها في صراع المخزن الأصلي ضد الزوايا التي كان أمرها قد اشتد واستفحل وقتئذ، فلم ينجح( أي المولى سليمان) إلا في إثارة معارضة القوى الدينية ضده. وحتى في صفوف العلماء كان التيار المعادي لأفكاره الإصلاحية هو السائد، وهذا ماعمق عزلته أمام القوى الدينية الأخرى المتمثلة في الزوايا والطرق الصوفية التي اتهمته بالوهابية صراحة خلال تمرد فاس في ستة 1820".5
ولم يتعرف المغرب على الحداثة الأوربية إلا في عهد المولى عبد الرحمن بن هشام بعد هزيمة وادي إيسلي بوجدة سنة 1844م بعد أن كان المغرب يقدم مساعدات عسكرية للأمير عبد القادر الجزائري التي كانت تنطلق مقاومته ضد فرنسا من الغرب الجزائري ومن أراضي المغرب. وقد دفعت روابط الجوار والدين المغاربة لخوض معركة الجهاد ضد المستعمر الفرنسي؛ ولكنهم انهزموا أمام العتاد العسكري الحديث وخبرة الفرنسيين بشؤون الحرب وخطط النزال والمواجهة. وقد دفعت هذه الهزيمة النكراء المغرب ليتنازل عن كثير من مناطقه الترابية لصالح الحكومة الفرنسية الجزائرية في معاهدة للامغنية تفاديا لكل تصعيد عسكري آخر بعد أن قنبلت البوارج الفرنسية المدن المغربية ولاسيما مدينة طنجة. وكانت هزيمة إيسلي سنة 1844م وهزيمة تطوان في 1860م درسا بالنسبة للمغاربة والمخزن الحاكم من أجل إعادة النظر في ذواتهم؛ لأنهم أحسوا بضعفهم وتخلفهم في كل الميادين الدنيوية ومقصرين حتى في النواحي الأخروية، ويقول المؤرخ الناصري في هذا الصدد:" ووقعة تطاوين هذه هي التي أزالت حجاب الهيبة عن بلاد المغرب واستطال النصارى بها وانكسر المسلمون انكسارا لم يعهد لهم مثله وكثرت الحمايات ونشأ عن ذلك ضرر كبير نسال الله تعالى العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة".6 وأمام الانبهار بالقوة العسكرية الغربية، قرر المولى الحسن الأول إدخال إصلاحات عسكرية وجباية ومالية واقتصادية وتربوية قصد الخروج من التخلف وتجاوز التقليد وإصلاح مافسد واختل في بنية الدولة. لذلك أرسلت بعثات تعليمية إلى الخارج قصد الاستفادة من التقدم الغربي على غرار بعثتي: محمد علي في مصر وبعثة اليابان. لكن المغرب لم يستفد من بعثاته سواء العسكرية منها أم العلمية. وقد ساهمت الضغوطات الاقتصادية والعسكرية والديون التي أثقلت كاهل المغرب منذ تولية المولى عبد العزيز الحكم وانشغاله بوسائل الترفيه المستحدثة ومواجهة الفتن الداخلية وخاصة ثورة بوحمارة أو الجيلالي الزرهوني الملقب بالروكي. وقد دفعت مشاكل الاقتراض والثورات الداخلية المغرب للوقوع في شرك الحماية سنة 1912م بعد خروج مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906م بوضع المغرب تحت حماية فرنسا وإسبانيا بينما تبقى طنجة منطقة دولية. ومن ثم، لم تنجح الإصلاحات التي كان يطالب بها الشعب المغربي في عهد المولى عبد الحفيظ بسبب تراكم الديون والأزمات الاقتصادية والاجتماعية وعدم اقتناع المخزن بالتحديث والعصرنة. وعلى الرغم من وجود الفكر التنويري في أواخر القرن التاسع عشر فإن" ضعف السلطان عبد العزيز، جعله لايتجاوب مع مذكرات الإصلاح السياسي، والبناء الدستوري للدولة، مما أدى إلى إبعاده عن الحكم لفائدة أخيه السلطان عبد الحفيظ، الذي تولى الحكم ببيعة مشروطة بإنجاز إصلاحات تحد من الحكم المطلق، وخلق أسس نظام تمثيلي، وحماية السيادة الوطنية والوحدة الترابية؛ ونشطت إثر ذلك حركة المطالبة بالدستور، وتطور الأمر على وضع مشروع دستور سنة 1908م ومطالبة السلطان بإصداره، غير أن هذه المبادرة هي الأخرى لم تؤت أكلها، فتم فرض نظام الحماية على المغرب كغطاء للاستعمار الفرنسي الإسباني المباشر سنة 1912."7
أما التدخل الاستعماري في المغرب فلم يكن يريد حسب منطقه سوى إدخال إصلاحات جذرية على الدولة المغربية دون المساس بسيادته بعد أن أظهر المخزن عجزه عن الإصلاح والتغيير وتسيير دفة الدولة بإحكام وضبط حضاري. لكن هذا الغزو العسكري سوف يلقى مقاومة شرسة من سنة 1912 إلى سنة 1934م. وبعد ذلك ستتخذ المقاومة صيغة سلمية مع ظهر الحركة الوطنية بعد صدور الظهير البربري سنة 1930م. ومرت الحركة الوطنية بمرحلتين أساسيتين: مرحلة المطالبة بالإصلاحات القضائية والإدارية والتربوية ومرحلة المطالبة بالاستقلال إثر خروج فرنسا منتصرة من حربها مع دول المحور. ولكن فرنسا أصرت على سياستها الاستغلالية والاستعمارية مما دفع بالحركة الوطنية للتنسيق مع السلطان قصد طرد قوى الظلم من البلاد. وأمام رفض السلطان الانصياع لأوامر الإقامة العامة، تم نفي محمد الخامس وأسرته إلى كورسيكا ومدغشقر. وقد سبب هذا النفي في اندلاع ثورة عارمة وغاضبة وهي ثورة الشعب والملك منذ سنة 1953م وظهرت الحركات الفدائية وجيش التحرير وكان لهذا أثر إيجابي تمثل في رجوع السلطان إلى وطنه حاملا وثيقة الاستقلال ومعلنا مرحلة البناء والإصلاح والتغيير والجهاد الأكبر.
3- الإصلاح والآخر في الفكر التنويري المغربي:
نعني بالخطاب الإصلاحي الدعوات الإصلاحية والكتابات النظرية والفكرية التي كان ينادي بها المثقفون المغاربة سواء أكانوا من رجال الدين أم من رجال المخزن أم من رجال التجارة منذ مطلع القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين ، أي لمدة قرن كامل مع ملاحظة مهمة وهي أن أغلب النصوص الإصلاحية المغربية التي كتبت على امتداد هذه الفترة أصابها الضياع أو أنها مخطوطة أو مطبوعة بطبعة حجرية أو أنها لم توثق وتحقق وتجمع في أرشيف منظم ومدروس.إنه المتن الغائب كما يرى الأستاذ عثمان أشقرا8.
إذا بدأنا بالقرن التاسع عشر، وجدنا أنه في مطلع هذا القرن انتشر الفكر الوهابي بالمغرب لمواجهة الفرق الضالة من طرقية وزوايا كما قلنا سالفا؛ لكن هذا الإصلاح كان سياسيا وإيديولوجيا لأنه كان موجها ضد القبائل المتمردة ورجال الزوايا الذين ثاروا على السلطان المولى سليمان.ولكن هزيمة إيسلي وتطوان كانت صدمة ويقظة فكرية وذاتية للمغاربة في صراعهم مع الآخر مما سيضطرهم لخوض غمار الإصلاح والتحديث. وسيتمظهر هذا الإصلاح في الكتابات التنويرية لمثقفي القرن التاسع عشر ولاسيما رجال المخزن وأعضاء الدبلوماسية الذين قاموا برحلات حيال الغرب قصد استكشافه؛ مما سيشكل هذا منعطفا أوليا لبداية الإصلاح وكيفية الاستفادة من الغرب وحداثته المادية والمعنوية. ومن أهم الرحلات السفارية المغربية التي عكست صورة المغربي نحو الآخر، نستحضر هذا المتن السفاري على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر:
1- الإكسير في فكاك الأسير لمحمد بن عثمان المكناسي، وهي رحلة إلى إسبانيا استغرقت سنة كاملة(1779- 1780)؛
2- البدر المسافر لهداية المسافر لمحمد بن عثمان المكناسي ، وهي رحلة إلى نابولي ومالطا( 1781- 1780)؛
3- رحلة بن عبد الله الصفار إلى فرنسا( نهاية 1845-1846)؛
4- الرحلة الإبريزية إلى الديار الإنجليزية لمحمد الطاهر الفاسي إلى بريطانيا(صيف1860)؛
5- التحفة السنية للحضرة الحسنية بالمملكة الإسبنيولية لحمد الكردودي، وهي رحلة إلى إسبانيا (1844م)؛
6- إتحاف الأخبار بغرائب الأخبار لإدريس الجعايدي، زار فيها صاحبها كلا من فرنسا وبلجيكا وإيطاليا وإنجلترة (1876)؛
7- رحلة الغسال لحسن الغسال إلى بريطانيا سنة 1902م؛
8- حديقة التعريس في بعض وصف ضخامة باريس لعبد الله الفاسي، وهي رحلة إلى فرنسا(1909م)؛
9- الرحلة الأوربية لمحمد الحجوي، وهي رحلة بروتوكولية وسياحية إلى فرنسا وبريطانيا (1919م)...
ويرى سعيد بنسعيد العلوي9 أن هذه الرحلات السفارية الدبلوماسية والسياحية والبروتوكولية قد عكست أنماطا من صور المثقف المغربي نحو الآخر الأجنبي وهي تجسد التفاوت الحضاري بين المغرب وأوربا من الناحية العلمية والتقنية ومن الناحية الدينية أيضا. كما تشخص هذه الرحلات صدمة الحداثة والرغبة في اليقظة والبحث عن مظاهر الاختلال والفساد في المغرب و البحث عن الحلول الناجعة التي يمكن استرفادها من الغرب المتقدم. وثمة ثلاث صور مغربية تجاه الغرب:
1- لحظة القوة والثقة في النفس( رحلات محمد بن عثمان المكناسي)؛
2- لحظة الهزيمة والاكتشاف(العمراوي والصفار والطاهر الفاسي والكردودي والجعايدي...)؛
3- لحظة الدهشة واستعادة الوعي( الرحلة الأوربية لمحمد الحجوي).
وهكذا، فقد عبرت الرحلات التي قام بها المثقف المخزني أو السفير أو التاجر( الحجوي) عن لحظات الانبهار والتعجب والاندهاش والاستكشاف لما وصل إليه الغرب من تقدم تقني وعلمي وحضاري وما اخترعه من مخترعات جديدة اعتبرها المثقفون المغاربة من صنع الجن والسحر ، بل هناك من كان يحاول الإفتاء في كل مخترع غربي جديد وتأويله دينيا على ضوء الشريعة الإسلامية كالهاتف والمنوغراف والعتاد الحربي " ورغم الحماس الذي أظهرته النخبة المغربية تجاه مسألة تحديث الجيش سواء من حيث تنظيمه، أو من حيث خططه أو من حيث آلياته، فإن الفقهاء لم يتخلوا عن دورهم في تقييم التقنيات والآليات العسكرية الجديدة من زاوية الشرع. إذ نجد مثلا محمد عبد القادر الكردودي، وهومن أكثر المتحمسين لتحديث الجيش وإقامة حرب النظام، يقول في مصنفه كشف الغمة في أن حرب النظام واجبة على هذه الأمة بأن استخدام المدافع ورمي العدو بها جائز شرعا، بالرغم من أنه بدعة محدثة لم يكن معمولا بها في عهد النبي (ص)، لأن الرمي بها يدخل في إطار الرمي بالسهام، وكأن استعمال المدفع كان في حاجة إلى فتوى شرعية تبيح استعماله".10
وهكذا، تعرض المثقف المغربي لازدواجية الممانعة والانجذاب كما تعرض في اتصاله" بالحضارة الأوربية في أواسط القرن التاسع عشر لعملية انجذاب مذهل. تأرجح فيه بين الانبهار المثير وبين الارتباط بمرجعيته المؤسسة. وأكثر المظاهر استفزازا لوعيه ولحساسيته، بله لثقافته، تمثلت في الآليات والتقنيات والاختراعات التي اعتبرها البعض منهم وكأنها تجل لقوى سحرية، دون أن يعني ذلك إغفال الحاجة إلى معرفة الشروط التي أوصلت أوربا إلى هذا المستوى من الإبداع والتقدم. ففضلا عن النظافة ، والترتيب، والاحتفال بالتجارة، والاحتيال بالمعرفة في ممارستها، فإن المثقف المخزني المغربي يقر بأن كبير الأسباب في الكشف عن القوة والمنعة، وهو العلم".11
كما نستحضر في تلك الفترة المذكرات الموجهة من قبل المثقفين إلى سلاطينهم ينصحونهم بالأخذ بسياسة الإصلاح لتجاوز الانحطاط والتخلف بمجاراة أسباب التقدم عند الغرب كمذكرات الحاج علي زنيبر التي أرسلها إلى السلطان عبد العزيز، " ومنها المذكرة التي تحمل عنوان(حفظ الاستقلال ولفظ الاحتلال)، ويقدم ضمنها لائحة الإصلاحات لضمان حسن تسيير شؤون الدولة، وحماية استقلال البلاد.
ومن المحاولات الإصلاحية كذلك المذكرة التي أورد نصها زعيم التحرير علال الفاسي في بحثه( حفريات عن الحركة الدستورية في المغرب قبل الحماية)، وهي لكاتب مجهول، وبعد نشرها تضاربت الآراء حول صاحبها، الذي وجهها للسلطان عبد العزيز، قصد تنبيهه لخطورة ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر الجزيرة الخضراء المنعقد سنة 1906، وتحذيره من العواقب الوخيمة التي قد تنجم عن التدخل الأجنبي، ولتلافي ذلك تقترح المذكرة إشراك الشعب في اتخاذ القرارات، ومواجهة الأطماع الأجنبية، وتتضمن مشروع دستور لتنظيم شؤون الدولة، وإحداث مجلس للأمة على غرار ماكان موجودا ببعض دول أوربا الغربية. غير أن ضعف السلطان عبد العزيز، جعله لايتجاوب مع مذكرات الإصلاح السياسي، والبناء الدستوري للدولة".12
ومع بدايات القرن العشرين، ستظهر الحركة الوطنية في إطارها السلفي ( محمد بن بلعربي العلوي، أبو شعيب الدكالي، علال الفاسي، عبد الله كنون، المكي الناصري...) مطالبة في البداية بإصلاحات قضائية وتربوية وإدارية. وبعد الحرب العالمية الثانية، ستطالب الحركة الوطنية بالاستقلال ونهاية عهد الحجر وتأسيس أحزاب سياسية كحزب الاستقلال مع علال الفاسي وحزب الشورى والاستقلال مع الحسن الوزاني.
ولم تظهر الحركة السلفية التي كانت تدعو إلى الرجوع إلى ينابيع الإسلام الصافية كالقرآن والسنة وتطبيق أعمال الصحابة والتابعين وتابعي التابعين إلا بعد صدور الظهير البربري سنة 1930م. ولقد تأثرت الحركة السلفية المغربية بالسلفية الشرقية التي كان يتزعمها كل من محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ورشيد رضا و عبد الرحمن الكواكبي. ولهذه السلفية جذور في الفكر العربي الوسيط مع ابن تيمية وابن حنبل وابن القيم الجوزية. وكانت مهمة السلفية المغربية هي التوفيق بين الأصالة والمعاصرة ومحاربة المستعمر الأجنبي والسعي نحو الإصلاحات الدينية والتربوية( إصلاح جامع القرويين) والاجتماعية والإدارية... ويمكن الحديث عن جيلين من المصلحين السلفيين المغاربة:
أ- جيل الرواد الأساتذة:أبو شعيب الدكالي ومحمد بلعربي العلوي ومحمد بلحسن الحجوي ومحمد المدني الحسني ومحمد بن عبد السلام السائح وأبو عبد الله السليماني وأحمد بن محمد الصبيحي وعبد السلام بنونة.
ب- جيل التابعين أو التلامذة:علال الفاسي و ومحمد بن الحسن الوزاني والمكي الناصري ومحمد اليمني الناصري والمختارالسوسي وعبد الخالق الطريس وعمر بن عبد الجليل وسعيد حجي وعبد الله كنون ومحمد القري ومحمد داود ومحمد غازي.
وإذا درسنا المحددات السوسيولوجية والثقافية لهؤلاء السلفيين، فباستثناء أبي شعيب الدكالي ومحمد بلعربي العلوي والمختار السوسي ومحمد القري، فكل عناصر جماعة المصلحين(روادا وتابعين) ينتمون إلى أوساط حضرية ومدن عتيقة كبرى كالرباط وفاس وسلا ومكناس...وأوساطهم العائلية عموما هي: أوساط أرستقراطية وتجار كبار وبيوت الشرف والعلم وموظفون مخزنيون... وباستثناء أبي عبد الله السليماني الذي كان تاجرا، فكل أفراد الرواد يتولون وظائف رسمية في جهاز الدولة.
ويلاحظ ثقافيا، أنهم تجمعهم وحدة الإطار المرجعي العام. كما أن المصدر الثقافي عندهم مصدر مزدوج يتمثل في التعليم التقليدي والتعليم العصري فضلا عن تأثرهم بالسلفية المشرقية. ومن ثم، فليس هناك تمايزات إيديولوجية وفكرية واضحة بين دعاة هذه الإصلاحية المغربية على الرغم من بعض المكاتبات السياسية ذات الطابع الشخصي.
وعليه، يمكن تحديد تيارات ثلاثة فكرية في الإصلاحية المغربية:
1- دعاة الإصلاح ذو المنحى المخزني( يمثل هذه الدعوة أبو شعيب الدكالي)؛
2- دعاة الإصلاح ذو المنحى البورجوازي( يمثل هذه الدعوة محمد بلحسن الحجوي)؛
3- دعاة الإصلاح ذو المنحى القومي/ الوطني( يمثل هذه الدعوة علال الفاسي).13
ويقسم عثمان اشقرا الفكر السلفي إلى اتجاهين:
أ- السلفية التراثية.
ب- السلفية الجديدة التي تنقسم بدورها إلى قسمين:
1- السلفية الجديدة ذات المنحى التحديثي ويمثلها: أحمد بن خالد الناصري( 1835-1897)، وأحمد بن عبد الواحد المواز(1922)، ومحمد بن الحسن الحجوي(1956) كما في كتابه" الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي ومحاضرته القيمة بعنوان" النظام في الإسلام" .
2- السلفية الجديدة ذات المنحى الوطني: ويمثلها محمد بن عبد الكريم الخطابي وعلال الفاسي.14
ويعتبر أغلب الدارسين للفكر السلفي أنه فكر تجديدي إصلاحي ( علال الفاسي، محمد الكتاني، راشد الغنوشي ، محمد عزيز الحبابي...) حيث استهدف تغيير المجتمع على كل الأصعدة والمستويات، والدليل على المنحى الإيجابي في هذا الفكر الإصلاحي السلفي هو محاربة الاستعمار وتنوير المجتمع وتوعيته دينيا وتربويا وثقافيا وسياسيا عن طريق إصدار الجرائد والمجلات وبناء المدارس العصرية وتأسيس أحزاب سياسية لتأطير الشعب . يقول أستاذي الدكتور محمد الكتاني:" انبعثت السلفية في العصر الحديث لمواجهة الضلالات والغزو الأوربي، وإنقاذ المسلمين مما تفشى فيهم من البدع والخرافات، فكانت رسالة السلفية الحديثة هي الإصلاح والتغيير كما يتضح ذلك من الوهابية والسنوسية وأعمال الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وعبد الحميد بن باديس وعلال الفاسي وعدد لايمكن حصره من رجال الإصلاح الذين لم يفرقوا بين البعث الإسلامي والتعبئة السياسية لمقاومة الاحتلال الأجنبي والغزو الفكري."15 بيد أن هناك من اعتبره فكرا رجعيا متخلفا إيديولوجيا محافظا يرتبط بالماضي والمقدس والمؤسسة التقليدية كما يرى عبد القادر الشاوي16 :" إنها بكلام آخر تجليات المركزية الإسلامية في الإيديولوجية البورجوازية لأن الموقف السلفي تفسير إيديولوجي للدين الإسلامي الذي كانت له سطوته على المغاربة"، و عبد الإله بلقزيز الذي يقول:" ازدهرت دعوة الإصلاح في الثقافة العربية المعاصرة في امتداد محاولة المقالة السلفية ترميم الصرح الإسلامي الأصيل الذي أصابت منظومته صدوع وشروخ نتيجة عمل بنيات الانحطاط المتكلسة، كما في أعقاب الاصطدام الهائل بالمنظومة الثقافية والاجتماعية الحديثة الوافدة مع الأجنبي. لم تكن قضية السلفية سوى تحقيق الماضي في المستقبل، على اعتبار أن المستقبل الأمثل ليس إلا ذلك النفي الحازم للحاضر في صورة استعادة لماض انزوى في زاوية النسيان. وهي لم تفعل- بذلك- سوى أنها أغلقت التاريخ على المقدس وحقيقته الأصل المطلقة، وجعلت معنى التغيير يتطابق ومعنى المحافظة على النظام"17.
وإذا انتقلنا إلى النخب المثقفة في المغرب يمكن الحديث عن تصنيفات عدة، منها تصنيف عبد الله العروي الذي وضع نمذجة إيديولوجية لصورة المثقف العربي والمغربي في نظرته إلى الغرب الحداثي تتمثل صورها في:
1- الشيخ السلفي الذي يرى الحل في الخطاب الديني واسترجاع الماضي باعتباره حلا للخروج من الانحطاط ويمثله في الشرق محمد عبده وفي المغرب علال الفاسي؛
2- الرجل الليبرالي الذي يركز على الخطاب السياسي ويستطلع التنظيم السياسي الغربي،ويمثله في الشرق : لطفي السيد وطه حسين؛وفي المغرب- حسب رأيي- محمد بن الحسن الحجوي الذي اهتم كثيرا بالتنظيم السياسي والاقتصادي عند الغرب ولاسيما في ميدان التجارة؛
3- رجل التقنية الذي لا يرى في الغرب إلا مصدرا للتطور العلمي والتقني، ويمثله في الشرق: سلامة موسى.
وإن هذه الوجوه الثلاثة ( وجه الشيخ، وجه الليبرالي، وداعية التقنية) معروفة أيضا في المغرب " وتهيمن... على المأساة التي نمثلها نحن على أنفسنا- يقول العروي- لقد تغيرت المواقع بعض الشيء، والأصوات قد بهتت، إلا أن الثلاثي يرسم في سحنتها الثقافية نفس الصور التي رأيناها في أماكن أخرى. وهي هنا في المغرب تظهر معا في آن واحد، ففي حين أنها كانت في مصر تتعاقب بصورة أكثر وضوحا وتحددا... ومع ذلك، فإن التمييز بين حالات الوعي الثلاثة هو دائما ضروري، هذا إذا كان يراد الحصول على وسيلة للفهم والعمل. سبق أن قلنا إن الشرق قد جعل من نفسه خبير حفريات ونبش آثار لكي يفهم ذاته ويفهم العرب، فلنقل عن المغرب إنه باحث مضاعف في حفريات الماضي القريب والبعيد...". 18
ويرى عبد الإله بلقزيز أن الفكر العربي - وهذا يمكن أن ينطبق على الفكر المغربي كذلك- بلور ثلاثة مفاهيم أساسية: مفهوم الإصلاح مع المقالة السلفية ( الحركة السلفية)، ومفهوم الثورة مع المقالة الماركسية( صعود التيار القومي العربي وانتشار الفكر الناصري)، ومفهوم إعادة البناء مع هزيمة حزيران 1967م.ومن ثم، هناك أسئلة مهمة طرحها الفكر العربي المعاصر، وهي:
1-إشكالية التحرر الوطني من الاحتلال الأجنبي أو من الاستبداد التركي مع الخطاب السلفي منذ منتصف القرن التاسع عشر؛
2- إشكالية التنمية أو الوحدة العربية مع المقالة الماركسية إبان الخمسينيات والستينيات؛
3-إشكالية التراث وإشكالية الديمقراطية مع مرحلة إعادة البناء بعد هزيمة 1967.19
وقد ناقش المفكرون العرب قضية الديمقراطية والدولة الوطنية والنظام السياسي الحديث منذ القرن التاسع عشر، وهنا يمكن تحديد تصورات مختلفة حول الدولة: التصور الأول هو تصور الخطاب السلفي الذي كان يدعو إلى الدولة الوطنية وذلك بطرد الاستعمار الأجنبي وإرساء الديمقراطية أو الشورى ومحاربة الاستبداد من خلال توفير الحريات الخاصة والعامة كما نجد ذلك عند علال الفاسي وعبد الرحمن الكواكبي على عكس رشيد رضا الذي دافع عن دولة الخلافة أو الإمامة، بينما الماركسيون كانوا يدافعون عن الدولة الطبقة وبالتالي، يجوز لنا الحديث عن أنواع من الدول في الفكر العربي المعاصر، وهي: الدولة القومية الموحدة مع الخطاب القومي( الدولة والأمة أو الوحدة القومية في مواجهة التجزئة)، والدولة الاشتراكية مع الخطاب الماركسي( الدولة- الطبقة أو الاشتراكية في مواجهة الاستغلال)، والدولة الإسلامية مع الخطاب الإسلامي( الدولة والملة أو الدولة الإسلامية في مقابل الدولة العلمانية).20
وإذا تأملنا الفكر العربي الحديث و المعاصر سواء بالمغرب أم في العالم العربي فإننا نجده قد تناول عدة إشكاليات وأسئلة، يمكن إجمالها في المفاهيم التالية: الإصلاح والحداثة، العقلانية، التراث والهوية، العلمانية، الديمقراطية والدولة، العنف والتطرف.
1- مفارقات الفكر الإصلاحي المغربي والعربي:
من الملاحظ أن الفكر الإصلاحي بالمغرب بقي في حدود التنظير والشعارات ولم يحقق حداثة ميدانية ملموسة ، بل بقي فكرا مستلبا تابعا للفكر الغربي ولم يستطع مجاراة حداثته التي قطعت مراحل عديدة مما يجعل الفكر الإصلاحي دائما متخلفا وبطيئا غير قادر على المواكبة والمسايرة الفعلية والتطبيقية والمنهجية. ولا ننسى كذلك أن معظم الخطابات الفكرية والاجتهادات التي وجهت إلى أصحاب القرار والمسؤولين لم تجد عندهم استجابة صادقة وصريحة . وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن المغرب لم يكن يرغب في التغيير وغير قابل للتحديث وإنما كان همه هو الحفاظ على الأوضاع من زاوية أمنية وإيديولوجية تستند إلى الخطاب الديني وتراعيه على حسابات الخطابات الأخرى كالخطاب اللبيرالي والخطاب الماركسي.
.يلاحظ - إذا- أن هناك قطيعة بين النخبة العالمة والسلطة، وبينها وبين الشعب؛ لأن الميل السائد كان نحو التقليد والمحافظة وتحريم المستجدات العصرية وتكريس التخلف والإيمان بالتفكير الخرافي والأسطوري والعمل على نشر الجهل وتكريس الأمية. ولقد ذكر عبد الإله بلقزيز مجموعة من المفارقات التي يتسم بها الفكر العربي وهي تنطبق كذلك على الفكر المغربي بمختلف توجهاته وتياراته:
1- إن الإصلاحية المغربية والعربية- الحديثة والمعاصرة- اكتفت بالتبشير بمبادئ النهضة دون أن تقدم منظومة فكرية حقيقية حولها وحول سبل تحقيقها.
2- مازال الفكر المغربي والعربي الحديث والمعاصر يجتر نفس الأسئلة التي طرحت في منتصف القرن التاسع عشر، وهي أسئلة النهضة من هوية وديمقراطية وحداثة....
3- تحول الفكر الإصلاحي المغربي والعربي من مشاريع فكرية إلى أحزاب سياسية كتحول محمد بن العربي العلوي وعلال الفاسي من السلفية إلى حزب الاستقلال، وينطبق هذا على الحسن الوزاني الذي كان سلفيا فانتقل إلى حزب الشورى والاستقلال. وهذا يبين لنا مدى ارتباط الحزب في نشأته بالخلايا الدينية والتجمعات الطرقية والزوايا كما يشير إلى ذلك ريزيت21 ومحمد ظريف22 وعبد الله العروي23 وحسن قرنفل24. وفي المشرق العربي، تحول الخطاب السلفي( محمد عبده ورشيد رضا...) إلى حركة "الإخوان المسلمين"؛
4- عزوف الإصلاحية المغربية والعربية عن طرق الميدان الرئيس لكل إصلاح وهو: الميدان الاقتصادي ا لذي اهتمت به كثيرا المقالة الماركسية التي كانت تبشر بالدولة الاشتراكية؛
5- تأرجح الفكر المغربي والعربي على السواء بين المرجعية الإسلامية والمرجعية الغربية والتردد بينهما دون استصدار قرار حاسم لتحديد الاختيارات المناسبة للترقي والنهوض وتحقيق الحداثة؛
6- إن انكسار الفكر المغربي والعربي وتصدعه المفارق هو نتيجة للاستبداد وانعدام الديمقراطية والتحرر الفكري وعبثية السلطة في تعاملها مع نتاج الفكر الثقافي ولاسيما الإصلاحي منه.25
الخاتمــــــــــــة:
لقد ظل الفكر الإصلاحي المغربي أسير الحداثة الغربية والمرجعية السلفية محاولا التوفيق بينهما تارة والتلفيق بينهما تارة أخرى؛ مما أوقعه ذلك في النكوص والمثالية والإيديولوجية والانفصام المزدوج بين الذات والواقع، وبين الذات والسلطة، ولاسيما أن المخزن المغربي يأبى الاستجابة للمتغيرات الحضارية والانصياع وراء الحداثة وحقوق الإنسان. وقد سبب هذا شرخا وهوة فاصلة بين النخبة العالمة التي تعيش في واد وترتل هذيانها الفكري والإصلاحي وتنشد مجتمعا ديمقراطيا عادلا، وسلطة تقبع في مناصبها السامية وهيبتها العالية و تعيش في واد آخر، ولاتهمها سوى المحافظة على وجودها وامتيازاتها المادية والرمزية ولو عن طريق تجهيل الشعب وتكريس التخلف ونشر الأمية ومحاربة الحداثة والتحصين ضد الانفتاح. كما أن التنظير وصياغة الشعارات الفكرية الاجتهادية لدى الإصلاحية المغربية والعربية أيضا تحولت فيما بعد إلى أفكار حزبية قوامها الإيديولوجية والبحث الجاد عن السلطة والحكم وخيانة مبادئها التي كانت تدافع عنها وتدعو الناس إلى اعتناقها والالتزام بها.
1- الهوامش:
1 - د. محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي: الحداثة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1،ص5؛
2 - د. قسطنطين زريق: ( خصائص الحداثة)، الحداثة، ترجمة: محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، دارتوبقال للنشر بالدار البيضاء، ط1، 1996م،ص:10؛
3 - د. عبد القادر العلمي: في الثقافة السياسية الجديدة، منشورات الزمن، المغرب، ط1، 2005، ص:110-116؛
4 - د. فتحي التريكي: الحداثة وما بعد الحداثة ، دمشق، سوريا،دار الفكر، ط1، 2003،ص:214؛
5 - د.عثمان أشقرا: المتن الغائب، سلسلة شراع، طنجة، ط1 ، 1989، ص:15-16؛
6 - الناصري: الاستقصا، الجزء 9،ط 1956م، ص: 101؛
7 - د.عبد القادر العلمي: في الثقافة السياسية الجديدة، ص:130؛
8 - انظرد. عثمان أشقرا: المتن الغائب، ص:8-9؛
9 - د. سعيد بنسعيد العلوي: أوربا في مرآة الرحلة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، ط1، 1995؛
10 - د. محمد سبيلا: المغرب في الحداثة، منشورات الزمن،ط1،1999،ص:12؛
11 - د. نور الدين أفاية: أسئلة النهضة في المغرب، منشورات الزمن،ط1، 2000،ص:62؛
12 - د. عبد القادر العلمي: في الثقافة السياسية الجديدة، ص:130؛
13 - انظر: د. عثمان أشقرا: في سوسيولوجيا الفكر المغربي الحديث، منشورات عيون المقالات، الدار البيضاء،
14 - د.عثمان أشقرا: في الفكر الوطني المغربي، المعرفة للجميع، العدد 17، 2000،صص:69-85؛
15 - د. محمد الكتاني: ( السلفية إشكالية المفهوم والممارسة)، ندوة الحركة السلفية في المغرب العربي، مطبوعات جمعية المحيط الثقافية، أصيلة، المغرب، ط1، 1989، ص:86؛
16 - عبد القادر الشاوي: السلفية والوطنية، بيروت، لبنان، ط1، 1986، ص:120
17 - عبد الإله بلقزيز: أسئلة الفكر العربي المعاصر، المعرفة للجميع، ط1، 2001، ص: 14-15؛
18 - د. عبد الله العروي: الإيديولوجية العربية المعاصرة، دار الحقيقة ، بيروت، 1979، صص:51-57؛
19 - د.عبد الإله بلقزيز: أسئلة الفكر العربي المعاصر، صص:13-52؛
20 - نفسه، صص:157-175؛
21 - ر.ريزيت: الأحزاب السياسية في المغرب، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي،ط1، 1992،ص:34-39؛
22 - د. محمد ظريف:الأحزاب السياسية المغربية، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، ط1، 1993، ص:25؛
23 -A. Laroui : Les Origines Sociales et Culturelles du Nationalisme Marocain.F. Maspéro.Paris/1977.P :145 ;
24 - د. حسن قرنفل: المجتمع المدني والنخبة السياسية، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ط1، 1997، ص:182-183؛
25 - عبد الإله بلقزيز: نفسه،صص:45-52.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حورية الظل
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 15
الفضاء الروائـي في الخطاب النقـدي العربـي
حورية الظل*
لقد عمل النقد العربي على المواكبة المستمرة للإنتاج الروائي العربي وتطوره، وقد تم ذلك من خلال مقالات ثم نشرها في المجلات؛ أو من خلال مؤلفات فردية أو جماعية، أو عبر االأطروحات الجامعية.
وقد حاولت هذه الدراسات النقدية المساهمة في تخصيب الوعي النقدي عن طريق متابعة مسار الرواية العربية وإبراز مظاهر خصوبتها ووجوه تميزها مقارنة مع الرواية التقليدية، مستفيدة من النقد الغربي.
وقبل الحديث عن حضور الفضاء الروائي في النقد العربي، لابد من التطرق إلى هذا النقد في علاقته بالرواية العربية بصفة عامة، وهو يظل متهما من قبل بعض الدارسين ومن هؤلاء سعيد يقطين الذي يرى بأن النقد العربي يهيمن على الرواية ويفرض عليها مقولاته، ويجعلها ذريعة للحديث عن إيديولوجيته، وبالنتيجة فهو: "نقد متعالم، ويمتلك سلطة هي سلطة الإيديولوجيا، ورغم كون الخطاب النقدي أساسا، بعديا، فإن النقد الروائي، ليفرض ذاته/إيديولوجيته، كأن يكون قبليا: يؤشر للرواية كيف ينبغي أن تكون، وينبغي "توجيهها" التوجيه الذي يريد" . وهذا جعل النقد الروائي العربي عاجزا عن تقديم إضافات ملموسة لنظرية الرواية. وبالإضافة إلى ما سبق تتهم الحركة النقدية العربية بالبطء، حيث نجدها متخلفة عن مسايرة الإبداع الروائي
ومتأخرة في استيراد النظريات الغربية.
والرواية لم تخضع للتدرج المرحلي كما هو الأمر في الرواية الغربية وللتحولات عبر تاريخها، ليظل تاريخ الرواية العربية حسب حسن المنيعي: "تاريخ نصوص إذا ما أخذنا بعين الاعتبار تباعد الروائيين فيما بينهم... إضافة إلى ذلك، نجد النقد المواكب يتعامل مع هذه النصوص إما بمقولات سياسية أو انطلاقا من مناهج نقدية مستوردة يختلف تطبيقها من ناقد إلى آخر" . وهذا يؤكد ضعف النقد العربي، لكن تقع بعض الفلتات ونواجه بتنظيرات جادة لكن ناذرة الوقوع، ومنها تنظيرات الخراط للحساسية الجديدة، حيث يصنف الرواية إلى حساسيتين، تقليدية وجديدة، وتتوزع الجديدة إلى خمس تيارات:
1 ـ تيار التشييء.
2 ـ التيار الداخلي العضوي.
3 ـ تيار استيحاء التراث.
4 ـ التيار الواقعي السحري.
5 ـ التيار الواقعي الجديد.
وقد تمردت هذه التيارات على الحساسية التقليدية بكل تقنياتها، كالسرد الطولي والوصف البطيء يعتبر استراحة في الحكي والتسلسل المنطقي للزمن، وكتابة هؤلاء تعبر من خلال تحررها من ا لأشكال التقليدية عن ثورتها على السلطة المكرسة وإيجاد بدائل للواقع.
ومما لاشك فيه أن تطوير تناول الفضاء في الرواية العربية الجديدة، جاء نتيجة الاطلاع على الثقافة الغربية بصفة عامة والرواية الفرنسية الجديدة بصفة خاصة، وكذلك نتيجة الاطلاع على التراث الشيء الذي منح الرواية قيمتها وأبعدها عن المحاكاة.
إن تطور تقنيات الفضاء الروائي أضفت على النص جماليته وخصوصيته، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تمثل الروائيين العرب لشعرية الرواية الغربية مع محاولتهم التماشي مع الواقع الذي ينبت رواياتهم.
وقد لاحظنا ضعف اهتمام النقد العربي بالفضاء الروائي، لكون الرواية نفسها لم تكن تهتم بهذا المكون الحكائي وتعتبره مجرد إطار خارجي، لكن نتيجة التفاعلات الثقافية والتاريخية تمكن الفضاء من ترسيخ علاقته ضمن الخطاب بالمكونات الروائية الأخرى. وقد منحت له قيمة قصوى نتيجة المثاقفة كما استمد بعض مقوماته من التراث العربي، وكذلك نتيجة تغير آليات اشتغال الرواية وتجديدها، وهو أمر فرضته التحولات التي عرفها العالم العربي، وكذا الاطلاع على الثقافة الأجنبية.
ونظرا لكون الرواية أضحت تهتم بالشكل أكثر من اهتمامها بالمضمون، وكون هذا الشكل أصبح هو الموصل إلى المضمون وليس العكس، فإن تناول الأعمال الروائية أصبح يبتعد عن دراسة سوسيولوجية المضمون ويهتم بما يؤسسه النص الروائي من بنيات فنية وخصائص جمالية يتم الوصول إليها عن طريق البناء الفني الذي يؤسسه الروائي.
ويعتبر اهتمام النقد العربي بالفضاء الروائي ضرورة حتمية فرضتها الرواية العربية الجديدة التي أصبحت تهتم بهذا المكون الروائي، لكن المفارقة أن اهتمام الرواية بالفضاء شكل طفرة نوعية مقابل النقد الذي ظل يقارب هذا المكون باستحياء يؤدي بالنقاد في بعض الأحيان إلى الخلط في المفاهيم والتعتيم في الرؤى، لكن رغم ذلك لا يمكن إنكار مجهودات بعض هؤلاء النقاد في إضاءة جوانب الفضاء الروائي، لأن لولاها لظل معتما.
وسنقدم فيما يلي قراءة سريعة لبعض هذه الدراسات النقدية محاولين إبراز مدى تمثل النقاد العرب لمقولة الفضاء الروائي أو بقائهم دون ذلك؟
1 ـ ياسيـن النصــيــــــر:
يعتبر العمل الذي أنجزه الباحث العراقي ياسين النصير مساءلة مبكرة للمكان الروائي، فتبدو نتيجة ذلك بساطة تناوله لهذا المكون الحكائي، الذي يترجم جدة الموضوع على الساحة النقدية من جهة، وكذلك عدم اطلاعه على ما أنجزته الشعرية الغربية في هذا الموضوع، فبدا عدم امتلاكه للآليات المنهجية واضحا، لذلك بدت مقاربته بسيطة وسطحية لموضوع غاية في العمق والصعوبة والالتباس.
وهو لم يعتمد منهجا معينا لذلك يمكن اعتبار ما جاء في دراسته اجتهادا شخصيا لحداثة تناول طيمة المكان في النقد العربي ويؤكد ذلك بقوله: "أنا أبحث بأضافري الخاصة طريقا لم أجد أية علامة دالة عليه" .
ويعرف المكان في الرواية من خلال قوله: "المكان دون سواه يثير إحساسا بالمواطنة، وإحساسا آخر بالزمن وبالمحلية، حتى لتحسبه الكيان الذي لا يحدث شيء بدونه، فقد حمله بعض الروائيين تاريخ بلادهم، ومطامح شخوصهم، فكان وكان، واقعا ورمزا، تاريخا قديما وآخر معاصرا، شرائح وقطاعات مدنا وقرى حقيقية، وأخرى مبنية في الخيال، كيانا تتلمسه وتراه، وكونا مهجورا أغرقته سديمات لا نهاية لها" .
ويهدف الباحث إلى إبراز قيم المكان الفكرية والجمالية في الرواية، لكنه في تحليله لم يوفق إلى ذلك، ويعود الأمر إلى طبيعة الروايات العراقية المدروسة، التي تعود إلى فترة الستينات، كما أن طبيعة المرحلة جعلته ينتصر لعلاقة التاريخ بالمكان، ويتهم الكتاب العراقيين بعدم التغلغل إلى جوهر العلاقة بينهما.
ونجده يقارن بين المكان في الواقع والمكان في الفن، بقوله: "يبقى المكان في العمل الفني جزءا من البناء الروائي، أما المكان على الأرض فهو جزء من كيان آخر، العلاقة بين الاثنين لا تعكسها الكلمات ولا المسميات بل تعكسها تلك اللغة المشتركة، وذلك الإحساس الدفين" ، فهو يركز على روح المكان ودلالته وليس على المكان في حد ذاته.
وقد قسم تحليله للروايات العراقية إلى ثلاثة فصول، لكن ظل هذا التحليل غير مبني على منهجية خاصة، وإنما يمكننا تسميته نقدا انطباعيا ويؤكد ذلك بقوله: "ولكني كما يبدو لي كنت أحرث أرضا بكرا، فليس تحت يدي في موضوعة المكان وفن الرواية إلا مادة الروايات ذاتها" .
لكن يبدو أنه بدل مجهودا كبيرا في تناوله للمكان في الرواية حيث نجده في الفصل الأول قد تناول المكان "المفترض" أو "المتخيل" وقارن بينه وبين المكان ذي المرجعية الواقعية: "خصائص الأول من أنه يبني تكويناته من الحياة الاجتماعية وتستطيع أن تؤثر عليه بما يماثله اجتماعيا وواقعيا أحيانا، أما خصائص الثاني، فهو ابن المخيلة والبحث" وما يحسب له في مقارنته بين المكان ذي المرجعية الواقعية والمتخيل كونه انتبه إلى عدم وجود حدود فاصلة بينهما في العمل الروائي، لأن كلاهما يتواجدان من خلال اللغة.
وهو يؤاخذ الروائيين الذين تناول رواياتهم بالتحليل على بساطة تمثلهم الفكري والجمالي للمكان لأن: "في عموم الرواية لا تعثر على تحديدات معينة للمكان، أي مكان" أما اللغة فيرى بأنها انطباعية ووصفية وعامة ولا روح فيها.
أما في الفصل الثاني، فيتناول بالدراسة الفضاء المغلق الذي يتلخص في السجن أو ما شابهه، ويشير إلى ارتباط الزمان بالمكان، زمان القمع الذي فرض هذا النوع من التناول للمكان.
أما في الفصل الثالث، فقد تناول المكان الأحادي البعد، وهو ذلك: "المكان الذي لم يهتم القاص به اهتماما كليا، فجاء بمثابة الغطاء الخارجي للأحداث" ، إنها إشارة إلى المكان في الروايات المدروسة، حيث نجد التحديد المطلق للمكان، لذلك لا يتسم بأية خصوصية.
ومن ثمة؛ فإن طبيعة المرحلة التي كتبت فيها الروايات فرضت أمكنة خاصة، وقد أشار الباحث إلى ذلك، وإن ظلت مقاربته تتصف ببعض الضعف والسطحية، لكنها كانت رائدة في مجالها ومن المقاربات الأولى للمكان الروائي في النقد العربي.
2 ـ سيـزا قـاســم:
أما النموذج الثاني من الدراسات النقدية التي تناولت المكان في الرواية فيتعلق بما أنجزته سيزا قاسم ضمن كتابها "بناء الرواية" ويتسم الكتاب: "بالوضوح النظري النسبي" حسب حميد لحميداني.
وقد اتبعت الباحثة المنهج البنيوي في التحليل، ودرست المتن دراسة مقارنة وقد أشارت إلى ذلك في عنوان الدراسة: (بناء الرواية، دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ) ولا نجد عندها خلطا بين ما هو نظري وما هو تطبيقي حيث استندت على المنهج البنيوي في تناولها للنقد التطبيقي المقارن: "يجمع بحثنا بين التحليل البنائي والنقد المقارن" .
ويفرض عليها المنهج، الاهتمام ببنية المحكى الروائي وليس المضامين، أي تركز على البنية، وتؤكد على ذلك بقولها: "الذي يهمنا هو التقنيات والأساليب والأبنية حيث أن الذي نناقشه هو ظهور شكل أدبي جديد، لا انتشار أفكار جديدة في نواحي الحياة المختلفة" ، وهذا يبعد الدراسة عما هو إيديولوجي ونفسي.
وقد قسمت الدراسة إلى ثلاثة فصول هي كالتالي:
1 ـ بناء الزمان الروائي.
2 ـ المكان الروائي.
3 ـ بناء المنظور الروائي.
وبما أن موضوعنا هو الفضاء الروائي؛ فإننا سنركز على مقاربتها للمكان، فهل استطاعت تطبيق المنهج البنيوي في تحليلها للمكان أم ظلت دون ذلك؟
إن المتن الذي تناولته بالتحليل هو ثلاثية نجيب محفوظ (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية)، ونلاحظ أنها في تناولها للمكان قرنت التحليل بالتنظير .
وقد غطى اهتمامها البالغ بالنظرية على تحليل النص تحليلا شموليا، كما أنها أصدرت أحكاما عامة على المتن كله انطلاقا مما هو جزئي، كالحكم الذي أصدرته بعد تطبيق شجرة الوصف عند Ricardouعلى فراش أمينة ومكتب السيد، ومقارنتها بتطبيق شجرة الوصف على قبعة Flaubert، فوصلت إلى نتيجة مفادها أن: "الوصف عند نجيب محفوظ هيكلي حيث أنه يكتفي بتسمية الأشياء دون تجزئتها إلى مقوماتها وسماتها، وتذكر الأشياء في أغلب الأحيان دون أن توصف أو يكون الوصف عاما في غير تفصيل" ، فيؤكد ذلك عدم الخضوع لتغير مستويات الوصف في النص الروائي.وهي تقارن بين الوصف عند محفوظ والوصف عند Balzacبقولها: "يأتي طول المقاطع الوصفية البلزاكية من الوقوف عند التفاصيل الدقيقة، أما محفوظ فيكتفي بالخطوط العريضة والملامح العامة للمكان" ، ويظل فهمها متقدما للمكان الروائي، لأنها استطاعت أن تتناوله بعمق نسبي رغم جدة الموضوع على الساحة النقدية.
وقد قسمت الفصل الخاص بالمكان إلى سبعة أقسام وهي كالتالي:
1 ـ أهمية المكان في البناء الروائي.
2 ـ وصف المكان.
أ ـ طبيعة الوصف.
ب ـ وظيفة الوصف.
ج ـ علاقة الوصف والسرد.
د ـ تقنية الوصف عند محفوظ في الثلاثية
هـ ـ الاستقصاء والانتقاء.
3 ـ الأشياء في الرواية الواقعية.
4 ـ الصورة الوصفية للطبيعة ودلالاتها.
5 ـ علاقة الرسم بالوصف.
6 ـ علاقة المكان والزمان في الوصف.
7 ـ بناء المكان الروائي في الثلاثية.
يبدو واضحا من خلال التقسيم؛ أن الباحثة تمنح الوصف مكانة خاصة، لأن من خلال الوصف يشخص الفضاء، فتحليلها لمقولة الوصف جعلها تربط بينها وبين المكان حيث تعرف المكان بقولها: "ترى أن المكان ليس حقيقة مجردة، وإنما هو يظهر من خلال الأشياء التي تشغل الفراغ أو الحيز، وأسلوب تقديم الأشياء هو الوصف" . وبذلك تؤكد على ضرورة هذا الوصف للأمكنة، لأن بدونه لا يمكن تقديم المكان ومؤثثاته.
ويعتبر تناولها لعلاقة الوصف والرسم دالا على فهمها للفضاء الروائي في علاقته بباقي الأجناس الفنية، ومنها الرسم، وكذلك على تأكيدها لمقولة العبور الأجناسي حيث أشارت إلى حضور الرسم في الرواية الذي بدأ مع المدرسة "الواقعية": "إنها حركة معينة بدأت في الرسم وانطلقت منه وأخذت تسميتها منه" وقد كشفت عن ضعف حضور هذا المكون الروائي عند نجيب محفوظ والذي يبدو الآن حاضرا بقوة عند كتاب الرواية العربية الجديدة.
ونجدها في تناولها للمكان عند نجيب محفوظ في الثلاثية تؤاخذه على اقتصاره على تناول المكان المغلق والمنعزل، وجعل الأحداث تدور فيه: "فالأحياء في الثلاثية تفقد الرحابة والاتساع، وتتقلص إلى حيز محدود لا يتجاوز البيت، فبين القصرين لا يتجاوز بيت السيد مع إشارات محدودة للدكاكين والمحال المجاورة، وقصر الشوق لا يتجاوز بيت ياسين، والسكرية بيت آل شوكت وحلوان هي بيت عبد الرحيم باشا عيسى والعباسية هي قصر آل شداد" لكن الكاتبة تستدرك حين تضيف أماكن تؤشر على اتساع الرقعة المكانية مع امتداد الرقعة الزمانية في الثلاثية.
فأضافت قصر الشوق:
ـ العوامة
ـ قصر آل شداد
ـ زيارة الأهرام
ـ بيت الدعارة
كما أضافت السكرية:
ـ بيت عبد الرحيم باشا عيسى بحلوان
ـ مجلة الفكر
ـ مجلة الإنسان الجديد
ـ بيت الأستاذ فوستر بالمعادي
ـ الجامعة
ـ الجامعة الأمريكية
ـ قسم الشرطة.
وهي ترى أن المكان عند محفوظ في الثلاثية يمثل "الثابت" الذي يناقض تغير الشخصيات المستمر. ويبدو أن الكاتبة محقة في ذلك، لأن الشخصيات خاضعة للزمن، أما المكان فإن سطوة الزمن لا تطاله بسرعة، وإنما ببطء غير محسوس.
وقد انتهجت المقارنة بين المكان عند محفوظ والمكان عند Balzac وFlaubert، فوصف الأمكنة رغم أنه يوحي بواقعية ما يعرض يظل مرتبطا بالنص الروائي، وقد قارنت بين محفوظ وبين الكتاب الواقعيين، وحاولت الوقوف على أوجه الاتفاق وأوجه الاختلاف بينه وبينهم، وإن كانت تنتصر دائما للكتاب الغربيين نتيجة تمثلهم للفضاء الروائي، واتسام تناول المكان من قبل نجيب محفوظ بالقصور وعدم رقيه إلى التجربة الغربية في هذا المضمار.
وما يلاحظ على الباحثة أنها تحاكم النص ككل من خلال بعض خصائصه، وهي بذلك لا تخلص للمنهج البنيوي الذي يستصدر مكونات النص ومميزاته من النص ككل في انسجامه وتلاحمه، لذلك ظل المكان خاضعا لرؤية الكاتبة.
3 ـ حسـن بحـراوي:
أما النموذج الثالث من هذه الدراسات، فيتعلق بالبحث الذي أنجزه حسن بحراوي "بنية الشكل الروائي"، وقد خصص أحد أبوابه الثلاثة للفضاء الروائي وعنونها بـ: "بنية المكان في الرواية المغربية".
وفي تقديمه لهذا الباب حشد كل ما قالته الشعرية الغربية تقريبا عن الفضاء الروائي، فأبدى من خلال التعريفات التي ساقها عن فهم للظاهرة، ويرى بأنه لم: "تعن الدراسات الشعرية أو السيميائية في النقد الحديث بتخصيص أية مقاربة وافية ومستقلة للفضاء الروائي باعتباره ملفوظا حكائيا قائم الذات وعنصرا من بين عناصر النص" . فيبدي وعيا بالقصور الذي تعاني منه دراسة الفضاء الروائي في الشعرية الحديثة ، وقد عمل على تحديد الجوانب التي اهتم بها كتاب الشعرية في تناولهم لمقولة الفضاء، باعتباره مكونا أساسيا في الآلة السردية، وهو يشير إلى التجديدات التي طالت الفضاء الروائي في الكتابة الروائية الجديدة، وكيف لم يعد ذيليا في الرواية؛ وإنما أصبح ضروريا للسرد، الذي أصبح محتاجا لكي ينمو ويتطور كعالم مغلق ومكثف بذاته، إلى عناصر زمانية ومكانية.
ويركز الباحث على نظرية التقاطب التي أتى بها "لوتمان"، ويرى بأن هذا الأخير: "لا يقنع بالعرض النظري لمفهوم التقاطب، وإنما يصله بالممارسة النقدية التي ستثبت جدارته الإجرائية في التحليل والتأويل" .
وما فعله بحراوي أنه عمد إلى تحليل روايات مغربية معتمدا منهج التقاطب، وميز بين أمكنة الإقامة وأمكنة الانتقال من خلال نظرية التقاطب التي اعتمدها في التحليل، وقد تولدت عن هذه الثنائية الضدية: "ثنائيات وتقاطبات أخرى تابعة أو ملحقة، وهكذا صار باستطاعتنا أن نعثر، مثلا، ضمن أماكن الإقامة على تقاطب جديد بين أماكن الإقامة الاختيارية وأماكن الإقامة الإجبارية (المنزل مقابل السجن)، وتقاطبات أخرى بين أماكن الإقامة الراقية والإقامة الشعبية، القديمة والجديدة، الضيقة والمتسعة، الآهلة والخالية، القريبة والنائية.
أما أماكن الانتقال فتكون مسرحا لحركة الشخصيات وتنقلاتها، وتجد فيها الشخصيات نفسها كلما غادرت أماكن إقامتها الثابتة، وتتمثل في الشوارع والأحياء والمحطات وأماكن لقاء الناس خارج بيوتهم كالمحلات والمقاهي... إلخ.
إن هذه الأماكن في تقاطبها هي التي تشكل موضوع تحليل الباحث، وهو يرى بأن المنهج الذي اعتمده فرضته طبيعة المكان في الرواية المغربية، ويبدو أن النماذج المدروسة لم تمتلك وعيا فكريا وجماليا بالفضاء الروائي كما هو الحال في بعض النماذج في الرواية المغربية والرواية العربية الجديدة بصفة عامة، وذلك ما أغرى الباحث بمنهج التقاطب حيث نلاحظ تركيزه على مقاربة الأمكنة في الرواية وليس الفضاء الروائي، فهو يحدد الأمكنة التي يتناولها بالتحليل، فلم يرق إلى دراسة الفضاء الروائي، ولم يمكنه ذلك من الاستفادة الكاملة من المقدمة النظرية، رغم عمق ما راكمه من مفاهيم للفضاء الروائي كما جاءت في الشعرية الغربية.
وتبقى أهمية مقدمة الباحث في كونها تمكن الباحثين في الفضاء الروائي من الاستفادة منها أمام نقص المراجع وندرتها، خاصة تلك المتعلقة بالفضاء الروائي. كما أن مقاربته تبقى إضافة نوعية أمام ندرة الدراسات التي تهتم بالفضاء الروائي في الرواية العربية.
4 ـ حميـد لحميدانـي:
أما النموذج الرابع من هذه الدراسات فيتعلق بدراسة حميد لحميداني المعنونة بـ "بنية النص السردي".
ونجده يشير إلى عدم تكامل نظرية الفضاء الروائي؛ وهذا ما يخول له الاجتهاد في هذا الباب: "إن الآراء التي نجدها حول هذا الموضوع، هي عبارة عن اجتهادات متفرقة، لها قيمتها، ويمكنها إذا تراكمت أن تساعد على بناء تصور متكامل حول هذا الموضوع" .
وقد بدت جدية الباحث وعمق فهمه للظاهرة، من خلال ما أورده من مقولات الشعرية الغربية عن الفضاء، وهو لا يكتفي بحشد ما أتت به هذه الشعرية، وإنما يبدي رأيه فيها: "إن الدراسات الموجودة حول الفضاء، لا تقدم مفهومها واحدا للفضاء، فمنها ما يقدم تصورين أو ثلاثة ومنها ما يقتصر على تصور واحد" .
وهو يحصر هذه المفاهيم في أربعة:
1 ـ الفضاء كمعادل للمكان.
2 ـ الفضاء النصي.
3 ـ الفضاء الدلالي.
4 ـ الفضاء كمنظور أو رؤية.
والأول هو الذي تصوره الرواية المتخيلة ، والثاني: "هو الذي تشغله الكتابـة ذاتها - باعتبارها أحرفا طباعية- على مساحة الورق، ضمن الأبعاد الثلاثة للكتاب" .
أما الثالث فهو حسبG.Genette : "ليس شيئا آخر سوى ما ندعوه عادة (صورة Figure)" . والرابع يتلخص في: "زاوية النظر التي يقدم بها الكاتب أو الراوي عالمه الروائي" .
وقد بين الباحث أن: "المفهومين الأخيرين لهما علاقة بمباحث أخرى، واتخذا هنا تسمية الفضاء دون أن يدلا على مساحة مكانية محددة، على خلاف المفهومين الأولين، اللذين نعتبرهما مبحثين حقيقيين في فضاء الحكي" . وهو إذ يتحدث عن مكونات hلفضاء الروائي لكنه لا يدمجها في بعضها البعض وإنما يحددها ويميز فيما بينها.
ثم ينتقل إلى التمييز بين الفضاء والمكان حيث أبدى في هذا المبحث اجتهادا خاصا، فحاول أن يميز بين الفضاء والمكان تمييزا محددا حتى لا يقع ضحية التباسهما.
وبعد التمييز الذي أقامه الباحث بين المكان والفضاء انتقل إلى تناول المكان كمكون للفضاء الروائي، وقد ساق أمثلة من الرواية العربية تم فيها تشخيص المكان، وميز بين أهمية المكان في الرواية الواقعية والمكان في الروايات الذهنية بقوله: "إن المكان في الرواية الواقعية يكتسب أهمية كبيرة بالنسبة للسرد (...) أما في الروايات التي يمكن أن نصفها بأنها ذهنية مثل روايات تيار الوعي، فلا يكتسب فيها المكان الموصوف أهمية كبيرة" .
وقد قسم وظيفة المكان في الرواية الجديدة إلى قسمين:
"أحدهما: يعتم عن قصد صورة المكان، ويقتصر على إشارات عابرة تدعو إليها الضرورة لإقامة الحكي.
وثانيهما: يبالغ في وصف التفاصيل يبدو معها العالم المادي ينوء بأشيائه، وأمكنته على الأبطال وعلى القراء أنفسهم" . وقد أشار الباحث في نهاية المبحث إلى عدم إخلاصه للنظرية البنائية لأنها: "لم تتبلور بعد نظرية متكاملة في الموضوع، وهو ما يسمح على الدوام بمتابعة الآراء الأخرى، حتى ولو كانت تختلف في منطلقاتها مع النظرية البنائية شرط أن يكون ذلك في حدود لا تخل بوحدة البحث وتوجهه العام" . إن الباحث يريد أن يجعل مقاربته للفضاء الروائي تقوم على منطلقات نظرية تمكنها من اكتساب صبغة شمولية، وليس الاقتصار على تناول أحد جوانب الفضاء دون الجوانب الأخرى.
5 ـ محمـد منيـب البوريمـي:
أما النموذج الخامس فإنه يتعلق بكتاب "الفضاء الروائي في الغربة" لمحمد منيب البوريمي، ويتناول بالتحليل في كتابه، أشكال الفضاء الروائي في رواية "الغربة" للعروي، ويبدي عن فهم متقدم للفضاء، ويعتمد في مقاربته على تنظيرات Bakhtine وG.Genette وMitterand، وقد اهتم بالبنيات الفنية في النص الروائي: "فقد بدا لي أن أهمية هذه الرواية، لا ينبغي أن تنحصر وحسب في بعدها الأحادي المدروس لحد الآن (أي البعد الإيديولوجي) بل أيضا فيما يؤسسه النص من بنيات فنية وخصائص جمالية" .
وقد حدد مصطلح الفضاء معتمدا ما جاء به Mitterand و Bakhtine الذي يرى أنه من المستحيل فصل الفضاء عن الزمن وأدرجهما تحت اسم "الكرونوتوب" ِChronotop.
وقد تمكن الباحث من تمثل الفروق الموجودة بين المكان والفضاء، ودرس فضاء الغربة من خلال مستويين:
أ ـ مستوى أفقي: حدد فيه جغرافية الفضاء ونوعية الوشائج التي تربطه بالأشخاص الذين يتحركون في إطاره، أي الفضاء من حيث هو إطار موضوعي للأشخاص والأحداث والأفعال والأشياء.
ب ـ مستوى عمودي: يركز على استجلاء أنماط الفضاء، والأبعاد الفنية المضمرة التي حاول العروي أن يوظفها روائيا ويستغلها رمزيا، انطلاقا من الفرضية التي تقول بسيميائية الفضاء أو ثنائيته.
وما يلاحظ على تناول المكون الفضائي في رواية الغربة، أن الباحث أهمل جانبا مهما وهو الوصف في الرواية، حيث لم يتعرض له في مقاربته، ويبدو أن عبد الله العروي استطاع أن يتمثل الفضاء في روايته فكريا وجماليا، وذلك كان عاملا مساعدا للباحث على تمكنه من تمثل هذا المكون الروائي.
ونشير في الختام إلى أن هذه الأبحاث التي تناولت الفضاء الروائي قد اتسمت بالتعثر الذي لا يزال يطبع الشعرية الغربية ذاتها في مقاربتها هذا المكون الروائي، كما أنها تشكل قفزة نوعية في النقد العربي الذي أصبح يقتحم مواضيع كانت لا تزال بكرا منذ عقدين من الزمان فقط، ولا أدل على ذلك مقاربة ياسين النصير التي تعتبر من بواكير تناول الفضاء الروائي في النقد العربي.
وبصفة عامة، فإن أبحاث النقاد العرب التي تطرقنا لها، يعتبر القاسم المشترك بينها هو الفضاء الروائي، لكنها خضعت لرؤى الباحثين وتوجهاتهم ومنطلقاتهم المنهجية، وأبرزت مدى تمثلهم لمقولة الفضاء الروائي أو بقائهم دون ذلك، لكن على العموم ظلت دراساتهم متقدمة في مجالها، وما أتى فيها من هفوات يعود للالتباس الذي يطبع مفهوم الفضاء الروائي، لذلك تكشف هذه الأبحاث عن تطور النقد العربي الذي أصبح يغامر باقتحام مواضيع حديثة العهد لم تحقق بعد نظرية متكاملة حتى في الغرب كالفضاء الروائي، كما أن مقاربات النقاد أصبحت تهتم بالبنيات الداخلية للرواية وليس بالمضامين.
وجاء الاهتمام بالفضاء الروائي في مرحلة تم فيها التجاوب مع النقد الغربي، أو بعبارة أخرى فرضه التطور الذي عرفته الرواية العربية التي أصبحت تهتم بالشكل أكثر من اهتمامها بالمضمون، الشيء الذي فرض تهميش المقاربات السوسيولوجية والنفسية والاهتمام بالبناء الشكلي للرواية، لكن الملاحظة العامة؛ أن تناول الفضاء الروائي في النقد العربي لا يزال يتسم بالضعف وعدم الن