مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

بحوث و دراسات

أنخابُ كائنٍ في العزلة ومدونة العشق

التفاصيل
كتب بواسطة: عبد النور إدريس
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 12 يناير 2001
الزيارات: 9
 

أنخابُ كائنٍ في العزلة ومدونة العشق

لنور الدين محقق

 

عبد النور إدريس

 

تصدير:     أحرقت لوني ولغاتي

              وابتدعت من عصيّ المجيء

               أحجيتي"

               (الشاعرة وفاء العمراني)

         

الإبداع الذي لا يترك أثراً لا يحقق تساؤلات حول الوجود، لايعيش حداثة ما من حيث كونه لا يعمق وشيجة المعاني بين النص والقارئ.

إن النص الإبداعي يخفي آليات تفكيكه عن المتلقي ويبحث باستمرار عن قارئه خارج منظومة التمثلات الواضحة التي قد تحدث انزياحات في المعنى الذي ينتجه النص لذاته.

ولا شك أن الوحدة العضوية على المستوى الدرامي للعشق والتي تنتجها الملحمة العشقية  للشاعر نور الدين محقق تتجلى في دواوينه  الالكترونية الثلاث المنشورة بموقع اتحاد كتاب الأنترنت العرب:

http://www.arab-ewriters.com/?action=writers&&id=137&&content=lib

 

 1 ـ أوراق العشق

2 ـ كتاب الحب

3 ـ ترجمان الأشواق

إن الانغراس في الفضاء الشعري لنور الدين محقق يفرض على القارئ نوعاً من الاندماج في البنية المفهومية للصورة الشعرية ووصلة الخيال  وأيقوناته داخل النص، فلا حياة للأيقون الأخرس بهذه المدونة العشقية. هل يمكن اعتبار أن كل واحد من الدواوين الثلاثة  يبني عالمه في عزلة عن الآخر؟

هل يكتفي كل ديوان بذاته ويعمل على تجميد الوحدات الدلالية التي تربطه بالديوان الآخر؟

هل تنفتح معاني المدونة على المعاني المُحتضنة من طرف اللغة التي تفكر وتحس إحساساتها الخاصة بالموازاة مع الشاعر؟

هل يمكن اعتبار نمط الانتاج الشعري عند نور الدين محقق يتأسس على وجود خطاطة أو خلفية مُفترضة ينتجها القارئ للمدونة العشقية؟

هي الأسئلة منفتحة والقراءة هاهنا  عاشقة تشتهي الأثر الأدبي  وتتجاوز في هذا العشق الفرضيات الخاصة بالقراءة  وتدفع بالنقد نحو " مسيرات تأويلية تطمئن إليها الذات المتلقية" امبرطو إيكو.

يعيش "المذكر" على هامش انتشائه ب "أنت" المؤنثة .. على مشارف لغة حالمة بالواحد ضمن تعددية الآخر  التي تقطن "الأنا" التي تعبر عن مركزيتها التواقة إلى تسريد المشهد الانساني شعرياً.

الاهداءات أو فتح الممكنات:

يشكل الاهداء عند نور الدين محقق فتح الذات على الانسجام الداخلي للنص، حيث الإنصات إلى نفس الذات التي تحاول من أفق التخييل الخضوع لاحتمالات النص.

في ديوان ترجمان الأشواق يتم الاهداء على شكل تقديم يجمع كل الممكنات الدلالية في "مدح النساء" وينير بذلك الحقل الثقافي لكوامنه الشعرية وحصر السياقات في التصور العام لامرأة "مثال" تتداخل في انتاجها عناصر كثيرة تعلن عن وظيفتها في ذات الشاعر.

إن المتن الشعري عند نور الدين محقق يؤسس لجغرافيا عشق تستنفذه الجزئيات ويستبيحه التعميم وفق استراتيجية الشاعر العشقية حينما تستدرجه نكهة الاهداء لينسج منها أشرعة تتبدى في أثونها معالم العرض الثقافي للإهداء " لكل بنات حواء من لندن إلى صنعاء" أو عندما يقول " ولكل جميلات العالم من الدار البيضاء إلى هارلم".

 

أوراق العشق أو عندما يأتي الاسم جريحاً:

إن أسماء النساء داخل هذا الديوان تتآلف بشكل عضوي وتسرج أحصنة النداء على الأنثى لتدل على اختلاف المصدر الثقافي بين الاسم العربي (آمال، حادة، جميلة، عائشة، وحيدة، ليلى، هالة، فريدة، كوثر، قطر الندى، نوار، فيروز، يسرا) والاسم الغربي (لوليتا، سوزان، كريستي، فرانسواز، فيرجينيا) بالرغم من الجذع العشقي المشترك والذي يعمل على تحريك مجال البوح ويغذي الامتلاء الشعري عند الشاعر.

يقول في قصيدة آمال :

         "هل أحببتك اليوم...

          عن طريق الوهم

         و تموجات الخيالْ

         أم أحببت فيك فقط.....

         ثورة الأنثى

         و هي تتحدى

        مثل أحلى القطط"

تتعمق هنا مع الشاعر انجراحية الوحدات الكامنة في لاشعور الاسم العربي الذي لا يخون استيعابه للجهاز الأديولوجي الذي تمخضت عنه الحياة الثقافية للنساء، ففي قصيدة "حادة" يتم أسف الشاعر على أفق التوقعات الحالمة التي تنخرط فيها الأنثى لإنتاج نفس الحقول المعرفية التي ساهمت في تحميل العشق اهتراءه الدائم  في اتجاه نشوة مستعصية تخرج من دائرة  جسد أنثوي معتق بالصور الجاهزة عن الأنوثة وخاصة عن امرأة تتجمل على حافة السرير.

يقول الشاعر (قصيدة حادة)

"حين تجلس

  في بيتها

  ترتدي أجمل لبس

  و تفتح صندوق

  الموسيقى

 و على نغمات

 أحواش

 ترقص في ارتعاش

  يذيب الجسد

  و يشعل الرغبة

  في المرآة

  حيث لا أحد

  يوجد في داخلها

  فيا للأسف"!

 

يلف الأنثى تحت الاسم العربي فضاء متوتر كمحور يغطي بياضات المعنى في سجل النساء، فحتى المرآة لا تعكس عشق هذه الأنثى لذاتها وكأن ذلك التحقق يستدعي الامتلاك المزدوج للأنت المؤنثة من طرف الذات المذكرة، بعكس ما يطرحه التوازن الداخلي للإسم الغربي الذي يتحكم ثقافياً في انتاج محور  توتر مغاير حيث الأنثى تحت الاسم الغربي متحكمة في المضامين التي تخرجها من المفعولية إلى "الفاعلية" ،يقول الشاعر في قصيدة "لوليتا" وهو يستوحي صورة الأنثى من امتدادها العميق في ثقافة غربية تبني وظيفة الأنثى ضمن البناء العام للديموقراطية كأفق محدّد لكل مسار تأويلي، يقول:

" و تقول الشعر

    أيضاً.

   تمتطي الفرس

   وتركب السيارة

   و تمشي راجلة

    أيضاً.

    تغمز بعينيها

    و تقبل بفمها

    و تضحك بأسنان

     بيضاء

     أيضاً."

 

ثم يقول في قصيدة " سوزان"

"هي مثلي

من برج الميزان

تكتب الشعر

و ترسم في الليل

أعشاشا لعصافير

زاهية الألوان"

 

تتحدد في ديوان أوراق العشق لنور الدين محقق صور ثقافية متعددة للمرأة العربية التي يتحدث عنها النسق الثقافي كجسد مغر يحمل طاقته الاغوائية باعتباره كائن في عزلته الوجودية لا يعيش لذاته بل يتحقق وجوده من خلال الآخر "الذكر"، يقول الشاعر في قصيدة عائشة:

"لا تعيش

أبداً إلا لنفسها

قد تضحي

إن هي أحبت

بليلة عرسها

و تمضي هاربة

صحبة الحبيبْ"

 

وقد لا تختلف صورة "جميلة" في المخيال الجمعي العربي وإن وصفها الشاعر بخصوصية انفرادها بولادة خارج النسق الثقافي، فهي لم تولد مثل غيرها من النساء باكية  إلا انها لم تفلت من دائرة الأنثى التي تحمل نفس التجربة الغزلية التي تنمطت في الشعر العربي قديمه وحديثه يقول :

"و حين رايتها وحيدة

تمشي

ارتعش رمشي

امام عينيها

فضحكت مني

و اتهمت عيني

بقلة الحياءْ

و مضت تجري

 صوب الساقية

يالها من أنثى

عذبة المذاق"

 

هذه الصورة تختلف كليا عن صورة "لوليتا" التي يستحضرها الشاعر  كمشهد جنسي متحرر تحمل جسداً عاماً لا يحلم بعذرية ما، مستسلمة لغزل يتضمن زمناً مفتوحاً على شهوة كاملة تشدها اللغة واللحظة الشعرية المتنوعة نحو إغراء مستدام للآخر.

 

"  تغمز بعينيها

    وتقبل بفمها

    وتضحك بأسنان

     بيضاء

     أيضاً".

يحمٍّل نور الدين محقق في ديوان "أوراق العشق" مسرح أحداث عشقية موروثة لا تقبل بالتعهر الأنثوي ويرفض الحب  وفق ماهية خارج المعالم المرسومة في ذاكرة العشق العذري المندفن عميقا في المرجعية الثقافية اللاواعية للحب المنبهر بالآخر ، وقد سبق للشاعر أن صرح في بيانه الشعري أنه على الشعر " أن يمارس إبهارا للذات أولا وللآخر ثانيا، حتى وهو يتدثر بالاوعي".

فعند استحضار الأنثى ذات الاسم الغربي بالديوان نجد نفس خضوعها للتمثلات التي سكنت وتسكن المخيال العربي ولو خارج الوجود المادي للأنثى ذاتها ، ولذلك يبوح الشاعر في طي الورقة المضمرة لعشق ينتشي باحتلاله الحيز المفاهيمي للغرام خارج الأسماء، وذلك ما جعله يفكك اسم "لو..لي.. تا" وكأن القضية العشقية عنده تختصر المسافة التاريخية للعشق في أنثى "مثال" تحس بكينونتها كذات متعددة في المعنى الواحد والذي يرهن سيكولوجية الذكر العربي .

يقول :

" لكنها حين تكون

     في بيتها

     تستحضر صورتي

     و تبكي...

      مثل جميع النساء

      تلك هي حبيبتي

      في الزمن الأول

      لو..لي..تا"

أخيراً : يرتكز البعد العاطفي في ديوان "أوراق العشق" على بعد الأمكنة كمحطة تُمَرْكِز زمن العشق عند نور الدين محقق لتبدأ من مسقط رأسه " الدار البيضاء" كما في إهدائه الذي يقول فيه " إلى كل جميلات العالم ...من الدار البيضاء إلى هارلم" ولتعود إلى نفس  نقطة الانطلاق كما في إهداء ديوان "ترجمان الأشواق" حيث يقول "سجل في مدح النساء ..من نيويورك إلى الدار البيضاء".

 

نوال السعداوي... المولودة من امرأتين !!

التفاصيل
كتب بواسطة: سامر الشعراني
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 12 يناير 2001
الزيارات: 9
 

نوال السعداوي... المولودة من امرأتين !!

سامر الشعراني

 

(نقدُُُُُُُ شاعري لرواية الكاتبة نوال السعداوي "الرواية" )

الشيء الوحيد الذي يشغل الناس أصحاب الطبائع الساكنة والثائرة، خلان الصباح وخلان الظلام، هو الجديد البديع، لأن البدعة كالفجر لا تأتي إلا بين ليل فاحم وصباح متأجج.

وكذلك الأمر هنا رواية عربية تشذ عن كوفية العربي إلى ربط عنق الأعجمي، و عن شال العربي إلى الثوب الحريري الزجاجي، وعن الزواج إلى الزنى وعن الماء إلى الخمر، وعن عبادة الله إلى عبادة النار يقرؤها الناس أجمعون، يقرؤها المؤيدون ليدفعوا عنها الحجارة التي ترجمها ويقرؤها المعارضون ليجدوا سبيلاً إليها فيمزقوها.

رواية الرواية سرقتها من جيب أحدهم وقرأتها مرات، و لي فيها رأيان:

الأول يتصل بالقالب الذي صبت به الكاتبة عصارة قلمها، وقد لا يوافقني عليه إلا ريشة واحدة من ريش طائر الأدب .

والثاني يتصل بروح ومادة وكثافة هذه العصارة الأدبية ... وهذا رأي معظم الناس. ورأيي هنا رأي شاعر ينقد بعقله لا ناقد ينقد بعقله .

عن الأسلوب أقول: إن السعداوي من فرقة الأميين الذين يتحفوننا سماً ويطالعوننا بأقلام ملأتها الدمامل وأوراق أنتن من أدبار المستنقعات. أدبهم وشعرهم هذيان مجنون لا ضير عنده أن يمسك القمر بيد الشمس ويتسكعان في أرجاء السماء، ولا بأس لديه أن يسكر الماء ويصحو الخمر، فبعض المستشعرين يقول إن الشعر والادب إنما ينحدر من تلافيف العقل فيأتيك نتاجه كدم الطمث ويسمى دم شهيد. وبعضهم يقول إن الشعر والأدب ليس إلا إيقاعاً لضرب الدم على دف القلب، ولا قلب عنده .

أنا لم أقرأ كتاباً إلا ونفعني وكان مصباحاً جديداً في قصر عقلي، و شرياناً جديداً في مسكن قلبي، ونغمة جديدة في مرقص روحي. حتى الرواية نفعتني إذ ذكرتني بحكايا جدتي الهرمة التي لم تتعلم في حياتها إلا كتابة القرصات على الخدود، فهي إن كلمتني عن سيرة امرأة مثلاً، سردتها كسرد نوال لروايتها، في كل ليلة يعن في بالها حادثة ما فتخبر بها، فإذا بالرواية أو بالحكاية كالفسيفساء المبعثرة وعليك أن تعيد ترتيب قطعها وتنسيق شظاياها .

قد لا يوافقني في مذهبي هذا الجمع الأعظم من أمراء الاقلام وينابيع المحابر كما أسلفت. ولكنني أرى الرواية حكاية تحكى كرحلة سفينة أبحرت في اليم ويأتي دور الكاتب كالقدر فطوراً يجعل الصخور تعترضها ومرة يبعث بالعاصفة لتعابثها، وتارة يرسل القراصنة لتقتنصها، وأخرى يرسيها على جزيرة .... و قد تصل إلى الميناء والشاطئ يزغرد فرحاً، وقد يغتصبها القاع والشاطئ ينتف لحيته ترحاً. وهذا هيكل الرواية فأين بريق الجمال الذي يجدر أن يتلألأ على ردائها ويترقرق في محاجرها ويزهر في هديلها .؟ إن التشويق يرعد في نفسك جمالاً حين ترى استبسال البحار وقت العاصفة وتشبثهم بالمجاديف ساع الرسو، وبالسيوف والنبال إذا دهمت القراصنة، وهذا سر نجاح الرواية. أما ما فعلته نوال أنها صارت وبقوة خفية وكعفريت سليمان تنقل السفينة من معركة مع القراصنة إلى مواجهة مع العاصفة ومن هنا إلى هناك في الثانية الواحدة آلاف المرات ... وأثناء هذا التنقل القسري وهذا التهجير تكسر التشويق وغرق وانتهى أمره. فقلم صاحبتنا لين الرأس في كل سطر يتكسر مراراً، فترى السطر الواحد مئة لون وألف خط، غني وبخيل، غث وسمين، فهي فشلت وهوت إذ حاولت أن تقلد أساليب أدبية ربما لو تعهدها غيرها من شيوخ الأدب لأفلح .

المضمون : لو أني ولدت من رحم أمي فصرخت صرختي البكر، ثم سقطت في غيبوبة لم تبارحني إلا بعد عشرين عاماً، فصحوت إلى الدنيا شاباً لا عهد له بها من قبل أبداً، وما كدت استوي على فراشي حتى أعطوني رواية نوال السعداوي وأطلقوني من غرفتي إلى ساحات الدنيا ومسارحها ونصبوني حاكماً، عندها لأمرت برجم كل زوجين وذبح كل وليد لهما، لأن هذا هو الشذوذ عن ناموس الطبيعة، ولأمرت بزواج الرجل من الرجل والمرأة من المرأة، ولما سميت بشراً إلا اللقطاء ولجلدت كل من ستر عورة وكرمت كل من تعرى ... وهلم جرا

لأن الكاتبة أرتني الستر والصلاة والزواج ... و.. و ... برصاً في وجه الطبيعة، وأما الزنى والعري والشذوذ والسكر و..و..و... فحسن وبهاء و لب الجمال.

إن الكاتب جعلت من فطرة الإنسان تدمي أحشاءه ومن شذوذه حديقة شجراء غناء تورق ربيعاً وتلمع زمردا في أساريره .

ففي عرف صاحبتنا الطير الغواص حق والسمكة الطائرة صدق والعكس باطل وكاذب. وفي دستورها الشجرة تضرب جذورها في السماء  تتدلى إلى الأرض، وما نراه ليس إلا وهم الخرافة .

- فالفتاة بطلة الرواية لقيطة زانية شاذة، لكن جعلتها تفوق عبلة سحراً، والخنساء شعراً وخديجة نوراً وخولة بأساً.

-  كارمن: ربما قصدت بها الكاتبة نفسها فجعلتها أسطورة أو تمثالاً يدل عليها. فهي كاتبة لا ضير عندها وعند زوجها أن يدخل على فراشها دخيل، وزوجها رستم وهو في عرف كاتبتنا السيد الشقي ـ في بعض سماته ـ النذل الزاني الشاذ المتأنق الظلوم ... يحارب زوجته ما دامت تغلب عقلها ـ لأنه يؤذيه ـ لذلك اتهمت بالجنون وسدد تيار كهربائي إلى دماغها مبعث تحررها ـ مقلدة بذلك مي زيادة ـ ورغماً عن الكهرباء تبقى صلب جبار، ورغماً عن انف مانعيها عن الكتابة، تظل قوية وتنفجر غضباً في شهيقها الأخير لتقتل الرجل الذي كاد أن يذبح ابنتها .. و هي ابنة سِفاح على أي حال وابن أفكارها كذلك . فكانت كارمن بذلك باسلة تموت وتحيا أفكارها.

- أما جمالات فقد جعلتها مثالاً لأن المؤمن العادل وأما العدل عند نوال وعند جمالات ليس ميزاناً توضع بكفتيه أعمال الناس رجالاً ونساء ملوكاً وصعاليك، بل نهدان ـ نهدي جمالات ـ يسكن فيهما كل الناس رجالاً الناس رجالاً ونساء ملوكاً وصعاليك. وجمالات زانية شاذة تصلي على بساط من خمر وتصوم لتفطر لحم خنزير، همها السلطة، تلد سفاحاً وتحرق ابنتها، وتعيش على الأدوية النفسية .

سميح ونارجيل والفتى الإسباني، فكتبت عنهم بشذوذهم وعهرهم وفسوقهم بمداد من طيب بلون الزمرد. ونأتي إلى صاحبة الملجأ وزوجها وهما من أصحاب الحجاب واللحية وهما أيضاً رمز للإسلام، فقد كتبت عنهم بمدام من النفايات الآسنة ونقطت كلماتها برفث البهائم، حين اختارت المواقف الشريرة لهم وجعلتها طبعاً عاماً يلزم كل صاحبة نقاب وصاحب لحية وكل صائم ومصلٍّ وقانت .

وجعلت الكاتبة ولادة ابنة الفتاة ـ سفاحاً ـ انتصاراً للخير والحق على العالم الفاسد والشرير وهذا الأمر نشتم رائحته من خلال التعليقات التي أوردتها الكاتبة على لسان بعض الشخصيات كمريم الشاعر وجمالات. مريم الشاعر ـ وقد جعلتها نسخة عن مريم العذراء ـ فقد أحسست كأنها الكلمة التي يوردها الشاعر في البيت ليقيم الوزن فما هي إلا شخصية فارغة وحسب .

ولم تنس الكاتبة أن تقذف بعض الشتائم على الدين والرسل كعيسى ومحمد عليهما السلام .

نوال ذكرت الروح كثيراً في روايتها وربما حاولت ـ ولكن عبثاً ـ أن تنحتها لنا أو أن ترسمها فنبصرها عياناً ونخبر كنهها. ومرد ذلك أن روح نوال تسعى جاهدة ولا تألُ جهدا أن تخلص من جسد صاحبتها ... لأن الإنسان الذي لا يعترف إلا بلحمه لا تعترف به روحه. و الإنسان الذي يصادق الدم ويعادي الروح، تعاديه الروح، ومن فطرة الإنسان أن يبحث عن كل صغير وكبير من شؤون عدوه.

سؤال راودني : نوال السعداوي كيف كتبت روايتها ؟

بسطت أوراقها على مكتبها و أتت بالمصحف فأحرقته وذوبت رماده في الماء وغمست ظفرها به وكتبت. فكانت روايتها داراً عظيم للفحش، وزعت في مقاصيرها العاهرات البغايا والشاذين والشاذات، ولم تذر من الفحش لوناً إلا طلت به جدران هذا الدار. ومن المعلوم أن الراقصة تجذب الغلمان إليها، و لكنها إن غالت في فحشها ينفر عنها أفجر الغلمان ....أخبريني يا سيدة ماذا يعني أن تجعلي خالة رستم تلهو به وهو لم يغادر العاشرة .؟

نعم إن الزواج اليوم دعارة حلال تعطيك جسدها لتعطيها داراً وكساء وطعاماً وحلياً، و الزواج اليوم اغتصاب حلال تزوجه أختك ليزوجك أخته. وليس في ذلك ريب.

نعم إن المرأة تولد جارية في بيت أمها، فراقصة في بيت زوجها ولا شك .

نعم إن الفتاة توأد والوأد ما انقرض أبداً بل تكاثر، كانت البنت توأد في الجاهلية مرة واحدة، واليوم صارت توأد مرات ومرات... مرة حين تولد بعبوس الوالدين، و مرة حين يزهر صدرها قهراً وقمعاً، ومرة حين تزوج غصباً ويمر عليها الشبان مرور الشاري على عناقيد العنب يختار أفضلها، ومرة حين تلد ... وهكذا دواليك حتى تقبر وهو ألطف الوأد.

ولكن الحق يقال إن طبقات الطين التي كانت تدفن تحت أثقالها الإناث قد بليت وكادت أن تزول. وأيضاً الحق يقال إن كثرة كثير من النساء ما كدن يرفعن أبصارهن فوق أطباق الطين حتى انتزعن أرواحهن وأجسادهن من أيدي الظالمين وانطلقن جرياً، ورحن يدفن أنفسهن بأيديهن ضاحكات برمال صفراء ظانات أنهن يلتحفن بأنوار الشمس أو صفائح الذهب. وإنما انتقلن من مدفونات  في طين أسود مظلومات إلى مدفونات في رمل أصفر ظالمات .... وقلة قليلة جعلت الشمس والذهب يتقاتلان على اعتناق أصابعهن خواتم فيها.

 

آفاق التجربة الشعرية

التفاصيل
كتب بواسطة: عبد الجواد خفاجى
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 07 يناير 2001
الزيارات: 9

آفاق التجربة الشعرية
ومكوناتها الشكلية
فى " سوسنة الخمسين "

دراسة : عبد الجواد خفاجى

ربما أن الواقع الصادم أضحى مدعاةً للتحليق فى عوالم رومانتيكية تظللها شفافية الروح، ومثالية القيم .. إنها الذات ضالعة الصبوة إلى اكتمال حلمها نحو مساحة من الوئام الأبدى مع الوجود، عندما تواجه عالماً ضالع الخطر، والعسف .. عالم يديح الموت والخوف، مدجج بالقسوة والتجهم والخطر، بغير قلب يحمل حضارته المغموسة فى الهمجية والدماء، فى مقابل حضارة الروح التى تبحث عن حلمها فى المخملى البعيد البعيد .
خمسون عاماً من عمر الذات وهى تبحث عن هذه المنطقة الخضراء فى رمضاء الواقع ، دون أن تفلح فى إقامة حضارتها ، ومن ثم فلا غرو أن تردد : " كلا .../ وهل خمسون عاماً، / من نضال الخوف / تكفى، / كى أقيم حضارةً ،/ المواسم الصبوات ؟ / هل تكفى لأصنع موكباً للورد ؟ "
لهذا .. وفى ذات الوقت الذى تتداعى فيه الأمة العربية قطعة قطعة، وسط قرقعة أحذية العسكريين المحتلين فوق ترابها، بينما يغطى السماء العربية أزير الطائرات القاصفة المعادية، مختلطة بموجات الأثير التى تحمل مشاهد الدماء إلى كل العالم .. إنها لحظة من أقسى لحظات الأمة وأحرجها عبر تاريخها .. أقول فى ذات الوقت يطالعنا "عزت الطيرى" بديوانه الذى بين أيدينا ليقول : "وأصنع من قصاصات الجرائد / مركباً، ألقى به فى جدول / يمضى إلى غاياته، وأقيم من صلصال طفلى مدفعاً أصطاد عصفور الحنين / ولا حنين يحط / أو يستاف زهراً نائماً .. " ( سوسنه الخمسين ) لكأنه يتجاوز عن حصار الواقع المرير - بكل إحباطاته - إلى التلهى الممض بصنع مراكب من أوراق الجرائد .. وماذا امامه أن يفعل كشاعر وهب حياته لمشروع جمالى تقدم به إلى الحياة ، وفى وقت تبارزه الحياة بكل هذا القبح علناً ، منشوراً على صفحات الجرائد .. لكأنها - إذن - لحظة العجز النهائية أن تقبع الذات فى ركن قصى من الحياة ممارسة أسفها ، وحنينها إلى الذى لا يجئ ، لا تزال على براءتها وفطريتها ، تتلهى عن الشر باصطياد الحنين إلى لحظة تتوازى فى نقاوتها مع نقاوة الطفولة البكر التى تمارس التلهى بأشياء الطبيعية .
(ربما لذلك لم يعد للاصطلاح القائم معنى ، ربما لسخفه لم يعد صالحاً - من وجهة نظر الذات الشاعرة - للتعبير عن معنى الحياة تعبيراً حقيقاً ، ومن ثم لم تعترف به ، وربما لهذا هى القصيدة / الاصطلاح القائم مستبعد ليحل محله إصطلاح السوسنه - ومادامت هى سوسنة الخمسين فلا شك أن هناك سوسنات الأربعين والثلاثين أو الستين والسبعين ، وعليه فالسوسنة ليست التعبير البديل عن القصيدة بقدر ما إنها المعادل الموضوعى للمشروع الجمالى للشاعر عبر مراحل تكونه وتطوره .. تماماً كما إن الجرائد هى المعادل الموضوعى لصورة العالم الحديث بكل شروره ومآسيه وتوجهاته الشريرة. وبقدر فرط هذه الصورة فى التبجح والمباهاة والزيوع بقدر ما تتوارى الذات - كرد فعل طبيعى - وتتلهى عن مظاهر الشر بمواصلة الغناء / الشعر / الحلم / التمنى / الهروب إلى العوالم الداخلية / السخرية / التذكر / التلهى - رغم الأسى - بالممكنات الجمالية فى الذات والطبيعية والمرآة الرمز ، أو المحبوبة التى لم تعد غير ذكرى لماضى جميل آفل .. الماضى - أيضاً - أمسى - بكل ما كان عليه خزنه لآلئ الذات ، وعطرها الذى يحلو لها أن تحتاج منه شجاعة التجوال الشعرى فى عالم الحاضر المأساوى ، مرتضية هذا الهروب إلى عالم شجنى / حلمى / ينفتح على سحرية الوجود وفطريته .. عالم يوتوبى مثالى إلى حد كبير ، تعيش فيه الذات وتتلمسه فى داخلها : " وأنا الحمام يبيض / فى شجر الغيوم / ولا غيوم سوى السراب اللانهائى / الفسيح / أنا الجريح / ولا مراهم ترتجى / فى عطلة الأحد .. الصيادلة استكافوا / للنعاس، نسوا تعاليم المسيح .. مشوا على ورد الجراح " ( سوسنة الخمسين ) . إذا كان الحمام من شأنه التحليق فإن من شأن الغيوم الزوال ، ومن ثم فلا يبض يبقى فوقه حتى تحين لحظة التفريخ .. هكذا تعلن الذات بشكل رامز لطيف عن عدم ثقتها فى إمكانية القبض على ممكنات جمالية فى الواقع ، ومن ثم تعلن أنها تجرى وراء سراب لا نهائى .. ومع هذا ليس أمامها غير التحليق مغادرةً هذا العالم الذى نسى تعاليم المسيح .. ولماذا المسيح تحديداً ؟ إن مفردات " الأحد - تعاليم المسيح - الصيادلة " تتضافر لتعطى دلالتها فى العالم الغربى الذى يتشدق بمفردات " الحرية - الديمقراطية- الإنسان - الأمن - التسامح - الـ .... " شعارات تحمل وهم العلاج إلى عالم يتم تخريبه عمداً .. هم صيادلة العالم الذين تحولت كل أيامهم إلى عطلات يمارسون فيها التلذذ بالدماء والخراب .. إنه التعبد وفق منطق مخصوص بعيد عن جوهر رسالة المسيح ، ربما لهذا تتلهى الذات هى الأخرى بإقامة عالمها الجميل فى الخيال البديل للواقع .. تهرب إلى عالمها النورانى كأى صباح يطل ويمضى منـزاحاً ليبقى الظلام هو الصفحة السادرة : " وأنا الصباح إذا أطل / ومل / من بوح البلابل والعنادل ، والفواخت / وارتباكات الصغيرات الأرامل / من هدير أنوثة وئدت سريعاً / فارتخين على الأرائك / يستعدن / مواسم الأفراح / فى غرف الحنين .. "
يبدو العالم الجميل البديل ذو بعدين أولهما يحدد اتجاه الذات فى ارتباطها بالطبيعة، ومن ثم تحفل النصوص بهذا الشغف بمفردات الطبيعة الساحرة وبالصور الواصفة، وبالتعبيرات التى تعكس أو تشف عن عشق الطبيعة الأم الكبرى، والصدر الجمالى الحنون الذى يهمى بموسيقى الوجود العذب، ومشاهد الجمال الخلاب، وفى هذا الصدد تبرز الأنثى كملون جمالى مثالى ساحر يلون مشاهد الطبيعة بالفرح ويفجر فيها مناسبات الغناء والضحك
البعد الثانى لهذا العالم يحدد اتجاه الذات فى تراميها نحو الماضى حيث الصبا وبدايات تفتح الذات على الحياة ، ولم تكن قد وعت بعد الواقع على علاته .
ومن ثم لم تكن تعى أو تستشعر غير جماليات الحياة فى نقاوتها وطراوتها .. وفى هذا الصدد كان اتجاه الذات وتراميها نحو الماضى مشفاً عن توزع علاقاتها فى اتجاهات ثلاث :-
1- الذات فى ارتباطها بالأنثى باعتبارها مكوناً من مكونات الماضى الذى تفتحت الذات مبكراً على سحريته ، وارتبطت معه بعلاقات عاطفية بريئة لا تزال تمارس سطوتها السحرية على مشاهده .
2- الذات فى ارتباطها بالداخل .. حيث تتلمس بداخلها هذا الملكوت الفسيح الزاخر برغباته وأحلامه ، وذكرياته ، وبدايات اندها شاته أمام روعة الوجود .
3- الذات فى علاقتها مجموعة الأقران سواء فى فصول الدراسة أو الجامعة أو القرية والأماكن الأثيرة التى عاشت وتنقلت فيها .
هو عالم زاخر بالبراءة والوئام والحلم والأمان، تعيش فيه الخراف مع الذئب وتظل فيه زينب هانئة بغير مؤرقات، هو عالم مشمول بالفن والورد، وكأن الشر فيه قد انزاح أمام سطوة الجمال وروعته:
هذا العالم هو الذى بدأت به الذات حياتها البريئة : " أعدو للغناء ، وللحديقة ،/ متخماً بطراوة الألوان،/ أرسم / ما يعن / لريشتى أمضى إلى تلك المجلات القديمة / بالمقص . أقص وجه جميلة شقراء / الصقه على صدر المحارب / كى يدندن غنوة / يرتاح من بارودة / وأقص ذئباً حافى القلبين، يبكى جوعه اليومى أدخله إلى بيت الخراف / أقص حلماً ناعساً ، يهمى على / أهداب زينب فى فصول الطالبات " ( سوسنة الخمسين )
لقد مضى هذا العالم الجميل، وقد كشر الواقع عن أنيابه وتخلخلت كافة العلاقات التى ربطت بين الذات وعالمها "خمسون عاماً / يا ابن قريتك اللئيمة / يا ابن نخلات عجاف، أمطرت أغرابها الأحباب بالبلح الطروب / وأطلقت سرباً من " الصيص " العقيم / على خطاك / لكى يضلك الجريد / لا وقت للأفراح / فى دمك السخى / وتاه عن دمك الوريد !! " ( سوسنة الخمسين ) ومن ثم يحق له أن يتساءل : " فلم انتظارك / كل هذا الليل ؟ " وما جدوى الانتظار إذن ؟
لقد مضى العالم الجميل، وبقيت تجربة الذات مع الحياة، وقد باعدت الحياة كثيراً بين الذات وأحلامها ومررت طعمها الحنظلى إلى مسارب النفس ولم يبق غير الحزن، والخوف، والفراق، الانقطاع، الشعور بالغربة، الحسرة، الألم، الندم / كثير من الحلم الضائع، قليل من الأمل، كثير من التساؤلات الحائرة، والذكريات، والتذكر الممزوج بالحنين إلى الماضى ولم يعد غير أن تتجرع آلامها سواء النفسية أو البدنية: " فهل ترى / تكفيك يا ولد البنفسج / فى قرى الآلام / خمسون ارتعاشة طائر / خمسون من زهر ومن ظهر / ومن عصر / ومن ورد البكاء.... "
" فما الذى أعطاك شعرك / غير / دمعك / غير ضغط الدم والألم المعربد فى ضلوعك / وازدهار السكرى النهم / فى حمى دمائك .. " ( سوسنة الخمسين ) غير ما هنالك من مشاعر الخوف التى تستولى على الذات وتفزعها بشكل مطرد ، هو خوف قديم وليس طارئاً ، تربى مع الذات منذ بدأت تعى الواقع على علاته هو خوف يجبرها على الهروب : " يا ذاك الهارب / من وجع الأحلام / ومن نشرات الأنباء / منذا يرجعك / لترجع / للأشياء الأشياء / منذا .. / منذا ؟ " ( عودة الضال ) .. وقد يحق للذات التى تظل هاربة أن تتساءل : " إلى أين أذهب بى / أو سأشرح ما بى / والحدائق / أوصدت الباب دونى .. " ( إلى أين أذهب )
لا شك إن تجربة مسيجة بالخوف والأحزان والهروب ، لا شك سيشملها الشعور بالثقل .. ليس لأن الحياة ثقيلة الوقع على الذات وليس لأن الواقع أضحى بليداً مؤسفاً وصادقاً ، وليس لأن الحياة فرَّت من الذات وأورثتها كثيراً من الإحباطات والآلام ، وليس لأن الحياة أضحت بلا معنى .. ليس كل هذا فحسب، بل لأن الذات بمشروعها الجمالى وحلمها الرومانتيكى، وآمالها المرتجاة أضحت تستشعر ثقلها هى كذات على واقع يراها عبئاً .. هكذا يمكن أن يصبح الجمال عبئاً فى واقع وقح يدهس هذا الجمال بجبلةٍ طاغية وطبع بليد متجبر ، يدهسه ويجتازه إلى حسية مفرطة لا ترقى إلى مستوى الحياة بمعناها الجمالى الذى تتلمسه " مترعاً بالحزن / مزدحماً كثيراً / بالهجير المرِّ / حين أريدُ فيئاً / كلما اقتربتْ / زوارق عبطتى / من شطها المأمولِ / صار / الشط ينأى / صرت عبئاً .... الخ " ( صرت عبئا )
هل يبقى الندم غلافاً من أغلفة التجربة إذ تبدو الذات آسفة على ما اجترفته من غواية الشعر .. كيف يكون المشروع الجمالى مورثاً لكل هذه المشاعر النادمة ؟! .
لا شك - والأمر محسوب رياضياً - : " لكل فعلٍ ردُّ فعل مساوٍ له فى القوة ، ومضاد له فى الاتجاه " فبقدر ما تتولد لدى الذات مشاعر إدانة الواقع الذى خَلَّف كل هذه الأحزان والمأسف وأجبر الذات على الفرار باتجاه الندم والتحسر والانزواء - كرد فعل - بقدر ما أنه الواقع قبيح بالفعل : " خمسونَ عاماً ، / يا صديق الشعرِ / والشعرُ الشرابُ المرُّ / فاكهة الحرامِ ، / حرام فاكهة الحلالِ ،/ وما تهدَّج من مواويل السواقى ، / وابتهاج الليل بالديك الذى / ظنَّ الضياءَ بليلةِ البدرَ ابتداء / الفجر فاقترح الصلاة / وقامَ / يتبعه المريد .. " ( سوسنة الخمسين )
إن توهُمَّ الديكِ بأن الضياء العارضِ فجراً يبدو على المستوى العمقى هو توهمّ الذات الشاعرة نفسها التى ارتأت أن تؤذن فى مالطة ، بمشروعها الجمالى الذى يهفو إلى " الصلاة " بكل مدلولات الكلمة فى الصلة والحميمية والنورانية والوئام النفسى والهداية والانفتاح على المطلق الجمالى . هل كان الشعراء فوق الأرض - جمعياً - واهمون ؟ . لا شك إن الشاعر إذ يسكب ندمه يترامى بذاكرته إلى ماضى الحياة / الشعر عندما كان الإنسان يبتكر الشعر وكأنه يبتكر عذوبة أخرى للحياة : " فترنمى / يا أمنا الصحراء ، / وابتكرى المجاز العذبَ / واصطفى الخرافةَ والمجال ، / ووجه ليلى / لذى ما عادَ يذكرُ / غير لَيلى " ( سوسنة الخمسين ) . هكذا يبدو إيمان الشاعر بمشروعه الجمالى - رغم كل شئ - فهو لن يتخلى عن مشروعه ، واليقين لديه أن العلة ليست هاهنا فى الذات ومشروعها ، بل هى فى الواقع بماديته وجبلته التى تنمو نحو التملك والسطوة والسيطرة ، ولم يعد يعنيه هذا البعد الروحى والجمالى من الحياة .
وفى موازاة كاشفة بين موقف الذات من مشروعها ومدى مجافاة الواقع لهذا المشروع نقرأ : " والشعر / أطول من نخيل جامح إن ناطحَ / الغيم العجولَ / الثرَّ ، أقصر من قوام الخَسِّ ، أطرى من ندى ورقاتهِ الخضراء ... " إلى أن يقول " هل بنيت بنايةً ممشوقةَ الأركان / والبنيان ، / هل زركشت قامتها .. / أقمت على مداخلها / تماثيل الرخام الحرَّ / أطلقت النوافير الملونةِ الجميلة ... " إلى أن يقول : " وجلبت حارسها ليعطيك التحية "
لا شك أن شيئاً من هذا لم يحدث ، ولنا أن نتخيل الفارق بين الشعر الأقصر من قوامِ الخسِّ وبين البناية ممشوقة القوام ، لندرك الفارق بين نظرة الشاعر إلى مشروعه إذ يراه أطول من نخيل جامح وبين نظرة الواقع له .. إذ يراه أقصر من قوامِ الخس بجانب البنايات الشاهقة / اهتمامات الواقع . ولا شك أن شيئاً من فيافئ الشعر لن تتحول إلى واقع أبداً ومع ذلك تستمر الذات فى غواية الشعر ، لكأنه الاعتراف الكبير بغواية الشعر وضلاله بعيداً عن اهتمامات الواقع الحقيقية : " هل أعدتَ غزالة الصحراء ليلى من خيامِ قبيلةٍ / لقصور عشقك / هل ركضتَ وراء روعتها ..... هل ضحكت وقلت لا للدمع ؟ .. " ( سوسنة الخمسين )
وهكذا تتنقل الذات عبر هذه القصيدة سوسنة الخمسين وغيرها عارضة رؤية بانورامية عن الذات فى خفائها وعلنها ، فى ماضيها وحاضرها ، ما تتمناه وما ضاع منها ، وما كان ، ... مشمولة أيضاً بفلسفتها التى ترى الأبعاد التحيَّة فى الواقع والحياة والذات والشعر ، تحاول أن تغلف كل شئ بغلاف الأسى والأسف والتحسر ، وهى فلسفة لا شك تتجه نحو إدانة واقع ليس شعرياً على الإطلاق يسعى إلى التهام الذات جسداً ونفساً ، فيما يبدو الآخرون منهمكين فى تملك الجمال وعلى طريقتهم الأخرى التى تهتم بالمجسد والمحسوس والملموس فيما يشكل الفراغ الخارجىَّ ، بينما يبقى الفراغ الداخلىُّ شاغراً لديهم .. يظل شاغراً من الممكنات الجمالية التى تخدم الروح .
هذا هو أفق التجربة الشعرية فى هذا الديوان بكل أبعادها الوجدانية والرؤيوية ، وهو ولا شك أفق يتزين بعناصر الطبيعة الجميلة والميل الجارف نحو الأنثى كمكون جمالى تهج إليه الذات مثلما تهج إلى الطبيعة لتمارس وجودها واتصالها المخصوص بالوجود من خلالها ومن خلالهما فقط .
لدينا اعذب وأندى وارق الأوصاف للأنثى : " مزقزقة كالعنادل ناعمة كالقطيفة / رائقة كالندى الساحلىِّ / وساحرة / كالأساطير مترفة كشذى الياسمين " ( إلى أين أذهب ) ثمة تحليق شجنى فى عالمها ، واهتمام بأشيائها وأدواتها - كما نطالع فى نص " النسيان الجميل " - ثمة عناية خاصة بالأنثى تعكس قيمتها المخصوصة لدى الشاعر ، مما يبرزها كمحرك جمالى وسحرى أول ، فى حضورها وغيابها ، فى تجسدها على وجه الحقيقة ، أو فى تشكلها فى الحلم .. لم تجتاز الأنثى وضعيتها كأنثى من دمٍ ولحم إلى وضعية أخرى تأخذ فيها أبعاداً رمزية .. هى " زينب " زميلة الدراسة ، وهى " ليلى " زميلة الكلية ، وهى " منى " التى تعتلى إحدى القصائد ، وهى أية واحدة أخرى حركت كوامن نفسه لكنما ورغم أنها لم تتجاوز وضعيتها هذه ، فإن علاقة الذات بها تجتاز - بالضرورة اعتيادية العلاقات الحسية ، أو الإعجاب الشكلى بها ، إلى أغوار خفية تبدو فيها الأنثى مجالاً للتحليق الجمالى ، ومجالاً لملامسة عوالم سحرية ذات طقس مدهش وبوابة لمعانقة المستحيل .
" سافرت للبعيد ، / ولكنما عطرها ، يتقافز ، كالفرح الفاطمىِّ
ويهمى / على / لفتات المكان ، / سافرت / وقيود محبتها / لم تزل فى معاصمنا / تتأرجح ، / تشعل فينا الحنين إلى الأسر توقظ أوهامنا / وتقود القوافل / والزورق المستحيل / إلى ضفة الإقحوان / تركت فى الخيالات أشياءها ... الخ " ( آثرت أن تريح العصافير ) .
التساؤل النقدى يظل مشروعاً : كيف عبرَّ " عزت الطيرى " عن تجربته .. وما موقع تجربته من مسيرة التطور الشعرى ؟
والحقيقة .. إن البحث عن العالم اليوتوبى ، وتلمس الطريق إليه فى الداخل الإنسانى ، والحنين الجارف إلى الماضى بما يحمله من ذكريات ، أو الحنين إلى الماضى الإنسانى ، بما يُعدُّ حنيناً إلى التاريخ العريق الذى يمتد خلفنا وغير ذلك من نظرة الامتعاض إلى الواقع ، والإحساس بعدم التحقق أو التواصل مع مادة هذا الواقع ، ومن ثم الفرار منه إلى الطبيعة ، والالتحام الحميم بالبيئة والمكان وملامسة الحلم والسباحة فى اليوتوبى كلما فرَّت الذات من واقعها ، والعكس تماماً كلما لامست واقعها اكتست بالحزن والأسى والشعور بالأسف .. كل هذه الملامح على نحو ما تم رصدها على عجالة فيما سبق . هى فى حد ذاتها الملامح
الرومانسية التى غلقت الفكر الإنسانى والفن حقَباً طويلة كمذهب . وقد تجاوزت المذاهب الحداثية المعاصرة بفلسفاتها هاتيك الرومانسية .. لكنما ومهما يكن الأمر صحيحاً ، فإننا يجب ألاّ نثق فى " الحداثة " ثقة عمياء ، دون ان نكون قادرين على ممارسة نقدها .. الحداثة التى نجحت فى التجاوز عن المخزون القيمى والحضارى للإنسان إلى مساحة مسكونة بتأليه الذات الفرد التى تصنع عالمها ، وتموضعه على غير أساس مرجعى واقعى أو تاريخى ، ثمة نوع من الهروب من التاريخ الإنسانى وتراثه إلى تاريخيه الذات الفردانية .. تاريخيه منزلقة إلى ديمومة لا تريم عن تجاوز ما يمكن أن يتحول إلى تاريخ ، فيما يشبه الثورة على الماضى والواقع والطبيعة والإنسان
ومن ثم يغيب فى هذا النموذج الإنسانى كحضور مادى وروحى ، وكمقياس جمالى ، فيما يغيب تراث هذا الإنسان أيضاً بخلفياته المعرفية والثقافية والقيمية إذا كان هذا ما تعنيه الحداثة ، فإن ما بعدها لا يعنى تطويراً لها ، أو مرحلة تالية لها بقدر ما يعنى ثورة على ثورة الحداثة ، أو بالمعنى ردة عليها ، عندما تبدأ التجربة بتلمس الماضى الإنسانى والتراث الإنسانى والداخل الإنسانى
وعندما تبدأ من خلال المعطيات البلاغية والفنية بالاعتراف للحس السليم بإمكانية الوصول إلى الدلالة .
تجربة عزت الطيرى فى ديوانه هذا باحثه عن حقيقة الذات الضائعة ، وهى إذ تفعل ذلك إنما تبحث عن الحقيقة الغائبة فى هذا الوجود ، ومن ثم فهى تجربة تعترف بأن الحقيقة ليست موضوعاً مملوكاً رغم وجوده يقيناً ، أو بالمعنى الحقيقة هى الأفق الذى نتحرك عليه دون أن نتملكه ، وهى تجربة وفى معرض بحثها عن الحقيقة تمارس فسحة الانفتاح على التاريخ ، لهذا هى تتآخى مع تراث الذات التى تبحث عنها ، ومن ثم فحنينها إلى الماضى جزء من هذا التآخى ، ومن ثم لم تكن متعالية عن أدوات هذا الذى تحن إليه ، ولا عن مكتسباته الجمالية التى وفرتها الطبيعية ، أو تلك التى صنعها الإنسان على مدى تاريخه ، إنها تجربة تشد خلفها التاريخ الجمالى للطبيعية والإنسان ، وتمتاح منه شجاعة الاجتياز والبحث عن المساحة المثلى فى الحياة ، هى تجتاز إذن دون أن تتجاوز ، ومن ثم يمكننى أن أتوقف عند مكونات جمالية تعبيرية لها علاقتها بالتجربة فى آفاقتها الرؤيوية والفلسفية وأولها الموسيقى .
والموسيقى ليست مكوناً من مكونات التعبير الشعرى فحسب بل هى مكون جمالى من مكونات الطبيعية نفسها ، والإنسان بطبيعته لم يتجاوز عنها بل حفل بها ، وهى مكون جمالى له تأثيره فى النفس الإنسانية ، والشعرية العربية عبر مراحلها التاريخية لم تهمل الإيقاع الموسيقى كعنصر من عناصر الشاعرية ، ومن ثم فإن تجربة كتجربة عزت الطيرى فى هذا الديوان لا يمكن أن تغفل عن هذا البعد الإيقاعى ليس بصفته حلية تجميلية فحسب بل لأنه جزء من المكون الجمالى للكون والوجود والإنسان وفى هذا ما يتفق مع الجذر الرؤيوى والفلسفى الذى يحكم التجربة ، وإن كنت أرى تعبيراً من عينه : " لا يمكن أن تفعل .. " ليس كافياً للتعبير عن احتفاء بالغ بالإيقاع فى هذا الديوان ، ولنا أن نرصد عناصر هذا الإيقاع ، ومكوناته فيما يلى :-
أولا القياس الإيقاعى :
وهو الاستسلام للتداعى الإيقاعى ليفرض بعض الأقيسة اللفظية التى تتساوى كمياً فى إيقاعها .. ومن أمثلة ذلك
كثير وشائع نلتقط منه - بشكل عابر - : " باذخة كالفجر / باذغة كالشمس " و " متشحاً بهواه / ومعتصماً بنداه " ( رجل وامرأة ) و" يقولون ما يفعلون / وينفون ما يدعون " ( والمساء الحزين ) و " عند قدوم مواكبها الموسيقية / بالفرح والقمح / والقصف والوصف والحَبَّ ... " ( آثرت أن تريح العصافير )
ثانياً التكرار :-
وهو تكرار الكلمة الإيقاعية نفسها مرة أو اكثر بتكرار الدال أو المقطع الذى تتشكل فيه ن مثال ذلك : " تقتحم المشهد / تتهادى نغماً نغماً " ( رجل وامرأة ) أو تكرار مادة لغوية معينه بكثرة ف ى بعض المقاطع من النصوص مثل تكرار مادة " عطر " فى المقطع التالى : " وموسيقى الرجل المتسربل / بدماه العطرية من يوقف عطره / رجلُُُُ ُ وامرأة / ومؤامرة / ودماء / كالعطر تسيل " ( رجل وامرأة ) أو تكرار مقطع صوتى معين مثل تكرار المقطع " نا " خمس مرات والمقطع " سا ، صا " ثلاث مرات فى الفقرة التالية : " ويدى عاجزة عن : / أن ترتاد مواسم حناء / لتصافح / أنسام الفرح الغائب/ عن قريتنا / لتحط على اغصان محبتنا / ويداعب أوتار / الورد الناعس / فوق جنون صبابتنا " ( يدى عاجزة )
أو تكرار الصيغة النحوية مثل تكرار صيغة " أفعل " فى المقطع التالى :-
" والشعر / أطول / من نخيل جامح / إن ناطح / الغيم / العجول الشعرِّ / أقصر من قوام الخَسّ / أطرى من ندى ورقاته الخضراء / أصعب من كثير الصعب / أسهل من دماءٍ / ضحية سقطت على رمل / ومادت " ( سوسنة الخمسين ) وقد يكون بتكرار الدوال والصيغة معاً مثلما نقرأ : " إن عشقوا / سكروا .. مكروا / وإن مكروا / عانقوا شجراً للجنون " ( والمساء الحزين )
ثالثاً الحروفيّة :-
ولها علاقة بالتكرار على نحو ما سلف ولكنها تتم فى مقطع صوتى أقل يتشكل فى حرف بعينه يشبع فى الفقرة النصَّيَّة مثل شيوع حرف العين فى قوله : " مشياً إلى / أول المعمعة / مَعْ شَعْرك البابلى " ( ليس معه ) .
أو مثل تكرار حرف ( الثاء ) ست مرات فى الفقرة التالية : " إن عاثوا / فى الأرض حناناً / عُثْ / إن بثوا لوعتهم / بُثْ / إن حثوا .. حُثْ " ( سيمفونية العشق )
رابعاً التجنيس :
ومنه الكامل والناقص ويتم باتفاق حروف الكلمات ويحدث فى القافية وفى غيرها .
مثال ذلك :
" فتدبر أحوالك / واستصغر أهوالك " (سيمفونية العشق ) ومثال: " خمسون من زهر ومن ظهر / ومن عصر / ومن ورد البكاء فما الذى أعطاه شعرك / غير دمعك " .
خامساً التسجيع :
وهو توالى المفردات ذات النهايات الموحدة بعيداً عن التقفية ، مثل توالى التنوين فى : " تملأ اطباقاً / وتعد عشاءً / ولقاءً وتموج بهمس / وعبير .. " ( الغريب ) او مثل توالى التاء الساكنة فى " والبناياتُ إذ أينعتْ / وعلتْ / ورَبتَْ / ثم شَقَّتْ .. " ( والمساء الحزين )
سادساً التقفية :
وقد اعتمد الشاعر على نظام تقفوى متضافر يعتمد على التباعد والتقارب ، والأخلاق والاتفاق . والحقيقة إن دراسة القافية فى ديوان " عزت الطيرى " بحاجة إلى مبحث مستقل نتيجة لاتساعها وتنوعها وتضافرها واختلافها واتفاقها .
ومن القصائد التى تتنوع فيها القافية اختلافا واتفاقاً بشكل متبادل متضافر هى قصيدة " سيمفونية العشق " حيث الراء الساكنة فى بداية القصيدة يليها الكاف المفتوحة التى تحتضن فيما بينها قافية أخرى من الكاف الساكنة مع الاحتفاظ بحركة ثابته قبل الكاف فى الحالتين هى الفتح فيما يسميه العروضيون " التوجيه " مثل : " أحوالك - أهوالك - استَّلك ... الخ " والاحتفاظ بحرف ثابت بين ألف التأسيس والكاف فيما يسميه العروضيون " الدخيل " وقد كان ( اللام ) على نحو ما نرى ، وقد نوع فى هذا الدخيل فى ( خوفَك - حديدك - فتاتك )
ثم العودة إلى الراء الساكنة - مرة أخرى - مسبوقة بحركة دخيل ثابتة " الكسر " مثل : " يثرثر - يكركر " أو الفتح : " تدبر - البربر " ثم التحول إلى قافية السين الساكنة المسبوقة بالياء " ردف " مثل " عيِِِِِِِِِِْسْ - بلقيس ... " ثم التحول إلى الثاء الساكنة المسبوقة بحركة توجيه ثابته تسبق الروى وهى " الضم " كما فى " عُثْ - هُسْ - إبليس " ثم انتهاء القصيدة على قافية القاف الساكنة مع الالتزام باللام المتحركة قبل الردف كما فى : الأخلاق - الخلاَّق - الحلاَّق " .
الملاحظ فى قافية هذه القصيدة أنها جاءت مختلفة بالنظر إلى حرف الروى وحركته فمنها المقيدة ( ساكنة الروى ) والمفتوحة ( المتحركة الروى ) . كما جاءت مختلفة فى حروف الروى نفسه وإن كان ثمة اتفاق فى بعض القوافى التى كان يعود إليها مرة أخرى مثل الراء الساكنة والسين الساكنة ، كما أن هناك اختلاف واتفاق بالنظر إلى ما قبل حرف الروى فمنها ما اعتمد على التأسيس ومنها ما لم يعتمد ، ومنها ما اعتمد على الردف ومنها ما لم يعتمد ، وبالنظر إلى حدود القافية فمنها القافية المتواترة مثل ( يثرثر ?/? ) ومنها المتداركة مثل ( أحوالك ?//? ) ومنها المترادفة مثل (بلقيس ?? ) .
سابعاً التفاعيل :
لقد اعتمد فى كل القصائد على تفاعيل بعض البحور الصافية مثل : تفعيلة ( الكامل ) فى القصائد : " صرت عبئاً - سوسنة الخمسين " وتفعيلة ( المتقارب ) فى : " ليس معه - إلى أين أذهب بى - مثلى - الجنة - ربيب البنفسج - وعلى المتدارك فى بقية الديوان ، وإن كانت ثمة قصائد اعتمد فيها على التداخل والتوالى بين تفعيلتى المتدارك والوافر مثل قصائد : " عطر - القصيرة - قصائد الأعمى - تأجيل - أبو فراس - الأسبوع .
والملاحظ على الجانب التفعيلى أن الشاعر اعتمد على تفعيلة المتدارك بشكل مبالغ فيه ، والحقيقة إن تفعيلة هذا البحر أضحت مطية شعراء
التفعيلة جميعهم - كما يرى الدكتور عز الدين إسماعيل - وليس عزت الطيرى وحده ، وكذلك التداخل بين تفعيلتى الوافر المتدارك أضحى مأنوساً لدى جل شعراء التفعيلة ، بيد أن عزت الطيرى هنا مارس على التفعيلة كافة أنواع الزحافات والعلل الممكنة وخاصة تفعيلة المتدارك بشكل مبالغ فيه أيضاً .
أما وقد آثرت أن أنهى متوقفاً عند الموسيقى كمكون جمالى أساسى فى التعبير الشعرى ، وقد كان طاغياً على المكونات الجمالية الأخرى ، إلا أننا بحاجة ما للتوقف عند هذه المكونات الجمالية الأخرى ، لولا أن المسموح به كمياً فى مثل هذه الدراسات لا يتناسب مع رغبتنا فى تغطية كافة العناصر التعبيرية ، إلا أنه يبقى الباب مفتوحاً لدراسة القاموس الشعرى فى هذه التجربة وانتمائه إلى القاموس الرومانتيكى بجملته ، كما أنه يجب الالتفاف إلى الدوال وإلى حقولها الدلالية فى انتمائها إلى الطبيعة وإلى العاطفة أو الشعور أو الأنثى . كما أننا بحاجة إلى الالتفاف إلى التناصات الكثيرة مع الموروث النصوصى سواء الحكم أو الآيات القرآنية ، أو الشعر كما أننا برغبة ما للنظر فى التراكيب فى تشكلها عبر امتدادات النص الذى اعتمد التدوير ، وعلى طريقة استولاد الجمل من بعضها نحوياً ودلالياً
وإلى الصورة الشعرية فى تشكلها من دوال مألوفة تماماً لتعطى من خلال التركيب صوراً مدهشة ، وإلى طبيعية تلك الصورة نفسها سواء أكانت رمزية أم إيحائية . والحقيقة إنها تجربة ثرية فنياً وغنية بأساليبها ووسائلها وبحاجة إلى الاستفاضة النقدية .
عبد الجواد خفاجى أمين
الشاعر :
عزت الطيرى : عضو اتحاد كتاب مصر . عضو نقابة المهندسين الزراعيين - عضو نقابة المعلمين، حاصل على بكالوريوس الزراعة جامعة اسيوط عام 78
صدرت له المجموعات التالية :
1- دع لى سلوى مطبوعات الجامعة
2- تنويعات على مقام الدهشة مطبوعات أصوات
3- الطريق السهل مقفل سلسلة الإبداع العربى
4- عد لنا يا زمان القمر مطبوعات النيل
5- فصول الحكاية كتاب المواهب
6- وسرب العصافير يسأل عنك هيئة الكتاب
7- فاطمة هيئة قصور الثقافة
8- افتحى الصيف لى هيئة الكتاب
9- عبير الكمنجات هيئة قصور الثقافة
10- على طريق الريح كتابات جديدة

11- السفر إلى الشمال مكتبة الأسرة
12- غناء الهجير اتحاد الكتاب
13- عبير الكمنجات ( طبعة ثانية ) مكتبة الأسرة
14- هديل الفضة المجلس الأعلى للثقافة
له تحت الطبع :
1- بحيرة الظمأ 2- عنترة يفاوض مسرحيتان شعريتان
مثل مصر فى مهرجان الأمة الشعرى فى بغداد ، أسبوع الصداقة السودانى ، مهرجان الجنادرية بالرياض ، مهرجان جرش عمان
* كتب عنه دراسات بأقلام
د. حسن عبد الله د. مدحت الجيار د. يسرى العزب
اأ/ على عبد الفتاح د عبير سلامة
ترجمت اشعاره الى الانجليزية

الإبـــداع.. تلك العملــة النــادرة

التفاصيل
كتب بواسطة: أحمد دعدوش
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 30 ديسمبر 2000
الزيارات: 8
 

 

الإبـــداع..

تلك العملــة النــادرة

 

أحمد دعدوش

يعترف الباحثون اليوم بصعوبة الوقوف على تعريف موحد للإبداع، ولعل أول أوجه هذه الصعوبة تكمن في درجة التعقيد التي ينطوي عليها الإبداع، مما دفع "ماكينون" للاعتراف بأن الإبداع لا يمكن وصفه بتعريف محدد على اعتبار أنه ظاهرة متكاملة ذات وجوه متعددة. إلا أن معظم الباحثين يذهبون إلى عدّه ضربا مفارقا من ضروب الذكاء، إذ يتطلب الإبداع في أبسط أشكاله نوعا من تجاوز المألوف. فإذا كان الذكاء يعرف بأنه القدرة على حل المشكلات، فإن الإبداع يتجاوز هذه القدرة إلى قدرة أخرى ترقى إلى استبصار طرق ومناهج جديدة في إيجاد الحلول على نحو غير معروف من قبل. كما وضع البعض شروطا أخرى للتفكير الإبداعي، ومنها أن يتضمن هذا التفكير قدرا كبيرا من الدافعية والحماس لتحقيق الأهداف، وإيمانا عميقا بجدواها العملية.

من جهة أخرى، فإن الإبداع لا يقتصر فقط على مجال واحد من مجالات التفكير، بل يتعداه أيضا إلى مجالات الفن والموسيقى والجمال التخيلي، إذ يتميز المبدعون عادة برهافة الحس، والقدرة على الإدراك العميق لكل ما يدور من حولهم.

 

اشتغل الباحثون منذ القدم بمحاولة الكشف عن مواطن الإبداع والعوامل المكونة له، وتباينت وجهات النظر إلى حد كبير، فذهب فريق منهم إلى ربط الإبداع بالوراثة، كما فعل أفلاطون عندما قسم المجتمع إلى طبقات تتوارث أدوارها بين الحكماء والمحاربين والعمال والعبيد، وإن كان قد سعى لحل مشكلة بروز بعض الحالات الإبداعية في الطبقات الدنيا بعدّها طفرات شاذة تجب إعادتها إلى زمرة الأطفال الموهوبين الذين أوكل إلى الحكماء مسؤولية إعدادهم في "الجمهورية". وقد تبلورت هذه النظرية فيما بعد لتصل إلى نوع من التطرف على يد عالم النفس البريطاني "سيريل بيرت" (توفي عام 1971) والذي أوصى بعزل الطبقات الفقيرة ذات السلالات غير الأصيلة - من وجهة نظره- على اعتبار أن مشكلة الفقر في بلاده لا يمكن حلها إلا بالحد من نسل طبقات العمال والأقليات العاجزة عن اللحاق بركب الحضارة، وكانت هذه الدعوى التي قامت على دراسات غير دقيقة مجرد استجابة للحمى العنصرية التي سادت على نحو مرضي في الغرب آنذاك، وإلى الحد الذي دفع الكثير من علماء الأنثربولوجيا إلى ربط الذكاء بحجم المخ وملامح الوجه، فشاعت على سبيل المثال مقولة التمييز بين الرجل والمرأة على أساس زيادة وزن مخ الرجل عن مخ المرأة بحوالي خمس أواق، في الوقت الذي يرى المعارضون أن هذا الفرق في الوزن يمكن فهمه بالنظر إلى نسبة وزن المخ إلى وزن الجسد في حدوده الطبيعية، كما تشير الدراسات الحديثة إلى ربط الذكاء بعوامل أخرى ومنها التركيب الداخلي للدماغ بدلا من الحجم والوزن.

من جهة أخرى، وكرد فعل على هذه النظرية المجحفة برزت دراسات أخرى تعطي البيئة دورا جوهريا في تحديد القدرات الإبداعية لدى الطفل، إلى الحد الذي جعل البعض يعدّها العامل الوحيد المكون للذكاء، فقد أعلن "واتسون" أن التربية والبيئة الثقافية هما المؤثران الوحيدان في قدرة المرء على الإبداع، ويمثل لذلك بقوله: "أعطني اثني عشر طفلا سليما ومعافى مع ظروف بيئية مناسبة لأؤكد لك أنهم قادرون بمحض إرادتهم على تحقيق طموحهم، وستجد فيهم الطبيب والمحامي والفنان والتاجر والقائد وحتى اللص والمتسول، وذلك بغض النظر عن ميولهم واستعداداتهم الفطرية أو مورثاتهم".

ويكاد يكون من الشائع كثيرا بين الناس اليوم الاعتقاد بأن الإبداع يبدأ في المراحل المبكرة من الحياة، وأن الأشخاص المبدعين يُخلقون وفي فطرتهم مواهب الإبداع الكامنة، مما يجعلهم يؤمنون بأن الشخص الذي لا تتفتق مواهبه في الصغر فإن قطار النجاح والتميز قد فاته، مما يؤدي لإحباط الكثيرين ومنعهم حتى من مجرد الحلم بتحقيق طموحهم، وقد تزداد خطورة هذا الاعتقاد إذا ما  تسربل بثوب العلم.

إن شيوع هذا الاعتقاد خطير جدا، ويمكن اعتباره مسئولا عن هدر الكثير من الطاقات التي كان من الممكن استغلالها والإفادة منها على المستويين الفردي والجماعي، فعلى الرغم من أننا لا ننكر دور الموهبة الفطرية في إبداع الفرد، إلا أن الحقائق العلمية تؤكد أن احتمال ظهور المواهب في سن متأخرة لا يقل عن ظهورها في سن الطفولة، بل إن الكثير من الباحثين المعاصرين يجزمون بأن المواهب لا توجد بالفطرة، بل تعود بالأصل للتدريب والتعليم، فهي قابلة للإنشاء والبناء في حال توفر الظروف الملائمة والرغبة الكافية، وقد أشار "أوزبورن" إلى ذلك بتأكيده على أن البحث العلمي قد أثبت بأن الاستعدادات المبدعة يمكن أن يتم تكوينها تماما كما يتم تطويرها، إذ تتجه الأنظار حاليا نحو تكوين هذه الاستعدادات بدلا من الكشف عنها.

إزاء ذلك، وفي محاولة للجمع بين مختلف وجهات النظر التي تترواح بين أثر المورثات وبين دور البيئة والتربية يشير "ألكساندرو روشكا" إلى أن الاهتمام بدور البيئة والتربية لا يعني تجاهل دور المورثات على الإطلاق، إذ تؤكد الدراسات وجود الكثير من الحالات الإبداعية لدى الأطفال في سن مبكرة جدا وقبل بداية ظهور أي تأثير للبيئة من حولهم، ولكنه لم يثبُت حتى الآن القول بوجود جينات وراثية مسئولة عن كل استعداد فطري يمكن اكتشافه. وعليه فإن العملية التربوية الصحيحة تكون قادرة على الكشف عن الاستعدادات الخاصة لدى الطفل بسرعة كبيرة، تماما كما تقوم بإنشائها وتكوينها في حال وجود الرغبة النفسية تجاهها. ويمكن القول بأن الجمع بين كل من العوامل الفطرية والرغبة النفسية المزاجية والظروف التربوية والاجتماعية السليمة، يؤدي في النهاية إلى إنجازات باهرة على أعلى المستويات.

وهكذا، فإننا حتى في حال تسليمنا بأن المواهب تُخلق فطريا لدى الإنسان، فإنه من الصعب التسليم بحتمية ظهورها في السنوات الأولى من العمر، لاحتمال وجود الكثير من العوائق الاجتماعية، مما يجعل من الممكن اكتشافها في سن متأخرة، وقد يحدث ذلك عن طريق المصادفة كما تدل حوادث كثيرة وشهيرة، ونذكر منها تفجر موهبة الشعر عند النابغة الذبياني في سن الأربعين مما دفع قومه لتسميته بالنابغة، ثم تسليمه راية التحكيم في سوق عكاظ للحكم على فطاحل الشعراء في الجاهلية، كما نذكر المفكر المعاصر يوسف مراد الذي ترك عالم الفكر والفلسفة في سن الستين بعد أن اكتشف موهبته في الرسم، وكذلك الطبيب العربي جورج دوما الذي انسلّ من عالم الطب ليدخل صراعات الفكر والأدب في سن متأخرة أيضا، ومن خارج العالم العربي نجد في تشايكوفسكي مثالا جيدا، فقد اكتشف موهبته في الموسيقى وهو في سن التاسعة عشرة، وهذا أمر نادر بالنسبة للموسيقيين، ونذكر أيضا الكاتب المسرحي ألكساندر دوما  الذي لم يدرك موهبته في الكتابة إلا في سن متأخرة وتحت ضغط سوء المعيشة، أما الكاتبة التشيلية الشهيرة إيزابيل اليندي فلم تكتب روايتها (بيت الأرواح) إلا في عمر يناهز الأربعين، مما جعلها تتردد كثيرا في عرضها على المقربين منها خشية أن تتلقى بعض ردود الفعل المحبطة، ولكنها سرعان ما أتبعت نجاح روايتها تلك بعدد من الإبداعات التي أذاعت شهرتها في الآفاق، وحولتها إلى بطلة قومية يعتز بها الشعب التشيلي.

بالرغم من ذلك، فإن معظم الحالات الإبداعية المعروفة كانت قد بدأت في الظهور في سن مبكرة، إذ بدأ بيكاسو بالرسم قبل أن يتعلم الكلام، وكان موتزارت يؤلف الموسيقى في سن الخامسة، أما إنجليكا كاوفمان فتفجرت موهبتها في الرسم مبكرا مما أتاح لها الفرصة لرسم صور شخصية للأساقفة والنبلاء وهي في الثانية عشرة من عمرها، كما بدأ جون لوك بالتفلسف في سن الرابعة عشرة، وبحث أرسطو في سرعة السقوط الحر وهو في التاسعة عشرة من عمره، وفاقت شهرة ابن سينا في الطب شهرة معظم أطباء عصره وهو لم يتجاوز السابعة عشرة، وحصل الفيزيائي الفرنسي لافوازيه على تكريمه الأول عندما منحته حكومة بلاده الميدالية الذهبية لجهوده في اقتراح أفضل طريقة لإنارة الشوارع وهو في سن الواحدة والعشرين، والتحق الفيلسوف ليبنتز بالجامعة في سن الخامسة عشرة وأحرز الدكتوراه في سن العشرين.

أما علاقة السن بذروة النتاج الإبداعي، فقد اهتم بها "جورج بيرد" عندما قام في أواخر القرن التاسع عشر بدراسة ما يربو على ألف سيرة شخصية للمشاهير، فوجد أن معظم نتاجهم الإبداعي قد ظهر في الفترة الواقعة ما بين سن الثلاثين والخامسة والأربعين، كما استنتج بيرد أن الإبداع يرتبط بعاملين أساسيين هما الحماس والخبرة، وأثبت أن الحماس يبدأ في السنوات الأولى للشباب، ويخفت مع تقدم العمر، أما الخبرة فتتكون بشكل تراكمي مع التقدم في السن، وقد وجد أن التوازن المثالي بين هذين العاملين يحدث فيما بين الثامنة والثلاثين والأربعين، وأن العمل الناتج في الفترة السابقة لهذا السن يكون أكثر جدة وطرافة، بينما يميل الناتج الإبداعي فيما بعده للرتابة والنضج.

إذن فقد أصبح من الممكن القول بأن الإبداع يبدأ في التكون منذ السنوات الأولى من عمر الطفل، إذ يملك الإنسان عادة الاستعدادات الأولية لمواهبه التي تحتاج إلى التدريب والتطوير كي تؤتي ثمارها وإلا ذهبت أدراج الرياح. وفي الوقت نفسه فإنه من الخطأ القول بأن الإبداع محكوم بالسنوات الأولى من العمر، إذ لا يبعد أن تبقى كوامن الإبداع دفينة إلى سن متأخرة وهي تنتظر فرصة ظهورها. ويتناقل التربويون اليوم مقولة مفادها أن نسبة المبدعين الموهوبين من الأطفال في المرحلة الواقعة بين سن الولادة والسنة الخامسة من أعمارهم تبلغ حوالي 90% ، وأن هذه النسبة تنخفض إلى 10% في سن السابعة، ثم تنحدر إلى 2% فقط في سن الثامنة. ولا شك في أن هذه الأرقام تعطي مؤشرا يدعو للأسى في بلادنا التي تفتقر إلى أهم مكونات الحضارة في العصر الحديث، ألا وهي رأس المال البشري.

 

الذكاء والإبداع

مع بداية القرن العشرين، كان الاعتقاد سائدا بأن الذكاء المحدد عبر اختبارات الذكاء لا يختلف عن الإبداع في شيء، ولكن دراسات "تيرمان" في عشرينات العقد الماضي فتحت الباب أمام عدد من الدراسات الأخرى التي أدت إلى التفريق بين  كل من المبدعين والأشخاص الذين يوصفون فقط بأنهم أذكياء، إذ ثبت أن الإبداع لا يشترط ذكاء تزيد درجته في اختبارات الذكاء على 130 درجة (والتي تعني نتيجة ضرب حاصل قسمة العمر العقلي على العمر الحقيقي في مئة)، بل إن زيادة درجة الذكاء عن هذا الحد قد تؤدي إلى قلة المرونة في تقبل الآراء المخالفة، والتمسك بالقناعات الخاصة، وهذا يتنافى بطبيعة الحال مع أهم شروط الإبداع، والذي يحتاج إلى قابلية كبيرة للتغيير والتبديل، والتفكير بحلول جديدة تتنافى مع ما هو مألوف حتى لو كان ذلك مناقضا أحيانا لقناعات المبدع نفسه ما دام الحل الناتج يعطي إجابة وافية.

ولعل من أهم الدراسات التي بحثت في الفارق بين الذكاء والإبداع، هي تلك التي قامت بها "كاترين كوكس" في عام 1926، والتي درست فيها السير الشخصية لـ 301 شخصية تاريخية من العباقرة الذين ولدوا منذ عام 1450، وعلى الرغم من أن نتائج دراستها قد أثبتت أن معظم أولئك العباقرة كانوا يتمتعون بدرجة ذكاء عالية، إذ كان متوسط الذكاء لهذه المجموعة يقترب من 165، إلا أن الكثير من العباقرة المتميزين الذين يفوقون الآخرين شهرة وإبداعا كانت درجات ذكائهم تتراوح بين (100 و 130)، الأمر الذي أكد فيما بعد مقولة التمييز بين ظاهرة الإبداع والذكاء المرتفع.

من جهة أخرى، فإن الموهوبين من ذوي معدلات الذكاء المرتفعة جدا يعانون عادة من صعوبات كبيرة في التكيف الاجتماعي، وتبرز هذه الظاهرة بشكل أكثر وضوحا في المجتمعات المتخلفة، على الرغم من وجودها أيضا في المجتمعات الأكثر تقدما. فقد أثبتت دراسات كل من غولدبرغ ورالف في الستينات أن الفشل الدراسي لدى آلاف الطلاب المراهقين من الجنسين قد يعود في كثير من الأحيان إلى حالات استثنائية من الذكاء غير العادي، ويقول ريمي شوفان: إن الأطفال الذين تتجاوز درجات ذكائهم معدلا قدره 180 درجة، غالبا ما يعانون من مشكلات اجتماعية صعبة قد تضطرهم إلى الانسحاب من المدرسة في وقت مبكر. في الوقت الذي يظهر فيه الطلاب الأذكياء ذوي معدل الذكاء الأعلى من الوسط بقليل (ما بين 140 و 150 درجة) قدرة أكبر على التكيف الاجتماعي، ويتمتعون بمواهب قيادية تمكنهم من الاتصال مع الآخرين بفاعلية كبيرة.

وعلاوة على ذلك، فإن الموهوبين من أصحاب الذكاء الخارق يعانون منذ الصغر من شعور دائم بالقلق والعزلة، ويميلون غالبا إلى الانطواء على الذات وإشباع نهمهم في القراءة والمهارات اليدوية، ويبدون تعنتا كبيرا في الانصياع للأوامر من كبار السن، لشعورهم بالاستقلال والتميز، كما أن التجاوزات اللاأخلاقية ومظاهر الانحلال وضعف الضمائر التي تصادفهم في المجتمع قد تطغى على قدرتهم على الصمت، مما يزيد من شعورهم بالغربة والرغبة في الانطواء.

إن هذه الحساسية العالية لدى الأشخاص الموهوبين تقلل كثيرا من شعبيتهم، وتزيد من رفض مجتمعاتهم لهم، فضلا عن صعوبة فهمهم من قبل الآخرين، وقد يؤدي سوء الفهم أيضا إلى شكل مؤسف من أشكال الرفض وحتى الاضطهاد، وغالبا ما يعاني الأطفال ذوي النبوغ النادر من رفض بقية الأطفال لإقامة العلاقات معهم لغرابة أطوارهم وذكائهم الخارق. وينصح المختصون في هذه الحالة بضرورة توخي الحذر الشديد في رعاية هؤلاء الأطفال، وتأمين الوسط الاجتماعي المناسب لمواهبهم ضمن مدارس ونواد خاصة بهم، إذ من الصعب حقا تصور انخراط أطفال في العاشرة من عمرهم وهم يتمتعون بذكاء يقارب مستوى خريجي الجامعات مع بقية الأطفال العاديين، كما أن محاولة هؤلاء الأطفال لإقامة العلاقات مع اليافعين الذين يكبرونهم سنا لا بد وأن تلقى الرفض من قبل هؤلاء الآخرين الذين غالبا ما يواجهون أولئك النوابغ الصغار بشيء من الحسد والازدراء.

 

الإبداع والمدرسة

يخطئ الكثير من الآباء والأمهات في ربطهم بين النجاح المدرسي والإبداع، إذ كثيرا ما يفشل الأطفال الموهوبون دراسيا. ويذكر لنا التاريخ حالات كثيرة من فشل العظماء في دراستهم، فمن العلماء نجد أديسون وأينشتاين وباستور ونيوتن، كما نجد من رجال الأدب تولستوي وبالزاك وزولا، وحتى الفنانون مثل فان غوخ وغوغان اللذين لم تكن نتائجهما في الرسم جيدة فضلا عن المواد الدراسية الأخرى!

إن دراسة هذه الظاهرة ليست بالأمر السهل على الإطلاق، إذ يتوجب علينا أولا دراسة كافة جوانب العملية التعليمية قبل الحكم على فشلها، فقد يعزى سبب الفشل الدراسي للطفل المبدع إلى الظروف المعيشية القاسية التي يعيشها، وقد يعود أيضا إلى سوء وضع المدرسة والمدرسين، كما يحتمل في حالات كثيرة أن يكون اهتمام الطفل الموهوب أو المبدع منصبا على مجالات أخرى لا تعطيها المدرسة الاهتمام الكافي، إذ يمكن أن ينبغ الطفل في مجالات نادرة كالموسيقى والشعر، في الوقت الذي يركز فيه النظام التعليمي على المواد العلمية البحتة، مما يعني ضياع هذه الموهبة وإلزام الطفل بحفظ كم هائل من المعلومات دون أن تعود عليه بالنفع في حياته العملية.

علاوة على ذلك، يتمتع الطفل الموهوب غالبا بحس مرهف وحاجة كبيرة للرعاية، إذ يعتقد "تورنس" أن السبب الأول في انطفاء هؤلاء الأطفال المبدعين يعود إلى قلة اهتمام مدرسيهم بهم ومعاملتهم بشكل أقرب إلى الاضطهاد، ولعل ذلك يعود كما أسلفنا إلى غرابة طباع هؤلاء الأطفال ومفارقة تفكيرهم، فضلا عن صعوبة انصياعهم للأوامر. وقد يزداد الأمر سوءا عندما يكون المدرسون على جهل تام بحاجات أولئك الأطفال وتطلعاتهم، كما يحدث غالبا في مدارس الدول النامية التي لا تهتم كثيرا بتأهيل معلميها من الناحية التربوية، مما يدفع هؤلاء المدرسين للنظر إلى تميز تلاميذهم المبدعين على أنه شذوذ يحتاج إلى إصلاح أكثر منه إلى الرعاية والاحتفاء!

في المقابل، أثبت "وات" في ستينات القرن الماضي سرعة استجابة هؤلاء الأطفال لظروف الرعاية التي يحتاجونها، إذ عمل على البحث عن أطفال موهوبين بين عائلات الزنوج الذين يأوون إلى بيوت من الصفيح خارج المدن الأمريكية الكبرى، ثم قام باختيار ستة عشر طفلا من هذا الوسط، ممن يُبدون مواهب خاصة في مجالات متعددة من العلم والأدب والفن والموسيقا. وعلى الرغم من تشكك مدرسيهم في البداية من جدوى تعليمهم، إلا أنهم سرعان ما فجروا طاقاتهم الإبداعية بعد أن اطمأنوا إلى الوسط المدرسي الجديد، وشعروا بالارتياح تجاه معلميهم الذين لم يبخلوا عليهم بكل ما يحتاجون إليه من رعاية واهتمام.

 

كيف نكتشف الطفل الموهوب؟

على الرغم من صعوبة اكتشاف الطفل الموهوب عندما يكون قابعا في جو اعتيادي ولا يحظى بالاهتمام المطلوب، إلا أن التربوي المحترف لا بد وأن يكون قادرا على ملاحظة جوانب التميز لدى الطفل، والتي قد تتبدى في البداية في سرعة تعلم اللغات، القراءة والهجاء، المهارات اليدوية، سرعة إجراء العمليات الحسابية، أو غيرها من القدرات التي تدل كل منها على جانب معين من جوانب الإبداع، وقد ميز "جيلفورد" بين أنواع أربعة للذكاء، ثم أضيفت إليها أربعة أنواع أخرى فيما بعد، ويمكن عدها على النحو التالي: الذكاء اللغوي، الحسي- الحركي، المنطقي - الرياضي، التفاعلي- القيادي، الذاتي- التأملي، البصري- الهندسي، الحيوي- الطبيعي، وأخيرا الموسيقي. وتجدر بنا الإشارة هنا إلى أن المختصين لم يتفقوا بعد على هذا التقسيم، أو على الربط بين الاستعداد للرسم والموسيقى وبين الذكاء. إلا أنهم يجمعون على أهمية اكتشاف هذه الاستعدادات منذ الصغر، وضرورة تنميتها بالشكل الأنسب، ويضعون لكل منها مقاييس دقيقة للكشف عنها، وبرامج أخرى لتطويرها والاستفادة منها.

لقد أثبت لنا تاريخ الحضارة الإنساني أن الاهتمام المبكر بالأطفال الموهوبين لا بد وأن يعود على مجتمعهم بالكثير من الفوائد، وقد تنبه إلى ضرورة توافق عملية التعليم مع قدرات الطفل عدد من عظماء القادة والمفكرين. فبعد أن ألح أفلاطون على ضرورة عزل الأطفال الموهوبين وتنشئتهم في أجواء خاصة بهم، تم تطبيق هذه النظرية مرات عدة على أرض الواقع، إذ يذكر لنا التاريخ تجربة السلطان العثماني محمد الفاتح، والذي استفاد جيدا من تجربته الخاصة، إذ حظي باهتمام بالغ منذ نعومة أظفاره بتوجيهات من والده، مما ساعده على إطلاق مواهبه الفذة التي تنوعت بين إتقان اللغات والشعر والخط العربي، وبين القدرات القيادية والعسكرية التي وضعت اسمه في سجل عظماء التاريخ الإنساني. فقد أنشأ هذا السلطان مدرسة خاصة بالأطفال المتميزين، ووضع لروادها شروطا صعبة تتطلب التميز في الذكاء والقوة الجسدية، وقد نجحت هذه المدرسة فيما بعد بإمداد الدولة العثمانية بكفاءات إدارية عالية، كان لها دور مهم في نهضة البلاد إبان القرنين الخامس عشر والسادس عشر.

وفي العصر الحديث، بدأ الاهتمام بالأطفال الموهوبين مع إنشاء المعهد القومي لرعاية الموهوبين في الولايات المتحدة عام 1957، والذي بدأ عمله برعاية أكثر من خمسين ألف طفل موهوب يمثلون عددا من الولايات الكبرى. ثم سرعان ما انتشرت فكرة رعاية الموهوبين في الدول الصناعية الكبرى، ومنها إلى الدول الاشتراكية التي تجاهلت فلسفتها في رفض مبدأ التمييز بين أفراد الشعب!

 

دور التعليم:

مع بداية القرن التاسع عشر، كانت معظم الأدبيات التربوية تركز على نوعين من التعليم، سُمي الأول بالتعليم الشكلي، وهو يهدف إلى تنمية المواهب لدى الأطفال، ودُعي الثاني بالتعليم المادي، ويقصد به حث الطالب على حفظ أكبر قدر ممكن من المعلومات. وقد نشأ صراع كبير بين أتباع هذين المنهجين طوال القرن الميلادي الماضي، ففي الوقت الذي يدعو أصحاب المدرسة الشكلية إلى ضرورة تنمية القدرات العقلية بدلا من إضاعة الوقت في حشو رؤوس التلاميذ بالمعلومات، يتساءل أنصار الفريق الآخر عن أهمية القدرات العقلية التي ينادي بها الشكليون إذا لم تكن مستندة إلى قاعدة متينة من الخبرات والمعارف، ومن ذلك تأكيد العالم الروسي "برولوف" على أن عملية تطوير القدرات العقلية لا يمكن أن تتم دون اطلاع كاف على الثروة المعرفية التي تركها لنا الأقدمون.

إلا أن الدراسات الحديثة قد أثبتت أن الإمعان في حث الطالب على الاستحفاظ لا يؤدي إلى النتائج التي كانت تعول عليه في الماضي، فالكثير من المعلومات التي يمضي الطالب جل وقته في حفظها ستدخل دائرة النسيان بعد أداء الامتحان. كما ثبت خطأ الرأي القائل بأن مرحلة الطفولة يجب أن تخصص فقط للحفظ وتخزين المعلومات، مما يعني تجاهل دور العقل في تلك المرحلة المهمة على التفكير وتطوير ملكة الإبداع، حتى وإن بدا لنا هذا التفكير في شكل بدائي. وقد وضع "ماكس ورتيامر" (1880- 1942) أسس نظام التعليم الإبداعي في كتابه (التفكير المنتج) عندما لاحظ أن نظم التدريس غالبا ما تركز على التلقين الهادف إلى الحفظ بعيدا عن الفهم، مما أدى إلى ارتفاع عدد المؤيدين لمقولة صناعة ملكة الإبداع بدلا من اكتشافها، وبالتالي إلى منح  نظم التعليم دورًا رئيسيًا في تخريج الأجيال المثقفة والمبدعة معا. وهو الأمر الذي يفسر تزايد اهتمام العالم المتقدم بتقنيات التعليم، وتخصيص المؤسسات التعليمية بجزء مهم من النفقات الحكومية العامة.

يتلخص دور هذه النظم في تحريض قدرات الطالب على الإبداع، عبر إعادة صياغة المناهج الدراسية على هيئة مشكلات تحتاج إلى حلول، وذلك بهدف حث الطالب على التفكير والابتكار، مع توفير مفاتيح التفكير المحفزة، والتشجيع الكافي على منح الطالب الثقة التامة بالنفس. ويعلق البروفسور "هـ . ونتورث إيلدريدج" أستاذ علم الاجتماع في كلية "دارتماوث" على المقررات الحديثة في الجامعات التي تطبق هذا النظام بقوله: "يبدو أن طلاب هذا العصر أسرع تعلما وأكثر حماسة عندما يشاركون بشكل فعال جدا في إنتاج المعرفة بدلا من القراءة عن العملية، فهم يفضلون القيام بالأمور المستقبلية بدلا من دراسة ما قام به الآخرون"، ويؤكد على أهمية هذا المنهج التعليمي في العصر الحاضر بقوله: "إن ضخامة المستقبل وتعقيداته تهز عقول الطلاب وتحفزها، فهذا النظام يساعد على تأسيس نوع من التعلم الداخلي (الذاتي) لجيل يقال عنه بأن غطرسته أكبر من جهالته، مع اعترافنا بأنه يتعامل مع حقيقة لا مفر منها وتدعى بـ (صدمة المستقبل) ".

 

الموازين الجمالية لفن الخط العربي

التفاصيل
كتب بواسطة: معصوم محمّد خلف
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 29 ديسمبر 2000
الزيارات: 9
 

الموازين الجمالية لفن الخط العربي

بقلم الخطاط: معصوم محمّد خلف

مهما اختلفت الحضارات وتنوعت أساليب الكتابة لدى الجنس البشري ، تبقى الكتابة العربية وفنون الخط العربي محط أنظار الباحثين والمفكرين بشكل عام، ومتذوقي الفن الجميل بشكل خاص. فنحن جميعاً نقف مكتوفي الأيدي وقصيري البعد النظري مقارنة بالمدة الزمنية القصيرة التي نعيشها على هذا الكوكب، أمام عمر من التاريخ تعاقبت عليها الأجيال فشيّدت الحضارات وبنت معالم خالدة طوتها السنين ولفتها دقات الساعة العصرية الصامتة ، فلم يبق لها إلا الاسم تاركاً خلفها جميع جوانب الحياة في أدغال الزمن الغابر . إلا الكتابة العربية بقيت كماء الياقوت تسبق الزمن وتتكىء على أكتاف بناة الحضارات ليستعينوا بها في كتابة تاريخهم على جبهة الريح وبين أحضان التراث .

وعلى الرغم من التطور الكبير الذي حصل للحرف العربي في الفن التشكيلي سواء باستخدامه الرمزي أو التعبيري فإنه لم يزل يملك سحره داخل الكلمة والجملة ولم يزل يغري الكثير من الفنانين والخطاطين بالعمل من داخله للوصول إلى لمحات فنية تمتع المشاهد وتغني رؤيته البصرية.

وإذا كان الخطاطون منذ أيام القلم المسند وقلم حران وحتى اليوم أبدعوا الشيء الجميل إلا أن الخطاطين المعاصرين استطاعوا أن يقدموا ماهو أكثر اتقاناً وأعمق حضوراً وذلك بفضل التطويرات الكثيرة التي أدخلوها عليه . والكتابة هي تعبير ، ليس عن طريق اللسان ، وإنما عن طريق اليد ، واليد أحياناً تعبر من خلال الإشارة أو من خلال الرسم ، ورسم الإشارة هو جهد خاص له قواعده بحيث تكون الرسوم المكتوبة دالة من خلال تركيبها على بعض المعاني .

وكلما ارتقت صناعة الكتابة كانت أكثر دقة في التعبير ، عما يجيش في النفس من أفكار وعواطف وانفعالات .

واختراع الإنسان لصناعة الكتابة هو تقدمٌ فكري وتفوّق عقلي .فالإنسان استطاع أن يخترع أسلوباً للتعبير ، والكتابة هي رسوم وأشكال اخترعها الإنسان، وجعل لكل رسم منها دلالة خاصة ، وتؤدي تلك  الرسوم في حالة تركيبها معاني دقيقة ، قد تتجاوز حدود الكلمات الدالة على معاني حركيّة ، وقد تفيد أحياناً أفكاراً دقيقة هي وسيلة الإنسان إلى المعرفة، والكتابة في جميع أحوالها هي مظهر من مظاهر الحضارة ، ولا يمكن تصوّر نشأتها إلاّ في ظل حضارة الإنسان وتطوره ولو أننا تتبعنا تاريخ الكتابة لوجدنا أن ذلك التاريخ ليس هو تاريخ الإنسان ، وإنما هو تاريخ حضارة الإنسان .

وليست الكتابة مجرد رسم لشكل من أشكال الحروف ، إذ إن ذلك قد يتم التدريب عليه لبعض الحيوانات ، وإنما هي أكثر تعقيداً من مجرد الرسم المادي لشكل الحرف ، فهي في الدرجة الأولى رسم للشكل يعتمد على الترابط العاقل أو المنظم بين تلك الأشكال ولو اكتفينا بمجرد الرسم لكانت الكتابة فاقدة معناها ، غير مؤدية الغرض منها .

وأهم أغراض الكتابة تأدية الأغراض المطلوبة منها ، عن طريق ربط الرسوم والأشكال بالمعاني الدالة عليها ، فالمعنى في حدِّ ذاته فكرة ضمنية تراود الإنسان وتتردد في صدره ولا يجد وسيلة لإبراز تلك الفكرة إلا عن طريق اللسان أو عن طريق الكتابة أو عن طريق الإشارة، والإشارة وسيلة قاصرة لأنها لا تعبر عن طريق المعاني البسيطة ، في حالات القبول أو الرفض أو فيما هو في مستوى ذلك من الأفكار المبسطة ، واللسان هو الوسيلة الأوضح والأقوى للتعبير ، ومن هنا كانت الحاجة إلى اللغة كوسيلة للتعبير عن الأفكار ، غير أن اللسان قد يكون قاصراً في بعض المواطن ليس عن أداء المعنى ، وإنما عن استمرارية المعنى المطلوب ، ولهذا فإن الكتابة تأخذ موقعها كوسيلة لنقل الأفكار وحمايتها واستمرارية عطائها .

والكتابة أكثر صعوبة من الكلام ، لأن الكلام أقل جهداً من الكتابة ويتعلمه الإنسان عن طريق التلقين التلقائي في الطفولة ، أما الكتابة فتحتاج إلى جهد مضاعف ، لأنها عملية معقدة ودقيقة ، تحتاج إلى تعليم رسوم وأشكال الحروف والأرقام أولاً ، ثم إلى تعليم دلالات تلك الرسوم والأشكال على المعاني ثانياً ، ثم إلى ربط المفردات اللغوية لتكوين معاني معقدة ثالثاً ،وهذه المراحل شاقة وتحتاج إلى مران وتعليم وتكرار إلى أن يتمكن الإنسان من امتلاك ناصية الكتابة وتكوين ملكتها .

ولا شكَّ أن اختراع الكتابة كان من أهم منجزات الإنسان ، ولعلَّ ذلك هو البداية الحقيقية لحضارة الإنسان ومسيرة الفكر الإنساني ، ذلك أن الإنسان البدائي كان يعتمد على تجربته الذاتية في استكشاف معالم الطبيعة التي تحيط به، حيث إن لكل أمة في التاريخ مرآة عاكسة لعقلها وذوقها في عالم الفكر والثقافة ، وكلما كان العقل والإبداع أكثر تألقاً وعطاءً ، كانت المرآة أكثر صفاءً وجلاءً فلا قيمة لأمة لا تمتلك إرثاً فنياً وإبداعياً وحضارياً ، لأنها أمة بلا جذور وبلا هوية ، والخط العربي يقف اليوم موقفاً ثابتاً وسط التيارات المختلفة والمفاهيم المتعددة التي ظهرت في الآونة الأخيرة كالحداثية والعولمة وغيرها ، ورغم ذلك كله فهو يتمركز في ذروة العطاء الحضاري الإسلامي وفي قمة الإبداع لأنه واسطة نقل العلوم والمعارف ، فكيف لا والخط لسان اليد ،ويد اللسان ،ورسول الفكر ، وميزان العقل وترجمان القلب، ومعيار الإرادة، وبهجة الضمير، ومزمار المعاني، ومرآة الروح، و سلاح في المعرفة وحجة في العلوم وسند للحضارات ، وهو يخفي الأسرار في نفسه ، وتفوح من جسده روحانيات تسر العيون وتنتعش النفوس .

فللحرف العربي جمال أخّاذ ، وذوق رفيع في شكله ورسمه وزخرفه والتفنن في وضعه على الصفحات الناصعة البياض أو اللوحات التشكيلية ، وقد أجادت الأنامل المبدعة في رسمه وخطه ، لذا برزت لنا منذ القرون الأولى لمولده أنواع متعددة الأسماء والأشكال عن الخط العربي مما رغب  وحث على تكوين دراسات ومناهج وبحوث حول الحرف العربي وكيفية خطه ورسمه وضبط شكله وفق القواعد المخصصة لها .

حيث يعد الخط العربي من أجمل فنون العرب والمسلمين على حدٍ سواء ، فالكتابة العربية التي تتميز بحروف طيعة ولينة في تعاملها مع الخطاط هي بالطبع طبيعية في تعاملها مع الشعوب التي اتخذت من أشكال الكتابة العربية منهجاً ثقافياً لها ، والذي عزز ذلك اتخاذها الإسلام ديناً تهتدي به .

فالخط العربي هو فن زخرفة الحضارة الإسلاميّة ، كان وما يزال ، وسيظل دائماً فياضاً بكل ما يضيء ويفيد ويبهج الحياة ويفتح الآفاق أمام الإنسان والمجتمع ، وهو الشاهد على عصور النهضة الإسلاميّة والتقدم الذي واكب هذه النهضة في كل المجالات وعلى مر السنين والعهود .

ويعد الخط العربي منذ بداياته الأولى إلى يومنا هذا رمزاً من الرموز المهمة في بناء الحضارة العربية الإسلاميّة ، بل والإسهام في الحضارة الإنسانيّة ، كما يؤكد الخطاط العربي المسلم تفوقه في هذا المجال ، لدرجة جعلت كل دارسي الخط العربي يجمعون على أن الفنان المسلم جعل للكلمة وظيفة جمالية مرئية إلى جانب وظيفتها السمعية .

وقد حظي الخط العربي في الإسلام بعناية خاصّة ، ولا غرو في ذلك ، فهو ترجمان القرآن الكريم ووسيلته التي حفظ بها على مر العصور ، حيث حرص الفنان المسلم على مدى أربعة عشر قرناً على تجويد الخط العربي وتحسينه ، ووضع أقصى ما يمكن أن يضعه العقل البشري من القواعد والمعايير في سبيل تجويد هذا الفن وأحكامه لتكون بمنزلة قوانين ونظريات هندسية غاية في الدقة، لا يجوز الزيادة عليها أو النقصان منها ، يرجع إليها كل من أراد حذق الكتابة.

فالخط العربي يتمتع بإمكانات تشكيلية لا نهائية فحروفه مطاوعة للعقل وليد الخطاط الحاذق إلى أبعد الحدود ، لما يتميزُ به من المدِّ والقصر والاتكاء والإرداف والإرسال والقطع والرجوع والجمع مما لا يتوفر في أيِّ من الخطوط في اللغات الأخرى ، ولذلك فهو ينتمي إلى العالميّة بكل قوة ودراية وشموليّة .

وهو فن يجمع الليونة والصلابة في تناغم مذهل وتتجلى فيه قوّة القلم وجودة المداد المستمدة من النفحات الروحانية التي تهيمن على الخطاط المبدع في لحظة إبداع فلسفي لا تكرر نفسها .

فمن ساحة الفكر المخزون يقفز نصّ جذاب أو حكمة مأثورة أو آية كريمة يرافقه تخيل مبدئي لنوع الخط الذي ينبغي أن يكتب به ، ومع أعمال الفكر وإجهاد القريحة تبدأ ملامح التكوين الخطي تظهر رويداً رويداً للرّوح ثم للعين ثم تنفذ اليد للإبداع الحقيقي .

كما أن الرابطة الحميمية التي تجمع مثلث العقل والروح والعين بدءاً بالتوافق المنضبط في النسب المطلوبة بين الحروف والتناغم المألوف بين الحركات ، والانطلاقة الوثّابة لبعض الكلمات لتنصهر في علاقة واضحة بين نوع الخط ومعنى الكلام المخطوط في بناء لوحة قادرة على التعايش مع الوسط الفني زمناً طويلاً .

والخط في اللغة يعني الكثير ، منه ما يبتعد عما نعنيه بمعنى الكتابة ، من ذلك مثلاً رسم مستقيم له طول وليس له عرض ولا سِمك ، أو رسم علامة أو حفر القبر أو غزو السيب للرأس ...الخ .

وقد ابتدأ الخط العربي من خلال علاقة "سيمولوجية" دلائلية أو رمزية متمثلة بالبيان الإلهي في القرآن الكريم عن توضيحه بالكتابة ، ومن هنا تطلب كتابة فاضلة بالخط المنسوب أي الخاضع لقواعد الخط الجميل ،والخط العربي مَلِكة تنضبط بها حركة الأنامل بالقلم على قواعد مخصوصة ، وهذه الملكة تتربى بالتعليم وتقوى بالتمرين والاجتهاد ، وليس كل إنسان قابلاً لأن يكون خطاطاً ، وإنما البعض دون البعض ، حيث إنه من أدق الأشكال الهندسية ، وحسن الخط كامن في بعض الأفراد كمون النار في الحجر ، لِما وهبه الله تعالى من الاستعداد الفطري ، فإذا ما اشتغل به نبغ نبوغاً عظيماً من غير عناء كبير ، أما من لم يكن فيه هذا الاستعداد الفطري لتحسينه ، فلا يرجى له النبوغ والوصول إلى غايته ، مهما بذل من الجهد ، وصرف فيه من الوقت ، وقد ينال فيه قسطاً لا بأس به  ، إذ لكل مجتهد نصيب . \"ولكن نصيب هذا لا يرفعه إلى الدرجة التي يصح أن يطلق عليه لفظ / خطاط / .

وهو نصٌّ في مرآة يعكس الحلم الخالص بانتزاع اللغة من حقيقتها البشرية ، وتقديمها في شكل فني وبشكل أكثر تحدياً ، فإن فن الخط هو الفن الذي يعتبر نفسه متوفراً على هذه الصفة ، وقائماً على بنية متميزة ، وقواعد هندسية وزخرفية ، وعندما نقول فن قائم الذات ، فإننا نعني أنه يستتبع في تخطيطه نظرية في اللغة وفي الكتابة ، وقبل كل شيء ، فإن هذا الفن يدخل في نطاق البنية اللسنية ، ويشكل معجماً ثانياً للرموز ، منحدراً من اللغة ، إلا أنه يلعب بها ويضاعفها عن طريق حركة مرئية ومن ثم فنحن نستبعد جميع التعريفات العائمة التي تطلق فن الرسم يلتقي أحياناً بمنطلقات فن الخط ، فإن هذين الفنين يختلفان في طريقة إبراز الإشارة المستمدة من الحروف ، وكذلك في طريقة إضفاء الحياة عليها .

كما إن الخط فن رائع ملتصق باللغة العربية ، غني بالبهاء والرواء ، وقد يراه بعضهم أنه باب من أبواب الرسم ولا شك أن له صلة بالرسم ولكنه باب تميز عن أي باب من الرسم الأخرى ، متميّز بوظيفته وطبيعته وارتباطه بأشرف لغة وأكرم أدب ، وكأنه أصبح بهذا الارتباط جزءاً من الأدب ، وإذا لم ير بعضهم أنه شكلاً من أشكال الأدب فهو باب من أبواب اللغة العربية خاص باللغة ذاتها وقد قالوا إن الخط توقيف من عند الله جل وعلا ، واستفاد البشر لتركيب حروفه عن طريق العقل البشري، وقد فسّر هذه النظرية عمر بن عتبة، بقوله: العقل عقلان، عقل تفرد الله بصنعه وهو الأصل، وعقل يستفيده المرء بأدبه وهو الفرع فإذا اجتمعا قوّى كل منهما صاحبه ، تقوية النار في الظلمة للبصر ، واجتماع العقلين آلف عند الناس وأقرب للواقع ، فإنهم يتبنون دائماً تقوية العقل الموهوب . بما يكتسب من ممارسة واستفادة من تجربة وتكرار حصل علم الكتابة الذي نسميه الخط .

كما ويعد الخط الجانب الذي يعبر عن الترابط القوي في مختلف الأقطار الإسلاميّة وبين المهتمين بالخط العربي لا باعتباره وسيلة تواصل وتفاهم فحسب ، بل لكونه فناً برزت فيه نخبة من الخطاطين المسلمين على غيرها بما لا تزال بعض خزائن الكتب تزدان به من روائع آثارهم بما أضفوه عليه من سمات الإبداع والجمال ، وما رسموه له من قواعد ثابتة ، حتى أصبح علماً راسخ الأصول مع اعتباره بما تتصف به من صور حروفه وهندسة تراكيبها من مرونة وتناسب – من الفنون التي تفسح للأخيلة المبدعة ، وللأذواق السليمة أرحب المجالات للإبداع والإمتاع .

وكان على الخط أن يبالغ في تجويد كتابة القرآن الكريم كي يرقى إلى مستوى بلاغته ، وكان أول المعتنين بذلك الخليفة الراشد الإمام علي بن أبي طالب / كرم الله وجهه ورضي الله عنه / الذي قال: " جوّدوا كتابتكم ، فإنها تزيد الحق سطوع البرهان" ( ابن أبي الحديد- نهج البلاغة )  وعلى الصلة الروحانية في التفريغ الفني ، ورد عن الفارابي قوله:\" إن الخط أصيل في الروح وإن ظهر بحواس الجسد " . وقد ورد في جواب بعض الخطاطين، عن متى يستحق أن يوصف الخط العربي بالجودة قائلين :( إذا اعتدلت أقسامه وطالت ألفه ولامه ، واستقامت سطوره ، وضاهى صعوده حدوره ، وتفتحت عيونه ، ولم تشتبه راؤه ونونه ، وأشرق قرطاسه ، وأظلمت أنفاسه ، ولم تختلف أجناسه وأسرع إلى العيون تصوره ، وإلى القلوب ثمره ، وقدرت فصوله ، واندمجت وصوله ، وتناسب دقيقه وجليله ، وتساوت أطنابه ، واستدارت أهدابه ، وخرج عن نمط الورّاقين ، وبَعُدَ عن تصنّع المحررين ، وقام لكاتبه النسبة والحلية ).

حيث تمتاز الحروف العربية أنها تكتب متصلة أكثر الأحيان ، وهذا يعطي للحروف إمكانيات تشكيلية كبيرة ، دون أن يخرج عن الهيكل الأساسي لها .ولذلك كانت عملية الوصل بين الحروف المتجاورة ذات قيمة هامة في إعطاء الكتابة العربية جماليّة من نوع خاص ، من حيث تراصف الحروف مثل / ب ، ن، ق، ف، س، ش، / وغيرها ، تأخذ دوراً في إعطاء الكتابة العربية تناسقاً ورشاقة عندما تكون هذه المدّات متقنة وفي مواضعها الصحيحة ، ويمكن أن نلاحظ أن طريقة الوصل بين الحروف تختلف من نوعٍ إلى آخر من أنواع الخط العربي ، كما في الديواني والنسخي والكوفي والثلث والفارسي / التعليق/ وهذا الاختلاف ناتج عن الأسس المتبعة في كتابة كل خط من هذه الخطوط ، حيث نجد الزوايا والخطوط المستقيمة سائدة في أنواع الكوفي ونجد الأقواس والزوايا في كل من النسخي والثلث بينما تكون الأقواس الرشيقة والمدّات الانسيابية سائدة في الخط الديواني .

وتتخذ الوصلات سماكات مختلفة في الخط الفارسي ، لتعطي للحروف المتباينة في عرضها تناغماً موسيقياً رائعاً . ( وإن مجموع حركة الخط وما يتوالد عنه من اشعاع موسيقي مطابق لشاعرية مرئية ساعية نحو اللامرئي ، كل ذلك يحدده النص بالنسبة ليد الخطاط الراقصة ) .

يضاف إلى ذلك الغنى الفني الذي يمكن أن يضيفه التشكيل والزخرفة الملحقة بالحروف ، فعلامات الفتح والكسر والضم والسكون والتنوين والمد والإدغام ( الشدّة ) كلها عناصر تزيينية زخرفية لا غنى عنها لإتمام التناسق وملء الفراغات ، إضافة إلى ضبط الكلمات وصحة قراءتها ، وذلك في خطوط النسخي والثلث والديواني الجلي ، وللزخرفة أيضاً دور كبير في جماليات الخط الكوفي حيث تضيف إليه وإلى الخطوط السابقة نوعاً من الأبّهة والفخامة .

كل ذلك يعطي للكتابة العربية تفرّداً في جمالها بين الكتابات العالمية وهذا ما جعلها تدخل في صميم الفنون التشكيلية قديماً وحديثاً .

ويروي المستشرق / ريتر/ أستاذ اللغات الشرقية في جامعة استانبول وهو من الأساتذة المخضرمين الذين حضروا وحاضروا في العهدين العثماني والكمالي قال:" إنَّ الطلبة قبل الانقلاب الأخير في تركيا كانوا يكتبون ما أتلو عليهم من محاضرات بسرعة فائقة لأن الحرف العربي اختزالي بطبيعته ، أما اليوم فإن الطلاب يكتبون بالحرف اللاتيني ولذلك فهم لا يفتأون يطلبون إلي أن أُعيد عليهم العبارات مراراً ، إنهم معذورون ولا شك في ذلك فيما يطلبون لأن الكتابة اللاتينية لا اِختزال فيها فلا بدَّ من كتابة الحروف بتمامها ، ثم أضاف قوله: " إن الكتابة العربية أسهل كتابات العالم وأوضحها ، فمن العبث إجهاد النفس

في ابتكار طريقة جديدة لتسهيل السهل وتوضيح الواضح " .هذا من الناحية الاختزالية ، أما من الناحية الجماليّة فهناك إجماعٌ على تفوق الخط العربي واحتلاله مركز الصدارة بين خطوط العالم ، ويروي لنا التاريخ أن الخليفة العباسي / الواثق بالله / أنفذ ابن الترجمان بهدايا إلى ملك الروم فرآهم قد علّقوا على باب كنيستهم كتباً بالعربية فسأل عنها ، فقيل له : هذا كتب المأمون بخط أحمد بن أبي خالد استحسنوا صورتها فعلّقوها ، هذا ماحكاه الصولي

وقد أورد أيضاً أن سليمان بن وهب كتب كتاباً إلى ملك الروم في أيام الخليفة المعتمد فقال ملك الروم : ما رأيت للعرب شيئاً أحسن من هذا الشكل ، وما أحسدهم على شيء  حسدي على جمال حروفهم ، وملك الروم لا يقرأ الخط العربي وإنما راقه باعتداله وهندسته .

ويقول الخليفة المأمون \" لو فاخرتنا الملوك الأعاجم بأمثالها لفاخرناها بمِا لَنا من أنواع الخط ، يقرأ في كل مكان ، ويترجم بكل لسان ، ويوجد في كل زمان .

وما أحسن وأدق قول الكندي وهو من أهل القرن الثالث عشر للهجرة : \" لا أعلم كتابة تحتمل من تجليل حروفها وتدقيقها ما تحتمل الكتابة العربية ، ويمكن فيها من السرعة ما لا يمكن في غيرها من الكتابات .

ويقول الشيخ محمد عبده في المقارنة ما بين الخط والشعر فيقول :إذا كان الرسم ضرباً من الشعر الذي يرى ولا يسمع ، والشعر ضرب من الرسم الذي يسمع ولا يرى ، فالخط هو اليد الشاعرة التي تسمع وترى .

ويقول الأمير والفنان خالد الفيصل : بأن للخط العربي رحلة وجدانية يستشعر المتتبع لها دفء الإيمان وتوهج الرسالة وصدق الانتماء فالحروف ليست قطعاً جامدة ، ولكنها كائنات حية تنبض بمشاعر الفنان المسلم وتعكس إصراره وتفانيه لتحقيق أعلى درجات الإتقان والإحسان ، فالحروف لابدَّ أن ترتقي إلى مستوى التعبير عن الرسالة، رسالة الخلاق البديع إلى الناس أجمعين.

بل إن عقلاء الإفرنج والمتنورين من المستشرقين ، يقرّون ما للعرب ولغتهم من شرف المكانة وما لحروفهم من الجمال والحُسن، حتى إن منهم اِنبرى يدافع عن الكتابة العربية وأخذ يسفه رأي من استبدلها بالحروف اللاتينية ، فالخط العربي يمتاز عن غيره من الخطوط الأجنبية بموازين عديدة أهمها:

1ـ أنه يقبل أن يتشكل بأي شكل هندسي، ويتمشى على أي صورة بحيث لا تختلف ماهيته ولا يطرأ على جوهره تغيير أو تبديل، ولذا تجد قد مرَّ عليه منذ صدر الإسلام إلى الآن، وما يزال يقبل ما يدخله عليه أهل هذه الصناعة /الخطاط/ والذين ينتمون إلى أصحاب الذوق السليم، من خلال التدقيقات والتحسينات والزخارف، لأنه في الحقيقة عبارة عن نقوش منظمة، وأشكال هندسية ورسوم فنية ، ودائرة هذه الأشياء واسعة لا حدَّ لها ولا تدخل تحت أي حصر .

2ـ إن مَن يمعن النظر في الخط العربي يجد بينه وبين سائر الأشياء تشابهاً وتقارباً نسبياً، يُميز ذلك مَن نبغ في فن الخط وصار خبيراً بأسراره وخفاياه.

ومن ألطف الأدلة وأظرف البراهين على منـزلة الخط العربي الرفيعة أن الشعراء كثيراً ما كانوا يشبهون محاسن المحبوب بأنواع الحروف العربية ، فقد شبهوا الحاجب بالنون ،والعين بالعين ، والصدغ بالواو ، والفم بالميم والصاد ، والثنايا بالسين ، والطرة المضفورة بالشين ، وبعضهم عكس المعنى فشبه الأحرف العربية بأعضاء المحبوب ، ولنذكر هنا شيئاً مما قيل في ذلك وهو قول أبو المطاع ذو القرنين بن حمدان المتوفي سنة 428هـ

إني لأحسد لا ، في أسطر الصحف           إذا رأيت اعتناق اللام للألف

وما أظنهما طال اعتناقـــهما            إلا لما لقيـا من شدة الشغف

وقال أحمد بن الخيمي :

إن صدغ الحبيب والفم والعا             رض منه : واو وصـــاد ولام

هي وصـل بين المحاسن لمـا                تمَّ حسناً وبالعــذار التمــام

غير أني أراهُ وصل وداع ٍ                 فيه تقضى افتراقـنا والســلامُ

وبعض الناس يأخذ من هيئة الحروف العربية معانٍ غريبة وإشارات لطيفة كقول أبي طالب يحيى بن أبي الفرج زيادة ، المتوفي سنة 594هـ في الحث على الاستقامة .

إن كنت تسعى للسعادة فـاسـتقم          تنل المراد ولو سموت إلى السما

ألف الكتابـة وهو بعض حروفها           لما استقام على الجميع تقدما

ويقول الخطاط محمد طاهر المكي الكردي / صاحب كتاب تاريخ الخط العربي وآدابه :

كل الحروف إذا نظرت فإنها               من نقطةٍ أجزاؤها تتركبُ

صور الحروف جميعها  مأخـوذةٌ              من صورة الألف التي تتقلبُ

فترى لصورتـه رموزاً جمّــة               فانظـر بعين حقيقةٍ تتهذّبُ

3ـ إن الحروف العربية ، قد خدمها علماء المسلمين خدمةً جليلة بحيثُ لا يتطرّق إليها خلل ولا يطرأ عليها تغيير ، فعلماء القراءات الأجلاّء لم يكتفوا بقراءة القرآن الذي هو بلسان عربي بمجرد النظر إلى صور الحروف التي هي عربية أيضاً .بل وضعوا لقراءتها قواعد تحفظ اللسان من الخطأ في نطق الحروف وألقابها وصفاتها ، وما يفخم منها ، وما يرقق وما يدغم منها .

4ـ إن الله سبحانه وتعالى أودع في الحروف الهجائية العربية أسراراً عجيبة وتصرفات غريبة سواء كانت أفراداً أو تركيباً ، فعلى هذه الحروف ، يتوقف نجاح الطلاسم وعمل السحر والسيمياء وهذه الخصوصية غير موجودة في الحروف الأجنبية مطلقاً ( بقطع النظر عن الحكم الشرعي في ذلك كله  ) .

5 ـ إن الحروف العربية صالحة لأن تدل على الأرقام الحسابية وتقوم مكانها على الوجه الأتم لأن فيها تسعة أحرف للآحاد وتسعة أحرف للعشرات وتسعة أحرف للمئات ، وحرف واحد للألف وهذا ما يطلقون عليه حساب /أبجد/ وترتيبه :أبجد، هَوّزْ، حطّيْ، كَلَمْن، سَعفص، قرْشَـتْ، ثَخَـذْ، ضَظْغ.

6 ـ إن اللغة العربية التي تكتب بحروفها واسعة جداً ، لذلك نجد أن بعض الحروف تنوب عن بعض ، وتجد كثيراً من الكلمات مترادفة المعنى كما نجد لبعض المسميات  كثيراً من الأسماء وفي هذا ما يسهل الإنسان طريقة الشعر واتساق النثر ويجعل للكلام وقعاً حسناً وتأثيراً بليغاً ، وذلك فالفنون الجميلة عند المسلمين بكافة فروعها المعماري والزخرفة وفن الخط ، تلك الصناعة التي أدهشت العالم ووضعتها أمام الجوهر المبدع المنطلق من الجمال الإلهي والممتزج بالقدرة البشرية .

وفي ذلك يقول الشاعر :

رُبعُ الكتابة في سواد مدادها                 والربع حُسنُ صناعةِ الكُتَّابِ

والربع من قلم تُسوّى بَريـَهُ                 وعلى الكـواغدِ رابعُ الأسبابِ

وقالوا عن الخط العربي ..بُنيَّ الكتابةُ على خمس :  قوّة الأخماس ، وحدّةُ الألماس ، وجودة القرطاس ، ولَمَعان الأنقاس ،وحبسُ الأنفاس .

ولما كانت الحكمة تقول ( المعرفة تتبّع الاهتمام ) فإن الخطاطين اليوم دخلوا في قافلة الفنانين الذين لم يوجه إليهم أيَ اهتمام أو ترغيب وذلك بعد ظهور أجهزة الكمبيوتر والتي جعلت معظم الناس خطاطين ، علماً أن الكثيرين منهم لا يتصلون من قريب أو بعيد بشيءٍ اسمه فن الخط أو علم الخط.غير أنه لم تنطفئ تماماً التأثير الكبير والمكانة العظيمة للخط في الفن الإسلامي ، حيث كان الوازع الداخلي في الحث على ممارسته وابتكار أساليب جديدة وأنواع مترادفة تدخل جميعها في الإطار المخصص لها بقواعد الخط ، حيث الجمال الأخّاذ والروحانية السمحة التي تعطي للعين الملهمة حنين الكتابة ولليد المبدع ظمأ المداد وللقصبة العذبة مشارف من روائع الحرف والكلمة والتشكيل.

 

 مراجع البحث :

 1ـ تاريخ الخط العربي وآدابه، محمد طاهر الكردي المكي الخطاط، هدية من مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلاميّة، الرياض،المملكة العربية السعودية.

2ـ روح الخط العربي، كامل البابا, ط2 دار العلم للملايين، بيروت، لبنان .

 3ـ الخط العربي، حسن المسعود، دار فلاماريون، باريس، فرنسا.

4ـ الخط العربي،أصوله، نهضته، انتشاره، الدكتور عفيف البهنسي، دار الفكر، دمشق.

5ـ موسوعة الخطوط العربية وزخارفها ، معروف زريق ، دار المعرفة ، دمشق .

6ـ أطلس الخط والخطوط، حبيب الله فضائلي، ترجمة: محمد التونجي، دار طلاس، دمشق

7ـ الخط العربي، تاريخه، حاضره، بلال عبد الوهاب الرفاعي، دار ابن كثير، دمشق.

8ـ مجلة الوحدة، العدد المزدوج/ 70- 71 / سنة 1990م موريس سنكري، الرباط، المغرب

9ـ ديوان الخط العربي، عبد الكبير الخطيبي، الرباط، المغرب.

10ـ الأدب الإسلامي، إنسانيته وعالميته، د/ عدنان علي رضا النحوي، دار النحوي، الرياض.

11ـ الخط العربي من خلال المخطوطات، هدية من مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلاميّة، الرياض ، المملكة العربية السعودية.

12ـ العقد الفريد، لابن عبد ربه الأندلسي، المجلد الثالث، دار الفكر، دمشق .

13ـ الفكر الخلدوني من خلال المقدمة، د/ محمد فاروق النبهان، مؤسسة الرسالة، دمشق ـ بيروت

 

  1. ندوة " تدبير الاختلاف في الثقافة العربية "
  2. قراءة شعرية في سردية (من يسكب الهواء في رئة القمر)
  3. من سيرتي الذاتية
  4. بين وردة الفجر والموت

الصفحة 57 من 66

  • 52
  • 53
  • 54
  • 55
  • 56
  • 57
  • 58
  • 59
  • 60
  • 61

المتواجدون الآن

43 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك