بحوث و دراسات
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. جميل حمداوي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 13
آليات التنـــــاص
الدكتور جميل حمداوي
يعد التناص من أهم المفاهيم النقدية التي اهتمت بها الشعرية الغربية وما بعد البنيوية والسيميائيات النصية؛ لما له من فعالية إجرائية في تفكيك النص وتركيبه، والتغلغل في أعماق النص ولا شعوره الإبداعي. وإذا كان التناص مصطلحا نقديا تسلح به النقاد العرب الأقدمون تحت تسميات عديدة مثل: السرقات الشعرية والتضمين والنحل والانتحال والأخذ والتأثر، فإن النقاد والدارسين الغربيين ابتعدوا عن هذا المفهوم القدحي إلى حد ما للتناص، واهتموا بالجانب الإيجابي الذي يتمثل في أصول الإبداع ومكوناته الجننينية وعلاقات التفاعل والتأثر والتأثير. ويعد التناص كذلك من أهم المفاتيح الإجرائية لفهم الأدب المقارن ورصد عملية التثاقف والحوار بين الحضارات والثقافات الإنسانية في شتى المجالات الفكرية والفنية والأدبية، وكذلك أداة ناجعة لمقاربة النص الأدبي واستنطاق سننه اللغوي وبنيته العميقة، والدخول إلى أغوارالنص واستكناه دلالاته وتفاعلاته الخارجية والداخلية. لأن النص مهما كان فهو شبكة من التفاعلات الذهنية، ونسق من المصادر المضمرة والظاهرة التي تتوارى خلف الأسطر وتتمدد في ذاكرة المتلقي عبر آليات مثل: المعرفة الخلفية وترسبات الذاكرة والخطاطات النصية والسيناريوهات التصورية والتداخل النصي وتعدد الأصوات والأسلبة والتهجين...
ويدل التناص كذلك على أن النص الأدبي عصارة من التفاعلات والتعالقات النصية التي تتم على المستويين: الدلالي والشكلي. والتناص أيضا مجموعة من الأصوات والإحالات التي تنصهر في النص الأدبي بطريقة واعية أو غير واعية أو هو التداخل النصي بصفة عامة. ومادام التناص موجودا، فمن الصعب الحديث عن إبداع أصيل خالص للمبدع أو عن النص- الأب أو النص الأصل- كما يرى رولان بارت في كتابه(درس السيميولوجيا ،ص:63، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، دارتوبقال، الدار البيضاء، طبعة1985)، بل النصوص الإبداعية هي امتصاص ومحاكاة للنصوص السابقة وتفاعل معها عبر عمليات الحوار والنقد والأسلبة والباروديا والتهجين والسخرية والحوارية..
وإذا كان التناص مصطلحا معروفا في النقد العربي بدلالات أخرى، فإن الغرب طور هذا المفهوم وأصبح تقنية فعالة وإجرائية في فهم النص وتفسيره، وآلية منهجية في مقاربة الإبداع وتشريحه قصد إثرائه بالدلالات الظاهرة أو المضمرة. وأصبح المبدع اليوم يكثر من الإحالات التناصية والمستنسخات النصية والرموز الموحية والخلفيات المسكوت عنها إلى أن أصبح النص مصبا للنصوص واختزالا لأفكار السابقين في إطار عصارة تناصية تحتاج إلى استنطاقها واستجلائها قصد تحديد مرجعيات الكاتب ومصادره الثقافية والأصول المولدة لفكره ورؤيته للعالم.
هذا ، ويعد جنس الرواية( دون أن نقصي الشعر والدراما...) الفن الأدبي الوحيد الذي يزخر بالتفاعلات التناصية والتداخلات الحوارية والتعالق التفاعلي كما أشار إلى ذلك كثير من الدارسين والمنظرين ولاسيما ميخائيل باختين وجوليا كريستيفا وگريماس ورولان بارت وتودوروف وجيرار جنيت وكل الباحثين الذين درسوا النص الموازي وعتباته. وتعتبر الرواية أيضا الجنس الأدبي الأكثر انفتاحا على الذات والموضوع والنصوص السابقة أو الراهنة تعالقا وتفاعلا. وهو كذلك جنس أدبي تنصهر فيه كل الأجناس الأدبية والأساليب والخطابات النصية. أي إن الرواية مظهر بارز للتناص والتداخلات المناصية وتكاثر المستنسخات والإحالات والأصوات الأجناسية، وهذا ما جعل باختين وجوليا كريستيفا يهتمان اهتماما شديدا بهذا الجنس الأدبي عندما انكب باختين على روايات دوستيفسكي وكريستيفا على سيميائية الخطاب الروائي.
وفي العالم العربي، بدأ الاهتمام بالتناص في أواخر السبعينيات من القرن العشرين مع النقاد المغاربيين واللبنانيين كمحمد مفتاح وسعيد يقطين ومحمد بنيس وبشير القمري وسامي سويدان...، وراحوا يفرعونه في شكل أنواع وأقسام ومفاهيم اصطلاحية، ويحللون به النصوص الأدبية العربية القديمة والحديثة تحليلا ونقدا ، حتى أصبح هذا المفهوم النقدي شائعا في الساحة الثقافية العربية قلما تخلو منه دراسة أدبية أو نقدية.
ومن آليات التناص التي ينبغي أن يعرفها الناقد أو المحلل أو القارئ أثناء مقاربته للنص الأدبي، والتي تساعد ه على استكناه النص وسبر أغواره، نذكر
المفاهيم التالية:
1- المستنسخات النصية( ألفاظ وشواهد وعبارات واقتباسات بارزة...)؛
2- المقتبسات النصية( تكون في بداية الرواية أو الفصل أو المتن في شكل نصوص ومقاطع وفقرات موضوعة بين علامات التنصيص تضيء الرواية تفاعلا وحوارا...)؛
3- العبارات المسكوكة( أمثال وحكم وعبارات مسكوكة في نسقها اللغوي والبنيوي بطريقة كلية عضوية ومتوارثة جيلا عن جيل مثل:أكلت يوم أكل الثور الأبيض، من جد وجد ومن زرع حصد، راح يصطاد اصطادوه...)؛
4- الهوامش النصية: يورد المبدع في عمله الإبداعي المتن ويذيله بهوامش إحالية ومرجعية. وغالبا ماتوضع هذه الهوامش في أسفل النص أو في آخر العمل، حيث تقوم بوظيفة الوصف والتفسير لما غمض من النص، وما يحمله من إشارات نصية كما فعل عبد الله العروي في روايته " أوراق"؛
5- الحواشي النصية: قد يرفق المبدع نصه بحواش في بداية العمل أوفي نهايته أو في آخره لتفسير النص من خلال تحديد سياقه وإبراز مناسبته أو شرح بعض الألفاظ أو تفسير بعض أسماء الأعلام أو تعيين المهدى له هذا العمل، أو تبيان الدواعي التي دفعته لكتابة النص وتحبيره....؛
6- الاقتباس( هو أن يأخذ المبدع القرآن والسنة ويدرجه في كلامه بطريقة صريحة أو غير صريحة...)؛
7- التضمين( أن يضمن المبدع كلامه شيئا من مشهور الشعر أو النثر لغيره من الأدباء والشعراء...)؛
8- المحاكاة: يلتجئ المبدع إلى توظيف المقتبس أو المستنسخ بطريقة حرفية دون أن يبدع فيها؛
9- الإحالة: غالبا ما نجد الكاتب يوظف بعض الكلمات أو العبارات التي توحي بإشارات أو إحالات مرجعية رمزية أو أسطورية.....؛
10- المناص métatexte: ينطلق المبدع من عمل أو حدث أو فكرة أو مرجع أو مصدر لمبدع آخر فيحاول محاكاته أو نقده وحواره كما فعل بنسالم حميش في روايته:" العلامة" الذي استلهم فيها سيرة العلامة ابن خلدون بطريقة تخييلية فنية رائعة؛
11- الاستشهاد: يورد المبدع مجموعة من الاستشهادات التي يضعها بين قوسين أو بين علامات التنصيص للاستدلال والإحالة وتدعيم قوله؛
12- الباروديا: هي عبارة عن محاكاة ساخرة يتقاطع فيها الواقع واللاواقع،
الحقيقة واللاحقيقة، الجد والسخرية، النقد والضحك اللعبي؛
13- التهجين أو الأسلبة: المزج بين لغتين اجتماعيتين في ملفوظ لغوي وأسلوبي واحد، وهذا يعبر عن البولوفونية( التعددية) اللغوية القائمة على تعدد الأصوات واللغات والأساليب والخطابات والمنظورات السردية. وهذا التعدد في الحقيقة يعبر عن التعددية الاجتماعية واختلاف الشخصيات في الوعي والجذور الاجتماعية والطبقية؛
14- الحوار التفاعلي: يعد أعلى مرتبة في التواصل مع النصوص والتعالق بها
واستنساخها. أي إن المبدع لا يقف عند حدود الامتصاص والاجترار والاستفادة، بل يعمد إلى ممارسة النقد والحوار؛
15- المعرفة الخلفية: هي تلك المعرفة التي يتسلح بها قارئ النص اعتمادا على التشابه النصي والسيناريوهات والخطاطات والمدونات، والتي بها يحلل النص ويفككه ويعيد تركيبه من جديد .
16- النص الموازي: هو عبارة عن مجموعة من العتبات المحيطة داخليا وخارجيا تساهم في إضاءة النص وتوضيحه كالعناوين والإهداء والأيقون والكتابات والحوارات
والمقدمات والتعيين الجنسي.... وعلى الرغم من موقعها الهامشي فإنها تقوم بدور كبير في مقاربة النص ووصفه سواء من الداخل أم الخارج.
تلكم هي أهم آليات التناص التي تسعفنا في فهم النص وتفسيره ، وتحليله وتركيبه.
وعلينا أن نستبعد السرقات الشعرية وما يتصل بها من مفاهيم موروثة عن النقد العربي القديم ؛ لأن ذلك لايدخل ضمن التناص الذي يعد عملية إبداعية فنية مقصودة عن وعي أو عن غير وعي، الغرض من توظيفه هو تحقيق الوظيفة الشعرية والجمالية، والتفاعل مع النص والتعالق به نقدا وحوارا
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حافظ عليوي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 11
العولمة توسع الفجوة بين اسرائيل والعالم العربي
حافظ عليوي
دخل عهد العولمة الى الشرق الاوسط من اوسع ابوابه بعد هزيمة العراق مطلع عام 1991 . وكان مؤتمر مدريد الذي انعقد في تشرين اول ( اكتوبر ) من العام نفسه ، التعبير السياسي للنظام الاقتصادي الجديد الذي أخذ يسيطر شيئا فشيئا على دول المنطقة . واصبح التطبيع مع اسرائيل مثابة الجواز الذي يتيح للدول العربية امكانية الانخراط في الاقتصاد الرأسمالي العالمي .
ولا يمكن فهم طبيعة الاتفاقات التي أبرمتها اسرائيل مع الاردن والفلسطينيين بمعزل عن فهم التحولات العاالمية التي انبثق عنها نظام العولمة الذي تنفرد امريكا بقيادته منذ مطلع التسعينات . فقد كانت اسرائيل المستفيدة الكبرى من ثمار هذا النظام بسبب قدرتها على الاستجابة لمتطلبات الوضع الجديد ، ودخولها الاتفاقات مع الدول العربية وتعديلها بعض المسلّمات السياسية القديمة ، مثل رفضها التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية . وكانت النتيجة تغيير مكانة اسرائيل في الاقتصاد العالمي ، وكسر المقاطعة العربية لها ، وزيادة ملموسة في حجم الاستثمارات الاجنبية فيها .
الدول العربية – جمود وتخلف
الدول العربية تأثرت هي الاخرى بالتحولات التي أعقبت حرب الخلي ، الامر الذي انعكس في تغييرات بنيوية في جهازها الاقتصادي . قبل الحرب ، وتحديدا في الثمانينات ، اتسم اقتصاد الدول العربية بالتعاون فيما بينها والاعتماد الى حد كبير على اموال النفط التي ساعدت على سد احتياجات هذه الدول . فعلى سبيل المثال ، كان الاردن يصدر للعراق 50% من مجمل صادراته ، الامر الذي قد يفسر تأييد الملك حسين للعراق ابان حرب الخليج . وكانت مصر ، حتى مشاركتها في الحلف الامريكي ضد العراق ، تعتمد على ايرادات العمال المصريين الذين عملوا في دول النفط ، وتحديدا في العراق حيث عمل اكثر من مليون ونصف مصري .
بعد هزيمة العراق انخفضت اسعار النفط ، وطرأ تراجع عام على الاقتصاد العربي . فبالاضافة الى مصر التي فقد مستودعاً هاما لتشغيل عمالها ، تضرر الاردن كثيرا لعدة عوامل ، احدها : فقدان اهم سوق لصادراته ، وثانيها : تدفق اللاجئين الفلسطينيين من الكويت الى اراضيه مسبّبين ارتفاعا في نسبة البطالة . وقد دفع هذا الفراغ الاقتصادي الدول العربية للارتماء في احضان صندوق النقد الدولي الذي اصبح مصدرا بديلا للاقتصاد العربي التعاوني .
في عام 1991 تبنّت مصر برنامج الاصلاح الاقتصادي الذي وضعه صندوق النقد الدولي ، بهدف جذب الاستثمارات الاجنبية لتطوير الاقتصاد المصري . ويعتمد هذا الاصلاح الذي تفرضه الادارة الامريكية من خلال المؤسسة العالمية ، على خصخصة مرافق الانتاج ( من المصانع وحتى شركات الكهرباء والاتصالات ) ، وتقليص برام الضمان الاجتماعي ، والغاء الجمارك التي تحمي الانتاج المحلي ، واعفاء المستثمرين من دفع الضرائب .
في العام نفسه انتقلت الجامعة العربية من تونس الى القاهرة ، وكان في ذلك تعبير عن انتهاء المقاطعة العربية لمصر التي أُعلنت منذ اتفاق كامب ديفيد عام 1978 . وعادت مصر لتلعب الدور المحوري في السياسة وامريكا ، بل من اجل تمهيد الطريق للدول العربية الاخرى لتطبيع علاقاتها مع اسرائيل والرضوخ لاملاءات امريكا ، خاصة تلك المتعلقة بالحصار المفروض على العراق . منذ انتقالها للقاهرة اصيبت الجامعة العربية بالشلل التام وانقلبت على اهدافها الاصلية ، ولم تعد جهازا يخدم الشعوب العربية ، بل اداة اضافية بيد الاستعمار الامريكي لفرض هيمنته على المنطقة .
مقارنة بين الاقتصاد الاسرائيلي والعربي
رغم تعاونها الكامل مع امريكا في حربها على العراق ، لم تتلق الدول العربية ما وُعدت به من استثمارات اجنبية بل ازداد اقتصادها تدهورا . وبالمقابل ، توجهت الاستثمارات الامريكية لاسرائيل مفضلةً السوق المتطورة خاصة في المجال التكنولوجي ، على الاسواق العربية التي تعاني من التخلف المزمن والنظام الساسي الاستبدادي الفاسد .
وقد خرجت اسرائيل وحدها منتصرة من المؤتمرات الاقتصادية التي انبثقت عن مؤتمر مدريد وانعقدت في العواصم العربية ( الدار البيضاء ، عمان ، القاهرة والدوحة ) ، وذلك لانها كانت " الدولة " – حسب الافرازات الدولية - الوحيدة التي استطاعت ، في فترات معينة ، ضمان الاستقرار الامني والاقتصادي ، وهو الشرط الاساسي الذي تحتاجه الرساميل الامريكية للاستثمار في بلد ما .
ولضمان هذا الاستقرار كان على اسرائيل الدخول في الاتفاقات مع الدول العربية ، الامر الذي يشير الى العلاقة العضوية بين الجانبين الاقتصادي والامني لاتفاقات السلام . فاتفاق اوسلو مثلا ضمن لاسرائيل الاحتفاظ بالسيطرة الامنية على المناطق المحتلة ، ولكنه كرّس العلاقة الاقتصادية ايضا ، اذ ان الضفة الغربية تعتبر ثاني اهم سوق للصادرات الاسرائيلية ، كما ازداد تعلق الفلسطينيين باسرائيل لانها تشكّل اهم مصدر دخل للاقتصاد الفلسطيني من خلال اماكن العمل التي توفرها للعمال الفلسطينيين .
من جهة اخرى ارتفعت قيمة الاستثمارات الاجنبية في اسرائيل من 537 مليون دولار عام 1992 ( قبل اتفاق اوسلو ) ، الى 3.6 مليار دولار عام 1997 . اما في عام 1998 الذي شهد توترا في العلاقات بين اسرائيل والدول العربية بسبب سياسة حكومة نتانياهو ، فقد تراجعت الاستثمارات الاجنبية لتهبط الى 40% من قيمتها عام 1997 وتؤكد هذه الارقام التي يوردها تقرير منظمة التجارة العالمية ( ايلول 99 ) ، حاجة اسرائيل الماسة للتطبيع مع الدول العربية، لضمان الاستقرار السياسي والامني المطلوب للاستثمارات الاجنبية في مجمل الدول العربية اربعة مليارات دولار عام 1995 ، وهبطت عام 1996 الى 2.3 مليار دولار . (Middle East Times, 1998, and Washington post, August 1997 ) ولكن الفرق بين اسرائيل والدول العربية لم يقتصر على نسبة الاستثمارات الاجنبية فيها فحسب ، بل على حجم الاقتصاد ايضا . ففي حين بلغ الناتج الاجمالي المحلي الاسرائيلي 97.9 مليار دولار عام 1998 ، والناتج الاجمالي السنوي للفرد 16.400 دولار ، بلغ الناتج الاجمالي السنوي للفرد في مصر 2.800 دولار وفي سوريا 900 دولار ( تقرير منظمة التجارة العالمية ) . ويبرز الفرق ايضا في مستوى المعيشة , ففي حين يصل الحد الادنى للاجور في اسرائيل الى 650 دولار شهريا , فهو لا يتجاوز في مصر ال20 دولار في الشهر , ويبلغ معدل الاجور في سورية 45 دورلارا في الشهر . وتشير هذه المعطيات الى مدى تخلف الاقتصاد العربي , فبينما تعتمد اسرائيل على تصدير المنتجات التكنولوجية في مجال الاتصالات والادوات الطبية, تعتمد مصر على السياحة ,النفط , قناة السويس وايرادات عمالها من الخارج. وفي حين يضطر العامل المصري للهجرة من بلاده بحثا عن لقمة العيش , فان اسرائيل تستوعب عمالة اجنبية يزيد عددها عن 250 الف عامل اجنبي , علاوة على 100 الف عامل فلسطيني من الضفة الغربية وغزة. (تقرير الادارة الامريكية امام لجنة الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ , كانون الثاني 1998)
اعتماد اسرائيلي كبير على السوق الامريكية
تعتبر اسرائيل احدى الدول الاكثر حماسة للاقتصاد الرأسمالي الجديد ، وهي ثاني اكبر دولة في العالم ، بعد كندا ، من ناحية عدد شركاتها الفعالة في بورصة نيويورك ، اذ تضارب في البورصة 100 شركة اسرائيلية نجحت في تجنيد اكثر من ملياري دولارا من خلال بيع اسهمها . كما يتمتع البروفسور يعقوب فرنكل الذي شغل خلال ثمانية سنوات منصب عميد بنك اسرائيل المركزي , بمكانة مرموقة في المؤسسات النقدية العالمية , وهو عضو في مموعة ال30 التي تضم الخبراء الاقتصاديين الذين يوجهون الاقتصاد العالمي , ويترأّس بول فولكر , عميد البنك الفدرالي الامريكي سابقا .
الى جانب الازدهار الاقتصادي الذي جلبته التغيرات البنيوية لنواح معينة الاقتصاد الاسرائيلي , الا انها جلبت ارتفاعا موازيا في نسبة البطالة بسبب انتقال الاستثمار الى مجال التكنولوجيا المتطورة وبرمجة الانترنت من جهة , والتسهيلات الجمركية من جهة اخرى . فقد ضربت هذه المتغيرات الصناعات التقليدية , كانسيج , الحديد , الخشب وصناعة الاحذية التي كانت تشغّل ايادي عاملة كثيرة , وادت الى تقليص في عدد العاملين في مجال الصناعات الجوية والامنية . وشكل دخول العمال الاجانب الى اسرائيل عاملا اضافيا في رفع نسبة البطالة الرسمية لتصل الى 10% ,وبعض البلدان اليهودية البعيدة عن المراكز .
ويشير هذا التغيير الى اتباع اسرائيل منطق رأس المال الامريكي الذي يفضّل شراء شركات التكنولوجيا المتطورة ةاحتواء خبرتها , على الاستثمار في الصناعات المحلية وخلق اماكن عمل جديدة . وقد بدأت اسرائيل تمهد لهذا التطور في السنوات الاخيرة , من خلال تأسيس صناديق استثمار لدعم الاختراعات التكنولوجية ، ووصلت قيمة الاستثمار في هذا المجال 800 مليون دولار عام 1997 , في حين لم تتجاوز ال29 مليون دولار عام 1985
. (the macro view, howard rosenblum , venture update , winter 1997)
وقد عقدت في السنتين الاخيرتين عدة صفقات اشترك فيها شركات أمريكية عدة شركات تكنولوجية متطورة اسرائيلية . وكانت اكبر هذه الصفقات تلك التي اشترت فيها شركة "اينتل " الامريكية للكمبيوترات , شركة دي . اس . بي . الاسرائيلية في تشرين اول (اكتوبر) 1999 , مقابل 1.6 مليار دولار . ويعادل هذا المبلغ الخالي عشرة اضعاف واردات الشركة الاسرائيلية من مبيعاتها في العام الماضي والتي بلغت 155 مليون دولار . ويشار الى ان الشركة الاسرائيلية تأسست عام 1990 بمبادرة بعض خريجي جهاز الاستخبارات الذين اكتسبوا خبرة في مجال التكنولوجية والكمبيوتر , وتشغل اليوم 300 عامل في مجال تطوير برمجة الكمبيوتر والهواتف النقالة .
ان سر النجاح الاسرائيلي لايعتمد على مجهودات ذاتية فقط , بل على خبرة عشرات الاف المهندسين والخبراء الروس الذين قدموا لاسرائيل بعد تفكك الاتحاد السوفيتي . هذا بالاضافة الى المساعدات المالية الامريكية ، والتبرعات من يهود امريكا ، والتعويضات الالمانية ، والقروض السهلة التي تمنح المواطن الاسرائيلي امتيازات خاصة تضمن له مستوى معيشة ارقى من الذي يمكن ان يسمح به الاقتصاد الحقيقي .
الاستثمارات لا تصل الدول العربية
رغم التحولات البنيوية التي ادخلتها اسرائيل على اقتصادها الا انها أخفقت حتى الان في خلق مناخ مريح يجذب الاستثمارات الاحنبية اليها بشكل دائم , وذلك بسبب التوتر الامني المستمر . فخلال السنوات التي أعقبت اتفاقات اوسلو ووادي عربة , ازداد العداء العربي والفلسطيني تجاه اسرائيل , واشتدت الحركة العربية الشعبية والثقافية المناهضة للتطبيق مع اسرائيل والتبادل الاقتصادي معها , على اساس رفض الاتفاقات الاستسلامية . وقد ازدادت حدة هذه المواقف على خلفية انخفاض المستوى الاقتصادي في المنطق المحتلة بنسبة 30% عما كان عليه قبل التوقيع على اتفاقات اوسلو . وتعمّقت التبعية الفلسطينية للاقتصاد الاسرائيلي بسبب امتناع المستثمرين الفلسطينيين والاجانب على سواء عن الاستثمار في مناطق السلطة الفلسطينية , نظراً لطبيعتها الاستبدادية الفاسدة . ولم يجد السلطة في ذلك اعلانها عن تبنيها قوانين السوق الحرة , اذ لم يتماش هذا مع احتكارها اهم المواد الاساسية كالطحين والاسمنت والوقود بهدف تمويل اجهزتها الامنية القمعية .
ويحذر رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق شمعون بيرس من الاحصائيات التي تشير الى التكاثر السكاني داخل اسرائيل ومناطق السلطة معا , ليصل عددهم بعد 20 عاما الى 20 مليون نسمة نصفهم عرب ونصفهم يهود , في رقعة ارض لا تتجاوز ال24 الف كيلو متر مربع . ولا يمكن الاستنتاج من الحديث الاسرائيلي عن ضرورة الفصل التام بين اسرائيل والفلسطينيين , ان اسرائيل تنوي منح الفلسطينيين الاستقلال التام ، فذلك امر يهدد امن الكيان الصهيوني والمملكة الاردنية على السواء , بل ما تريده اسرائيل هو كيان فلسطيني ضعيف تابع لها يعيش فيه بضعة ملايين من الفلسطينيين المحرومين من الموارد الاساسية , مثل المياه ولارض والعمل .
ان عدم امكانية اسرائيل استيعاب الشعب الفلسطيني او الانفصال السياسي والاقتصادي عنه , يشكّل مصدر صدام دائم يؤثر بشكل مباشر على العالم العربي . ونظرا لهذه المشكلة المزمنة تعجز اسرائيل عن توفير الاستقرار الامني المطلوب لرأس المال الاجنبي للاستثمار المستقر والثابت الذي يضمن له الارباح . كما ان الرأي العام العربي يرفض التطبيع مع اسرائيل خاصة بعد ان تبين بجلاء المستفيد الوحيد منه هو رأس المال الاسرائيلي ، اما الشعوب العربية فلا تزداد الا فقرا وبطالة .
ولم تكن خيبة الامل من السلام نصيب الفلسطينيين فحسب ، بل طالت الاردن ومصر ايضا ، خاصة على خلفية عدم تدفق الاستثمارات الاجنبية اليها تعويضا على تأييدها للحرب على العراق وتوقيعها الاتفاقات مع اسرائيل . فرغم محاولات مصر التماشي مع املاءات البنك العالمي ، الا انها لم تحظ الا باعفائها من ديونها للولايات المتحدة التي بلغت 6.8 مليار دولار ، وشطب 50% من ديونها لنادي باريس . ( تقرير مجلس الشيوخ ) .
اما الاردن الذي اضطر لقطع علاقاته مع العراق ، فقد سارع لتوثيق علاقاته مع اسرائيل مدفوعا من جهة اخرى في تلقي مساعدات خارجية وجذب الاستثمارات الاجنبية والاسرائيلية لاراضيه ، ولكنه لم يحصل على اكثر من المنطقة الصناعية في مدينة اربد التي تشغّل 6.000 عامل باجور زهيدة . ومنذ عام 1996 توقف النمو الاقتصادي الاردني ، واقتصرت قيمة التبادل التجاري بين اسرائيل والاردن على 30 مليون دولار فقط . (Jewish World Review , The Economics of Peace , November 1998 )
التناقضات في المجتمع الاسرائيلي
رغم نجاحها الكبير في مجال التكنولوجيا ، فلا تزال اسرائيل تعاني مشاكل اقتصادية واجتماعية جمة تعرقل سعيها المحموم للانخراط في النظام الاقتصادي الجديد . وتعود هذه العراقيل الى ان اسرائيل هي دولة استيطانية موجودة في مرحلة تكوّن مستمر ، ولم تستتب تركيبتها السكانية بعد ، وهي لا تزال ملتزمة بمتطلبات استيعاب الهجرة اليهودية لإكمال حملتها الاستيطانية .
وعلى المستوى الاقليمي لاتزال اسرائيل بلا حدود محددة ، في تحتل مناطق عربية على الجبهة الفلسطينية والسورية واللبنانية . وتواجه مشاكل على الصعيد القانوني ايضا اذ انها تفتقد الدستور ، والبنية الحزبية فيها متغيرة باستمرار وتشهد ظهور احزاب وزوالها في فترات متقاربة . وعلى المستوى الاقتصادي تتبع اسرائيل النمط الاوروبي القريب من الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية ، والتي تلعب فيها النقابات والدولة دورا رئيسيا في الاقتصاد وفي دعم شبكة الضمان الاجتماعي ، الامر الذي يصعّب عليها الانتقال الى اقتصاد السوق الحرة الذي يتطلب خصخصة كل المنشآت الاقتصادية .
وتواجه الحكومة الاسرائيلية صعوبات في الالتزام بتوصيات بنك النقد الدولي , خاصة تلك المتعلقة بعد اجتياز عجز الميزانية نسبة ال2% من الناتج الاجمالي المحلي , وكذلك خصخصة البنوك ومنشات البنية التحتية مثل شركة الكهرباء او سلطة المياه . فانطلاقا من حاجاتها الاستيطانية والامنية , تسعى الحكومة لاحتكار المرافق الاقتصادية الحيوية ، وضمان الحد الادنى من الرفاهية لمواطنيها اليهود لضمان اجتذابهم اليها وبقائهم فيها . كما تحتاج التركيبة السياسية القائمة على الائتلاف مع الاحزاب الدينية والاستيطانية التي تحظى بشعبية وثقل في الشارع الاسرائيلي ، الى انفاق اموال طائلة على هذه الاحزاب لضمان سلامة الائتلاف وبقاء الحكومة .
ان تقيّد اسرائيل بمتطلبات رأس المال الامريكي ، سيدخلها دون شك الى وضع من الاضطرابات الداخلية بين الشرائح الفقيرة التي تضم اليهود الشرقيين ، وبين الشرائح العليا المشكّلة من اليهود الغربيين والروس . ان النظام السياسي الاسرائيلي الهش الذي ادى الى مقتل رئيس حكومة لاول مرة في تاريخ اسرائيل ولا يزال يفرض على الحزب الحاكم الائتلاف مع احزاب مختلفة ومتباينة سعيا لتحقيق الاجماع الصهيوني حول العلاقة مع العرب والفلسطينيين ، لا يطلق العنان امام الاقتصاد الاسرائيلي ليتحول الى رأس مال طبيعي وحر .
ومع هذا ، فلا بد من الاشارة الى النمو الذي طرأ على القطاع الخاص الذي بات يسيطر على فروع كاملة من الاقتصاد في مجال الطاقة ، الصناعات الكيماوية والبلاستيكية ، الاتصالات الخلوية ، النشر والاعلام ، البنوك ، الغذاء والاستيراد . وقد انتقلت ملكية هذه الفروع الاقتصادية من الدولة ( الهستدروت ) الى فئة صغيرة من العائلات الغنية مثل ايزنبرغ ، هاريسون ، دنكنيز ، عوفر وفيشمان وغيرها ، وهي نفس العائلات التي تحتكر وسائل الاعلام ، الامر الذي يضاعف نفوذها وتأثيرها على مجريات السياسة الاسرائيلية . وأدى برنامج الاصلاح والخصخصة الذي تبنته اسرائيل عام 1985 ، الى تغيير جذري في طبيعة المجتمع الاسرائيلي في الاعوام ال 20 الاخيرة ، انعكس في القضاء على الكثير من معالم دولة الرفاه ، مما ادى لاتساع الفجوة بين الشريحة الغنية والشرائح الفقيرة ( الطبقة العاملة الفلسطينية امام تحديات العولمة ) . المعطيات حول دخل العائلة لعام 1998 الذي نشره مكتب الاحصاء المركزي الاسرائيلي ، تحدد الفرق بين الدخل الشهري للعائلات العشر الاغنى في اسرائيل والعشر الافقر بنسبة 12:1 ( 31.426 ) شيكلا دخل العائلة الغنية مقابل 2.655 شيكلا شهريا دخل العائلة الفقسرة – الدولار يعادل حوالي 4 شيكل ) .
يمكن وصف الوضع الذي تعيشه اسرائيل اليوم ، بالانفصام . فهي من جهة متحمسة للعولمة والاقتصاد الجديد ، ولكنها من جهة اخرى تتصرف كقوة استعمارية استيطانية تحتل فيها الاعتبارات الامنية والسياسية اهمية اكبر من الاعتبارات الاقتصادية . وهذا ما يمنعها من التماشي الكامل مع خصخصة الاقتصاد لانها تفترض الغاء المساعدات الاجتماعية وتسبب انخفاضا في مستوى معيشة الطبقة العاملة وتؤدي الى ارتفاع نسبة البطالة . الوضع الجيوسياسي ، اذن ، والاعتبارات الاجتماعية الداخلية تعرقل امكانية اسرائيل التحول الى دولة رأسمالية على غرار ما تطلبه امريكا ، علما ان مرد وجودها لم يحسم بعد ، رغم الاعتراف الدولي بها والاتفاقات المعقودة بينها وبين الدول العربية والفلسطينيين .
العالم العربي امام مفترق طرق
ان الصعوبات التي يواجهها العالم العربي في سعيه للانخراط بالقرية العالمية ، تختلف عن تلك التي تواجهها اسرائيل . فحتى تُقبل عضوية سوريا في النظام الجديد عليها اولا القبول بالمفهوم الاسرائيلي للسلام ، وفتح ابوابها امام رأس المال الاجنبي والتطبيع مع الدولة الصهيونية . وهو امر قد ينجم عنه انقلاب حقيقي في نظامها الذي يحتكر كل المرافق الاقتصادية ، من وكالات التأمين حتى البنوك .
اما مصر فموجودة في وضع أدق اذ انها تعتبر من اكثر الدول العربية دعما ً للنظام الرأسمالي العالمي ، لذا فان فشلها في التأقلم مع هذا النظام سيزيد الاحتمالات لوقوع زلزال اجتماعي وسياسي غير مسبوق في العالم العربي . ان مايميز النظام المصري اليوم ليس انتهاكه لادنى اسس الديمقراطية فحسب ، بل تفشي الفساد في جهازه السياسي والاقتصادي في آن . واذا اضفنا الى ذلك السياسة الاقتصادية التي تهدف الى تقليص ميزانية الدولة وخصخصة المنشآت الاقتصادية ، فسيصل النظام المصري الى مفترق طرق ليست فيه خيارات كثيرة ، بعد ان قرر تسليم مصالح مصر واقتصادها لقرارات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي .
علينا ان ندرك ان الحكومة المصرية تمتلك الكثير من المنشآت الصناعية التي تشغّل 25% من القوى العاملة . ومع ان هذه الصناعات تفتقر لرأس المال المطلوب لتطويرها ، الا ان نقلها للقطاع الخاص سيؤدي الى اغلاق الكثير منها ، مايزيد نسبة البطالة المرتفعة على كل حال ، ويسجّل تدنيا اضافيا في مستوى معيشة شرائح واسعة من المجتمع .
( Le Mond Diplomatic , October 1999 وتقرير مجلس الشيوخ )
ان المطلوب من نظام الرئيس مبارك كشرط لانضمامه لركب العولمة الدولي . هو القضاء على مخلفات النظام الاقتصادي الذي أوجده نظام عبد الناصر . وسيتوجب عليه ، حسب الاملاءات الامريكية ، نقل المنشآت النفطية وقناة السويس الى ايدي الاحتكارات الاجنبية ، والغاء الدعم الحكومي لاسعار الخبز وزيت الطبخ . من هذا يتبين ان ثماني سنوات من اتباع سياسة الخصخصة ، و 20 عامام من الصلح مع اسرائيل ، كانت كفيلة بافقاد النظام المصري مصداقيته في مصر وفي العالم العربي برمّته . ولم يعد هذا النظام يملك الاجابة على حاجات 400 الف مصري يدخلون سنويا سوق القوى العاملة .
يمكن تلخيص الطريق المسدود الذي وصل اليه النظام المصري بالمعادلة التالية : اما ان يرفض الخضوع للقيود التي يفرضها البنك العالمي ، وعندها سيواجه صعوبات اقتصادية داخلية كبيرة بسبب عدم وجود بديل اقتصادي ، واما ان يقرر تطبيق الخصخصة وعندها سيفقد السيطرة على مقاليد الاقتصاد وعلى النقابات العمالية التابعة له . وفي الحالة الثانية ستتسع الفجوة الاجتماعية الى درجة قد تصل للانفجار ، كما حدث في انتفاضة الخبز التي شهدناها في الاردن منذ وقت قصير .
ان اللعبة الراهنة بين النظام المصري والنقابات المعارضة الشكلية ، يمكن ان تستمر ما دام المواطن المصري يجد الخبز وال 20 دولارا في الشهر التي تمكنه من البقاء على قيد الحياة . ولكن اذا تحرر الاقتصاد حسب متطلبات المؤسسة الرأسمالية الجديدة ، فلن يكون بمقدور احد ان يضمن مستقبل النظام الذي لن يكون عليه مواجهة شعب فقير فحسب ، بل جائع ايضا . وقد يصبح تصورنا للازمة الاقتصادية اقرب الى الحقيقة اذا تبنتها الى ان الطريق المسدود الذي دخله النظام المصري ، تقف عنده سائر الانظمة العربية التي تسعى للاندماج في نظام التجارة الحرة تحت الهيمنة الامريكية ومن خلال اقامة علاقات حميمة مع اسرائيل ، وتبدي استعدادا كبيرا لتخطي كل الخطوط الحمراء على حساب شعوبها .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رفعت شميس - سورية
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 9
كانت اللغة ولا تزال وسيلة اتصال وتواصل بين البشر، وتنوعت أساليب التواصل فمن نطق وسماع مباشرين إلى لغة مكتوبة ومقروءة إلى نطق وسماع عبر الأثير من خلال أجهزة البث المعروفة ، وقد بدأت الصحافة كوسيلة تواصل منذ أن عرف الإنسان الكتابة ، وليست الرقم والرقع والمنقوشات الحجرية سوى صحف كتبها أناس أرادوا للغير أن يطلع عليها ، ومع تطور وسائل الاتصال ظهرت الصحافة الورقية والتي كانت في بداية عهدها لفئات قليلة من المجتمع تمثل الطبقة الغنية ، إذ أنها أي الصحيفة الورقية كانت مكلفة وغالية الثمن ، وما لبثت أن انطلقت لتنتشر بسرعة مع انتشار المطابع ، وتنوعت الإصدارات من فكر وسياسة وعلوم ومجتمع وغير ذلك ، وكانت الصحف السياسية التي لا تتماشى مع سياسة حكومة بلدها كثيراً ما تصادر أدواتها ويلاحق محرروها ، وظلت الصحافة لسان حال الحكومات وفي أحيان نادرة لسان حال الشعوب وتربعت على عرش ما أطلق عليه اسم السلطة الرابعة ، ولا تزال تحمل لقب صاحبة الجلالة ، ويحلو للبعض تسميتها أو بالأحرى تسمية مهنتها بمهنة المتاعب . وجاء اختراع الحاسوب ليشهد العالم بعمومه ثورة ما يسمى بالمعلوماتية ، واختلفت نسبة استخدام الحاسوب من بلد لآخر ، ولا ننكر أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت السباقة في مجال الإنترنت ، حيث أن أول جهة استخدمت تقنيات الحاسوب بوصفه أداة للاتصال هي وزارة الدفاع الأمريكية ، ومن أمريكا وأوربا إلى الوطن
العربي حيث انتشرت بسرعة أدوات التواصل كالبريد الإلكتروني والصحافة الإلكترونية .... هذا التسارع بنمو وازدياد الشبكة العنكبوتية جعل الوطن العربي ولا سيما دول الخليج بوصفها موطن النفط يواجه تحديات كبرى فرضت عليه ، من تلك التحديات مواجهة القرصنة الالكترونية والإرهاب الإلكتروني وهذان مصطلحان حديثان سنتحدث عنهما فيما يأتي ) .
بداية يجب أن نقر بأن الصحافة الالكترونية بدأت بالظهور والانتشار حيث اختطت لنفسها طريقاً جديداً غير مسبوق وأوجدت مهناً جديدة ، و علاقات عمل جديدة ، و فرضت قضايا جديدة ، على الساحة الإعلامية . الصحافة الالكترونية واقع يفرض نفسه إن الصحافة الورقية اليوم تواجه تنافساً حقيقياً من قبل الصحافة الإلكترونية ، إلا أن الأخيرة ما تزال تواجه الكثير من العثرات و أبرزها أن حوالي 85% من المواقع على الشبكة العنكبوتية هي باللغة الانكليزية و15 % بباقي اللغات .. و توجد بعض المشاكل في الشفرات المعرّفة للغة العربية لأنها عالية التكاليف و يتعذر الحصول عليها , إضافة إلى أن العاملين في الصحافة الالكترونية العربية بمعظمهم هواة غير محترفين . أنواع المواقع : من حيث المحتوى والمضمون
اً- مواقع تجارية و تتميز بـــ
1 - التعريف بالمنتج الذي تصنعه أو تبيعه الشركة التي ترعى الموقع .
2 - المساعدة على بيع المنتج للشركة صاحبة العلاقة من خلال التسويق الشبكي . ونلاحظ أن المواقع التجارية لا تحتوي على مواد صحفية سواء إخبارية أو معلوماتية , إذ غالباً ما تدخل في مجال تخصص الشركة التجاري . ولا نجد في المواقع التجارية خبرات إعلامية أو صحفية متخصصة و ربما يلجأ البعض إلى خبراء في مجال الإعلان و الدعاية خاصةً في المواقع المملوكة لكبرى الشركات التجارية .
2ً- مواقع تفاعلية : و تعتمد على التفاعل مع الزوار من خلال المنتديات و الحوارات المكتوبة و غرف الدردشة و المجموعات البريدية و الحوارات الصوتية , و تقتصر في الغالب على عملية التابع و المراقبة من خلال مشرفي المجموعات البريدية و لا تشترط هذه المواقع كفاءة أو خبرة فنية إعلامية أو صحفية للمشاركين فيها .
3ً- مواقع تعريفية : تعمل هذه المواقع على التعريف بأنشطة و فعاليات المؤسسات و عموماً تكتفي بنشر الفعاليات الخاصة بالمؤسسة دون الاهتمام بالتغطيات الصحفية والإعلامية أو حتى الاستعانة بمتخصصين لتغطية فعالياتها .
4ً- مواقع إعلامية تكميلية : هذه المواقع تتكامل مع المواقع في مؤسسات إعلامية سواء صحفية أو إذاعية أو فضائية . مثال : مواقع الصحف الورقية , موقع قناة الجزيرة , BBC , CNN . و هذه تتسم بالترويج للمؤسسة الإعلامية التي تتكامل معها وتدعم دورها الإعلامي و لا تنتج مادة إعلامية أو صحفية غير منتجة في مؤسساتها الأصلية إلا في تطابق ضيق و ربما يتم إعادة إنتاج المواد المتوفرة بما يتناسب مع طبيعة الانترنت .
5ً- مواقع صحفية : و تعتبر هذه المواقع صحفية بحتة فهي لم تنشأ من خلال مؤسسة تجارية و لم تنشأ مكملة لمؤسسة إعلامية و لكنها تأسست لتقوم بدور صحفي منذ البداية . فهي تعتمد على هياكل إدارية منتظمة وتركز على تقديم مواد صحفية في قوالب صحفية غالباً من قبل محترفين . ونركز على أنه ليس كل من كتب في الصحافة الإلكترونية جاز أن نطلق عليه لقب الصحفي ، هناك شروط لمزاولة مهنة الصحافة الورقية ، لكنها تنعدم أي الشروط في مجال الصحافة الإلكترونية ، فما أسهل أن يقتني شخص ما حاسوباً ، وأن يدخل على الشبكة العنكبوتية من خلال موقع شخصي يملكه أو من خلال مواقع تنشر كل شيء لروادها الكتاب .. ثم إنه ولأسباب كثيرة ولنقل لأسباب سياسية يلجأ البعض إلى الكتابة في الصحافة الإلكترونية عندما لا يجد إلى الورقية سبيلاً . يجب أن نعترف أن الانترنت وابنته الصحافة الإلكترونية أصبحا حقيقة لا مجال لتجاوزها أو نكرانها أو الحد منها ، نحن أمام واقع راح يفرض نفسه علينا ، صحيح أننا نستطيع بتقنيات برمجية أن نعطل بعض المواقع التي تنفث سمومها ، ولكننا لا نستطيع مهما بلغ عدد موظفي الرقابة أن نوقف سيل المعلومات ، حتى المواقع التي يمكن تعطيلها تستطيع العودة إلى الشبكة بعناوين جديدة ، وإلى أن يتم اكتشافها ستكون قد أفرغت الكثير من سمومها في جعبة المتلقي الذي يكون غالباً هو من يبحث عن تلك المواقع إما ليحذر منها أو حباً بالاستطلاع ولمعرفة الرأي الآخر . هل من ضوابط ..؟ هل نستطيع أن نستخدم مقص الرقابة ..؟ هل يمكننا أن نستخدم سياسة الرد بالمثل ، هل نعتمد سياسة (( التطنيش )) . أم أننا ندرب كادراً ليصل إلى الاحتراف نلحقه بما يمكن تسميته (( اتحاد الصحفيين الإلكترونيين )) ، وتكون مهمة هذا الكادر نشر الخبر ، التحقيق ، الحوار ، الحقائق ، فضلاً عن إنتاج موضوعات ميدانية مثل تغطية المؤتمرات و الندوات والمحاضرات التي تلقى في المراكز الثقافية.. وغيرها . ونترك المتلقي يختار ما يرى أنه الأفضل ... ربما دخلنا هنا في ميدان منافسة ، وقبل الخوض في هذا الميدان يجب أن نميز ما بين صحافة الكترونية وافدة لهدف النيل من هويتنا وصحافة الكترونية وافدة ولكن ليس لها غايات معادية ... وحتى نكون في أمان من أعمال القرصنة يتطلب لكادرنا الذي دربناه أن يكتب في موقع أو مواقع لكل منها (( دومين )) مستقل ... غير تابع ومحجوز على ريسيلر يتبع لسيرفر مضمون ، ومن هنا يجب الحيطة من المواقع التي تعطي مساحات مجانية ، ونؤكد أن لا شيء بالمجان في عالم الإنترنت ، أحياناً يدفع المستثمر دون أن يدري ما يدفعه . نحن والصحافة الالكترونية هناك الكثير من المشاكل التي تواجه الصحافة الإلكترونية العربية مثل غياب الإطار القانوني فحتى الآن لا يوجد قانون ناظم كقانون المطبوعات ، ولا يمكن ضبط مخالفات أصحاب المواقع بسهولة ، إذ أنه مع انتشار ما يسمى مقهى الإنترنت لا يمكننا تحديد هوية الشخص الذي يرسل المعلومات ، ومن أساليب القرصنة اعتماد ما يسمى بالاختراق ، إذ يمكن لقراصنة الإنترنت الدخول إلى مواقع يعتقد أصحابها أنها آمنة ، ويقوم هؤلاء القراصنة بكتابة ما يحلو لهم ، ويستطيع أصحاب المواقع تبرئة أنفسهم من التهم التي يمكن أن توجه ضدهم ، وفي حالات نادرة يمكن كشف الكاتب من خلال التوقيع الرقمي أو ما يسمى الآي بي – أو العنوان الفريد ... إن الصحافة الالكترونية تحاول الآن فرض نفسها على الساحة الإعلامية العربية ، والسؤال هل تتوفر لدينا صحافة الكترونية محترفة : لا أعتقد على الأقل لغاية كتابة هذه الأسطر وأستطيع أن أجزم أن الصحافة الالكترونية تكاد تكون لدينا عبارة عن مواقع جامدة للصحف الورقية التي تعيد إنتاج نفس المادة على الشبكة .
ولم أجد من خلال بحثي وتصفحي لمواقع عربية صحفاً الكترونية استطاعت أن تجعل من مواقعها بوابات محترفة بأخبار متحركة و صور متجددة ، لا نزال في طور التكوين ونحن حديثي ولادة أمام عمالقة الإنترنت في أمريكا وأوربا ، يجب أن نكون موضوعيين صادقين وعلينا أن نعترف نحن العرب أن منا الكثير من أضاع الوقت في لعبتي ورق الكبة والزهر ونفث دخان النرجيلة والسمر على قصص الزير سالم وشما زهرة البان وقصتها مع الأمير سرحان ، وفارس عبس عنترها وبيض الهند إذ لمعت كبارق ثغر عبلته ، منا من أدار ظهره للتطور ليقع أسيراً في زنزانة الماضي ، نحن نحتاج إلى أن نمحو الأمية ، لم يعد الجهل بالقراءة والكتابة أمية ، يجب أن نبحث عن اسم آخر ، الأمية اليوم هي الجهل بالمعلوماتية – بأنظمة الحاسوب وبالدخول إلى عالم الإنترنت ، إلا أننا في سورية استطعنا أن نحقق الكثير من الإنجازات في ميدان المعلوماتية وهناك الكثير من المساعي لمواكبة العصر ولعل تأسيس الجمعية السورية للمعلوماتية خير دليل ، وهناك البرنامج الوطني لنشر المعلوماتية الذي تنفذه وزارة التربية بالتعاون مع الجمعية وبدعم منقطع النظير من السيد رئيس الجمهورية ،وهناك شبكة مواقع وزارة الثقافة التي تعد صحيفة الكترونية يرتبط بها الكثير من مواقع المديريات والمراكز الثقافية ، إننا نملك في سورية كماً لا بأس به من المواقع الحكومية والخاصة ، إلا أننا لا نملك الصحافة الإلكترونية القائمة بحد ذاتها ، أما مواقع الصحف الرسمية ليست إلا تكرار لما تنشره الورقية ، والمؤسف هو غياب الكادر الفني القادر على جعل هذه المواقع جذابة للمتصفح ، مع الإشارة إلى عدم وجود قواعد بيانات للاحتفاظ بالمادة المنشورة ، فالجديد على أثر القديم . والسؤال : لماذا لا يكون هناك صحيفة الكترونية سورية تمتلك مقومات الصحافة الإلكترونية ، علماً إن إطلاق صحيفة الكترونية على الشبكة عملية غير مكلفة مقارنة بالصحيفة الورقية ، وما الذي يمنع القطاع الخاص من إطلاق صحيفة إلكترونية مميزة ... لا شك أن هناك صعوبات ... أجل فإن أول الصعوبات يكمن في ضعف التمويل ، وإذا كان الإعلان أحد أهم الروافد المالية فهو لم يجد طريقه إلى الانترنت حتى الآن ، و المواقع العربية الجيدة معظمها مواقع الصحف والمؤسسات التي لديها ميزانيات كبيرة و خبرات طويلة في صناعة الأخبار و لديها شبكة من المراسلين وهناك صعوبة أخرى تكمن في عدم توفر الكادر الصحفي المتخصص في الصحافة الالكترونية ، ولكن مهلاً قبل أن نفكر ببناء موقع لصحيفة الكترونية علينا أن نتمتع بما يسمى الأمن المعلوماتي ، فما المقصود بهذا المصطلح الحديث . في كل جانب ترد فيه كلمة ( الأمن ) إنما يراد منها : تحقيق قدر ما من المنفعة والقوة لتحقيق نوع من الطمأنينة ، فالعلاقة ترابطية بين كل أشكال الأمن المطلوبة الآنفة الذكر ، لأن حقيق الأمن الاقتصادي العربي يتطلب تحقيق التنمية الاقتصادية والتكامل الاقتصادي ، وهذا حتاج إلى مجتمع مستقر يعيش الأمن السياسي ، وإن تحقيق الأمن السياسي مقرون بمجتمع تحقق فيه حرية الرأي وحرية التفكير وحرية التعبير ، شريطة أن تمارس هذه الحرية وفق الأسس القومية والوطنية ، وأن يكون مرام تلك الممارسة لخدمة المصلحة العامة ، وهذا المجتمع يجب أن يخلو من الاتجاهات العنيفة والمتطرفة المزعزعة للإستقرار . كما أن الأمن العسكري يتطلب تحقيق التوازن الاستراتيجي والبحث عن سبل مواجهة الآلة العسكرية المعادية ، ونقول أن الأمن العسكري محقق عندما ينام المواطن قرير العين ، وحدود بلاده آمنة ، ويكون ذلك بتحقيق توازن عسكري لمواجهة كل أنواع التهديد . وأمن المياه أمر متعلق باستمرار التدفق الحر للمياه النابعة من مناطق مجاورة ..ويكون هذا الأمن متحققاً عندما لا يكون هناك احتكاراً لهذه الثروة التي أنعم الله بها علينا .
الأمن المعلوماتي :
قلنا إنه مصطلح حديث ، ولعل وجه الحداثة يكمن في انتشار الحاسوب وانتشار الإنترنت في العالم ، فمع كل لحظة تمضي تزداد شبكة الانترنت العالمية اتساعا سواء من حيث ازدياد عدد المشتركين أو من حيث ازدياد المواقع و هذا ما يؤدي بطبيعة الحال إلى ازدياد حجم المعلومات التي تنتقل عبر الشبكة . و لا يمكن لأي محاسب أو حاسوب أن يحدد و لو بشكل تقريبي مقدار مايتطلبه سيل المعلومات من تكلفة مادية وذلك لسبب بسيط مفاده أن بعض المعلومات يمتلك خاصية السرية . ومن المعلومات ما تمتلك أهمية من حيث مادتها لا من حيث حجمها , و بالتالي هي تساوي الكثير . هناك بعض المعلومات يكون مباحاً للعموم إذ يكفي أن تكتب في أحد محركات البحث العبارة التي تبحث عتها وسوف يقوم محرك البحث باستعراض المواقع التي تحتوي على طلبك إنما هناك معلومات تكون مباحة لأشخاص معينين دون سواهم و لا يمكن الوصول إليها إلا عن طرق كلمة مرور أو عنوان فريد ، و غالباً ما تكون هذه المعلومات سرية أو خاصة كتلك التي تتوضع في صندوق البريد الالكتروني فلا يصل إليها إلا صاحبها ( المرسل إليه ) و تلجأ الحكومات أو الشركات و كذلك الأفراد إلى تحميل مواقعهم بالمعلومات ليتمكنوا من الوصول إليها بسهولة عند الحاجة ، من هنا كان لابد من اللجوء إلى الأمن المعلوماتي الذي يتطلب نظام حماية على مستويين اثنين : حماية حاسوب المستخدم من الاختراق سواء كان الاختراق بهدف القرصنة أو لعمل تخريبي , و الثاني حماية المواقع أو السيرفر و المخدم أو الذي يؤمن اتصال بالانترنت , و هذا عمل عصي على الأفراد بل يجب أن تقوم به الحكومات و الشركات الكبرى نظراً للتكلفة المادية الكبيرة التي يتطلبها هذا المستوى من الحماية و على المستوى الأول يمكن حماية الحاسوب من الاختراق المباشر أي أن يلجأ شخص إلى القرصنة و الإرهاب المعلوماتي دون الاستعانة بالشبكة و يتم ذلك بتشغيل الحاسوب المستهدف و العبث به , وتتم الحماية في وضع كلمة مرور يطالب فيها النظام بعد الإقلاع مباشرة وقبل أن تظهر نافذة سطح المكتب , إلا أن هذه الطريقة ليست مجدية تماماً فالقرصان الذي يملك الوقت الكافي لنزع مدخرة التغذية للوحة الأم ( Mother board ) قادر بذلك على إلغاء المطالبة بكلمة مرور للدخول إلى النوافذ .
و هناك حماية من نوع أخر كأن يقوم المستخدم بتغيير امتداد ملفاته الخاصة و مع ذلك فهذه الطرقة غير فعالة في الحماية إذ أن القرصان الذي يملك بعض المعلومات عن برامج فتح الملفات قادر على اختيار البرنامج الخاص لكل ملف . و لذلك سعت بعض الشركات إلى توفير الحماية من خلال ما يسمى الأمن المعلوماتي البيولوجي , ففي العام 1968 ظهر فيلم من الخيال العلمي , تدور أحداثه في العام 2001 , و حمل ذلك الفيلم اسم ( ASpace Odyssey ) أي " ملحمة فضائية " و تدور أحداث الفيلم في مركبة فضائية عملاقة و هي تجارية أن تنقل المسافرين عبر الفضاء لقضاء إجازاتهم في مستعمرات على القمر و هذه المركبة تتضمن حاسوباً قوياً و ذكياً , اسمه كومبيوتر هال 9000 ( HAL 9000 ) و استخدم ذلك الحاسوب آلات تصوير و تقنيات ذكاء صناعي ليتعرف إلى المدعو ديف و هو قبطان المركبة الفضائية , و ليحدد الحقوق التي يملكها على تلك المركبة و ها نحن اليوم نعيش في العام 2005 ليس لدينا مركبات فضائية تجارية يمكنها نقلنا إلى مستعمرات فضائية , لكننا بتنا نملك حواسيب يمكنها التعرف إلى الأشخاص , اعتماداً على خصائصهم الفيزيائية ( Physical attributes ) و منحهم حقوقاً معينة للتعامل مع شبكة الحواسيب , بناءً على ذلك , أو حجب هذه الحقوق عنهم ونشهد اليوم ظاهرة تنتشر بشكل بطيء نسبياً في أجهزة الحواسيب الشخصية و المحمولة , ألا وهي : تزويد هذه الأجهزة بأنظمة التحقق البيولوجي ( Biometrics ) و تستطيع مثل هذه الأنظمة تسجيل معلومات عن بصمات الأصابع و الوجوه , و الأصوات , و قزحية و شبكية العين , و التوقيع اليدوي , و غيرها من الخصائص الفيزيائية , و أن تعمل كحارس لنظام معين و تسمح بمرورك من بوابة معينة , أو أن تمنعك من المرور , بناءً على انطباق خصائصك الفيزيائية مع المعلومات المخزنة في قاعدة البيانات . و يمكنك أن تنظر إلى هذه التقنية على أنها طبقة من الأمن , تعتمد على شيء لا يمكنك أن تنساه أو تفقده أو تتركه في مكان غير آمن , مثلما يحدث مع بطاقات الدخول الممغنطة أو كلمات السر و لا ريب أنه توجد أنواع كثيرة و متزايدة من الاستخدامات , للتقنيات الأمنية المعتمدة على التحقق البيولوجي حيث تستخدم هذه التقنيات اليوم للتأكد من وجود الأشخاص في مكان معين مثل مراقبة دوام الموظفين بدقة , أو التحكم في إمكانية الوصول الفيزيائي إلى مواقع معينة . و يمكنك أن تجد تطبيقات جلية لتقنيات التحقق البيولوجي في الحياة اليومية , مثلاً , منع الوصول غير المخول إلى الحسابات المصرفية أو محافظ الأسهم . و تقدم بعض المؤسسات المالية ماسحات بصمات للزبائن مجاناً , للتحقق بشكل أفضل من هويات هؤلاء الزبائن , لضمان سير تعاملات انترنت الخاصة بالمصارف و الأسهم بشكل آمن , و نتوقع أن نرى بعد أن تثبت هذه التقنية حضوراً راسخاً , مزيداً من أنظمة التحقق البيولوجي ( biometrics ) في أجهزة المساعدات الرقمية الشخصية ( PDAs ) والهواتف النقالة , وغيرها من الأجهزة اللاسلكية , لكن ربما كانت أكبر القطاعات التي ستشهد نمواً في مجال أنظمة التحقق البيولوجي , هي مجال استبدال , أو التكامل مع الأنظمة الأمنية التي تعمل باستخدام كلمات السر في المؤسسات , لكن كلمات السر تحتوي على جوانب سلبية هو توقع هذه الكلمات من قبل المخترقين , و حاجتها إلى الصيانة الدائمة حيث يجب تغير هذه الكلمات بشكل دوري , لضمان مستوى أعلى من الآمن و توجد سلبية مادية لاستخدام كلمات السر فهي تكلف الشركات الكبيرة أموالاً طائلة . يتوقع في المستقبل أن يتضمن كل حاسوب شخصي نظام تحقق بيولوجي كجزء رئيسي منه و ذلك حسب دراسة أجرتها مجموعة التحقق البيولوجي العالمي ( International Biometrics Group , IBG ) و هي مجموعة استشارية , لديها مختبرات لفحص أنظمة التحقق البيولوجي , إلا أنه لا تخلو أجهزة التحقق البيولوجي من ثغرات , فالأجهزة رخيصة الثمن يمكن أن يتم تزويرها بسهولة , يقول خبراء الآمن : أن الطريقة الوحيدة لحماية أي نظام حاسوبي بفعالية , هي عبر إضافة طبقات متكاملة من التقنية , لا تتضمن فقط أنواعاً مختلفة من أنظمة التحقق البيولوجي , كأنظمة مسح الوجه و البصمات , بل تتضمن كذلك , بطاقات ذكية , و تشفير , وكلمات سر. و على الرغم من أن القطاع الخاص مازال يختبر أنظمة التحقق البيولوجي , إلا أن عدداً من الحكومات بدأت بتطبيقه فعلاً . ذكرت دراسة جديدة أن الخوف من عمليات التسلل و الاختراقات الأمنية من المرجح أن يؤدي – إي الخوف – إلى ارتفاع هائل في تكلفة الحماية تصل إلى 300% في الإنفاق الحكمي و إنفاق الشركات على خدمات الأمن المعلوماتية خلال السنوات الأربع القادمة . و تنبأت مؤسسة إنتر ناشيونال داتا كوربوريشن للبيانات بأن يصل حجم سوق الأمن المعلوماتي العالمي إلى 21 مليار دولار بنهاية عام 2005 و قال كبير محللي الشركة آلان كاري إنَّ ( النمو في هذه السوق سوف يأتي من جانب الشركات التي تدرك قيمة الاستعانة لطرف ثالث مقدم للخدمات لديه مهارة في تطوير استراتجيات النية معدلة وفقاً لطلب الزبائن لحل مشاكل العمل ) و السؤال الذي يطرح ذاته : هل هناك أمن معلوماتي عربي ..؟ إن حكومات دول الخليج العربي عرضة لمخاطر كبيرة من الإرهاب الالكتروني عبر الانترنت و فقاً لتصريحات أحد كبار المسؤولين في شركة كومجارد المعنية بتوفير خدمات وحلول حماية و أمن البيانات , و التي أدل بها أمام حشد من مسؤولي الحكومات الالكترونية العربية مؤخراً , وبالرغم من وجود التشريعات الداخلية في المؤسسات يتم استخدام الانترنت بشكل غير سليم كل يوم . من هنا , على حكومات دول المنطقة , بالإضافة إلى اعتمادها على أحدث الحلول التقنية المعتمدة في العالم لحماية البيانات , أن تعتمد على تنفيذ إجراءات حماية يدوية داخل المؤسسات تحميها من التهديدات الداخلية و الخارجية في آن معاً . و لاتزال هناك عقبات كثيرة تعيق الأمن المعلوماتي العربي منها نقص الكفاءات العلمية , وكذلك عدم الثقة بشركات الحماية , و الخوف من أن تقوم تلك الشركات نفسها بتسريب المعلومات التي تقوم بحمايتها . إن الأمن المعلوماتي العربي لا يزال في مرحلة الطفولة و رغم أن تقنيات الاتصالات باتت في متناول أغلب الدول العربية فإنها لا تزال تفتقر إلى الحماية الذاتية , فهي دائماً تستعين بالشركات الأجنبية سواء من أجل حجز النطاقات على الشبكة أو من أجل توفير سبل الحماية كالجدار الناري مثلاً , إلا أنه لم يتوفر بعد لدينا نحن العرب ما نخاف عليه على الشبكة العالمية من معلومات إلا القليل هذا إذا استثنينا دول الخليج العربي , فأسرار التكنولوجيا العربية في الصناعات الثقيلة سواء المدنية أو العسكرية ليست هدفاً لدى قراصنة المعلوماتية لسبب بسيط هو أنه لا نملك هذه التكنولوجيا . إن الأمن المعلوماتي العربي ضرورة ملحة يفرضها الواقع , و نحن نعترف أننا لم نصل إلى المستوى الأمني المطلوب إما للتكلفة الباهظة التي يتطلبها نظام الحماية و إما لقلة الخبرات و الكفاءات في هذا المجال , و المطلوب منا أن نكون حذرين في التعامل مع المعلومات المتدفقة عبر الشبكة لسببين أحدهما قطع الطريق على العولمة و مايحمله هذا المصطلح من معنى , و الحد من الغزو الثقافي , و الآخر لتأمين بعض الحماية لمعلوماتنا من الاختراق , و لعلَّ الإجراءات التالية كفيلة بتوفير الحد الأدنى من الأمن المعلوماتي :
عدم فتح رسائل البريد الالكتروني مجهولة المصدر فقد يكمن فيها أحد أخطر أنواع الفيروسات . تفريغ محتويات البريد الالكتروني من الرسائل التجارية التي لا تهمنا و التي ترسلها بعض الشركات للدعاية دون إذن مسبق من قبل صاحب البريد الالكتروني .
الحذر من العروض المجانية فقد لا يخلو بعضها من الفيروسات .
اختيار كلمة سر معقدة تتجاوز الست محارف و حفظها في مكان أمن . عند التعامل مع الشبكة , عدم الدخول إلى المواقع غير الآمنة , ويمكن فتح الموقع و حفظه بطريقة ( حفظ باسم ) من القائمة المنسدلة ملف , ثم قطع الاتصال و تصفح الصفحات المحفوظة و تدريب العناصر و اختيار الكفاءات الجيدة للعمل في مجال المعلوماتية .
و أخيراَ إذا لم يكن لدينا ما نخفيه أو نخاف عليه لا يعني أننا لا نحتاج إلى الأمن المعلوماتي فتحن نتقدم بخطوات واسعة في مجال المعلوماتية , و لا شك أننا بحاجة إلى حماية ما لدينا من مخاطر القرصنة و الإرهاب المعلوماتي , و لسوف تكون معلوماتنا و أسرارنا مستهدفة من قبل هؤلاء الذين لطالما استهدفوا العقل العربي بما يسمى الغزو الثقافي و ما زلنا عاجزين على الرد بذات السلاح أي أن نقوم نحن بالقرصنة و الإرهاب المعلوماتي ,أما سبب العجز الرئيسي ليس في قلة المهارات و الكفاءات و إنما ينبع من المبادئ و الأخلاقيات العربية و هناك من أفتى بتحريم نسخ المعلومات و سرقتها بدون إذن مالكها , هذا إضافة إلى قانون حماية الملكية الفكرية الذي يعمل به في أغلب دول العالم , و تبقى كلمة الإرهاب بكل معانيها مرفوضة لدينا , وإذا حدث أن مارسنا الإرهاب المعلوماتي , فإننا سنكون مصرين على تسمية هذا العمل بالمقاومة المعلوماتية , إذ يصبح لدينا الحق المشروع في هذه المقاومة عندما نتعرض للقرصنة و الإرهاب المعلوماتي . و على مبدأ المثل القائل // المال السائب يشجع على السرقة // علينا أن نوفر لمعلوماتنا أمن الحماية المطلوب .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. جميل حمداوي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 10
الصورة الروائية في سوانح الصمت والسراب لجلول قاسمي
الدكتور جميل حمداوي
كثيرة هي المقاربات والدراسات النقدية التي يكون هاجسها الأول هو التنقيب عن المعنى والرهان واستخلاص الأطروحة وبعدها الإيديولوجي، وتحديد المرامي المرجعية سواء أكانت ذاتية أم موضوعية بكل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية والثقافية. وقليلا ما تنصت للجوانب البنائية والأسلوبية في علاقتها بالمتن أو النص الروائي. وبهذا يكون للمضمون نصيب أوفر من الدراسة، وبعده يفوز الشكل بحصة تكون أقل منه استقصاء أو مضاهيا له؛ ولكن دون استنطاق فعال لكل العناصر البنائية المولدة للنص، تكوينا وتمطيطا. لذلك آثرنا في هذه الدراسة المتواضعة استجلاء مكونات الصورة الروائية في "سوانح الصمت والسراب" للروائي جلول قاسمي؛ لأن المهم هو التركيز على شكل المضمون أي معرفة الأدوات البنائية التي استخدمها الروائي جلول قاسمي في تحبيك روايته وتشبيك أحداثها وتفصيل بؤرتها السردية وتفضيتها إيقاعا وتركيبا.
ومن المعروف أن الرواية تصوير باللغة وتشخيص للذات والواقع بأسلوب إيحائي يرتكز على المجاورة والمجاز. وبهذا تكون الصورة الروائية طريقة أسلوبية في تصوير الواقع وتمثيله وتشخيصه، قوامها الخيال والمحاكاة الفنية أو تجاوزها نحو الإبداع والابتكار، أي إن الصورة الروائية هي التعبير الجميل عن الذات في تفاعلها مع الواقع بلغة أسلوبية مشخصة إيحاء وانزياحا وتصويرا، أداتها البلاغة والتخييل، وصيغتها التعبيرية الاسترسال السردي وخلقا.
ومن الصعب تعريف الصورة بدقة لتداخل الذاتي والموضوعي ، والسردي والبلاغي، واختلاف تجارب التلقي وإعادة الإنتاج، لأن الصورة الروائية " قبل كل ذلك، تمثل ذهني وتجربة عقلية يتلذذ بها المتلقي المساهم في "فعل القراءة" بدوره الحاسم، وجدله الثري مع خطاطات النص ومظاهره الجزئية وبياناته ومعلوماته وجوانبه المتفاعلة والمنعكسة على بعضها البعض. وحقيقة هذه الصورة، من منظور التلقي، لاتكمن في تشكيل التوافقات بين العناصر، بل في طريقة التشكيل نفسها ومن هنا نرى - يقول الدكتور محمد أنقار- أن كل تحديد صارم للصور الروائية لا يمكن تحققه إلا بالكشف عن مجموع الطرائق التي يمارسها الوعي لتمثل الصور من خلال العناصر الجمالية المقترحة من لدن المبدع في كل متن روائي"(1).
وعليه، فما هي الصور الروائية التي تنبني عليها رواية " سوانح الصمت والسراب"...؟ وما مكوناتها؟ وما هي وظائفها الدلالية والجمالية والمرجعية؟ هذا ما سنوضحه من خلال المستويات المنهجية التاليــة :
أ- الصور الروائية على مستوى النص الموازي :
إذا تأملنا صورة العنوان " سوانح الصمت والسراب" لاحظنا تركيبا اسميا في شكل استنتاج قائم على التقرير والإثبات يؤكد فيه الراوي خيبة تجربة الشخصيات المتخيلة في الرواية، وضياعها بين الأوهام والأحلام الزائفة، كما يسجل العنوان اللحظات المريرة التي عايشتها شخصيات الرواية بعد سوانح حلمية براقة انتهت بالعبث اللاجدوى والوقوع في شرك سماسرة السراب وأنياب السلطة بعد الاعتقال والمحاكمة العابثة. وهذه السوانح هي سوانح بحوص والميلود ومعط الله ومحميد وآخرين. هؤلاء الذين لفظتهم تندرارة وفضاؤها المقفر الجدب بشيحه وريحه.
وتهيمن الأصوات المهموسة ( س، ص، ح، ت) على صورة العنوان، وهذا الهمس إن دل على شيء، فإنما يدل على صمت الشخصيات وحزنها وعبثها وضياعها بين حلم براق وسراب خادع. ويرد العنوان بلاغيا مثل كناية كلية تحيل على ذوبان الشخصيات وتآكلها وضياعها وخيبة صراعها السيزيفي لتحقيق كينونتها ووجودها الاعتباري. وهنا، لابد أن نعود إلى السياق النصي للرواية ككل لتكثيف أحداثها ومعرفة الحبكة السردية المولدة للرواية.
وعليه، تنطلق الرواية من مصدرين في بناء موضوعها السردي:
أولا : البحث عن الأدب الشعبي في المنطقة الشرقية من المغرب ونواحيها الصحراوية:
هذا المصدر هو الذي جعل الشخصية الأساسية في الرواية "بحوص" يتحول إلى براح وقوال يمتلك ناصية الشعر ومدح الأسياد وأهل الجود في المواسم والأفراح ومناسبات الأعراس، ويتمثل نصوص البحث رواية وحفظا وتناصا. ويأخذ بوصية خاله بأن يكون براحا بعد أن سدت في وجهه أبواب الوظيفة. مع العلم أن هذا البراح قضى أربع سنوات في كلية الآداب واستكملها ببحث الإجازة حول الأدب الشعبي ليجد نفسه عاطلا تنهشه الفاقة، ويدغدغه الفقر والضياع واليتم والاغتراب الذاتي والمكاني في فضاء جغرافي لا حياة فيه ولا مستقبل لجفاف طبيعته وندرة موارده.
ثانيا : رصد الواقع المغربي بصفة عامة، وواقع المنطقة الشرقية بصفة خاصة :
لقد اشتغل المبدع على تيمة الهجرة السرية وبطالة أصحاب الشواهد العليا الذين ينتهي بهم المآل إلى الهروب من واقعهم الفض نحو آفاق أرحب حيث يحققون طموحاتهم وأحلامهم الوردية.
ويعني كل هذا أن الخطاب الشعري في الرواية يحيل على البحث في الأدب الشعبي باعتباره مصدرا للرواية وحبكتها؛ كما أن الخطاب السردي يحيل بدوره على الواقع المغربي بكل تناقضاته المفارقة. ومن ثم، يتنازع الرواية ميسمان : الميسم الشاعري والميسم السردي على غرار الروايات الجديدة.
أما الصورة التشكيلية المرسومة على اللوحة الغلافية الخارجية التي رسمتها الفنانة أسماء الورياشي فتحيل على عالم تجريدي مصبوغ بالسواد لكائنات لا ملامح لها ولا قسمات واضحة. إنها عبارة عن أشباح آدمية ينخرها الحزن والضياع والتيه. وفي الغلاف الخارجي نجد كلمات تشكل صورة البؤرة. وقد اختارها الكاتب لأهميتها في تبئير الأحداث؛ ولكونها أيضا تشكل حدثا نوويا في الرواية. إذ تشير هذه الكلمات إلى سماسرة السراب والأوهام الذين يستغلون الضعفاء والفقراء والعاطلين . وبذلك تكون الرواية صراعا جدليا بين الذوات المعدمة المنهوكة والذوات المستغلة، أو بين الفاعل الساذج والفاعل الماكر.
وفي صورة الإهداء، يحضر الميثاق العاطفي الأمومي بين المهدي (الراوي) والمهدي إليه ( الأم) متخذا صيغة مأساوية مرتكزها الحزن والرثاء والعزاء. ويحيل "القبر" و" بني مطهر" و "العراء" و"المفرد" على عالم الضياع والوحدة والموت والفقدان الوجودي وعلاقة الإهداء بالمتن الروائي علاقة صوت طبيعي حقيقي بموت خيالي مجازي. ويتقاطع الإهداء والمتن كذلك في الضياع والفقدان والصمت والاندثار الكينوني.
ب - الصور الروائية على مستوى متن النص الروائي :
تحضر في البداية أمامنا صورة الشخصية، وهي صورة بحوص "البراح" أو " القوال" الذي تخرج من الجامعة عاطلا، وله اطلاع كبير على الأدب الشعبي وأعلامه في منطقة المغرب الشرقي. وقد جرب التهريب و"التبراح"؛ ولكن لم ينجح فيهما. فقرر الهجرة إلى ما وراء البحار. بيد أن سماسرة السراب أوقعوه في شرك البحر وسجون السلطة. إنها صورة مثقف عاجز عن تغيير واقعه المقفر لذلك آثر الهروب؛ فكان جزاؤه المحاسبة والاعتقال.
وبناء على ما سبق، نعتبر "بحوص" شخصية إشكالية تعاني تمزقا بين الذات والموضوع، كما أنها شخصية غير منجزة وعادية. أفعالها سلبية تضعف أمام لغة التغيير والفعل الإيجابي. وتركن في الأخير إلى زاوية الصمت والأحلام الزائفة الوردية؛ لتتلذذ بالإخفاق والإحباط على غرار الشخصيات الرئيسية المهزومة في معظم الروايات العربية (روايات عبد الرحمن مجيد الربيعي، روايات عز الدين التازي، روايات عمرو القاضي، رواية أوراق لعبد الله العروي...).
وتبرز لنا الرواية صورا أخرى لشخصيات مقهورة وشخصيات متسلطة مستغلة وشخصيات مهمشة ساذجة وشخصيات واعية حالمة. تشكل هذه الصور عالما من الشخصيات المتناقضة والمتناطحة في آرائها ومواقفها الإيديولوجية والوجودية. كما تحضر نساء عابثة، ونساء أخرى حجبتها الرواية وراء الكواليس السردية وما بين السطور.
وعلى الرغم من واقعية الرواية، فإن شخصياتها وجودية تبحث عن كينونتها ووجودها الاعتباري وتتصارع ضد الفقر والتهميش، كما تتصارع ضد الوسطاء والمستغلين. بيد أن هذا الصراع ستنطفئ ذبالته بالهروب وترك الظهرة ينهرها الاستغلال والجدب والموت.
وتحضر كذلك صورة اسم العلم الذي يحدد هوية الشخصيات ويبرز دلالاتها وأبعادها الوظيفية في الرواية. فنجد مجموعة من الأسماء مثل بحوص وعبد المنان الكريمي وصهيب عبد المنان وسهى بن عطا الله محميد ومعط لله والميلود ووردية والجيبة...
ويلاحظ على هذه الأسماء العلمية خاصية المفارقة والسخرية. إذ يهيمن المكون الديني على معجم الأعلام، فيظهر لنا السارد في جوهر الموصوف صفات الكرم والجود والعطاء والجمال الوردي، بينما واقع هذه الشخصيات ينافي هذه الصفات أو يسخر منها مفارقة وعدما. وما الغرض من لغة التشخيص والتخييل في المسميات الكنائية وأسماء الأعلام إلا الإحالة على العبثية والضياع وتناقض الذات والفعل في تفاعلها مع الواقع: إيجابا وسلبا.
وإذا انتقلنا إلى صورة الفضاء فإنها تذكرنا برواية "النهايات" لعبد الرحمن منيف. إذ تنقل لنا الرواية فضاء الجدب والقفر والموت الذي يتشكل في الظهرية وتندرارة وفضاء بني مطهر. ويعرف هذا الفضاء القاسي بفضاء "الشيح والريح" أو بالمغرب غير النافع حيث تموت فيه الحياة، ويغرب فيه الأمل، وتشح الطبيعة بقطرها، وتنعكس صفحتها الدامية على الإنسان "الظهراوي" لتشكله كائنا بشريا متقلب المزاج، متناقض المواقف والمشاعر.
يقول الراوي واصفا فضاء الأحداث : "في الظهرة يتمدد المكان يبحث عن وجوده في اللامكان... وأي مكان إلا ذلك الاستفهام القاسي الذي يلهب ذويه مع القيوظ النازلة من السماء والصاعدة من الأرض بغير تملي طلعة كل منبئ بالجديد... ولا جديد تحت سماء الظهرة اللعينة: سهوب غاضت عنها أسباب الحياة فأضحت تتشح برقع متماوجة من سدر وحلفاء وشيح أجرد، قصير السيقان، كأنه يخشى على نفسه من التطاول فتجثثه الريح الصرصر العاتية التي تسلب الفضاء صمته حينا بعد حين. وعيون ماء عادت على أعقابها متدثرة بالحسرة لترسم على أديم اليابس مربعات بأحجام مختلفة تنداح فيها الأقدام... ليس في فضاء الطراريد إلا لون واحد يلوح كل حين بلباس تتفنن فيه رياح السموم...(1).
تبين لنا هذه الصورة الفضائية هول المكان ورعبه وخطورته على الإنسان حتى إن الحياة منعدمة فيه بسبب القحط والجدب وانعدام الغيث. ولا يرى سوى رياح السموم تتراقص على هذا الفضاء الواسع الممتد في عريه الصامت. وقد استعمل الكاتب الاستعارة لتشخيص هذا الفضاء وأنسنة قفره الخالي ليرسم لنا فضاء مأساويا يطبعه السواد القاسي.
وعلى مستوى صورة السارد، يختار الكاتب أن يشرك الراوي مع الشخصية الأساسية في إنجاز الأحداث وأداء الوظائف السردية معتمدا في ذلك على التبئير الداخلي، وتوظيف ضمير المتكلم، ضمير الشهادة والمعايشة والمشاركة الحميمية في صلب الأحداث.
وتتساوى الشخصية مع الراوي في معرفة الأحداث وسردها. وعلى الرغم من هذه الرؤية الداخلية، فإن الراوي "البراح" ينتقل إلى الرؤية الخارجية والتبئير الصفري لوصف الشخصيات (عبد المنان الكريمي، وردية...)، والأفضية، أو لنقل المشاهد الدرامية مثل مشهد المرأة مع الجمركي الذي أفرغها من سلعها المهربة. وتعد الرؤية الداخلية رؤية الاعتراف والتذكر والاسترجاع والبوح بالحقيقي والخيالي، والإشهاد على صحة التجربة وصدقها مادام قد عايشها الراوي وجربها في أرض الواقع. وهذه الرؤية ملمح من ملامح الرواية الجديدة التي نجدها في الروايات السيكولوجية والأوطبيوغرافية والمنولوجية.
ويمارس هذا السارد الحاضر في القصة عدة وظائف مثل السرد والتنسيق بين الشخصيات والانتقال بينها بكل حرية لتوزيع لقطاته التصويرية، والشهادة على الأحداث وتبليغها للقارئ وإيصال أطروحته الواقعية بكل حمولاتها الإيديولوجية، ولاسيما أن هذه الرواية تندرج ضمن التيار الواقعي الانتقادي.
أما فيما يتعلق بصورة الإيقاع، فتتمدد الرواية على إيقاع مسترسل كرونولوجي ينطلق من حاضر السرد نحو مستقبل الخيبة والاعتقال. ويتسم هذا الإيقاع بتسلسل الأحداث وتنامي الوظائف الأساسية والثانوية في إيقاع متموج يعلو تارة، وينخفض تارة أخرى عبر مجموعة من الأحداث الأساسية وهي على المنوال الآتي:
الدراسة الجامعي ? البطالة ? التهريب ? التبراح ? الهجرة غير الشرعية ? المحاكمة والاعتقال.
وعلى الرغم من امتداد الإيقاع الروائي وتسلسله الزمني والسردي، فإنه يتقطع إلى حلقات مستقلة، إذ يلتجئ الكاتب إلى استخدام تقنية "التناوب" في تفعيل التماوج السردي وتسيير دفة السرد عن طريق تقديم كل شخصية على حدة ليعود إلى كل واحدة بعد ذلك ليستكمل مواصفاتها ووظائفها على الطريقة المعروفة في الروايات الكلاسيكية. وهذا التقطيع الإيقاعي ليس مرده فقط إلى طريقة التناوب في استحضار الشخصيات والأفضية ورسمها، بل يعود كذلك إلى انحراف الإيقاع إلى الماضي في إطار "فلاش باك" قريب أو استشراف مستقبلي قريب كذلك. وهذا ما جعل إيقاع الرواية وجيزا لا يطول كثيرا ولا يعرف الإسهاب والامتداد الطولي الذي نجده لدى كتاب الرواية الواقعية أمثال بلزاك وفلوبر وستندال وإميل زولا ونجيب محفوظ وعبد الكريم غلاب ومبارك ربيع...
ويعني هذا أن إيقاع الرواية مكثف زمنيا وسرديا بلوحات وصفية وشاعرية مختصرة كأنها لقطات فيلم سينمائي يتحرك بسرعة ويخفف على القارئ متعة القراءة ومتابعة النص الروائي.
ويقترب إيقاع الرواية من إيقاع الرواية الواقعية الكلاسيكية الذي يصدر عن بداية يتم فيها استحضار الشخصيات والأحداث والأفضية وتقديمها، ثم تعلو الأمواج السردية لتعمق الحبكة السردية في إيقاع اللاتوازن لتنتهي بنهاية قد تكون توازنا إيجابيا أو لا توازنا. وهذا ما نلمحه في رواية جلول قاسمي التي اتخذت نهجا كلاسيكيا عندما أفصح في البداية عن إطار الرواية الفضائي والشخوصي : " أصبت في مقتلي يوم نمي إلى مسمعي ما نمي، في يوم معلوم، في تاريخ معلوم، في مكان معلوم، من الجنوب الشرقي، لمغرب يسعى حثيثا، ليبنى مساحاته الأولى من صرح دولة الحق"(1).
وتنتقل الرواية إلى تشبيك عقدة الشخصية الرئيسية وهي العطالة والفشل في التهريب و"التبراح" بعد أن حرم من عشيقته الأطلسية "وردية"، فتختار في الأخير الهروب إلى ما وراء البحار، لتنتهي الرواية بوقوع الشخصيات المغرر بها لسذاجتها في فخ المحاكمة والاعتقال والعودة من جديد إلى نقطة الصفر. وهذا ما يجعل بناء الرواية بناء دائريا أو حلزونيا يبدأ بصمت البطالة والفقر لينتهي إلى المصير ذاته بفضاضة أكثر وتقريع أشد. ويعني هذا أن إيقاع الرواية يرسم صورة عبثية لشخصية غارقة حتى أنفها تتلاطمها الأمواج مدا وجزرا تتلذذ بسوانح وردية تنجذب إلى الماضي تارة، وإلى المستقبل تارة أخرى. ويسم هذا الإيقاع روح اليأس والعذاب البشري والضياع الإنساني وتآكل الفرد في شراك الفخوخ البشرية والطبيعية والوجودية لترسم مصيره المأساوي إلى حين فقدانه وموته صمتا وسرابا.
وإذا انتقلنا إلى صورة الوصف التي ركز فيها المبدع على رسم الشخصيات والأفضية، فإنها صورة تشخيصية حية بالحركة تارة، والصمت تارة أخرى، ويسمها الإيجاز والتكثيف وعدم الاستقصاء والتفصيل كما نجد في روايات فلوبير وبلزاك إنه وصف موجز على غرار الوصف في الروايات الجديدة التي تعوضه باللقطات السردية والإيقاع الإنشائي الشعري. وهذا ما نجده واضحا في رواية "سوانح الصمت والسراب" إذ يتخذ "الوصف" طابعا سرديا وطابعا شعريا فتتقاطع بذلك الوظيفتان : الشعرية والروائية، وتتداخل المجاورة مع المشابهة لتحولا النص إلى رواية شعرية.
وتتمثل آليات الوصف عند جلول قاسمي في استخدام الصفات والأحوال والاستعارات والتشابيه والمحاكاة الساخرة والمفارقة التعبيرية: "لم نتوهم إلا ما سولت لنا البطون الجائعة في فيافي النجود المتراميات، التي نضدت عليها السماء رهبة الخوف وحازت في الأولين والآخرين سرابيل من ضنك جحيم"(1) وتبلغ صورة الوصف قمتها التصويرية وروعتها الفنية عندما تلتجئ إلى السخرية: " براحكم أنا يا سادتي ... براح مع درجة الشرف، وشهادة علمية سميت منذ القديم إجازة... كان شيوخ العلم، إذا رضوا عن مستعلم قالوا: "أنت مجاز" أو " أجزناك" فاذهب فأنت حر لوجه الله أو لوجه العلم !".
فيضرب المستجاز في المتاهة، تارة يركب ظهر بغلة وأخرى يتمطق فوق حمار، حاملا فوق كتفين معقوفتين ورأسا مملوءا وجيوبا مثقوبة وعباءة أضحت مثل جلد المركوب من الوعثاء وروث المركوب... حولوا على عهدنا الكلم عن مواضعه فأضحى المسميان كلاهما في عباءة وعقال..."(1).
وقد يلتجئ الكاتب إلى توظيف التوازي والإيقاع الصوتي والتجانس الحرفي لخلق مفارقة وضيعة: " بحوص، يا سليط اللسان وحاد السنان، خلت سنانك، فراعك الوهم وأحال سنانك سؤالا حارقا يشوي أيامك المترعة بالانذهال... حلمك أن تصبح مواطنا صالحا، يتبخر مع آخر نسيمات الصباح، أصيلانا تعود وحدك تخب في أرومة تجود بأكثر من براح... تمني نفسك مقارعة الأخطبوط... أنت محض سراب..."(2).
وباستقراء مجمل الصور الوصفية في الرواية نجد أنفسنا أمام خطابات روائية متعددة وثرية مثل الخطاب السردي، والخطاب الشاعري، والخطاب الحلمي، والخطاب الفانطاستيكي. وهذا ما يقرب الرواية من النصوص الروائية الجديدة على الرغم من حبكتها الواقعية الانتقادية البسيطة، وتقليدية هيكلتها السردية.
ويلاحظ على الصورة الوصفية عند جلول قاسمي أنها لا تقف عند قسمات الصورة الوصفية التقليدية التي تهتم بالملامح الخارجية والنفسية والأخلاقية، بل هي صورة سريعة مشخصة بلغة التصوير المفارقة أو تلتقط ماهو أدق في الموصوف بإيجاز واختصار دون الاهتمام بتفاصيل الموصوف واستقصاء ملامحه الأساسية والثانوية والفرعية. أي إن الكاتب يقف عند الملامح الكبرى المحددة للشخصية والقواسم النفسية التي تطبعها بشكل عام دون الإسهاب في تاريخ الشخصية ومنشئها وطبيعتها على طريقة المدرسة الطبيعية عند زولا أو الواقعية عند بلزاك. وهنا يلتقي مبدعنا مع الرواية الجديدة في القفز على الوصف والتركيز على نفسيات الشخصيات في عموميتها دون الخوض في تفاصيلها.
أما فيما يتعلق بصورة المستنسخ، فيبدو الكاتب ذا حمولة ثقافية واعية، إذ يستخدم التناص بكل مكوناته الاقتباسية والتضمينية لبناء نصه الروائي وتعضيد حبكته السردية: امتصاصا وحوارا وتناسلا. وإلى جانب المصدرين السابقين للمادة الإبداعية ( بحث حول الأدب الشعبي للركادة، وتحقيق حول الواقع المغربي)، نجد مستنسخات نصية أخرى ذات مرجعيات متعددة كالمستنسخ الأدبي ( أبو العتاهية، طرفة بن العبد، المتنبي، الشنفرى، أبو نواس، أبو العلاء المعري، الأعشى...)، والمستنسخ الديني ( عاد، سجدا، وبكيا، حمالة الحطب، الطوفان، في جعبتك تلقف ما جمعوا...)، والمستنسخ الشعبي ( رقصة الركادة، في خاطر لخواطر، البراح، عبد الله المكانة، أحمد ليو، ميمون سويس...)، والمستنسخ السياسي ( ميزانية البنتاغون، البرلمان، مكيافلي، الانتخابات...)، والمستنسخ الأسطوري (ربابة أورفيوس...) والمستنسخ اللغوي (قلت: "جربت لعبة الاقتناص حتى قنصوني فصرت مقنصا ومقتنصا كما المرأة السليطة")، والمستنسخ التعليمي (الصرار والنملة...)، والمستنسخ الفانطاستيكي (الأخطبوط، الأشباح، الجنيات،...)، والمستنسخ الصوفي (الحضرة، الاسم الأعظم، مجذوب، أعز ما يطلبه الملهوف...).
وتنم كل هذه المستنسخات عن لغة السخرية والباروديا والتهجين والمفارقة والتهكم من الواقع المتعفن والانتقاد للكائن والسائد واستشراف الممكن الأفضل، والعزف على سمفونية حقوق الإنسان وحرية الفرد وحقه في الوجود والكينونة الحق والكرامة المصانة، ويمكن إدراج هذا التوظيف للمستنسخ النصي في إطار الرواية الجديدة على مستوى الملامح الروائية ليس إلا؛ لأن التركيبة المهيمنة على الرواية تركيبة كلاسيكية شكلا وصياغة ووظيفة. وهذا لا يضر الرواية في شيء؛ لأن المهم هو التشغيل الفني الجيد للحبكة السردية ومدى انفتاح المبدع على التقنيات الرواية الممكنة التي تسمح له بالتعبير عن كل طواعية وطبع، وألا يكون ذلك فقط تطبيقا وفيا لتقنيات ووصفات النقد السردي المعاصر؛ لكي ينال رضاه وثناء مدحه وإشادته. فكم من نصوص روائية جديدة تدعي التجريب والحداثة كانت دون مستوى الجودة الفنية والتلقي وجمالية التقبل! وكم من نصوص كلاسيكية ما زالت تؤثر على القراء وخالدة بروعتها السردية وجماليتها الفنية الساحرة، وتضاهي إلى حد الآن أحدث النصوص الروائية التي تتبجح بالحداثة والانزياح السردي!
وتحضر صورة اللغة والأسلوب بكل طاقتها التعبيرية في الرواية، لأن الكاتب ينوع في السجلات اللغوية فلا يكتفي باللغة السردية التقريرية المباشرة التي نجدها عند كتاب الرواية الواقعية الكلاسيكية مثل بلزاك وفلوبير وزولا وستندال ونجيب محفوظ ومبارك ربيع وعبد الكريم غلاب، بل يستعمل لغة شاعرية إنشائية قائمة على الإيحاء والانزياح والترميز. ويتعدى ذلك إلى توظيف لغة تناصية تستند إلى تشغيل المستنسخ والتضمين لخلق نصوص تتقاطع وتتناسل مع بعضها البعض. ويهجن المبدع لغة الفصحى بلغة الواقع الشعبي بعاميته البسيطة للاقتراب من نثرية الواقع وطبقاته الدنيا لخلق تلاحم بين النخبة المثقفة والفئات الشعبية المقهورة للتحالف ضد الوسطاء وسماسرة السياسة وبائعي الأحلام والسوانح الوردية للسذج من الناس الذين انقطعت عنهم سبل الحياة والعيش الكريم. وهذا التهجين اللغوي ميسم يطبع الرواية الكلاسيكية والرواية الجديدة معا؛ ولكن مبدعنا طعم هذا التهجين بلغة المستنسخ الذهني ليحول النص من متعة إنشائية "حافية" إلى متعة إبداعية ذهنية دسمة بالمعطى الثقافي وتعدد الأساليب اللغوية، فمن الأسلوب المباشر إلى الأسلوب غير المباشر والأسلوب غير المباشر الحر؛ ولكن يبقى السرد أوالأسلوب غير المباشر هو الطاغي على النص. وهذا ما يوقع الرواية في إيقاع المنولوجية والصوت الواحد والسارد الأحادي المطلق والرؤية الذاتية للراوي على غرار سلطة السارد في التبئير الصفري عند فلوبير وموباسان وبلزاك. بينما تدعو بيانات النقد الروائي الجديد إلى خلق نص بوليفوني يعتمد على الحوار وتعدد الشخصيات وجدلية المواقف وعدم تدخل السارد، وتنويع الضمائر والاطروحات والمنظورات؛ ويبقى القارئ هو الحكم في التعليق وترجيح كفة الشخصيات واختيار الأطروحة المناسبة والمواقف الوجيهة.
وإلى جانب هذه الأساليب السردية، تتخلل الرواية أساليب أخرى كالأسلوب الشاعري والأسلوب التناصي والأسلوب الحلمي والأسلوب الفانطاستيكي والأسلوب المباشر الواقعي...
هذا، وإن الكاتب يوظف لغة الشارع بشكل قدحي لإثارة السخرية والتهكم ونقد الواقع. كما يستعمل لغة لا أخلاقية قوامها الإضمار والإيحاء مراعيا إلى حد ما مشاعر القارئ؛ ولكن في بعض الأحيان يسقط في البوح والجهر والإسفاف في التصريح بهذه اللغة المنحطة التي يراد منها التجريح والسب وخلق المفارقة والتشويه الكاركاتوري؛ ولكن الواقعية - مهما كانت درجتها في المحاكاة - لا ينبغي لها أن تصل إلى هذه الدرجة من الإباحية اللغوية الممقوتة ذوقا وأخلاقا كما في هذه المقاطع التي تزخر بسماجة الألفاظ وسوقيتها وتنافرها مع الذوق الأخلاقي أو الأدبي العام. مع العلم، أن المبدع لا يريد سوى أن ينقل لنا كل ما يراه ويسمعه في الواقع بصورة أمينة ومباشرة وأكثر صدقا وموضوعية " في إحدى المساءات قالت "الجيبة" قيدومتنا في نبرة فيها مرارة وأسى : هذه الحرفة لم تعد توكل خبزا .. المؤنثون الذين يلعبون أدوارا معكوسة... حولوا الأنظار عن مهنة الفحول إلى غيرها..." ولعلي فهمت قصدها فأردفت " نحن نمارسها للرجال ذوي "الشلاغيم" الذين يحملون تحتهم هراوات، يدكون بها فروجا، ولا يشقون أدبارا. لا لهؤلاء الذين يعكسون الشرائع، ويقبلون السنن، لأنهم وجدوا ضالتهم في المرضى والمعقدين نفسيا"(1).
وفي مكان آخر يحضر مقطع لغوي فاحش بهذه الصيغة السردية : "عرفتني وردية احتراما حقيقيا. قالت غير ما مرة : " هذه الحرفة لا تصلح لك ولا تصلح لها. إنها أنت رجل "قاري" قلت : " حتى ولو حولت القاف خاء، فإني لن أتزحزح... سأبقى كما أنا وسيان عندي الحرفان كلاهما"(2).
وفي مقطع آخر يقول الراوي بعد تجربة جنسية عابثة وخليعة: "قالت: خنصرك الصغير قلم يسجل ذكرى هذا الأمر العاثر"(1).
ونجد كذلك هذا النص "صاح صوت من الخارج : " لا تنطق بالحديث الشريف وأنت مخمور أيها الحمار" لم يبال المتحدث في غمرة انسطاله وانبطاحه قال : " أنا مرفوع ... سير...ت ..."(2).
وهكذا، تتبين لنا لغة الفحش والدناءة والدعارة على غرار لغة محمد شكري في "الخبز الحافي" ورواياته الشبقية والوردية الأخرى، أو كلغة الطيب صالح في "موسم الهجرة إلى الشمال"، أو كلغة ألبرتو مورافيا في رواياته البونوغرافية، ولكن بمستوى أقل إباحية وسوقية لدى كاتب "السوانح...".
وفيما يخص التصوير البلاغي، تضم الرواية عدة صور تعزف على إيقاع المشابهة أو المجاورة أو الرؤيا الشاعرية أو التناقض كخلق صور روائية إيجابية وشاعرية ترسم المصير المجهول للشخصيات ووجودها العبثي الذي تنهشه الفضاضة والسوداوية والصمت الحالك والسراب الزائف. ومن بين الصور الروائية التي تحضنها رواية "سوانح الصمت والسراب" نجد صورة المبالغة كما في المثال التالي : " أما القرش الأعظم ... البارون الحربائي، فقد أكل تعب الليالي الملاح... لقد عرف كيف يستنزف منا كنايات الأوهام .."(3).
وتحضر صورة التشبيه لترسم ملامح الشخصيات وتبين مظاهرها وتحدد قسماتها السلبية أو الإيجابية: " لا أريد أن انتهي مثل بعوضة في جوف القرشيات التي تتحسس الأصوات المتطامنة معولة على فخذ بحوص الضامرة مثل خيط... هل أقول بجسمي نحولا، لولا هذا الهذر ما كنت لأرى...." (1).
تصور لنا هذه الصورة التشبيهية مدى دقة هيئة بحوص ونحالته المفرطة في النحالة بسبب جدب القفر وضحالة المكان، وتحضر البعوضة لتحيل على قزمية الشخصية وهشاشتها في مواجهة الصعاب والمخاطرة. وهذا التمثيل في غاية تقبيح المشبه والحط به لتبيان عجز الشخصية عن التغيير واستكمال برنامجها السردي وتحقيقه على أحسن وجه. ويعني هذا أن بحوص شخصية تنقصها البطولة والفعل الملحمي والمغامرة الإيجابية في تغيير الأشياء لحسابها.
وترد صورة التدرج كذلك لتكميم الأشخاص والأشياء في سموها وانحطاطها : " الغرفة صغيرة أيها الملاعين لا تسع ستة طلاب فبالأحرى جيشا من أمثالكم..."(2). وصورة الإحالة أو الكناية : " نحن نمارسها للرجال ذوي "الشلاغيم" الذين يحملون تحتهم هراوات، يدكون بها فروجا، ولا يشقون أدبارا"(3).
وتحيل هذه الصورة على مفارقة بين فحولة ذكورية وفحولة لواطية أشبه بالمسخ والتشويه البشري. وهنا يلتجئ إلى الصورة الكنائية للإضمار والإخفاء مخافة من شفافية اللغة ووضوح التواصل السردي الفاضح.
وتنكشف صورة التوازي في الرواية عن تتابع الإيقاع وتجانس الأصوات وتماثل الصيغ السردية والصرفية والتركيبية التي تخلق خطابا شاعريا وإيحاء انزياحيا يحمل في طياته وظيفة شعرية جمالية تتكئ على المشابهة ونبرية التكرار واللغة وسجع الإيقاعات التعبيرية والصوتية: "بحوص يا أرعن، يا ابن الأرعن، صاحب صنعة تجلب البلايا وتكثر الرزايا، وتجنب المزايا، لا تنكأ جروحك بالتذكر، تدثر بالتسلي وادع ربك دون الجهر من القول... لا تمن نفسك بأكثر من هذا، قد تغيب بسمتك ولا يفتر ثغرك إلا عن ضحكة بلهاء..."(1).
وتحاول هذه الصورة الإيقاعية وغيرها من الصور في الرواية أن تتمثل وتحاكي الجملة القرآنية في سجعها ونبرها لشعرنة السرد على غرار المحكي الشاعري الذي نظر له الناقد الفرنسي "جان إيف تاديي" في كتابه المعروف " المحكي الشاعري"(2)؛ إذ "يستعمل متخيل الرواية شخصيات لها قصة تجري في مكان أو عدة أماكن؛ ولكنه في الوقت نفسه يستعمل طرائق السرد التي تعود إلى الشعر. إن هناك صراعا ثابتا بين الوظيفة المرجعية، بمهامها الاستدعائية والتمثيلية، والوظيفة الشعرية التي تثير الانتباه إلى شكل المرسلة نفسها"(3).
وتأتي صورة التضمين أو الاقتباس بطريقة تناصية أو بطريقة مباشرة تنبني على المحاكاة والنقل الحرفي لتعضيد المسرود وتأكيده إحالة ودعما وشهادة: "غناء الرجال تصادى مع غناء النسوة المنطلق في فضاءات متوسطية، رددت ذات مساء أصواتا تلهج أن: " أقيموا بني أمي صدور رحالكم... وانشروا في الآفاق بأنا قوم تقطعت بنا السبل..." لا غناء ولا مكاء ينجي من عاقبة المصير... رددوا بصوت جهير : " عاج الشقي على رسم يسائله"(1).
وتحيل هذه الصورة الروائية على مستوى التلقي الذهني على صعلكة الشنفرى ومغامرات أبي نواس الخمرية، وبهذا تجتمع الصعلكة الشعرية مع خمرة العبث والانتشاء الوجودي لتغرق سمفونية الضياع والهباء والفراغ الوجودي لهذه الشخصيات المقهورة في الرواية والمرصودة من خلال صورة الالتفات وتنوع الضمائر وسوداوية الوصف والإيقاع الجنائزي الحزين.
أما صورة الاستعارة فتهيمن على الخطاب الشاعري في الرواية وتنسج نسق دلالاته الرمزية والإيحائية إلى درجة تشتبك فيها الاستعارات المجازية مع السرد ويستحيل فرزها من شدة التداخل والتقاطع فيترتب عن ذلك تحول السرد إلى الشعر والشعر إلى سرد. وهذا ما يسمى بالمحكي الشاعري - Le récit poétique- وسنكتفي بمثال واحد من هذه الصور الاستعارية التي من الصعب حصرها وعدها لكثرتها، مما يجعل هذا النص الروائي نصا إنشائيا بيانيا في قمة الشاعرية والغنائية السردية : " وردت أركمان بعد الظهر بساعتين. مهزولا أتنعم الفاتنة، مترعا بالسخافة والانذهال... أتملى سماطها الأرجواني يلف حواشي المتوسط، على طول الجزء الجنوبي المتاخم " لجرف الروم"، حتى " الجزيرة الصغرى" يسلم قيادة لأمر الريح تسربله بنعومة بداية صيف جميل.
هي عتمة ساحرة تندغم أصداؤها حين تلامس هسيس نباتات " الملاح" الذي يزحف بأعراقه فيسلح على البنايات البيضاء، الفخمة. يداعب جذورها رويدا رويدا كلما أوغل البحر فمد شطآنه، فلاطفت الأبواب... دور جميلة تنبت كل صبيحة بعيدا عن التلصص والبصبصة وقريبا من لغة مألوفة لدى أهل الاختصاص... تتربص للشاطئ العاري. فتزحف كالفطريات على البقع المتبقية التي يزجي فيها من كلفوا ذلك لحظات هاربة من عمر الأوان..."(1).
ويستعمل الكاتب صورة الاستعارة أثناء الوصف والتخييل السردي وخلق المجاز والانزياح عن المحاكاة وخرقها وتصوير الأشياء وتجسيدها وتأثيث الأفضية وأنسنتها وتشخيص الجماد وتأنيث الأمكنة أو السخرية من الشخصيات.
ويشغل الكاتب صورة التعويـــض la périphrase لإزالـة الإبهــام وتوضيح المكنى عنه وإبراز الواضح من الغامض وتبئيره. بيد أن هذه الصورة لا ترد إلا في سياق التهكم والمفارقة الساخرة : " ألزمني المشرف على مضض، وقال : " ألا تشتغل حول موضوع مشهور عندكم ؟" قلت : عن أي موضوع مشهور تتحدث يا دكتور ؟ " علق في لهجة تقدح سعادة : " في الحفلات عندكم هنا في المغرب الشرقي... حفلات الشيوخ، أقصد، كما تسمونها، شاهدت شخصا يقطع الغناء، ويقول كلاما جميلا كالشعر، ويناوله المكرمون قدرا لا بأس به من المال..." قال ذلك متعجبا كأنه سيحقق فتحا علميا على حسابي الشخصي. قلت : " هل تقصد البراح؟" ... هو ذاك... هو ذاك ... التبراح أحسنت، اشتغل واجمع الأشعار، ورتبها حسب حروف المعجم، وستدخل التاريخ من باب الواسع"(1).
وتهيمن صورة السخرية والمفارقة على معظم تعابير الرواية سردا وشعرا لتنسج عالما متناقضا وساخرا تختلط فيه القيم والمبادئ : " أصبحت بالممارسة أعرف بنات الهوى وضحاياه واحدة واحدة... بصيغة أخرى تحولت إلى ديوث مع مرتبة الشرف... إذا سألت عني واحدة من بنات الطوبية 1 أو الطوبية 2 أعطوك نعتي... عشت اختراق الخطوط الحمراء والسوداء"(2).
وفي مكان آخر يقول السارد ساخرا من طالب الإجازة في الآداب :
" فيضرب المستجاز في المتاهة، تارة يركب ظهر بغلة وأخرى يتمطق فوق حمار حاملا فوقه كتفين معقوفتين ورأسا مملوءا وجيوبا مثقوبة، وعباءة أضحت مثل جلد المركزوب من الوعثاء وروث المركوب.. حولوا على عهدنا الكلم عن مواضعه فأضحى المسميان كلاما في عـباءة وعقـــال...(3).
ويوظف الكاتب صورة النقيضة في روايته لاستجلاء التناقضات والصراع الجدلي واختلاف النمواقف والمنظورات : " فكان ما كان ودخلت تاريخ الحرفة من أوسع الأبواب. فأصبحت بعدها مداحا للمناسبات ... كنت بصيغة أو بأخرى أقلد دور الأعشى، هو كان يخفض أقواما ويرفع بلسانه آخرين... يصدع بحمقه على رؤوس الخلق ولا يبالي أما أنا فإن بليتي أشد نكيرا من سيرة الأعشى التي عرفت عنها ما عرفت في الكتب دون المعرفة العيانية بصاحبها..."(1).
يقابل الراوي في هذه الصورة بينه وبين الأعشى الذي حظي بمكانة كبيرة وحظوة عالية لدى ممدوحيه، ويحظى بسلطة شعرية كبرى في الرفع بالناس أو الحط بهم؛ وهذا ما لا يتوفر للشاعر المقهور الذي يفقد الصلات والعلاقات الحميمية بالكبار؛ فعلاقته لا تتعدى بنات الهوى وبعض سماسرة الأوهام. كما ترد في الرواية أيضا صور التعجيب والتغريب الدالة على تداخل الواقع واللاواقع، والحقيقة والخيال، وصراع الطبيعي وفوق الطبيعي، وتأكيد غرابة المألوف وهول الواقع وفضاضته المقيتة : " انتفض معط الله، قائلا : " أقسم أنني رأيت جنبا حقيقيا منذ أسبوع ... رأيت امرأة ... سبحانه الخالق : شعر طويل أفحم ووجه مدور أبيض وعينان كبيرتان وقد ممشوق... ولكن الغريب أن رجليها رجلا بقرة..."(2).
ج- الصورة الروائية على مستوى المناص :
يمكن اعتبار "سوانح الصمت والسراب" تكملة للرواية الأولى "سيرة للعته والجنون"، في إطارها الواقعي الانتقادي الساخر، وامتدادا لفضائها المقفر (الجنوب الشرقي للمغرب)، والتركيز على الشخوص الهامشية المتناقضة المهضومة الحقوق، والبحث عن أحلام وردية لإثبات الذات والكينونة الوجودية. فهناك، إذاً، تلاقح بين صورتي الروايتين على مستوى الحبكة السردية وتفاصيلها الكلاسيكية. وتبدو الرواية الثانية أكثر جودة وإبداعا من الرواية الأولى، حيث يتخلص الكاتب إلى درجة كبيرة من التقرير الريبورتاجي الجاف والتناول المباشر للحبكة السردية بتوظيف المحكي الشاعري وتنويع صوره الروائية وأساليبه السردية.
وإذا كانت الصورة الروائية في النص الأول تهيمن عليها صورة الوثيقة والتبئير السردي المباشر، فإن الصورة الروائية في النص الثاني هي صورة المحكي الشاعري الذي يتقاطع فيه الشاعري مع السردي، وصورة المشابهة مع صورة المجاورة.
وإذا تأملنا كذلك الغلاف الخارجي الخلفي لرواية " سوانح الصمت والسراب"(2) في طبعتها الحقيقية الأولى وجدنا صورا نقدية مناصية تستعمل لغة واصفة لتقويم الرواية وتقييم صاحبها.
يحتوي هذا الغلاف الخارجي الخلفي - الذي لا تهمنا وظيفته الإشهارية- على ثلاث شهادات ذهنية لرواية " سوانح الصمت والسراب": الأولى لمحمد أقضاض، والثانية لعبد الرحمن بوعلي، والثالثة لأحمد الدويري.
تعتبر الشهادة الأولى الرواية ذات صورة ساخرة مأساوية إلى العالم، ويعد صـــورة الوصف جامدة بجمود فضاء الصحراء المرصـود فــي الرواية(1).
أما شهادة الدكتور عبد الرحمن بوعلي فهي شهادة تعريفية بالعمل ومبدعه. وقد منحت جلول قاسمي وسام الكاتب الروائي بامتياز، وإشارة الاعتراف للدخول في حلبة الروائيين المبدعين سواء في المغرب أم في العالم العربي.
أما الصورة الروائية - حسب الشهادة الثالثة - فهي صورة مفصلة وعميقة للأحداث والشخوص في متن السوانح، كما أنها صورة المستنسخ الشعبي(2).
وتشتغل رواية "سوانح الصمت والسراب" على تيمة الفقر والضياع، وقد حققت هذه الرواية بعض التجديد على مستوى التصوير اللغوي والوصف الشاعري والتنويع بين السردي والشعري واختراق الواقعي بالعجائبي...(3).
ونخرج من كل هذه القراءات المناصية أن الصورة الروائية في السوانح هي صورة مأساوية ساخرة عند أقضاض محمد وصورة معمقة ومفصلة للأحداث عند الدكتور عبد الرحمن بوعلي، وصورة الفقر والضياع وخطاب المحكي الشاعري لدى الدكتور أحمد الدويري.
ونستنتج مما سبق ذكره، أن الصورة الروائية في رواية "سوانح الصمت والسراب" صورة واقعية انتقادية ساخرة قوامها التهجين والباروديا والمفارقة. وتخضع هذه الصور الروائية لتقاطع السردي والشاعري؛ لذلك تندرج الرواية إلى حد ما ضمن المحكي الشاعري. وتعزف كل الصور الواردة في الرواية على نوتات الضياع والحزن والسواد. وتحمل في طياتها رؤية تراجيدية للعالم ورؤية وجودية أساسها العبث والاستلاب والجحيم.
وقد اشتغل الكاتب على تيمة البطالة تمطيطا وتوسيعا ونسج لها صورا روائية بصرية ولغوية تمتح متعتها الجمالية من رونق السرد وروعة الشاعري وإيحاء المستنسخات النصية. ولم تكن هذه الصور الروائية تزينية فحسب، بل كانت صورا انفعالية وتعبيرية حادة في تصوير المأساة وتشخيص المعاناة البشرية والسخرية من الحياة وتأكيد عبثيتها وسأم وجودها. وبالتالي، يخطو جلول قاسمي بهذه الرواية خطوة متقدمة نحو آفاق روائية واسعة. ونعترف بكل صدق بروائيته واقتداره على تسيير دفة الكتابة الروائية بين تموجات وإيقاعات الصورة الروائية. ونتمنى أن ينوع الكاتب في نصوصه السردية اللاحقة، وأن يختار تيمات إبداعية وسجلات لغوية أخرى، ويبحث عن طرائق سردية تميزه عن باقي الأصوات الروائية الموجودة، وأن يجدد أدواته السردية لخلق حداثة روائية أصيلة. وهذا ما نتوسمه في شخصية المبدع جلول قاسمي الذي سيفاجئنا - وهذا ما لا شك فيه- بنص سيبذل فيه كل طاقته الإبداعية ليكون أكثر حداثة وتجديدا وتأصيلا.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. جميل حمداوي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 10
تجليات التجديد في رواية "أبجدية الموت حبا" لجاسم الرصيف
للدكتور جميل حمداوي
تعد رواية( أبجدية الموت حبا) التي نشرتها المؤسسة العربية للدراسات والنشر( بيروت / لبنان) سنة 1991م من أهم الروايات التي كتبها الروائي العراقي الكبير جاسم الرصيف إلى جانب روايات أخرى : كالفصيل الثالث، و القعر، و خط أحمر، و حجابات الجحيم، و تراتيل الوأد، وثلاثاء الأحزان السعيدة، و مزاغل الخوف. وتتميز أبجدية الموت حبا أنها رواية تتناول تيمة الحرب العراقية الإيرانية بطريقة فنية جديدة تعتمد على التوازي السردي والمفارقات الزمنية. إذاً، ماهي مظاهر التجديد في هذه الرواية؟ وماهي الأبعاد المرجعية التي تحيل عليها هذه الرواية العراقية المعاصرة؟
تصور رواية( أبجدية الموت حبا) الحرب العراقية الإيرانية القذرة التي امتدت من 1980 إلى1988، وانتهت ميدانيا لصالح العراق. بيد أن الرواية تركز على فترة معينة ومكان معين. أي إن الرواية تصور الصراع العسكري حول منطقة الفاو التي تقع في جنوب العراق في السنة السادسة من عمر الحرب ، بعد أن استولى عليها الإيرانيون لموقعها الساحلي الاستراتيجي، ولم يسترجعها الجنود العراقيون إلا بعد معارك ضارية وحامية الوطيس.
وإذا تأملنا مضامين الرواية سنجد تداخلا في الأحداث وتقاطعا سرديا نتيجة اعتماد الكاتب على تقنية التقطيع السينمائي والمونتاج في تركيب اللوحات المفككة بنيويا وعضويا؛ ولكنها متكاملة من حيث الدلالة والرؤية الفنية على غرار رواية الوشم للروائي العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي، وبدر زمانه لمبارك ربيع الروائي المغربي...
هذا، وتضم رواية جاسم الرصيف ثلاث لوحات دلالية متكاملة:
1- لوحة المجند الذي سيقاد قهرا إلى حرب يائسة ومظلمة بدون أن يفهم أهدافها وفلسفتها بعد ضياعه الوجودي و فشله في دراسته وغضب والده عليه. وسيخوض تجربة القتال مع مجموعة من رفاقه الشباب، وسيتعلم بسرعة أبجدية الحرب والموت، وأوليات الانضباط العسكري، ومتطلبات التدريب القاسي الذي كان يفرضه عليه عريفه، وكل هذا من أجل استرجاع منطقة الفاو بأقصى سرعة. وقد استطاع هذا المجند المستجد في الأخير أن يتكيف مع واقع الموت بصبره الجميل وثباته الكبير إلى أن حقق النصر ورفع راية وطنه في تربة الفاو. وبذلك حول كينونته الضائعة إلى إنجاز وجودي هادف.
2- لوحة المرأة المجندة التي اختارت النضال والاستشهاد مع مجموعة من المقاتلين للدفاع عن الفاو لطرد الطغمة العسكرية الإيرانية المحتلة. بيد أن استبسال هذه المرأة المقاومة في الحرب سيتحول إلى أسر واعتقال واستنطاق وتعذيب من قبل أعدائها الذين حولوا جسدها إلى مرتع للاشتهاء و برك من الدماء المسالة إلى أن رأت نصرهم يتحول إلى هزيمة نكراء.
3- لوحة ذاكرة الفاو في تاريخها الممتد في الزمان، وما كان يعانيه الأهل من ظلم وقهر واستعباد وفقر وجوع ومرض. إنها أرض التناقضات والقيم المنحطة. كما أنها مرفأ المقاومة والنضال ومجابهة المعتدين الغزاة، و الأتراك المتسلطين المستبدين، ومقاومة الإنجليز المتوحشين الذي كانوا يستهدفون نهب ثروات المنطقة.
فالرواية - إذاً- عبارة عن مجموعة من اللوحات المتكاملة التي تتداخل في المتن القصصي والحكائي تقاطعا وتفاعلا لتشكيل رؤية الكاتب للعالم القائمة على نبذ الحرب و العدوان والاحتلال. وتندرج الرواية أيضا ضمن الرواية الحربية التي جسدت أهوال الحرب بين النصر والهزيمة على غرار مجموعة من الروايات العربية الحديثة كـــ (الزيني بركات) لجمال الغيطاني، و(رفقة السلاح والقمر) لمبارك ربيع، و(يحدث في مصر الآن) ليوسف القعيد، و(رجال وجبال ورصاص) و(المحاصرون) لفؤاد حجازي، و(المصير) لحسن محسب، و(أبناء الصمت) لمجيد طوبيا...
ويعني هذا أن تيمة الحرب تيمة جديدة في الرواية العربية الحديثة والمعاصرة، ولاسيما الحرب العراقية الإيرانية التي حصدت كثيرا من الأرواح، وزهقت فيها كثير من النفوس، وقتل فيها الكثير من الشباب ظلما وعدوانا، وذلك لأسباب واهية عقائدية وإيديولوجية. ومن ثم، ستبقى هذه الحرب في تاريخ الأمة العربية والإسلامية حربا قذرة كحرب البسوس أوحرب داحس والغبراء، و ستظل عارا و خيبة وفتنة كبرى وجاهلية لا مثيل لها في التاريخ المعاصر.
وتتسم شخصيات الرواية بالضياع وانعدام الهوية واستلابها التشييئي، والدليل على ذلك فقدانها لأسمائها الإنسانية ، ومبادئ كينونتها الوجودية، وتعويضها بالضمائر التي تحيل على كائنات ورقية مجهولة كشخصيات الرواية الجديدة ( كافكا- محمد عزالدين التازي- عمر والقاضي...). كما أن الأمكنة في الرواية ذات طابع عدواني توحي بالرعب والقهر والخوف والموت، إنها فضاءات سوداوية وأمكنة مأساوية جنائزية( المركز- ساحات التدريب- الخنادق- الساتر- البرك الموحلة- الميدان...).
وعلى مستوى المنظور السردي نلاحظ تعدد الرؤى السردية( الرؤية الداخلية- الرؤية من الخلف...)، وتعدد الضمائر السردية( ضمير التكلم، وضمير الغائب...)، وتعدد الرواة( الراوي المجند- الراوية المجندة- سارد ذاكرة الفاو...)،وتعدد الأساليب( السرد والحوار والمنولوج...)، وتعدد اللغات تهجينا وأسلبة( الفصحى القديمة والحديثة، العراقية، التركية، الإنجليزية...)، وتعدد الخطابات( خطاب التاريخ، الخطاب الفانطاستيكي الذي يتمثل في تحول الكائنات البشرية إلى حيوانات فظيعة، الخطاب السياسي...). وهذا التعدد يجعل من هذه الرواية رواية بوليفونية( متعددة الأصوات) بمفهوم الناقد الروسي ميخائيل باختين. أما البنية الزمنية فهي تتسم بالمفارقة والارتباك الناتج عن التقاطع الزمني وتداخل الماضي والحاضر وتوازي الإيقاع السردي بسبب تقطيع اللوحات بطريقة سينمائية لإرباك القارئ وتخييب أفق انتظاره. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى الكفاءة الروائية التي يمتلكها جاسم الرصيف، ومدى قدرته على تطويع الفن الروائي، وكثرة انفتاحه على النصوص الروائية الجديدة في الثقافتين: العربية والغربية قراءة وتمثلا، وانفتاحه على الخطاب النقدي المعاصر اطلاعا واستيعابا.
وتمتاز اللغة الروائية بطابعها التقني التوثيقي لاستخدام الكاتب لمعجم الحرب كثيرا( الدبابة، الهاون، الرشاش، الخنادق، مركز التدريب، الخوذة، الساتر الحربين العريف، الفصيل...)، كما تمتاز اللغة بالجزالة والقوة التعبيرية واستعمال اللهجة العراقية التي ساهمت في تبيئة النص وأضفت على النص نوعا من الرصانة ومتانة السبك والإغراب اللغوي، والتصوير التقريري الموضوعي الذي يخلو من الإنشائية الشاعرية والمستنسخات النصية .
ومرجعيا، يدافع الكاتب عن أطروحة العراق العسكرية على الرغم مما يقال عن قذارة هذه الحرب الحمقاء التي أودت بالكثير من الأبرياء بسبب التعصب الأعمى وانعدام الديمقراطية وتفشي الاستبداد في البلدين المتحاربين. وكنت أنتظر من الكاتب أن يرفض هذه الحرب، وأن يستنكرها كما أشار إلى ذلك في بداية الرواية؛ لأنها حرب عمياء تعبر عن غطرسة الحكام وتجبرهم، فلا نصر فيها ولاهزيمة. بيد أن الكاتب انحاز إلى جانب العراق لعاطفته الوطنية الفطرية، ولم يذكر دواعي هذه الحرب ويشخصها بدقة ويعبر عنها بصدق؛ لأننا نعرف جميعا أن العراق هي التي بدأت العدوان، وفرضت حربا شنعاء على إيران لخدمة مصالح الغرب و عملائه المتخاذلين.
وأخيرا، تعتبر رواية أبجدية الموت حبا رواية جديدة في أدبنا العربي الحديث والمعاصر إن مضمونا وإن شكلا؛ لأن الكاتب تناول تيمة الحرب بطريقة معبرة موحية تجمع بين التوثيق الصحفي والانطباعية الإنسانية الحزينة التي يشوبها في نهاية النص نوع من التفاؤل بالنصر والحياة. واستخدم في تعبيره عن ضراوة الحرب الجنائزية أسلوب التوازي السردي والمفارقة الزمنية والتقطيع السينمائي وتقنيات الرواية البوليفونية لخلق نص حداثي يتسم بالتجريب والتجديد والاستفادة من تقنيات الرواية الغربية والسرد العربي القديم.
وأقول بكل صراحة : إن جاسم الرصيف لروائي عربي كبير في مجال الكتابة السردية، ومن القمم الروائية التي ينبغي أن ننصت إليها جيدا وأن نهتم بها كثيرا. كما يعد من الأقلام الجريئة التي صورت الحرب العراقية الإيرانية واستبداد النظام العراقي الحاكم تصويرا صادقا موثقا بطريقة فنية رائعة وجميلة.