بحوث و دراسات
- التفاصيل
- كتب بواسطة: مشاعل عبد الودود المليحان
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 9
حقيقة الإعلام غير الرسمي في سورية
مشاعل عبد الودود المليحان
بعد عقود طويلة من تكميم الأفواه وإرهاب العقول، هاهي سورية تفسح المجال لمثقفيها لدخول عالم الإعلام الحر بعد أن ظل حكراً على القلة من أتباع الحزب الواحد، فتم إصدار قانون المطبوعات الذي يتيح للقطاع الخاص دخول عالم الصحافة كما هو الحال في بقية دول العالم، وتحمل الشعب السوري منّة هذه المكرمة التي انتظرها طويلاً، دون أن يُسمح له بأكثر من رفع آيات الشكر والثناء، أما مراجعة تطبيقات هذا القانون وغيره من قوانين الانفتاح الإعلامي فهي ما نحاول التحقق منه في هذا المقال.
الصحافة:
ظلت الصحافة السورية مقتصرة طوال ثلاثة عقود على الصحف الثلاث المعروفة: البعث، الثورة، وتشرين. بالإضافة إلى بعض الصحف الأخرى الخاصة بكل محافظة على حده وصحيفة سيريا تايمز الصادرة باللغة الإنجليزية، حيث كان مقرراً على كل خريجي كليات الصحافة في هذا القطر الذي تضاعف عدد سكانه تقريباً خلال تلك المدة أن يختاروا العمل في واحدة من هذه الصحف العريقة، أو أن يريحوا الدولة عناء توظيفهم الذي يعد واجباً في الأدبيات الاشتراكية بهجرتهم إلى الخارج والبدء بضخ ما يقدرون على توفيره إلى أرض الوطن.
مع التجديد الذي طرأ على السلطة في بداية الألفية الجديدة، وقبل أن يصدر قانون المطبوعات المذكور بفترة وجيزة، حازت صحيفتان سوريتان على استثناء رئاسي بالصدور وهما (الدومري) و(الاقتصادية)، أما الأولى فكانت لرسام الكاريكاتير المعروف علي فرزات، والتي تعتبر نقطة الانطلاق لبقية الصحف الخاصة السورية، وكانت ذات طابع ساخر ناقد، حتى تكاد تغلب هذه الصفة على كل موادها إلى حد أفقدها بعض المصداقية. أما الثانية فهي صحيفة اقتصادية تسعى لتعميم المفاهيم الليبرالية التي ظلت غائبة طوال الحقبة الاشتراكية الماضية، ويعزى إليها الفضل في إنعاش القطاع الخاص إلى حد ما.
لعل التطورات التي طرأت بعد ذلك على الساحة السورية لم تعد غائبة على أحد، فما سمي بربيع دمشق سرعان ما تحول إلى شتاء قارس يعصف بالأخضر واليابس، فطالت حملات الاعتقال والتضييق أعداداً كبيرة من أولئك الذين تم اصطيادهم بهذه الفسحة الضيقة التي لاحت لهم من هامش الحرية، فنالت صحيفة الدومري الكثير من التضييق، وتوالت مسرحية المطاردة على طريقة القط والفأر بين محرريها وبين السلطة التي لم تعد قادرة على إلجام ذلك الكم الهائل من النقد، ولما لم تفلح عمليات تغيير إدارة التحرير - مع أنها صحيفة خاصة!- ولا تعطيلها عن الصدور الذي أصبح انقطاعه أمراً معتاداً على القراء، جاء القرار النهائي بإغلاق الصحيفة الخاصة الأولى في سورية، وأسدل بذلك الستار على الصحافة الناقدة ليعلم الجميع بأن أي نقد سيتم وأده قبل أن يولد.
في هذه الأثناء، سعى رياض نجيب الريس لاستعادة مجد والده وإعادة صحيفته السياسية العريقة لترى النور، ولكنه سرعان ما اكتشف أن ميدان الصحافة السياسية في سورية أكثر قداسة من المدينة المحرمة في بلاد الصين، ووفقاً لسياسة ذرّ الرماد في العيون، اختارت وزارة الإعلام شاباً صادف كونه نجل رئيس الأركان الذي أصبح فيما بعد وزيراً للدفاع وقامت بمنحه مكرمة إصدار المجلة السياسية الحرة الأولى تحت اسم (أبيض وأسود) والتي تعرّف بنفسها على أنها مجلة أسبوعية سياسية اقتصادية ثقافية اجتماعية، وأنها الأولى منذ أربعين عاماً! وبما أن صاحب الامتياز لا علاقة له بالثقافة من قريب أو بعيد، فقد تم تسليم مهمة التحرير إلى الفنان التشكيلي أيمن الدقر، واختير فريق المحررين من ستة كتاب شباب ليقوموا بتغطية أبواب المجلة الأربعة.
لم تضيع المجلة الكثير من الوقت لتوضيح خطها العام، فموقفها السياسي لا يفترق عن مسار الصحافة الرسمية قيد أنملة، وبالرغم من مساحة الحرية غير المعتادة في السماح لإحدى المحررات بإعداد ملف ضخم عن الأحزاب السورية -تم نشره على حلقات- إلا أن الهدف كان واضحاً من فتح هذا الباب، وهو توضيح موقع المعارضة السورية المغيب تماماً من الخارطة السياسية، وإثبات اكتفاء هذه الخارطة على التوجه الاشتراكي الذي تم توزيع مهامه على عدد قليل من الأحزاب التي تنضوي تحت لواء الحزب الواحد وتشاركه التوجه والأهداف وحتى آلية العمل! بينما لم تخف المحررة موقف المجلة من احتمال وجود الإسلاميين المحتمل في الساحة، واقتصر تقصيها لتاريخ هذه الحركة على عمليات العنف التي جرت تحت الضغط الهائل الذي تعرضت له في السبعينات والثمانينات والذي تزامن مع موجة عنف مشابهة عمّت دولاً عربية أخرى، في الوقت الذي غضت الطرف عن أي وجود لتوجه إسلامي سلمي ومؤهل لتحمل المسئولية وتمثيل الشعب ذي الأغلبية المسلمة، بل صرحت بتخوفها من حتمية تطور الدعوة التي يُسمح بها على منابر الجمعة وفي المدارس الشرعية -بالرغم من كل التضييق- إلى دعوة سياسية!
أما الموقف الاقتصادي للمجلة فكان أكثر جرأة، وهو المسار المعتاد أصلاً في الصحافة الرسمية، بينما تولى الجانبان الثقافي والاجتماعي المهمة الرئيسة لبث ثقافة المجلة ذات الطابع العلماني المتشدد، ولم يتقصر الأمر على تخصيص صفحتين في كل عدد لنشر أكثر الصور إغراء تحت مسمى (أزياء) وهو أمر غير مفهوم في بلد شرقي يعرف الجميع أنه لن تستفيد منه أي امرأة، ولكن الأمر بدأ يأخذ أبعاداً أخرى مع ظهور تحقيقات مشبوهة وعلى أيدي صحفيات شابات، كالتحقيق الذي بحث في قضية الراقصات اللواتي يتم استقدامهن إلى سورية من دول المعسكر الاشتراكي السابق، حيث قدم التحقيق عرضاً مجانياً مفصلاً لكل من يرغب في الاستفادة من هذه الخدمة، بل إن الشيء الوحيد الذي استاءت منه الكاتبة لم يكن الانحلال الأخلاقي البشع الذي أسرفت في شرح تفاصيله بل في استنزاف هؤلاء المومسات لأموال الزبائن!
تحقيق آخر أجرته إحدى المحررات تحت اسم المساكنة، والذي ادعت فيه أن ظاهرة المساكنة (أي إقامة الفتاة مع صديقها في بيت واحد بدون عقد زواج) بات أمراً شائعا في دمشق بل أشبه بالظاهرة! ولإثبات هذه الفرية الخطيرة قامت بوضع حوارات- أغلب الظن أنها وهمية- أجرتها مع طالبات جامعيات اكتفت بوضع الحروف الأولى من أسمائهن لنشر مواقفهن المصطنعة، بل وصلت الوقاحة إلى حد تصريح إحدى الطالبات بأنها كانت مترددة في مساكنة صديقها ولكنها وجدت نفسها غريبة بين صديقاتها اللواتي سبقنها إلى ذلك فلم تجد بداً من الموافقة، وهذه محاولة خبيثة لإيهام القارئ بأن الأمر قد انتشر إلى حد بات فيه مألوفاً، بل وأكثر انتشاراً من غيره، وهو ادعاء غير مفهوم إزاء إصرار أولئك الفتيات الجامعيات على إخفاء أسمائهن الحقيقية!
أما أكثر المواضيع جرأة فكان في إقدام الكاتب الملحد نبيل فياض على نشر مقال من ثلاث صفحات ادعى فيه أنه أجرى استبياناً بين الشباب السوري يثبت فيه انتشار المثلية الجنسية " اللواط والسحاق" في دمشق إلى حد ينافس سان فرانسيسكو ذاتها، وقام على طريقته بتحويل سهام النقد للثقافة الدينية المتزمتة التي تلزم أفراد كل جنس على الاكتفاء بأمثالهم في الجنس، وبعد أن أفرغ ما في جعبته من الحقد بدأ بالتساؤل عن سبب إدانة هذه الحرية الشخصية، ولم ينس في النهاية أن يهزأ من النصوص الدينية في التوراة والقرآن الكريم التي نصت على دمار قوم لوط. ولو أن الأمر قد اقتصر على ذلك لكان هيناً، ولكن السماح للمحامي الحكم جركو بالرد في عدد لاحق، ثم استنفار نبيل فياض الذي عاد بأقوى من السابق للرد على جركو تحت عنوان كتب بالخط العريض (الإرهاب الديني) أمر لا يدع مجالا للشك في نظر المجلة "الحرة" إلى كل قول مخالف على أنه إرهاب فكري، وهي التهمة التي تتلبس بها بكل بداهة.
كان هذه هو الموقف الصريح للمجلة السياسية الحرة الوحيدة في سورية، أما على الصعيد الفكري فلم تحظ بالموافقة على الإصدار إلا صحيفة واحدة تحت اسم (تحولات)، وهي تحمل فكر الحزب القومي الاجتماعي السوري المحظور (أنطون سعادة)، وقد بدأت منذ عددها الأول بالتركيز على قضيتين لا ثالث لهما: نشر الفكر القومي السوري العنصري، وتسليط سياط النقد بكل أنواعه على كل ما يمت بصلة للفكر الإسلامي. بدأت الصحيفة في عددها الأول بلقاء مع الوجه الإسلامي الأبرز في سورية (محمد حبش) والذي تم تنصيبه مديراً لمركز الدراسات الإسلامية، فلم يبخل الرجل بدوره على الصحيفة بمنحهم ما يريدون، إذ وضع مقدمة يقول فيها أن كل شخص قادر على الاستدلال لمذهبه السياسي بالعودة إلى القرآن، فالاشتراكيون يدعمون مذهبهم ببعض النصوص والمواقف إلى حد وضع بعضهم كتباً عن اشتراكية الإسلام، والليبراليون أيضاً لم يجدوا أي صعوبة في دعم آرائهم من النصوص، وبالتالي فإن النتيجة التي وصل إليها هي أنه لا يمكن الخروج برأي سياسي واضح للإسلام، وهو ما احتفت به الجريدة على صفحتها الأولى لتبني عليه في كل أعدادها اللاحقة مؤكدة أن الحل الوحيد لضم شتات الأمة هو في القومية السورية التي تتسع للجميع!
كان هذا هو التواجد الوحيد المسموح به للسياسة والفكر في الصحافة السورية، لذا توجهت الأنظار إلى إصدار المجلات الاجتماعية المنوعة والتي تشمل كل ما يمكن إدراجه تحت مسميات الأزياء والفن والأبراج، مما يجعلها الأكثر رواجاً من قبل المجتمع وتأييداً من قبل السلطة، أما التوجه الثقافي والعقائدي لهذه الصحف والمجلات فهو يدور بدون شك في الفلك السابق ذاته.
لا بد وأن يبدأ عرضنا لهذه الإصدارات بالمجموعة المتحدة للتسويق والإعلان والنشر فهي المؤسسة الوحيدة في سورية التي دخلت عالم الصحافة والنشر بمواصفات دولية، يملكها أحد كبار رجال الأعمال وهو عضو في مجلس الشعب، وتُصدر صحيفة إعلانية مبوبة (مجانية)، بالإضافة إلى عدد من المجلات التي توصف بالشبابية والاجتماعية، ويمكن القول بأن إصدارات هذه المؤسسة قد تخطت كل حدود الأخلاق المعروفة في أي مجتمع شرقي، فمنذ العدد الأول لكل إصداراتها وضعت نصب أعينها مهمة إفراغ هذا المجتمع من كل مخزونه الديني والأخلاقي، ولا يتم ذلك بالتعرض لأي مفهوم بالعرض أو النقاش، لأن المنطق الوحيد الذي يطبق هنا هو البحث عن كل مظاهر الفساد والانحلال والعري في المجتمع السوري والمجتمعات العربية المجاورة، ثم إفراغها في صفحات تضج بالألوان والصور المبهرة. أما خط العمل الأساسي لهذه الإصدارات فيتخذ مسارين: أما أولهما فهو التغطية الصحفية المصورة لكل الاحتفالات والمناسبات والسهرات ذات الطابع الغربي كمحاولة لإظهار المجتمع المخملي السوري في حلة غربية بحتة، وأما الثاني فهو السير على خطى الصحافة الصفراء الشائعة في الغرب والتي تجعل من تقصي أدق تفاصيل حياة النجوم بمثابة الخبز اليومي للقارئ، مع الفارق الكبير بين الصحافتين وهو أن نجوم الفن والرياضة في الغرب لا يشكلون طبقة غريبة عن مجتمعهم بل يمثلونه بكل مفاهيمه وتقاليده، أما النجوم في مجتمعاتنا المنهزمة فليسوا أكثر من طابور خامس يبذل كل ما لديه من جهد لمحاولة الانسلاخ عن الوسط الذي يعيش فيه والالتحاق بالغرب، وبالتالي فإن هذه المجلات لا تجد أي غضاضة في وضع إعلان مجاني لأحد النجوم الشباب بحثاً عن زوجة من بين معجباته مع إشارة إلى أنه مخصص لأولئك الفتيات اللواتي لا يمانعن من التقبيل منذ اللقاء الأول.
مجلات اجتماعية منوعة أخرى ما زالت تتوالى في الصدور، ولا تكاد تخلو إحداها من السعي الواضح لإحلال الإباحية والانحلال في المجتمع، ومن ذلك النزول إلى الجامعات لتقصي أخبار الموضة بين الطلاب والطالبات هناك، وإجراء تحقيقات صحفية تتساءل عن الوقت الذي سيبدأ فيه المجتمع بتقبل استقلال الفتاة عن والديها في السكن، وحوارات واستطلاعات عن حفلات عبدة الشياطين وراقصي الروك آند رول والميتال!
مجلة أخرى انضمت على استحياء إلى هذه الموجة تحت اسم مجلة شبابية منوعة، وقد تعرضت لنقد أزعج كتابها على صفحات جريدة الحياة، وهو نقد يمكن تفهمه بنظرة سريعة على صفحات المجلة، فهي كأي مجلة تتسمى بالشبابية في بلادنا العربية، تحصر جل اهتمامها في الموضة والإنترنت والعلاقات بين الجنسين، فضلاً عن أخبار الجامعات والرحلات.. إلخ، وتحسب لهذه المجلة نقطة ذكية لم يتنبه إليها الكثيرون وهي السعي لاحتواء كافة فئات الشباب السوري بالتركيز على المحجبات لكونهن يمثلن نسبة كبيرة من طالبات الجامعات، فقد تصدرت صورهن عدداً لا بأس به من الأغلفة والصفحات الداخلية، مع الانتباه إلى عدم إقحام أي شيء آخر يتعلق بالإسلام الذي يدين به معظم الشعب السوري احتراماً لمشاعر الأقليات، بل والضرب على الوتر نفسه من استغلال لجرائم الشرف (الثأر) للانتقام من الشرف نفسه بقلم رئيس التحرير الشاب، أو فتح تحقيق مفصل عن مواقع الإنترنت الجنسية العربية، تحت مسمى مكافحة هذه المواقع، وكأن نشر تلك الصور والتفاصيل سيقنع أياً من القراء باجتنابها، فضلاً عن الدعاية لها بين كل من لم يسمع بها!
المجلات الطبية لم تخرج هي الأخرى في مسارها العام عن الخط المرسوم لأي وسيلة إعلام سورية، فهي ممنوعة بشكل مسبق من التجرؤ على اتخاذ أي توجه ذي طابع إسلامي، كما أنها محكومة بلغة السوق التي تقول بأن المنافسة تقتضي البحث عن رغبات المستهلك، والتي تقتصر في نظرهم على الثقافة الاستهلاكية الرخيصة، فتجد هذه المجلات تضج كغيرها بالصور المثيرة، وتكاد تنحصر معظم موادها على اهتمامات القارئ الجمالية من قوام رشيق وبشرة صحية وقدرة جنسية دائمة الشباب.
الإنترنت
أمام هذا التضييق والنمطية في الإعلام غير الرسمي في سورية، وجد الكثير من المثقفين السوريين في شبكة الإنترنت هامشاً واسعاً للوصول إلى الجماهير، بالرغم من العوائق الأخرى الكثيرة كقلة عدد المتصلين بالشبكة، وارتفاع تكلفة الاتصال مع رداءته. فظهرت بعض المواقع الجريئة مثل نشرة كلنا شركاء الإلكترونية، والتي واجه مؤسسها تهمة "العمالة" مما سبب له الكثير من التضييق، ولكنه عاد بعدها للعمل بقوة، يساعده على ذلك انتماؤه المسيحي أولاً، وفتحه الباب للعلمانيين المتصدين للعدو الأول للسلطة وهو الإسلاميون ثانياً.
ظهرت بعد ذلك مواقع أخرى كثيرة تدور في الفلك نفسه، ومنها شبكة من المواقع الإلحادية الصريحة، والتي تشترك في الهدف ذاته من معارضة مصطنعة للنظام، وتهجّم سافر على الإسلام ومقدساته، ونقد ساخر لأي مظهر من مظاهر التدين في المجتمع، ومن الطريف هنا التذكير بحادثة اعتقال نبيل فياض أحد الناشطين في هذه الحملة بسبب دعوته السافرة لتطبيق حقوق الإنسان، ثم خروجه بعد شهر واحد فقط ليقوم بمهمة الدعاية للسلطة التي انبهر بما قدمته له من معاملة لطيفة في المعتقل، وليتحول بعد هذه المسرحية إلى بطل قومي، ويعود إلى صب جام غضبه على العدو الأول وهو الإسلام الذي يتحمل مسؤولية العنف والقمع والإرهاب بكل أشكاله، مع أن الإسلاميون هم الضحية الأولى والأخيرة لهذا التطرف العلماني، علماً بأن نبيل فياض هذا سبق وأن كتب مؤخراً مقالاً يفاخر فيه بأنه لا يجد أي غضاضة في التعايش مع "إسرائيلي" يقبل الحوار مع الآخر في الوقت الذي يرفض قطعاً العيش إلى جانب داعية إسلامي إقصائي مثل الشيخ يوسف القرضاوي!
المواقع الثقافية السورية لها وجودها المميز أيضاً، وهي لم تتخل بالطبع عن دورها في مهمة الطعن في خاصرة الإسلام، بل هي أكثر المواقع جرأة لانفلاتها من قيود الأخلاق والقيم، واعتمادها على الفن والأدب بدلاً من الحوار والمنطق، إذ تستوعب بحداثتها كل مظاهر الانحلال والنقد، ويمكن لكل متابع تلمّس هذه المظاهر بسهولة.
قد يتساءل البعض هنا عن الوجود الإسلامي على الشبكة في ظل الحظر القطعي لدخوله عالم الصحافة، غير أن البحث في هذه المسألة يبدو صعباً بعض الشيء، لأن أدلة المواقع السورية تكاد تخلو من أي ذكر لمواقع إسلامية، مما يعني أن الكثير منها - إن وجد- لا يجرؤ على إظهار أصحاب تلك المواقع إلا تحت أسماء وهمية، وربما نسب بعضها إلى دول عربية أخرى، ومن الطريف حقا افتتاح أحد الشباب السوريين موقعاً مختصاً بالإعجاز العلمي في القرآن والسنة، ثم تأكيده لأكثر من مرة على أنه غير منتسب لأي جماعة إسلامية، وإلحاحه على رواد الموقع راجياً عدم الخوض في السياسة خشية تعرض موقعه للإغلاق أو الحجب، بالرغم من الصبغة العلمية الصرفة!
يمكن الاستشهاد هنا بموقع إسلام زيد التابع لمسجد زيد بن ثابت في دمشق، وهو يكاد يخلو من التعرض لأي قضية إسلامية تخرج عن نطاق خطب الجمعة وحلقات حفظ القرآن والأناشيد. أما المواقع الإسلامية الأكثر شهرة فهي التابعة لمدير مركز الدراسات الإسلامية د. محمد حبش والتي تمثل رؤيته الواضحة للإسلام، والمقتصرة تقريباً على التجديد والتأويل عملاً بتعاليم المدرسة الإصلاحية المصرية، وبشكل أكثر سفوراً وسطحية.
لا يفوتنا التذكير أيضاً بما تقوم به السلطة من حجب للعديد من المواقع الإسلامية الشهيرة، وعلى رأسها موقع إسلام أون لاين، بالرغم من تساهلها مع المواقع الإباحية، كما أن الحكم على أحد الشباب السوريين في عام 2005 بالسجن لمدة ثلاث سنوات بعد إرساله لعدد من المقالات التي تحمل فكر خاله جودت سعيد حول المعارضة السلمية إلى أصدقائه يعدّ بمثابة درس واضح لكل من تراوده نفسه في استخدام شبكة الإنترنت لأغراض سياسية.
الإذاعة:
ظهرت في منتصف عقد التسعينات من القرن الماضي موجة من الإعلام الإذاعي اللبناني الموجه نحو سورية، وكانت تلك القنوات مخصصة بطبيعتها لاستقطاب الشباب السوري والاستفادة من فرص الإعلان التجاري وذلك بالتركيز على ما تملكه من قدرة على إثارة الغرائز وإلهاب العواطف، إلى درجة تخصيص ساعات محددة لاستقبال اتصالات الشباب من الجنسين وتشجيعهم على المغازلة على الأثير، فضلاً عن الإعلانات ذات الطابع الجنسي والترويج الرخيص لكل مجالات الانحطاط من حفلات وسهرات وأغان، فلا عجب إذن في أن تصبح أسماء هذه القنوات أكثر شيوعاً في سورية منها في لبنان، حتى كادت أسماؤها أشبه بعلامات تجارية ذائعة الصيت، وتمكنت بذلك من جذب كم هائل من المعلنين السوريين الذين وجدوا فيها منبراً جيداً للإعلان عن منتجاتهم، خصوصاً وأن معظم وسائل النقل العامة والمكتظة بالركاب تكاد تثبّت لواقطها على هذه القنوات طوال النهار.
بعد ما يقرب من عشر سنوات، تنبهت وزارة الإعلام السورية للحصة الإعلانية الكبيرة التي تحتكرها هذه القنوات من السوق السورية، فقامت بافتتاح إذاعة صوت الشباب كرديف لإذاعة دمشق، وأوكلت إليها مهمة بث الأغاني على مدار الساعة، لترسخ بذلك المقولة نفسها حول قصر اهتمام الشباب على الغناء والخلاعة دون أي شيء آخر، حتى أصبح التنافس حاداً بين هذه الإذاعة وسابقاتها، وكان الشعار المرفوع دائماً هو الاستمرار في الانحطاط الأخلاقي، وفتح الباب واسعاً للاتصالات الهاتفية الباحثة عن العلاقات بين الجنسين.
في عام 2005 مُنح الترخيص لأول إذاعة محلية خاصة، فانضمت قناة المدينة إلى جوقة الغناء الذي يملأ الأثير السوري، ثم تبعتها إذاعات أخرى، وهي لا تخرج بالطبع عن الإطار المعروف، حيث يقتصر نشاطها على بث الأغاني وتلقي الاتصالات وإذاعة الإعلانات، فضلاً عن المهمة الكبرى في إثبات الانفتاح السوري تجاه الإعلام الخاص وغير الرسمي!
بعد هذه الجولة السريعة على مظاهر الإعلام غير الرسمي في سورية، وخصوصاً في ظل حركة الإصلاح المزعومة والتي مضى عليها نحو خمس سنوات حتى الآن، يمكن لنا أن نجمل بعض الملامح الرئيسة لهذا الإعلام في النقاط التالية:
1- يلاحظ أن الانفلات الأخلاقي السائد في الإعلام السوري لم يتبع منهج التدريج كما هو الحال في الدول العربية الأخرى، على الرغم مما هو شائع من أن المجتمع السوري مجتمع محافظ، فما أن فُتح الباب أمام المستثمرين والمنتفعين حتى أخرجوا كل ما في جعبتهم من حقد على الإسلام ونشر للمفاهيم الغربية وانحلال من كل الأعراف والتقاليد بدون أية قيود، متذرعين بحجتين هما: الأولى هي أن الانفتاح الإعلامي الذي جاء متأخراً قد بدأ فعلا في فترة تشهد انحلالاً أخلاقياً مشابهاً في بقية الدول العربية، فالمراحل التي مرت بها بقية الصحف العربية تعود في الأصل إلى ضرورة مسايرة الجو العام الذي نشأت فيه، أما الحجة الثانية والأهم فهي الصمت الشعبي المخزي والذي لا مثيل له في أي مجتمع عربي آخر، إذ يبدو للمتأمل أن المجتمع السوري "المحافظ" عاجز تماماً عن اتخاذ أي ردة فعل تجاه هذا الضخ الإعلامي الذي لا يخفي أهدافه وتوجهاته، وكأنه مغلوب على أمره!
2- تتفق المؤسسات الصحفية السورية اليوم على اتباع منهج واضح مرسوم المعالم لبث رسالتها، وهو المنهج الإعلامي الدعائي المعروف في معظم دول العالم والقائم على قاعدة الابتعاد عن المبادئ والبحث في التفاصيل الصغيرة، فالقارئ لن يجد في معظم هذه المطبوعات أي نقاش موضوعي للأحكام والعقائد الإسلامية أو للتقاليد التي تعارف عليها المجتمع، بل تراه ينفد مباشرة إلى النتائج والمظاهر ويبدأ بطرح الاستبيانات بين أفراد الشعب السوري ذي الأغلبية المسلمة ليسأل بصراحة عن رأيهم في تطبيق ما جاء في القرآن بحق المرأة، وكأنه موضوع نقاش قابل للأخذ والرد.
3- الغياب التام للدور الأول لأي وسيلة إعلامية يفترض أنها تنضوي تحت لواء السلطة الرابعة (الصحافة)، حيث يرتبط وجود الصحافة في أي دولة ذات هامش مقبول من الحرية بسلطة تقصي الأخطاء ومحاسبة الفاسدين ودعم عمليات الإصلاح على كافة الصُعد، أما الإعلام السوري الخاص فلا يكاد يتخلف قيد أنملة عن الإعلام الرسمي في استرضاء السلطة والدعاية لها، وبدلا من أن يحمل هؤلاء الإعلاميون على عاتقهم مسئولية الإصلاح الذي بات أكثر ضرورة من أي وقت مضى، نجد أن اللغة السياسية الوحيدة هي في كيل النقد لكل أعداء سورية، والذين يتسعون في نظر السلطة إلى معظم سكان الأرض، لتتحول الصحافة بذلك إلى مجال واسع للمزايدة والتنافس في ترديد الشعارات الوطنية سعياً لكسب النصيب الأكبر من رضا السلطة.
4- باستثناء الصحافة المتخصصة كالطبية والبيئية والتكنولوجية والهندسية.. إلخ، فإن الهدف الأول للصحافة الحرة في سورية يكاد ينحصر في نشر الثقافة العلمانية بكل الوسائل الممكنة، وإحلال الليبرالية كبديل عن الأخلاق الإسلامية التي درج عليها المجتمع السوري منذ قرون، وإلصاق كافة تهم التخلف بما يسمى بالتيار الإسلامي، وهو تيار وهمي لا وجود له في سورية، علماً بأنها الدولة الوحيدة في العالم التي ما زالت تطبق قانون الطوارئ الذي يحكم بالإعدام على كل من يثبت انتسابه إلى جماعة الإخوان المسلمين.
5- بالرغم من غياب الوجود الحركي لأي نشاط إسلامي يذكر في سورية، فإن الإعلام العلماني السوري لا يتوانى عن صب نقمته على أي مؤشر بسيط للتدين في المجتمع السوري، فتراه يبحث عن تفاصيل تافهة لا تتعدى وجود بعض المحجبات- أياً كان شكل حجابهن- في الجامعات، أو لصاقة صغيرة في مكتب سفريات يتحدث عن عذاب تارك الصلاة، أو امتناع إحدى المقاهي عن تقديم الخمور بعد توالي شكاوى سكان الحي المسلمين مئة بالمئة، أو حتى ظهور رجل يطيل لحيته ويقصر ثوبه على قارعة الطريق في قرية نائية، إذ تشكل هذه الأمثلة في نظر المثقفين السوريين مؤشرات خطيرة على صعود التيار الأصولي "الوهابي"، ويتم حشد كافة الوسائل الممكنة لاستجداء قوى التنوير الطليعية للتصدي لها قبل استفحالها، ولعل الملفت للنظر في هذه الحالة السورية الخاصة هو السير على خطى الإعلام العلماني الذي سبق إليه مثقفو الدول العربية الأخرى، والذي يمكن تفهم الكثير من دوافعه في ظل الصعود الحقيقي للتيار الإسلامي الذي يتزايد نفوذه في أوساط الشعب يوماً بعد يوم في تلك الدول، وهو أمر غير مفهوم في دولة تحكم بالإعدام على معارضيها، وتتكتم حتى الآن على مصير نحو خمسة عشر ألفاً من المعتقلين في سجونها منذ عشرات السنين، فضلاً عن الخمول العام الذي يهيمن على المجتمع السوري مقارنة بما يجري في المجتمعات العربية الأخرى.
6- إزاء الانحطاط الإعلامي الطاغي في عالم الفضائيات والإذاعات والمطبوعات في مختلف الدول العربية، لم يتوان القائمون على الإعلام الرسمي السوري- والذي كان أكثر احتشاماً من أمثاله في دول عربية أخرى- عن ركوب هذه الموجة، حتى أن القناة الأولى للتلفزيون السوري انضمت إلى القنوات التي تبث أغاني الفيديو كليب مع رسائل sms التي تنشر في شريط على طول الشاشة لمدة ساعتين قبل موعد الافتتاح من كل يوم، فقد كانت هذه المدة مخصصة من قبل للاندماج مع الإذاعة الرسمية وبث الأغاني الكلاسيكية، ولكن إغراء المادة لم يسلم منه حتى التلفزيون الرسمي، بل إن تقليعة الميوعة التي تسعى من خلالها المذيعات ومقدمات البرامج إلى التقليد السافر لزميلاتهن اللبنانيات أصبح أشبه بالمهزلة التي أشبعها الكثير من المثقفين نقداً على صفحات الصحافة الرسمية، وهي لا تخرج عن ظاهرة الانصياع للاحتلال اللبناني للإعلام العربي عموماً، والتي باتت شرطاً لنجاح أي وسيلة إعلامية رخيصة.
7- يحتل الليبراليون والعلمانيون قطاع الإنتاج الفني السوري أيضاً، ولا شك في أن الأعمال الدرامية السورية تلقى قبولاً ملفتاً في الفضائيات العربية، وهي أعمال تقصر اهتمامها على نشر الثقافة الليبرالية، بل ومعالجة كافة مشكلات المجتمع من خلال هذه النظرة الضيقة، فبعد أن اقتصرت نظرتها إلى المجتمع السوري على اعتباره مجتمعاً علمانياً لادينياً، امتدت جرأتها اليوم لتقحم الشريحة المتدينة من هذا المجتمع لغرض واحد فقط وهو النقد، إذ لا تُقدم الفتاة السورية في القصة على أنها محجبة- وهي كذلك غالباً على أرض الواقع- وكأنه لا حق لها في الوجود، وإنما يتم تقديمها وفق صورتين لا ثالث لهما: إما أن تكون سافرة ومتحررة وتعيش في وسط ليبرالي يقبل العلاقات بين الجنسين بكل رحابة صدر، وإما أن تكون محجبة ومكللة بأحمال التخلف الذي يقصم ظهرها.
العجيب في الأمر هو أن معظم المسلسلات السورية تغض الطرف عن الكثير من الوقائع في سبيل تحقيق غايتها، إذ يتم تصوير العائلات التي تسكن في أحياء متواضعة ومحافظة على أنها متحررة تماماً من كل التقاليد التي تكون شائعة في ذلك الوسط، وكأن القائمين على هذه الأعمال يعيشون في عزلة تامة عن مجتمعهم الذي يسعون لتمثيله، ولا يستثنى من ذلك إلا العمل الذي ينصب اهتمامه أصلاً على تناول قضية الحجاب.
8- خلاصة القول: يجب تحميل أقطاب النظام السوري المتحالفين مع رجال الأعمال ومثقفي الحداثة والعلمانية بكافة تشكلاتها مسئولية الانحطاط السياسي والأخلاقي الذي بات ينتشر في المجتمع السوري كانتشار النار في الهشيم، وخصوصاً في العامين الأخيرين، حيث تنشط منظمات مدنية ودور نشر ومؤسسات إعلامية لبث الثقافة العلمانية والليبرالية في تحد سافر للقاعدة الإسلامية الشعبية، بل إن بعض هذه المؤسسات يعمل بتمويل أجبني مكشوف مثل دار إيمار التي تتلقى تمويلها من منظمات هولندية مثلNederlands Literair Produktie En Vertalingen Fonds وأيضا Pax Christi Nederland، إلى جانب ما يسمى بمنظمات المجتمع المدني التي لم تكن مألوفة في الوسط السوري مثل منظمة نساء سورية وجمعية المبادرة الاجتماعية، وهي تعمل بدعم ومباركة من السيدة الأولى أسماء الأسد التي نشأت في بريطانيا ويترأس والدها مجلس الصداقة السورية البريطانية، حيث يتم من خلال هذه المنظمات بث الثقافة الليبرالية بين المجتمع عبر الاستبيانات والمؤتمرات والفعاليات الرياضية والمجلات ومواقع الإنترنت، ويكفي القول بأنها الوحيدة الموجودة على الساحة اليوم، حيث يحظر على الصوت الإسلامي التواجد فضلاً عن الاعتراض، ولعل في اعتقال ثمانين شاباً من المهتمين بأنشطة (صناع الحياة) باللاذقية خير مثال على الخلفية التي يستند إليها النظام في النظر إلى العمل التطوعي والنشاط الخيري الاجتماعي، مع أن نشاط صناع الحياة لا يخفى أثره الإيجابي والنظيف على أحد! بالمقارنة على الأقل مع النشاط الذي تُفرد له الصحف وتُفتح له قاعات الاحتفال في مكتبة الأسد والمنتدى الاجتماعي وقصر الأمويين للمؤتمرات.
كانت هذه مجرد جولة سريعة في عالم الإعلام غير الرسمي الذي يتحمل الشعب السوري منّة وجوده اليوم، فهو لا يكتفي بإقصاء آرائهم وتكميم أفواههم، بل ويسعى أيضاً إلى تدمير قيمهم وأخلاقهم، ويعبث بمقدساتهم دون رادع أو اعتراض، والأمل ما زال معقوداً على المثقفين السوريين الشرفاء للنزول إلى الساحة، وإثبات وجودهم بدلاً من الاكتفاء بالصمت والتذرع بآلة القمع والتنكيل.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: فتحية إبراهيم صرصور
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 11
المرأة في الإعلام
فتحية إبراهيم صرصور
عند الرابعة من بعد عصر يوم الثلاثاء الموافق 6 ديسمبر 2005 استضاف صالون نون الأدبي الدكتور موسى طالب ليتحدث عن المرأة في الإعلام بدأت الجلسة من قبل الأستاذة فتحية بقولها: الحضور الكريم، أهلاً وسهلاً بكم في لقاء جديد من لقاءات صالون نون الأدبي، في هذا اللقاء نستضيف الدكتور موسى طالب ليحدثنا عن المرأة في الإعلام، المرأة في الإعلام عنوان فضفاض يحتاج لكتب وأبحاث الدكتور موسى ونحن ندرك ذلك، لذا نقول لكم إن محاور محددة وضعناها ليتحدث فيها وعنها الدكتور موسى حيث يتحدث عن:
المرأة في العمل الإعلامي.
المرأة في البرامج الإعلامية (الدراما).
المرأة في الإعلان.
المرأة في الأغاني (الفيديو كليب).
الدكتور موسى دكتوراة في الصحافة والرأي العام، أستاذ محاضر في جامعة الأزهر، شارك في عدّة مؤتمرات، أحدثها مؤتمر جامعة الأقصى حيث شارك بورقة عمل بعنوان " عرفات في الإعلام الإسرائيلي "، ومن قبل شارك بمؤتمر " فلسطين في الفكر المقاوم " الذي عقد بجامعة القاهرة وشارك بورقته التي تحمل عنوان " أساليب الاتصال في الانتفاضة الأولى، له تحت الطبع كتاب بعنوان " صراع الإعلام الفلسطيني الإسرائيلي "
عمل رئيساً لتحرير صحيفة فلسطيننا.
وشغل منصب منسق أنشطة نقابة الصحافيين.
ومسئولا للمجموعة الفلسطينية للإعلام.
بدأ الدكتور موسى حديثه قائلاً إن الحديث عن المرأة في الإعلام موضوع متشعب، له مؤيدوه ومعارضوه، البعض يوافق على والبعض الآخر يرى أن التعامل مع المرأة في العمل الإعلامي يجب أن يكون بشكل أرقى مما هو عليه الآن.
إن المرأة تحتل مكانة كبيرة فهي تشكل أكثر من نصف المجتمع، إلا أن وزنها في نطاق المجتمع الفلسطيني لازال لا يرقى للكم الذي تشغله داخل المجتمع، حاولت بقدر الإمكان أن يأخذ الحديث صفة الموضوعية سواء كنت مؤيداً أم معارضاً وذلك من خلال المحاور التي تم ذكرها: المرأة في العمل الإعلامي، المرأة في البرامج الإعلامية (الدراما) والأغاني (الفيديو كليب).
المسألة الأولى والحقيقة القائمة هي أن المرأة طرف مهم بالمجتمع إلى جانب الرجل.
الحديث عن هذه المسألة بالذات بعملها في الإعلام أحاول أن أوجد بعض الإحصائيات التي قامت على دراسات علمية وأوربا تتعلق بعمل المرأة أو الحجم الذي تشغله المرأة من خلال عملها.
هذه الدراسات في غالبها توضح أن المرأة في أمريكا تمثل نسبة 17،3% من عدد العاملين في وسائل الإعلام بشكل عام، هذه النسبة مقسمة لـ 41% للوسائل المرئية، 29،3% للوسائل المقروءة، 12،7% للوسائل المسموعة، 17% لوسائل الاتصال الوسطي. في أوربا كانت النسبة تختلف قليلا حيث تمثل المرأة 14،9% من عدد العاملين في وسائل الإعلام 37،2% للوسائل المرئية، 21،5% للوسائل المسموعة، 3،19% للوسائل المقروءة، 12% لوسائل الاتصال الوسطي، في أفريقيا المرأة تمثل أدنى مستويات المشاركة بالعمل الإعلامي بحيث لا تزيد النسبة 1،7% من عدد العاملين بوسائل الإعلام الأفريقية.
أما على مستوى الوطن العربي فالدراسات التي تناولت طبيعة وحجم مشاركة المرأة قليلة جداً وكانت في معظمها استكشافية، حاولنا من خلالها الحصول على بعض المؤشرات حول عدد المشاركات في وسائل الإعلام فكانت في معظمها متوسط المشاركة فيها 8،4%، كان عدد النساء العاملات في وسائل الإعلام المرئية هي الأكبر حيث بلغت 62،7%، والمسموع 19،4%، المقروء 8،8% والإعلام الوسطي 9،1%. هذه المؤشرات تعطي فكرة مبسطة عن مشاركة المرأة في العمل الإعلامي، رغم أنها تمثل نصف المجتمع وعدد خريجات المؤسسات الأكاديمية من الصحافة والإعلام والإذاعة والتلفزيون عدد كبير جداً ورغم ذلك المشاركة قليلة جداً، بعض الدراسات أجريت حول أسباب انخفاض حجم مشاركة المرأة في العمل الإعلامي وإحجامها عن العمل، وكانت أهم الأسباب التي ذكرتها الدراسات ما يلي:
1 ـ نظرة المجتمع العربي السلبية لعمل المرأة حيث تعتبر مؤسسات الإعلام غير صحية وفيها ممارساتها خاطئة.
2 ـ صورة المرأة العاملة في وسائل الإعلام فبعض القنوات تقدمها بشكل خاطئ مما يعزز الفكرة السلبية عن عمل المرأة في الإعلام.
3 ـ نظرة المجتمع الشرقي للمرأة وطبيعتها الأنثوية التي لا تساعدها على الحركة وعدم تناسب أنوثتها مع صعوبة هذا العمل من حيث الوقت والجهد.
4 ـ نقص الثقة لدى كثير من النساء بمقدرتهن العملية في وسائل الإعلام ومدى صلاحيتهن للعمل الإعلامي هل سيجيدون العمل أم لا؟
5 ـ عدم قدرة المرأة على التوفيق بين العمل الإعلامي ومسئوليات البيت خصوصاً إذا كان الرجل نفسه لا يقدر طبيعة العمل الإعلامي، مما يجعلها تتمسك ببيتها وتترك العمل.
6 ـ انخفاض نسبة التطوير والتثقيف لدى المرأة الإعلامية، حيث تتوقف عند حدود ما تلقته من علم.
7 ـ عدم قدرة المرأة على التعامل مع الأحداث العنيفة من مشاهد الدم والقتل ومناظر الحروب، لا تستطيع تغطيتها لأن العاطفة لديها أقوى.
إلى جانب هذه المعيقات هناك معيقات تتعلق بالمؤسسات الإعلامية نفسها منها:
1 ـ صعوبة عمل المرأة المحجبة في وسائل الإعلام المرئية، فأغلبها ترفض عمل النساء المحجبات، وتطلب منها في بداية عملها نزع الحجاب رغم أن كثير منهن أثبتن قدرتهن على العمل أمثال خديجة بن قنة ومذيعات المنار قناة العالم، وقناة اقرأ وغيرهن.
2 ـ تمييز مسئولي المؤسسات الإعلامية بين الرجل والمرأة في الترقيات فتسند المناصب الحساسة للرجل مما يؤدي لصعوبة التدرج في العمل الإعلامي.
3 ـ كما ترفض المؤسسات الإعلامية إرسال النساء للأماكن الساخنة ومواقع الحدث لتغطيتها وهذا من الأشياء التي تعيق عملها.
المؤسسات ووسائل الإعلام المرئية تركز على جمال المرأة ودلالها وكيفية تعاملها مع المشاهد لاعتقادها بأن المشاهد ينتبه لهذه الأمور أكثر من اهتمامه بثقافتها وقدرتها في العمل الإعلامي.
رغم كل ذلك فالمرأة حققت مكانة متميزة في مجال العمل الإعلامي ولدينا أسماء بارزة من الإعلاميات التي يخشى كثير من الرؤساء مقابلتهن نتيجة لثقافتهن وقدرتهن على الحوار أمثال جزيل خوري فهي من الإعلاميات المميزات.
نتيجة للأرقام والدراسات تدلل على أن المرأة بحاجة لتطوير نفسها للوصول إلى ما تطمح إليه وهذا يلزمه تثقيف نفسها، والعمل الدءوب لتطوير نفسها، 0تحاول الوصول لنوع من الثقة والجرأة كي تصبح قادرة على تمثيل نفسها بنفس النسبة الحقيقية التي تمثلها في المجتمع.
وهناك مشكلة أخرى تتمثل في التربية الأساسية للمرأة فهي تربية خاطئة تجعلها تشعر بأنها أقل درجة من الرجل فتتحاشى التنافس معه وتقبل بالمركز الثاني وأحياناً ترفض أن تكون في المركز الأول، وهذه ثقافة المجتمع التي تسعد بالولد وتجعل أخته في خدمته بالتالي فهي تعزز فكرة الرجل أولاً والمرأة تالياً.
إضافة لهذه المعيقات ساهمت الدراما والفيديو كليب بتشويه الصورة من خلال بعض القيم السلبية والنظرة الدونية للمرأة، فقد أثبتت دراسات علم الاجتماع أن القنوات عززت الصورة السلبية للمرأة بنسبة 65% مقابل 35% لإيجابيات عملها.
الدراما العربية كانت تركز على صورة المرأة الشريرة التي تسعى للإيقاع بالرجال أو الانتقام منهم وإذلالهم، أو المرأة اللعوب التي لا تؤتمن على الأسرة والأبناء، أو تمثلها امرأة ضعيفة مستكينة. هذه الصورة التي قدمت المرأة من خلالها في الأفلام والمسلسلات العربية صعب أن تخدم المرأة في مشوارها نحو تحقيق ذاتها وأن توجد مكانتها المميزة في المجتمع.
بعض الكتاب والباحثين افترض أن الأسباب الرئيسة وراء الصورة السلبية للمرأة في الأعمال الدرامية وأعمال السينما عائد إلى أن المرأة بعيدة جداً عن لعب الدور الأساسي، فهي تكتفي بدور الممثل الذي يتم توجيهه للدور فقط، لكن السيناريو والحوار والإخراج لا دخل لها به، وتقبل بالدور كما يراه المخرج، حتى عندما عملت المرأة في مجال الإخراج أساءت للمرأة، رغم أنه كان الهدف طرح قضايا النساء بشكل قوي في المجتمع، فإيناس الدغيدي أظهرت المرأة متحررة أكثر مما يجب فأساءت لها، وكانت تركز على المشاهد الساخنة في الأفلام، أيضا المرأة في أغاني الفيديو كليب أكثر الدراسات تفاؤلاً أشارت إلى أن الفيديو ساهم بشكل كبير بانحطاط صورة المرأة في المجتمعات العربية وعملت على عكس صورة غير حقيقية للمرأة الشرقية. بحيث أصبحت الأغاني تستخدم المرأة بصورة مسيئة ومزرية بهدف التكسب، الكلمات ضعيفة لكن الاستعراض من لبس وحركات هي الأهم، المرأة نفسها أساءت لنفسها بشكل كبير بحيث أن المغنيات أصبحن يروجن للأغاني بالجسد لا بالكلمات أو الصوت الجميل فأصبحنا لا نرى في الأغاني إلا الجسد. في حين أغاني أم كلثوم خالدة إلى اليوم لأن كلماتها مختارة بدقة، أما الأغنيات الحديثة فتخبو بسرعة وهذا من الأشياء التي أساءت للمرأة.
إلى جانب الفيديو والدراما نرى أن الإعلان يمارس دور في تعزيز الصورة السلبية للمرأة، رغم أن الإعلان من الوسائل الهامة جداً في وسائل الإعلام فهو الوحيد من بين الرسائل الإعلامية التي من الصعب ممارسة التعرض الانتقائي له، فهو يفرض نفسه على المشاهد فيوضع وسط المسلسل، أو الأخبار، وهذه الخاصية تحدد لنا مدى خطورة الإعلان في تعزيز القيم سواء أكانت على المرأة كمتلقي أو مشارك وعنصر من عناصر الإعلان. بهذا الشكل لا يكتفي بأنه يستغل المرأة من أجل الترويج للسلعة التي يعلن عنها لكن أحياناً يستغلها لإثارة مشاعر وأحاسيس النساء اللاتي يمثلن دور المتلقي من خلال تحفيز الرغبات والاحتياجات لديهن بما لم يكن موجود قبل الإعلان، الإعلانات تحاول بقدر الإمكان استغلال المرأة بعوامل جذب الانتباه واستثارة الرغبة، وتثبيت الإعلان فالإعلان الذي يضم عدد أكبر من النساء يتم تذكره أكثر، إلى جانب أن المرأة في الإعلان قادرة على اللعب على وتر الاستمالات العاطفية والنفسية عند المتلقي من خلال تركيز الإعلان بشكل كبير على جمالها ومفاتنها بشكل أو بآخر، الإعلان يتعامل مع المرأة بأكثر من شكل: يتعامل مع المرأة كجسد فقط بالذات في الإعلانات التي لا علاقة للمرأة بها، فعندما يعلن عن الشيكولاتة أو المشروبات الغازية يدخل المرأة بشكل أساسي فلا نرى الكوكاكولا بقدر ما نرى حركة الصبايا، في هذه الحالة لا يروج فقط للسلعة بل أيضاً يعزز قيم، ويرسم صور ذهنية لدى المرأة عند المتلقي بحيث تصبح الصورة مألوفة في المجتمع فتتداولها الفتيات خاصة الناشئات، فالإعلان يلعب دور أساسي في التربية وزرع القيم.
يقدم الإعلان نموذج للمرأة الأم التي تخاف على أطفالها وتسعى لراحتهم، كما في إعلانات الشامبو والحفاضات، التي تصور الأم الحنون بأنها التي توفرها لأطفالها مما يمثل ضغط نفسي على النساء اللائي لا تستطيع توفير السلعة لأولادها فتشعر بالتقصير.
كما يقدم نموذج سيئ للمرأة الزوجة عن طبيعة العلاقات الزوجية حيث هي دائماً متطلبة تستغل الزوج، وإرضائها لا يكون إلا بشراء السلعة التي تطلبها.
هكذا نرى أن الإعلان يعزز الصورة السلبية للمرأة ويستغل المرأة أسوأ استغلال دون أن يقدم فائدة للمرأة ودون أن يساهم في تقديم دور فاعل للمرأة في إثبات نفسها وخدمة المجتمع. أصبحت المسألة بحاجة لوجود ضوابط وتشريعات وأخلاقيات من المجتمع نفسه تعمل على حماية المرأة من الاستغلال الذي تتعرض له في أي من الأشياء التي تعزز صورتها السلبية ويعمل على حمايتها ودعم الصورة الإيجابية للمرأة للوصول لتمثيل حقيقي للمرأة في المجتمع.
بعد أن أنهى الدكتور عرض ورقته فُتح باب النقاش كان أول المداخلين الأستاذ عبد الوهاب أبو هاشم الذي شكر الدكتور موسى على موضوعيته في هذه الدراسة الجادة وما زودنا به من إحصاءات، لكن استوقفتني الإحصائية فإذا قلنا إن المرأة في المجتمع العربي والإفريقي تجد صعوبات لكن في المجتمع الأوربي فلا تجد هذه الصعوبات فليس لديها موروث أو عادات، الأسرة، النظرة، الشكل والخروج كل هذا تحررت منه وبما أنها نصف المجتمع فالإحصائية تقول إن المشاركة في حالاتها 20% وفي أدنى حالاتها 10 أو 12% حتى الأوربية ألا يجدر بنا الإعتراف بأن هناك أسباباً أخرى سيكولوجية وفسيولوجية في تركيبة المرأة وأن نعود للقرآن الكريم بأن الرجال قوامون على النساء؟
الأستاذ الدكتور فوزي الحاج قال أنا أُعجبت لما في الدراسة من علمية وموضوعية، وشاهدت هذا الكم المنهجي الطيب في هذه الدراسة، لي سؤال أنت تتحدث عن استغلال المرأة في الإعلان تتحدث عن المرأة كما لو كانت شيء ألا تعتقد أن المرأة كيان له إرادة واستقلال وتدخل هذه العملية دون ضغط أو إكراه، فلا أحد يجبر امرأة على الظهور عارية وإنما تختار ذلك بملء إرادتها فكيف نقول إن هذا استغلال؟
الأستاذ خليل حسونة كانت له مداخلة قال فيها: أُثمن هذه المحاضرة لأنها نهجت الطريقة العلمية الجادة خاصة بما تميزت به من عرض للإحصاءات التي كانت في غالبها دقيقة وجميلة جداً.
لكن كنت أتمنى على الدكتور موسى أن يؤصل لبعض المفاهيم كمفهوم الإعلام والإعلان وغيرها لأن بعض الحضور من غير المتخصصين، كما أنني أختلف مع الدكتور في نقطة وهي أن الإعلام لم يسفّه المرأة بل ارتقى بها وأظهر قدراتها، فالمرأة حرّة والحرية سلوك أخلاقي معرفي، كما لابد من الوعي لعامل المكان، فما يصلح في الغرب لا يصلح في الشرق.
أما الأديب الروائي غريب عسقلاني فقال أُعجبت باعتماد الدكتور على قاعدة المعلومات الإحصائية التي أنتمي لها لكن سأنطلق من منطلق أن الإعلام لم يَعُد يُؤطر.
كنت أتمنى على الدكتور أن يأخذ بجزئية التكنولوجيا، فلقد أصبح الإعلام صناعة ولكل صناعة شروطها، والمستثمر في مجال الإعلام يريد أن يحقق ربح.
أخطر ما في الأمر في العملية الإعلامية أن تُسلّع المرأة وتفرض شروطها عليها، من هنا تخضع المرأة لمواصفات السلعة الأنثوية المطلوبة بهذه الفتاة أو تلك.
بالنسبة لقدرة المرأة في الإعلام فجيلنا يعرف من ستينيات القرن الماضي المذيعة آمال فهمي، كان الجميع ينتظر برنامج على الناصية ليرى من خلال ما يسمع كيف تفجّر هذه الإعلامية قضايا ربما تؤدي لتغيير وزارات.
الإعلام الحالي إعلام العولمة ورأس المال. فحبذا لو ربط الدكتور الإعلام بالصناعة والعولمة فالفضاء الكوني قرية صغيرة.
الإعلامي الكبير موفق مطر مدرس مادة التصوير الصحفي تساءل لماذا تم تخصيص الموضوع بالمرأة ولم يكن العنوان "الإنسان في الإعلام" لماذا يقتصر الحديث في اللقاءات والكتابات عن المرأة ونصرة قضاياها على تقديم ظواهر هذه القضايا، نعم نرى المرأة في الإعلانات لكن لم يقدم لنا الباحث لماذا استخدمت المرأة تحديداً كنسبة كذا في الإعلام فهذا السؤال الأهم ربما، أليست حقيقة بأن الرجل ينظر للمرأة بأنها جنته؟ هل تكون المرأة صادقة مع نفسها عندما ترى الرجل جنتها؟ من يرى الكوكا كولا يرى نانسي والعكس صحيح، بمعنى ليس كل المشاهدين رجال ولا كل المتلقين ذكور فحسب لكن أيضاً تساءلتم لماذا المرأة تقدم في السينما والأعمال الدرامية بصورة بشعة؟ لماذا يقدم الرجل بالندل والقاتل واللص والحرامي وغيره في سبيل امرأة، هذا سؤال يطرح نفسه بقوة، لماذا ننظر للمرأة على أنها قدمت بأنها راقصة أو بنت هوى وخلافه ولم نقل لماذا يقدم الرجل بأبشع الصور، ربما لأجل منافع شخصية وحسب وهذا واقع على الرجل .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد دعدوش
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 11
إشكاليات الثقافة في عصر العولمة2
أحمد دعدوش
الانحطاط الثقافي في عصر العولمة:
يقول روجيه غارودي: "إن القوة الاقتصادية الأمريكية تحسد القوة الثقافية الأوربية في محاولة منها للانفراد بالرفض والقطيعة، وباستخدام الابتزاز والإرهاب الفكري يقوم الأمريكيون بإقحام ثقافتهم الرخيصة ضمن ما يسمى بالحداثة، في الوقت الذي يقومون فيه بقذف رموز الثقافة الأوربية بالعبث والتخلف".[1][1]
لقد أدرك المستثمرون الأمريكيون مدى الإقبال العالمي على الثقافة الرخيصة، وأن الناس عموماً يميلون إلى العرض الإعلامي الذي يضمن لهم إشباع قدر كاف من غرائزهم، وإمضاء المزيد من الوقت في سبيل التسلية، فبينما تنفق الحكومات الأوربية الأموال الطائلة لدعم مبدعيها من الفنانين والشعراء والمخرجين المسرحيين والسينمائيين، أوكلت الولايات المتحدة مهمة اختيار ونشر ثقافتها إلى عمالقة السينما في هوليود وشركات الإعلان في مانهاتن.
وفي ظل الليبرالية المطلقة التي لا تعرف إلا الربح، والبراجماتية التي تؤمن بأن الغاية تبرر الوسيلة، يقوم هؤلاء بدراسة أذواق الشريحة الأوسع من المستهلكين، في العالم كله، ثم تحديد المنتجات الأكثر رواجاً وربحية، وهكذا يصبح كل من فان دام ورامبو وشاكيرا ومايكل جاكسون نجوماً يحملون شعلة الثقافة الأمريكية إلى العالم، ويمتصون من خلال منتجاتهم أرباحاً طائلة.[2][2]
يقول "ستيفن هاينرمان" المحاضر في دراسات الاتصالات في أحد جامعات كاليفورنيا: " لو تصورنا أن هناك شخصين، أحدهما مسافر والآخر من أهل المكان، قد جلسا ليكتب قائمة بأكثر الأبطال شعبية، فلن يكون مثيراً للدهشة أن كلتا القائمتين بهما الأسماء نفسها من أبطال الأفلام ونجوم الموسيقا وعمالقة الرياضة وشخصيات البرامج التلفزيونية"[3][3] وهذا أمر طبيعي جداً في عصر العولمة، حيث يتحول عدد من أبناء الطبقات الوسطى أو المسحوقة إلى نماذج مثالية للجنس البشري، بعد أن يتم تصنيعها بدقة خلف الكواليس، عبر محترفين في انتقاء النجوم وتحويلهم إلى كائنات أسطورية.
وعبر الحملات الإعلانية الضخمة، وكافة وسائل الإبهار والتزييف، يصبح هؤلاء النجوم المثل الأعلى للأجيال الشابة حول العالم، ويتم تقديم نمط معيشتهم بأدق التفاصيل لجماهير المعجبين، إذ بات من الممكن – وعبر شبكة الانترنت- الإجابة عن أسئلة كثيرة حول أوضاعهم الاجتماعية، ومواعيد نومهم و استيقاظهم، وأطباقهم المفضلة، فضلاً عن تفاصيل نعفّ عن خدش حياء القارئ الكريم بالتعرض لها!
ولعل المشكلة الكبرى في هذا السياق، هي أن هؤلاء النجوم ليسوا في الحقيقة أهلاً لاعتلاء هذه القمم التي صعدوا إليها على أكتاف ملايين المعجبين المسحورين، فكثيراً ما تكون هذه الأوساط التي يعملون في دهاليزها ملأى بالفضائح ومواطن العار، إذ تفاجأ الملايين من معجبي نجم الروك آند رول الأمريكي "إلفيس بريسلي" بأنه كان مدمناً على المخدرات قبل أن يلقى حتفه في مقتبل العمر.
وإن كان ذلك قد حصل في الستينات من القرن الماضي، فإن الشعب الأمريكي اليوم بات يتقبل فضائح النجوم بشكل أكثر تحرراً، ويرفعون من شأنهم ليتربعوا في أعلى المراكز الاجتماعية، وبذلك لا يشكل فوز نجم أفلام الحركة "أرنولد شوارزنيغر" بمنصب حاكم ولاية كاليفورنيا - والتي يعتبر اقتصادها كولاية مستقلة في المرتبة السادسة أو الخامسة عالمياً- أي مفاجأة، بالرغم من ذلك الكم الهائل من الفضائح الأخلاقية التي نشرها منافسوه عبر حملاتهم الدعائية، إذ يكفي مزج نجوميته الساحقة بثروته الطائلة، ليحصد أكثر من نصف أصوات الناخبين، ويصبح حاكم أغنى الولايات الأمريكية وأكثرها سكاناً[4][4].
لقد أثرت هذه النظرة القاصرة للثقافة على مجمل المجالات الثقافية والفنية في العالم، ولا تقتصر أسباب ذلك على المنظور الأمريكي التجاري للثقافة، بل إن هذا المنظور ما كان ليجد طريقه إلى عقول الناس ما لم تكن البيئة الاجتماعية ملائمة لذلك، ويمكننا القول بأن الحرب العالمية الأولى، وما تلاها من انهيارات وتداعيات للأسس التي قامت عليها الحضارة الغربية، قد أثرت بوضوح على عقول الكثير من الأوربيين والأمريكيين، والذين لم يجد الكثيرون منهم سبيلاً للتعبير عن سخطهم وانعدام ثقتهم بمجتمعاتهم إلا بنقل أفكارهم الهاربة من جحيم الواقع المرعب إلى خيال واسع من العبث واللامعنى، فعندما أقامت فرنسا - على سبيل المثال- أول نصب للجندي المجهول، احتج الفنانون السورياليون على ما اعتبروه نفاقاً، وافتتحوا "مبولة" وسط باريس كرمز لانهيار الحضارة، في الوقت الذي قام فيه "ماليفيتش" بعرض لوحته: "مربع أبيض فوق خلفية بيضاء"![5][5]
وتلا ذلك عدد من الظواهر "الفنية" الأكثر طرافة، حتى أصبح الفن في أوربا باباً واسعاً للعبث، حيث لم يعد مقتصراً على أصحاب المواهب الفذة، فهاهو "جاكسون بولوك" يصرّح بأنه يترك الدور الأكبر للصدفة, إذ كان عمله "الفني" يقتصر على صب الألوان على اللوحات المفروشة على الأرض, ثم المشي عليها بعد انتعاله لأحذية مثقوبة![6][6]، في الوقت الذي أرسل فيه "مارسيل دوشام" - عام 1917- "نافورة" إلى معرض الفنانين المستقلين في نيويورك، والتي لم تكن في الواقع إلا (مبولة)، بعد أن وقع عليها باسم مستعار "R.MUTT "، وعندما رفض المعرض هذه "التحفة الفنية" ، برّر الرجل موقفه بأنه ليس بالضرورة للفنان أن ينجز عمله بيده، بل يكفي أن يختار أي عنصر جمالي من عناصر الحياة اليومية ثم إبرازه بشكل جديد، بعد الاستغناء عن وظيفته الأصلية. وقد مهد ذلك لظهور مدرسة جديدة للفن أسماها أصحابها "دادا" وهي كلمة تعني الحصان الخشبي الصغير![7][7]
وهكذا يعترف الفنان الفرنسي بوفيه بأن "الجهل في الرسم قد أرسيت قواعده، وكلما كان الفنان جاهلاً اعتبروه رائداً"، فيما يلخص أحد تجار اللوحات المعاصرين هذه القضية بقوله: "يجب أن نعلّم مقتني وجامعي اللوحات إلقاء اللوحة في صندوق القمامة حين تصبح قديمة، مثلها مثل السيارة أو الثلاجة, عندما تأتي لوحات أخرى جديدة لتحل محلها"[8][8]، مما لا يدع مجالاً للشك بأن الفن قد تم تحويله، وبشكل كبير، إلى مجرد سلعة، يتحدد سعرها وفقاً للعرض والطلب، والأمر ذاته ينطبق على كافة مجالات الفنون والثقافة الأخرى.
ويذكر أن الولايات المتحدة كانت قد انسحبت من منظمة اليونسكو قبل عشرين عاماً، في عهد الرئيس ريغان، احتجاجاً على مواقف أمينها العام "مختار أمبو" والذي شن حملة واسعة على ما أسماه بالخلل في المنظومة الإعلامية الدولية، تزامناً مع صعود أصوات الكثير من المفكرين الغربيين منددين بالغزو الثقافي الذي تمارسه الولايات المتحدة على دول العالم وخاصة تلك النامية منها. وقد عادت الولايات المتحدة مؤخراً إلى المنظمة الدولية بإعلانها ـ وعلى لسان قرينة الرئيس الأمريكي "لورا بوش" ـ أن هذه المنظمة قادرة من خلال إرساء قيم التسامح ومحاربة الجهل على القضاء على الإرهاب في العالم! لتعطي بذلك دليلاً واضحاً على أن المفهوم الأمريكي للثقافة يقوم على تحقيق المصالح الذاتية دون أي شيء آخر.
صراع الثقافات:
مع انتهاء حقبة الحرب الباردة في مطلع التسعينات، وانهيار الكتلة الاشتراكية الشرقية، استأثرت الدول الرأسمالية الغربية - وعلى رأسها الولايات المتحدة- بقيادة العالم، واختارت له نظاماً شمولياً أسمته بـ "النظام العالمي الجديد"، يرتكز في وجوده واستمراره على تقسيم جائر لخيرات ومقدرات العالم، تكون حصة الأسد فيه لخمس سكان المعمورة، بينما تقتات الأخماس الأربعة الأخرى على الفتات، فقط لكونها قد خلقت في عالم "الجنوب" حيث تسود مظاهر الجوع والفساد والحروب والنعرات الأهلية والطائفية، وغيرها، وكأنها قدر محتوم.
ولأجل تعليل هذا "القدر"، قام الباحث الأمريكي - الياباني الأصل- "فرانسيس فوكوياما" بوضع نظريته الشهيرة حول ما أسماه بنهاية التاريخ، معتبراً أن جدلية التاريخ تفرض على العالم الوصول إلى هذه النهاية المحتومة، حيث تنتصر الديمقراطية الغربية القائمة على الليبرالية المطلقة، وتنهار جميع الأيديولوجيات الأخرى لعدم مواءمتها لمتطلبات التطور الإنساني الذي وصلت إليه البشرية، وكأن البؤس الذي يرزح فيه ثلاثة أرباع سكان العالم ليس إلا نتيجة لعدم قدرتهم، أو عدم قابليتهم بالأحرى، لانتهاج النهج الحضاري الغربي الليبرالي.
وبعد ثبات فشل هذه النظرية على أرض الواقع خلال فترة قصيرة من ظهورها، تقدم "صاموئيل هنتنجتون" بنظريته الشهيرة "صراع الحضارات"، لسد الثغرات التي غفل عنها زميله، واعتبر أنه من الضروري للحضارة الغربية, لكي تحافظ على سيادة العالم، أن تقوم أولاً بتصفية جميع خصومها، وعلى رأسهم بالطبع "الحضارة الإسلامية"[9][9].
ولكن هذه النظرية أيضاً سرعان ما ثبت تهافتها الفكري وعدم واقعيتها، فهي ليست إلا نتيجة لتعصب قومي سياسي ، نظر له باحث استراتيجي أبعد ما يكون عن الإلمام بالحقائق العلمية المعروفة بالبداهة. فالحضارة الإنسانية - كما يقر المفكر السعودي تركي الحمد- ليست إلا كلاً واحداً لا يتجزأ في جوهره، وهي عبارة عن تراكم علمي وثقافي للحضارات الإنسانية المتعاقبة، والتي تساعد كل منها في نقل التجارب والمعارف التي اقتبستها عن أسلافها من الحضارات الأخرى وقامت بتوطينها والإضافة إليها، ثم توريثها للحضارات التي تعقبها لاستمرار المسار التصاعدي للحضارة البشرية.
وعليه فإن الصراع الذي كان ولا يزال قائماً بين معظم الجماعات البشرية منذ فجر التاريخ الحضاري للإنسان وحتى اليوم، ليس إلا صراعاً بين الثقافات, وهو مبني على التباين والتضاد بين القيم والمعتقدات التي تقوم عليها، والتي تمثل بمجموعها الوعي الجماعي الذي يعبر عن هوية هذا المجتمع أو ذاك، وهي كما نعلم خصوصية ذات قيمة عالية لدى الفرد والمجتمع، ومستمدة من الغريزة الإنسانية في التعبير عنها والدفاع عن وجودها واستمراريتها.[10][10]
والغريب في الأمر أن الصراع الثقافي لم يعد مقتصرًا فقط على ما هو قائم بين الدول النامية وتلك المتقدمة، بل بات الكثير من المثقفين والسياسيين في الدول المتقدمة نفسها قلقون حيال الغزو الذي ينال من ثقافاتهم المحلية، فدولة غنية ومتقدمة مثل كندا، على سبيل المثال، لا تعدو أن تكون - وحسب تعبير أحد كبار مسؤوليها- سوى نملة صغيرة أمام الفيل الأمريكي الضخم، بينما يشير أحد الباحثين الكنديين إلى أن المواطن الكندي، وتحت تأثير المسلسلات والأفلام البوليسية الأمريكية، لم يعد قادراً على التمييز بين قوى الجندرمة الكندية والشرطة الفدرالية الأمريكية، بل إن مبادئ القضاء الكندي نفسه لم تعد واضحة أمام طغيان النظام القضائي الأمريكي, الذي بات حاضراً بشكل شبه يومي على الشاشات الكندية، مما يهدد بفقدان الهوية الكندية لدى المواطنين، وخاصة لدى فئات الشباب والمراهقين.[11][11]
وكذلك تعاني النمسا من عدم قدرتها على وضع سياسة اتصالية تعزز خصوصيتها الثقافية أمام الكم الهائل من المعلومات التي تقذف بها وسائل الإعلام الأجنبية، ويكاد الأمر ذاته يتكرر لدى دول أوربية أخرى مثل بلجيكا، هولندا، سويسرا، أسبانيا والبرتغال.
بينما أبدت الحكومة البريطانية تخوفها من تحول المشاهد البريطاني إلى البرامج الأوربية التي تطلقها (16) قناة أوربية مختلفة من بروكسل (عاصمة الاتحاد الأوربي) عبر قمر "استرا" مما يهدد ثقافة المواطن الانكلوسكسونية.[12][12]
وأما في فرنسا، فالقلق الشعبي والرسمي على الثقافة الوطنية بات من أولويات هموم المواطن العادي، فبعد أن عبر الرئيس الفرنسي "ديستان"، في عام 1976، عن قلقه إزاء تراجع الإنتاج التلفزيوني المحلي أمام المنافسة الأمريكية، بدأت التصريحات الرسمية والإعلامية بالتنديد بهذه الظاهرة، فكان أن حذّر مجلس الشيوخ من أخطارها في تقرير صدر له عام 1979.
ثم بدأت بعض الصحف الفرنسية - منذ مطلع الثمانينات- بعرض سلسلة من المقالات حول الغزو الثقافي وأخطاره، كان من أهمها مقال رئيس تحرير "اللوموند" في العدد الصادر بتاريخ 4/7/1980 تحت عنوان "حيث تنتصر أمريكا". كما باتت تصريحات وزير الثقافة الأسبق "جاك لانغ" مزعجة لدى بعض المسئوولين الأمريكيين لجرأتها البالغة، والتي مهدت لصدور العديد من الكتب التي تبحث في مستقبل الثقافة الفرنسية في ظل النظام العالمي الجديد الذي أعلنت الولايات المتحدة قيامه - في مطلع التسعينات- تحت قيادتها، وكان من أشهر هذه الكتب: كتاب "الحرب الثقافية" لـ"هنري جوبار"، و"فرنسا المستعمرة" لـ"جاك تيبو".[13][13]
ولعل من أكثر التصريحات وضوحاً، ذلك الذي أطلقه وزير الخارجية الفرنسي الأسبق "كلوشيسون" مخاطباً نظراءه من العرب في مؤتمر أقيم في آذار عام 1993 قال فيه: " إننا نحن، العرب والفرنسيين، نواجه مأزقاً متشابهاً بفعل الأمريكيين، وما علينا إلا أن نوحد جهودنا لإيجاد حالة توازن وتعاون وانفتاح متزن، بدلاً من التقوقع أو الاستمرار فقط بالتذمر، وإنما يجب أخذ المبادرة قبل فوات الأوان".[14][14]
ونتساءل هنا: إن كانت هذه الدول الأوربية سالفة الذكر - والتي تشكل جزءاً لا يتجزأ من الحضارة الغربية التي لا تجد ضيرًا في فرض ثقافتها على بقية شعوب العالم- وبكل ما تملكه من مقدرات ثقافية وحضارية وبشرية، تبدي كل منها تخوفها على ثقافتها المحلية، أمام غزو ثقافات الدول الصديقة التي تشاركها في نهجها الحضاري, فكيف يكون إذن حال دول العالم النامي؟ وكيف يمكن لهذه الدول أن تدافع عن ثقافاتها الوطنية، مع انشغالها بهمومها التنموية، وديونها الخارجية، وصراعاتها من أجل البقاء؟
نستطيع اليوم أن نجزم بأن الدول النامية – أو ما يسمى بدول العالم الثالث- لم تعر ثقافاتها المحلية الكثير من الاهتمام خلال العقود الماضية ، لثقل مهامها التنموية التي بدأت تنوء بحملها منذ الاستقلال، فضلاً عن الصراعات الدموية التي عصفت بكثير منها، مما جعل من قضية أمنها الوطني في رأس أولوياتها.
وكانت حركة دول عدم الانحياز، التي تأسست عام 1961، قد جعلت من تحقيق توازن اقتصادي وسياسي يضمن لدول العالم الثالث حقوقها المشروعة، في عالم يحكمه الصراع بين الكتلتين العالميتين (الرأسمالية والشيوعية)، هدفاً أساسياً طغى في البداية على كافة المجالات الأخرى، فلم يرد على سبيل المثال أي ذكر للتعاون الثقافي والعلمي بين هذه الدول، أو أي اتفاق دولي لحماية ثقافاتها الوطنية، في المؤتمر الأول للحركة في بلغراد.
ولكن التطور العالمي المذهل في مجالات العلم والتقنيات ، وتزايد اعتماد الاقتصاد العالمي على منتجات التكنولوجيا الراقية, والانتشار السريع للثقافة الغربية في أنحاء العالم، مدفوعة بتفوقها الكبير في قطاع المعلومات والاتصالات وسيطرتها على الأقمار الصناعية التي تحيط بالعالم من كل جوانبه، جعل كل ذلك من قضية العلم والثقافة في الدول النامية أمراً بالغ الأهمية، مما دفعها لعقد الاجتماع الأول لخبراء التربية والثقافة والإعلام لدول عدم الانحياز في مكسيكو عام 1982 - قبل انعقاد قمة دلهي لدول الحركة في عام 1983- وذلك بهدف بحث سبل التعاون الثقافي فيما بينها، وحمايتها مما سمي بهواجس "استلاب الشخصية"، ولم يتردد حينها وزير الثقافة الفرنسي الأسبق "جاك لانغ" - الذي دعي إلى الاجتماع - في التنديد بما أسماه بالإمبريالية الثقافية الأمريكية[15][15].
ومع تزايد مخاوف الدول النامية من الغزو الثقافي الذي تطبقه الدول المتقدمة في عالم شديد التباين بين شماله وجنوبه، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة - الأسبق- "خافيير بيريز ديكويلار" الفترة الواقعة بين عامي (1988-97) العقد العالمي للتنمية الثقافية بالاشتراك مع مؤسسة العمل الثقافي الدولي المشترك (اليونسكو)، وقال في خطابه آنذاك: "إن مجهودات التنمية أخفقت لأن أهمية العنصر البشري، ذلك المزيج المعقد من العلاقات والمعتقدات و القيم والدوافع الذي يكمن في قلب الثقافة، لم يقدر حق قدره في كثير من مشروعات التنمية"[16][16]، وكأنه بهذا يشير إلى ذلك التناقض الواقع بين تبني كل من مقولتي التنمية الشاملة وحوار الثقافات، وبشكل مضمر.
ويتضح لنا هذا التناقض- وبعيداً عن التناقضات الفلسفية- مع الكشف عن تلك العلاقة التي لا يمكن تجاهلها بين التنمية الشاملة من جهة وقوانين العرض و الطلب وآليات السوق من جهة أخرى والتي باتت دستوراً مقدساً يحكم علاقات البشر فيما بينهم سواء داخل المجتمع الواحد أو في منظومة العلاقات الدولية بأوسع أشكالها. وهو ما يتناقض بالضرورة مع الدعوات العالمية المتزايدة نحو إحلال حوار الثقافات - أو لنقل كما هو شائع- كبديل عن حوار القوى المتصارعة على المصالح.
وكان تقرير اللجنة العالمية للثقافة و التنمية التي ترأسها ديكويلار بنفسه عقب انتهاء مهمته شاهداً كبيراً على هذا التناقض، ودليلاً على فشل عالم القرن العشرين الموغل في التحضر، في تجاوز تلك العقبات العنصرية و المذهبية التي طالما وقفت عائقاً في وجه أي حوار أو تعاون بين الأمم منذ سطّر الإنسان تاريخه المتخم بالصراع والحروب.
وقد عبر د. جابر عصفور عن ذلك واضحاً في تصديره للترجمة العربية لهذا التقرير، والتي صدرت عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر بقوله: "ما من أمل في سلام البشرية ما ظلت حضارة من الحضارات أو ثقافة من الثقافات أو أمة من الأمم بدعوى أن الطبيعة والتاريخ ميزاها على غيرها بما لا يمتلكه سواها"[17][17].
إن هذه الكلمات تلخص طبيعة ذلك "الحوار" الذي تفرضه العلاقات الدولية اليوم في ظل العولمة وباختصار شديد، ويبدو أنها لا تحتاج إلى المزيد من التعليق.
الثقافة العربية الإسلامية وتحديات المرحلة
بالرغم من كل ما سبق ذكره من مظاهر الغزو الثقافي، الذي تتعرض لـه معظم شعوب العالم، والفقيرة منها والعربية- الإسلامية على وجه الخصوص، فإنه لا يزال هناك الكثير من المثقفين العرب يرفضون هذا الطرح جملة وتفصيلاً، معتقدين أن هذا التوسع الثقافي الغربي- الأمريكي- إنما يتم وفق آليات السوق الحرة التي تسمح للجميع بالمنافسة، وأن هذا الشعور ليس إلا نتيجة لشيوع "نظرية المؤامرة" وسيطرتها على فكر المواطن العربي، الذي اعتاد على إلقاء اللوم على الآخرين، للتملص من عبء المسؤولية. كما يعتقد هؤلاء بأن ما أسميناه بالغزو الثقافي ليس موجهاً بطبيعة الحال إلى أمتنا العربية ـ الإسلامية دون غيرها، بل لا يعدو أن يكون نتاجًا تجارياً يعرض في كافة الأسواق العالمية، كما أن الأثر السلبي لهذا الناتج على المجتمعات الغربية نفسها، يعد في رأيهم دليلاً كافياً لإثبات عدم وجود أي نية مسبقة لديهم في تقصد الإساءة إلى مجتمعاتنا أو ثقافتنا المحلية.
وبما أن مناقشة هذا الرأي خارج موضوع البحث، فإنه لا يسعنا - مهما كان موقفنا- إلا أن نقرّ بوجود تفاوت ثقافي كبير (فجوة) بين عالمنا العربي الإسلامي من جهة وبين العالم الغربي، وعلى رأسه الولايات المتحدة من جهة أخرى، وأن الغرب قد أحسن استغلال هذه الفجوة لصالحه، خلال السنوات الأربع الأخيرة بالذات، أمام ضعف وتخاذل عربي وإسلامي مذهل.
وعلى هذا، فإن مناقشة حقيقة وجود هذا الغزو الثقافي المتعمد وطبيعته، لم تعد ذات أهمية تذكر، أمام الشعور الطاغي بأن غبنًا كبيرًا قد لحق بأمتنا، وخصوصا بعد أن اتضح لنا الكثير مما كان مسكوتًا عنه قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حتى باتت دعوات مواجهة هذا الغزو شائعة اليوم بين كافة فئات المجتمع، من المثقفين وصناع القرار إلى عامة الناس وأقلهم ثقافة، وأصبح من الطبيعي أن تتعرض وسائل الإعلام العربية على اختلافها لهذا الموضوع، مستعرضة آراء المثقفين والسياسيين الذين بات معظمهم يصرّ على أن الوقت قد حان بالفعل للتصرف حيال هذا الغزو - أو سمّه ما شئت- إلا أن المواطن العادي من حقه أيضا، والحال هذه، أن يقول: سمعنا جعجعة ولم نر طحناً.
لقد بات من الواضح تماما أن هذا المواطن، المنتمي غالباً إلى أفراد الطبقة الوسطى، لم يعد معنياً بذلك القرار الذي ما زال مثقفونا بصدد البحث فيه، إذ أن هذه الأوساط المثقفة ما زالت تعاني من عزلتها المزمنة، وتشتكي من فقدها لقنوات الاتصال ووسائل الحوار الملائمة لعامة الناس، بل إن المثقف العربي لا يزال مصراً على الالتزام باغترابه الثقافي، ليضمن لنفسه الإبقاء على مسافة كافية تفصله عن العامة، وتحفظ له المكانة الاجتماعية المرموقة على قمة برجه العاجي.
أما وسائل إعلامنا العربية, والتي تتمثل أساساً بالقنوات الفضائية لغياب أو ضعف الوسائل الأخرى، فلم تبرح بعد مكانها الذي وجدت فيه، بل لا تزال في حيرة من أمرها حيال توفير المواد الإعلامية الكافية لشغل مدة البث التي تملأ ساعات اليوم والليلة كاملة، وهي غالباً ما تتم تعبئتها بهز الأرداف والأكتاف، أو بإغراق المشاهد بالإعلانات، أو بالبرامج والأفلام المستوردة أو المقلدة، والتي فرغنا للتو من محاولة إيضاح العلاقة بينها وبين أرباب الغزو الثقافي، فضلاً عن برامج التسلية والمسابقات واستهلاك الوقت، والتي لا هم لها سوى استدراج المشاهد للمزيد من الاستهلاك عبر الإعلانات التجارية أو تسطيح مستواه الأخلاقي والفكري، لتكون بذلك شريكة في هذا الغزو بشكل أو بآخر، وربما دون أن تسيء النية.
إن الشباب العربي اليوم ـ بصرف النظر عن المستوى الثقافي الذي وصل إليه- ونتيجة لتدهور الأوضاع الاقتصادية والتنموية في الكثير من الدول العربية، أو على الأقل لعدم إحرازها للتقدم المطلوب لمواكبة تحديات العصر، وتفاقم البطالة، بات يعاني من مشاعر الإحباط واليأس من الحملات الأجنبية- والتي غالباً ما تجد لها أصداء داخلية- والتي تتزامن مع الجمود الاجتماعي، والتراجع في الحضور السياسي والثقافي على الساحة الدولية، الأمر الذي أدى بطبيعة الحال إلى ضياع الهوية الثقافية لهذه الفئات الشابة، وتصاعد مشاعر السخط على عموم الأوضاع المعيشية والاجتماعية السائدة. ومما يزيد الأمر سوءاً ارتفاع وتيرة التوتر بين الداعين إلى ضرورة الإصلاح والتطوير من جهة وبين المناهضين لهذه الحركة بدعوى الحفاظ على الأصالة وقدسية التراث.
ولا شك في أن هذه العوامل مجتمعة قد تشكل لدى الكثير من الشباب دافعاً قوياً للنفور من كل ما يربطهم بتراثهم وعقيدتهم ووطنيتهم، على اعتبار أن هذه المفاهيم "التقليدية" تناقض توجههم التجديدي، وتدفعهم لتحميل مجتمعاتهم وظروف معيشتهم المسؤولية كاملة تجاه مشكلاتهم، ويدعمهم في ذلك كما هو واضح، التوجه العالمي المحموم لتعميم أنماط معيشية مخالفة تماماً لما اعتادوا عليه.
وعلى الرغم من ذلك، تشكل الأسباب السالفة نفسها دوافع لاتخاذ مواقف مضادة تماماً لتلك التي ذهب إليها سابقوهم، إذ يصبح ذلك الغزو الخارجي على رموز ثقافتهم ـ الغالية على قلوبهم- سبباً مباشراً للتمسك بها، بل ويقوي إيمانهم بأن الخلاص من مشاكلهم المستعصية لا يتم إلا بالثورة على واقعهم المؤسف، لتغييره نحو الأفضل. ومما يزيد الأمر سوءاً أن يسود لدى هؤلاء الشباب اعتقاد بأن جميع من حولهم متورط بشكل أو بآخر في عملية "المؤامرة" وأن الإصلاح والتغيير لا يتم إلا بشكل راديكالي وعنيف، إذ يعني الانتظار لديهم المزيد من الاستسلام والتخاذل.
ووفقاً لهذه الآلية يبرز لدينا اتجاهان متناقضان، أحدهما موغل في انسياقه نحو الغرب، والآخر غارق في التطرف، وهنا تأتي وسائل الإعلام لتلتقط أصوات كل من الاتجاهين ـ كل حسب تعاطفه مع الآخر- وتحاول إخراجه إلى السطح مع كل وسائل الإبهار والجذب الجماهيري الضرورية, في الوقت الذي يخسر فيه المعتدلون (الوسط) المزيد من نقاط قوتهم – على الرغم من كونهم الأغلبية الساحقة- إذ لا يستبعد مع مرور الوقت أن يتسرب الكثير منهم إلى هذا الاتجاه أو ذاك، حسب تصاعد صوته وخفوت الآخر، فيما لا يزال الغزو الخارجي، وعلى الرغم من كل ذلك، مستمراً.
أمام هذا الاستقصاء لواقعنا العربي والإسلامي، فإن محاولة إيجاد حل سليم وناجح لا يتم إلا بوضع اليد أولا على مشكلاتنا الداخلية، ثم محاولة إبراز التوجه المعتدل كحل وسط لكافة المشاكل الداخلية والخارجية على السواء.
وهذا لا يتم بالطبع اعتماداً على جهود الحكومات أو المنظمات فقط، وإنما بالإيمان الشعبي الواسع والقناعة التامة بأهمية الاعتدال والوسطية كمنهج علمي وعملي سليم لإخراج المجتمع من أزمته الخانقة، كخطوة أولى على طريق المواجهة.
حينها تعود مسألة التصدي لهذا الغزو أمراً طبيعياً تفرضه الظروف المعيشة، إذ أن الفرد الذي يجد في هويته الثقافية والدينية والاجتماعية، ما يعزز أصالته ويحفظ له كرامته ـ على الصعيدين الفردي والاجتماعي- سيكون مؤهلاً بالتأكيد لمواجهة هذا الغزو، معتمداً على ذاته ومدافعاً عن قناعاته، دون أن ينتظر من الآخرين الاقتناع بصحة موقفه والوقوف إلى جانبه، ودون أن يسارع أيضاً إلى دفعهم للتعاطف معه بأي وسيلة كانت.
وأخيراً فإن العولمة واقع لا يجدي معه أسلوب الرفض، بل هي تيار بدأ بالاقتصاد وامتد إلى السياسة و الثقافة، وأصبح حقيقة نعيشها كل يوم، فلا يسعنا والحال هذه أن نعتقد بأن تضييق الخناق على قنوات الوصل بين ثقافتنا وأي ثقافة أخرى وافدة سيكون حلاً ناجعاً، فلم يعد هناك مجال بعد اليوم للانعزال والتقوقع، كما لا يصح في المقابل إطلاق العنان لكل ما هو وارد بعُجره وبُجره بدعوى الانفتاح والتحرر. فالشباب العربي اليوم يتوقع منا تقديم البديل الملائم لكافة رموز الثقافة الأجنبية التي يحرم منها، ولا نعتقد أن عقول الشباب عاجزة عن إبداع هذا البديل في حال توفر البيئة الملائمة، وذلك ضمن حدود الشريعة الإسلامية، وأعراف المجتمع الشرقي وأخلاقياته.
وفي ختام هذا الطرح، فإنه يجدر بنا أن نجعل الكلمة الأخيرة للسيد عمرو موسى، الأمين العام للجامعة العربية في قوله : "المثقفون اليوم هم جنرالات المعركة المقبلة وقادتها ومحددو نتائجها، لقد بات عليهم من الآن فصاعداً القيام بدور محوري في معركة الدفاع عن الأمة وحضارتها"[18][18].
أما السؤال عن دور مثقفينا فيبقى معلقاً، وحبذا لو كان الجواب عملياً هذه المرة.
1 ـ روجيه غارودي، أمريكا طليعة الانحطاط، تعريب عمرو زهيري، دار الشروق، القاهرة- بيروت، 1999، ص101- 102
3 ـ سليمان إبراهيم العسكري، مجلة العربي، تصدر عن وزارة الإعلام الكويتية، العدد 530، يناير 2003 ، ص 11، نقلا عن كتاب (الثقافة في عصر الاتصالات) لعدة مؤلفين.
4 ـ في معرض نقده للديمقراطية، يقول أفلاطون في مدينته الفاضلة : "إننا في المسائل التافهة، مثل صناعة الأحذية، نعتمد على المختص في صناعتها لصنعها لنا، أما في السياسة فإننا نفترض أن كل شخص يقدر على إحراز الأصوات يستطيع إدارة المدينة أو الولاية، وعندما نصاب بالمرض فإننا ندعو لمعالجتنا طبيبا أخصائيا حصل على شهادته ودرجته بعد إعداد ودراسة خاصة وكفاءة فنية، ولا ندعو في هذه الحال أوسم طبيب، أو أكثرهم فصاحة وزلاقة لسان، وعندما تصاب الدولة بالمرض ألا يجدر بنا أن نبحث عن خدمة وهدي أفضل الرجال فيها وأحكمهم وأعقلهم؟"
انظر: ول ديورانت، قصة الفلسفة، ترجمة فتح الله محمد المشعشع، مكتبة المعارف، بيروت، ص30
ويذكر أن "شوارزنيغر" قد تم تنصيبه بعد عزل الحاكم السابق للولاية قبل انتهاء مدة ولايته وللمرة الأولى منذ عقد العشرينات، وذلك بسبب الأزمة المالية الخانقة التي عانت منها الولاية، ولكن وسائل الإعلام التي احتفت بنجاح النجم في وصوله إلى هذا المنصب، لم تشرح كيف سيتمكن من معالجة هذه الأزمة!
9 ـ ويذكر أن "فوكوياما" كان قد وجد من أحداث الحادي عشر من سبتمبر فرصة ذهبية للخروج من صمته، فما أن بدأت الحملة الأمريكية العسكرية على أفغانستان، حتى سارع بنشر مقالة جديدة في صحيفة " الجارديان" البريطانية بتاريخ 11 أكتوبر 2001، تحت عنوان "لقد انتصر الغرب"، انتقم فيها من كل خصومه الذين انتقدوا نظريته السابقة، وأكد على أن قاطرة الحداثة سوف لن توقفها أحداث مروعة كهذه مهما كانت، ولابد لها من أن تدهس كل من يعترض طريقها، لتنشر الديمقراطية وسياسة السوق الحرة على جثثهم. والأغرب من ذلك هو أن الديمقراطية التي يتشدق في تمجيدها لا يمكن لها أن تعيش - في رأيه- إلا في المجتمعات الغربية، وهي تلك التي كانت تدين بالمسيحية سابقاً، ثم تخلت عنها في سبيل العلمانية. ولكي يقطع الطريق تماما على كل من يحاول التشبث بهذه القاطرة من غير ركابها الأصليين، فإنه يقرر أيضا أن سبب نجاح هذه المجتمعات الغربية ليس فقط في تخليها عن مسيحيتها، إذ يمكن لكل المجتمعات أن تتخلى عن أديانها، ولكن السر يكمن في أن الغرب قد تخلى عن التبشير بالمسيحية العالمية، فليس لأحد إذن أن ينتسب إلى هذه الديانة بعد الآن ثم محاولة التخلي عنها للحاق بالغرب!
14 ـ الإمام الخامنئي، الغزو الثقافي .. المقدمات والخلفيات التاريخية، مؤسسة دار الولاية، بيروت، ص13- 14
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد دعدوش
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 11
إشكاليات الثقافة في عصر العولمة
أحمد دعدوش
في عام 1970، نشر الكاتب والمفكر الأمريكي "ألفين توفلر" كتابه الشهير "صدمة المستقبل"، محللاً فيه الكثير من مظاهر الإرباك التي يتعرض لها الإنسان في العصر الحديث، وخاصة ذلك الذي يعيش في معمعة التقدم التقني الهائل في الغرب، وخرج بنتيجة مفادها أن الإنسان (فرداً وجماعات) يتعرض باستمرار لضغوط "صدمات" هائلة, عبر التغيرات الكبيرة في الظروف الحياتية التي يعيشها, وذلك خلال فترات قصيرة جداً، وأن القدرة على التكيف معها غالباً ما تكون محدودة.
وبالرغم من أن البعض سيتمكنون من التلاؤم مع الأوضاع الجديدة ويسعدون بها، إلا أن الكثيرين سيواجهون هذه الصدمات بردود فعل مختلفة، قد تبدأ بنوع من النفور والقلق وعدم التجاوب مع تغيرات العصر، مروراً بحالات من الاكتئاب والجنون، وربما وصولاً إلى العنف!
لقد تجسد هذا الموقف بالفعل في المجتمعات الغربية وبشكل حاد خلال الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية ، فمع توفر المزيد من وسائل الترف ومواد الاستهلاك، وإقحام أحدث مبتكرات العصر من مظاهر الرفاهية في الحياة اليومية لكل فرد، تحولت هذه الشعوب إلى المزيد من الطلب والاستهلاك، وصولاً إلى الإباحية المطلقة وضياع الهوية والانضباط، والبحث عن الملذات بشكل محموم لإرواء الشبق الذي انطلق كانفلات العملاق من قمقمه.
ولما كان هذا الطلب اللامحدود غالبا ما يصطدم بقدرة محدودة على الإشباع للوصول إلى النشوة، فإن الهروب من الواقع كان في رأي الكثيرين حلاً ممتازاً لإخماد هذه الثورة، فظهرت عقاقير الهلوسة والمخدرات والمسكرات على اختلاف أنواعها بدور المنقذ، واعتبرت مخلصاً سريعاً للقضاء على أي رغبة عقلية للإحساس بهذا الضياع، في الوقت الذي يسمح فيه للأعصاب المنهارة باستجداء خيط رفيع متبق كشعور أخير باللذة.
أما الفئة الأخرى، ولعلها الأكثر عقلانية، فقد اختارت الانتظام في زيارة عيادات الطب النفسي، والتي تشكل بمجموعها نحو نصف عدد العيادات الطبية في الولايات المتحدة بين كافة التخصصات، أو الانخراط في جماعات دينية غريبة ومصطنعة ، أملاً في إنقاذ ما يمكن إنقاذه في المجتمع، أو على الأقل الهروب من الواقع الذي لم يعد يقيم أهمية تذكر للإنسان وقيمه الروحية. فظهرت حركات مثيرة تدعو للعودة إلى التدين وإحياء "الأخلاقية المسيحية" من جديد، بعد أن تم نبذ الدين في كثير من مظاهر الحياة مع بداية حركات العلمانية والإلحاد في عصر النهضة، وخرج مئات الشبان والشابات منذ عقد الستينات إلى الشوارع وهم يرتدون المسوح ويقرعون الطبول, في طقوس عجيبة لتلك المذاهب المبتكرة، والتي تحمل أسماء لا تقل عنها غرابة مثل "هاري كريشنا" ، "جون بيرش" ، "كوكلوكس كلان" ، "معبد الشعب" و"بعثة الضوء الإلهي".
ولكن ما هو تأثير هذا التفتت الاجتماعي والأخلاقي على الفكر والثقافة في عالم الغرب اليوم؟ وما هو دور العولمة، ممثلة في الشركات متعددة الجنسيات ووسائل الإعلام العالمية، في نشر هذا الانحطاط المذهل في تلك المجتمعات، والذي بات يسيطر على أوساطها الثقافية، تحديداً، وبشكل أكثر وضوحا؟ ثم أين تقع ثقافتنا العربية والإسلامية من هذا التوسع الثقافي الذي بات يهدد كافة الثقافات العالمية، ويشكل عنصر قلق حتى لأولئك القائمين على رموز الثقافة الغربية (الأوربية) نفسها؟
ما هي الثقافة؟
لعل تعريف الثقافة اليوم هو من أكثر الأمور تعقيداً، فكثيراً ما نجد الكتاب الذين يتعرضون لهذه المهمة ، وهم يقومون بجمع عشرات التعاريف المنشورة لهذا المصطلح، كما فعل عالما الانثروبولوجيا الأمريكيان "كلوكهون" و "كروبير" عندما قدما أكثر من 150 تعريفاً للثقافة، ليعترفا بعدها بأنهما لم يجدا في أي منها تعريفاً شاملاً وخالياً من النقص.
ولذا فقد انتقينا أحد التعاريف الشائعة، لاعتقادنا بأنه يشتمل على كافة المجالات التي يرتكز عليها بحثنا في هذه المقالة، وهو تعريف للدكتور محمد علي حوات، يصف فيه الثقافة بأنها منظومة متكاملة، تضم النتاج التراكمي لمجمل موجات الإبداع والابتكار التي تتناقلها أجيال الشعب الواحد، وتشمل بذلك كل مجالات الإبداع في الفنون والآداب والعقائد والاقتصاد والعلاقات الإنسانية، وترسم الهوية المادية والروحية للأمة لتحديد خصائصها وقيمها وصورتها الحضارية، وتطلعاتها المستقبلية ومكانتها بين بقية الأمم.[1][1]
وبهذا فإن الثقافة إرث تاريخي يحمل الطابع المميز لكل أمة، فهي غير قابلة للعولمة، إذ أن محاولة عولمة أي ثقافة تعني في الحقيقة السعي إلى بسط هيمنتها على الثقافات الأخرى، إما بطمسها أو تحييدها في عدد من المجالات، وهذا ما سيتضح لنا خلال متابعتنا للسطور القادمة.
العولمة وثقافة الشركات متعدية الجنسيات*:
لقد أصبحت الشركات متعدية الجنسيات اليوم جوهر النظام الرأسمالي الحديث، فهي اللاعب الرئيسي في صنع القرارات المتعلقة بنوعية الإنتاج وحجمه وكيفيته، وطرق توزيعه وقنوات نقله، وكل ما يتعلق بالإنتاج والتوزيع من حيث الزمان والمكان والتحركات والترابطات الأمامية والخلفية، بل إن هذه الشركات باتت هي المسؤولة عن تحديد حاجات المستهلك نفسه، فلم تعد في حاجة لتقصيها ثم العمل على إشباعها، خاصة وأن المستوى الحضاري الذي وصل إليه هذا المستهلك يضمن له إشباعاً كلياً أو شبه كلي لكافة حاجاته الأساسية والكمالية، وعليه فإن هذه الشركات باتت معنية اليوم بإقناعه بحاجته إلى منتجات جديدة قد لا يكون محتاجًا لها على الإطلاق، عبر وسائل الدعاية الرخيصة ، ثم تقديمها له بصورة استهلاكية غير نهائية، بمعنى أنها لا تصمم لإشباع الحاجات المطلوبة بشكل كامل، بل يتم ترك هامش واسع لخطط التطوير المستقبلية، والتي تكون في الكثير من الأحيان قد أعدت قبل سنوات عدة، وذلك لإحداث حاجات جديدة فيما بعد، تتم إثارتها، ثم الدعوة إليها من جديد، بوسائل إبهار جديدة، ومظاهر جذب وتسويق أكثر جدة.
إن هذا "النظام المتعدي للجنسيات" يستند في طبيعة وجوده وامتداد علاقاته على شبكة أخرى شديدة التعقيد، تبدأ من المؤسسات الدولية ذات الطابع الاقتصادي مثل منظمة التجارة العالمية، البنك وصندوق النقد الدوليين, ومنظمة التنمية والتعاون الدولية، مرورًا بمنظمات ثقافية دولية أخرى مثل اليونسكو، ووصولاً إلى المنظمات والأحلاف السياسية والعسكرية مثل حلف الأطلسي والاتحاد الأوربي.
كما تلعب الجامعات ومراكز البحث والتدريب أيضا دوراً لا يقل أهمية، بينما ترتبط كل من وكالات الأنباء الدولية وشركات الإعلان وشبكات التلفزة الأرضية والفضائية ومواقع شبكة الانترنت غالباً مع الشركات متعدية الجنسيات بصلات أكثر وضوحاً، إذ تحمل على عاتقها مهمة نشر السلوكيات والأفكار التي تضمن صهر أكبر عدد ممكن من ثقافات العالم في بوتقة الثقافة المعولمة، ذات الطابع الاستهلاكي الغربي الموحد.[2][2]
والخطر الأكبر في هذه السياسة لا يقتصر على نشر الثقافة الاستهلاكية التي تسعى لبسط نفوذ الشركات متعدية الجنسيات فحسب، بل تتم أيضاً محاولة عولمة السلوك المهني والوظيفي في العالم كله، وحتى توحيد المفاهيم العلمية، والسياسية، وكل ما يتعلق بالنشاط الإنساني، ثم اعتماد هذه المفاهيم الغربية المعولمة باعتبارها الحل العالمي الأفضل، والوحيد لكافة مشاكل البشرية.
فعلى سبيل المثال ، يرى فيرجوسون (1992) أن مفهوم العولمة لا يخرج كثيراً عن تعبير أديولوجية الرأسمالية ، و كذلك كل من بورديو وَ واكانت (1999) في اعتبارهما أن للعولمة مهمة تتمثل في إغراق أعراض الإمبريالية ضمن دعاوى العالمية الثقافية والحتمية الاقتصادية [3][3]، مما يوحي لشعوب العالم الثالث ـ على وجه الخصوص ـ بأن هذا التوسع الطاغي لأدوات العولمة يبدو وكأنه ذو طبيعة حديدية غير قابلة للكسر أو الالتواء، الأمر الذي يصفه الاقتصادي الدكتور جلال أمين، بأنه أشبه بالتعاليم الدينية المقدسة التي كان رجال الدين الأوربيون يقدمونها لشعوبهم, في القرون الوسطى، ثم يطالبونهم بالطاعة وهم عميان!
ومع تصاعد وتيرة الليبرالية والدعوة إلى الحرية، لم يعد من السهل إيقاف هذا الضخ المسعور للقيم والأفكار الغربية عبر قنواتها الإعلامية على جميع شعوب العالم، حتى بات من الصعب – إن لم يكن مستحيلاً- الوقوف في وجه هذا التيار الهائل، وإلا تعرضت شعوب العالم الثالث لحملة أكثر وحشية للانتقاد والقذف بكل صفات الانغلاق والتخلف والرجعية.
من جهة أخرى، نشرت مجلة "ريدرز دايجست" الشهيرة، في عددها الصادر في شهر أكتوبر لعام 1995 موضوعاً تحت عنوان (هوليود والأكاذيب الثلاث الكبرى)، أشارت من خلالها إلى السياسة الهوليودية في عرض الأفلام - أياً كان مضمونها ومستواها الثقافي والأخلاقي- عبر اعتمادها على مبررات ثلاث كبرى: أولها أن هذه الأفلام تهدف إلى التسلية فقط دون التأثير على أحد، والثانية أنها تعكس الحقيقة التي يمثلها المجتمع، وعليه فإن الناس هم الملامون على أي خطأ أو نقد يمكن أن يوجه إلى هذا الفيلم أو ذاك, وأما الثالثة، والتي تبدو أكثرها براءة وعفوية، فهي الادعاء بأن هوليود تعتمد على أذواق المشاهدين في انتقاء عروضها، وبالتالي فإنك عزيزي المشاهد- كما تضيف المجلة - لست مضطراً لمشاهدة الأفلام التي لا ترغب فيها، وبإمكانك أن تغير وجهتك نحو القناة التلفزيونية التي تحب بكبسة زر[4][4].. إنها حقاً قمة الديمقراطية!
لعلك أخي القارئ تتفق معنا عند هذه النقطة بضرورة التساؤل حول صحة اعتماد هذه المبررات - أو لنقل الأكاذيب- لفتح فضائنا الإعلامي والثقافي، وبكل هذه البساطة، لكل ما يرد إلينا من الخارج بقضه وقضيضه.
وحتى نصل إلى إجابة شافية فإننا، كما يبدو، سنظل نفاجأ كل يوم بكم هائل من البرامج والأفلام التي باتت تقدم على أنها لكافة أفراد الأسرة، في حين أنها في الحقيقة ليست كذلك على الإطلاق، فهي غالباً ما تحتوي بشكل أو بآخر على جرعة لا بأس بها من المشاهد العاطفية - إن لم نقل الإباحية- أو مشاهد العنف الدموية. بل إن برامج الأطفال بحد ذاتها باتت ملأى بهذا الغثاء الذي قلما ينتبه إليه أولياء الأمور.
وقد امتد هذا السرطان الخبيث بشكل سريع ومفاجئ ، خلال السنوات القليلة الماضية، إلى ألعاب الفيديو و المجلات المصورة ومواقع الإنترنت المتاحة للجميع وبأسهل الطرق حول العالم، حتى لم يعد الجنس والعنف - اللذان يقدمان وللأسف الشديد بأبشع الصور- شيئاً غريباً على الأطفال والمراهقين في الدول الغربية، كما لا يبدو، في المقابل، أن جيلنا الناشئ في مأمن من ذلك.
إن الاعتماد على أذواق المشاهدين في تبرير المواد التي تقدم إلى عامة الناس، ويرغمون على دخولها إلى عقر ديارهم، أتاحت لمحطات التلفزة الأمريكية أن تعرض في مطلع التسعينات 115 فيلماً بوليسياً، تشتمل على 406 من الجرائم الوحشية - كما أحصتها إحدى الدراسات- مما جعل الجرائم المقدمة على الشاشة تزيد بعشرين ضعفاً على الجرائم التي تحدث على أرض الواقع، فيما يؤكد البعض أن كلا الرقمين مؤهلين للازدياد.[5][5]
وهكذا بات الفن الذي كان ترجمانًا لعالم "المعنى"، مرآة لعالم "الصورة" -على حد تعبير د. غلام علي حداد عادل- وتحولت السينما التي سميت في بداياتها بالفن السابع، إلى مرآة للابتذال في أحط أنواعه، فيما قام المنتجون باستغلال الجنس الذي اكتشف بأنه السلعة الأكثر رواجاً، وكأن عدساتهم ليس باستطاعتها التعبير إلا بلغة الأجساد المأجورة، لتقوم محطات التلفزة فيما بعد بمهمة نقل ما كان حكراً على دور العرض إلى المنازل كل ليلة، وتصبح مراقبة الفرد لصلاحية ما يعرض عليه وعلى أفراد أسرته شبه مستحيلة.[6][6]
وعبر هذا التحالف القائم بين الشركات العالمية ووسائل الإعلام، ومع تحول هذه الأخيرة إلى شركات تجارية بحد ذاتها، تقوم أساساً على الربح المادي، والتوسع القاري لاقتسام الأسواق العالمية واحتكارها بأيدي القلة، فإنه من الطبيعي جداً، والحال هذه، أن تنحط الثقافة العالمية إلى أدنى المستويات، وأن يتم تصنيف أفراد هذا العالم ، الذي يسعى البعض لتحويله إلى قرية صغيرة، حسب "الماركات" التجارية التي تحمل مشترياتهم شعاراتها، أو حسب مصادر معلوماتهم التي تمطرهم بها مئات الصحف والأقنية الفضائية ومواقع الشبكة العنكبوتية.
ولكي نتبين مدى تأثير هذه الأدوات الإعلامية الطاغية على عقول الجمهور المتلقي، وتحديد أفكاره وتصرفاته اليومية، نذكر التجربة التي قام بها "فانس باكارد" عبر مراقبة الانطباع الذي يتركه عرض ومضات سريعة لعلب من المثلجات خلال مشاهد متفرقة لأحد الأفلام السينمائية، وبشكل هامشي دون أن يشعر المشاهدون بأنهم قد انتبهوا للأمر، وكانت النتيجة أن مبيعات دار السينما أثناء العرض قد ازدادت بشكل ملحوظ، مما دفع به للاستنتاج بأن "الدعاية الباطنية" تشكل أسلوباً فعالاً للإقناع الذي لا يشعر به المتلقي حتى يفكر في مقاومته. وبما أن هذه الدراسة قد وردت في كتابه"المقنعون المستورون" في عام 1957[7][7]، فإن هذا الأثر سيبدو مضاعفاً اليوم مع التقدم الهائل في وسائل الإبهار، والسيطرة على جانب اللاوعي لدى المتلقي. إذ يعتمد الكثير من منتجي الأفلام والبرامج الأمريكية على هذا المبدأ لترويج قيمهم الاستهلاكية، حيث تقدم رموز الحياة الأمريكية البسيطة اليوم كالجينز و التيشيرت وأسطوانات الروك والبوب المدمجة، إلى جانب كرة السلة وألعاب الفيديو الرقمية ، مع قليل من الهامبورغر و الكوكاكولا، وكأنها جزء لا يتجزأ من حياة الرفاهية الأمريكية ، والتي يسعى للحاق بها معظم شباب العالم، وخاصة في الدول النامية التي يشكل سكانها الأغلبية الساحقة من سكان المعمورة.
وللحفاظ على رسوخ هذه القيم واستمرارية تناسخها بين أجيال الشباب المتعاقبة، يتم منحها المزيد من المصداقية للتأكيد على أنها الخيار الأفضل لنمط المعيشة من بين كافة الخيارات الأخرى المتاحة، وذلك عبر التكرار المستمر لهذا الطرح عبر كافة وسائل الإعلام، مع ضرورة تقديمه ضمن أطر دائمة التجدد والتغيير لضمان الإبقاء على جاذبيتها، بعيداً عن الرتابة والتقليد.
لقد تم اقتباس هذه الأساليب من النظرية التي تفتّقت عنها العبقرية الهتلرية، والقائمة على صياغة فكر موحد للشعب الآري، عبر التكرار اللانهائي- في وسائل الإعلام- للفكر النازي ذو النزعة الشمولية، والقائم على إحياء غرائز إثبات الذات والرغبة في الانتقام من العدو، حتى تصبح القوى العقلية الفاعلة منهكة ومنهارة أمام تدفق تيار هائل من الدعاية المتماسكة، مما يؤدي في النهاية إلى تكوين قبول أولي لا شعوري، يستبعد مع الزمن أي نزعة داخلية للتشكيك.[8][8]
ويؤيد ذلك ظهور "نظرية الغرسCultivation Theory " في السبعينات من القرن الماضي، والتي يؤكد أصحابها أن وسائل الإعلام تقوم بغرس عالم وهمي في ذهن المتلقي، والذي يقوم بدوره بتقبل هذه الصورة على أنها تعبير حقيقي للواقع، لكونه غير واع بعملية صنع هذا الواقع، بل إن وعيه لا يتعدى الشعور بالتسلية، وذلك بقضاء الساعات الطويلة أمام شاشة التلفاز[9][9].
ولبيان تفاصيل ذلك النموذج الذي تقوم البرامج الترفيهية الأمريكية بغرسه في عقول الناس، قام الباحث البيروفي "جوركي تابيا" بدراسة شاملة لهذه البرامج، ليخرج بنتيجة مفصلة على الشكل التالي[10][10]:
- البيئة: مجتمع استهلاكي ترفي خال من التناقضات.
- القيم الأساسية: الفردية والأنانية والمنافسة العنيفة.
- معنى النجاح: التفوق المادي على الآخرين، والتلذذ بمباهج الحياة.
- المجتمع يميل عموماً إلى مكافأة أولئك الناجحين, ومعاقبة الخاسرين.
- يجب على الخاسرين الرضى بقدرهم، والتسليم بدلاً من التمرد أو محاولة التغيير.
و من خلال هذه النتائج، يمكن للقارئ الكريم أن يتلمس بسهولة سيطرة النظرة المادية البراجماتية على هذه المواد، والتي تقدم على أنها ليست إلا للترفيه والتسلية، في حين يؤكد الباحث الأمريكي "هربرت شيلر" على "أن البرامج الترفيهية هي في الواقع أشكال تربوية... وأشكال توعية أيديولوجية"، ويؤيده "ميلفين ديفلير" في قوله: "يمكن رؤية الاعتماد القوي لوسائل الإعلام على النظام الترفيهي بسهولة أكثر في تعديل القيم والقواعد السلوكية"[11][11].
يقول المفكر الأمريكي ناعوم تشومسكي: "إن الولايات المتحدة ممثلة في شركاتها الكبرى متعددة الجنسيات تسيطر على العالم وتسيره كيفما تشاء، وتخطط مستقبله وفقاً لأهوائها دون اعتراض يذكر".[12][12]
ويستغل الأمريكيون هذه القدرة الهائلة لوسائل الإعلام في خدمة مصالحهم، خصوصاً إذا علمنا أن الولايات المتحدة تمتلك اليوم 56% من بنوك المعلومات في العالم، بينما تعود نسبة 27% منها إلى دول الاتحاد الأوربي، و12% إلى اليابان، فيما تبقى نسبة 1% فقط لدول العالم النامي مجتمعة.[13][13]
ويتمثل هذا التأثير في وصف وزير الخارجية الأمريكي الأسبق "جورج شولتز" لتقنية البث المباشر "بأنها أنجع من أسلحة نووية عديدة لغزو الكتلة الشرقية، وإن شعوب أوربا الشرقية ثارت على الشيوعية لأنها تمكنت من التقاط برامج التلفزيون الغربي والأمريكي".[14][14]
* تتباين تسمية هذا النوع من الشركات بين كاتب وآخر، بين "متعددة الجنسيات" و"متعدية الجنسيات" إلى جانب عدد من التسميات الأخرى ، وسنعمل على ذكر التسمية التي توافق الاختيار الذي ذهب إليه كل كاتب نقتبس منه على حده.
2 ـ إبراهيم سعد الدين عبد الله، النظام الدولي الجديد وآليات التبعية: آليات التبعية في إطار الرأسمالية المتعدية للجنسيات، ضمن ندوة التنمية المستقلة في الوطن العربي بتاريخ 26-29/إبريل 1986 عمان، الأردن ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت, ص20 – 21
3 ـ جنز بارتلسون، ثلاثة مفاهيم للعولمة، ترجمة سعيد زهران، مجلة الثقافة العالمية، العدد 106، مايو 2001، ص32
4 ـ د. السيد هاشم ميرلوحي، أمريكا بلا قناع، ترجمة علاء الرضائي، مركز الغدير للدراسات الإسلامية، بيروت، ط1، 2003، ص128
6 ـ غلام علي حداد عادل ، ثقافة العري أو عري الثقافة ، ترجمة عبد الرحمن العلوي، دار الهادي، بيروت، ط1، 2001، ص40- 41
8 ـ المرجع السابق، ص134- 135 ، ويذكر أن هذه الطريقة لا تختلف كثيراً عن عمليات غسل الدماغ التي كانت تتم في المعتقلات السوفييتية الرهيبةـ بهدف قلب قناعات المعارضين وتحويلهم إلى قطعان من "المواطنين الشرفاء".
9 ـ أديب خضور، سوسيولوجيا الترفيه في التلفزيون، مجلة عالم الفكر، المجلد 28، العدد 2، أكتوبر- ديسمبر 1999، ص273
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالرحمن مصطفى
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 8
من بين العديد من الأراضي التي زحف عليها الاسكندر الأكبر، كانت بقعة وحيدة على أرض مصر هي التي اختارها كي تكون مدينته الخالدة، فكانت الإسكندرية.. وهيئ الله لتلك المدينة أن تولد كعاصمة لدولة البطالمة.. ورثة الاسكندر، وأن تأخذ من الامتيازات ما يوفر لها استقلالها الإداري والقضائي الذي انعكس فيما بعد على شخصية المجتمع السكندري نفسه، فأصبح لديه شعور خاص بالتميز على بقية المدن المصرية، وزاد من هذا الإحساس ذلك التنوع الثقافي والسكاني الذي شهدته تلك المدينة التجارية التي تحولت في وقت قصير إلى واحدة من أهم مدن العالم القديم.
كانت طبيعة المواطن السكندري.. منفتحاً متقبلاً لثقافات الآخرين، يجمع ما بين أخلاقيات البحار والتاجر سوياً فكان متعاوناً مع الغرباء حريصاً على مصالح الآخرين، غير أن بعض الفترات قد تبدل فيها الحال، فوجدنا صراعات بين الأديان أو الثقافات نتيجة تدخلات من الحكام أو كنتيجة لتأثيرات دولية، أو حتى بسبب جماعات المصالح المستفيدة من مثل تلك الأجواء.
كان من أسباب الفتن السكندرية تدخلات الحكام ضد أو مع إحدى فئات المجتمع، وهو ما عبَّر - وقتها - عن ضعف سياسات الدولة وعدم قدرتها على الإدارة السليمة، وهو ما حدث في النصف الثاني من عهد حكم البطالمة عندما وجدنا - على سبيل المثال - محاولات من ملوك البطالمة لإكراه اليهود على اعتناق ديانة البطالمة، في الوقت الذي جاء فيه هذا الأمر بعد هجرات يهودية إلى الإسكندرية، فما كان من إغريق المدينة إلا وأن بدأوا هم أيضاً في حملاتهم الدعائية ضد اليهود وضد معتقداتهم، وتراشق الفريقان بالخطب والرسائل... ونجد نفس السياسات (الحكومية) الخاطئة تتكرر من قِبَـل بعض الحكام المسلمين عندما شهدت العصور الإسلامية في مصر تأرجحاً في التعامل مع غير المسلمين ما بين التضييق عليهم أو محاباتهم بصورة فجة، فأحياناً ما كنا نجد مسئولاً في الدولة من غير المسلمين وقد اشترك في مخالفات في حق المواطنين، فتكون الفرصة الوحيدة للمواطنين كي ينالوا منه ومن أبناء ديانته عندما تتغير سياسة الحكومة ضد غير المسلمين و تبدأ في التضييق عليهم، و قد شهدت الإسكندرية فتنة من هذا النوع وقت حكم المماليك في عهد الناصر محمد بن قلاوون وخلفائه، عندما اضطربت المدينة وأُحرقت دور العبادة وجرت العديد من الصدامات، فكان هذا التضييق على غير المسلمين من قِبَـل الحكومة فرصة وإشارة لفئات الشعب المقهور كي ينال من عزيز قد ذل، وموظف للدولة – من أهل الذمة- يعيش فترة ضعف وانتكاسة لغضب الحكومة عليه..!
وكان من ضمن أسباب الفتن السكندرية تدخلات خارجية وتبدل في السياسات الدولية... فعلى سبيل المثال، عندما أعلن الإمبراطور جوليان المرتد (361-363 مـ) كفره بالمسيحية، وتشجيعه للفلسفة والممارسات الوثنية، كانت بداية الصراع الديني في المدينة، وعندما أعلن الإمبراطور ثيودوسيوس الأول (379- 395 مـ) المسيحية ديناً رسمياً للإمبراطورية كانت تلك فرصة لرجال المسيحية أن يهدموا معبد السرابيوم معقل الفكر الوثني والفلسفي، في محاولة منهم لإحكام سيطرة المسيحية - وحدها - على المدينة.
وما الأسباب الخارجية إلا غطاء لأسباب داخلية.. كظهور إحدى القوى الداخلية التي تستغل الدين في السيطرة على الجماهير وتكوين كيان خاص بها... فعلى سبيل المثال قد تم التنكيل ببعض الفلاسفة ممن لم يدينوا بالمسيحية في مدينة الإسكندرية على يد رجال الدين المسيحي من أجل قهر الوجود الفكري غير المسيحي بالمدينة، ولعل أشهر تلك الحوادث ما جرى للفيلسوفة "هيباشيا" عام 415 مـ التي تم الاعتداء عليها والتمثيل بها تحت أعين بعض رجال الكنيسة تنكيلاً بالفلسفة وأهلها، وإرهاباً لهم كي يتركوا المدينة، وتقوية للكنيسة ورجالها في المجتمع السكندري والمصري، وتعبيراً عن أن هناك من ينافس الحكومات الداخلية (= الولاة الرومان) في المجتمع .
قد تكون هناك أسباب خارجية تقوي البعض في الداخل كي يجرب الثورة، كتلك الحادثة التي جرت عام 608 هـ عندما فكّر مجموعة من الحمقى قدروا بثلاثة آلاف من التجار الفرنج استغلال المد الصليبي نحو المشرق كي يستولوا على الإسكندرية، وفشلوا فشلاً ذريعاً.. وهناك العديد من الحوادث التي انصاعت فيها بعض القوى الداخلية لقوى خارجية.. غير أن الفتن الحقيقية هي تلك التي تتكون داخلياً بين سكان المدينة الواحدة، دون قوات خارجية تساندها.
مؤخراً... وقعت آخر الفتن السكندرية عندما تجمهر المسلمون حول إحدى كنائس المدينة، وسادت هناك أجواء من التعصب أفضت إلى إصابات وخسائر مادية، وانتشرت روح البغضاء بين أبناء الطائفتين على إثر انتشار تسجيل لإحدى المسرحيات اعتبرها الكثيرون مسيئة للإسلام، والتي تم تصويرها داخل تلك الكنيسة، فعادت أجواء الفتن السكندرية إلى الظهور مرة أخرى .
وهنا.. نجد أن أغلب أسباب الفتن السكندرية مازالت تتكرر، فالأجواء الدولية لها تأثيرها في جعل بعض المسلمين في حالة تحفز تجاه كل حديث عن الإسلام، ولكن.. تظل الأسباب الداخلية هي الأقوى دائما في إحداث الفتن.. فعلى ما يبدو أن هناك أيضاً من يسعى لفرض نفوذه باسم الدين من داخل الكنيسة ومن بين المسلمين.. فيستغل الناس ويستخدمهم في مثل تلك الأحداث، مثلما كان الأمر قديماً، أما عن تدخلات أو سياسات حكومية داخلية نستطيع أن نقدمها كسبب وراء هذا الحدث، فلا نستطيع أن نجدها أثراً حكومياً واضحاً وراء تلك الفتنة السكندرية الأخيرة، غير أننا نلاحظ أن هناك اعتقاداً لدى بعض المسلمين أن الحكومة تعرقل سير أي قضية يكون أحد طرفيها من المسيحيين خصوصاً في المسائل ذات الطابع الديني أو السياسي، ويكون ذلك لصالح الجانب المسيحي درءا للمشاكل.. لا نعلم أصل هذا الاعتقاد... غير أن كل تلك الأمور تجعلنا نرى أن أسباب الفتن السكندرية طوال تلك القرون كانت متقاربة، فعلى المصريين - على الصعيدين الشعبي والحكومي - الانتباه لمثل تلك الأسباب.
نتمنى للمجتمع السكندري أن يعود إلى نشأته الأولى حراً طليقاً، قادراًعلى استيعاب الكل.. بكل ما فيه من اختلافات، فكل ما نخشاه أن تكون الهجرات الداخلية إلى الإسكندرية قد أفقدتها روحها الأصيلة، وطمست شخصيتها، فأصبحت اليوم في حاجة إلى بعث من جديد، لكن.. تبقى تلك المهمة الآن هي مهمة السكندريين وحدهم فقط.