بحوث و دراسات
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. إدريس مقبول
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 9
اللسانيات الإشراقية عند ابن عربي
الفعل الإنشائي نموذجا
د.إدريس مقبول(*)
القول الإشاري وانفلات المعنى:
في القول الإشاري ضروب من المعرفة التي تستغلق على من يحاول معالجتها بأدوات محدودة وفهم مغلق، لأن القول الإشاري فيما نرى وإن كان لا ينفك عن أصل عباري يظهره، ويوجده للعيان ويبرزه(1)، إلا أنه لا يملك يكشف مضمونه القضوي الباطني الذي هو محل تكثيف شديد مقصود من قبل أرباب المعارف الذين ظلوا طوال مسيرة مجاهداتهم يصرون على ترميزه في لعبة لا تتاح معرفة أسرارها إلا لمن دخل مجاهيل دروبهم وطرقهم العرفانية، وأصر على المضي إلى آخر الطريق في تقصي الحقائق.
ولا يستقيم للباحث في لسانيات الإشراق نظر إلا بفقه مبادئ هذا الضرب من القول الإشاري، والتي أجملها الدكتور الفيلسوف طه عبد الرحمن في ثلاثة:
- مبدأ المجاز: وهو مبدأ لغوي يوجب أن تكون الألفاظ التي تدخل في تركيب الإشارة مستعملة في غير ما وضعت له في الأصل من المعاني.
- مبدأ الاشتباه:ويوجب هذا المبدأ الثاني أن لا تختلف معاني الإشارة باختلاف سياقات استعمالها فحسب، بل أن تحتمل التردد بين معان متقابلة في السياق الاستعمالي الواحد، ولا يتعين واحد منها إلا بواسطة غير إشارية.
- مبدأ الإضمار: ويقضي هذا المبدأ أن تختصر الإشارة من الألفاظ والتراكيب ما تتوفر عليه أدلة من سياق الكلام أو من مقامه، مع جواز وجود الخفاء في ما أبقي عليه وحوفظ من الألفاظ والتراكيب.
وإذا تقرر هذا ، فاعلم أن كتاب الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي المعروف بالفتوحات المكية مَجَرةَ معارف كونية لكثافة القول الإشاري فيه،حتى ليبدو للغائص فيه وكأنه لا قعر له ، وقد رأينا أن كثيرين ممن عُرفوا من المتخصصين فيه صاروا إلى التسليم في كثير من تحليلاتهم بانغلاق المعنى، وانفلاته من بين أصابع مناهجهم التي رأوا أنهم أحكموا بها السيطرة على نص الفتوحات. ونحن كما كنا نعتقد -وما نزال - أنه من النصوص التي لا تنتهي بقول واحد ووحيد، وهو يأبى أن يقال بصيغة واحدة، فهو نص مثمر لقراءات عديدة، وقابل لمقاربات مختلفة لا تصمد كلها إلا بإرادته. وكأن لنص الفتوحات سلطة خفية يقبل بها أو يرفض ما يقال عنه أو فيه، وشاهده في ذلك التاريخ.
وحتى نبين لك غرضنا من هذه القراءة الجزئية، التي حاولنا فيها تضييق مجال النظر في موضوع لساني ذي بعد تداولي عرفاني، ننطلق للقول بأن قضية الخلق الأول هي قضية لغوية، وأن أساس هذه القضية اللغوية هو بحث في الدلالة التي تقبع في طبقات إشارية من القول الإيجادي، لا تستطيع أن تظفر منها إلا على أطياف من المعنى أو بقايا من الظلال.
التواصل بين اللاهوت والناسوت:
ضروب التواصل بين اللاهوت والناسوت نوعان: جمالي وجلالي، وقد أطلقنا هذه الأوصاف بالنظر إلى الوجود الكامل أو المتكلم الأول(الله)، ولا اعتبار في التسمية بالمخاطب به لنقصه وقصوره، وإن كان لاختلاف المتخاطبين دور أساس في شحذ التواصل ونمائه(2).
وعند ابن عربي هذا التواصل إما حديث أو محادثة أو خطاب بحسب الجواب من عدمه وبحسب نوع الإجابة من المخاطَب، عندية أو لدنية "فإن أجابوه به فهو حديث، وإن أجابوه بهم فهي محادثة، وإن سمعوا حديثه به فليس بحديث في حقهم، وإنما هو خطاب أو كلام"(3).
أما التواصل الجمالي: وهو من الجمال الإلهي الذي تسمى الله به جميلا، ووصف نفسه سبحانه بلسان رسوله أنه يحب الجمال في جميع الأشياء، فإن الله ما خلق العالم إلا على صورته، وهو جميل، فالعالم بالتبع أيضا جميل، ومن أحب الجمال أحب الجميل، وهذا النمط من التواصل قائم عند ابن عربي "على الرجاء والبسط واللطف والرحمة والحنان والرأفة والجود والإحسان والنِقَم التي في طيها نِعَم"(4). وهي كلها معان مقامية وسياقات تداولية إيجابية بنائية، حيث المحب لا يعذب محبوبه إلا على إيصال الراحة أو على التأديب لأمر وقع منه على طريق الجهالة، كما يؤدب الرجل ولده مع حبه فيه، ومع هذا يضربه وينتهره لأمور تقع منه مع استصحاب الحب له في نفسه.
وهذا النوع من التواصل في عالم الناس أكثره مبني على التعاون والتعارف والتآنس والتآلف، يجري على الاستفهام والفهم،والتوجيه باللين والامتثال بالمعروف، والتعليم والتعلم.
أما التواصل الجلالي: وهو من الجلال بمعنى العزة والعلو، ولهذا لا يقع به التجلي في الأغلب لضعف الوجود الناقص عن تلقيه، وهو جماع مظاهر القهر الإلهي في العالم، ولهذا امتنع وصفه،"فمن وصفه إنما وصف نفسه، ولا يعرف منه إلا نفسه، لأن رب العزة لا يعينه وصف ولا يقيده نعت، ولا يدل على حقيقته اسم خاص"(5) يقول فيه ابن عربي:
إِن الجَلِيلَ هوَ الذِي لاَ يُعْرَفُ****وَهُوَ الذِي فِي كُل حَال يُوصَفُ
فَهُوَ الذِي يَبْدُو فَيُظْهِرُ نَفْسَهُ**** فِي خَلْقِهِ وَهُوَ الذِي لاَ يُعْرَفُ
ويبين ابن عربي أن السر في هذا النوع من التواصل اختصاصه بما يلقيه في القلوب من هيبة وتعظيم (6). ونظرا لشدته تنفرد "به الملائكة بطريق الهيبة والعظمة والخوف والخشوع والخضوع"(7)
وهذا النوع من التواصل في عالم الناس أكثره مبني على الأخذ بالقوة، وعلى العزائم في اتخاذ الأمور وسلوك الاستقامة طريقا ومنهجا واعتقادا. كما أن مبناه على الحزم في التقدير التخاطبي لدرء آفات الالتباس والزيغ والتضليل.
الإنشاء خلق وإبداع:
اللغة في لسانيات ابن العربي سر الوجود، والأصل الإنشائي السابق لكل موجود في أنطولوجيا الخلق، يقول" فأول كلام شق أسماع الممكنات كلمة(كن)" [سورة النحل،الآية40]،التي ابتدأ بها الله(أي الوجود الكامل) العالم (أي الوجود الناقص). وإذا تأملنا وجدنا النظر الكلامي الذي تتأسس عليه لسانيات الإشراق عند الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي يذهب إلى أن الفعل اللغوي الإنشائي كان الأول ، وهو السابق على غيره ، وهو فعل اجتراح وإبداع للكائنات الممكنة من صورتها العدمية إلى صورتها الوجودية، فالكلام"صفة نفسية رحمانية مشتقة من الكلم وهو الجرح، فلهذا قلنا مؤثرة كما أثر الكلم في جسم المجروح"(8).
إن الكلامَ عباراتٌ وألفاظٌ****وقدْ تنوبُ إشاراتٌ وإيماءُ
لولاَ الكلامُ لَكُنا اليومَ في عدمٍ****ولم تكنْ ثَم أحكامٌ وأنباءُ
وإنهُ نَفَسُ الرحمنِ عَينَهُ****عقلٌ صريحٌ وفي التشريعِ أنباءُ
فيهِ بدتْ صورُ الأشخاصِ بارزةً****معنىً وحِسًا وذَا البَدْوُ إنشاءُ
فَانْظُرْ تَرَ الحكمةَ الغراءَ قائمةً****فيهَا لِعَينِ اللبيبِ القلبِ أشياءُ
ولولا الوسيط اللغوي لما كان هناك خلق(كون)، إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط، والأولية كما نفهمها عند ابن عربي أولية في الوجود وتقدم في الزمان، فالأمر على شريط التوالي الزمني متقدم على الفعل .
إن الفعل الإنشائي الأول جاء في صيغة طلبيةImperative mode، فخرج العالم للوجود مع انتهائه، إذ فعل الأمر بالكينونة هو عين خلق الله وتكوينه، أي أنه حين قال عز في علاه(كن) فإنه كَوَنَهُ بالفعل، أو شرع في تكوينه وانتهى منه بتزامن مع انتهاء ملفوظه(كن). فهناك مطابقة نوعية بين الكلام والعالم لا من جهة الصدق والكذب لأنه ليس خبرا، بل من جهة أن الكلام هو عين الخلق والفعل(9) لأنه إنشاء أو فعل إنشائي أدائي Performatife.
إن التمييز هنا راجع إلى تمييز التداولييين خاصة أوستين(10) بين النوعين، يعني بين الأفعالdoings والأقوالsayings(11). والخلق والإنشاء حين يتحول القول إلى فعل"فما ظهر العالم إلا عن صفة الكلام"(12).
اعلم أن الفعل الإنشائي (كن) بحسب المتكلم به عند ابن عربي على ثلاثة أقسام: إلهي ورباني ورحماني. وهذا التقييد بالمتكلم من هذه الجهة لما يثمره فعله بالأمر من استجابة أو عدمها في علاقته بالمخاطَب به. فقد يأمر المتكلم (زيدا) فيقول له:قم. فهذا المخاطب إن قام لأمره واستجاب لطلب المتكلم، فقد أنشأ المتكلم(الآمر) حينئذ صورة القيام في زيد عن نشأة لفظة(قم)، فهو إلهي في هذه الحالة، لأن إنشاء الأعيان إنما هو لله وهذا عام في جميع الخلق.
فإن لم يثمر أمر المتكلم استجابة، فلم يسمع منه ولا أثرت في المخاطب نشأة أمر المتكلم (الآمر) فهو إما رباني أو رحماني، ويرجع ابن عربي علة التخلف في هذه الصورة التواصلية إلى قصور الهمة(13)، وهو مفهوم نراه مقابلا لما سماه بول كرايس P. Grice(14)بتخلف أو سقوط مبدأ التعاون في التواصل Co-operative principle (15) الذي يقتضي أن المتكلمين والمخاطبين (المتخاطبون Interlocuteurs) متعاونون فيما بينهم حتى يحصل بناء الانسجام التخاطبي، ويعطينا ابن عربي مثالا على هذا التخلف في مبدأ التعاون من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم(الإنسان الكامل)، فقد اجتهد بالدعوة، لكن ليس كل من توجه إليهم بالنصح انتصحوا ولا كل من خاطبهم بالتوحيد أسلموا، ولهذا قال تعالى(إنك لا تهدي من أحببت) [سورة القصص،الآية56]" أي إنك لا تقدر على من تريد أن تجعله محلا لظهور ما تريد إنشاءه فيه أن يكون محلا لوجود إنشائك فيه، فليس كل متكلم في الدنيا بإلهي مطلقا، لكن له الإطلاق فيما يريد أن ينشئه في نفسه لا في غيره، فاعلم سر هذان واعلم هل أنت متكلم أو لافظ"(16).
والتمييز هنا بين المتكلم واللافظ تمييز تداولي عرفاني دقيق، ترجع فيه السمة الفارقة إلى صاحب الإرادة الفاعلة التي ينبني عليها عامل الاقتدار الأصلي أو التبعي(17) بالإضافة إلى القوة التغييرية.
وإذا تأملنا نص الفتوحات وجدنا ابن عربي يشبه أمر الكلام وتولد المعنى الناشئ من تفاعل المتكلم والمخاطب بعملية الاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة، وعنده أن كل مؤثر أب وكل مؤثر فيه أم ،والمتولد بينهما من ذلك الأثر يسمى ابنا ومولدا، وهو ميزان ينظر من خلاله المنطق وسائر العلوم الروحانية، يقول:"فالمتكلم أب والسامع أم والتكلم نكاح، والموجود من ذلك في فهم السامع ابن...ومن هنا يفهم قول المتكلم لمن يريد قيامه(قم) فيقوم المراد بالقيام عن أثر لفظة (قم)، فإن لم يقم السامع وهو أم بلا شك فهو عقيم، وإذا كان عقيما فليس بأم في تلك الحالة"(18) وهذا ما يمكن أن نسميه بالعقم التواصلي ، وهو مرتبة من مراتب انقطاع التواصلIncommunicabilité.
والاستناد في الأمر إلى الفعل يعود إلى " كون الفعل حدثا منفتحا على المتكلم والمخاطب، وذلك بما يشتمل عليه من مقولات العاملية والحدثية والحادثية والفاعلية"(19).
والإنشاء هنا إيجاد وإيقاع لما لم يكن له وجود، بغض النظر عن الأثر الحاصل في الخارج من ذلك المعنى أي الامتثال أو الإعراض والصد والعصيان(20).
وابن عربي يميز في الشرع الظاهر بين نسب ثلاث لوجود التكوين المعبر عنها بـ(فيكون):
الأولى نسبة قولية، عند قوله تعالى(إنما قولنا) فهذا الضمير الذي هو النون راجع إلى عين وجود ذاته تعالى وكناية عنه. وهو الإطار السابق من القول الأزلي الأول الذي كان به عز وجل متكلما آمرا.
الثانية نسبة إرادية، عند قوله تعالى(إذا أردناه). وهي سابقة على القول ومنشئة للفعل. والإرادة والمشيئة واحدة، إذ هي القوة التي هي مبدأ النزوع والاختيار من غير موجب ملزم أو داع.والإرادة هنا بمعنى سلبي أي أنه تعالى غير مغلوب ولا مستكره، وبمعنى ثبوتي بمعنى العلم(21).
والثالثة نسبة تكوينية، عند قوله تعالى(أن نقول له كن)، والاقتدار الإلهي على التكوين لم يقم إلا من اعتبار هذه الأمور الثلاثة. والأمر كما هو معروف في المساطر النحوية لا يكون ولا يقع إلا بالفعل، لأنه عمل يقوم على تزجية المخاطَب إلى أمر لإنفاذه وأدائه في الكون الخارجي(22)، والتزجية دفع الشيء ، وهو هنا دفع وإخراج من الكون العدمي إلى الكون الوجودي.
والإرادة وإن تأخرت في البناء التركيبي اللغوي فهي سابقة على القول لما أفادته العبارة الشرطية التي تقتضي أحقية التقدم النفسي والوجودي، وهكذا تكون:
مدارج التكوين بين اللغة والوجود:
إذا استقر في نفسك أن الإنشاء الإيقاعي الذي به أوجد الباري سبحانه وتعالى الكون إنما هو جملة لفظ (كن) سبقته الإرادة التكوينية التي ليس بينها وبين إيجاد الفعل مسافة زمنية مقيسة ومعقولة ، اتضح لك فيما بعد أن إطار التكوين له مدارج يمكن أن نقسمها إلى قسمين على ما سيتضح لك فيما بعد ، وكلها راجعة لأنماط التواصل الجلالي أو الجمالي السابقة الذكر.
المرتبة الأولى: ونسميها التكوين الفوري، وهو تكوين يأتي دفعة واحدة ليس بينه وبين إنشائه الخطابي مسافة.وهو دليل الخلق المطلق الذي اختص به الباري.
المرتبة الثانية: ونسميها التكوين التدرجي، وهو تكوين يأتي على سنن التدرج في الإيجاد بين الفعل الإنشائي والإيجاد ذاته. وهو دليل الحكمة المطلقة فيما تقتضيه الأبنية بحسب الجهد وهو مبدأ تعليمي تأديبي بيداغوجي.
وابتداء الجسوم الإنسانية عند ابن عربي على أربعة أنواع تختلف نشأتها في السببية مع الاجتماع في الصورة الجسمانية والروحانية، فهناك:
- جسم آدم: خلقه من تراب (إني خالق بشرا من طين) (سورة ص، الآية71)، وزوده بالقوة الجاذبة والدافعة والهاضمة والقوة الخيالية والوهمية والحافظة، "وهذا كله في الإنسان بما هو حيوان لا بما هو إنسان فقط، غير أن هذه القوى الأربعة قوة الخيال والوهم والحفظ والذكر هي في الإنسان أقوى منها في الحيوان، ثم خص آدم الذي هو الإنسان بالقوة المصورة والمفكرة والعاقلة فتميز عن الحيوان، وجعل هذه القوى كلها في هذا الجسم آلات للنفس الناطقة لتصل بذلك إلى جميع منافعها المحسوسة والمعنوية(23)
- جسم حواء: وأصلها كما هو معروف ضلع آدم، وقد سبق في علم الله إيجاد التوالد والتناسل في هذه الدار لأجل بقاء النوع، وقد كانت من الضلع للانحناء الذي في الضلع لتحنو بذلك على ولدها وزوجها، فحنو الرجل على المرأة حنوه على نفسه لأنها جزء منه، وحنو المرأة على الرجل لكونها خلقت من الضلع ، والضلع فيه انحناء وانعطاف، كما أن مجيئها لتقوية ركن التواصل في الحياة وإغنائه(24)
- جسم عيسى:يقول تعالى(إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب) (آل عمران، الآية59). فالضمير يعود على آدم ، وقد وقع الشبه في خلقه من غير أب أي أن صفة نشئه كصفة نشء آدم إلا أن آدم خلقه من تراب ثم قال له كن، ثم إن عيسى على ما قيل لم يلبث في بطن مريم كما يلبث سائر الأولاد، لأنه أسرع إليه التكوين من حيث جعله الله آية وحجة في التواصل والاستدلال على قدرته سبحانه، وفيه رد على الطبيعيين الذين يحكمون على الطبيعة بما أعطتهم من العادة لا بما تقتضيه مما أودع الله فيها من الأسرار (25).
- أجسام بني آدم: وهي دليل الاستمرار والحكمة والاستخلاف، وقد جاءت من التناسل الطبيعي بين آدم وحواء وأبنائهما على ما تقتضيه سنن الالتقاء والتعارف(يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى و جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) (الحجرات،13).
والإنشاء الأول عند ابن عربي كان على الفطرة ، يقول الشيخ الأكبر شارحا هذا المعنى "والفطر الفتق، ومنه كل مولود يولد على الفطرة، وأول ما فتق الله أسماع المكونات في حال إيجادها وهي حالة تعلق القدرة بين العدم والوجود بقوله(كن) فتكونوا بأنفسهم عند هذا الخطاب امتثالا لأمر الله ، وتلك كلمة الحضرة، وأول ما فتق أسماعهم به وهم في الوجود الأول قوله(ألست بربكم قالوا بلى)(الأعراف،172) فهذا خصوص بالبشر والتكوين عموم، وأول ما فتق به ألسنتهم بقولهم:بلى."(26)
وهو تصور يؤسس للتواصل الإلهامي الذي يستمر إشعاعه في ذات العبد وفي عبادته، يقول ابن عربي في معرفة أسرار الصلاة وعمومها: "يقول العارف: سجد وجهي أي حقيقتي، فإن وجه الشيء حقيقته للذي خلقه أي قدره من اسمه المدبر، وأوجده من اسمه القادر البارئ المصور" وشق سمعه بما أسمعه في(كن) (البقرة، 117) وأخذ الميثاق ثم التكليف، وبصره بما أدركه ليعتبر في المبصرات فإن ذلك في حق هذه النشأة وأمثالها كما فطر السماوات والأرض وفتقهما بعد رتقهما ليتميزا، فيظهر المؤثر والمؤثر فيه لوجود التكوين"(27) .
وبهذا تتحقق حقيقة الصلاة باعتبارها عند ابن عربي قمة التواصل بين الخالق والمخلوق، وهي أقرب أنواعه على الإطلاق حيث أقرب ما يكون العبد إلى مولاه وهو ساجد(اسجد واقترب) (العلق،19)، وفيها أقصى مظاهر التجلي الروحاني . يقول الحاتمي" ثم إنه ليس في العبادات ما يلحق العبد بمقامات المقربين، وهو أعلى مقام أولياء الله تعالى من ملك ورسول ونبي وولي ومؤمن إلا الصلاة"(28).
وعند ابن عربي يرقى العبد حتى يتحقق له السجود الكامل وهو سجود القلب ، " فمن سجد اقترب من الله ضرورة"(29)
لاَ تُطِعِ النفْسَ الِتي مِنْ شَأْنِهَا****سَدْلُ الحِجَابِ عَليْكَ وَاسجُدْ واقْتَرِبْ
لاَ تَطْمَعَن بِهَا فَلَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا****وَاجْنَحْ إلى النورِ المُهَيْمِنِ وَاغْتَرِبْ
فَهُوَ الذِي أعْطَى الوُجودَ بِجُودِهِ****فَاعْمَلْ بِمَا يُعْطِي وُجُودُكَ تَقْتَرِبْ
ومسألة الاقتراب هذه في التواصل بين الله وعبده الساجد تفسيرها فيما يؤثره السجود من حميمية الاتصال بين المتخاطبين(30) لقرب المسافة Proximity المتوهمة بينهما، وما يحمله المتقرب(الإنسان) من مشاعر الحب والفناء إلى المتقرب منه(الله)، وظلال هذه القضية عرفية تداولية كرستها تقاليد العرب في تعارفهم ومراسيم استقبالهم واحتفالهم ومخاطباتهم.
ومن هذا يظهر أن إقام الصلاة هو إقام لضرب من التواصل الذي يحتاج منا إلى توقف طويل ليس هذا محل بسطه، باعتبار الصلاة سلوكا، وكل سلوك كما يذهب فاتسلافيك وأصحابه رسالة وتواصل(31).
وإذا استقر عندك هذا ، قلنا : إذا كان التواصل كما عند هابرماس يحيل على رهان أساسي وعميق، يتمثل في تشييد مجتمع ينبني على قبول الآخر(32) فإن الصلاة تتجاوز هذا الرهان في اتجاه أنطلوجي أكبر ينبني على القبول/الإيمان بالله صاحب هذا الوجود، في حين يبدو رفض الصلاة أو إنكارها هدما لهذا الضرب من التواصل الجوهري.
السرعة ودليل ما ثم إلا الله:
في القول الإنشائي الأول (الأمر بالوجود)، يشبه الحق سبحانه سرعة التنفيذ بلمح البصر لبيان أنه ما من شيء إلا وقبله الله في مرحلة تمهيدية ثُم ما ثَم إلا الله في مرحلة نهائية، يقول :(وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر)(القمر،50) إذ البصر لا شيء أسرع منه، وأبعد الأشياء في الحس الكواكب الثابتة التي في فلك المنازل، وعندما تنظر إليها يتعلق اللمح بها، فهذه سرعة الحس، فما ظنك بالمعاني المجردة عن التقييد في سرعة نفوذها، فإن للسرعة حكما في الأشياء لا يكون لغير السرعة، ومن هنا يعرف قول الحق للشيء(كن فيكون)،فحال (كن) الإلهية حال المكون المخلوق ، ولهذا أسرع ما يكون من الحروف في ذلك فاء التعقيب، فلهذا جاء بها في جواب الأمر،وينبه ابن عربي أنك إن أردت أن تعرف صورة نشء العالم وظهوره وسرعة نفوذ الأمر الإلهي فيه، وما أدركت الأبصار والبصائر منه، فانظر إلى ما يحدث في الهواء من سرعة الحركة بجمرة النار في يد المحرك لها إذا أدارها(33)، فتحدث في عين الرائي دائرة أو خطا مستطيلا إن أخذ بالحركة طولا أو أي شكل شاء، ولا تشك أنك أبصرت دائرة نار، ولا تشك أن ما ثم دائرة، وإنما أنشأ ذلك في نظرك سرعة الحركة وهو قوله(وما أمرنا) وهو قوله(كن) إلا واحدة كالجمرة كلمح بالبصر إدراك الدائرة وما هي دائرة، فذلك عين الصورة المخلوقة الظاهرة لإدراك العين، فتحكم من حيث نظرك ببصرك وبصيرتك وفكرك أنه خلق، وبعلمك وكشفك أنه حق مخلوق به ما ظهر لعينك مما ليس هو ، فهذا عدم في عين وجود(34). وعند إيميل بنفينست Emile Benveniste عملية التلفظ المختزلة والسريعة ضرورية لكي يكون للنص صفة الإنجاز(35)
كيف صار (أمره) كلمح البصر؟
يجيب ابن عربي في موضع آخر بأن "الضمير في أمره يعود على الوقوف، فاعلم أن الكيفيات لا تنقال ، ولكن تقال بضرب من التشبيه، فإن (واحدة) أي كلمة واحدة مثل لمح البصر، "(36) وينبه ابن عربي على أن هذا للإفهام والتوصيل، أي أنه من مقتضيات التخاطب التبسيطية المنافية للروح التركيبية التعقيدية التي تجلب الالتباس، وربما كانت السرعة في القلة أقل من هذا المقدار، بل مقداره الزمان الفرد المتوهم الذي هو يوم الشأن، وكذلك الروح الأمري في العقول وفي الأجسام الطبيعية، فمثل هذا لا يستبعده إلا من لا علم له بالأمور والحقائق(37).
وأنت إذا تأملت وجدت هذا التمثيل يقصد إلى تنبيه العقل إلى أنه ما ثم إلا الله، لأنه لا ثبات إلا له ولا بقاء إلا له ولا خلود إلا له، ومن كانت هذه أوصافه فهو سبحانه الحقيق بالعبودية والمحبة والفناء في ذاته، لأن ما سواه أشباح وأطياف وظلال لا قيام لها إلا به..
*-باحث في اللسانيات والفلسفة من المغرب
1 - يقول ابن عربي في الفتوحات"فإن العبارة تجوز منها إلى المعنى المقصود بها ولهذا سميت عبارة، بخلاف الإشارة التي هي الوحي فإنها ذات المشار إليه" ضبطه وصححه أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، 3/117.وعند ستيوارت ميل:أن ألفاظ الإشارة هي أفراد وما صدقات، وليست مفهومات.ينظر، أزولد وتزيفان: الدلالة والمرجع: دراسة معجمية، ضمن المرجع والدلالة في الفكر اللساني الحديث، ترجمة عبد القادر قنيني،40-41.منشورات أفريقيا الشرق،ط2.
2 - Gregory Bateson, Mind and Nature: A Necessary unity. Flamingo; London; 1985; p 81-219.
3 - ابن عربي، الفتوحات المكية،3/116.
4 - ابن عربي، الفتوحات المكية، 4/257.
5 - ابن عربي، الفتوحات، 4/256.
6 - ابن عربي، الفتوحات، 4/255.
7 - ابن عربي، الفتوحات، مصدر سابق، 4/257.
8 - ابن عربي: الفتوحات.3/272.
9- Graham.K.J.L. A critique of ordinary language philosophy; p57-58.
10 - جون أوستينJohn Austin منطقي ولساني بريطاني(1911-1960)، درس الفلسفة في أوكسفورد (1952-1960)، لم تصدر له كتب، إلا أن مقالاته جمعت في :
- philosophical papers, 1961.
- sens and sensibilia, 1962
- how to do things with words,1962.
11 - Austine. How to do things withe words. P47.
12 - ابن عربي: الفتوحات، مصدر مذكور،3/272.
13 - الفعل بالهمة عند ابن عربي يدخل ضمن التولية الإلهية، وهو من أعظم تأثيراتها من حيث إن النفس ناطقة لا من حيث الحرف والصوت المعتاد في الكلام اللفظي ، فإن الهمة من غير نطق النفس الذي يليق بها ، وإن لم يشبه نطق اللسان لا يكون عنها انفعال بوجه من الوجوه. ينظر: الفتوحات، 3/103.
14 - فيلسوف أمريكي (1913-1988)، من أهم فلاسفة اللغة الذين كان لهم أثر كبير في توجيه الدرس الفلسفي للمعنى وكيفية تشكله من اللغة انطلاقا من فهم آليات التخاطب، صاغ نظريته في الدلالة القصدية من خلال محاضراته الشهيرة(محاضرات وليام جيمس)William James Lectures التي ألقاها بهارفارد سنة1968، ونشرت لاحقا سنة1975.
15 - Grice.H.P." Logic and conversation". In steven davis(ed),Pragmatics:A READER. NEW YORK; oxford university press, 1999.pp307-309.
16 - ابن عربي: الفتوحات، مصدر مذكور،3/273.
17 - يفهم هذا من خلال تقاطع إرادة التكوين وإرادة التكليف، إذ الأولى لا تتخلف في حين أن الثانية يمكن أن تتخلف.
18 - الفتوحات:1/213.
19 - خالد ميلاد: الإنشاء في العربية بين التركيب والدلالة، دراسة دلالية تداولية، نشر مشترك بين جامعة منوبة كلية الآداب منوبة و المؤسسة العربية للتوزيع تونس،2001، 133.
20 - ينظر، ابن هشام:شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب، بيروت دار الجيل، 42.
21 - لجون سورل كلام جميل عن الإرادة والقصد والرغبة والإنشاء في كتابه عن القصدية، فليرجع إليه:
John Searle. Intentionality, Cambridge university press, 1983; p165-177.
22 - ينظر: سيبويه، الكتاب، 1/137.و أيضا1/298.تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، ط3.
23 - ابن عربي: الفتوحات، 1/191.
24 - ابن عربي: الفتوحات، 1/192.
25 - الفتوحات:1/193
26 - الفتوحات:2/281.
27 - ابن عربي: الفتوحات،2/85.
28 - الفتوحات:1/388.
29 - الفتوحات:7/278.
30 - Edward Hall. Silent Language .Doubleday. New york 1959.pp208-209.
Pierre Guiraud. La Sémiologie .que sais-je. Paris. 1971.pp104-105.
31 - Watzlawick, Beavin, Jackson. Une Logique de la Communication./ pragmatics of human communication,1967/ trad. Morche; seuil . p 46.
32 - Habermas, Morale et communication, Le cerf, 1986.
33 - الصواب ما أثبتناه ، وفي النسخة المطبوعة(أرادها) بيد أن السياق لا يقبلها لأن المراد حركة التدوير وليس الإرادة.
34 - الفتوحات:2/473.
35 - E.Biniviniste. Problèmes de linguistique générale, Gallimard, paris; 271.
36 - الفتوحات:3/123
37 - الفتوحات:3/123.
1
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حميد أكبري
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 8
العناصر القصصية في رواية( الشحاذ
نجيب محفوظ
حميد أكبري - الماجستير في اللغة العربية و
آدابها - جامعة إعداد الآكادميين - طهران
ملخص:
يدرس هذا البحث العناصر القصصية في رواية "الشحاذ" لنجيب محفوظ، و هي آخر قصصه ورواياته في المرحلة الفلسفية الرمزية. و العناصر المكونة لها هي : سرد الأحداث، الشخصيات، البيئة، الفكرة، الحبكة و مقوماتها من البداية : التضارب و التعارض، القلق و الحيرة و التشويق، الأزمة، الذروة، و انحلال العقدة. كما أنه يحاول أن يلقي الأضواء علي البناء الرمزي في هذه الرواية من رمزية الشخصيات، و رمزية عنوان الرواية، ثم التوظيف الفني للطبيعة عند نجيب محفوظ في هذه الرواية. كذلك يتناول المنحي الصوفي الذي عالجه فيها نجيب محفوظ، ثم لغتها و أسلوبها، و أخيرا يشرح ما تأثر به نجيب محفوظ من الأدب الغربي في خلق هذا الأثر الأدبي.
تمهيد:
لقد كان نشوء الرواية في الأدب العربي مواكبا لبداية عصر النهضة الحديثة، و ذلك لاتصال العرب الوثيق بالغرب حيث مرت الرواية بطور الترجمة فالإقتباس فالوضع، حتي استقرت في مسلسلات.
و يرجع الفضل في ظهور الرواية إلى الصحافة و الترجمة، كما يرجع الفضل في إرساء قواعد الفن الروائي و القصصي إلى سليم البستاني، و جرجي زيدان، و فرح أنطوان، ثم تبعهم جبران خليل جبران، و طه حسين، و توفيق الحكيم، و محمود تيمور، و المازني؛ أما النهضة الحقيقية للرواية فكانت علي يد جيل تخرّج من الجامعات المصرية أمثال علي أحمد باكثير، و عبدالحميد جودة السحار، و يوسف السباعي، و نجيب محفوظ.1
ولد الروائي المصري الكبير نجيب محفوظ في القاهرة سنة 1911م. و بدأ حياته الأدبية في العشرين من عمره. و نال جائزه نوبل في الآداب عام 1988م. عندما اختار نجيب محفوظ في الثلاثينات أن يتفرّع للتعبير الروائي كانت الساحة العربية خالية من التراث الروائي حجماً وقيمةً، إذ لم يسبقه في هذا المجال سوي عدد قليل ذكرناهم آنفا؛ فمهّد نجيب محفوظ بجهده لفن الرواية والقصة، و بفضله أصبحت الرواية من فنون الأدب العربية الهامة مقبولة و مقروءة علي المستوي العالمي. استمرّ محفوظ في محاولاته لتمهيد فن الرواية العربية و تأصيلها و توسيع نطاقها بحيث تستوعب أشكالا فنية جديدة لم يعرفها هذا الأدب بصورة واضحة من قبل. وقد تعرّف محفوظ علي فن الرواية الغربية من خلال قراءاته الواسعة، إلا أنه لم يعتمد في أعماله البناء الغربي، إذ كان يكتب بلغة عربية، و يعيش في بلد عربي له حضارته و قيمه و عاداته العربية.
قد مرّ نجيب محفوظ علي خمس مراحل في كتاباته2:
1- المرحلة التاريخية أو الرومانسية الواقعية : ومن آثاره في هذه المرحلة، عبث الأقدار، رادوبيس، كفاح طيبة. (1935- 1938)
2- المرحلة الواقعية الإجتماعية : ومن آثارها فيها، القاهرة الجديدة، خان الخليلي، زقاق المدق، بداية و نهاية، السراب، و الثلاثية.( 1939- 1952)
3- المرحلة الواقعية الفلسفية ( الرمزية ) : و من آثاره فيها، أولاد حارتنا، اللص و الكلاب، السمان و الخريف، الطريق، و الشحاذ. (1952 - 1965)
4- مرحلة مرافقة القضايا الفلسفية مع القضايا الإجتماعية: و من آثاره فيها، ثرثرة فوق النيل، ميرامار.
( 1965 - 1967)
5- مرحلة الحوارات الإستدلالية العقلية : و من آثاره فيها، خمارة القط الأسود، و ما بعدها. ( 1968 - ...)
رواية الشحاذ هي آخر قصة كتبها نجيب محفوظ في المرحلة الثالثة . و تمتاز قصصه في هذه المرحلة بميزيتين : الإحساس بالخواء و الرمزية، إضافة إلى الناحية الفلسفية؛ فإن الكبت و الخفقان الذي ساد المجتمع المصري قد دفع الكتاب المصريين إلى استخدام الرمز للتعبير عن آرائهم.
اصطبغت قصص نجيب محفوظ في الستينات بأسلوب تيار الوعي الذي استخدمه" جميس جويس و ويرجينيا ولف " في قصصهما؛ و ذلك يمتلئ بالتعبيرات الرمزية. و في هذه المرحلة يعجز أبطال قصص محفوظ عن إدراك فلسفة الكون، و يفتقدون الإيمان بالله فيجتاحهم القلق و الإضطراب، فالحياة تصبح لهم عبثا بلا معني. فهذه القصص تستهدف إلى هدفين : البحث عن القوة السحرية المجهولة (الله) لتمنح الحياة معني و غاية؛ و دراسة أسرار الكون و الكشف عنها، بينما يرافق هذين الهدفين القلق و الإضطراب و الترديد دائما.
و نحن نكون بصدد أن ندرس في هذه المقالة العناصر القصصية في رواية الشحاذ و أن نلقي ضوءا نقديا علي بناءها الفني. فالرواية هذه تشتمل علي كل العناصر المشتر?ة بين الفنون الأدبية. فمثلا نجد فيها سيطرة اليأس و التشاؤم و الحيرة، كما نجد فيها عاطفة الأمل و الثورة و الحماس. كذلك نجد فيها الخيال، و يتمثل هو في رسم لوحات فنية جميلة تتجلّي إما في مخيلة بطل القصة، و إما مستمدة من واقع الحياة.
و يت?شف للقارئ بعد قراءة هذه القصة الجميلة، كيف نجح نجيب محفوظ في الجمع بين العناصر الشعرية و العناصر النثرية، و أخرجها في صورة رائعة يستمتع بها القارئ.
العناصر القصصية
تتكون كل قصة و رواية من أجزاء و عناصر لا بدّ من وجودها لكي تظهر القصة إلى الوجود، و هي :
1- الحكاية ( سرد الأحداث)
يبدأ القصة عندما يذهب عمر الحمزاوي إلى عيادة صديقه الطبيب حامد صبري و يشكو إحساسا انتابه و دفعه إلى الضجر من كل شيء، من زينب زوجته، من العمل، و من كل ما تحاط به حياته. لقد أخذ يتأمل حياته و هو أفاق بعد عمي ربع قرن؛ و مثلما انت?س حماسه الثوري، انتكست أيضا مشاعره تجاه زينب، إذ أصبحت نموذجا للمطبخ و الإمتلاء و الدسم و أيضا للضجر و الملل. و قد أدت حياته معها إلى تحوّله عن انقلاب الثائر و المتطلع إلى سر الوجود إلى" محام ثري في المواد الدهنية ".3 فترة حبه لزينب و حماسه للإرتباط بها عاصرت جانب الثورة في نفسه ، ذلك الجانب النقي الذي دفعه إلى حب الشعر حيث كان يستنطق أصدق مشاعره. فالثائر فيـه هو الذي فجّر ملكة الشعر. و عندما انقلب إلى النقيض اتخذ المسار نفسه تجاه زينب، إذ قال في حديث" يا إلهي! إنهما شيء واحد: زينب و العمل، و الداء الذي زهدني في العمل هو الذي يزهدني في زينب، و هي القوة الكامنة وراء العمل، هي رمزه ، هي المال، و النجاح ، و الثراء، و أخيرا المرض. و لأنني أتقزز من كل أولئك فأنا أتقزز من نفسي، أو لأنني أتقزز من نفسي فأنا أتقزز من كل أولئك".4
و قد كان تشحيص الطبيب لمرض عمر الحمزاوي بأنه" مرض بورجوازي "؛5 و قد عدّه ظاهرة طبيعية لأبناء البورجوازية، و أن القلق و التوتر يعدان سمة ملازمة لأبناء هذه الطبقة، و هو يوضّح هذا لعمر قائلا:" دعني أصف لك حياتك كما أستنبط من الكشف، أنت رجل ناجح ثري، نسيت المشي أو كدت، تأكل فاخر الطعام، و تشرب الخمور الجيدة، و ترهق نفسك بالعمل لحد الإرهاق، و دماغك دائما مشغول بقضايا الناس و أملاكك. أخذ القلق يساورك علي مستقبل عملك و مسير أموالك".6
بدأ عمر الحمزاوي حياته ثوريا، و كان من الطلائع الذين يحلمون بالمدينة الفاضلة، و يتفجرون حماسا للثورة، و يشتعلون رغبة في الحياة الإنسانية التي يسودها العدل و المساواة تحت ظل الإشتراكية و يعلمون لتحقيقه. و قد انسحبت روح الثورة عن حياة عمر الشخصية، إذ تزوج غير تقليدي، فقد أحب كامليا فؤاد و هي من مدرسة الراهبات. و قد قرر الزواج منها بعد أن غير اسمها إلى زينب و كان يشاركه في طريق الثورة صديقاه ( عثمان خليل و مصطفي المنياوي ) فانطلقوا جميعا بروح الحماس و الثورة و الحلم بالمدينه الفاضلة. و في منتصف طريق الجهاد و بعد تدبيرهم لقتل احدي الشخصيات المناوئة للقوي الثورية يتمَ القبض علي عثمان خليل و يستطيع الآخرون الفرار. و عندئذ تطوي صفحة الجهاد، إذ يقبع عثمان خليل خلف أسوار السبحن دافعاً سنوات من عمره في الدفاع عن عقيدته، صامداً علي التعذيب ألا يدل علي زميليه. و اتجه عمرالحمزاوي إلى العمل في المحاماة و هجر الفن و الشعر، و آمن من خلال ممارسته العملية للحياة بأنه لا مكان للفن الصادق فيها، و أن الفن مجرد لهو و تسلية في عصر سيطر فيه العلم علي الحياة سيطرة تامة، بينما نجد مصطفي المنياوي قد ارتد من طريق الفن الجاد و أخذ ي?تب مسرحيات لتقدّمها فِرَق الطليعة المسرحية، ثم اتجه إلى ميدان الفن للتسلية. الفن بلا مضمون جادّ. و قد شبّه هو نفسه ببائع اللب و الفُشار و كافة أدوات التسلية في الصحافة و الإذاعة و التلفزيون. فقد يكتب بقلمه دون ايمان شخصي بما يكتب. فقال لعمر:" العلم لم يبق شيئا للفن، ستجد في العلم لذة الشعر و نشوة الدين و طموح الفلسفة. صدّ قني لم يبق للفن إلا التسلية. و سينتهي يوما بان يصير حلية نسائية مما يستعمل في شهر العسل ... إقرأ أي كتاب في الفلك أو في الطبيعة أو في أي علم من العلوم و تذكّر ما تشاء من المسرحيات أو دواوين الشعر ثم اختبر بدقة إحساس الخجل الذي سيجتاحك ".7
و لما عاد عمر من عيادة الطبيب إلى بيته، و رأي هنا? صديقه مصطفي المنياوي واقفاً بجانب زينب و بثينة و جميلة، و كيف أنهم يترقبون مجيئه قلقين. فسأله مصطفي و زينب عن المرض، فأجابهما عمر لا شيء؛ فسّرت زينب بهذا الخبر. و لكن قلق عمر الحمزاوي كان أخطر من هذا القلق الذي قال به الطبيب و الذي عدّه ظاهرة طبيعية، لأنه صدر عن معاناة البحث عن نفسه الضائعة،إذأفاق فجأة بعد عشرين عاما، و أدرك أن كل ما حققه، لم يستطع أن يعوّضه من فقد ذاته الحقيقية، تلك الذات التي فُقِدَت يوم تخلّي من عقيدته و نبت الثورة في نفسه. فترك ذاته، و بدأ يلهث للحصول علي أفضل مظاهر الحياة؛ فكان يركب الكا ديلاك، و يسكن بيتا كبيرا، و يأكل فاخر الطعام، و يبتعد بنفسه عن مخاطر طريق الثورة. فآثر السلامة، و ابتعد عن ذلك الطريق المهفوف بالمخاطر و القلق. و كان ثمن هذا هو حبس روحه في مجال تنفّسها الحقيقي. و قد شبهها هو نفسه قائلاك:" و حبست الروح في برطمان قَذِر كأنها جنين مجهض".8 فقد أجهض حماسه الثوري و انطلق في طريق آخر. فانفجرإحساسه بضياع حياته، عندما رأي الآخرين يتأملون في لحظات تحقيق أمل في الحياة أو كسب موقف ما. قد شدّ هذا بدوره في نفسه الإحساس بالخواء و عدم تحقيقه شيئا في الحياة. و في حوار جري بينه و بين أحد موكليه نجد تاكيدا لهذه الفكرة، إذ يقول له الرجل:" أنا ممتن يا اكسلانس، أنت محيط بتفاصيل الموضوع بدرجة مذهلة حقيقة باسم? الكبير، و أن عملي في ?سب القضية لعظيم ".9 فضحك بسرور بين و قد شعر عمرالحمزاوي بغيظ شديد، ثم قال:" تصوّرأن تكسب القضية اليوم و تمتل? الأرض، ثم تستولي عليها الحكومة غدا ".10 فهز رأسه في استهانة، و قال:" المهم أن نكسب القضية ألسنا نعيش حياتنا و نحن نعلم أن الله سيأخذها ".11 فاستسلم عمر بوجاه منطقه، و لكن ذهل رأسه بدوار مفاجئ و اختفي كل شيء ... ".12 و هذا الحوار ذكّر بعمر بأنه لا يعيش حياته، و أنه ربما يموت دون أن يحقق كيانه ?انسان و وجوده كفرد، فسقط في حضن النقيض الذي كان يحاربه. و قد تلقّي هذا الإحساس من حديث جري بين رجل و امراة يسمع لهما عمر الحمزاوي.
فقال الرجل :
- عزيزتي! نحن منحدرون إلى خطر مؤكد.
فقالت المراة :
- هذا يعني أنك لا تحبني.
- لكنك تعلمين تماما أني أحبك.
- إذا تكلمت بعقل، فهذا يعني أنك لم تعد تحبني.
- ألا ترين أنني مسئوول و أنني جاوزت الشباب.
- قل إنك لم تعد تحبني.
- سوف نهلك معا و نخرب بيتنا ...
- ألا تكفّ عن المواعظك
- لك زوجك و بناتك، و لي زوجتي و أبنائي ...
- ألم أقل لك أنك لم تعد تحبنيك
- و لكنني أحب?.
- إذن فلا تذكرني بغيرالحب.13
و موقف المرأة يتسم بالتضحية مع الإستهانة بجسامة النتائج المترتبة علي تمسّكها بحبها تماما كصاحب القضية الذي لا يهمه سوي كسبها. و لهذا يكون تعليق الحمزاوي عقب هذا الموقف" أن أيام الجهاد لم تعدّ إلا ذكريات منحطة ".14 و أثناء هذا الضجر و في كل اللحظات كانت تبرز ذكري عثمان خليل الذي يتمثل في ذهنه دائما ثائرا قويا يضرب أروع الأمثلة علي القوة و الجلد، بينما هو انطلق إلى طريق السعادة و تضخيم الثروة. و هنا تزداد رغبته في الفرار من هذا الواقع، و ينتابه إحساس بالرغبة في إيقاع العقاب علي النفس. علي أنه كان يطمئن إلى عاطفة الضمير لديه عن طريق المساعدات المادية التي كان يقدمها لوالدي عثمان خليل حتي آخر حياتهما. مع هذا أنه لم يستطع أن يخمد صوت رفض الواقع في نفسه، فكان يتصور في مخيلته دائما صورة عثمان خليل، و ذلك يقوّي لديه الرغبة في الهروب من الواقع، و كأنه لا يريد أن يخرج عثمان، و يري أن هذه المكاسب الضخمة التي حققها الحمزاوي في حياته، و في غفلة عن هذا الثوري. فأخذ هو نفسه في تحطيمها بيده، ظنّاً بأن هذا العمل يريح ضميره. لذلك هجر زينب، رمز العمل و النجاح و الثراء و أخيرا الضجر عن كل ذلك، و انطلق في طريق الجنس، و تقلّب في علاقات جنسية متعددة. فأول امراة تعرّف إليها هي مارجريت، راقصة في ملهي يازبك ( الباريس الجديدة )، و قد تعرّف إليها عن طريق صديقه مصطفي الذي قال لها بأن صديقه عمر أصيب بداء طريف في الأيام الأخيرة، و هو يبحث عن الجمال علاجا لدائه، و هي داؤه الوحيد. فقضي معها عمر ليال، إلى أن تركته مارجريت و سافرت فجاة إلى خارج القطر.
و كانت علاقته الثانية بِ" وردة "التي كانت طالبة بمعهد التمثيل غير ناجح في السينما، و لكن كانت بارعة في الرقص، فتألقت في كابري. و قد هجرت بيتها علي رغم أن أمها و عمّها العجوز و أخوالها منعوها من الدخول في معهد التمثيل. و قد اقترحها يازبك علي عمر، ظنّاً بأنها تناسبه للزواج. و عندما رأها عمر، عشقها و أراد الزواج منها. و قد شهد مكتبه زيارات كثيرة من خاله" حسين كرم " و أخته الوحيدة، ضرعا إليه ألاّ يتزوج من الراقصة، و لكنه دافع عن سعادته بكل قواه، و رأي" النشوة هي اليقين ".15 و في هذه الأيام أخبره مصطفي بأن زينب مرهقة بالحبلي، و أنه يخشي عليها أن تهجر البيت يوما؛ لكنّ عمر لم يهمّه شيء من هذه الأقوال، فهجر البيت نهائيا، و رآه الحلّ الوحيد، فعاش مع وردة في شقة، و هي أحبته لحدّ الجنون، و كان عمر يشعر بأنه آدم في الجنة. فأحسّ أن الشعر الذي تركه في أيام الشباب يتحر? من جديد في أعماقه، إلاّ أن مسرّته مع وردة لم تلبث أن زالت، إذ أنه شاهد من جديد مارجريت فوق المسرح في باريس الجديدة، فرغب فيها، فاعتذر ليلة لوردة و لم يدر كيف يعتذر لها في الليلة التالية. و استمرت العلاقة بينه و بين مارجريت حتي فهمت وردة بوجود العلاقة بينهما، فتركته هي أولا ثم مارجريت بعدها، لأن عمر كان يغامرها في الطرق و لا يذهب بها إلى البيت، و قد استاءت هي من مغامرات الطرق. فأصبح بعد ذلك يذهب كل ليلة بامرأة من هذا الملهي أو ذلك أو حتي من الطريق حيث صار أكبر زير النساء.
و قد حرص أثناء هذه العلاقات علي إهمال عمله و عدم اختفاء هذه العلاقات، و كأنه يسعي إلى تلوبث سمعته. و كان ذلك إمعانا في تحطيم نفسه و هدمها.
و اتخاذ هذه الطريقة من جانبه ?ان محاولة منه في البحث عن وجوده إلا أنه لم يجد فيها ما يشبع روحه الظامئة. و قد اكتشف له أن نشوة الجنس أقصر من أن تدوم و أنها أقصر من أن تردّ إليه ذاته. و لهذا قرر أن يهرب إلى طريق جديد يظنه هو طريق البحث عن الحقيقة.
و القلق دائما يجتاح فكره و عالمه الفكري، و يدفعه إلى الهروب من الواقع و اللجوء إلى العبث و التخيلات اللامعقول، فيتخيل" أنه استحوذ علي قوة سحرية، و راح يستعملها في تسلية الناس، فكان يخفي في غمضة عينٍ دار الأوبرا حتي يتجمع الناس ذاهلين، ثم يعيدها في غمضة عينٍ حتي يتصايح الناس من الذهول ".16 و يتمادي في تخيلات البعث التي تبعد به عن منطق الواقع الذي يرفضه، و يتخيل نفسه" يرقص فوق قمة الهرم أو يقتحم الهيلتون عارياً، أو يقفز من أعلي جسر إلى قاع النيل ".17 فهو يريد الخلاص من إطارعمرالحمزاوي، المحامي الناجح إلى أي شيء يناقض هذه الصورة. فكان يمعن في هروبه من الواقع، إذ أنه لم يحقق بعدُ هذه الرغبة الهروبية بصورة كاملة، لأن يقترب من نشوة الحقيقة. فانطلق نحو الصحراء،" فوقف في ظلمة غريبة كثيفة بلا ضوء انساني واحد. لا يذكر أنه رأي منظرا مثل هذا من قبل. فقد اختفت الأرض و الفراغ، و وقف هو مفقودا تماما في السواد ... وهبّ الهواء جافا لطيفا منعشا موحدا بين أجزاء الكون. و بعدد رمال الصحراء التي أخفاها الظلام، انكتمت همسات أجيال، أجيال من الآلام و الآمال والأسئلة الضائعة ".18 و عندئذ تمتلئ نفسه بالإنفعال، فيقول " و قد يتغير كل شيء إذا نطق الصمت و ها أنا أضرع إلى الصمت أن ينطق، و إلى حبة الرمل أن تطلق قواها ال?امنة، و أن تحررني من قضبان عجزي المرهق. و ما يمنعني من الصراخ إلاّ انعدام ما يرجع الصدي. و أسند جسمه إلى السيارة، و نظر نحو الأفق، و أطال و أمعن النظر. و ثمّة تغير جذب البصر. رقّ الظلام و انبثّت فيه شفافية. و تكوّن خطّ في بطء شديد، و مضي ينضح بلون وضيء عجيب... فانبعثت دفقات من البهجة و الضياء و النعسان. و فجأة رقص القلب بفرحة ثملة، و اجتاح السرور مخاوفه و أحزانه ... و شملته سعادة غامرة جنونية آسرة، و طرب رقصت له الكائنات في أربعة أركان المأمورة... و أظلّه يقين عجيب ذوثقل يقطر منه السلام و الطمأنينة ... و ترامت الدنيا تحت قدميه حفنة من التراب ... و لبث يلهث و يتقلّب في النشوة ... و شعر بدبيب آتٍ من بعيد، من أعماق نفسه. دبيب إفاقة ينذرها بالهبوط إلى الأرض. عبثاً حاول دفعه أو تجنّبه أو تأخيره. راسخ كالقدر، خفيف كالثعلب، ساخر ?الموت. تنهد من الأعماق، و استقبل موجات من الحزن، و أفاق و الضياء يضحك ".19
و في هذه الصحراء تمثلت له لحظة التحول، و أنه اكتشف طريقا جديدا للبحث عن الحقيقة، و الهروب من إيذاء الواقع و إيقاع العقاب علي النفس، خاصة أن هذا القرار قد اتخذه بعد خروج عثمان من السجن، و كأنه لم يرد أن يراه عثمان متمتعا بحياة الترف، بينما هو محبوس بين جدران السجن. فقرر أن يترك مكانه لعثمان حيث عرض عليه أن يحلّ محلّه في مكتب المحاماة ناوياً من وراء ذلك أن يعوّضه ببعض ما فاته، كما قرّر أن يتر? ?ل هذه المظاهر ذاهبا إلى كوخ صغير يبغي فيه تل? اللحظة الفاتنة التي عاشها في الصحراء، و حتي لا يشار? عثمان في أي من مظاهر الحياة التي أصبح يرفضها. و يبدو أنه اتجه نحو التصوف انتقاما من سنين ترف التي عاشها، فاستغرق في سبحات التصوف، و بني لنفسه عالما تسوده خيالات يحكمها منطق غير منطق الواقع. و هناك و في كوخه الأسطوري في تل? الصحراء حيث تكمن حقيقة كل شيء في اللاشيء، و حيث تاقت نفسه إلى لحظة التحرر الكامل، لا تفارقه أنياب الواقع المدببة لحظة واحدة. فإذا ابنه سيمر- و هو قطعة لحم حمراء بعدُ - يحمل رأس عثمان خليل، و يطارد أباه مطاردة عنيفة حتي ينطرح علي الأرض إعياءً، فيسمع الصفصافة تترنم ببيت من الشعر، و اقتربت منه بقرة قائلة له أنها سوف تتوقف عن درّ اللبن لتتعلم الكيماء. و زحفت حية رقطاء ثم بصقت أنيابها و راحت ترقص في مرح. و انتصب الثعلب حارسا للدجاج، و اجتمعت جوقة من الخنافس و غنّت أغنية ملائكية ... أما العقرب فتصدّت له في لباس ممرضة. و ما أشبه ذلك الحلم العجيب بتلك اللحظة الفاتنة التي وقفها ليلا في تلك الظلمة العجيبة. ثم يأتي إليه عثمان خليل، و يخبره أنه قد تزوّج من بثينة ابنتة التي كانت تحفظ الشعر و تكتبه، و هي التي أخذت عن أييها سرّ الوجود بقراءة ديوانه دون أن تاخذ مرضه، و أنها تنتظر من عثمان ولدا. فعليه أن يعود لأن عثمان يطارده الشرطة و حتما سيتمّ القبض عليه، و يعاد إلى السجن.
و أثناء مطاردة الشرطه لعثمان خليل يصاب عمر الحمزاوي برصاصة في ترقوته، و هي كانت بمثابة الصدمة الكهربائية التي يفيق المريض بعدها، و كأنها أصابت غيبوبته فشفي منها. و قد أفاق من خيالاته، و وجد لنفسه طريقا جديدا يرضي عنه، و يرضي روح المناضل القديم في نفسه، إذ عليه أن يرعي ابن بثينة من عثمان، و أن يحيي طريق عثمان و يسلكها عن طريق ذلك الإبن و كذلك ابنه سمير الذي تخيله" يثب إلى الأرض متخذاً من رأس عثمان رأسا له ".20 و لهذا فهو عندما سمع صوت الشرطه قال بعد القبض علي عثمان" ... انتهي .... قُبِضَ عليه .... و انتهي كل شيء. يهمس في أعماقه، و يقول:" ليس لشيء نهاية ".21 فخامره شعور بأن قلبه ينبض في الواقع لا في الحلم، و بأنه رجع إلى الدنيا حقيقة، فوجد نفسه يتذكر بيتا في وعيه بوضوح عجيب:" إن تكن تريدني حقا فَلِمَ هجرتنيك".22
2- الشخصيات :
بما أن القصة و الرواية تعالج فترة واسعة من الحياة بكل ملابساتها و جزئيتها، تكثر فيها التشعبات و الإستطرادات. فهناك شخصيات كثيرة و أحداث عديدة تعترض مجري القصة، فتتفرع إلى منعرجات تؤثّر في اتجاهها، فهي تختلف عن الأقصوصة، لأن الأقصوصة تدور علي محور واحد، و لا تشتمل من حياة أشخاصها إلا فترة محدودة، أو تدور علي حادثة خاصة، و لا تقبل التشعب و الإستطراد إلى ملابسات كل حادث و ظروف كل شخصية. و لذل?" أن الأقصوصة شيء آخر غير القصة، فليست قصة قصيرة؛ و تسميتها هكذا short story قد توجد شيئا من اللبس. و لعله أولي بنا أن نصطلح في اللغة العربية علي تسمية القصة الرواية لنفترق ما بين اللفظين من الإشتباه".23
أما هذه القصة ( الشحاذ ) ت?ون وسطا بين الأقصوصة و الرواية، لأن حجمها أ?ثر من حجم الأقصوصة، و المحيط الذي تشمله لا تتسع اتساع الرواية، إذ لا ترسم مساحة واسعة من الحياة و من الشخصيات.24
تنقسم الشخصيات في هذه القصة وفقا لطريقة عرض نجيب محفوظ إلى أربعة أقسام تختلف حسب دورهم :
ألف) الشخصية الأصلية :
هو عمر الحمزاوي محامٍ ناجح ثري في خمس و أربعين من عمره، و ثوري في شبابه. فيصف لنا الكاتب من بداية القصة إلى نهايتها جوانب شخصية هذا البطل المختلفة، و تفاعله مع الأحداث و سائر الشخصيات. و هو نفسه يصور أفكاره الرئيسة. تكون هذه الشخصية من الشخصيات النامية ( المتطورة ، غير ثابتة ).25 فإن الكاتب يبرز لنا هذه الشخصية تدريجيا خلال القصة، وهي تنمو نتيجة لتفاعلها المستمر مع الأحداث. فإنها تفقد معني الحياة، و تبحث عن الله و حقيقة نفسها و سر الوجود. و لها أفكار متشردة و تخيلات غير واقعية، و لكن في أواخر القصة تصل إلى واقع حياتها و تعود إلى وجودها الثوري القديم. ثم إنه يصور هذه الشخصية النامية كشخصية واعية منطقية، أي تصرفاتها هي نتيجة واضحة لصفاتها؛ ومع هذا أننا نجد عنصر المفاجاة في بعض أحداث القصة. إضافة إلى هذا أنه صوّر شخصية عمر بطريقة تمثيلية في بعض أحداث القصة، حيث يقف ال?اتب بجانب و يمهد المجال لبطله لأن يكشف عن حالات نفسه عن طريق الكلام و الحركة، يجعله يعبر عن نفسه بما يضعه في أفواه الشخصيات الأخري من تعليقات عليه و أحكام. و رسمُ البطل بهذه الصورة قد ت?رّر ?ثيرا خلال القصة حيث لا يحصي. و أحيانا نجد المؤلف يختار الطريقة التحليلية،26 فيحلل عواطفه و أف?اره و أحاسيسه ، ويفسر دوافعها.
ب ) الشخصيات الفرعية المباشرة :
فهي تتعدد و تختلف ظهورا وفق دورها في أحداث القصة؛ و منها: شخصية عثمان خليل صديق قديم لعمر في مرحلة الثورة و سجين حاضرا، لكنه في أواخر القصة يطلق سراحه و يتزوج من بثينة بنت عمر. و هي من الشخصيات البسيطة الثابتة و المسطحة.27 و مصطفي المنياوي صديقه المرافق له في أحداث القصة، خرج من نطاق الفن الجدّي، و أقبل علي كتابة المسرحيات لتمثلها جوقة المسرحية. و هو يشبه نفسه ببائع اللب و الفشار و كافة أدوات التسلية في الإذاعة و التلفزيون. و لقّب عند أصدقائه بالأصلع الصغير. فشخصيته ها هنا شخصية متطورة و نامية، لأنه كان يؤمن بالإشترا?ية في أيام الشباب، ثم تغير و تراجع عن رأيه، فانصرف إلى الإيمان بالعلم ، فهجر الفن الجدي فأصبح صحفيا نابهاً.
و زينب، زوجة عمر، كان اسمها كامليا فؤاد من راهبات الكنيسة؛ فغير عمر اسمها إلى زينب و تزوج منها. و كانت هي فتاة جميلة ذات عينين زرقاويتين في أيام الشباب. و قد تحولت حاليا إلى شخصية سمينة غارقة في المواد الدهنية. فهي إذا شخصية نامية.
بثينة بنت عمر، و هي فتاة جميلة ذ?ية، تمثل أمها في الرابعة عشر من عمرها؛ حصلت علي ديوان أبيها القديم، فأعجبت به، فأخذت عنه سرّ الوجود دون أن أصيبت بمرض أبيها. و هي شخصية ثابتة.
جميلة بنت عمر الصغيرة ?انت لا تفهم من الحياة شيئا، و تلعب و تخلق بعض الأفعال الصبيانية، وهي شخصية ثابتة.
عليات زوجة مصطفي، و هي امرأة رزينة قوية الشخصية في الأربعين من عمرها. و كانت شخصية ثابتة.
حسين كرم خال عمر، وهو الذي نهاه عن الزواج من وردة . فشخصيته شخصية بسيطة ثابتة.
حامد صبري، صديق عمر الطبيب، كان يري فلسفة الحياة و معناها في خدمة الإنسان. و هو شخصية ثابتة.
العميل الذي أثّر كلامه في عمر، و أوجد فيه أزمة نفسية. و هو شخصية نفسية.
مارجريت، راقصة انجليزية التكوين من راقصات ملهي باريس الجديدة. و قد قضي معها عمر ليال ، ثم هجرته فجأة. و شخصيتها شخصية ثابتة.
وردة، و هي راقصة في ملهي باريس الجديدة متخرجة من معهد التمثيل، لكن لم توّفق في السينما. و كانت تجيد الرقص. و قد عشقها عمر و هي تحبه لحد الجنون. عاشا فترة من الزمن، ثم تركته. فهي شخصية نامية متطورة.
يازبك، و هو من أصدقاء مصطفي، و صاحب ملهي باريس الجديدة، الذي اقترح علي عمر الزواج من وردة.
ج ) الشخصيات الفرعية غير المباشرة :
لقد أثّرت هذه الشخصيات في تكوين القصة و حركاتها. لكن دورها أقل من الشخصيات الفرعية المباشرة، منها: زوجة الد?تور حامد صبري التي كانت مغرمة بأعمال مصطفي الفنية. منها السفرجي و التمرجي و النادل، منها رئيس التحرير الأسبوعية التي يعمل فيها مصطفي، أخت عمر الوحيدة، والدا عثمان اللذان كانا يتلقيان من عمر مساعدات مادية أثناء فترة كان عثمان محبوسا.
الزبون الذي اكتسب عمر منه قضية، سمير ابن عمر الصغير، قوات الشرطة، النساء التي غامرهن عمر، مني الراقصة، أخوال وردة، و أمها و عمها العجوز، الرجل المجنون الذي كان يرفع يديه علي طريقة الزعماء، و يلهث بكلام لا يربطه منطق، سليمان باشا، الرجل و المرأه التي يتحدثان عن الحب و كان عمر يسمع كلامهما، چوقة المسرحيات التي تمثل مسرحيات مصطفي، و...
د ) الشخصيات الحيوانية :
هذه الشخصيات يمكن أن تندمج في الشخصيات الفرعية، و هي شخصيات تخيلها عمر و أعطاها صورة إنسانية؛ منها البقرة القائلة له بأنها سوف تتوقف عن درّ اللبن لتتعلم الكيمياء؛ ثم الحية الرقطاء التي زحفت ثم بصقت أنيابها و راحت ترقص في مرح؛ ثم الثعلب الذي انتصب حارسا للدجاج؛ ثم جوقة الخنافس التي غنّت أغنية ملائكية؛ و أخيرا العقرب الذي تصدّت لعمر في ثوب ممرضة، و الصفصافة التي تترنم ببيت من الشعر.
و قد استخدم الكاتب طرق مختلفة لعرض الشخصيات، أحيانا نجده يستخدم "أسلوب الغائب". و هذا هو السرد المباشر، أو يستخدم أسلوب" تيار الوعي "، الطريقة التي تتحقق من خلال تصرفات و أفعال الشخصيات و تداعي الأفكار. و هذا ما يعبر عنه بالحوار الداخلي أو المونولوج. و قد استخدم نجيب محفوظ هذه الطريقة للبطل الأصلي في القصة" فقد لجأ إلى تطعيم الأسلوب السردي بنجوي النفس و الحديث إلى أصدقائه و أهله. و لكن هذا الحديث النفسي لم يكن في كل الأحيان نابعا من طبيعة الموقف أو الحديث الخارجي، بل كان في أحيان كثيرة بمثابة مرشد للقارئ إلى المعاني التي يمكن أن تكمن تحت الأحداث و المواقف. و لو اعتمد المؤلف علي مثل هذه الهواجس الداخلية الموحية أكثر مما فعل، لاستطاع القارئ أن يستشف أزمة الشخصية، و يدركها إدراكا أوضح ".28
و أحيانا يستخدم" طريقة الترجمة الذاتية "،29 و هي أسلوب المتكلم في عرض شخصية البطل الأصلي، أو يستخدم " أسلوب المخاطب"، فيخاطب فيه البطل نفسه بعض الأحيان كما حدث في هذه القصة، أو يستخدم" أسلوب الحوار"، و هو أكثر الأساليب السابقة ظهورا في القصة. فنلاحظ أن نجيب محفوظ لم يقتصر في هذه القصة علي أسلوب واحد لعرض شخصياته، بل يجمع فيها أساليب متعددة، و كثيرا ما يستطرد بينها ، من الحوار إلى تيار الوعي، من المت?لم إلى الخطاب، و من الخطاب إلى الغائب و ... و عن هذا الطريق يكثر في القصة انسياب الزمن و تداخله و تدفقه باختلاف الضمائر الثلاثة.
3- البيئة( الزمان و المكان ) :
بما أن البيئة هي العنصر الاجتماعي و المادي في القصة، فلا بدّ أن تقع في مكان معين و زمان معين ، لأن هذه الروابط الزمانية و المكانية تساعد علي إعطاء القصة بعدها الواقعي و ملامحها الاجتماعية. و نجد في هذه البيئة عادات و تقاليد و طرق المعيشة تحيط بالأشخاص ، و تؤثر في تصرفاتهم و تعطي القصة الحيوية.
الف) البيئة الزمانية:
إن البيئة الزمانية في هذه القصة تنقسم إلى الزمان الكلي و الزمان الجزئي. أما الكلي منه، فهو يستغرق القرن العشرين عامة، نجد فيه اللحظة الحاضرة و هي الستينات، الفترة التي سيطر فيها العلم علي جوانب الحياة كلها ، و خملت الصحوة الاشتراكية فيها ، و اللحظة الماضية الأربعينات ، و هي الفترة التي يتذكرها البطل أثناء القصة و أنه كان فيها من الثائرين المصريين الذين يحلمون إلى إقامة دوله اشتراكية لتقيم العدالة الإجتماعية و الحرية و الاستقلال. و أما الزمان الجزئي، فيتمثل في أزمان جزئيه تقع فيها الأحداث، مثل شهر أغسطس، وقت الغروب، الساعة الواحدة أو الثالثة من الليل، الصباح الباكر، الخريف و الربيع و... .
و أما البيئة المكانية في القصة، فهي القارة الإفريقية عامة، و بلد مصر مع مدنها خاصة، مثل القاهرة، الإسكندرية، ميادينها، طرقها، و الفيوم. كما فيها أماكن جزئية أخري ?انت محلا لبعض الأحداث، مثل عيادة الطبيب، حجرة الإنتظار، حجرة الكشف، مستشفي الولادة، حجرة الاستقبال، الشقة التي سكنها عمر و" وردة "، الطريق الصحراوي في الهرم، جاردن سيتي، بنسيون أثينا، الكازينو، ملهي باريس الجديدة، سينما سان استفانو، الكورنيش، شاطيء النيل، أرض سليمان باشا، مكتب عمر الحمزاوي و الكوخ الذي سكنه في الصحراء، و سائر أماكن التي لها أثر في القصة. و هي كوعاءٍ لِوقع الأحداث.
قد وصف لنا نجيب محفوظ حياة شخصياته ، و عالم قصته. و القصة هي تصوير لحياة الطبقة البورجوازية من المجتمع المصري في الستينات ، ?ما وصف لنا صورة حياتهم متمثلةً في أسرة محامٍ ناجح ثريّ، و أصدقائهم و ما يتصل بهم و بمجتمعهم من العادات و التقاليد؛ فهم يركبون الكاديلاك، و الفورد، و الباكار، و ينتقلون بين المدن المصرية؛ بعضهم يميل إلى الفن و بعض آخر يرفضه، كذلك وصف لنا وليمات عشائهم و أطعمتهم و أشربتهم من الويسكي و الشمبانيا و بيرة و ملابسهم من الفستان و القميص. ?ما وصف مغامراتهم الليلية و ملاهيهم، منها باريس الجديدة. ?ما أن ال?اتب لا يغعل عن وصف ما يتصل بالسكان المسيحيين المصريين، فيشير إلى النواقيس المدلاة من سقف مزخرف برسوم العرايا. و وصف تمكّنهم الاقتصادي و مستواهم الثقافي، و شرح أفكارهم السياسية و اعتقادهم بالاشتراكية و... .
4- الفكرة :
الإيدئولوجيات المختفية و الأفكار الكامنة وراء سطور هذه القصة تتخلص في ما يلي :
الف) الإشتراكية هي المفتاح الوحيد لحلّ المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية، و هي التي تضمّن العدالة الاجتماعية و الحرية و الاستقلال.
ب ) الإيمان بالثورة ، و التضحية بالنفس في سبيل العقيدة و الأمل بالمستقبل :" إنّ العمر لم يضيع هدرا، و أن ملايين الضحايا المجهولين منذ عهد القرد قد رفعوا الإنسان إلى مرتبة سامية ".30
ج)" إن رسالة الانسان الحقيقية تتمثل في العمل، و العلم القائم علي الايمان، و لا يمكن أن تستقيم حياته إذا أسقط أيّ من هذه القيم ".31
د) ليس هناك مانع من أن يجتمع الشعر و العلم و الثورة، و لا ينبغي أحد هذه الثلاثة دون الإثنين الآخرين. و هذا هو الفكرة الرئيسية في قصة الشحاذ.
ذ ) البحث عن ذاته هو الطريق، و الرحلة ذاتها هي الهدف، و أن المأساة الحقيقية كامنة في التصورات التقليدية لمعني الطريق بينها. البحث في ذاته يعني الكشف، و الكشف هو الخلق و الإبداع، كما قادت هذه التصورات عمر الحمزاوي من الطبيب إلى مارجريت ثم إلى وردة.32
و بجانب هذه الأفكار الرئيسة المختفية، هناك أفكار جزئية في القصةتتخلص فيما يلي :
الف ) سيطرة التقاليد و عبوديتها علي رأي أخوال وردة و أمها، فهم ينهونها عن الدخول في معهد التمثيل.
ب ) نشوة الجنس لا تدوم، و من النادر أن يظفر انسان بنشوة الحب في الملاهي.
ج ) إقبال الإنسان علي اللهو و الجنس، إذ هو الذي ينسي الإنسان آلامه و مآسيه. و هذه الفكرة هي من الأفكار التي تخضع للرفض و القبول.
د ) اليأس و الفشل و الإنقطاع عن العمل شيء لاينفد، و يتجدد مرة بعد مرة :" الفشل! اللعنة التي تدفن و لا تموت ".33 و الحياة في هذه الرواية كلها فشل و إخفاق. و هذه الفكرة أيضا هي التي تخضع للرفض و القبول.
5-الحبكة :
الحبكة هي مجري تندفع فيه الأحداث و الشخصيات مع تسلسل طبيعي منطقي، أي الترابط بين الأحداث قائم علي نظام عِليّ و معلولي خاص. فيخلق الكاتب أسئلة عديدة في ذهن القاريء، الأسئلة التي تتوافد علي حوادث القصة و علي أسباب حدوثها. و يجد القاريء جوابها إما في أثناء القصة، و إما في نهايتها." والحبكة الجيدة تحمل معها عنصر المفاجاة، و ذلك كأن يذكر الكاتب لنا كل ما في ذهن بطله ثم يجعل خطيبها المغرم بها يهجرها، فتحزن لذلك ".34
أغلب الظن عندي أن تكون الحبكة في هذه القصة حبكة مفككة، لأنها تُبني علي سلسلة من الحوادث أو المواقف التي لا تكاد ترتبط معا برباط لِكثرة الإستطرادات، و الإنسياب الماضي في الحاضر؛ لكن مع هذا هناك صلات بينها. و أمّا وحدة العمل القصصي فيها، فلا تعتمد علي تسلسل الحوادث، بل إنّها تعتمد علي البيئة التي تتحرك فيها القصة، أو علي الشخصية الأولي، أو علي الف?رة الشاملة التي تنتظم فيها الحوادث و الشخصيات معاً، أوعلي النتيجة العامة التي تنجلي عنها الأحداث أخيراً؛ مع أنّ تقسيم القصة إلى نوعين : القصة ذات الحب?ة المفككة، و القصة ذات الحبكة المتماسكة لاصلة له بقيمتها. علي أية حالٍ، الحبكة في هذه القصة حب?ة سليمة معتمدة علي العلة و المعلول، لها بدايتها، و تضاربها، و كذل? التعارض و القلق، والأزمة، و الذروة، و انحلال العقدة. والآن نقوم بشرح هذه المقومات :
ألف ) البداية :
يبدأ محفوظ قصته هذه بتصوير لوحة، ترسم منظرا طبيعيا، ينظر إليها بطله في عيادة صديقه الطبيب:" سحائب ناصعة البياض تسبح في محيط أزرق، تظلّل خضرة تغطي سطح الأرض في استواء و امتداد، و أبقار ترعي، تعكس أعينها طمأيننة راسخة... و في أسفل طفل يمتطي جوادا خشبيا و يتطلع إلى الأفق عارضاً جانب وجهه الأيسر و في عينيه شبه بسمة غامضة. لمن اللوحة يا تري؟ و لم يكن بحجرة الإنتظار أحد سواه. و عما قريب يأزف ميعاد الطبيب الذي ارتبط به منذ عشرة أيام. و فوق المنضدة في وسط الحجرة جرائد و مجلات مبعثرة، و تدلت من الحافة صورة المرأة المتهمة بسرقة الأطفال. رجع يتسلي بلوحة المرعي. الطفل و الأبقار و الأفق. رغم أنها صورة زينة رخيصة القيمة، و لا وزن إلا لإطارها المذهب المزخرف بتهاويل بارزة ".35 هذه البداية بداية طيبة يسودها الهدوء، جوها جوّ هادئ لا صخب فيه و لا ضوضاء. فيتمتع البطل بهذه اللوحة، ?ما لو ?نا نظرنا إليها لتمتعنا بها.
ب ) التضارب و التعارض :
لا يلبث أن ينتهي ذل? الهدوء السائد علي الجمل السابقة حيث نواجه دبيب القلق و البلبلة و الإضطراب في ضمير البطل حيث يخرجنا من السكون و الهدوء:" و أحب الطفل اللاعب المستطلع و الأبقار المطمئنة العيون، و ل?ن ازداد شكواه من ثقل جفونه و ت?اسل دقات قلبه. و ها هو الطفل ينظر إلى الأفق ينطبق علي الأرض. دائما ينطبق علي الأرض من أي موقف ترصده. فيا له من سجن لا نهائي! و ما شأن هذا الجواد الخشبي؟ و لِمَ تمتلئ الأبقار بالطمأنينة؟!".36 و هو بهذه الأسئلة يخلق لنا أسئلة أخري؛ لماذا يشكو من ثقل جفونه و تكاسل دقات قلبه؟ لماذا يري أن الطفل في سجن لا نهائي؟ لماذا يتساءل عن سرّ طمأنينة الأبقار؟ و هكذا ترد القصة مرحلة جديدة، هي التضارب و التعارض. و بإمكاننا أن نعثر علي حوادث مفاجئة أخري تفقد فيها القصة سكونها، مثل تر? مارجريت عمر فجأة و مشاهدتها مرة أخري دون أي توقع فوق المسرح، أو مثل مطاردة الشرطة لعثمان خليل و فراره إلى جانب عمر بعد أن غرقت القصة في الهدوء بصفحات متتابعة.
ج ) القلق و الحيرة و التشويق :
كلما نتقدم في القصة و تزداد الحبكة توسعاً، يشعر القارئ بخمود غريب يدبّ في وجود البطل و يدفعه إلى السأم من العمل و الحياة، من زوجته و من حياته العائلية. فالبطل يبحث عن معني الحياة، و قد هجر الفن و الشعر. ?ان قديما يعمل في سبيل الإشترا?ية و يحميها، و لما قُبِضَ علي أحد أصدقائه، ترك الإشتراكية و عمل محاميا ناجحا ثريا. و هكذا يطلع القارئ علي معلومات جديدة أكثر من قبل، و الكاتب يثيره علي الإنطلاق مع البطل في أحداث القصة بخلق تصاوير متعددة تأتي واحدة تلو الأخري، و هذه التصاوير تحرض القارئ علي مرافقة بطل القصة إلى نهايتها و رصد أقواله و أعماله، و الأحداث التي تحدث له. هذه المرحلة تسمي مرحلة القلق و الحيرة و التشويق، حيث يسأل القارئ نفسه ماذا سيحدث للبطل؟ لماذا يسأل عن معني الحياة ؟ هل يدرك معني الحياة نهائيا؟ و مثل هذه الأسئلة يشجعه علي قراءة القصة تماما رغبة في إجابة التساؤلات التي خطرت بباله.
د ) الأزمة :
هناك في القصة أزمات جزئية تنحلّ أثناء القصة، منها القبض علي عثمان خليل ثم إطلاق سراحه؛ منها سفر مارجريت المفاجئ إلى خارج البلاد و عودتها مرة ثانية؛ منها مغامرات عمر بالنساء ليلة ثم تركه إياهنّ.
و الأزمة الأصلية في القصة هي أزمة نفسية تنبع من رغبة ملحة في نفس البطل دفعته إلى البحث عن سرّ الوجود:" قتل الضجر كل شيء و انهارت قوائم الوجود بفعل بضعة أسئلة. قال يوما لأحد عملائه:" تصوّر أن تكسب القضية اليوم و تمتل? الأرض ثم تستولي عليها الحكومة غدا. فأجاب العميل:" ألسنا نعيش حياتنا و نحن نعلم أن الله سيأخذها".37 ومن هنا بدأ تف?يره الممّض في معني الحياة و الموت، و رتابة الحياة العائلية كما أخذ يبحث عن ذاته و حقيقته، و عن الله و عن سرّ الوجود. فافتقد عنده كل الأحياء و الجمادات و الأشياء المحيطة به قيمتها، و خلت من أي معني." و لكن محال أن يكون هذا السؤال و الجواب العابران سبباً حقيقياً في إثارة تلك الأزمة المعروفة للناس جميعا، و هما يشيران إلى حقيقة أبدية معروفة لهم. ولا بدّ إذن أن يكون مجرد يدٍ رفعت الغطاء عن نوازع محبوسة من الحاضر و الماضي. فتدفقت بعدها الأحاسيس الم?بوتة و الأفكار الغامضة التي كانت تضطرب في نفسه منذ زمن بعيد ... و الحق أنه كانت في نفسه ثلاثة تيارات مضطربة يمكن أن تخلق هذا الصراع ، أحدها من حاضر حياته، و الآخر من ماضيه البعيد. فهو في حاضره قد يسأم الحياة الزوجية، و راعه ما طرأ علي زوجته الجميلة من تغيير بمرور الزمن، و ما تخضع له علاقته بها و بأصدقائه من رتابة مملة. و هو من ماضيه معذّب الضمير، لأنه من ناحية لم يمض في كفاحه السياسي الذي بدأه في مطلع حياته إلى النهاية، ذلك الكفاح الذي انتهي بزميل له إلى السجن عشرين عاما، علي حين أصبح هو المحامي الثري المرموق؛ و لأنه من ناحية أخري قد هجر الفن و الشعر، و آمن من خلال ممارسته العملية للحياة أنه لا مكان للفن الصادق فيها، و أن الفن قد أصبح مجرد لهو و تسلية في عصر سيطر فيه العلم علي الحياة سيطرة تامة ... و لا شك أن هذه الخيوط الثلاثة إذا تضافرت بصورة فنية ناجحة، يمكن أن تدفع بمثل هذه الشخصية إلى ما أصابها من ملال و قلق. و يمكن أن تنتهي بها إلى الإيمان بعبث الحياة، و بأن وراء كل تل? المتناقضات قانونا أزليا أكثر نظاما و منطقا... و الحق أن تلك الخيوط لم تتضح بصورة متساوية في الرواية، و لم يلتحم بعضها ببعض كما كان ينبغي؛ بل ال?اتب يشير إلى الأزمة الحقيقية في عبارات متناثرة هنا و هنا? في حوار مع الراقصة أو مع صديقه بطريقة منطقية واعية جامدة، فيها من التخطيط و التدبير في التماس وسائل الشفاء ما يناهض ذلك القلق الوجودي الحاد ليطفو الجانبان ( كفاحه السياسي و هجره الشعر و الفن و اللجوء إلى العلم ) علي الأزمة، فلا يظهر إلا في صورة ليس فيها من القوة و التلاحم و التفاعل مع اللحظة الحاضرة. أما اللحظة الحاضرة في حياة عمر فقد ظفرت بأ?بر قسط من نجيب محفوظ، حتي ليشعر القارئ بأن سأم المحامي من زوجته و رتابة الحياة العائلية هو أزمة الحقيقية. فالقارئ يفتقد في هذه الأزمة حتي نهايتها لوعة الصوفي و تأمل المفكر و قلق الشاعر و تجارب إنسان خبّر بحكم مهنته نوازع الناس و علاقتهم، و لا يجد أمامه إلا إنسانا متحذلقا في مهنته يدرسها دراسة عالم موضوعي في معمله ".38
و قد أشرنا فيما سبق أن الحبكة في هذه القصة مفككة، فأتت أزمتها الأصلية غير مرتبطة بالتضاربات السابقة خلافا للحبكات العضوية المتماسكة التي تأتي فيها الأزمة نتيجة للتضاربات الجزئية السابقة.
ه ) الذروة :
بعد أن سأم عمر الحمزاوي من مغامراته الجنسية، و وصل إلى النشوة الروحية حين يترقب مطلع الفجر في الصحراء، ظهرت في حياته لحظة التحول، فاستبدل بكتب الإشتراكية كتب الصوفية، و قرر أن يترك مكانه لعثمان، و لا يشار?ه في عمل، كما قرر أن يترك الحياة إلى كوخ صغير يستجدي فيه تلك اللحظة الفاتنة التي عاشها في الصحراء. فاتجه نحو التصوف و استغرق في سبحاته في ذلك الكوخ. فيبدو أن القصة ها هنا بلغت ذروتها و أوجها؛ و لكن هناك ذروة قوية أكثر حساسية من قبل تؤدي إلى انحلال العقدة، و هي اللحظة التي يطارد الشرطة عثمان خليل، و يصاب عمر بعيار ناري في ترقوته.
و ) الحلّ :
تنحلّ العقدة في رواية الشحاذ حينما يصاب عمر برصاصة، و هي تكون بمثابة الصدمة الكهربائية التي يفيق المريض بعدها. فشفي من مرضه، و أجاب الشرطة" ليس لشيء نهاية ".39 فكل شيء أصبح عنده ذا معني، و لا شيء عبث في الوجود. ثم تذكّر بيتا من الشعر يتردد في وعيه" إن تكن تريدني فَلِمَ هجرتني؟ "40. و هو ليس سؤالا بقدر ما جواب علي السؤال الذي طرحه نجيب محفوظ، و يجيب عنه بالطفل الموعود في أحشاء بثينة من عثمان خليل. و اعتبر ذل? ثمرة اللقاء بين الشعر و العلم و الثورة؛ و نحن نفهم من بيت الشعر الأخير في خاتمة الشحاذ ما ظل غامضا علينا طول الطريق، و لكنه الفهم المصنوع. و كان الفنان يقحم الحلّ علي مشكلة لا حلّ لها بدلا من الإنتحار، و لم يصنع أكثر من بيت شعر قديم يحث عمر الحمزاوي علي المزيد من السير إلى الأمام.41
تعليق عام :
البناء الرمزي في الرواية :
قد وظّف نجيب محفوظ الوسائل الرمزية لإثراء مضمون القصة،" فيبدأ بعنوان القصة الذي يختار له لفظ الشحاذ، فهي قصة تسول الحقيقة، بعد افتقار النفس و الإحساس بالخواء حيث فرغت من جوهرها الأصيل ".42
و كذلك أسماء شخصياته التي انتقاها، تحمل بعض الدلالات و الرموز،" فاسم وردة : رمز الذبول السريع، و إسقاط لفكرة نشوة الجنس الطارئة التي اعترت حياة الحمزاوي، و كانت وسيلة من وسائل الهروبية. سرعان ما تركها إلى تجربة التصوف. و نجد كذلك اسم زوجته زينب، و ما يوحي به من تقليدية و رتابة. هذا المعني الذي انسحب علي حياته كلها، إذ ترك الجهاد إلى الحياة التقليدية حيث الدعة و الطمأنينة و الحياة الرتيبة ".43 و هكذا شخصية عثمان خليل ليست إلا رمزا تجريديا للثوري المفترض أو المنتمي المثال، و رمزية عثمان رمزية تفصيلية، و التفصيل الرمزي في شخصيته أن روح الثورة الأبدية ليست طليقة في حياة عمر الحمزاوي، و إنما هي تعاني ويلات السجن و عذابات القيود. و كذلك عثمان يشكل الوجه الآخر لشخصية عمر، وجه الماضي، و لأنه ماضٍ، فإنه يبدو كشبح، و قريبا سيخرج الماضي من السجن فيتضاعف عذاب الوجود.44 و كان عمرالحمزاوي رمزا" علي الخواء الثقافي و الفكري، فمأساته في ثرائه المادي و خوائه الفكري، فحياته تعكس المفارقة بين الأقوال و الأعمال ".45
2- التوظيف الفني للطبيعة :
إنّ من أبرز مقومات القصة و أسرار نضجها الفني حقا ذلك الدور المهم الذي تقوم به الطبيعة في أجزاء القصة كلها، ففي كل لحظة نحسّها تلعب دورها المميز و الهام، نجدها في أغلب أحيانها صورة ثائرة غير مسقرة تمثل القتامة و الغموض، منسجمة مع اللحظة التي يعيشها البطل. فهي وسيلة يكشف من خلالها تطور نفسية البطل. لأنّ" المتتبع لعلاقة التوافق فيما بين الطبيعة الخارجية و ذات عمر التي فقدت توازنها فجأة ليمكنه بوضوح الوقوف عند التوظيف الفني الرائع للطبيعة لدي نجيب محفوظ في شكل مواكبة ترسم لنا صورة دقيقة و نامية لتحول صورة الطبيعة و انتقال ملامحها من مستواها الواقعي إلى مستوي اللامعقول و التهيؤات الذهنية الناتجة عن حالة الهوس و فقدان التوازن العقلي ".46
و لا يمكننا في هذه المقالة القصيرة أن نأتي بأمثلة كثيرة منها،47 لكن نجد علي سبيل المثال لا الحصر، تردّد ذكر شجرة السرو كثيرا علي لسان عمر الحمزاوي:" و لكنك مازلت تشقي باللوعة في البيت الصغير ككوخ تنبسط من حولك الأرض المعشوشبة و تحيط بها علي مدي السور أشجار السرو الرفيعة المقام "." و جلس تحت التكعيبة يشرب كأسا و يتلقي نفحات الربيع من وراء السرو ". و" صرخت حتي اضطربت لصراخي خلايا السرو". و نجده يفصح عن حبه لتلك الشجرة و ولهه بها حينما يضع تلك العاطفة في مقابل حبه لابتسامة وردة ، و سرعان ما عشق ابتسامتها ?ما عشق شجرة السرو ... و لعل استحضار محفوظ شجرة السرو علي لسان بطله و في مخيلته في شكل يكشف عن الوله الكبير بها، يؤكّد توق البطل إلى وجه الحياة الحي الآخر المفقود من خلال هذا التقابل الذكي في الصور و والدلالات، لأن شجرة السرو رمز للخضرة و الحيوية، فان استحضار عمر الحمزاوي إيّاها خلال أزمته التي كشفت لنا نضوب ينابيع روحه يؤكد هذا المعني.48
3- المنحي الصوفي في القصة :
تناول نجيب محفوظ التجربة الصوفية في هذه القصة، و لكنه توقف عند مظهرها الخارجي و لم يلج تفاصيلها العميقة لأسباب تتعلّق بطبيعة التجربة الصوفية ذاتها، لما يكتنفها من غموض تستعصي معه و تستحيل إلى معرفة ذاتية تقصر اللغة عن الإحاطة بدقائقها، و يظل الحديث عنها عاما و لا يصل إلى جوهرها.
و بعد أن أخفق الحمزاوي في مغامراته الجنسية و استبدل بكتب الإشتراكية كتب الصوفية و ترك الحياة و لجأ إلى كوخ صغير لكي ينجو من أزمته النفسية، أقبل علي التصوف و غرق فيه متطوعا، لكن النهاية، هذه لم تفده، و لم تقرّبه من المعني العميق للتصوف،49 بل كل ما" انتهي إليه هو ما يشبه الوجد الصوفي من جانب أو الإختلاط العقلي و الهذيان من جانب آخر".50 و لعل تصوفه" كان نوعا من إلغاء العقل، إذ تبين من تجربته الصوفية، أنها تجربة سيطرت عليها خيالات لاينتظمها منطق، و بهذا كانت نوعا من الغيبوبة الفكرية، لا الصحوة التأملية التي تحدث تغييرا جوهريا في تركيب الشخصية ".51
فهل أراد محفوظ أن يشير إلى عقم التجربة الصوفية؟ أم أنه الإخفاق في تقديم صورة معادلة لتجربة لم يستطع الإمساك بها حول التأملات الصوفية؟ و لعله استلهم تجربة التي عاشها أبو حامد الغزالي في ( المنقذ من الظلال )، و هو غادر حياته السابقة، الأهل و الالتزام الوظيفي بالتدريس و الإعتزال في مسجد دمشق بعد رحيله إلى الشام مغادرا العراق. لكن الفارق بين تجربة الغزالي و تجربة الحمزاوي هو الفارق بين الحقيقة في الحياة و الأخري التي يرسمها الفن، و لقد استطاع الأستاذ نجيب محفوظ إثارتها و لكنها جاءت في نهايتها باهتة و غير مقنعة، و ما ذلك إلا لصعوبة التجربة الصوفية و تقديم معادل موضوعي لها.52
4- اللغة و الأسلوب :
ينظر نجيب محفوظ إلى الأسلوب" كأنه وعاء يصبّ فيه أفكار شخصياته و مشاعرها ".53 و كان حريصا علي أن يحمل تلك الأحداث المادية الطويلة ما رمي إليه من دلالات نفسية. و كما أشرنا لجأ إلى تطعيم الأسلوب السردي بالمونولوج الداخلي جنبا إلى استخدام أسلوب الحوار استخداما رئيسا. و هذا شكل يتناسب و ما يقدّمه مضمون القصة من مناقشة القضايا المطروحة فيها. فهناك قضية العلم و الفن، و قضية الثورة و التصوف الخ. و كذلك من أبرز جوانب روعة أسلوبه استخدام عنصر الطبيعة و خلق لوحات فنية جميلة من الطبيعة نجد فيها الحركة و الحيوية، و كلها كانت لإيضاح أزمة البطل النفسية.
و نراه" يتأرجح بين استخدام العامية و الفصحي في بعض الألفاظ العصرية. فعلي حين يسمي الجرسون" النادل " و منفضة السجاير أو الطقطوقة" النافضة "، نراه يستخدم الراديو لا المذياع و الرموش بدل الأهداب، و الزعل بدل الغضب، و البرطمان بدل القارورة و غير ذلك من هذه الألفاظ. و يري أحد النقاد54 أنه يجدد في أسلوبه بحذر بالغ و ينسي أ ن التجارب الكبيرة الجديدة لا بدّ لها من أشكال جديدة يتحطم فيها علي يد الكاتب الكبير كثير من التقاليد، و يراه مغامرة فنية لاتحفل بالخروج علي المألوف، في حين تقتضيه طبيعة الموضوع.
و لقد كان لغة القصة هي لغة" الحكمة و النبوة و الشعر، أنها لغة التركيز و الشمول و العمومية و التجريد و الإيقاع العميق، لتناسب ما قدم من تأملات فلسفية و سبحات صوفية ".55
و هناك ألفاظ أجنبية كثيرة تقابل رأي السابق القائل بالتقليد عند نجيب محفوظ، منها : اكسلانس، الديكور، التليفون، برافو، التريانون، و غيرها من المصطلحات و الأسماء الأجنبية.
و أخيرا نشير إلى جانب آخر من استخدامه المضامين المادية بدافع فلسفي، و هو استخدام الجنس في هذه القصة بدافع فلسفي،" فهو يقدم هذا الاستخدام حيث تكون الفكرة الفلسفية هي الدافع للإنغماس في هذا الطريق ".56 و قد كانت نشوة الجنس أقصر من أن تهب عمر إيجاد ذاته، و لهذا قرّر أن يهرب إلى طريق جديد ظنه هو طريق البحث عن الحقيقة. إذن شاهدنا كيف يوظّف محفوظ جزئيات الشكل و المعني و يعطيها اهتماما تاما.
5- مدي تأثره بالروايات الغربية :
و أخيرا يجدر بنا أن نعيد النظر فيما تأثر به من صياغات الآخرين أثناء صياغته لقصة الشحاذ. و بخاصة عندما نجد قاضي التحقيق في" الجريمة و العقاب " لدوستويفسكي يوجّه الحديث إلى راسكولنيكوف قائلا :" إني أجدك واحدا من اولئك اللذين يقفون باسمين لمعذبهم، و هو يستخرج أحشاءهم و يمزقها، لو أنهم استطاعوا فقط أن يجدوا الايمان "، و كانه يوجه الحديث إلى عمر الحمزاوي ... فيصبح همّ نجيب محفوظ كهمّ دوستويفسكي تماما و هو النظر إلى تلك" الأخاديد السرية " في الروح. و الحمزاوي فيه الكثير من إيفان " يسيطر عليه شك كبير لم يجد له حلا.... و هو واحد من أولئك اللذين لا يرغبون في الملايين، بل يرغبون في إيجاد جواب علي أسئلتهم ". و قد يجد الجواب في الملايين كما يظن عثمان خليل، و لكن الملايين حينئذ لاتعني بالنسبة له إلا جوابا علي سؤال. و قد توجه إيفان و عمر الحمزاوي بسؤال مشترك " تري، كيف يمكن أن تكون الحياة جميلة جدا و في نفس الوقت فظيعة جدا "، كما يقول دوستويفسكي مستطردا " لقد أحب الحياة بقوة، أحب الأوراق الصغيرة الملبدة، عندما تأخذ في التفتح في الربيع و السماء الزرقاء... و هو قادر أن يقبل فكرة الله علي أنها فرضية، و لكن الشيء الذي لا يستطيع أن يقبله هو الظلم الموجود في العالم "، و إن تراوحت أشكال الظلم بين إيفان و ديميتري من ناحية و عمر و عثمان خليل من ناحية أخري. علي أنه بينما تكمن مأساة إيفان في أنه كتب عليه أن يعيش في عالم" كل شيء جائز"، فإن عمرالحمزاوي- علي النقيض منه- كتب عليه أن يعيش في عالم" لا شيء فيه مشروع البتة ". و من بين أسماء الثالوث الغربي الحديث" روكانتان في الغيثان " لسارتر، و" ميرسول في الغريب" لكامي، و" السأم "لألبرتو مورافيا، يبرز بطل السأم من بين أفراد أسرة الإغتراب و العبث أقرب ما يكون إلى بطل الشحاذ في تكوينه الفكري و بنائه الفني، و إن اختلفت المقدمات و النتائج في رواية الكاتب الإيطالي عنها في رواية الكاتب المصري. فدينو إبن المرأة الغنية يحس فجأة باشمئزاز غريب من أمه و من أموالها كتعبير عن اشمئزازه الأكبر من العالم و قواعد العيش فيه. و لكنه لا يجد المأوي في الرسم و إن جادت الصورة التي تركها بيضاء من غير سوء إلا من توقيعه أسفلها أكبر الدلالات علي نيل السأم منه بعد أن مزّق الصورة الأولي و هي في تمامها. و هو أيضا لايجد المأوي في أحضان سيسيل التي تبدو كالكون الصامت لا تحير جوابا علي أسئلته الضائعة في لياليه الشاذة معها. و لا يجد أخيرا سوي الرسام العجوز باليستياري يعانق فيه مرآة مستقبله الأليم، إذ ينتحر الرجل ذات يوم لغير ما غاية. و كذلك يفعل دينو، و لكن دون أن يصيبه الموت، بل يتم إنقاذه - ذلك الهارب من الحكم المشمول بالنفاذ - ليلقي مصيره بعيدا عن الحرية. فليس الإنقاذ هنا كجرح عمر الذي أفاق عليه في الغربة مرددا في ذاكرته ذلك البيت العجيب من الشعر، و إنما هو استئناف الحكم من جانب الوجود الصامت ليظل الكون - في نظر مورافيا- أخلد صمتا من كافة المحاولات لاستنطاقه. و لقد أفاد نجيب محفوظ بغير شك من رواية السأم هذا الحوار العقلي البارد العاري من كل زخرف عاطفي حتي يتيح للبطل الحد الأقصي من العري أمام الذات، كما أفاد منه فكرة الجنس كطرف في الحوار الوجودي لا كإشباع عابر. و أفاد منه كذلك فكرة المرآة المتنقلة مع البطل بعدد خطواته، فانتصبت شبحا جاثما علي الصدر باسم الثورة المأزومة في الشحاذ. و لكن هذه الفوائد جميعها تدخل في نطاق الأدوات التكنيكة، لا تحول ظلالها الفكرية من الإختلاف الجوهري العميق بين إنسان الغرب الحديث كما عالجه سارتر و كامي و مورافيا، و المنتمي العربي المأزوم أزمة مصيرية بالغة الضراوة و العنف في أعمال نجيب محفوظ.57
لهوامش و الإحالات :
(- هنا? اختلاف رأي بين أن هذه التي ألفها نجيب محفوظ قصة أم رواية، و الأگثر ذهبوا إلى أنها رواية.
1 - قضايا النقد العربي : قديمها و حديثها : داود غطاشة و حسين راضي، ص 124- 125.
2- دراسات في القصة العربية الحديثة : محمد زغلول السلّام، ص 292؛ و كذلك أنظر : مع نجيب محفوظ : أحمد محمد عطية، ص 101.
و الجهود الروائية : عبدالرحمان ياغي، ص 109 و مابعدها.
- 3 الرواية : ص 41.
4- نفسه : ص50.
5- نفسه : ص 9.
6- نفسه.
7- نفسه : ص 21.
8- نفسه : 91.
9- نفسه : ص 45.
10- نفسه : 46.
11- نفسه : ص 45.
12- نفسه : ص 46.
13- نفسه : ص 28.
14- نفسه : ص 29.
15- نفسه : 100.
16- نفسه : ص 105.
17- نفسه.
18- نفسه : ص 151.
19- نفسه : 120.
20- نفسه : 163.
21- نفسه : 170.
22- نفسه : 173.
23- النقد الأدبي : أصوله و مناهجه: ص 82.
24- راجع أول الهوامش، حيث جئنا ببيان في اختلاف التسمية.
25- قضايا النقد الأدبي: قديمها و حديثها : ص 126.
26 - نفسه.
27- نفسه.
28- في الأدب العربي الحديث : عبدالقادر القط، ص 170.
29- قضايا النقد العربي : قديمها و حديثها : داود غطاشة و حسين راضي، ص 137.
30- الرواية : ص 35.
31- الرمزية في أدب نجيب محفوظ : فاطمة الزهراء محمد سعيد، ص 203.
32- المنتمي في دراسة في أدب نجيب محفوظ : غالي ش?ري، ص 375.
33- الرواية : ص 99.
34- قضايا النقد الأدبي: قديمها و حديثها : ص 134.
35- الرواية : ص 5.
36- نفسه : ص 25.
37- نفسه : ص 45.
38- في الأدب العربي الحديث : ص 169.
39- الرواية : ص 170.
40- نفسه : ص 173.
41- المنتمي في دراسة في أدب نجيب محفوظ : ص 407.
42- الرمزية في أدب نجيب محفوظ : ص 204.
43- نفسه.
44- المنتمي في دراسة أدب نجيب محفوظ : ص 398.
45- الرمزية في أدب نجيب محفوظ : ص 206.
46- التوظيف الفني للطبيعة في أدب نجيب محفوظ : صالح هويدي، ص 45.
47- أنظر إلى : التوظيف الفني للطبيعة في أدب نجيب محفوظ : ص 104، 107، 144، 178 ، 189 ، 208.
48- نفسه : 106، 107.
49- الإسلامية و الروحية في أدب نجيب محفوظ : محمد حسن عبدالله، ص 262.
50- في الأدب العربي الحديث : ص 166.
51- الرمزية في أدب نجيب محفوظ : ص 201.
52- المنحي الصوفي في أدب نجيب محفوظ : محمد ناظم العبيدي، www. Sotakhr.com 2004.
53- في الأدب العربي الحديث : ص 170.
54- نفسه : ص 207.
55- الرمزية في أدب نجيب محفوظ : ص 206.
56- نفسه : 197.
57- المنتمي في دراسة أدب نجيب محفوظ : ص 408 - 410.
مراجع البحث :
1- الإسلامية و الروحية في أدب نجيب محفوظ : محمد حسن عبدالله، مكتبة مصر، القاهرة، 1978.
2- التوظيف الفني للطبيعة في أدب نجيب محفوظ : صالح هويدي، دارالشئون الثقافية العامة، بغداد، 1992.
3- دراسات في القصة العربية الحديثة : محمد زغلول السلّام، نشر المعارف، الإسكندرية، دون تاريخ.
4- الرمزية في أدب نجيب محفوظ : فاطمة الزهراء محمد سعيد، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، 1981.
5- الشحاذ : نجيب محفوظ، مكتبة مصر، دون تاريخ.
6- في الجهود الروائية : عبدالرحمان ياغي، دارالعودة، بيروت، 1972.
7- في الأدب العربي الحديث : عبدالقادر القط، دارغريب للطباعة و النشر و التوزيع، دون تاريخ.
8- قضايا النقد العربي : قديمها و حديثها : داود غطاشة و حسين راضي، دارالجيل، بيروت.
9- مع نجيب محفوظ : أحمد محمد عطية، دارالجيل، بيروت، 1977
10- المنتمي في دراسة في أدب نجيب محفوظ : غالي ش?ري، دار المعارف، مصر، 1969.
11- المنحي الصوفي في أدب نجيب محفوظ : محمد ناظم العبيدي، www. Sotakhr.com 2004.
1
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبد النور إدريس
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 8
آليات ومنطلقات الخطاب الديني
بقلم الباحث عبد النور إدريس
(تصدير:" القراءة التي تتم في زمن تال في مجتمع آخر تقوم على آليتين متكاملتين: الإخفاء والكشف"( د. نصر حامد أبو زيد .)
للخطاب الديني منطلقاته وآليات اشتغاله وهي تشتغل مجتمعة ، فـ "كثيراً ما تتداخل الآليات والمنطلقات إلى درجة التوحد في الخطاب الديني خاصة حتى ليستحيل التفرقة بينهما " (1).
إن الجدل الحاصل بين المنطلقات والآليات يحتم على الباحث تحديد مرتكزاته من حيث أن "المنطلقات تتأسس – من الوجهة المنطقية الصورية على الأقل- على الآليات" (2) .
وقد رصد الباحث نصر حامد أبو زيد خمس آليات للخطاب الديني ومنطلقين فكريين وقد اعتبر الآليات التالية من بين الأساسيات التي تحكم مجمل الخطاب الديني وتسيطر عليه:
- آلية التوحيد بين الفكر والدين.
- آلية رد الظواهر إلى مبدأ واحد .
- آلية الاعتماد على سلطة السلف.
- آلية اليقين الذهني والحسم الفكري .
- آلية إهدار البعد التاريخي.
إن النص الديني يوجد في إطار أسبقية آلياته على منطلقا ته وبطريقة آلية بين النصوص وبين تلقيها وهو بذلك يلغي المسافة المعرفية بين الذات والموضوع وقد يتجاوز ذلك إلى "ادعاء ضمني – بقدرته على تجاوز كل الشروط والعوائق الوجودية والمعرفية والوصول إلى القصد الإلهي الكامن في هذه النصوص" (3).
سأناقش هذه الآليات والمنطلقات بشكل موضوعي لاستجلاء الترسبات التي باتت تحكم العقل الفقهي الإسلامي وتؤثر على المسار التأويلي للنصوص الدينية.
1- آلية التوحيد بين الفكر والدين.
لقد كان المسلمون الأوائل يستلهمون من السيرة النبوية نبراساً يقتدون به في حياتهم اليومية وكان هاجسهم التفريق المنهجي بين مجالات تحرك النصوص الدينية والمجالات التي تخضع للخبرة الإنسانية وترتكن إلى النشاط العقلي وكانوا " كثيراً ما يسألون إزاء موقف بعينه ما إذا كان تصرف النبي محكوماً بالوحي أم محكوماً بالخبرة والعقل.كثيراً ما كانوا يختلفون معه، ويقترحون تصرفاً آخر إذا كان المجال من مجالات العقل والخبرة" (4) عملاً بمبدأ " أنتم أعلم بشؤون دنياكم" .
وقد انتقد حامد أبو زيد هذه الآلية في الخطاب الديني المعاصر من حيث دخولها منطقة " الحديث باسم الله".
وعندما يقر فهمي هويدي بأن "هناك إسلام واحد، كتاب واحد، أنزله الله على رسوله، وبلغه رسوله إلى الناس" (5) ، يكون قد ربط التأويل والاجتهاد في فهم النصوص من بين المستحدثات وبذلك فهذا الرأي حسب نصر أبو زيد أدى إلى ظهور نتيجتين:
النتيجة الأولى: "أن للإسلام معنى واحداً ثابتاً لا تؤثر فيه حركة التاريخ، ولا يتأثر باختلاف المجتمعات، فضلاً عن تعدد الجماعات بسبب اختلاف المصالح داخل المجتمع الواحد" (6) وهذه النتيجة تفترض وقوع الفهم في الحاضر بينما ينتمي النص إلى الماضي، وقد تؤدي هذه النتيجة إلى الثانية التي تقر بأن هذا "الفهم" ليس مشاعاً بين عامة الناس على اعتبار أن "هذا المعنى الواحد الثابت يمتلكه جماعة من البشر – هم علماء الدين قطعاً- وأن أعضاء هذه الجماعة مبرؤون من الأهواء والتحيزات الإنسانية الطبيعية" (7).
2- آلية رد الظواهر إلى مبدأ واحد .
لقد اعتُبر تصور هذه الآلية " امتدادا للموقف "الأشعري" القديم، الذي ينكر قوانين السببية في الطبيعة والعالم لحساب "جبرية" شاملة، تمثل غطاءً أيديولوجياً للجبرية الاجتماعية والسياسية في الواقع" (8)، فهذه الآلية ترجع جميع العلل إلى العلة الأولى أو المبدأ الواحد الذي يرجع جميع التحركات مرسومة مسبقاً والتي لا يد للإنسان في حدوثها وبحسب هذه "الحاكمية"*(9) المرتبطة بهذه الآلية فالإنسان يتحرك وفق ما هو مكتوب في "لوحه المحفوظ" ولا دخل له في كونه مثلاً سكيراً أو زانياً أو فقيراً أو غنياً أوكافراً أو ....وبذلك كانت مقولة "الجبر" ترجع كل ما ينتجه الإنسان من أفعال إلى إرادة الله وقدرته الشاملة من ذلك رد أبو حامد الغزالي على الفلاسفة في كتابه "تهافت الفلاسفة" بأن الله هو الفاعل على الحقيقة في كل جزئيات العالم وأحداثه وانتهى به الأمر إلى " هدار قوانين السببية .من هنا الاعتقاد الخطير الذي ساد الخطاب الديني في الثقافة العربية أن النار لا تحرق، وأن السكين لا تقطع" وأن الله هوالفاعل من وراء كل الأسباب" (10) .
3- آلية الاعتماد على سلطة السلف.
الفكر السلفي يجسد موقف النص الديني كنص مقدس من تحولات الواقع على امتداد التاريخ، وينتج الخطاب السلفي منظومة الثابت من وجهة نظر تطهرية(Puritan ) في الخطاب الديني عموماً فهو يقدم النص الديني باعتباره كاملا حسب الآية ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ (المائدة :3.) فبحسب هذا التوجه السلفي يجد المسلم إجابات قاطعة لكل مشاكله المستجدة وذلك بالرجوع إلى القرآن والسنة ومن ذلك فالإسلام دين شامل ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة﴾ (الأنعام: 38.)"فالإسلام حوار مستمر بين النص الديني والحياة الواقعية، أو جدل دائم بين ثابت أزلي وبين متغير متجدد" (11).
وإذ يرجع السلفيون أسباب تدهور أحوال المسلمين إلى ابتعادهم عن التعامل مع النص في منبعه يرجع الشيخ محمد عبده ذلك إلى جمود الفقه في فهم الدين واستمراره في التشبث بهذا الجمود يقول:"كان الدين هو الذي ينطلق بالعقل في سعة العلم، ويسبح به في الأرض ويصعد به إلى أطباق السماء ليقف به على أثر من آثار الله، أو يكشف به سراً من أسراره في خليفته، أو يستنبط حكماً من أحكام شريعته" (12).
تتحول في هذه الآلية أقوال السلف واجتهاداتهم إلى "نصوص" غير قابلة للجدل أو التجريح "بل يتجاوز الخطاب الديني هذا الموقف إلى التوحيد بين تلك الاجتهادات وبين الدين ذاته" (13).
وقد يرتبط بهذه الآلية الاستخدام الممنهج للغة القديمة في مناقشة القضايا المعاصرة للوقوف أمام مسيرة العقل والرجوع بالواقع الحالي إلى واقع مضى، وبذلك فالنصوص لا تملك الحقيقة خارجها من حيث محدوديتها بينما الوقائع غير متناهية تؤكد بالملموس أن قراءة النصوص الدينية لابد أن تأخذ بعين الاعتبار الثابت من دلالتها من المتغير، وقد كانت حياة الرسول(r) خير دليل على محدودية النصوص التي استوجبت نسخها لتماشي لانهائية الواقعة الاجتماعية يقول طاهر حداد "ونحو عشرين سنة من حياة النبي(r) في تأسيس الإسلام(...) أوجبت نسخ نصوص بنصوص، وأحكام بأحكام اعتباراً لهذه السنة الأزلية" (14)
4- آلية اليقين الذهني والحسم الفكري .
إن هذه الآلية تتلاحم عضويا مع آلية "التوحيد بين الفكر والدين" في الخطاب الديني المعاصر الشيء الذي يجعل المتشبعين بهذه الآلية من المسارعين بتجهيل خصومهم وتكفيرهم دون هوادة، فهذا الخطاب لا يقبل بالاختلاف على اعتبار أنه يمتلك الحقيقة الشاملة والمطلقة وبذلك يلجأ إلى لغة الحسم الفكري على أساس اعتبار أن الإيمان الديني هو "أن يعتقد المؤمن أنه على حق، أن مخالفه على باطل، ولا مجاملة في هذه الحقيقة" (15).
5- آلية إهدار البعد التاريخي.
تنتمي النصوص إلى الماضي بحكم لغتها التي تعتبر عند اللغويين كائناً يتطور وينمو ويموت فـ" يؤدي التوحيد بين الفكر والدين إلى التوحيد مباشرة بين الإنساني والإلهي، وإضفاء قداسة على الإنساني والزماني" (16) وقد يغالي الخطاب الديني في الاطمئنان إلى مسلماته وجعل حلول الماضي قابلة للتطبيق على الحاضر و" لا يكتفي بإهدار البعد التاريخي الذي يفصله عن زمان النص، بل يزعم لنفسه قدرة على الوصول إلى القصد الإلهي" (17) .
وتتمتع النصوص من وجهة نظر هذه الآلية على نفس قداسة النصوص الأولى مكثفة في ذلك محو البعد التاريخي والارتكان إلى الصفاء الأول وتفسير أزمة المجتمع الإسلامي المعاصر إلى ابتعاده عن "منهج الله" وبذلك تلتقي هذه الآلية بمثيلتها وهي آلية رد الظواهر إلى مبدأ واحد.
فالمقدس احتل في المنظومة الإسلامية موقعاً متميزاً الشيء الذي جعل سلطة المصدر التشريعي الأول تنبني على الإيحاءات الأولى للمقدس الذي يتماهى مع ذكورية المجتمع الحاضن، فيستمد المقدس قوته وعنف دلالاته من ثباته.."من ترسيخ المقولات وأنظمة التفكير وصيغ التعبير على أساس الصلاحية المطلقة، إنه يمارس عنفه عندما يُصر على إعادة إنتاج مضامينه، لا طبقاً للحظة وإنما عبر زمن تشَكَّل نهائيا" (18).
2- المنطلقات الفكرية.
1- إهدار السياق التاريخي: مبدأ الحاكمية.
يتماهى عنوان كتاب ابن تيمية "موافقة صريح المعقول بصحيح المنقول" مع أحد المنطلقات الأساسية التي تأسست عليها الثقافة العربية الإسلامية وجعلت للعقل الدور الأساس في فهم النصوص وتأويلها، وقد اشتغلت النصوص الدينية التي أسست لمفهوم "الحاكمية" على أساس تدخل تأويل الخطاب الديني وفقها للفصل بين المختلفين في وقائع جزئية ولقد جاء في سورة النساء الآية 65،﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ فمسألة التحكيم تستمد مشروعيتها هنا في حياة الرسول (r) إلا أنها تشير في دلالتها القطعية بسورة المائدة الآية:43، على عدم تجاوز هذه الوضعية خارج دائرة ما فصلت فيه النصوص الدينية ﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله﴾، فكما لليهود كتابهم للنصارى إنجيلهم ﴿وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه﴾ (المائدة الآية:47). ولذلك فما على المسلمين إلا أن يتّبعوا كتابهم ليؤكدوا أن في ذلك حكمة إلهية قد أسست للإختلاف في مبدأ الوحدة يقول تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء لجعلكم أمة واحدة﴾ ( المائدة الآية: 48)
لقد دعا بنو أمية إلى "تحكيم كتاب الله" في موقعة صفين كحيلة اخترقت باسم النص الحق الشرعي في الخلافة، وهي حيلة نقلت الصراع من المجال السياسي إلى المجال الديني، حيث أصبح العقل تابعاً للنص متخلياً عن استقلاله "وتتحدد كل مهمته في استثمار النص لتبرير الواقع أيديولوجياً"(19)، وقد تشبث "الخوارج" بموقفهم من التحكيم وفق مبدأ "لا حكم إلا لله" بالرغم من أن الإمام علي قد أسس لمشروعية تعدد القراءة في قولته الشهيرة "القرآن بين دفتي المصحف، لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال" .
إن مفهوم الحاكمية مفهوم مرتبط ببنية الخطاب الديني الذي يعتمد في موقفه الفكري على مبدأ "لا اجتهاد مع النص" الذي يفترض الامتثال لسياقه والمفروض عدم خروجه عن سياق النزول وقد جاء في سورة المائدة الآية:44 ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ فإذا كان الخطاب الديني بإقراره مفهوم الحاكمية يرمي إلى استبعاد تحكم البشر واستعبادهم لبعضهم البعض، "فإن هذا المفهوم ينتهي على المستوى التطبيقي إلى تحكيم بشر من نوع خاص، يزعمون لأنفسهم احتكار حق الفهم والشرح والتفسير والتأويل، فإنهم هم وحدهم الناقلون عن الله" (20).
فالحاكمية المطلقة هي أساس الدعوة وقد تجسد معنى الآية في جعل الإنسان خليفة في الأرض "فالتفويض الإلهي في الإسلام بالحاكمية المطلقة، يشكل إذن، أساس الدعوة، أما النبوة، فتشكل التعبير المادي لهذا التفويض عبر جبريل، بمعنى إقامة حاكمية لله عبر رسوله في الأرض" (21)، وبذلك فالخلافة الأمنية للسلطة الإلهية غير تبادلية أي لا تنتقل من الله إلى أولي الأمر في مادة الطاعة ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ (سورة محمد الآية: 33) ولهذا فالمنهج الإسلامي يكتمل بوفاة النبي (r) حسب قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾(المائدة الآية: 3).
إن حاكمية الفقهاء تجعل الاجتهاد بمنزلة النص المقدس وبذلك فالرافض لحاكميتهم يجعل الفاعل من بين الكفرة والزنادقة والملحدين بوصفه مجادلاً لحكم الله، وقد عرف السيد قطب الحاكمية مقرونة بالتصور الإسلامي للشريعة فاعتبر شريعة الله "تعني كل ما شرعه الله لتنظيم الحياة البشرية وهذا يتمثل في أصول الاعتقاد، وأصول الحكم، وأصول الأخلاق، وأصول السلوك، وأصول المعرفة أيضا"(22) وبذلك أصبح المقدس في الخطاب القطبي مشبعا بالمضمون السياسي من حيث منطقه الداخلي حيث مثلت لفظة الحاكمية مفهوما أساسيا عنده تُدخل العقيدة ضمن الشريعة متأثراً في ذلك بصيحة الخوارج الأولى عند تأسيس الدولة الإسلامية "لا حاكمية إلا لله" والتي "خلطوا فيها بين (حكم الله) بمعنى القضاء الديني الذي لأجله كان الله هو الشارع الوحيد، وبين (الحكومة) بمعنى الإمارة السياسية، فجعلوا الدولة والإمارة والسياسة دينا خالصا، ومن ثم رفضوا أن يكون للبشر دخل في السياسة والحكومة"(23) وبذلك يصبح مفهوم "الحاكمية" عند السيد قطب "يميز بين مجتمع وآخر بين مملكة وأخرى على أساس الحاكمية فيها، فإن كانت الحاكمية فيها لله وحده فالمجتمع إسلامي وإن كانت الحاكمية للبشر فإن المجتمع جاهلي" (24)
"إن الحاكمية سلاح خطير يفقد البشر أي قدرة على تغيير واقعهم أو تعديله، لأنه ينقل مجال الصراع من معركة بين البشر والبشر إلى معركة بين البشر والله" (25).
إن نقل الصراع بين البشر إلى صراع بين الذات الإلهية والبشر في الخطاب الديني له من المثالب ما ينعكس على نفسية المسلم بالسلب فيفرغ وعي الإنسان من إيجابياته وبقدرته على حل مشاكله، "الأمر الذي يؤدي إلى تأبيد الواقع الآني الزماني بإضفاء ذلك البعد الميتافيزيقي عليه"(26).
2- إهدار السياق الثقافي: النص الديني وتفسيره.
إن القضية الأساس التي يغيبها الخطاب الديني هي قضية البعد الثقافي- التاريخي لهذه النصوص والذي يتعلق بالمفاهيم في تاريخيتها من خلال منطوقها واجتماعيتها، فالنصوص ثابتة في المنطوق متغيرة في المفهوم "الأمر الذي يؤكد أن للمفاهيم بعدها الاجتماعي الذي يؤدي إهداره إلى إهدار دلالات النصوص ذاتها"(27). هذا وقد استدرك نصر حامد أبو زيد القول بإمكانية النصوص وقدرتها على إنتاج دلالتها مع استطاعتها مخاطبة عصور تالية أو مجتمعات أخرى وخاصة النصوص التشريعية - دون نصوص العقائد أو القصص- التي يتفق حولها الخطاب الديني من حيث قابليتها لتجدد الفهم واختلاف الاجتهاد في الزمان والمكان .
ومن ضمن الإشكاليات العميقة داخل الخطاب الديني هو جمود الدلالة اعتمادا على مبدأ "لا اجتهاد مع النص" الذي تحول خرقه إلى اعتماد الفقهاء الاجتهاد بالترجيح بين آراء القدماء والاختيار منها.
وللتذكير فقد كان القدماء لا يشيرون إلى القرآن والحديث باسم النصوص بل يستخدمون للدلالة على: - النص القرآني (الكتاب، التنزيل، القرآن)، - النص الحديثي (الحديث، الآثار، السنة).
وقد عرف الإمام الشافعي النص باعتباره وحدة دلالية غير قابلة للتفسير في قوله "مستغنى فيه بالتنزيل عن التأويل"، إلا أن إشكالية السياق تظل حاضرة في بناء النص على مستوى إنتاج الدلالة أي على مستوى التنزيل والتأويل باعتبار الثقافي يستدعي الاجتماعي الذي يقصد بالسياق الثقافي للنصوص اللغوية "كل ما يمثل مرجعية معرفية لإمكانية التواصل اللغوي"(28) وهي غالباً المرجعية التي تجعل النصوص الدينية ومن خلال السياق الثقافي تظهر دلالتها على اعتبار أن تعدد مستويات سياق القراءة "تعد جزءً من منظومة السياق المنتجة لدلالة النصوص، وليست مجرد سياق خارجي إضافي"(29).
إن اضطراب مستويات السياق في تأويل النص الديني يجعل مستوى التفسير والتأويل يحيد عن طبيعة النص مهدرا بذلك سياقه اللغوي والمعرفي الخاص المتحكم في إنتاجه لدلالته.
الهوامش:
1- د.نصر حامد أبو زيد، " الخطاب الديني، رؤية نقدية.." دار المنتخب العربي دراسات إسلامية، بيروت- لبنان الطبعة الأولى سنة 1992 ص: 21.
2 - المرجع السابق، ص: 21.
3 - نفس المرجع السابق ص: 22.
4 - نفسه ص: 22.
5 - فهمي هويدي " القرآن والسلطان" دار الشروق، القاهرة الطبعة الثانية سنة 1982، ص: 7.
6 -"الخطاب الديني، رؤية نقدية..." المرجع السابق ص: 23.
7 - المرجع السابق نفسه ص: 23-24.
8 - نفسه ص: 25.
9- الحاكمية ،تعتي في التحليل النهائي الاحتكام إلى النصوص الدينية .بالرغم من أن هذه النصوص لا تستغني عن البشر في فهمها وتأويلها، والحاكمية الإلهية تنتهي في الحقيقة إلى حاكمية رجال الدين.
10 -"الخطاب الديني، رؤية نقدية..." نفسه ص: 30.
11 - د.حيدر إبراهيم علي،"الاتجاه السلفي"مجلة عالم الفكر المجلد 26 العددان 3- 4 يناير 1998 ص:13
12 - الشيخ محمد عبده" الإسلام دين العلم والمدينة، دار سينا ،القاهرة بدون تاريخ ص: 150.
13 -"الخطاب الديني، رؤية نقدية..." نفسه المرجع السابق ، ص: 28
14 - الطاهر الحداد "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الدار التونسية للنشر تونس، 1992، ص 31.
15 - فؤاد زكريا" الصحوة الإسلامية في ميزان العقل" دار الفكر ، القاهرة ،الطبعة الثانية، سنة 1987، ص: 40.
16 - "الخطاب الديني، رؤية نقدية..." نفسه ص: 37.
17 - هو المرجع السابق نفسه ص: 38.
18 - التيجاني القماطي "المقدس والعنف" مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 98-99، 1992، ص 34.
19 - نفسه المرجع السابق ص: 42
20 - المرجع السابق نفسه ص: 56.
21 -د.هيثم مناع "المرأة في الإسلام" دار الحداثة للطباعة والنشر،بيروت لبنان الطبعة الأولى سنة 1980، ص: 33.
22 - سيد قطب "معالم في الطريق" ، دار الشروق، القاهرة سنة 1993 ص: 116.
23 - د.محمد حافظ دياب "سيد قطب الخطاب والأيديولوجيا" دار الطليعة, بيروت, ط2, 1988, ص: 92.
24 - أحمد الحذيري "الفكر الإسلامي المعاصر بين العقيدة والأيديولوجيا" مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد: 92-93 سنة 19**ص:31.
25 -"الخطاب الديني، رؤية نقدية..." المرجع السابق نفسه ص: 56.
26 - المرجع نفسه ص: 56.
27 - هو نفسه المرجع السابق ص: 57.
28 - د. نصر حامد أبو زيد" النص، السلطة، الحقيقة..الفكر الديني بين إٍرادة المعرفة وإرادة الهيمنة" المرجع السابق ص: 98.
29 - المرجع السابق نفسه ص: 113.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: فادي الزرعوني
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 8
الرد على كتاب مأساة ابليس
للكاتب صادق جلال العظــم
فادي الزرعوني
تمهيد
بداية لنحاول أن نقرأ مما جاء في صفحات الكتاب من النقاط الفكرية التي يريد الكاتب استنباطها والتي هي بالنتيجة الصورة النهائية التي يريد الوصول اليها فالبحث العلمي ايا كان كاتبه ومصدره فلا بد له من ناتج يصل اليه والا فأنه بحث عقيم ، وأن تمهيد الكتاب ينطلق من محاولة نقاش ان ابليس شخصية وهمية ابتدعها العقل الانساني عبر علاقة المشاعر الانسانية بالاديان ، وقد مر بمرحلة من التطور تلازم مع النقاش الديني عبر الكتب الفلسفية الدينية بحيث اسبغت عليه قدرات وافعال وطاقات جبارة خارقة لتخفي عبرها مكامن السقوط لنظرية الخلق الواردة في بعض الكتب السماوية ، وقد عبر الكاتب من خلال بحثه واسترساله باستنباط التأويلات من مصادر مشكوك او بالاحري مجزوم بتناقضها مع رواية الخلق الديني كحالة استشهاد بالباطل للوصول الى هدف باطل ، فجاء عمله كمن يطفيء النار بالنار ، ودليل هذا اعتماده في كتابه وبمقتضى النص على فكر الفيلسوف الالماني (ارنست كاسيرر) والذي ما دأب يناقش الدين باعتباره اسطوره واعتباره ان الكون موجود دون خالق ، وأن مطلع الكتاب الذي يتحدث عن معايير علمية للبحث حول المسألة المطروحة قد اضطرته وعبر البحث عن دلائل قاطعة الى اللجوء للنص القرأني لايجاد ثغرة في لغته او مكامنه العلمية او ابداعه اللغوي ليسقط عليها فكرته القاضية بنسف فكرة وجود الخالق عبر نسف صيغة وجود مخلوق واعتبار ان الخلق امر علمي جاء من كون الطبيعة بمكونات عناصرها والمادة فيها هي اساس عملية النشوء والارتقاء الكوني وان الخير والشر امور قائمة بذاتها متحركة عبر الانفعال العضوي والتفاعل العقلي والانساني ، وان تصادم هذه المعايير مع الوقائع فتح ثغرة في التحليل العلمي للكاتب فالتجأ الى عملية انقاذ روتينية سبقه اليها الكثيرون من المستشرقين المهتمين والباحثين فاستند الى المارقين على المعتقدات الفكرية الدينية او الذين وقعوا ضحية اقتناعهم بأن العقل البشري قادر على الوصول الى الحقيقة الكاملة للوجود والالمام بكل الجوانب فيه ، وهناك عند الاصطدام بالسقف الذي لا يمكن للعقل تجاوزه والذي لم يصل اصلا وعبر ملايين السنين الى فهم كينونة الخلق لانه استخدم عنصرا واحدا من عناصر الخلق التكويني دون غيره وهو العقل فقط ، فلجأ الى مقولات التطرف التي ومهما حاولت ان توسع من دائرة قدراتها وطاقة فعلها فهي لن تصل الى الحقيقة المجردة لان كلمة ومفهوم التطرف يعني بالضرورة انه يأخذ طرف المسألة لا الانطلاق من وسطها والنظر اليها بشمولية تمكن من فهما . وقد ضاع التطرف عبر مراحل متلاحقه في مسألة الخلق ووجود الخالق فأحد وجوهه قد اتجه نحو رفض الوجود للرب المعبود ، والاتجاه الاخر اكد الوجود ونسج له علاقة خاصة من معرفته بالخالق وصلت الى حد العلاقة الخاصة التى تجاوزت حدود العرفة والعلم والعقل ووصلت الى التوسل بالغيبيات لتحقيق نظرتها ، ومن هؤلاء كان (الحلاج) الذي اعتمد الكاتب على كتابه ( الطواسين ) وايضا كتاب( ابن الجوزي )( تبليس ابليس ) وهما كتابين يتصفان بالغلو والمفاخرة بالعقل فسقط اصحابها بفخ التعليل من موقع الايمان وتهاوى موقع الجلال عبر البحث في عقلية الاستدلال . ولا بد من الاشارة الى ان استخدام لغة القران وكلماته واياته دون فهم موقعها وتفسيرها واسباب نزولها قد اوقع الكاتب في مازق اذ ان اي عودة للقاريء الى المعاجم المتوافرة يمكن ان توضح الثغرة التي تم النفاذ منها وهي عدم معرفة القاريء لهذه المقومات اللغوية وهذا ما بدا واضحا في تفسيره لمسألة ( مكر الله ).والتي نسج منها ادق الخيوط التي ظن انها حاسمة لوجهة نظره باعتبار استخراجه منها لمقولة وقوع الظلم على ابليس بمقتضى تفسيره للكلمة .
ولا بد ان نشير ان عملية استدلال الكاتب على عملية الخلق وابهام صورتها في الكتب السماوية باعتبارها مركب نقص وحاول عبر هذه الثغرة النفاذ الى الربط بين الغيبية وعدم الوضوح والمثيولوجيا الدينية التي افردها العقل البشري وفتح افاقها وطورها الى ما نراه اليوم من صراع بين الخير والشر مستخدما مصطلحات لا تمت للقصة الدينية بصلة متناولا المسألة مجزوءة على قاعدة ( ولا تقربوا الصلاة ) تاركا الشق التوضيحي للامر لان التعاطي مع هذا الشق له دلالاته العلمية التي تنسف القاعدة الاساسية التي بنى عليها فكرته للكتاب . وحتى لا اتهم الرجل دون دليل ولكي لا يكون الكلام ترتيبا انشائيا ? وحتى نبني على الشيء مقتضاه فأن النص الذي الزم نفسه به رافضا الاعتراف بالخالق وبديمومة الخلق وبمسمياتها وبالتالي نتاج فعلها كما جاء في النص (سأختتم هذا الجزء التمهيدي من بحثي بالتأكيد على أن كلامي عن الله وإبليس والجن والملائكة، والملأ الأعلى لا يلزمني على الاطلاق بالقول بأن هذه الأسماء تشير إلى مسميات حقيقية موجودة ولكنها غير مرئية) هذا النص يدلل بوضوح انه لم ينطلق للنقاش من اجل اثبات او نفي موضوع البحث بل من موقع التعارض معه ونفيه واستند الى كتابات ودراسات من المنحى نفسه ? وهو ما يجعله غير مؤهل لنقاش الموضوع بتجرد وبطريقة علمية ? وهذه واحدة من اهم الثغرات التي تقوض بنيان افكاره ? اضافة لهذا فأن طرحه لمسألة الخلق قد تعاملت بطريقة اطلاق قوة الفكرة المادية الذاتية في صنع الكون الا انه اصطدم مجددا بعدم وجود نتاج نهائي يمكن ان يقدمه كنظرية واضحة لنشوء الكون والخلق فترك الامر عالقا بانتظار احداث نظريات جديدة ? فصار واضحا انه مهتم بتقويض النظرية الدينية اساسا دون تقديم بديل بدلائل عقلية ? ومن الملفت للنظر ان كتابه يناقش النظرة الاسلامية لمسائل الخلق والوجود وابليس ? ولم يتطرق الى هذه القضايا من ناحية الاديان الاخرى علما ان في الانجيل والتوراة روايات تعنى بالمسألة مما يشير الى احد الامور التالية ? فهو اما متعمد كجزء من واقع الحرب على الاسلام باعتباره يحتوي بين جنابته ادق الرسالات السماوية تصويرا للغيبيات والمرئيات في النظام الكوني وبالتالي فأن تكريس اي نظرية جديدة في هذا المضمار لا بد ان يسبقها انهيار النظرية السابقة او على الاقل تقويض بناها، او لتكريس مبدأ فصل الدين عن الدولة والتي جاء بها الاسلام من واقع العقيدة والتي ورغم الانهيارات الكبيرة في بناها ورغم التجارب الفاشلة المستجدة للانظمة العربية والاسلامية التي استجدمت الدين وسيلة لسلب السلطة والهيمنة على مقدرات شعوبها الا انها لم تسقط من الوعي الشعبي اهمية الارث العقائدي للاسلام ? او استكمالا لعمل الاستشراق الغربي الذي مارس عبر عقود طويلة سياسة تستهدف تفريغ النتاج الاسلامي من العلوم والثقافة والابداع بهدف نسبها الى الغرب كجزء من حملة استعادة زمام المبادرة التى انطلقت بعد انهيار كيان الدولة الاسلامية على المستوى العالمي بعد احتلال الاندلس . والتي استهدفت دراسة الشرق الذي اغتنى واغنى العالم بالرسالات السماوية من مختلف اوجهه تمهيدا للسيطرة عليه وهنا لا بد من الاشارة الى ان للاستشراق وجهان متناقضان احدهما يناقش وجود الامم في الشرق باعتبرها نبراس حضارة لا بد من فهمه والاستفادة من تركيبته وعقائده في البحث والعلوم والتطور ? ووجه اخر يستهدف عبر المنطلقات عينها سلب الشرق المقدمات العلمية التى ارساها عبر اجيال باعتباره عالم يتسم عبر عقائده بالتخلف ولا يجوز له التمتع بالامتياز الحضاري الذي هو من حق الغرب وحده وهو اثر نراه في الكثيرين من دعاة التشبه بمفهوم الاستشراق هذا ويعمل جاهدا على نسب نفسه ودائرته الاجتماعية والثقافية والكيانية الى الغرب رغم جذوره الضاربة عمقا في ارض الشرق . ونموذج كاتبنا في رؤيته لاوضح دليل على هذا ومثله باتوا كثيرين يعملون وعبر نظريات مشوهة الى استغلال حالة الضعف والانهيار من اجل تغيير المواقع عبر تزييف الوقائع .
هذا تمهيد للدخول في نقاش عقلي جدي وعلمي الى كتاب صادق العظم والى الحلقة الاولى من الرد!!!!
القسم الاول : الوجود- الكون – المادة – الخالق
الوجود
ان البحث عن الوجود قد انطلق مع ادراك الانسان لكونه جزءا من منظومة متحركة هو جزء منها ? وكان لاتساع الكون ? وتعدد اشكال الخلق وتنوعها من حيث التكوين والسمات ? اثر في فتح افاق البحث والتدقيق والتي كانت بمجملها بدائية على قدر التجربة الانسانية مع الوعي في ذلك الوقت، واتجه منطقه ومن واقع التجربة ان قوة ما ذات عظمة وقدرة بالنظر الى حجم الكون واتساعه وراء هذا الوجود ? ووصوله الى نقطة وجود القوة لم ينبع من الفراغ انما كان تعبيرا عن تجربته بالتعاطي مع استمرار وجوده بين الكم الهائل من المخلوقات والتي كان التعايش معها وبينها وعبر استخدامه لقوته في تحقيق ذلك ? فهكذا باتت القوة شكلا للوجود ارتبط بوعيه ? وان اضفنا العوامل الطبيعية بكل ما تحمل من متغيرات وأن كان الانسان لم يفهم اسس وجودها ? انما كان متعايشا مع نتاجها كالشمس والمطر والليل والنهار وتعاقب الفصول وايات البرق والرعد والعواصف . وحتى لا اتهم بالمثالية في النظرة ? فلو ان انسانا ينام في فلاة لا احد فيها جائعا عطشا متعباواستيقظ ووجد امامه مائدة فالطبيعة البشرية تقتضي منه للوهلة الاولى ان يبحث عمن جاءه بالطعام ومن اين وكيف ؟؟؟؟
وتؤشر الكتب السماوية ? الروايات المنقولة حول نبي الله نوح كأول نبي صاحب دعوة للتوحيد على الارض والذي تناقل عنه الاولون بناء السفينة ووضع فيها من كل المخلوقات زوجين ? وجاء بعد ذلك الطوفان الذي اثبتت دراسات العلم الحديثة حصوله ? وبغض النظر عن تصديق الرواية ام لا فأنها وفي نسج التاريخ اول تعبير عن تجاوب الانسان مع فكرة وجود الخالق !!!! لا بد هنا لاستكمال الفقرة القول ان عبادات اخرى سبقت ولحقت هذا التأريخ شملت العديد من اوجه القوة والقدرة كعبادة الحيوانات القوية كالاسد والنسر ? والظواهر الكونية كالشمس والقمر والنجوم وصولا الى حالات عبادة بشرية اتصف اصحابها بصفات القدرة المتنوعة ? ولا بد من الاشارة هنا ان اثبات الطوفان الكبير الذي اغرق العالم يترابط في الوعي البشري برسالة نوح عليه السلام وهو ما نصت عليه الكتب السماوية الثلاث( إستنادا على التوراة وسفر التكوين في العهد القديم من الكتاب المقدس فان نوح كان ابن لاميخ وكان يعتبر الجيل العاشر بعد آدم وكان عمره 600 عاما عندما اوكل الخالق له مهمة بناء السفينة ومات 350 سنة بعد الطوفان وكان عمره عند الوفاة إستنادا على التوراة 950 عاما. وإستنادا الى نفس المصدر فانه من أبناء نوح الثلاث إنبثقت البشرية بعد الطوفان وكان ابناء نوح) ?( يصور العهد الجديد من الكتاب المقدس نوح كشخصية قريبة ? مطيعة للخالق الأعظم ويضعه إنجيل مرقص في نفس منزلة إبراهيم ? يعقوب [18]، ويتكرر في العهد الجديد الفكرة القديمة بأن بناء السفينة استغرق 120 عاما كان نوح أثناءها يحاول إقناع الناس باتباع ما أمر به الخالق الأعظم)
(استنادا إلى القرآن فإن نوحا لبث في قومه يدعوهم إلى عبادة الله ألف سنة إلا خمسين عامًا (سورة العنكبوت) وأن الله أمره ببناء سفينة كان قومه يمرون به وهو في عمله فيسخرون منه (سورة هود) وأنه قد نزلت كميات كبيرة من الأمطار مع تفجير الله للأرض عيونا مما أدى إلى حدوث الطوفان (سورة القمر). وحسب سورة هود فإن أحد أبناء نوح قد كان كافرًا خالف أباه في دينه وقال «سآوي إلى جبل يعصمني من الماء» ولكنه غرق وأن السفينة استقرت على جبل الجودي وليس آرارات وجبل الجودي يقع في تركيا أيضا ويبعد 200 ميلا عن جبل آرارات بالقرب من الحدود التركية مع سوريا ? العراق)
لقد اوردت المقتطفات من الكتب الثلاث للتدليل عن ارتباط احداث الكون العظيمة والمثبت الكثير منها علميا اتصالها بالوعي البشري الديني ووجود الخلق والخالق بغض النظر عن اعتبارها حقيقية او نسجا من الخيال الانساني .
وان تحولات القصة الدينية قد مرت بالعديد من المراحل فسقط منها تأليه الحيوانات صاحبة القدرة وبقي البحث يدور حول البعيد الغامض والمرئي في الكون ومحاولة تجسيد الخالق بصور متعددة تأخذ اشكالا خارجة عن المألوف كالجمع بين الانسان والحيوان في قالب واحد كما عند قدماء المصريين ? اضافة الى رمزية الشمس والقمر وصولا الى ادعاء الملوك حق الالوهية المباشر او بالتبني كما جاء في التراث الفرعوني وتأتي المباني الفرعونية الضخمة كالاهرام او الحضارات التي وجدت اثارها في امريكا مثل حضارة المايا للتدليل على التعظيم البنيوي نسبة للتعظيم الالوهي
ما يمكن استنباطه مما تقدم ان مسألة البحث في الكون لا بد مرتبطة بالبحث عن الخالق وان احد اهم اسباب دوافع البحث هذا هي العملية التنظيمية التي يتصف بها هذا الكون فأن حركة تواتر الليل والنهار وتوالي الشمس والقمر وتتابع الفصول وقصر النهار او تطاول الليل تبعا للمتغيرات الكونية وتنوع اثار الوجود المخلوق من حجر بارد واخر حار وماء سائل واخر جامد وتنوع الالوان والاشكال والانواع في كل متجانس منسجم مع متطلبات الانسان هي عملية ابداعية لم يستطع الانسان نسبتها الى ذاتية الكون والمادة فيه ? فكان دائم البحث عن المسبب لهذه المعطيات وكلما كبر حجم الاثر كبر حجم الخالق او تباعدت الفكرة المرئية عنه لصالح الغيبية خصوصا وأن عملية الاتصال لم تثبت عبر الادعاءات الكثيرة بحصوله ? وهو ما ثبت دور الوساطة بالتلقي عبر من اصطلح على تسميتهم بالانبياء والذين لم يدع احد منهم انه تلقى مباشرة بل عبر وسيط اصطلح على تسميته بالروح القدس ? قد يرى البعض هنا ان تداخلا بين الغيبية والعلمية يظهر في البحث ? وهذا صحيح الى حد ما ولكن بشكل مقنن حتى لا نحيد عن المنهج المتوخى من الوصول الى النتائج بطريقة علمية ? ولكن لا بد من وضع مقياس او زاوية للنظر الى الامور فأنت ان نظرت الى صورة بطريقة مباشرة تختلف تفاصيلها ودقة وضوحها عما ان كان نظرك اليها من زاوية تبعا لموقع الصورة من الزاوية ? ولكوني لا استهدف الجمع بين الغيبية والفكر ? ولا اسعى الى الصدام والصراع بينهما ? يبدو من المنطق ان آخذ كلتا الرؤى بعين الاعتبار علما اني سأحاول ان اكون اكثر تعتيما على الغيبية واكثر قربا للوضوح مع عالم الفكر انطلاقا من الواقع السائد والذي يتهم المنهج الديني بنقل العبودية من الخالق الى المخلوق ? وأن كانت الممارسات الخاطئة قد اسهمت في اختلال التوازن لمصلحة الفكر وهذا بالطبع ايجابي الا انها الصقت الخطايا بالجسم الفكري للدين بحيث يبدو مختل اصلا وهي واحدة من الافكار السائدة الظالمة التي ترى الامور بقياس محدود الزوايا مبتدعة قوانين خاصة يصعب تطبيقها على حيثيات انسانية وفكرية مشابهة ولو نظرنا الى الفكر الحديث ومكنون النقد الذي يتبناه والبحث الذي يرتقي للوصول اليه لوجدناه ينطلق من مكونات البحث القديمة ذاتها حول الوجود واصل الكون مع الاخذ بعين الاعتبار القيم الفكرية الحضارية المتواترة عبر حركة الوعي العلمي الذي اسهمت التجارب البشرية عموما بأنتاجه.
الكــــون
ابعاد لا محدودة ? قيم مطلقة ? نظام ثابت ? الية متحركة ? وضوح في موقع الغموض ?غيبية الانطلاق ? تناقض الموجود بين التنظيم الهائل وموقعية الحدث ? نور في ظلمة ? وظلمة في نور ? قيود في حركة ? وحركة مكبلة ?يقترب مع البعد ? ويتباعد مع الاقتراب ?في اللحظة التي تعتقد وصولك الى حقيقته تسقط الحقيقة في عالم الغيب ليبدأ البحث من جديد !!!!
في كل مفردة من هذه المفردات قياس علمي وثقافي وفكري تناولها وبحث فيها واثبت وجودها وعاد للبحث من جديد ? نظرية تتلو الاخرى كل منها يتطابق مع الواقع ثم يسقط بالتقادم مع حركة تطور الفكر والوعي ? وهو ما يشير الى ان امكانية سبر اغوار الكون ليست عصية فقط على الوعي البشرى بل وعلى مقولات الخيال ? وان كثيرا من افلام الخيال العلمي الحديثة كلما حاولت ان تختزل الكون في صورة من الصور مهما تعددت فهي تنحو من جديد باتجاهات اخرى ? والبحث في الكون من واقع الفكر العلمي اشبه ما يكون بحلقة هوليودية فيما تتحضر لتصوير فيلم ومع انطلاقته تكون قد انطلقت فكرة جديدة لفيلم اخر ? هذا ليس تقليلا من قيمة البحث العلمي وافاق تطوره بل اقرار بسعة الكون وصعوبة دراسته لاسباب تتعلق بالقدرات البشرية التي انطلقت من نظرية مادية الكون المفردة وكلما وصلت الى نتاج في الحقل عينه ظهرت ابعاد وافاق من موقع اخر تعيد البحث الى نقطة صفر جديدة ? صحيح ان انجازات علمية عديدة في معرفة الكون قد باتت اقرب الى الثبات ولكنها بمقياس اتساع الكون وتنوع موجوداته ومكوناته وتنظيمه لا تعدو كونها نقطة في بحره .
نظرة فحص الى هذا الكون لنرى ما فيه ? الابعاد سحيقة ? المجرات هائلة العدد والاتساع ? حلقات الدوران المنتظمة ? ايقاع من الجاذبيات المختلفة تؤدي عملية تعليق في سياق حسابات دقيقة متماسكة بعضها ببعض ? وفي مجرتنا مليارات من السنين تتابعت وكل جرم منها متحرك في دائرة وجوده تتالى عملية ظهوره في الوقت والموقع عينه على مدار الزمن لا خلل ولا اختلاف ولا عوامل تتجاذب القمر ليخرج عن مداره ? والكواكب الاخرى تحوم في مداراتها ? وعملية النظام القابع خلف كل هذا لا زال في طور التمحيص والتأويل !!! لا العلم وصل الى حقيقته من خلال التطور ? ولا القيم الدينية اشبعت نهم المتفحصين والباحثين ?امر واحد اجتمع عليه منهجا الدين والعلم في مسألة بداية الكون فقد توصل العلم الى ما اجمع على تسميته بالانفجار الكبير كنقطة بداية لوجود الكون المادي ? ويفسر علماء الدين الاسلامي الاية30 من سورة الانبياء بهذا المعنى (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ).
المـــادة
من الثابت علميا ان العناصر الاساسية للكون تتألف من 102 عنصرا ترتبت حسب وزنها الذري بدءا بالهيدروجين باعتباره اخف العناصر بوزنه الذري ، فهو يحتوي في نواته على شحنة واحدة موجبة يحملها بروتون واحد يحيط بها الكترون واحد ذو شحنة سالبة ، وفي نهاية العناصر عنصر النوبليوم ورقمه الذري 102 اي ان نواته تحمل 102 من وحدات الشحنة الموجبة ومثلها من السالبة وقد أثبت العلم التجريبي أن خصائص هذه العناصر غير نهائية وغير ثابتة، بل يمكن تبدل بعضها ببعض، وهذا التبدل بعضه يتم بصورة تلقائية، وبعضه يمكن إحداثه بالوسائل العلمية. فعنصر اليورانيوم - مثلاً - يطلق انواعاً ثلاثة من الأشعة، منها أشعة (الفا) وهي عبارة عن ذرات عنصر الهليوم، ويتحول اليورانيوم تدريجياً إلي راديوم، ويتحول الراديوم - بعد عدة تحولات عنصرية - إلي عنصر الرصاص.
وقد تمكن العالم الطبيعي (رذرفورد) من تحويل عنصر إلى عنصر آخر بجعل ذرات الهليوم تصطدم بذرات الآزوت، فنتجت ذرة هيدروجين من ذرة الازوت، وتحولت ذرة الازوت إلى اوكسجين.
وهكذا غدا من الثابت أن خصائص العناصر ليست ذاتية للعناصر.
على ضوء الحقائق السابقة.
1 - إن المادة الأصلية للكون المادي ترجع إلى حقيقة واحدة مشتركة.
2 - إن خواص المركبات التي تتكون من العناصر - هذه الخواص ليست ذاتية بالنسبة إلى المادة الأصلية، وإنما هي عارضة عليها بسبب التركيب، وليس عن الطبيعة الاساسية المكوِّنة للمركب.
3 - إن خواص العناصر البسيطة التي يتكون منها العالم المادي أيضاً ليست ذاتية لتلك العناصر وليست نهائية بدليل تحول بعض العناصر إلى بعض آخر كما رأينا.
4 - وأخيراً إن صفة «المادية» ليست ذاتية للمادة المحسوسة، لأنها تتحول - في نهاية المطاف - إلى طاقة.
ان عملية تفاعل الهيدروجين والاوكسجين يولد الماء فأن كان هذا قانونا خاصا بذاتيتها فلما تبقى اجزاء منفصلة ومتحررة في شكلها وتركيبها الاصلي فرغم وجود الماء المكون منهما الا ان وجودهما ايضا كعنصرين منفصلين موجود ايضا مما يدلل على ان صفة التفاعل ليست ذاتية !!!!! أن المادة ليست ديناميكية، وليست هي نفسها سبباً ذاتياً لاكتساب خصائصها وتنوعها . فخاصية السيلان في الماء عرضية جاءت من اتحاد عناصره، وإذا فرزناها ترجع إلى حالتها الغازية وتنعدم خاصية السيلان وهذا كله يقودنا الى التساؤل التالي كيف وجدت المادة في الكون ؟؟؟؟؟ كما وان نظرية الانفجار الكبير والتي نشأ عنها الكون هي بحد ذاتها تحمل صفة التشتيت كونها انفجارا فكيف انتج انفجار هائل المواد المشكلة للكون والمفترض ان تكون في حالة تباعد نتيجة الانفجار، وهي من منطق التباعد هذا جاءت بهذا الابداع المنتظم وتسلسل العناصر واتساعها مع اتساع الكون ? وانشأت الابعاد الكونية في صفات من الدقة والتناسق، اوبعد هذا الا يوجد فاعل ؟؟؟؟ اليس هناك من قوة خلف هذا الابداع، وان لم يستطع العلم بالعقل الواعي ان يصل الى حقيقة بدء الكون فأن رفض نظرية الرتق والفتق القرأنية يصبح مجرد مناكفة لا علاقة للعلم فيها خصوصا وأن ايات اخرى شرحت عملية الخلق الاول ضمن اطار يشجع على العلم والاطلاع والبحث وهو منهج السابقين الذين اتخذوا من دينهم نبراسا للانطلاق نحو العلوم التي انتجت علوما عالمية في شتى المجالات والابداعات التي ما زالت اساسا حضاريا حتى اللحظة الراهنة كامثال الخوارزمي وابن سينا ? وابن حيان هؤلاء الذين الهمهم دينهم وسائط البحث العلمي فأبدعوا في العلوم الطبيعية التي تجلب السعادة للانسان . هم امنوا بالله الخالق وأمنوا بكتابه الذي كانت اول اياته وصولا تبدأ بما يحث على العلم ( اقرأ ) فمن هو الله ؟؟؟؟؟؟
****************
الخالــــــق
اللـــه لفظ الجلالة ? مسمى لم يطلق الا على الخالق ?ومهما علت قدرات الانسان العقلية والروحية فلن يصل الى الخالق ولا يوجد بين ايدينا اي قانون يؤدي الى ذلك ولكن يمكننا ان نعرف الله عبر صفاته التي وصف بها نفسه وعبر مخلوقاته التي اوجدها وعبر المسار الذي نراه للكون في ابداعه .
وقبل البدء بهذا اود الاشارة الى قول للامام على كرم الله وجهه حينما سؤل عن الله وما شكله فاجاب برد حكيم عالم بديع يؤكد معرفته الحقة المؤمنه بالله ولكن من منظار ما اضاء الله لعباده المؤمنين من عقول عظيمة فقال لسائله ( مهما خطر ببالك فالله غير ذلك) ووصف الله نفسه في سورة الشورى الاية 11 بقوله ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) وبين هذان الوصفان وما سنطرحه من ايات الخلق ومعجزاته يمكن ان نعرف الله ? اما من يعتقد بوجود صورة حسية في المكان والزمان فهو واهم ? ولن الجأ الى الوصف القرأني حتى لا اتهم بالتعصب ولن اجادل المسميات في الاديان الاخرى ومفهوم الله لدى كل منها فهذا سيجرنا الى موقع اختلاف !!! ما يهمني في هذا السياق ان الاديان الثلاث قد اجمعت على وجوده بغض النظر عن المسميات .
ان عدم اقرار البعض بوجود الخالق لن يبدل من واقع الامر العلمي الذي وبدراسته يثبت وجوده وعلى صاحب المفهوم الاخر ان يأتي بدليل نفي الوجود اذ ان الشواهد المؤكدة للوجود لن تحتاج الى كثير من البحث ? ولننظر الى عملية التناسق في خلق الكون ومسألة الجاذبية الكونية كمثل علمي لا يرقى اليه الشك فأن عملية تموضع المجرات وتلازم الجاذبية بينها وصولا الى مجرتنا والتي يسر العلم المكتشف امكانية دراستها يرينا بوضوح حالة التواصل بينها وبين نقاط دورانها حول نفسها وحول مسارها ومنذ مليارات السنين في ايقاع منتظم، الا يدعو هذا الى التساؤل من هو المنظم لهذا الايقاع ? والارض التي نحيا عليها وهذه الشمس ? والقمر والريح والمطر التي تأتي مسخرة لخدمة استمرار الانسان وباقي المخلوقات فمن سخرها ومن وضع نظامها الذي نعيش من خلاله منذ الاف السنين دون اختلاله ? فلا يقولن احد الطاقة، فالطاقة قد ثبت ان لها بداية ونهاية لذا فهي لا تحمل صفة الخلق والتنظيم ?هو الله وان عدم رؤيته لا ينفي وجوده فالريح موجودة ونحيا عبر وجودها ولا نراها ? والروح موجودة وبانتفاء وجودها تتوقف الحياة ونحن لا نراها فأن كان الامر هكذا مع مخلوقات الله فكيف بالخالق ? واعتقد ان البحث في وجود الله بشكل اساسي ينحصر عند الباحثين بصفات علاقته بالمخلوقات خاصة منها الانسان ? وهي العلاقة التي شابها الكثير من العوالق رغم وضوحها بالتكليف، وبسبب سوء تفسير التكليف ومساويء استخدام السلطة الدينية لاهداف دنيوية تعرضت العلاقة الى متغيرات انتقائية حدد اطرها شكل التعارض ونسبة اقترابه او ابتعاده عن الخاصية الانسانية، وبنظرة مباشرة الى الامر نقول ان التعرف على الخالق عبر فهم تكوين المخلوقات من خلال اية العلم يوصلنا الى اثبات حقائق قد تغيب في خضم الاخطاء فتبعد الباحث عن اسسها ? فالانواع المرئية للمخلوقات على الارض تتجسد في اربع الجماد وهو في حالة جامدة ? والنبات وهو في حالة النمو ? والحيوان وهو في حالة النمو والحركة ? والانسان وهو في حالة النمو والحركة ومميزا بالعقل ? وهنا اشارة توضيحية لا بد منها ان نسق الخلق يوكد تراتبية الاجناس بحيث ان اعلى الادنى يأتي في ادنى المرتبة العليا فأن اعلى حالات الجماد هي التى تتصل بالنبات وتحمل بعض خاصياتها ? وارقى حالات النبات هي التي تصل الى كونها نهاية في سلم الحيوان ? واعلى سلم في الحيوانية يقترب من الانسان ? ويكفي توضيح كيفية احداها بما ينعكس على البقية فأن اعلى ظواهر الجنس الحيواني تتمثل في تقليد الببغاء او القرد للانسان ولكن هذا التقليد لا يحيله الى انسان لان امتلاك خاصية التقليد والحركة والتوالد لا يرتقي الى العقلانية التي تميز بها الجنس البشري عن سائر المخلوقات ? وهو ما سبق ودفعني الى رفض المسمى العلمي بأن الانسان حيوان ناطق اذ ليس النطق هو الميزة التكوينية بل العقل وهو ما لم يتصل بالمخلوقات الاخرى ? وان نسبة الخاصية الحيوانية للانسان هو عكس لاية الخلق في منظومته التراتبية التي ابدعها الخالق .ومن اسرار الخالق في خلقه انه جعل بعض خاصياتهم مسيرة وأخرى مخيرة تبعا للضرورة الحياتية، فالتنفس ? ونبضات القلب هي من المسيرات والنمو كذلك وتصور ان تنفسك اختياريا فماذا تفعل عند النوم ؟؟؟ اما الاختيار فموقعه العقل وانت من يحدد ابعاد الاختيار وتتحمل مسؤولية نتاجه . فهل هذا كله بتنسيقاته وترتبية ضروراته يمكن نسبه الى المادة ام الى من خلق المادة وكون منها مشيئته في خلقه .
البحث الكامل والمتعمق حول وجود الله يحتاج الى استغراق اكبر في التفاصيل ? ولان الموضوع الذي نحن بصدد نقاشه يلامس مسألة الخالق اضطررنا لوضع خطوطه العامة والتي يمكن تجديد البحث فيها في دراسة منفصلة ? وفي القسم الثاني انشاء الله سننطلق من عملية بدء الخلق التي تعرض لها الكاتب ومسألة ابليس تفصيلا وتوضيحا عبر المقاييس عينها التي استعملت حتى الان !!!!!!! ? والى القسم الثاني
القسم الثانــــي : ادم وابليس – الثواب والعقاب
لقد استخدم الكاتب ايات تتصف بالعمومية في وصف ابليس والحديث عنه وتناسى الايات التي تتحدث عنه بتحديد ووضوح وانطلق من كونه من الملائكه الذين شاء الله خلقهم مجبورين على طاعته ( لا يعصون الله ما امرهم ويفعلون ما يؤمرون )? واشار الى اية السجود ( واذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا الا ابليس ) فاعتبر ارداف اسم ابليس بالملائكة في الاية تأكيد لزعمه ان ابليس ملاك وخلق على الجبر للمشيئة وان عصيانه كان تدبيرا الهيا الهدف منه اخراج ادم من الجنة مشيرا الى ( مكر الله ) كصفة تتداخل مع المشيئة وافترض بالتالي ان رفض ابليس للسجود كان لازما وان سجوده كان مستحيلا ? والاشارة هنا واضحة فهو يستهدف النيل من ذات الخالق جل وعلا ولان الحجة بالحجة والنص بالنص فنقول :
ان ابليس لم يكن من الملائكة بل كان من الجن ? (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) [الكهف: 50] هذه الاية تنص بوضوح قاطع ان الكاتب استخدم النص القرأني الذي يتلائم واهواءه ومراده من الكتاب وتجاوز عن ايات اخرى لانها تنسف معتقده وتسقط السند الذي تعلق به ? هنا يأتي التاكيد جازما ان ابليس ليس من الملائكة المقهورين على الطاعة بل هو خلق اخر من الجن ولهم صفات اخرى . كما وان ذكر الشيطان ورد في الكتاب المقدس والتوراة في امثلة مشابهة لم يستخدمها الكاتب لشرح افكاره فهل يعتقد ان النصوص مزيفة او ان وراء هذا استهداف لابراز الحيثية الاسلامية في نكران وجود الخالق عبر الغاء وجود المخلوق او بالضرورة اثبات ان الخالق وهم تم تصويره عبر مزيفات قصصية انسانية لا ترتقي الى مصاف الكتب المقدسة ونرى في الكتب المقدسة الاخرى ما يتشابه في الحديث عن الشيطان والحية والانسان وان باختلاف لغوي يشير الى طبيعة اللغة المستخدمة فيها !!!!
ولنعد الى حيثية النقاش فقد اشار القران الكريم ان ابليس كان من الجن وقد خلق قبل ادم عليه السلام وان خلق ابليس كغيره من الجن من نار (وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ )الحجر 27 ووردت في اية اخرى(وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ) الرحمن 15 وهكذا نجد اننا مضطرون لتوضيح صفة الخلق فأن الله قد خلق خلقه على نسقين ? خلق مقهور على الطاعة وهو خارج مسألة الثواب والعقاب كالملائكة والشمس والقمر وغيرها من وسائط الخدمة وخلق خلقين على الاختيار الجن والانس ومراد خلقه محدد الاهداف (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات 56 وهذا يحدد سبب الخلق وهوالعبادة وعلى الصعيد البشري اذا ما اردنا وصف الحب باعلى مراحله لشخص ما ولتحديد كبر حجم الحب فاننا نصفه بانه حتى العباده ? فالله خلق خلقه لعبادته تعبيرا عن حبهم له وهل يكون الحب بالاكراه وأي حب يكون مفروضا ? ومن هذه الحيثية يصبح مقصد الاختيار واضحا ? فقد خلق الله الانس والجن على قاعدة الاختيار في الايمان به وعبادته وحبهم له ?وابليس وادم من هذا النوع من المخلوق اعطي المعرفة والعقل لا كزينة بل لاستخدامها في كل مناحي الوجود واهمها اختيار الايمان من الكفر واختيار الحق من الباطل ولو كان الانسان مسيرا لما كنا نخوض هذا النقاش الذي يتصف ببعض تفاصيله بالخوض في وجود الخالق وهي ارادة نختارها ولم تفرض علينا . اذا فأن امر السجود لما صدر للملائكة كانوا مقهورين على الطاعة وهنا لا بد من الاشارة الى ان امر السجود لم يكن للملائكة كافة بل الى القسم الذي سيتولى خدمة ادم (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ ) وهذه الاية تدلل ان العالين هم قسم من الملائكة لم يؤمر بالسجود ورد عدم سجود ابليس الى الاستكبار وجاء رد ابليس حاسما ومؤكدا لهذه الاية (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ) الاسراء 61 ورد ايضا في اية اخرى في مسألة التمايز والتفضيل (قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ) اذا فمرد عدم السجود لم يكن جبرا من الخالق بل اختيارا من ابليس لما رأى انه تفضيل للنوع على ارادة فعل الخالق ولو لم يكن مختارا لما عصى ولسجد سجود الملائكة .
وهذا يجرنا الى توضيح مسألة السجود التي علق عليها الكاتب فليس كل السجود عبادة فالكثير من بلدان الشرق الاقصى تعتبر سجود الصغير للكبير احتراما كما وان للسجود في القران وجه اخر كما سجود اخوة يوسف واباه له كنوع من التبجيل لما اعطاه الله وليس من قبيل العبادة ،وهكذا فأن سجود الملائكة لادم لم يكن عبادة له بل سجودا لقدرة الله في ابداع خلقه لادم وللكينونة التي خلقه عليها من الاختيار ، واما تساؤل الملائكة عن خلق ادم كما جاء في سورة البقرة 30 (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) فمرد هذا التساؤل يرجع الى معرفة الملائكة بوجود خلق من الجن كانوا يعيشون على الارض قبل خلق ادم عليه السلام وقد تقاتلوا فيها وسفكوا الدماء ، إن الغاية من أمر الملائكة وإبليس بالسجود للحقيقة الانسانية ممثلة في آدم هي اظهار ان جميع القوى الكونية مسخرة لأجل الانسان وتقدمه، وذلك لأن الملائكة أسباب إلهية وأعوان للانسان على تقدمه الروحي والمادي، وسعادته الاخروية والدنيوية. وذلك لأجل تأكيد معنى خلافته في الأرض.
ومن هنا فرفض إبليس للسجود ) وهذه هي الغاية من السجود ( تعبير منه عن رفضه الاعتراف بالمنزلة التي أعطاها اللّه للانسان، ورفضه لأن يجعل نفسه حيث أراده اللّه أن يكون عاملاً في سبيل تقدم الانسان وسعادته الروحية والمادية.
وقد أدرك إبليس المنزلة العالية التي جعلها اللّه للانسان، وأدرك أن الأمر بالسجود نتيجة لذلك، فرفض الاعتراف بهذه الحقيقة، وأن الاجابات التي وردت على لسان ابليس كتبرير منه لرفض السجود اكدت انه عمل اختياري فهو قد تباهى بالجنس والنوع ففاضل بين النار والطين والتكبر، والتفاضل النوعي هنا باعتباره خلق من النار اصله مردود اليه فلا يوجد في الترتيب الاسلامي للخلق مفاضلة من هذا النوع انما هو بفعل التكبر الذي احسه كتبرير لعدم السجود مفترضا ان امر السجود قد اعلن من اجل ادم وانه باعتباره محبا لله ولا يسجد لغيره تعظيما ومحبة فهو قد انكر الامر ورفضه وكون ابليس من الجن وهم كالبشر مخلوقون على الاختيار فأن رفضه جاء من موقع اختياره وليس من موقع الاجبار والاكراه كما صوره الكاتب العظم . ودلالة اخرى على ما تقدم من مسالة الاختيار فأن الرد الذي اتى به بعد ان وصل الى ما قد جنته يداه يمثل الاصرار على متابعة الاختيار دون توبة ويرد الامر بالتكبر والمفاضلة الى خالقه بسبب خلقه من نار وهذا تفسير ما جاء في الاية ( قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ) فالاغواء هنا جاء في موقع اللوم على الله لانه ادرك ان المفاضلة التى اطلقها هي التي ادت به الى التكبر وعدم السجود فاراد نسبها الى الخالق وهي النقطة التي حاول الكاتب ان ينفذ منها كمسلمة فتبنى راي ابليس ورفض كلام الله عز وجل وهذا يؤدي الى توضيح مبتغاه من مناقشة المسألة ، واما مسألة ان الجن مخيرون كمثل البشر ففيها دليل قرأني اخر جاء في سورة الجن الذين استمعوا الى القران فامنوا اي انهم لم يكونوا مؤمنين وقد فعلوا بعد استماعهم للقران (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ) الاية 1 (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ) سورة الجن اية 2 وهذا يدلل على ان الجن لديهم كما عند البشر اشراك بالله وان الايمان اختياريا منهم بعد سماعهم القرأن ، وقد يرى البعض في هذه الادلة استنادا الى غيبية جاء بها القران الكريم ، وهذا ما سبق واشرت اليه في البداية ان الكاتب لجا الى هذا المنحى فاضطررنا للرد على القول بالمثل ، خصوصا وان المصادر المتوخاة في هذا المجال على ارضية علمية مثبته غير متوفرة .واما في مسألة الثواب والعقاب فمنذ خلق الله خلقه على قاعدة الايمان بالاختيار ثبت مبدا الثواب والعقاب فالقرار الذي يتخذه المخلوق سلبا ام ايجابا سيكون ارضية حسابه وان التوبة للعبد مقبولة ما لم تبلغ الروح الحناجر ، وعطفا على مسألة ابليس فقد بقي على اصراره على موقفه وكل ما طلبه تمديد الوقت (قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) سورة الاعراف 14 وهو استمهال لاجل الاستكمال للعداء الذي اختاره لنفسه ضد البشر اما ادم فقد تاب واناب فتاب الله عليه . لم نحاول هنا ان نتوسع في كل المعايير المطلوبة لادراك التفاصيل باعتبار ان هذا يحتاج الى متسع كبير ، ولتكملة الصورة من وجهيها لا بد ان نضع الاية التي وردت على لسان ابليس متوعدا ادم ونسله (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) سورةص 82 اذ انطلق في كلامه بالقسم بعزة الله تأكيدا منه على قدرة الله وتابع في الاية الثانية تاكيده لادانة منطقه بأغواء نسل ادم الا العباد المخلصين (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) سورة ص اية 83 فمن هم الممخلصين من العباد ؟اليسوا هم على نقيض موقفه من الكفر وعدم الانصياع والكبر ، اليس المخلصين اصحاب اختيار الايمان الذين اختاروا محبة الله وطاعته في تشريعه واتباع عقيدته ، فيما من سيغويهم هم اصحاب اختيار الكفر والذين سيسقطون في حبائل رغباتهم وتكبرهم وعدم انصياعهم لتشريعات الخالق فيما احل وحرم، اليسوا هم من يشركون مع الله الهة المال والدنيا والكفر الا يدلل هذا على الاختيار لهم ومن خلفهم من يوسوس لهم والذي تقف حدود وسوسته عند حدود الايمان والالتزام بطاعة الله .
وتأتي الصورة الثانية هنا في موقع توضيح اسباب اختيار الكاتب للحلاج وكتابه الطواسين لايضاح ما تبقى من غموض ، وحري بنا القول ان الحلاج كفر من موقع الايمان كمثل ذنب ابليس اذ انه تصور ان حبه لله وشدة ايمانه اباح له المحظورات التى منعها الله عن انبيائه فادعى اتصاله بالله ونسب الى نفسه ما يتجاوز حدود المخلوق ووصل الى التشبه بالخالق عندما قال وعلى مسمع الناس ( انا الحق) تعظيما لذاته وكان مصيره حكم الموت ، اذا ومن هنا يسقط مفهوم الغرابة من استخدام الكاتب لهذا السند اذ ان الطيور على اشكالها تقع ،كما ويتضح ان هذا المسلسل مترابط مع قسم الاغواء لابليس فقد اغوى الحلاج من حيث يظن انه اعلى الناس شأنا بالايمان فاصابه ما اصاب ابليس من الكبر وصولا الى الكفر ، وسنترك للقسم الثالث ما تبقى من نقاط اثارها الكاتب في حيثيات كتابه.
القسم الثالث: هذا بيت القصيــــد
لسوف نناقش في هذا القسم القضية المحورية للكتاب اذ وبنص الكاتب ان هذه الخلاصة التي يتوخاها من كتابه وهي بالنص :( رأينا أن إبليس واقع في قبضة قهرة خاضع خضوعاً تاماً لقدره وأحكام مشيئته، شأنه في ذلك شأن بقية المخلوقات، مما يبطل مفعول الأمر والنهي عنه. إذا كان هذا القول صحيحاً لماذا طرده من الجنة بحجة الأمر والنهي؟ بالإضافة إلى ذلك قدر اللـه منذ الأزل من هم أصحاب الجنة ومن هم أصحاب النار. والأدلة الدينية على ذلك عديدة أورد منها، على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، الحديث القدسي التالي: "إن اللـه تعالى قبض قبضة فقال هذا إلى الجنة برحمتي ولا أبالي وقبض قبضة هذا إلى النار ولا أبالي" (35). ولكن بالرغم من ذلك أنزل اللـه الكتب وأرسل الرسل وشحنها بالأمر والنهي وميز بين الحلال والحرام، وما فائدة كل ذلك لمن كان مجبوراً بحكمته ومستعملاً فيما قدره عليه.
4) إذا كان اللـه صانع الأشياء كلها ومقدر الخير والشر على عباده لماذا أراد للناس أن يعتقدوا أن إبليس هو سبب الشر والمعصية ولماذا شاء تحميله أوزار أولئك الذين خلقهم للشر وأجرى الشر على يديهم؟ هل باستطاعتنا أن نعلل هذه المفارقة بردها إلى إحدى الصفات الإلهية المعروفة؟
أعتقد أن الصفة الإلهية التي نبحث عنها للإجابة عن هذه الأسئلة هي صفة المكر. وإليكم بعض الآيات القرآنية التي تبين طبيعة هذه الصفة)
بداية جاء الكاتب بما يدعي انه نص لحديث قدسي من كتاب لمحمد المدني ليستشهد به في سبيل نسج خيوط فكرته الاساسية والحديث القدسي بما هو متعارف عليه هو حديث منقول عن الله عز وجل وهو ليس بقرأن وبنتاج تحقيق واسع حول الامر توصلنا الى ان هذا الكتاب يحتوي على 864 حديثا قدسيا مقسمة على ثلاث اوجه :
134 حديثا مثبتين في الصحيحين
78 علمه واتصاله ضعيف
609 مسكوت عنه ولا يعرف عنه شيء .
والنص الذي اورده العظم لا يتوافق مع القسمين الاولين وان اصلا مشابها في الصحيحين سند اتصاله الى عمر بن الخطاب رضوان الله عليه مقطوع اذ ان الراوي عن عمر لم يعش في فترة حياته بل تلقى النص عبر مجهول واما النص المروي واخرجه الترمذي ( عن مسلم بن يسار ? ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الاية ( واذ اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم فقالوا بلى شهدنا ان تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين )- قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يسأل عنها فقال :( ان الله خلق ادم ثم مسح ظهره بيمينه ? فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة ? وبعمل اهل الجنة يعملون ? ثم مسح ظهره ? فاستخرج منه ذرية ? فقال :هؤلاء خلقت للنار ? وبعمل اهل النار يعملون )ويقول الترمذي ان هناك راوى مجهول بين يسار وعمر وهذا اضعف سند الحديث ) علما ان وجه الاختلاف بين الحديثين واضح ? وغني عن القول هنا ان جملة من الاحاديث القدسية وحتى المنسوبة الى الرسول الكريم عليه افضل الصلاة والسلام هي من الاسرائيليات المدسوسة والموضوعة وكثير منها تسرب من مصادر فارسية وهندية ويونانية وهكذا نرى كاتبنا القدير يلجأ اولا الى كاتب خرج على الدين وقتل لذلك وها هو في النسق الثاني يأتي بنص مشبوه لحديث مشكوك لاثبات تأويلات الصفات التى يود نسبها الى الخالق ؟؟؟فلماذا!!!
اما انه على ضعف كبير باللغة العربية التي هي لغة القرأن او انه يستضعف اللغة ليستقوي عليها الفكر الذي ينتمي اليه ويروج له فباستناده الى هذا الحديث استنبط الكاتب صفة الزمها لله جل وعلا وهي صفة المكر والعياذ بالله ? اذ لم يجد في اسماء الله وصفاته العلى من عزيز وقادر ورحيم وجبار وتتمتها الى تسع وتسعون ? ما يشفي غليله الفكري المتنور فاستحدث صفة المكر التي اعتقد جليا انه لا يعرف معناها الحقيقي بل اخذ منها صفة الخديعة للتدليل على خداع الخالق لابليس ومن خلفه البشر جميعا وفي محطات متعددة عبر استخدامه لايات محددة دون النظر الى تتماتها او سابقها او لاحقها والاصل في اسباب نزول الاية ? ليستدل على مكنوناته الفكرية الدالة على مكر الله واستهزائه بمخلوقاته واصفا الله بما يتجاوز عنه مخلوقاته من تعظيم سيء للمكر والخديعة والاستهزاء فيما بينهم فكيف ان كانت صفة الخالق وقبل ان يخلق احدا بل وصفها واستخلصها باعتبارها امرا مبيتا منه عز وجل عما يصفون .
وعود على بدء العلم والعقل وبعيدا عن الرد العاطفي ما هو المكر في اللغة ؟؟؟!!!
عندما تتشابك اغصان الشجر الكثيف ويتعذر على الناظر ان يعرف كل ورقة لأي غصن تنتمي يسمى هذا مكرا ? والمكر صرف الغير عما يقصده بحيلة وهذه الصفة في تأويلها تأتي تبعا للمستتبع فقد ينوي احد شرا ويصرف الاخر الشر بعمل او بحيلة لابعاد الاذى فيكون المكر محمودا ? وقد يكون المكر من نوع عمل الغير فيكون شريرا ? اما في الايات التي استشهد بها الكاتب فتعرف باللغة العربية باسم المشاكلة او المجانسة ولننظر في الايات لنرى :( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ )الانفال 30 ورد نص الاية في التدليل على النية المبيتة من قبل كفار قريش ليلة هجرة الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – بقتله في فراشه بواسطة مجموعة من ابناء القبائل ضربة واحدة ليتفرق دمه بين القبائل وقد اوحى الله تبارك وتعالى لرسوله الكريم ان اجعل في فراشك الامام علي بن ابي طالب – كرم الله وجهه – واخرج اليهم واتلوا اية من القرأن فتخرج دون ان يروك !!! هذا مكرهم يستهدف القتل ومكر الله ابعاد الاذى عن الرسول الكريم ، فهل مكر الله من جنس مكر الكافرين ، وتأتي كلمة مكر هنا في سياق اللغة من نوع وصف الله لاستهداف القتل بانه مكر لانه دبر بالخفاء وبدهاء فجاء الرد عليهم قي سياق اللغة بالمشاكلة والمجانسة لفعلهم بفعل مختلف .
وحتى لا يقال بأن الاية المستخدمة فريدة في دلالتها سنأخذ اية اخرى للاستشهاد (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ) يونس 21 وفي الاية الكريمة يوضح الحق تبارك وتعالى كيف يتعامل الانسان مع المصيبة التي تحل به واذ هو بعد ان يزيحها الله عنه يمكر بايات الله اي انه يفسر خروجه من المشكلة بانها من فعله وينسى بمكره فضل الله عليه وتاتي كلمة مكر الله كتعبير عن الجزاء الذي ينتظرهم لكفرهم بأيات الله فسمى العقاب مكرا وهو كما سبق القول مجانسة .
والمجانسة في اللغة القرأنية كثيرة الوجوه ومتعددة المقاصد ففي سورة البقره ايه 176 (وَلا يَحسَبنّ الذين كَفَروا أنما نملي لَهُم خيَراً لأنفُسهم إنما نُملي لَهُم ليَزدادوا إثماً وَلَهُم عَذَاب مهين. مَا كَان اللّه لِيذرَ المؤمنين عَلى ما أنتم عَليهِ حَتّى يَميزَ الخَبيث منَ الطّيّب..)تأتي كلمة نملي هنا في موقع الامهال وان اعطاء الفرصة لهم وزيادة ما هم فيه من الكفر هو امهال خير لهم ? انما الهدف الالهي من هذا الاستمهال هو التمييز بين الخبيث والطيب لمصلحة المؤمنين وهذه مجانسة كما في مسألة المكر والاستهزاء التي حاول كاتبنا فريد العصر ان يتلطى خلفها ليصف الله عز وجل بالخداع والمكيدة ? تبارك الله عما يصفون .
وهكذا يبدو واضحا وبشكل جلي ان الكاتب الى جانب قصوره في فهم الدين الاسلامي وتشريعاته وايات قرأنه فهو قاصر لغويا فيأخذ الالفاظ والمسميات على عواهنها مطلقا بذلك احكامه الزئبقية ومفترضا القبول بها كقوانين يجب ان نحتكم اليها في مسار حياتنا ? فقضى بالخلط المتعمد بين المشيئة والامر ? وبين النار والنور ? وبيبن الجن والملائكة ? وبين التسيير والتخيير ? وبين الفرضيات العلمية التى سقطت بتقادم الزمن وبين الحقائق العلمية التي رفض مدلولاتها القرانية مصرا على اتهامنا بالجهل والتخلف حاملا لواء الحضارة الغربية وفكرها وناطقا ومتحدثا بأسمها وحاول الصاق تناقضاته الفكرية بالماركسية مما استدعى تبرؤهم منه فقد أعلن الأستاذ نسيب نمر (في مجلة الأحد/ 29 آذار 1970 - العدد / 972) براءة الماركسية من الدكتور صادق جلال العظم ومن أفكاره، بدعوى أن أفكاره ليست ماركسية بدرجة كافية، وأنه لم يتناول موضوعه تناولاً علمياً صحيحاً .
ان اعتراف المسلمين بضرورة النظر الى الواقع الحالي للعالم والتغيرات التي طرات عليه وبالنظر الى رؤيا تستند في قراءتها على دراسة حقيقية للوقائع تتطلب البدء ومن دون تهاون بعملية تحديث للوعي الديني في شقه التنفيذي القابل للاجتهاد واعادة طرح الصورة الدينية بشكل يخاطب العقول البشرية في مرحلتها الحالية وهو مسار سبقنا اليه الكثير من عظماء الامة فأبدعوا علوما رائعة في العديد من المجالات الدينية والدنيوية لتصبح رسالتنا الكريمة من جديد موضع تقدير العالم وتفهمه ولتعود رؤيتنا للعقيدة على النحو الذي فطرنا الحق تبارك وتعالى عليه منذ بدء الخلق وكما ودعنا وعاهدنا عليه خير البرية محمد بن عبدالله عليه مني افضل الصلاة واتم التسليم .
ولما ختم الكاتب العظم كتابه بالسؤال الذي افترض ان يوجهه ابليس بالقول ( ان كنت انا ابليس ادم فليت شعري من كان ابليسي ) واود اجابة ابليس على سؤاله حتى لا يبقى في هذا الوجود محتارا حتى قيام الساعة ? فاقول له ان كنت ابليس الذي خلقه الله للانس والجن لتغويهم حسب كاتبنا فأن ابليسك وابليس نسلك هم هؤلاء البشريون الذين عميت اعينهم عن الحقيقة المطلقة للكون والوجود وما جاء في وصف الخالق لشياطين الانس والجن الا تعبيرا حقيقيا عن هذه المسألة وهي ليست عرضية في طرحها ودليلنا على ذلك قول رسولنا الكريم في وصف شهر رمضان المبارك حيث يتم تصفيد الشياطين لابعاد عبثها عن الناس لفتح المجال الاوسع لاداء الفرائض ولكن كم من المعاصي ترتكب في رمضان اليس وراءها شياطين الانس الذين ابتلى الله بعضهم ببعض فيما الشياطين الحقيقيون اصحاب المهمة بالوسوسة مكبلين في اصفادهم ? اليس هذا النوع من الفكر الفاسد لكتاب جهلة هو فساد في الارض وافساد للعقيدة وما اكثرهم هذه الايام ? ولذا فاني وفي نهاية تحقيقي اود اسداء نصيحة للمؤلف والناشر قد تأتيهم بالفائدة المرجوة من نشر مثله من العلوم الفاسدة بأن يغير عنوان الكتاب من نقد الفكر الديني – ماساة ابليس الى ماساة صادق جلال العظم .
المراجع
صحيح مسلم
صحيح البخاري
تفسير الطبري
تفسير الجلالين
مطارحات في الفكر المادي والفكر الديني للشيخ محمد مهدي شمس الدين
الاحاديث القدسية في الجرح والتعديل د. عبد الغفور عبد الحق البلوشي
الاعجاز العلمي في القرأن – الشيخ عبد المجيد الزنداني
كشف الخفاء للعجلوني
موريس بوكاي – الدين والعلم
الكون والاعجاز العلمي في القرأن – أ.د. منصور حسب البني
الاعجاز العلمي في القرأن – الشيخ زغلول النجار
كتاب الطواسين
تبليس ابليس
الاحاديث القدسية – المكتبة الثقافية – بيروت
صراع مع الملاحدة حتى العظم – الشيخ محمد شريف الزيبق
اني ماري شيمل – الحلاج نصوص التصوف الاسلامي
الكتاب المقدس العهدين
د. سلامه عبد الهادي – تأملات في سورة الانبياء
ادوارد سعيد –مجموعة مقالات حول الاستشراق والاستغراب
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالجواد خفاجى
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 8
قصيدة وقراءة
أولاً : القصيدة ماذا لو .. ؟ (*)
شعر الدكتورة : نجمة إدريس
ماذا لو ...
يورِق بستانٌ فى بستانْ
تَسقُط أثمار الدهشةِ
تنْقِطُ أشربة فى فمْ
تنبض رعشة ؟!
ماذا لو ...
فى سَجْفَة هذا الليل السافى
نتجلى
نُمْحى
من لوحة هذا الوقت الحائل
ننجو
من دِبْق الساعات الكسلى
نتطاير ْ !
ماذا لو ..
نتصاعد أبخرةًً
نتلوى دائرة ً
تنداح فضاءاتٍ ودوائر؟!
* * * *
ماذا لو.. ([1]).
نخلع هذى الأوجهَ
والأسماء .
لو ننضو عنا الأثواب
وقعقعةَ الأحرف
ريشَ اللغة الجوفاء ؟!
نتوضأ من آثامِ
التكرار
دورانِ الأعين فى اللاشىء
سآمة هذى الجدران البلهاء !
ماذا لو نتعرى
نتدفأ باللاشىء
نصلى فى حضرة نزفِ الغيمِ
ونجْهشُ فى صدر الليل الناعم
أشلاءً .. أشلاء .
* * * * *
ماذا لو ..
ننوى الحجَّ
لبستان الفضة ْ
نثقب سقفَ الأفق
الأعمى
نتدلى
من أغْصُنِ هذا الكون
الخائر
فاكهةً
تتلامس أكؤسها
البضَّةْ
نتساقطُ
فوق سفوحِ
الثلج الأسودِ
بتلاتٍ
بيضاء
غضَّةَ
* * * * *
ماذا لو أنَّا
نخلع نعلينا
فى وادى الفيروز
ونخلع عنّا عمْرَيْنَا
نخرج من آثام الأرض ِ
خفافًا
ماذا لو أنَّا ؟!
ماذا لو أنَّا ؟!
* * * *
ثانيًا القراءة :
مغامرة التفلُّت من سجفة الفيزيقا
قراءة فى قصيدة " ماذا لو " للشاعرة: نجمة إدريس
قراءة : عبدالجواد خفاجى
كيف يصبح الشعر مجالاً للإفاضة .. بل فيما نفيض ؟ والشعر خلف تمَظْهُره الفيزيقى روح كامنة تُداخلنا فى لحظة فاصلة إذ نلامس القصيدة .. تكهربنا فنهمى كسحابة لامست أخرى ؛ فاستعادتا لبعضيها حياة جديدة .. وارتعاشة فيضٍ ، هو دليل حياة ليس إلا .
ألهذا يقال : إن قراءة النص دليل حياة ؟! ، مثلما " ترى الهرمنيوطيقا المعاصرة أن التأويل علاقة جدلية معقدة بين الذات والموضوع ، قد يجوز أن نشرحها بأنها نوع من تبادل الأخذ والعطاء بين القارئ والنص، يأخذ القارئ من النص معطياته ، ويضيف إليه المعانى التى يراها فيه . والهرمنيوطيقا فى هذا الصدد معنية بما تسميه دائرة التأويل .. فأنت لا ترى النص على حقيقته أو فى جوهره أو بطبيعته ، لكنك تراه حسبما يظهر لك عبر وسائط كثيرة أهمها وعيك بالعالم "([2]) ومن هنا فإن القراءة دليل حياة لأنها تأتى عبر وسائط يُفترض معها أننا أحياء ، وأننا نمارس وجودنا الحقيقى ككيانات منشغلة بممارساتها الروحية والفكرية والجمالية . وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للقارئ ، فإنه دليل حياة أيضًا بالنسبة للنص ، فلا وجود حقيقى للنص بدون قارئ يتفاعل معه ، وهكذا ترى الهرمنيوطيقا عملية القراءة بالنسبة للنص ، هى تفسير يعيد إنتاج النص فى صورة جديدة . وربما أن هذا هو هدفنا من وراء قراءتنا لقصيدة الشاعرة الكويتيه " نجمة إدريس " المعنونة " ماذا لو .. ؟ " .
وليبقَ التساؤل : فيما نفيض ؟ .. حقيقة نحن نحتشد للشعر ، لكنما الروح الساحرة بكل أسرارها وفوقيتها كيف ندركها ؟! .
هكذا ـ ولا مندوحة غير هذا – عندا يتعامل الإنسان بمنطق الظاهر المحدود مع الباطن اللامتناهى ، بل هكذا الإنسان إذ يتعامل بالحواس مع ما فوق الحواس .. لابد وأن يستفيض ؛ ليعطى مجالاً لذائقته وملكاته وطاقاته الكامنة كى تنشغل هى الأخرى .
واللغة أيضًا عاجزة عن نقل الحقيقة كاملة ومهما حاولنا أن نكون أمناء فى نقلها .. ألم تقل الشاعرة فى قصيدتها : قعقعة أحرف ، ولغة جوفاء ؟! .
لكنما والأمر احتشاد .. قراءتنا تقدم " مَثَلُ المعنى " على غير الحقيقة نقدم صورة أخرى هى الوحيدة الممكنة ، والتى لا تحجر على صور أخرى ممكنة لدى الآخرين .
والقصيدة التى نحن بصدد قراءتها مغامرة تطمح إلى ملامسة الحقيقة – لا مثلها – إذ تنطلق من شعور خفىٍّ بأن حياتنا هاته إنما هى " مَثَلُ الحياة " .. على غير الحقيقة نحن نحيا فى عالم هو ظل الحقيقة غير أنه الوحيد الممكن لحياتنا الاعتيادية .. كيف لنا أن نتفلت من إسار هذا الظل ، ونحن أسرى أجسادنا وحواسنا ومداركنا الاعتيادية التى تتعامل مع الظاهر فقط ؟ .
كل هذا الظاهر لا يمثل - بالنسبة للذات الشاعرة – غير " مَثَلِ الحياة " ، لكنما والشعر اجتياز المحسوس والمَثَل الشاخص والاعتيادى المألوف ، إذ تمرح الروح الشاعرة – لحظة التشاعر – فى ملكوتها ، تأبى أن تعود إلى عالمنا هذا المحدود والمقيس والمقنَّن والمتناهى .. هذا العالم الشقى البليد ، الذى يترصده الفناء .. حقيقة تأبى أن تعود .. ألهذا يتمنى الشاعر – أى شاعر – أن يعيش فى لحظة تشاعر طويلة بطول أجله ؟ .. ألهذا إذ تنتهى لحظة التشاعر تعود الذات الشاعرة قهرًا إلى الذات الباصرة المغموسة فى عالم الحس .. تعود إلى جِبِلَّة الجسد الأرضى لتشقى ، وتئن تحت نير المحابس ؛ لتظل متمردة متوثبة متوترة تتمنى : " لو يُورِق بستانٌ فى بستان " أو بالمعنى بستان " ما فوق الحسّ " فى بستان هذا المحسوس .. لويحُلُّ هذا المتسامى الأزلى فى هذا السفلى المتناهى .
ولنتوقف عند التمنى : " ماذا لو ............... نتوضأ من آثام التكرار " والتساؤل : ـ تكرار ماذا ؟ ، لاشك أنه تكرار دوران الأعين فى اللاشىء ، حيث سآمة هذى الجدران البلهاء ! .
هل اللاشىء – إذن – هى الكلمة المفتاح فى هذا النص ؟ وثمة ثنائية مفترضة بين اللاشىء والشىء .. هى نفسها الثنائية التى يضعها النص أمامنا – بداية - : " ماذا لو ... يورق بستان فى بستان " البستان الأول هو " الشىء " وهذا غير مدرَك وإن كان مأمولاً ، والبستان الثانى هو " اللاشىء " وهذا هو المدرَك الذى تدور فيه الأعين ، والذى تمنى أن تتوضأ من آثامه .
ثمة بستانين إذن كلاهما نكرة .. مفردتان متساويتان ظاهريًّا، كل منهما فى مقابل الآخر ، أحدهما مدرَك والآخر مأمول وغير مدرَك .. أحدهما ملئ بالآثام ، والثانى – بالضرورة – يخلو منها .
لتكن " الجدران البلهاء " هى الفاصل بين البستانين حيث تحاول الأعين تخطى حدَّ الرؤية الى ما بعده مجتازة هذا البله الأرضىّ كيما تدرك ذاك البستان المأمول .. ومن ثم تكفُّ عن دورانها وحيرتها هانئة باطمئنانها الأبدى .
ثمة حُجُبٌ إذن : ( سجفة هذا الليل السافى ـ الوقت الحائل ـ الجدران البلهاء ـ سقف الأفق الأعمى ) وثمة محاولة لتخطى هذه الحجب بدأت بالأمنية " لو " المتكررة فى النص عشر مرات ، تعززها مجموعة من الأفعال : ( نتجلى ـ نمحى ـ ننجو ـ نتطاير ـ نتصاعد ـ نتلوى ـ نخلع ـ نتوضأ ـ نتعرى ـ نصلى ـ نجهش ـ نثقب ـ نتدلى ـ نتساقط ـ نخلع ـ نخرج ) .. كتيبة من الأفعال تحمل الأمنية التى نبَّتتها بدايةً الدهشة التى أطلقت تساؤلاتٍ متكررة " ماذا ..؟ ".
وثمة حيرة ( دوران ) مصحوبة بمحاولة تخطى هذه الزمكانية الثابتة المصبوغة بالسأم حيث لا جديد فيما تدركه الأعين .. الزمان هو الزمان والمكان هو المكان .. وثمة حيلولة ( دِبْق ) و ( سقف الأفق الأعمى ) وبطء وتثاقل ( الساعات الكسلى ) وثمة خواء ( لغة جوفاء) وأقنعة تخفى الحقيقة ( هذه الأوجه والأسماء ) واستتار واهم ( أثواب )لا يغنى عن رغبة فى التعرى ( ماذا لو نتعرى ؟ ) وثم سواد يعجز البصر ( سجفة هذا الليل السافى – سفوح الثلج الأسود ) وثمة دلائل مفضية إلى فناء ( كون خائر ) ..أى عالم هذا الذى نحن بصدده ؟!.. إنه بستان اللاشىء فى مقابل العالم المأمول .
لنقل إنه العالم النقيض تمامًا ، أو لنقل إنه الوجود الحقيقى . أ وليس الأمر هنا معَبِّر عن ميتافيزيقا الرؤية البصرية ، وإن شئنا ميتافيزيقا الرؤيا البصيريَّة ، إذ كيف يكون كل ما تدركه الأعين و تدور فيه معبرًا عن اللاشىء فى مقابل الشىء وهو كل ما لا تدركه الأعين ، والمألوف لنا أن الأعين ترى كل ما هو مجسَّم ؟ .. ليكن إذن كل ما تدركه الأعين هو العالم الفيزيقى ( سفلى ) ، فى قابل ما لا تدرعه الأعين فهو العالم الميتافيزيقى ( علوى ) .. وإذا كان كل ما تراه العين فى عالمها السفلى هذا ليس بحقيقةٍ ، فماذا يكون إذن؟
هل لنا أن نقول إنه " مَثَلُ الحقيقة " ، وهذا ما يشى به التساوى الظاهرى بين اللفظتين : " بستان فى بستان " ليكن أحدهما الحقيقة والثانى مَثَلها ، والمعنى يتضح من قوله تعالى : " مَثَلُ نوره كمشكاة ..... الآية " تُرى إلى أى مدى يمكن أن تقودنا فكرة " المَثَل " هذه ؟ .. إلى أى مدى يمكن أن يعبر اللاحقيقى عن الحقيقى ؟ كيف يمكن أن نتصور ذلك ؟ وهل هى نفسها فكرة " الظل والشجرة " ؟ .. أ بها – ونحن لا نرى الشجرة – يمكن أن يكون ظل الشجرة معبرًا عنها ، أم بها – ونحن نرى الظل – يمكن أن يكون الظل معبرًا عن الشجرة نفسها ؟ .
لنقل إنه بمثل هذا يكون الدال الواحد قابلاً للتكيُّف مع مدلولات عدة ، وبهذا يكون التماثل الماثل بين البستانين فى حقيقته تماثلاً لغويًّا فقط ، فيه مرونة اللغة وأريحيتها ، بيد أنه – على الإطلاق – ليس تماثلاً بين الأشياء الممثل بها والحقيقة الممثل لها .. ومن ثم فإن التماثل – كما قلنا - لغوى فقط بين " بستان " و" بستان " الواردتين فى مطلع القصيدة ، ومن ثم – أيضًا – فالأشياء الممثل بها هى اللاشىء إذ تتحول فى الحقيقة إلى دوال .. رموز .. آثار ليست هى الوجود الحق ، وإنما دالة عليه ليس إلا .
وبهذا نقيم علاقتنا بين المجاز / الظل والحقيقة / الشجرة ، واضعين فى الاعتبار أن قولنا " هذه شجرة " ونحن لا نرى سوى ظلها أن ما نقول مجرد " قعقعة أحرف " ، وإلى هذا الحد تصبح " اللغة جوفاء " إذا ما تصدت للحقيقة فى عالم كل ما فيه ظلٌّ للحقيقة .
والأمر هكذا .. فلا حقيقة فى جميع الأسماء التى نستخدمها فى عالمنا / عالم الظل . ولماذا الأسماء فقط .. أوليست ثمة أفعال تصدر عن هاتيك الأسماء ؟
ثمة فعل نقوم به ونسميه " وضوء " وآخر نسميه " صلاة " وثالت نسميه " حج " .. تكاليف شرعية فى عالمنا الأرضى تظل – إذا نُفِّذت وفق منطق الظاهر – ظلاًّ باهتًا لا يعبر عن حقيقة ما ، وتسقط – من ثم – فى دائرة الظل / اللاشىء .
إذ الحقيقة فى الوضوء أن نتخلص من آثام النفس لا من أدران البدن ، والحقيقة فى الصلاة أن نعقد الصلة بين النسبى والمطلق .. بين المحدود والأبدى .. هذه الصلة يتحقق فيها التسليم الروحى والتلاشى المادى والتسامى – بلغة المتصوفة – عن جبلتنا الأرضية بشهواتها العمياء ، وليست الصلاة طقوسًا جسدية وامتثالاً شكليًّا أجوف ، أو ترديدًا شفاهيًّا للنصوص . والحج فى الحقيقة ارتحال الروح إلى عالم النورانية وانفتاح البصيرة على المطلق ، ورجم لشهواتنا ، وهجرة هذا العالم الجسمانى إلى عالم الروحانية ..ليس الحج ارتحالاً جسديًّا ، وطقوسًا حركية إجرائية ، وليس امتناع الرفث والفسوق والجدال فى الحج لمجرد المنع ، إنه تطهر حقيقى ، وترك حقيقى لكل ملذات الجسد ، وتسليم تام للعالم الروحانى الذى يحل بنوره فينا لحظة الامتثال .. لحظة فنائنا فيه وصفائنا له .. إنه اتصال حقيقى بالمطلق المهيمن الموجود بحق ، الخفى فوق الظاهر ، الظاهر فوق الخفاء .
ثمة مؤهلات إذن للدخول إلى العالم الفوقى تتلخص مجملاً فى العبادة الحقة التى هى الامتثال الحق المفضى إلى التسامى فوق شهواتنا ورغباتنا وضعفنا البشرى أمامها ، وترك جبلتنا الأرضية لنصبح مؤهلين لحلول النورانية فينا ، ومن ثم نكتسب حياة جديدة وخلودًا أبديًّا لا يعرفه الفناء .
وهكذا فى الحديث القدسى : مازال عبدى يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحببته ، فإذا أحببته صار عبدًا ربانيًّا يقول للشىء كن فيكون " ولنا أن نتوقف فى هذا الحديث القدسى عند الفعلين " يتقرب " و" ما زال " لندرك أن حلول القدرة العلوية فينا مشروط باستمرار تطهير الوعاء عن طريق العبادة الحقة ... هكذا هى نقطة البدء : إصلاح الوعاء وتطهيره ؛ ليصبح مؤهلاً لحلول الأبدى فيه . ألم يقل الله سبحانه فى خطابه إلى الملائكة : " فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين " ..؟ هكذا هى النفخة الربانية لا تحلُّ فى الوعاء الخرب ؛ لذلك قال سبحانه : " سويته " .. ثمة فعل سابق على النفخة – إذن – يهدف إلى التسوية والتهيئة وإصلاح الوعاء .
وهكذا نحن علينا أن نتسامى لنصبح مؤهلين لملامسة الحقائق العلوية ، وأن ننشغل بخدمة الروح لا بشبقية الجسد ، أو كما قيل نظمًا :
يا خادم الجسـم كم تشـقى لخدمته أتطلب الـرِّبح مما فيه خسران ؟!
هيَّا إلى الرُّوح .. قُمْ ، واخدم فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
وتلك هى دعوة النص الذى نحن بصدده ، إذ تسيطر عليه دعوة الآخر ( المخاطب ضمنيًّا فى النص ) المنشغل بشبقية جسدية والذى يتوهم أن ذلك قد يحقق له كمالاته .. تدعوه الذات الشاعرة للتجاوز عن شبقية الجسد : " ماذا لو أنا ...... نخلع عنَّا عمْرَينا / نخرج من آثام الأرض خفافًا ...؟ " أن لحظة خلع العمر كدالة زمكانية أو بالمعنى تاريخية هى لحظة التجرد من كل ما يربطنا بتاريخ الأرض التى ارتبط وجودنا الإنسانى بوجودها .. .. ثمة انفتاح على زمكانية أخرى مطلقة – إذن – ربما يعود تاريحها إلى ما قبل تجسد الأرواح فى الأشباح .. إنه عالم النورانية .. عالم على وجه التمثيل والمجاز كل ما فيه أبيض ؛ لذا نعود منه إذ نحج إليه " بتلات بيضاء " تتساقط فوق برودة الأرض السوداء " نتساقط / فوق سفوح / الثلج الأسود / بتلات / بيضاء / غضة " .
ثمة أوعية أخرى " أكؤس " لها حلاوة وطزاجة أخرى على وجه التمثيل والمجاز " فاكهة " يمكن أن نعود بها من هذا العالم الجميل " وادى الفيروز " .. فهل لنا قبلاً " أن نخلع نعلينا " تلك العالقة بالأرض والعالق بها الدرن الأرضى ؟ ثمة دعوة – إذن – للتطهر والانسلاخ من جبلتنا الأرضية : " ماذا لو أنَّا / نخلع نعلينا/ فى وادى الفيروز / ونخلع عنَّا عمْريْنا / نخرج من آثام الأرض خفافًا / ماذا لو أنًّا ؟! .." .
وثمة تعَبُّد على شاكلة مخصوصة يخص أهل الحقيقة وحدهم .. وثمة همٌّ وانشغال حقيقى بحدمة الروح ونفور من شبقية الجسد .. همٌّ مسيطر مستمر فادح الاندفاع نحو الفناء الجسدى : " نتصاعد أبخرة / نتلوى دائرة .. .. نجهش فى صدر الليل الناعم / أشلاءً .. أشلاء " إنه الفناء المفضى إلى وجود حقيقى " نتجلى / نمحى .... ننجو " .. المحو نجاة ها هنا ، ومن ثم فالموت لا يتحدد بمعناه الاكلينيكى ، كما أنه لا يعبر عن نهاية الأجل بقدر ما أنه بداية جديدة لحياة حقيقية جديدة . . إنها دعوة إلى التسامى وملامسة الحقيقة بالمعنى الصوفى ، حشدت لها الشاعرة مفردات شائعة الاستخدام فى القاموس الصوفى مثل : " سجفة – نتجلى – نمحى – نتصاعد – حضرة – دائرة – نخلع – آثام – أكؤس – دوران – اللاشيء – الجدران ... " وكثير من الاستخدامات المجازية والتراكيب الدالة فى عالم التصوف مثل : " نصلى فى حضرة – ننوى الحج لبستان – نخلع نعلينا فى وادى – الكون الخائر – الأفق الأعمى – خلع الأوجه والأسماء – اللغة الجوفاء _ آثام الأرض – التوضوء من آثام التكرار ...... "
ولقد جسد النص رؤية الذات الشاعرة عبر الاتكاء على المحسوس والمدرك لاستشعار المعنوى والمجرد ، كما اتكأت على ثنائية الشىء / اللاشىء ، والتضاد بين مدلولات ورمزية المفردات كالبياض والسواد ، و التطاير والصعود من جهة ودبق الساعات الكسلى من جهة أخرى ، و لوحة الوقت الحال والسقوط . وبين الرغبة فى الاكتساء ( يورق ) والرغبة فى التجرد ( نتعرى ـ نخلع – ننضو ) . وثمة بعض التراكيب الخادمة التى تجمع بين الحسى والمعنوى ، ولنا أن نتوقف عند إحداها : " أثمار الدهشة " فثمة أثمار تنبت من أشجار الدهشة ، ومن ثم فالبستان المأمول الذى يضم هذه الأشجار هو بستان فى أدنى أوصافه أو أعلاها مدهش .. هذه الأثمار " تنقط أشرية فى فم " وهكذا أصبح الفم وهو أحد الحواس وسيلة لتذوق الدهشة، وهكذا تتسامى الحواس لتدرك المجردات والمعنويات ، بل هكذا تنسرب الدهشة عبر حواسنا إلى جوانب النفس لتصنع " رعشة " . تلك الرعشة المبتغاة هى صدمة الوجود الأولى فى العالم المأمول .. إنها حالة من التوتر القصوى يعبر عنها الجسد بالارتعاش فى لحظة التقائه بالمطلق ، ومن ثم فالمقطع الأول من القصيدة يمثل حالة من التمنى والانتظار والتهيؤ لاستقبال هذا الذى سيحل بروعته ودهشته ليغير حالة السكون والبلادة والرتابة والاعتيادية إلى حالة من الدهشة والروعة ينصلح معها الكيان المعطل ، أو لنمارس معها صلاحيات جديدة فى عالم جديد ، مثل تلك الصلاحية الجديدة للفم الذى أضحى يتذوق الدهشة .
القصيدة إذن تنطلق من شعور عميق بعدم صلاحية الواقع لأن يكون معبرًا عن الحياة الحقيقة ، وربما أنه الشعور بثقل الواقع المادى ورتابته ولاجدواه ومحدوديته التى تشكل أسوار الروح ، أو لنقل تنطلق من شعور بالرغبة فى الانعتاق من جبلة الواقع المادى ، أو بالمعنى رغبة التفلت من سجفة الفيزيقا .
ولنا أن نتأمل زلاجة التمنى فى النص ، حيث بدأت الأمنية متجهة نحو المكان فى مقطع القصيدة الأول إذ
" بستان " دالة مكانية ، وهو بستان شاخص بصورته الجرداء ، ومن ثم كان التمنى : " ماذا لو يورق ؟ " وعليه فإن الطقس المأمول هو الربيع ، والطقس الذى تصلح معه " لو " هو الخريف .
هل نفهم من هذا أن أمنية الذات الشاعرة تبدأ من محاولة أشباع رغبات حسية ؟ ..لا شك أن " أثمار الدهشة " تجعل الإجابة على غير ما نتوقع ، فالدهشة ليست من المحسوسات ، ومن ثم فأمنية الذات الشاعرة بحث عن حيوية جديدة " رعشة " ونبض جديد فى طقس مغاير بعيد عن هذا الموات الذى دفعها أساسًا نحو تمنى تبدل الوسط والبيئة والمناخ والعالم . تم وتتزلج الأمنية – فى المقطع نفسه – نحو الزمن كبعد رابع من أبعاد المكان ، أو لنقل تاريخ المكان ، وقد أدركت امتناع الحلول المورق لامتناع موجباته ، فالطقس ليس مناسبًا ، وظلام الأنفس لايزال سادرًا ، والمادية شاخصة ، والإحساس بثقل الزمن لا يزال مسيطرًا ؛ لذلك راحت تتمنى بـ " لو " كحرف مناسب فى مقام امتناع لامتناع : ماذا لو نتخطى ستارة الزمن " الليل " ونمحى من لوحة الوقت الملتصق بنا كجزء من إحساسنا بنسبيتنا إلى هذا العالم الشقى ،وكدالة فى تاريخنا .. هل لنا أن نجتاز هذا الإحساس بالزمن البطىء لننجو أو لندبر خلف لوحة الوجود الشاخص للعيان كلعنة لا تريم .. هذا الوجود المقيَّد والمقنن مهما يكن فهو ليل سافٍِ بالنسبة للعالم النورانى المأمول " بستان الفضة " ، ربما لهذا تتهم الذات الشاعرة الزمن بالبطء والتكاسل والحيلولة وتتمنى أن تتفلت منه إلى حيز اللازمن / اللامادة .إنها مرحلة الفناء / المحو ، إذ يمَّحِى إحساس الذات بجبلتها وماديتها وثقلها ومن ثم يتحقق الفناء بالمعنى الصوفى ، وتنطلق الذات إلى عالمها العلوى روحًا شفيفة كيما تمارس وجودها الحقيقى . وقد حددت الشاعرة الأفعال الإجرائية لذلك : " نتجلى – نمحى – ننجو – نتطاير " هذه الأفعال التى تمثل الحلم الصوفى بعامة يبدو الفعل الأول منها " نتجلى " كخطوة أساسية ومنطلق أول إذ يتم على أثره التكشف والانخلاع ، إذ تتكشف للذات الحقائق بقدر ما ينكشف لها فناؤها ونقصها وعيوبها ، ومن ثم تخلع عن نفسها كل همومها وأقنعتها وملحقاتها الأرضية ( الشهوانية ) .. إنها مرحلة الترك والزهد والنجاة فى الوقت ذاته .. وهكذا تبدأ الذات فى استشعار وجودها الحقيقى بإطراد يتناسب مع فنائها المادى ، أو كما يقال : تفنى لكى توجد . وإلى هذا اتجهت أمنية الذات الشاعرة فى المقطع الثانى من القصيدة ، إذ تبدو الرغبة فى التجرد - بعد المكان والزمان – من ملحقات الذات ومكتسباتها فوق الأرض : " الأسماء – الأوجه – الأثواب – الأحرف – اللغة " كلها مظاهر اجتماعية وحضارية ندَّعيها ، وكلها ضد الحقيقة إن لم تكن هى الستارة التى تخفى الحقيقة .. كلها مكتسبات لا تغنى العين عن الدوران فى اللاشىء ؛ ففى عالم الحقيقة تبدو الذوات كقيم مطلقة ، فلا معنى إذن للاصطلاح ، ولا معنى للأسماء والألقاب ، ولا حاجة للأقنعة أو الاستتار .
--------------------------------------------------------------------------------
* - القصيدة منشورة بمجلة العربى -العدد 477 أغسطس 1998 صـ 28
1 - د . مجدى أجمد توفيق – مدخل إلى علم القراءة الأدبية صـ 29 ( كتابات نقدية 34 – الهيئة العامة لقصور الثقافة / مصر )