بحوث و دراسات
- التفاصيل
- كتب بواسطة: نص المرأة وعنفوان الكتابة
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 7
نص المرأة وعنفوان الكتابة
بن السايح الأخضر
نص المرأة وفعل الكتابة، وإرادة الذات وتوقعات القارىء وقلق التأليف بين المتناقضات ...تلك هي أسئلة البحث في نص المرأة لمعرفة التقنيات الموظفة في إنجاز الخطاب الروائي النسوي والمكونات التي ترسم أفق المتخيّل أثناء فعل الكتابة, الذي يعتبر بحق فعل الكيان ومغامرة الوجود .
ـ هاجس الكتابة عند المرأة , والعلاقة المتوتّرة بين الذات والآخر , ولعبة الجسد واللغة الإحالية , أو ما يتعلّق بمستوى التعبير الروائي النسوي بأسئلته عن الذات والآخر والمصير وفق مسارات ألحكي المعتمدة على الترميز المستند على قواعد التخييل القائمة على مبدأ التحوّل خلف الإشارات والرموز وتأويلاتها حيث نلمس عبق السرد القديم والسرد الجديد المختلف باختلاف العلوم والمعارف وباختلاف دور المرأة الكاتبة التي أصبحت فاعلة ومؤثّرة في استنطاق المكبوت وتحريك السّاكن واللعب على الفضاء اللغوي المستمد من الجسد المؤنث .
هذا التحوّل الأنثوي الفاعل في صياغة الذات والواقع أعاد تشكيل الواقع في سيّاق نصّي مفارق جمع بين المتناقضات والمؤتلفات ... هذا النص الذي حمّل بأصداء دلالية إضافية هو نص المرأة حيث الولع والمتعة والعذاب ...
يعتبر القرن العشرين وما تلاه فضاء عصري جديد يتّسم بمظاهر الحداثة والتحوّل والتّغيير ولم يعد ذلك العصر التقليدي العتيق الذي يتّسم بالثبات والمراوحة نظرا لتلك الترسّبات التي تحجّرت في ذهنية الإنسان العربي ونظرته الأحادية المنغلقة... ذلك العصر قد ولّى وحلّ محلّه العصر الجديد الذي يشكّل إفرازا جديدا ومتناسلا للتحوّلات المتسارعة في المكان والزمان والإنسان، ومن ثمّ المجتمع في نظامه وثقافته وحركته وسكونه وقضاياه الفكرية والسياسية والإيديولوجية.
وإذا كان الشّعر هو ديوان العرب في وقت مضى فإن الرواية هي ديوان العرب في الوقت الراهن لما تتمتّع به من قدرة على الإلمام بالمجتمع ومواكبة مستجدّات العصر، فالرواية هي الأكثر قدرة على تحرّي رؤى العالم وآفاقه، وتقدّم تصورا أشبه بالمعالجة وفق خطّة فنيّة تمّثل قمّة العملية الإبداعية.
ولا يتوفر ذلك إلا بالمرجعية التي يستمدّ منها القاص مادّته الحكائية، ويوظّف خلفيته التاريخية لتغذية السرد وتحريكه ،كما يمثّل الواقع مرتعا خصبا للالتقاط وصياغة المشهد الروائي.
فالرواية أصبحت ذات حضور أقوى مما كانت عليه، خاصة بعد ما دخل العنصر النسوي في مجالي القصة والرواية وثبت حضوره الفعلي كذات فاعلة في الخطاب الروائي وليس مجرّد موضوعا منظورا إليه.
ومن هنا كان البحث حول "الكتابة النسوية" التي ساهمت بشكل أو بآخر في تنوّع وتطوّر التيمات والمتون الحكائية، كما ساهمت في كشف الغطاء عن المناطق الخفيّة المعتّمة، ونبشت في تلك الأخاديد السرّية للوقائع والأشياء، وأظهرت للواجهة تلك الدهاليز المسكوت عنها وللا مفكر فيها.
فالرواية النسوية أزالت الهيمنة الذكورية وخرجت عن دائرة الشيئيّة والاستهلاكيّة لتفرض كيانها ووجودها ككائن مستقل بمنظورها ورؤيتها وزاوية التقاطها واهتمامها كلها عناصر حاضرة في السرد النسوي.
هذا الصوت الذي كسّر زمن الصمت واندمج في عالم الكتابة مفجّرا تلك المناطق المطمورة في الذاكرة لما يحمله من رؤية خاصّة جعل إبداعها متميّزا محتضنا لاستعمالات فنيّة جديدة ... ومن هنا كان البحث قائما على المرتكزات التالية ... آليات البناء في الرواية النسوية، والبحث عن تلك التقنيات التشكيليّة التي تستعملها المرأة في بناء الرواية، وطبيعة موقع الذات في الحكاية، وبؤرة تفجير الأسئلة المضمرة ثم البحث عن التنوّع والخصوصية التي نلمسها في النص ولا شيء غير النص، كتجسيدها للعوالم التخييليّة وموقعها كذات فاعلة ومنتجة للخطاب تكتب جسدها قبل أن تكتب ذاتها، ويبقى البحث حفر ونبش في تلك الأسئلة الممكنة التي تستفزّ النص وتجعله حيّز تفجّرات وملتقى مسارات وأنهار جوفية من الدلالات، وتبقى حركية المعرفة تساؤل وتجاوز وكشف وتثوير...
وتبقى فكرة البحث في سؤال الكتابة عند المرأة من خلال الرواية كعمل تطبيقي يحكّم النصوص ويصغي لأدق جزئياتها , وقد شجّعنا في ذلك وفرة إنتاج المرأة العربية الروائي، فكان لزاما أن نتوقّف عند مسار السرد النّسائي العربي بغية الإجابة عن أسئلة يفرضها السؤال الإبداعي الذي تشتغل عليه الدراسة "الكتابة النسائية والنص الإبداعي" من خلال الإصغاء لصوت المرأة وآليات بنائها للرواية إقرارا بالاختلاف والخصوصيّة الذي لا نجده إلا في عالم المرأة الداخلي الذي لا يعرفه سواها ... ومن يحسن الإصغاء لنص المرأة يلمس سراديب النص الأنثوي ووعيها الخاص في مواجهة الآخر انطلاقا من عالمها ألحميمي القريب منها.
ولا يخفى على أحد أن الإبداع والكتابة توّلد الحياة من ظلمة الفقد والغياب، والرواية تحقّق للمرأة المبدعة شيئا من تشكيل ذاتها الحقيقية داخل فعل الكتابة، بينما الرجل لا يرى المرأة فكرا واعيا بل يراها جسدا ناميا وهذا ما تؤكّده جلّ الأعمال الإبداعية الذكورية الذي فرض على المرأة الاختفاء وراء جدار الذات وما كرّسه التراث في التنقيص من شأن المرأة وتغييبها وراء حجب كثيفة مطلقا العنان للفحولة تتكلّم بلسان المرأة بل حولتها إلى سلعة قابلة للاستهلاك أو رمز من الرموز، ومن هنا كان النص الذي تمارسه الأنثى في علاقة مستمرّة بين ثنائيات مختلفة ومؤتلفة كالحاضر والغائب ...الموت والحياة... العدم والوجود... وقد انعكس في أغلب المتون السردية النسوية حيث نجد المرأة في السرد تشغل موقع الفاعل لا موقع المفعول، هذه الذات الفاعلة التي نلمس فيها الخلاص والانطلاق والتحرّر من الكبت وسجن الظلّ والظّلام، وتنطلق المبدعة كمارد خرج للتوّ من قمقمه لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها مهما كانت تفاهتها من خلال اللّغة التي تبلغ درجة عالية من البوح الذاتي متحدّية تقاليد المجمع من خلال تمرّدها على تقاليد الكتابة، حيث يتداخل ويتمرأى دور المبدعة في متنها الحكائي الذي يبدأ من أدقّ الانشطارات الذاتية في علاقة الذات بالذات وصولا إلى الآخر المختلف، حيث يلعب التخييل فيها عامل الثّقل والقوّة, كما تمثّل التحلية الجنسية عن طريق الرمز والإيحاء البؤرة المركزية في الرواية حيث التنوّع والإثارة.
فالمرأة تكتب بجسدها قبل أن تنقل جسدها على الورق حيث يعكس الجسد براعة رسمها وبراعة اختيارها قبل المباشرة برسم متن سردها الروائي وما يحمله من تساؤلات وإحالات إلى الواقع والتاريخ.
وإذا كان بناء الذات جسدا وروحا بواسطة الصورة وأفعال التصوير، فإن المرأة أحسنت المحافظة على تلك المسافة بين الذات والجسد ..الظاهر والباطن... وما يصحبه من تحوّل وتغيّر وإبدال مشيرة إلى القرائن المصاحبة لطقوس الخفاء والتجلّي مازجة بين الرغبة والرهبة والدهشة... وكيف لا والمرأة فيض من العواطف والمشاعر والأحاسيس أهّلها تكوينها البيولوجي المختلف عن الرجل وعاطفة الأمومة المفعمة بالحبّ والرغبة والعشق.
وإذا كان جسد المرأة هويّة علامات يحمل من العتبات ما يسمح ببناء التأويل.
فالمرأة حين تكتب بجسدها فهي تفرغ ما يحمله هذا الجسد ظاهرا وباطنا، فكتابة المرأة هي كتاب المحو بالمعنى الصحيح لتتجسّد عبر النص صورة حية نابضة بالحياة.
فكتابة المحو عند المرأة مصاحبة للذّة التشكيل ومتعة الابتهاج، حيث تقول أنا هنا... أنا موجودة.
فالكتابة عند المرأة هي استجابة لنداء الحضور الذي يشخّص بين الجسد وظلّه عبر نص المرأة الذي يبقى شغله الشاغل وصورته النموذجية المفضّلة رفع الجسد من الحس إلى التجريد والانتقال به من عالم الأسرار إلى عالم الأنوار، وقد يبقى الاتصال والانفصال بين الجسد والذات قطب الرواية ومضخّتها الحرارية التي لا تنضب.
وقد أدرك الوعي النسائي في الرواية العربية أن فلسفة الحياة لا تنبثق إلا من خلال الحبّ والعشق والموت لتبدأ الحياة ولذا تتمفصل العلاقات المضمونية في الرواية النسوية عموما بين تلك الثنائيات التي سبق ذكرها ...بين قطبي الموت والحياة مثلا...، الدال الحاضر الذي يرمز إلى المدلول الغائب...، وقد تأخذ الكلمة قيمتها من الإيحاء الذي يسمح بتعدّد المعنى انطلاقا من نفس الكلمة، وقد أثبتت المرأة المبدعة قدرتها على استعمال الرموز المشعّة في النص المتعددّة التأويل عبر آلية التحرك الرمزي بين المفهوم العام للنص والوعي الداخلي المطروح "الرؤية".
وإذا كانت المرأة المبدعة قد أحسنت في وعيها الكتابي بين الحياة والموت، الحضور والغياب فقد أحسنت أيضا في ثنائية الجسد والروح، فرسمها للجسد وتحميله بتلك العلامات والإشارات المضيئة التي تسمح بالنفاذ إلى الروح الداخلية تجعل نص المرأة جسدا مزوّدا بالإضاءة الكاشفة للنفاذ إلى دواخل الشخصيات، هذا الرحيل داخل الذات تحسنه المرأة حيث تجبر ذاكرتها على طرح مخزونها، وهذا ما يعرف عند النقاد باسم التداعي الذي يغلب على دلالة الخطاب النسوي وسياقه، فيجعل حركة السرد ضمن الحركة الدائرية من الذات إلى الذات ومن الخارج إلى حميمية الداخل، وقد تهاجر بنا نحو الغياب هذه الحركة الدائرية تلغي الزمان والمكان، فتبدو حركية الرواية ضمن زمن سيكولوجي خاص، يعطي للغة قوّة تعبيريّة ومضامين مشحونة كما أن الاتصال والانفصال بين الواقعي والمتخيّل يدفع بحركية السرد على ممارسة سطوتها وقوتها.
قد يتبادر في ذهن السائل أن التّداعي والاعتماد على الذاكرة يوجد في الرواية الذكورية أيضا وهذه حقيقة لا جدال فيها لكن ما أثبتناه من خلال النصوص الروائية السنوية خاصة المغاربية منها يثبت أن البوح والانغلاق على الذات ظاهرة جلية في الرواية النسوية التي تحسن الإصغاء للجسد والذات وتحمل رؤية للخارج من خلال الداخل في استيهامات الذات وبنوآتها في الحلم واليقظة وتبقى عملية السّرد نوازع ورغبات وهواجس تجعل نص المرأة مفتوحا على الداخل في شبه دوائر حلزونية معتمدة على طاقة الذات التخييليّة يؤطّرها الجسد في بناء وتوطيد الجسور العبورية بين الداخل والخارج.
انفتاح النص على الداخل يعتبر المخرج الوحيد للمرأة التي تسكن جسدها في حركة شبه مغلقة, ويبقى الممرّ الوحيد هو العبور من الجسد إلى الذات ومن الذات إلى العالم.
هذا الانفتاح الداخلي يحرّر المرأة من الرقابة ويفتح العنان لمكبوتاتها بعيدا عن المخاوف والأوهام والكوابيس وتبقى حركية السرد بين التداعي والتذكر والبوح الذاتي.
هذا السرد المفتوح نحو الداخل يمنح فاعلية للأنثى أكثر ويجعلها قادرة على الاختراق والتجاوز والكشف والإضاءة للكثير من الجوانب المضمرة المعتّمة.
ففي رواية - زهور كرام / قلادة قرنفل-
تنفتح الساردة على الداخل المغلق ... تحفر في النفس البشرية ... تقاوم جبّة العمّة ... تعمل على التغيير والتجاوز.1
هذه الرواية كغيرها من الروايات النسوية الأخرى في مناطقه مختلفة نذكر على سبيل المثال "رواية ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي حيث الاعتماد على الذاكرة والانغلاق على النفس هو مفتاحها في العملية السردية، حيث تحضر المرأة بوصفها صوتا رئيسيا وصوتا بطوليا في الرواية النسوية تعمل على الاختراق والتجاوز متمرّدة على الكثير من القيود الاجتماعية.
فالانفتاح على الداخل يحرك عملية السرد ضمن الخطيّة الأفقية التي تكون أقرب إلى الحوار المونولوجي الذاتي الذي يترصّد أصداء اللوعة الدفينة في أعماق الكاتبة، فتشكّل نواة دلالية تنشطر على ذاتها لتنبت في النص وتتوزع في نسيج بنائه وتتوالد في خلاياه مكوّنة مجموعة من المتتاليات السردية المتناسلة، هذا التحوّل هو المفصل الحركي التوليدي في السرد النسائي.
"فالأصل في الحياة هو الحركة المنبثقة من دور الطبيعة ذات التحوّل الأبدي"2
وإذا ما تأملنا كتابة المرأة تتجلّى معمارية النص الذي يهيمن عليه الحوار الداخلي، نلمس انشطار الذات المتكلّمة إلى ذاتين، ذات محدّدة وفق شروط الهوية وما هو متعارف عليه، وذات متكلّمة تخوض مشروع التغيير من خلال أسلوب التداعيات واستحضار صور الماضي/الذاكرة "حين يصاب القارئ بالملل والانغلاق في لغة الهذيان والزمن الدائري"3
وحتى تكسر المرأة هذه الرتابة تتناوب الأدوار من الذات إلى العين إلى الصوت، وتتقدم أعضاء الجسد الأكثر سحرا وترميزا ودلالة لملاحقة الدلالات الهاربة أو المغيّبة بشيء من التلميح والتصريح مشكّلة دلالات نصية تحمل امتدادات نورانية لدفع السرد وتجديد قوّته الدافعة بشيء من الأغراء والإثارة، ولا عجب في ذلك فالمرأة بفطرتها وسجيتها تحسن سحر الهروب والملاحقة الظهور والتخفّي مستخدمة أقنعة كثيرة شفافّة هذه الأقنعة تساعد في تعددية لغة النسيج السردي الذي يلمّح أكثر مما يصرّح بشيء من المراوغة تحسنها المرأة المبدعة و "تبقى المرأة أهم حافز للكتابة السردية المتولّدة من جسدها على وجه الخصوص، وما يفضي إليه هذا الجسد من شبق وجمال وشر ورمز".4
ولو تأملنا بعض الروايات النسوية المعاصرة نذكر على سبيل المثال "تاء الخجل" لفضيلة فاروق وهي روائية جزائرية ناشئة.
هذا العنوان يعبر عن متن الرواية المرتبط بالقهر والظلم والتعسف،تعالج فيها الكاتبة صوت المرأة المختنق.
تاء الخجل تعبر عنها الكتابة في بداية متنها "منذ العائلة... منذ المدرسة ... منذ التقاليد ... منذ الإرهاب كل شيء عنهن تاء للخجل. 5
ستوقفنا هذه التاء ، تاء المؤنث في اللغة العربية تحتلّ الدرجة السفلى أو الدرجة الثانية بعد المذكّر المتعالي، ولو عدنا إلى ضمائر اللغة ... أنا ... أنت... أنت.
نجد ضمير المتكلم "أنا" بألف مدّ طويلة يعانق السماء ويحمل من السموّ والرفعة والتبجيل ما يجعله واقفا فوق الجميع، وكيف لا وهو مصدر الخطاب والزعامة ... ثم يأتي في المرتبة الثانية المخاطب المذكر أنت وهو أقل درجة من ضمير المتكلم "أنا" بصفته مصدر الصوت ومصدر الأنظار ومصدر الأوامر ثم بدرجة تراتبية أقل يأتي ضمير المؤنث "أنتِ" مع خفضه أي مع نزوله والتصغير من شأنه صحبة حروف مكتومة خانقة للأنفاس.6
فحتّى اللغة قلّلت من قيمة المرأة ومن قدرتها ووزنها وألجمتها على التجوال في تفاصيل الكلمة ودقائقها بينما أتيح للمذكر مجال التحرّك بشيء من الحرية الممكنة التي تؤهّله للهيمنة والسيادة وهذا ما يذكرنا بما قالته "الروائية" أحلام مستغانمي في مثل هذا المعنى "أنثى عباءتها كلمات لا تصل حتى إلى ركبتي الأسئلة...
لكن الشيء الذي نحن بصدد دراسته هو تحرّك الأنثى الساردة من خلال فاعلية الجسد الذي يزوّد حركية السرد نحو الاندفاع والحركة مع كثير من الموارية الرامية إلى التغطية والكشف أو الموقع الذي يستحسن الوسط بين التستّر والعري "فالعري الأنثوي على سبيل المثال معطى طبيعي معروف لدى أيّة أنثى ولكن النظر إليه من خلال قناع لغوي أو قناع واقعي كالثوب الشاف مثلا، يحوله إلى مركّب ثقافي تتدخّل فيه الفعالية الإنسانية".7
وإذا كانت المرأة تستخدم الثوب الشاف في عملية السرد فهي تمارس العري بشيء من الضبابية مبرزة مفاتن الجسد قصد إغراء الآخر وإثارته وتحقيق لذّة الاختراق والالتحام بالآخر المذكر.
العري في إطار القناع الذي يراد به الكشف أكثر من الحجب والتستر هو الذي تريده المرأة وتسعى إليه بكل طاقتها اللغوية لتعبّر عن عنفوان رغبتها الدفينة بكثير من المجاز وكثير من الأقنعة.
وهذه ظاهرة نجدها في الرواية النسوية بكثرة نذكر على سبيل المثال لا لحصر مقطع سردي لأحلام مستغانمي تقول فيه "... هو يعرف كيف يلامس أنثى تماما كما يعرف ملامسة الكلمات بالاشتعال المستتر نفسه، يحتضنني من الخلف كما يحتضن جملة هاربة، بشيء من الكسل الكاذب فأبقى متّكئة على الجدار حيث استدرجني منذ البدء ،وقد خدّرتني زوبعة اللذّة، دون أن أسأل نفسي، ماذا تراه فاعلا بي ؟ أم تراه يلغي لغتي ؟
ما نلاحظه جملا مكثّفة ومشحونة تمثّل الرغبة بؤرتها الساخنة حيث تلتقط الساردة النوابض الخفيّة في جسد المرأة التي تمثل علامة دالّة تحمل شحنة خاصّة منتقاة من صميم عالم المرأة الجنسي بدليل أن النص يتنفّس هواء هذا الجسد وحرارته ويستعيد أصداء تلك الحرارة من خلال الحفر في تضاريس الجسد والروح واستشفاف الألم الإنساني العميق داخل طمي الجسد وإدراك العين النسائية له . *فالسرد يحسن الإثارة وينوعها حتى في أبسط الأشياء وإذا كانت الكتابة النسوية ترّغب في استخدام الأقنعة المتراكمة فإنها أيضا ترغّب في المكشوف العاري .
"فالثوب - الكلمة موجود من أجل أن يشف و ليس من أجل أن يغّطي ، الشاق أو الثوب ألشاف في هذه الحالة تعرية أكثر إثارة من العري الطبيعي"8 فلذة النص هي شعلة تّتقد في جسد الأنثى تجسّده عبر الكتابة حين تنفلت الكلمة من مدلولها المتعارف عليه لتعانق عشقها للفعل الشعري الذي يحّول الدوال إلى مدلولات واسعة الإيحاء حيث تكسر المرأة المبدعة ثوابت الضوابط الوضعية للكلمة و تجعلها تسبح بالاحتمال و التعدّد .
و إذا ما بحثنا عن علاقة المرأة بالكتابة و تفاعلها مع الحكاية حتى تلد رواية فور كتابتها .
- المرأة تحبل بالحكاية تحتضنها تحملها في أحشائها مضغة فعلقة حتى تكتمل و تنضج لتلد رواية عبر الكتابة.... الحكاية كما هو معروف عند الباحثين و النقاد تسير وفق خطّ تتابعي مستقيم بينما الرواية تتلاعب بالزمان و المكان ,و في العادة تبدأ من حيث انتهت الحكاية و هنا يحدث التماسك النصّي على مستوى السيّاق بين اللحظة الآنية وقت كتابة الرواية و بين الماضي ماضي الحكاية .
إحكام السيطرة على هذه العلاقة يمثّل عاملا تقنيا بنائيا في نجاح الرواية أو فشلها .
ـ هذا ما نحاول البحث عنه في مجال الرواية النسوية التي تحبّذ الحكايات المتناسلة من بعضها البعض و تجتمع في بؤرة مركزية تمثل مدار الرواية .
ـ المرأة حين تمتزج بالكتابة تتفاعل معها جسدا وروحا ودما ، وتعني بالضرورة إفراغ الجسد ظاهرا وباطنا على الورق .
و إذا كانت المرأة تعتني بجسدها ، فهي أيضا تعتني بتشكيل نصّها الإبداعي .
يحضرني هنا مقطع سردي لكاتبة روائية مغربية تسمى " زهور كرام " تحكي عن تفاعلها و مخاضها مع الكتابة تقول فيه :
....أخرجت أوراقا بيضاء من درج المكتب ، و هممت بالكتابة ، تركت نفسي مسترسلة مع الورق ... لم أرفع عيني لم انتبه إلى زملائي الذين يدخلون ويخرجون دون أن أردّ عليهم التحيّة ، منكبّة أنا في التهام الحروف ، أجمعها أرتّبها ...أشكّلها جملا صارخة ...بي رغبة للإفراغ ....كأنّي أحمل أثقالا ...كأنّي أرفع أحجارا ....كأنّي أتطهّر ...أكتب ثم أكتب ...عيني على يدي ...يدي على الورق...و الورق تحتلّه جمل أراها تشعّ ...تبتسم ...تحكي....هم يدخلون ويخرجون و أنا منتشرة بين الحروف أعانقها ...أيعقل أن يلد العشق كل هذه القوة ...9
الكتابة عند المرأة المبدعة تمثّل رغبة جامحة في إفراغ المكبوت أو المسكوت عنه.
الكتابة جهد ومشقّة و ألم كما هي مخاض وولادة إن لم نقل تفاعلا و مضاجعة مع النص المكتوب إلى درجة الذوبان و الانصهار .
فالنص النسوي كما يلاحظ مشحون بطاقة توتر عالية فيه خرق و تجاوز و انزياح لكثير من الرموز المستمدّة من الجسد .
هذا الجسد الذي ينفث بركانه و صواعقه وزلزاله على الورق فور الكتابة فتخرج جملا سردية تحمل من العلامات والدلالات و الرموز الشيء الكثير .
و قد يتلاشى هذا الجسد عبر الكتابة ذرّات صغيرة مجزّأة يستطيع القارئ الحاذق لملمته و إخراجه من تحت الرّماد شهابا مشتعلا .
- نص المرأة كسّر جدار الصّمت بكلّ تأكيد و أثبت وجوده و فاعليته كطاقة مغيّبة ظهرت لتقف في وجه الهيمنة الذكورية ، بل جاءت لتحرير الذكورة من العوائق التي كبّلتها وكبّلته لا على أساس التجاوز و الاختّراق بل التّعاون و التّفاهم و التنّوع والتكامل .
- صوت المرأة من خلال الرواية النسوية تمكّن من مساءلة العوالم الدفينة وتعريتها و محاورتها و تجاوزها بلغة إبداعية طافحة بالشعرية وصلت إلى المناطق الغامضة و المظلمة في الذات الإنسانية عن طريق الحفر و النبش المستمر لاستخراج مكنون النفس حيث تنفجر طاقة الذات الداخلية مشعّة معرّية و فاضحة لّكل الزيف الخارجي .
- ما يلفت الانتباه في الكتابة النسوية هو تلك المحافل السردية المختلفة حكائيا و المؤتلفة دلاليا حيث نجد حكاية مركزية .تمثل بؤرة الروايات تتناسل منها حكايات فرعية أخرى تصبّ في مجرى واحد, و هذا ما يساهم في بناء الرواية على الصعيد الدلالي المشترك حيث تتداعى إلى المخيّلة عوالم قص متنّوعة بتنّوع الشخوص و الأزمنة والأمكنة بدون أن تخرج عن مدار الرواية رغم تنوع التيمات و المتون الحكائية التي تجد مرتعا خصبا في هذا التنوّع الذي يكسبها كثافة و قوّة ورمزيّة مستمدّة من وحي الأنوثة في نحتها وصياغتها للعلامات النصّية التي تضخّ الدم حارا في أوردة الرواية و تجعلها حقيقة متميّزة و مختلفة .
- صياغة المشهد الروائي عند المرأة المبدعة يخضع لخصوصيتها النسوية و تكوينها البيولوجي المختلف حيث يغلب دفق الأحاسيس و المشاعر فتوظّف اللمس و الشمّ و النّظر و الإحساس و الحلم في عالمها المتخيّل فنجد المرأة تعطي جل عنايتها السردية للتفاصيل الصغرى و الجزئيات المهمّشة و تقترب من البوح والنجوى في تجديدها و توليدها للأساليب و الأنساق وفق لغة دافئة و موحية كما نجد سرد المرأة يسترّق العين و السمّع و الحس لما يصدر من الجسد و الوجدان و ماهو مخزّن في الذاكرة و اللاوعي فاتحة المجال للتخيّل و التأمّل و القول أداتها في ذلك الكلمة الرائعة و البسيطة و المبدعة كاشفة عن تضاريس و خبايا اللغة القريبة من تضاريس جسدها و جغرافيته ، ومن هنا تتجسّد بلاغة القصّ كمؤشّر يلخّص تجربة المرأة مع السرد .
مرونة المرأة مع السرد يذهب بها صوب الاسترسال و الكثافة الشعرية أحيانا حين تستسلم لغواية اللغة وسحرها فتنحت نصا قريبا من ذاتها و من جسدها فنص المرأة يترك بصمته ووشمه على جسد الكتابة و القول ويضيف نكهة جديدة نلمس فيها رائحة الأنثى و جاذبيتها و مجال اهتمامها لا نجدها في الرواية الذكورية بدون شك .
- من خلال بناء الرواية و معماريتها نلمس عمق الداخل مع التصعيد الأفقي الذي يجنح باتجاه الذاتية و العاطفية و الخيال ، كما نلمس القدرة على ترصّد الجوانب الجوّانبية الملغومة و المتوّترة بين الأنا و الآخر ، الهي والهو , أنت ،أنتِ , كما نجد تيمة النص غارقة في تلك النوابض الخفية ، عبر اقتصاد مكثّف للغة ، وبرنامج سردي موزّع طولا وعرضا ، ولغة قصصية مرهفة تحمل الكثير من الحوافز المثيرة و المغرية في تأسيس حبكتها الفنية و إيقاعها السردي .
ـ البؤرة الساخنة في الرواية النسوية و نواتها الحكائية و الدلالية تنزل بثقلها على جسد الرواية مشخّصة دقّات القلب التي تمثّل دقّات الجسد فالنص ماسكة بأعنتّه ، ويبقى السرد لأحوال طقس المرأة المبدعة داخليا ، بحيث يستمد المدّ والجزّر و التداخل و التقاطع ، تتخلّلها وقفات أو محطّات سردية تسمح بجسّ أصداء الحكاية وشحن تلك العوالم الحكائية التي تؤطّر تلك النصوص .
ـ "إن عملية الكتابة في حد ذاتها لا تختلف بين الجنسين لكن الموضوعات وزوايا النظر والحساسيات تختلف ، لذلك نجد الكتابة لدى الرجل تتأثر بخصوصيات غير خصوصيات المرأة ، فإذا كانت الكتابة تتلون و تتأثر بعوامل تكوّن الشخصية الفردية و الجماعية ، فإن من نتائجها أن تكون كتابة المرأة مختلفة عن كتابة الرجل في هذه التكوينات الخاصة ،و للمرأة زوايا نظرها وموضوعاتها و مواقفها التي أكسبتها إياها تجربتها الفردية ...."10.
لذلك نجد في المتون الحكائية للسرد النسوي محاور مشتركة لا تخرج عن مقاومة التسلّط الاجتماعي و النفسي ، وتشكيل النص القريب من روح الحياة الواقعية التي تعيشه المرأة و محاولة تهشيم الذكورة أو تعريتها و كشف غطاء هيمنتها المتسلّطة ، كما نجد أغلب المؤشرات الحكائية للمرأة حول الهوية و الخصوصية المحلية ، ومحاولة وصف الفضاء الذي يحتوي المرأة بغرفه و جدرانه و أرصفته وهوامشه و هي في كلّ هذا تقرأ تضاريس هويتّها و تبدع في سرد أسرارها حكائيا ، و كأن المرأة مطاردة بكائن ما يسكنها منذ الأزل, فلا غرابة أن نجدها منهمكة في البحث عن و عيها الخاص و مواجهة الآخر سبب أزمتها و أزمته انطلاقا من ثقل العادات و التقاليد و الأعراف الاجتماعية التي تمثل عائقا في طريق المرأة و الرجل على السواء ، فتحرير المرأة لا يتأتّى إلا من خلال تحرير الرجل الأسير، فتحرير الآخر هو جزء من تحرير الذات ، وهذا ما تطرحه الروائية زهور كرام في روايتها " قلادة قرنفل " حيث نجد الساردة الصحفية ابنة الأخ تعيش في عائلة كثيرة العدد تتحمّل المسؤولية فيها " العمّة " صاحبة الأمر و النهي والتزويج و التطليق وهي الكلّ في الكلّ ، فحتى الذكور بما فيهم صالح الابن الأكبر بقي في" جبّة العمّة"لا حول له و لا قوة .
ـ الساردة في الرواية تعمل على التغيير من خلال التمرّد على سلطة العمّة قصد تحرير " صالح " من أسره و إخراجه من القيود التي كبّلته ..11.
ـ فتحرير المرأة في هذه الرواية لا يتوفر إلا من خلال تحرير الرجل.
ـ المرأة المبدعة في عملها الروائي أحسنت قراءة التراث قراءة تثويرية ، قائمة على استدعاء الشخصيات لماضيها الأليم ، وفق المشهد السردي المحبوك و المؤثّر وفق جاذبيته الأنثى القائمة على الحبّ و العشق حيث تنشط الذاكرة في تشغيل مخزونها اللغوي مفجّرة المكبوت و المسكوت عنه عبر الصعود و النزول في مدارج الخيال و التحرّر من قيود المنطق .
ـ الخطاب السردي النسوي ساهم بدون شك في إثراء عالم الرواية بشيء من الخصوصية و التميّز الذي جعلنا نقف عند الكثير من الأشياء التقنية في بناء هيكل الرواية و نواتها الحكائية كالعين القصصية ,و زاوية الرؤية, و المنظور ,واختيار المشهد السردي, و كيفية تكسير خطّية السرد و استعمال المنولوج والانفتاح على الداخل ، و استعمال الإشارات و العلامات الموّزعة على 12مدار مساحة السرد ، هذه العلامات تأسر و تحرّك شجون الرّغبة في تلك العلاقة القائمة على التجاذب بين ما يبثّه النص من مفردات وبين ما يفتش عنه المتلقّي .
ـ هنا تتجسّد فاعلية النص برغبة المتلقي ، خاصّة حين توفّر للمرأة المبدعة الربط بين الجسد / النص / التلقي و المحافظة على تلك المسافة التي تمثل الجسد النصّي وخلاياه بدون إهمال القارىء الضمني أو القارىء المفترض .
ـ تقنية المسافة هذه استوحتها المرأة المبدعة من جسدها كأنثى ,و الطرف الآخر المقابل ,ثمّ نقلت هذه التجربة من حيّز الجسد إلى النص الذي أصبح امتدادا لجسدها ، هنا نلمس تفجير أشياء الجسد كهوية مختلفة لاختراق جدار النص ، عن طريق لغة قائمة على الإيحاءات و المجازات و الصور مكسّرة نمطية التوصيل المباشر لتحلّ محلّها لغة الاستبطان الذاتي التي تربط بين الجسد والمتخيّل, و أسئلة الجسد و الكتابة الذي يفتح بدوره بناء التأويل عن طريق العلامات السردية التي تساهم في بناء المتخيّل و تربطه بمدلولات موازية تتحكّم في النص و تستدعي التأويل .
ـ لن أجازف بالمغامرة إن قلت إن الرواية النسوية تتجدّد باستمرار و في كل مرّة تفتح أفقا جديدا للتأمل و التخيّل و القول .
ـ و إذا كان نص المرأة هو نص جسدها لما هو لصيق بالجسد و الذاكرة وللاوعي و الوجدان ، فإن نص المرأة أيضا يجيد لملمة الذّيول والهوامش المنسية و يجيد استراق الأذن و العين ، و تسقّط الخلجات و التداعيات الدفينة المبطّنة في تلا فيف الذاكرة و الوجدان .
ـ و تبقى بلاغة القصّ عند المرأة متمثّلة في البوح و النجوى ، وتبقى حركية السرد قائمة على الكلمة الفنية المحبولة بالمعاناة و الصدق حيث الكثافة الشعرية و الاسترسال الروائي .
1 - ينظر/زهور كرام/قلادة قرنفل/رواية/مطبعة النجاح الجديدة/الدار البيضاء/ط1، 2004.
2 - أ.سيمة درويش/مسار التحولات/قراءة في شعر أدونيس الطبعة الأولى 92/دار الأداب،ص273.
3 -د.زهور كرام/ السرد النسائي العربي /مقاربة في المفهوم والخطاب/الدار البيضاء/الطبعة 1 1424/2004.ص180.
4 - د/حسين مناصرة/المرأة وعلاقتها بالاخر في الرواية العربية الفلسطينية/الطبعة الأولى 2002، المؤسسة العربية للدارسات والنشر/بيروت لبنان/ص406.
5 - فضيلة فاروق/تاء الخجل ط1، 2003، رياض إدريس، بيروت ص1.
6 -ينظر "حسن العباس" الحرف العربي والشخصية العربية/دار أسامة دمشق،ط15 1992 ص341-135.
7 -صلاح صالح/سرد الآخر/ الأنا والآخر عبر اللغة السردية/ط1 203 الدار البيضاء المغرب/بيروت لبنان،ص161.
- صلاح صالح /سرد الآخر/ الأنا و الآخر عبر اللغة السردية ،ص1618
- زهور كرام " رواية قرنفل /ص96.9
10 ـ محمد معتصم /المرأة والسرد/مطبعة النجاح الجديدة /الدار البيضاء ط1 2004 ص131
- ينظر " زهور كرام / قلادة قرنفل /..11
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. جميل الحمداوي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 8
السخرية في رواية اللجنة لصنع الله إبراهيم
الدكتور جميل حمداوي
1- عتبات النص الموازية:
يعد صنع الله إبراهيم من رواد الرواية العربية بصفة عامة، والرواية المصرية بصفة خاصة إلى جانب إدوار الخراط وجمال الغيطاني ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وآخرين. وهو كذلك من كتاب الرواية الطليعية التي تمتح من تقنيات الرواية الجديدة الفرنسية أو الروايات المنولوجية الإنجليزية. وقد كتب روايات واقعية انتقادية تطفح بالجرأة وتعرية الواقع وتصويره بفضاضة وبشاعة لتغييره وتجاوزه نحو الأحسن. ومن أهم نصوصه الروائية(تلك الرائحة- نجمة أغسطس- اللجنة...).
إن الرواية التي نحن بصدد مقاربتها تحمل عنوانا مفردا ( اللجنة)1، وهو مبتدأ معرف يحتاج إلى خبر، وهذا الخبر يمكن التوصل إليه من خلال استنطاق الحبكة الروائية. ويحيل العنوان على الطابع المؤسساتي والرسمي لهذه اللجنة على الرغم من ادعائها الاستقلالية عن السلطة. فاللجنة- هنا- بمثابة جهاز مخابرات سرية تقوم باستنطاق المواطنين الغيورين على بلدهم، وتطرح عليهم مجموعة من الأسئلة والأبحاث لمعرفة هويتهم وحقائقهم الذهنية والوجدانية. وبالتالي، فاللجنة نظام للمحاسبة والمكاشفة السياسية ورمز للتعذيب الإنساني واستمرار للسجن ومصادرة حقوق الإنسان.
فمن الناحية الطبوغرافية، نشرت الرواية في حجم متوسط عدد صفحاتها (119) صفحة، وهي تحتوي على ستة فصول غير معنونة ولا مرقمة حيث يفصلها البياض الذي يعقبه السواد ليعلن بداية الكلام ، وإن كانت الرواية في الأصل قصة قصيرة.
ومن الناحية الخارجية، يتربع على الغلاف الخارجي الأمامي العنوان المركزي ( اللجنة)، وقد كتب بخط مفخم بارز باللون الأحمر للدلالة على خطورة اللجنة والتلميح إلى الإجرام وسفك الدماء والتعذيب وكثرة عدد أفرادها الذين يشكلون مؤسسة مدنية وعسكرية بشكل متداخل.
وإلى جانب العنوان والتعيين الجنسي، نجد صورة واقعية رسمت بتشكيل كاريكاتوري ساخر تبين أعضاء اللجنة وهم يستنطقون إنسانا عاريا ومهانا في كرامته وفي حقوقه الفطرية الطبيعية بطريقة عسكرية قائمة على القمع وفرض السلطة بالقوة والعنف والتهديد الإجباري. وإلى جانب هذه الصورة- الأيقونة التي تلخص المشهد الأول من الرواية، نجد اسم الكاتب في أسفل الغلاف إلى جانب حيثيات النشر.
ومن الوجهة الخلفية، نجد مقطعا روائيا اقتطف من داخل الرواية للاستشهاد به، ويدل على مدى إهانة اللجنة للكاتب الذي كان همه الوحيد هو الرغبة في الحياة، تلك الرغبة التي ستتآكل بعد بحثه الذي أنجزه حول" الدكتور" والذي أوصله إلى نتائج خطيرة جدا.
وقد أثبت الناشر هذه المقاطع ليبين بؤرة الرواية وخصوصياتها الفنية والدلالية والإيديولوجية بالمقارنة مع روايتيه السابقتين" تلك الرائحة"و" نجمة أغسطس"..
ويلاحظ إلى جانب كلمات الناشر صورة صنع الله إبراهيم بقسماتها وملامحها الكاريكاتورية الساخرة وهو يدخن سيجارا يتأمل من خلاله الواقع العربي المفارق بنظرة قوامها التحديق الغريب والتعجب الحائر المثير بسبب لامعقولية الواقع وافتقاده لآدميته الإنسانية واغترابه الفظيع.
2- أحداث الحبكة السردية:
يستهل الكاتب روايته بمثوله أمام أعضاء اللجنة الذين أهانوه كثيرا بأساليب وقحة وبشعة مستفسرين إياه عن كثير من المسكوتات السياسية والأخلاقية، وكانت هذه اللجنة ذات صبغة عسكرية على الرغم من مظهرها المدني الذي يتجلى في بعض الشخصيات، إلا أن هذا المظهر سرعان ما ينكشف في المكاشفة المعرفية الثانية.
لقد أحس الكاتب بذعر كبير وهو أمام اللجنة التي طلبت منه أن يرقص و يظهر عورته غير مبالية بمبادئ حقوق الإنسان.و ظلت تحاوره وتستخبره في أمور خطيرة جدا لها علاقة بالأخلاق والسياسة والمعرفة العلمية. ويحاول الكاتب أن يجيب مظهرا براعته في الكلام وتفوقه في الجدال الاقتصادي والسياسي، وذلك بتشريحه للمجتمع العربي الذي انتقل من القطاع العام إلى سياسة الانفتاح والتنويع والتطبيع.
وبعد ذلك، طلبت منه اللجنة أن يهيئ بحثا عن ألمع شخصية في العالم العربي. ولقد تردد الكاتب كثيرا، وبعد ذلك اختار أن يكون موضوع دراسته هو التنقيب " في سيرة الدكتور" بطريقة جديدة تتداخل فيها المناهج والعلوم.
ولقد توصل إلى حقائق ونتائج خطيرة، مما جعل اللجنة تتدخل لتوقف هذا البحث الذي أثار كثيرا من المشاكل للجنة؛ مما أودى بالكاتب المحاصر ليتخلص من مراقبه" القصير" الذي كان ينغص عليه حياته ويراقبه في أي حركة يقوم بها. وكان يعد عليه أنفاسه التي تخرج من صدره ولو كان يقضي حاجته الطبيعية، والأدهى من ذلك،أنه كان ينام معه إلى جواره في سرير واحد كأنهما في سجن من نوع خاص.
ولقد استدعته اللجنة لمحاسبته مرة أخرى بعد تخليصه من مراقبه "القصير". وبعد التبريرات التي قدمها لأعضائها العسكريين، انسحبت اللجنة وتركوه ليتآكل بشكل مأساوي. وهكذا أوقعه هذا التآكل في تطاحنات فاشلة مع عملاق الأوتوبيس وطبيب العيادة الخاصة.
ويمكن أن نحدد أحداث الفصول في العناصر التالية:
* الكاتب أمام اللجنة لأول مرة قصد استنطاقه ودراسة ملفه وتقويمه.
* إعداد الباحث لموضوع عن ألمع شخصية عربية.
* اقتراب الكاتب من جمع المادة النهائية والبداية في تدوين المعلومات وتأليف الكتاب عن " الدكتور" اللامع في جميع البلدان العربية.
* محاصرة القصير للكاتب وهو في منزله أثناء تفكيره مليا في البحث الذي سينجزه عن "الدكتور" إما بتنفيذه وإما بالتخلي عنه.
* اللجنة تنظر في أمر الكاتب قصد التأكد من اعترافاته وصحة مبرراته وتقويم نتائج بحثه المعرفي.
* لحظة المأساة والتمزق الداخلي والموضوعي.
3- أبعاد الرواية:
تدين هذه الرواية ذات الطبيعة السياسية الحقوقية الساخرة أجهزة القمع التي تصادر حقوق الإنسان وتمرغ كرامة المثقفين المناضلين و الفاعلين العضويين بمفهوم أنطونيو غرامشي في وحل الإهانة والعبث بشرفهم وآدميتهم الطبيعية. كما تؤشر على التغييرات التي عرفها العالم العربي بصفة عامة ومصر بصفة خاصة بعد انتقالها من المرحلة القومية إلى مرحلة الانفتاح وانتهاج سياسة الاقتصاد الليبرالي الحر المبني على الاستهلاك واستيراد المنتجات والبضائع الأجنبية المعاصرة وانتشار ظاهرة الخوصصة وارتفاع تكاليف المعيشة وتأخر وتيرة نمو القطاع العام وفشله أو عجزه عن تلبية حاجيات المواطنين. وترصد الرواية بفنية عالية نمو العلاقات الاجتماعية والاقتصادية خلال مرحلة المد القومي وبعد انحساره، وما ترتب عن ذلك من ظهور طبقات اجتماعية متفاوتة وسلطات متنوعة ومطلقة. وتمزج الرواية المعقول باللامعقول في تصوير هذا الواقع المليء بالتناقضات الغريبة التي تلبس الواقع بالمفارقة الكاريكاتورية الساخرة والحدث بالتأمل وتعري الواقع الراهن على حقيقته.
3- الشخصية الروائية:
تعتمد رواية اللجنة على بطل إشكالي بمفهوم لوسيان گولدمان يعاني من التمزق بين الذات والموضوع.وبالتالي، لم يستطع التكيف مع الواقع، وينتهي به الأمر إلى الفشل والتآكل عندما يختار القوة والعنف والرغبة في المغامرة سعيا وراء إحقاق الحق وإبطال الباطل. وهذه الرواية شبيهة بلجنة امتحان يتقدم أمامها الطالب لتقويمه، وبعد ذلك تفرض عليه بحثا لإنجازه. وفي الأخير، يتقدم إليها مرة أخرى للحكم عليه إما إيجابا وإما سلبا.
هذا، وتستند الرواية إلى البحث عن المعرفة ورصد عواقب الحصول عليها إن كانت هذه المعرفة هامة وخطيرة جدا تمس بالأمن القومي.
وترى سيزا قاسم أن هذه الرواية تنتمي إلى " مجموعة الروايات المعروفة بbildungs roman وهي روايات التدريب أو التعليم؛ حيث يبدأ البطل الصعود في سلم حياته، ويكتسب الخبرة والمعرفة من خلال ممارسات مختلفة ومغامرات عدة، حتى يصل إلى مرحلة النضج والاختيار؛ فإما أن يخرج من هذا البحث الطويل منتصرا مكللا بالعار، وإما أن يخرج منه مثخنا بالجراح ومحطما. وتتبع اللجنة هذه البنية؛
ففي الجزء الأول ينطلق البطل في البحث عن المعرفة، ثم يوضع في وسط الرواية على التحديد في موقف الاختيار، ويدفع إلى اختيار العنف والثورة، ولكنه في النهاية لا يقوى على تحمل هذا الاختيار، فيقوم بتدمير نفسه".2
هذا، وتصور الرواية خطورة البحث واستقراء الملفات السياسية الخطيرة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى انعدام حقوق الإنسان وخطورة المعرفة في العالم العربي الذي تنتهك فيه كل الحريات الإنسانية سواء أكانت عامة أم خاصة. وتقف الجهات الرسمية بالمرصاد في وجه كل من يحاول التغيير أو يصرح بالحقيقة.
ومن هذا التحليل، ترى سيزا قاسم أن رواية اللجنة" تطرح في المقام الأول مشكلة المعرفة في المجتمع العربي المعاصر... فلا شك أن تزييف المعرفة وحجبها، وفرض منظور الإيديولوجية السائدة على المجتمع من خلال ما يمكن أن تسميه القمع المعرفي، من المشكلات الجوهرية التي يعاني منها المجتمع ومن ثم فقد أخذ الأدب على عاتقه أن يفضح هذا الزيف وان يكشف النقاب عن الحقيقة".3
تبدو رواية اللجنة رواية تمرد الكاتب عن كل القواعد التي سجن نفسه في حدودها طوال السنوات الماضية. وهي كذلك مجرد رغبة نزقة في التمرد على الذات في مقاومة رتابة الكتابة وفقا لنهج صارم.4
و يلاحظ أن شخصيات الرواية فارغة من حيث الدلالة وسديمية بلا معنى و معدومة الجوهر، إنها لا تحمل اسما أو علما على غرار روايات كافكا والرواية الجديدة التي حولت الشخصيات الروائية إلى حشرات وأشياء وأرقام بلا هدف ولامقصدية. ولاتحمل هذه الشخصيات سوى بعض الألقاب القائمة على التعظيم( الدكتور) أو التقبيح والتشويه ( القصير)، وهذا يعني أن الإنسان لم يعد له قيمة تذكر في عالم الاستلاب والقمع والتشييء الليبرالي. وبالتالي، فالرواية هي تصوير للمحاصرة المعرفية والشخصيات المثقفة المناضلة بطريقة بارودية ساخرة أسها التهكم من الواقع العربي المتعفن والمتردي على جميع المستويات والأصعدة.
4- الجوانب الفنية والأسلوبية:
وظف الكاتب في روايته أنماطا أسلوبية جديدة تستند إلى استعمال قصاصات من أنباء الصحف والمقالات والإعلانات الإشهارية لإضفاء الواقعية والموضوعية على الرواية، إلى جانب استعمال أسلوب الريبورتاج التسجيلي الصحفي، واستخدام الصور الكاريكاتورية الساخرة القائمة على السخرية والمفارقة، وتنويع الأساليب والأصوات الإيديولوجية.
وقد شغل الكاتب خطابات تناصية عديدة كالخطاب التاريخي القديم منه والمعاصر( الفرعوني والإسرائيلي) ، كما استعمل الخطاب السياسي( القومي- الاشتراكي- الانفتاح...)، والاقتصادي واللغوي والفني والأدبي.
وللرواية بناء دائري تبدأ بلحظة الدخول إلى مكان تواجد اللجنة وتنتهي بلحظة الخروج بعد فشل الكاتب في بحثه الذي لم يقنع اللجنة؛ مما جعلها تتركه عرضة التآكل والانهيار الداخلي والذوبان المأساوي.
أما الفضاءات التي ركزت عليها الرواية فهي فضاءات عدائية تفتقر إلى الحميمية والدفء والشاعرية( مبنى اللجنة- السجن- العيادة- الشارع- البيت المحاصر...)،وهي فضاءات توحي كذلك بالخوف والرعب وعدم الطمأنينة سواء من الناحية الداخلية أم الخارجية. والكاتب مقل في وصفه إذا استند إلى الإيجاز والتركيز والإيحاء على غرار الرواية الجديدة بدلا من التفصيل و الاستقصاء كما هو الشأن في الرواية الواقعية المحفوظية أو البلزاكية.
وإذا انتقلنا إلى الرؤية السردية فهي رواية كشف ذاتي وبوح سري قائمة على الرؤية المصاحبة(مع)،حيث معرفة الكاتب مساوية للشخصية الرئيسة في الرواية. ومن ثم، فالتبئير داخلي في هذا العمل السردي . ومنه تنطلق الرؤى المغايرة الأخرى لتشكل ظلالا جزئية تضرب على الإيقاع الرؤيوي المصاحب.
وعلى مستوى البنية الزمنية، فالرواية تتخذ إيقاعا كرونولوجيا متصاعدا وكذا إيقاعا منطقيا من خلال تسلسل الأحداث على النحو التالي:
وجود الكاتب أمام اللجنة? اللجنة تكلفه ببحث عن ألمع شخصية عربية? الكاتب يكاد ينتهي من البحث? محاصرة القصير للباحث بعد وصول الأخير إلى نتائج خطيرة? النتائج التي ترتب عنها اجتماع الكاتب مع اللجنة مرة أخرى بعد تخلصه من القصير?تآكل الكاتب داخليا وموضوعيا.
ويزاوج الكاتب بين الحوار والأسلوب غير المباشر بشكل متوازن مستعملا لغة موضوعية في كثير من الأحيان مع تطبيعها بلغة إنشائية ذاتية حبلى بالمشاعر والأحاسيس الإنسانية النبيلة التي تصور عالم المفارقة وتدعو إلى تغييره وتحلم بعالم آخر أكثر عدالة وسعادة.
وعلى الرغم من ذلك،تتسم الرواية بلغة الصحافة والتقرير التعييني،والابتعاد كثيرا عن لغة البلاغة والتصوير البياني والتشبيهات الأدبية التي كنا نجدها كثيرا في المقاطع الوصفية في الرواية الكلاسيكية سواء الواقعية منها أم الرومانسية.
خاتمة:
وخلاصة القول: إن اللجنة هي رواية جدلية المثقف والسلطة، ورواية واقعية انتقادية تنبني على السخرية الكاريكاتورية والباروديا والمفارقة المذهلة. يتداخل فيها السياسي مع المعرفي، والتاريخي مع الاقتصادي، واللغوي مع الأدبي. كما تصورصراع المثقف مع أنظمة القمع وإعدام المعرفة إقبارا ومنعا. إنها تبين لنا صراع الحقيقة مع الزيف وتملق السلطة وموالاة اللجنة لها. كما تؤشر الرواية على مصادرة حقوق الإنسان واحتقار المثقف العربي من قبل مؤسسات الرصد والتجسس والمخابرات السرية التي تناصر الظلم وتحارب العلم والخوض في المعرفة الحقيقية.
وعلى مستوى البناء،فالرواية جديدة من حيث المعمارية الدارئرية الحلزونية إلى جانب الاقتصاد اللغوي والتكثيف الوصفي واستفادتها من قصاصات الجرائد والإعلانات والمقالات، وامتصاصها لخطابات تناصية ثرية لإدانة واقع مفارق بلغة تقريرية موضوعية أميل إلى لغة الصحافة الجافة الخالية من نصاعة البيان وروعة الاستعارة على غرار الرواية الفرنسية الجديدة. وهذه الرواية مكتوبة بصورة عفوية للغاية، وإن كانت محكمة من خلال قانونها الخاص: إنها ليست قطعة من الواقع تعيد أصابع الفنان تشكيلها لتصبح واقعا جديدا. فهي منذ البداية واقع مواز تماما على نسق التقليد الأدبي العام.5
الهوامش:
1 - صنع الله إبراهيم: اللجنة، عيون المقالات، مطبعة تينمل بمراكش، ط5، 1992. وظهرت الطبعة الأولى سنة 1981، بعد أن ظهر الفصل الأول من الرواية في مجلة الفكر المعاصر في مايو 1979 في شكل قصة قصيرة؛
2 - سيزا قاسم: روايات عربية ، قراءة مقارنة، ط1 ، 1997، شركة الرابطة الدار البيضاء،ص:83؛
3 - نفس المرجع السابق، صص:85-86؛
4 - صنع الله إبراهيم: ( تجربتي الروائية)، الرواية العربية: واقع وآفاق، ط1، 1981، دار ابن رشد للطباعة والنشر، ص:301-302؛
5 - صنع الله إبراهيم: ( تجربتي الروائية)، ص:301؛
- التفاصيل
- كتب بواسطة: جميل حمداوي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 7
قراءة في الكتابة الشعرية النسائية
(قصيدة أرض تسكن الماضي لرجاء الإدريسي نموذجا)
الدكتور جميل حمداوي
من المعروف أن الكتابة النسائية هي التي تشخص أدبية الأنثى في علاقتها بالرجل، وتجسد همومها الشعورية و اللاشعورية وصراعها الذاتي الداخلي والخارجي من خلال المناجاة والبوح والاعتراف والتمرد واستخدام أساليب التذويت والتبئير الشخصي. لكن أهم مايميز الكتابة النسائية هو إثبات الهوية والخصوصية الأنثوية واستقلالية المرأة عن الرجل في شكل صراع جدلي معه أو من خلال تعايش ائتلافي. لذلك تحضر كثيرا عقدة الرجل في الكتابة النسائية إلى جانب مقومات الجسد وما يتصل به من زواج وجنس وجمال وأنوثة وسن وبكارة وحب وعنوسة وإنجاب وحرية ومسؤولية . وتتسلح هذه الكتابة بسلاح التأنيث أو المؤنث في مواجهة الذكورة التي تحيل في القصيدة النسائية على الاستعباد والاغتصاب والترهيب والغطرسة كما في قصيدة الشاعرة المغربية رجاء الإدريسي ( أرض تسكن الماضي) المنشورة في الموقع الرقمي( ألف ياء) في 28/10/2006م:
سيأتي أبي حاملا عصاه الغليظة
وسيضربني- كما العادة- حتى ينتفخ نهداي
حينها سأقول لظالمي عفوك مولاي
أقول له أنا جاريتك التي في المرآة
أنا جارتك التي قرب الباب
فأدخل إلى شاشتي الصغيرة
أو أبحث عن صمت يغري سواي.
يتبين لنا من خلال هذا المقطع الصراع الجدلي بين الأنوثة والذكورة، وخاصة عندما تفشل الأنثى في الحصول على سعادتها الحقيقية التي تتمثل في الاستقرار والزواج والإنجاب أو تفشل في الحفاظ على وجودها وكينونتها داخل فضائها الحميمي وعشها الهادئ الساكن مع فلذات أكبادها. ويوحي المقطع بتمرد واضح عن الذكورة باعتبارها رمزا للقسوة والاستبداد والعنف. ويتحول الأب إلى طوطم أبيسي لايعرف إلا انتهاك حرية الآخرين، وتتحول إليه العصا الغليظة إلى قوة الجبر والقهر ضد الأنثى- الجنس( ينتفخ نهداي)، وأنثى الاستسلام والصمت والطراوة والانكماش والانطواء الذاتي. وفي المجمل تؤشر القصيدة على لغة الحرب والسلام، أو لغة الرضى والعصيان:
فادخل إلى شاشتي الصغيرة
أو ابحث عن صمت يغري سواي.
ويلاحظ أن هذه الثنائية تتحول أيضا إلى ثنائية السيد والعبد كما يطرحها الفيلسوف الألماني هيجل في فلسفته حول جدلية السيد والعبد. وتنتهي الحرب بين الذكورة والأنوثة إلى هزيمة المؤنث وانتصار المذكر. مما يجعل الشاعرة ترفض هذا الوضع غير المقبول، وهو الذي فيه ذل للمرأة وإهانة واستصغار لها كينونيا ووجوديا. وتعلن الشاعرة لغة التحدي والإصرار والرفض والتمرد وتنصح أختها الأنثى أن تصغي إلى ذاتها وتدافع عن حريتها ومصيرها المستقل، وأن تثور في وجه الرجل وتشهر سلاح الصبر ضد غرائزها من أجل إثبات وجودها الحقيقي على حد تعبير شكسبير : كن أو لا تكن، ذلك هو السؤال:TO BE OR NOT
TO BE. THAT IS THE QUESTION.
أقول له أنا جاريتك التي في المرآة
أنا جاريتك التي قرب الباب
هذا، وتنبش الشاعرة في ذاكرة الأنثى و تاريخ الأنوثة في الموروث العربي الإسلامي، ولكنها لم تجد سوى صفحات الجارية والجارة والخادمة وخطاب الاستسلام والصمت والانطواء والظلم والخضوع والإذلال. وتتحول الذكورة في طيات هذا التاريخ إلى"تسلطن"وجبروت وظلم ضد الأنثى يستوجبه النهد والمرآة والإغراء. ويعني هذا أن مدار إشكالية الأنثى والذكورة هو الجنس الذي لاطعم له سوى بالغواية واستخدام قوة الفحولة وإظهار قسوة الليبدو السيكولوجي لتفادي جدب التناتوس الغريزي والموت اللاشعوري. وتتنكر الشاعرة لعقدة الطفولة، عقدة الإلكترا التي كانت تمجدها في صراعها ضد نفسها( كراهية الأم وحبها للأب )، لتتحول هذه العقدة إلى صراع أموسي و أوديبي ذكوري.
وبسلاح التأنيث وضمير التذويت، تثور الشاعرة على الأنثى / الهزيمة وأنثى السلام، وأنثى الجسد التي لاتملك سوى جمالها وبكارتها التي بها تؤكد وجودها وكينونتها الحقيقية. كما تستنكر الشاعرة حياة الخوف والقهر وسلطة الطابو الأخلاقي والجنسي حيث تتحول المرأة إلى مجرد جسد قد ينتعش بالحياة والحركة(الزواج) ، أو يهدده الذبول والموت( العنوسة). كما تتحول تاء التذويت (نسبة إلى الذات) أو أنا المتكلم إلى مكنسة أو آلة للطبخ ووسادة للجماع والانتشاء لإرضاء رغبات الذكورة ونزوات الفحولة:
إني أحدث نفسي صبية
لاتملك سوى بكارة العرس
عليها أن تحافظ عليها كي تقدمها هدية
لشيخ بلغ من العمر ممالم يبلغه نبي الله أيوب
أجل...عليها أن تحافظ على رشاقتها
وعلى بشاعتها أيضا
لكي تصير ساحرة
تعرف كيف تؤثث وجدانها وجرذانها
لكل من سيدق باب الغيوب
إني أروض نفسي سبعين مرة في الثانية
على الصبر السيزيفي
لكي أصير امرأة صالحة للطبخ والجنس
تلك هي وصية أمي لي
ووصية جدتي لأمي
وتلك بوصلة كل فتاة ترغب في الصمت
وفي لعبة الإنجاب
وفي جذب القلوب
......................
متى أصحو من نومي يا أمي؟
وعليه، فالشاعرة تتمرد عن واقعها الأنثوي الذي تطغى فيه الذكورة وتسحق فيه الأنثى وتنتصر الفحولة وتسمو الرجولة لتبحث عن واقع لضميرها الذاتي وحريتها كحرية الحمام الزاجل الذي يشعرها بالسيادة والاستقلال الوجودي والتحرر من عقدة الرجولة المغتصبة (بكسر الصاد) قصد إثبات ذات لايخدشها الجبر الذكوري ولا الظلم الأوديبي. ولن يكون هذا التحرر الأنثوي في الحقيقة إلا في مجتمع العدالة والمساواة بين الجنسين الذي تتجاوز فيه الفوارق التافهة والمميزات الشكلية وينظر فيها للمرأة كذات مستقلة كينونيا ووجوديا، كما تصبح فيه الأنثى لها السيادة المطلقة كالمجتمع الأموسي القديم:
الحمام الزاجل يلبسني ثوبا بحجم الأرض
والحمام الساخن يدفئني مثل المهد
هكذا أشعر أني لست عبدا لأحد
وأشعر أني قد ألفيت بعضي
من سيطعمني حين يجوع الكون
فيأتي على الأخضر واليابس
أو حين تجوع مادونا وتتعرى
أمام الشجرة التي هناك
ثم من سيطلعني على ما سيحدث
يوم تفلس تلك الشمس.
وانطلاقا مما سبق، فثمة تجليات أخرى للكتابة الشعرية النسائية في هذه القصيدة إلى جانب جدلية الذكورة والأنوثة ،وتتمثل في حضور الذات الأنثى عبر ضمير المتكلم الذي يلتصق بنون الوقاية وياء المتكلم والتاء المتحركة وتاء التأنيث... كما يحضر القاموس الجنسي الأبيقوري الأنثوي من خلال كلمات شبقية إيروسية ليبيدية تعبر عن اللاشعور الذكوري( يلبسني ثوبا- الحمام الساخن- المهد- أشعر أني ألفيت بعضي- تعرى- صبية- بكارة العري- رشاقة- ساحرة- الجنس- لعبة الإنجاب- جذب القلوب- نهداي- المرآة- يغري).
يبدو من خلال هذا القاموس الجنسي الطاغي على القصيدة، أن النص الشعري لدى الشاعرة عشق ذكوري من خلال تمرد أنثوي على مستوى سطح الوعي، وانجذاب غريزي جذاب سرمدي إلى الآخر/ المذكر على مستوى اللاشعور والمضمر، وبذلك يتحول الصراع الظاهري إلى تعايش على المستوى الحلمي واللاوعي ولذة الرغبة. وترسم القصيدة هموم الذات الأنثى المفردة بقضايا الجنس والفحولة والتغزل بالذات تزيينا واستبشاعا. كما تتجسد هذه الكتابة النسائية في معاناة المرأة وصبرها السيزيفي اللامحدود من خلال استحضار الأم والجدة في صورة المرأة المستعبدة المذلولة، و في المقابل تستحضر نفسها في المرأة المتمردة الكائنة وجوديا والمتحررة من شرنقة الذكورة الظالمة.
كما تتزيى هذه الكتابة بصور شعرية جنسية مشكلة في لغة تتسم بالليونة والسلاسة والرقة والتأنيث في تحد للغة الكبت الذكوري وجزالة الذكورة:( الحمام الزاجل يلبسني ثوبا بحجم الأرض- حين يجوع الكون- يدفئني الحمام الساخن مثل المهد- تفلس تلك الشمس- تقدمها " البكارة" هدية- تؤثث وجدانها وجرذانها...). وتتأطر اللغة في حقلين دلاليين: الأنوثة والذكورة وتتوسطهما شبكة من دوال اللغة الشبقية الجنسية التي ترسم كيان المرأة الأنثى ،كما تحيل دوال القسوة والعنف على الذكورة. وتستعمل الشاعرة ضمير التكلم بكثرة وهذا شيء طبيعي للدلالة على الأنثى وحضور الذات ، ولكنها تلتفت بالمضمر والمعلن إلى ضمير الغياب الذي يرمز إلى الذكورة التي تريدها الشاعرة أن تغيبها انتقاما وثأرا من الرجل النقيض لتحصرها عمدا في لغته المعهودة إليه وهي لغة الغصب والعنف والظلم والبطش.
أما هيكلة القصيدة، فهي هيكلة قالب شعر التفعيلة حيث تتحرر الشاعرة من النظام الخليلي ومقاييس عمود الشعر العربي لترتكن إلى الانزياح الفضائي وتكسير صرامة الوزن وتشغيل تفعيلة (فاعلن) بكل زحافاتها وعللها وطبائعها التدويرية. وعلى الرغم من بعض المقاطع الشعرية ذات الصور الشعرية الجميلة، إلا أن الشاعرة قد سقطت في التقريرية والنثرية الإخبارية التي قربت القصيدة من كتابة شعرية نسائية نثرية عادية كأننا أمام شكوى خطابية كما نجد ذلك واضحا فيما يلي:
عليها أن تحافظ عليها كي تقدمها هدية
لشيخ بلغ من العمر مالم يبلغه نبي الله أيوب
لاحظ أخي القارئ أن طول السطر وتكرار كلمة عليها أوقع الشاعرة في نثرية مستهجنة غير شاعرية ، فيها كثير من التقريرية المرجعية. بل يمكن القول: إن الشطر الأول والثاني عبارة عن كلام عادي يقوله أي واحد منا ولو لم يكن شاعرا. وهذا الحكم ينطبق أيضا على هذا السطر النثري:
أجل عليها أن تحافظ على رشاقتها
إن كلمة أجل لاتصلح للشعر، بل للخطب الرسمية والمحاضرات والنصائح والوصايا. وعلى الشاعرة أن تختار قاموسا شاعريا. فليس كل لفظ بصلح للشعر، بل لابد من اختيار كلمات انفعالية معبرة رمزية. أما مقطع الوصية فهو فعلا وصية وليس بشعر(المقطع الرابع)؛ والسبب في ذلك خلو القصيدة من الجمل الإنشائية ماعدا ثلاث جمل إيحائية لاتستطيع أن تحقق الوظيفة الجمالية أوالشعرية التي تحدث عنها رومان جاكبسون كشرط أساسي لإضفاء الأدبية على القصيدة الشعرية( النفي: لاتملك...، والاستفهام: متى أصحو؟ متى أموت؟).
إذاً، فالقصيدة يغلب عليها التقرير والإخبار والإثبات( إني... أجل...)، وكل هذا يتناقض مع شعرية القصيدة الإبداعية الحقيقية . ونحن دائما ندافع عن شعرية الوضوح و نقف في وجه الإبهام والتجريد المطلسم، ولكن ليس الوضوح البسيط التقريري الذي يفهم من أول السطر ، بل لابد من استخدام الصورة الرؤيا والرموز القريبة للمتلقي مع الإكثار من المستنسخات التناصية واختيار الإيقاع الشاعري والقوافي المناسبة دون أن تسقط في الرتابة والإيقاع الموحد المكرر. لأن ليس كل البحور العروضية صالحة لأي موضوع شعري، فلكل موضوع بحره الشعري وقافيته المتناسبة ولكل مقام مقال. كما أن هناك إحالة شعرية لايستسيغها المنطق ولا الواقع ولا التاريخ حينما تقول الشاعرة:
لشيخ بلغ من العمر مالم يبلغه نبي الله أيوب.
فما هذه المقارنة الغريبة أيتها الشاعرة المثقفة؟ هل هناك شيخ وصل إلى عمر أيوب الذي أعطاه الله حيوات متعددة ومتجددة في حياة واحدة طويلة. كان عليك أن تختاري نوحا على سبيل المثال؛ لأن أيوب رمز للصبر، وليس رمزا للشيخوخة والعمر الطويل. وبكل اختصار كان على الشاعرة أن تختار مثلا كلمة عتيا على هذا النحو:(لشيخ بلغ من العمر عتيا)، وأن تتصرف في الإيقاع حتى يستوي الكلام موسيقيا. أقول لشاعرتي العزيزة- وأنا أتحمل مسؤولية النقد - أن تقرأ الكثير من الدواوين الشعرية لشعراء رواد ومتميزين في الكتابة الشعرية الجديدة( السياب- نازك الملائكة، البياتي- بلند الحيدري- صلاح عبد الصبور- عبد المعطي حجازي- أمل دنقل- محمود درويش- محمد عفيفي مطر- فاروق شوشة- أحمد دحبور- فدوى طوقان-أحمد المجاطي- سعيد جودة- فاطمة ناعوت- حسن الأمراني- محمد علي الرباوي واللائحة تطول...). وأنصحها كذلك أن تنصت للشعراء الشباب المقتدرين وأن تدخل معهم في حوار بناء وتواصل خلاق للاستفادة والمواكبة وتطوير الإبداع. و عليها أيضا أن تغربل أسفار الإيقاع الشعري الجديد(نازك الملائكة- محمد النويهي- عزالدين إسماعيل- شربل داغر- أحمد المجاطي- محمد علي الرباوي- كمال أبوديب- محمد بنيس- كمال خير بك...) ، وأن تبحر في كتب الثقافة والدين والفن والتشكيل والأسطورة ككتاب أسطورة الموت والانبعاث لريتا عوض مثلا، وأن تنفتح على ثقافة الغرب وتيارات الشعر الأوربي . كما أطالبها بالابتعاد عن ظاهرة التدوير الإيقاعي في كتاباتها الشعرية المستقبلية قدر الإمكان مادام المبدع غير مقيد، وبالتالي يكتب شعرا حرا طليقا؛ لأن التدوير يقتل الشاعرية ويسقطها في النثرية الإخبارية التي يمجها الذوق العربي و السماع الموسيقي، وأن تكثرمن الصور الشعرية ذات الحمولة المجازية الرمزية العميقة والأساليب الإنشائية الموحية، وأن تتجنب بشكل دائم أسلوب التقرير والمباشرة و كثرة جمل الإثبات ، كما ينبغي أن تستعمل الصورة- الرؤيا من خلال توظيف المجاز والأسطورة والرمز والتناص والمستنسخات الإحالية والتراث المحلي والإنساني.
وخلاصة القول: إن قصيدة الشاعرة المغربية رجاء الإدريسي لنموذج متميز للكتابة الشعرية النسائية من حيث المضمون، ولكن الكتابة التصويرية والإيقاعية أسقطتها في التقريرية المستهجنة،والنثرية الظاهرة، والسطحية الفجة، والمضامين المباشرة. ولدي أمل كبير في أنها- إن شاء الله- ستتجاوز هفواتها، وستستفيد من الكبوات التي وقعت فيها القصيدة . و قد قيل : من الأخطاء يتعلم الإنسان.
ملاحظة:
جميل حمداوي، ص.ب:5021 أولاد ميمون، الناظور 62002، المغرب.
الملحق النصي:
أرض تسكن الماضي
الحمام الزاجل يلبسني ثوبا بحجم الأرض
والحمام الساخن يدفئني مثل المهد
هكذا أشعر أني لست عبدا لأحد
وأشعر أني قد ألفيت بعضي
.................................................
من سيطعمني حين يجوع الكون
فيأتي على الأخضر واليابس
أو حين تجوع" مادونا" وتتعرى
أمام الشجرة التي هناك
ثم من سيطلعني على ماسيحدث
يوم تفلس تلك الشمس
إني أحدث نفسي مثل صبية
لاتملك سوى بكارة العرس
عليها أن تحافظ عليها كي تقدمها هدية
لشيخ بلغ من العمر مالم يبلغه نبي الله أيوب
أجل...عليها أن تحافظ على رشاقتها
وعلى بشاعتها
لكي تصير ساحرة
تعرف كيف تؤثث وجدانها وجرذانها
لكل من سيدق باب الغيوب
إني أروض نفسي سبعين مرة في الثانية
على الصبر السيزيفي
لكي أصير امرأة صالحة للطبخ والجنس
تلك هي وصية أمي لي
ووصية جدتي لأمي
وتلك بوصلة كل فتاة ترغب في الصمت
وفي لعبة الإنجاب
وفي جذب القلوب
....................................
متى أصحو من نومي يا أمي؟
ومتى أموت؟
الوقت متأخر الآن
وعلي إنهاء هذه القصيدة قبل المساء
سيأتي أبي حاملا عصاه الغليظة
وسيضربني- كما العادة- حتى ينتفخ نهداي
وتستعر نار الغضب في الحطب
حينها سأقول لظالمي عفوك مولاي
أقول له أنا جاريتك التي في المرآة
أنا جارتك التي قرب الباب
فادخل إلى شاشتي الصغيرة
أو ابحث عن صمت يغري سواي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ألف ياء، مجلة رقمية الكترونية، نشر فيها النص في:28/10/2006.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. جميل الحمداوي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 12
من أجل مقاربة بلاغية للنص المسرحي
الدكتور جميل حمداوي
يحاول الدكتور محمد أنقار في كتابه القيم( بلاغة النص المسرحي) قراءة نصوص مسرحية إغريقية وعربية ومغربية على ضوء بلاغة الصور الدرامية وأسلوبية المشاهد. فلقد اختار الناقد من التراث اليوناني نصا تراجيديا ليوربيديس ألا وهو ( إيون)،1 ونصا كوميديا لأريسطوفان (الضفادع)،2 ومن المسرح العربي الحديث مسرحية أحمد شوقي(مجنون ليلى)،3 ومن المسرح الفردي المغربي مسرحية محمد تيمد(الزغننة).4
هذا،وتستند مقاربة الدكتور محمد أنقار إلى البلاغة وأسلوبية النص المسرحي وقراءة النص المكتوب/المطبوع دون استنطاق العرض السينوغرافي كما فعل الدكتور محمد الكغاط في أطروحته عن المسرح وفضاءاته5.أي أن أستاذي محمد أنقار اعتمد على الأدوات التحليلية للبلاغة مثل: السياق النصي والطاقة اللغوية والطاقة البلاغية ومقولات الجنس والنوع والسياق الذهني واستحضار مفهومي (المكونات والسمات) لتحليل المسرحيات تشكيلا ودلالة ووظيفة ورؤية. وبذلك يرفض هذا الناقد الأدبي الاحتكام الأعمى إلى المنهج والقانون والقواعد والمقولات النوعية الجاهزة كما يفعل أغلب الباحثين والدارسين العرب المحدثين، ويستبدلها بالمفاهيم الذوقية التي يطرحها كل نص على حدة. ومايهم لدى الباحث في قراءته لهذه النصوص المسرحية هو البحث عن الصور الدرامية وتحديد مكوناتها الأساسية وسماتها الثانوية معتمدا على مفهوم الهيمنة la valeur dominante الذي طرحته الشكلانية الروسية وخاصة رومان جاكبسون.
وقد رفض الباحث كذلك كل علمنة للدراسة الدرامية أو تجريدها في نظريات مقننة وثوابت ثاوية مضمرة تتحكم في توليد النصوص كما تفعل السيميولوجيا التي تدرس العلامات أو الإشارات النصية والخطابية قصد تحيينها في شكل مبادئ كلية عامة، وما تقوم به التداوليات التي تنكب على وظائف التداول الإشاري للوحدات الدرامية والبحث عن الأنسقة والعلاقات الوظائفية ومقصديتها. وقد انتبه باتريس با?يس إلى خطورة التقنين والعلمنة بقوله:" عندما تختصر السيميولوجيا في النموذج الجاكبسوني الخاص بوظائف التواصل، وفي تصنيفية الأنماط ، وفي بحث الوحدات الأكثر صغرا، وفي سجل السنن، أو تختصر في هذيان من إيحاءات العلامات؛ فإنها لاتشكل إضافة كبيرة إلى الدراسة المسرحية". 6 ويعني هذا، أن المقاربات البنيوية والسيميولوجية والسوسيولوجية والتدولية والتفكيكية قد قتلت النص المسرحي باسم العلم والقانون وتسطير القواعد و والبحث عن التماثل الموضوعي بين النص والمرجع الذاتي والواقعي. وبديل الدارس - إذاً- هو ضرورة تبني القراءة الذوقية الجمالية ذات الطرح الإنساني التي تعتمد على بلاغة الصور والمشاهد الدرامية.
ويلاحظ على الدكتور محمد أنقار أنه يتبنى طرائق التحليل الدرامية لدى كل من أرسطو وهيجل ، أي يدرس الصور الجزئية لاستخلاص الظواهر الممكنة في كل نص مسرحي على حدة لتعميمه على باقي النصوص من خلال مبدأي المكونات والسمات. وتعتمد قراءة الأستاذ محمد أنقار الواعية على بعض المفاتيح البلاغية كالنوع والمكون والسمة والصورة والطوابع الجمالية.
ولقد اختار محمد أنقار مسرحية ( إيون) التراجدية ليوربيديس لدراسة قاعدتي أرسطو" التعرف والتحول"، وهما سمتان تكوينيتان بارزتان في مسرحية( إيون)، كما انكب على مقدمة (إيون)Prologue التي كتبت في شكل مونولوج سردي لهرميس(Hermes)، يلخص فيها المسرحية ويحدد عقدتها لتتعاقب الحوارات بعد هذه المقدمة الطويلة الموجزة لمتن المسرحية. ويمتاز البرولوگ عند يوربيديس بالتنوع في الإرسال، فقد يلقيه إله أوربة أوشبح ما أو تلقيه إحدى الشخصيات الرئيسية أو الثانوية. ومن وظائف المقدمة المسرحية تحقيق المتعة الجمالية الخاصة والقدرة على الجذب وإثارة انتباه المتلقي، وهناك مقدمات تراجيدية تجمع بين الإثارة وتلبيتها.
ويستنتج قارئ الكتاب أن التعرف والتحول في ( إيون) سمة تكوينية حسب الباحث، وليس مكونين لاختفائهما في بعض التراجيديات. ويرتبط التعرف والتحول بالفعل الدرامي وتنميط الشخصية التراجيدية. ويعرف أرسطو هذا التعرف بأنه:" انتقال من الجهل إلى المعرفة يؤدي إلى الانتقال: إما من الكراهية إلى المحبة، وإما من المحبة إلى الكراهية عند الأشخاص المقدر لهم السعادة أو الشقاوة. وأجمل أنواع التعرف المصحوب بالتحول(PERIPETEIA) من نوع مانجده في مسرحية " أوديفوس"".7
وينبني التعرف في مسرحية إيون على فرز الأشياء، وذلك بواسطة المعطيات المادية المحسوسة،لاكما يرى أرسطو أن أجود أنواع التعرف تلك التي تستمد من الحبكة الدرامية ذاتها. وتعمل الإكسدوس EXODUS على تحديد نتائج التعرف والتحول وتحقيق انسجام النص الدرامي وجمالياته الفنية وأبعاده الإنسانية.
ويروم الدكتور محمد أنقار من هذه الدراسة تصيد الصور الدرامية وأشكال التعبير والتصوير المسرحي. وفيما يتعلق بحد الصورة المسرحية نجد الباحث يقول:" لانعرف دراسات أو تطبيقات درامية كافية من شانها أن تؤسس هذا النمط من البحث النصي بله أن تشفي الغليل. والملاحظ أن ما أنجز من دراسات في هذا المضمار قد انساق معظمه مع المفهومين الأيقوني والسيميولوجي للصورة دون أن يتوقف إزاء التكوين الأسلوبي للصورة الأدبية في النص المسرحي."8، ومن أمثلة ذلك رسالة الباحثة فاطمة شبشوب: صورة المرأة في المسرح المغربي.9
وعليه، فدراسة الدكتور محمد أنقار دراسة جريئة في طرحها وجديدة من نوعها في الساحة النقدية المغربية بصفة خاصة، والعربية بصفة عامة مادمت تستهدف دراسة الصور الدرامية من خلال مكونات وسمات بلاغية وأسلوبية تحترم مكونات النوع والجنس المسرحي من خلال تنويع المتن الريبيرتواري و التطبيق النصي على أعمال إغريقية وعربية ومغربية.
وإذا كان التعرف والتحول من أهم السمات التكوينية في التراجيديات اليونانية، فإن المفارقة أو السخرية من أهم سمات كوميديا"الضفادع" لأرسطوفان.
هذا وتتقاطع في هذه المسرحية الكوميدية عدة أجناس أدبية مثل: المناظرة والنقد الأدبي والسمات السخرية والأسطورة والمكونات الدرامية المشتركة مع النوع التراجيدي.
وتطرح المسرحية كذلك معيارا نقديا كميا هو مفهوم ( الموازنة المادية). وهذا المفهوم هو الذي أسبغ على المسرحية طابع الإضحاك والابتسامة والمفارقة؛ لأن نقد أرسطوفان ليوربيديس وأسخيلوس قد تم بواسطة الميزان المادي لابواسطة الميزان القيمي أو الكيفي أو الجمالي؛ مما أدى الميزان إلى ترجيح كفة أسخيلوس على حساب الثاني، على الرغم من كون مسرح يوربيديس يتوفر على نماذج وعينات رفيعة منها.
وإذا كانت التراجيديا- عند أرسطو- " محاكاة فعل نبيل تام، لها طول معلوم، بلغة مزودة بألوان من التزيين تختلف وفقا لاختلاف الأجزاء، وهذه المحاكاة تتم بواسطة أشخاص يفعلون، لابواسطة الحكاية، وتثير الرحمة والخوف فتؤدي إلى التطهير من هذه الانفعالات".10 وغالبا ما تكون نهايات التراجيديا إما سعيدة وإما شقية، فإن الكوميديا هي" محاكاة الأراذلHommes bas من الناس، لافي كل نقيصة، ولكن في الجانب الهزلي الذي هو قسم من القبيح، إذ الهزلي نقيصة وقبح بغير إيلام".11
إذاً، فالكوميديا قناع من القبح والرذالة والمحاكاة الساخرة والباروديا وتشخيص للقبح والهزل والنقص دون أن يصل القبح إلى درجة التجريح والتحطيم.
وقد قرأ الدكتور محمد أنقار الكوميديا كنوع بالتراجيديا كنوع آخر من خلال عملية التلاقح والتداخل النوعي والأجناسي. إذ يقول: " لا نرى غضاضة في أن نشغل تفاصيل التصور الأرسطي من موقعنا المعاصر فنقرأ" الضفادع" في سياقها الكوميدي، باحثين عن متعتها النصية من خلال تقاطعها مع ألوان من فنون القول، بما فيها التراجيديا والنقد الأدبي".12 كما يستفيد الباحث من مفاهيم التراجيديا في مقاربة نص" الضفادع" الكوميدي لوجود بعض الروابط المتداخلة بينهما.
ودرس الدكتور محمد أنقار كذلك مسرحية أحمد شوقي" مجنون ليلى" لأحمد شوقي ليصل إلى وجود السمتين: الغنائية والنثرية وخفوت درجة الدرامية في عموم المسرحية. ويتم ترجيح كفة الغنائية على حساب الحركية الدرامية بالمناجاة والنداء والإيقاع المتباطئ والمتموج والاستطراد الوصفي ووحدة البيت ووحدة الغرض. وبهذا يكون شوقي قد سقط في بعد واحد يتمثل في غنائية الشعر العربي، أي إنه ضحى بالمسرح من أجل الغناء. و" إن التشغيل القسري للسمات من لدن شوقي في نص" مجنون ليلى" لم يخدش جمالية الشعر العربي القديم المتسق في حدود سياقاته الحضارية والثقافية والإنسانية، وإنما حصل الارتباك نتيجة نقل تلك السمات إلى آفاق جنس المسرحية الشعرية التي تمثل تحديا جماليا جديدا ومركبا بالنسبة للمبدع والناقد معا".13
وفي الأخير، حاول الدارس مقاربة نص" الزغننة" لمحمد تيمد الكاتب المسرحي المغربي باحثا عن أشكال التصوير الدرامي فيها على الرغم من كون هذا النص ينتمي دراميا وسينوغرافيا إلى المسرح الفردي الذي يثير إشكاليات عويصة على مستوى التقبل بالنسبة للقراء والمتفرجين مع العلم أن المسرح الفردي كتابة درامية جديدة قائمة على تجميع الأصوات المتحاورة في صوت واحد تتقاطع فيه كثير من الأجناس والأنواع الأدبية.
هذا ،وإن أهم ما كان يرصده الكاتب في الزغننة هو الإيقاع اللغوي التشخيصي في المسرح الفردي، إذ لاحظ هيمنة الوظيفة السردية وتراجع الحوارية بصبغتها المسرحية المألوفة التي عوضت عند المؤلف المسرحي بالإرشادات المسرحية والتقاطع الأجناسي.
وعلى الرغم من أهمية هذه المقاربة الجادة والجديدة التي تعتمد على القراءة الذوقية في تحليل الصور المسرحية، فإن ثمة ملاحظات لاتنقص شيئا من قيمة الكتاب الذي أضاف تصورا منهجيا جديدا في النقد المسرحي المغربي الذي طالما عودنا على قراءات صحفية سريعة مقتضبة أو دراسات إيديولوجية سطحية مبتذلة أو أبحاث شكلانية تقعيدية تمتح من التصورات المفاهيمية الغربية القائمة على العلم وتسطير القوانين والقواعد والنظريات والوظائف الثابتة للنص المسرحي و تنميط شخصياته على غرار الدراسات البنيوية والسيميائية . ومن أهم هذه الملاحظات التي نستسمج فيها أستاذنا الدكتور محمد أنقار:
1- خلط الكاتب بين الدرامي والمسرحي في مؤلفه. فالنص لايكون نصا مسرحيا حتى يحول من قبل المخرج إلى فضاء ركحي قابل للتمسرح، أما النص الذي يكتبه المؤلف على الأوراق فيسمى بالنص الدرامي. وبالتالي، فليست كل النصوص الحوارية درامية، إذ لابد من توفر شرط التمسرح Théâtralité والصراع الدرامي، وإلا سمينا ذلك النص بالحواري ليس إلا.
2- لجوء الكاتب إلى الملمح الأسلوبي جعل تحليله شكليا وهيكليا ينصب على المضامين والصور والمكونات والسمات، ويهمل الأبعاد الإيديولوجية والمرجعية على الرغم من ذاتيتها وإسقاطاتها الموضوعية. وقد وعدنا الكاتب عبر صفحات الكتاب بأن يجلي لنا الأبعاد الخارجية والمرجعية التي تعبر عنها النصوص المسرحية المرصودة بالتحليل، ولكنه لم يستوف حقها بالتفصيل والتوسيع مما جعل الدراسة هيكلية وشكلية.
3- إن القراءة الحقيقية للنص الدرامي لابد أن تكون متكاملة، أي تكون دراماتورجية تستعين بجميع الأدوات والآليات وتحتمي بالعلم والذوق في آن معا، وبالنص والمرجع معا كذلك. فلابد - إذاً- من تضافر النصوص لتشكيل النص المسرحي(نص المؤلف- نص المخرج- نص الممثل- نص الجمهور).
4- إن قراءة الصور المسرحية عملية تجزيئية وتفكيكية، بل لابد من إدراجها ضمن الخطاب اللغوي الدرامي في إطار سياق كلي عام شكلي ودلالي ووظيفي لتحقق الدراسة نجاعتها وقيمتها ؛ لأن اللغة أعم من الصورة، إذ تشمل اللغة التشخيصية الصورة والإيقاع والأسلوب والبناء والتشكيل وغير ذلك...
5- وعلى الرغم من وجود بعض المفاهيم المسرحية القليلة التي تعد على الأصابع في الكتاب، فإنه يلاحظ افتقار الدراسة إلى مصطلحات علم المسرح ومفاهيمه وألفاظه المعجمية لكي تكون الدراسة نوعية وأجناسية نقدية بذاتها. ومهما حاولنا أن نعتمد على مفاهيم بلاغية خارجية، فإنه لابد من استخدام مصطلحات تقنية خاصة بالمسرح.
وعلى أي حال، فإننا ننوه بهذه الدراسة الجادة التي تروم البحث عن أشكال التصوير في عينات من المسرح الإغريقي والعربي والمغربي لإبراز سمات هذه النماذج ومكوناتها عبر قراءة جمالية وبلاغية وإنسانية تسائل الأنواع والأساليب للبحث عن وظائفها وخصائص تجنيسها. وبهذا يدشن الدكتور محمد أنقار المقاربة البلاغية في الخطاب النقدي المغربي المعاصر وربما العربي كذلك على حد قولته السابقة.
الهوامش:
1 - يوربيديس: إيون، ترجمة عبد المعطي شعراوي، وزارة الإعلام، الكويت، 1984، سلسلة المسرح العالمي،عدد181؛
2 - أريستوفان: الضفادع، ترجمة محمد صقر خفاجة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة 1974.
3 - أحمد شوقي: مجنون ليلى، شركة فن الطباعة، مصر، بدون تاريخ الطبع؛
4 - محمد تيمد: (الزغننة)، الثقافة الجديدة، السنة الثانية، العدد8، خريف 1977،صص:122-139؛
5 - محمد الكغاط: المسرح وفضاءاته، دار البوكيلي للطباعة، القنيطرة، ط1 ، 1996، صص:191-230؛
6 -P.PAVIS: "Etudes théâtrales", in:théorie littéraire.PUF, Paris, 1987, p:107;
7 - أرسطو: فن الشعر، ترجمة، عبد الرحمن بدوي، دار الثقافة، بيروت، لبنان، بدون سنة للطبع، ص:32؛
8 - الدكتور محمد أنقار: بلاغة النص المسرحي، مطبعة الحداد يوسف إخوان، تطوان، الطبعة الأولى، سنة 1996، ص:27؛
9 - فاطمة شبشوب: صورة المرأة في المسرح المغربي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا قدمت إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس سنة 1986-1987؛
10 - أرسطو: فن الشعر، ص:18؛
11 - أرسطو: نفس المصدر السابق، ص:16؛
12 - محمد أنقار: بلاغة النص المسرحي، ص:66؛
13 - محمد أنقار: نفس المرجع، ص:111؛
?
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د.عيسى الدودي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 8
اتجاهات عروض الشعر الدوري
د.عيسى الدودي
بالرغم من حسم تراث الأدب العربي في مسألة عروض الشعر الفصيح منذ مئات السنين، ووصوله مرحلة النضج مع الخليل بن أحمد الفراهيدي، فإن الشعر الدوريi ظل حبيس سجال وأخذ ورد بين الباحثين والدارسين حول تحديد عروضه وتبيان أوزانه والجوانب الإيقاعية فيه. وأغلب الآراء التي تناولت هذا الموضوع تتوزعها ثلاث اتجاهات؛ الأول يرى أن هذا العروض عربي في الصميم، يخضع لتفاعيله ويسير على هداه، والثاني يعتقد أن العروض الأوربي القائم على المقاطع هو الأقدر على تحديد بنيته الإيقاعيه، بينما الرأي الثالث فحاول إثبات الخصوصية المحلية بعيدا عن تأثيرات المشرق والمغرب، واعترف للأندلسيين بالتجديد والابتكار في هذا المجال.
1 ـ العروض العربي هو الأصل / نظام التفعيلات.
تعددت الآراء التي تنحو منحى كون عروض الموشح والزجل شديد الصلة بالعروض العربي خاصة في المراحل الأولى من نشأة الفنين، فقد ذكر صفي الدين الحلي أن: "أول ما نظموا الأزجال جعلوها قصائد مقصدة، وأبياتا مجردة في أبحر عروض العرب بقافية واحدة كالعروض لا يغايره بغير اللحن واللفظ العامي، وسموها القصائد الزجلية"ii، وأورد عددا من هذه القصائد نذكر منها المطلع من قصيدة زجلية لمدغليس من البحر المديدiii:
مَضَى عَنِّي من نُحبـُّـو وودَّعُ ? ولهِيبُ الشوقِ في قلبـي قد أوْدَع
لو رايْت كِفْ كُنَّ نَشْياعوا بالعِِين? وما عُذرى انَّ روحــي نَشَيَّع
من فظاعَة ذا الصَّبر كنت نَعْجَب? حتى رايت ان الفراق مِنُّوا أفْظع
أما ابن سناء الملك في دراسته للموشح فقد ذهب أن من الموشحات: "ما جاء على أوزان أشعار العرب...وما كان من الموشحات على هذا النسج فهو المرذول المخذول، وهو بالمخمسات أشبه منه بالموشحات، ولا يفعله إلا الضعفاء من الشعراء"iv، وسمى هذا النوع من الموشحات بالموشحات الشعريةv، وقد جاراه في هذا الموقف ابن بسام الذي كان أكثر صرامة منه، إذ امتنع عن إيراد نماذج من الموشحات لأن: "أوزان هذه الموشحات خارجة عن غرض الديوان، إذ أن أكثرها على غير أعاريض أشعار العرب"vi. وأرجع "كورينتي Corriente"vii تحقير ابن سناء الملك وابن بسام لهذه الأعاريض لبعد المشارقة والمغاربة: "عن تفهم زوايا المسألة الإيقاعية والفنولوجية إلى درجة إقرارهم أن أكثر الموشحات فضلا عن الأزجال خارجة عن مقاييس أوزان أشعار العرب"viii.
وحسب هذا الاتجاه الذي يُخضع أصحابه الشعر الدوري للأوزان الخليلية، فإن نموذجه المشرقي: "هو المسمط وهو عبارة عن قصيدة أدخلت على كل بيت من أبياتها ثلاث أو أربع قواف داخلية، فتحولت هكذا إلى مربعة أو مخمسة، يتركب كل بيت من أبياتها من ثلاثة أغصان أو أربعة، مقفاة بقافية واحدة مختلفة في كل بيت، ومن قفل واحد بقافية ثابتة في جميع الأبيات"ix. وتم استيراد هذا الشكل الفني ـ أي المسمط ـ في عهد إمارة عبد الرحمن الأوسط عندما بدأ الشعراء الأندلسيون المجيدون للفصحى ينظمون الشعر على غرار المشارقة. وواكب هذه الرغبة حصول عباس بن فرناس ـ في عهد عبد الرحمن الأوسط ـ على نسخة من كتاب الخليل المجلوب من المشرق، وقام الأندلسيون في هذه الفترة ب:" تحوير الأوزان الخليلية المستغلقة عن أهل الأندلس إلى مقابلاتها النبرية، وإلحاقها بالضرورات الإضافية الأخرى الواقعة في الموشحات التي ابتدأ نظمها في نفس الفترة"x. وهكذا فقد استطاع الأندلسيون ـ في هذه الفترة ـ أن يستغلوا القادم من المشرق في مجال العروض أحسن استغلال، ولا أدل على ذلك من اكتشاف الدوائر العروضية الواردة في كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه، وهذا يعني أن أهل الأندلس بدأوا حينئذ يتجاوزون مرحلة التقليد وانتقلوا إلى التجديد والابتكار.
ومن ناحية أخرى فليس هناك أدنى شك في أثر الموسيقى في نشأة الشعر الدوري وتطوره، ويتجلى ذلك في: "الإيقاعات العربية التي انتقلت إلى الأندلس ضمن ما حمله الفتح من أشكال حضارية وثقافية كان للفنون منها نصيب وافر، بدءا من الحداء الصحراوي إلى الغناء الذي كان ازدهر في الحجاز والعراق...وقد بلغ هذا التأثير المشرقي منتهاه فيما جاء به من بغداد علي بن نافع الملقب بزرياب"xi، وقد حاول عباس الجراري أن يشرح هذه التمازج الحاصل بين ثنائية الموسيقى وفن الملحون بقوله: "أما الآلة فهي ذلك النمط الموسيقي الذي يعرف كذلك باسم الموسيقى الأندلسية بحكم ظهوره وازدهاره في رحاب الفردوس المفقود، والذي يعتمد الأداء الآلي المتكئ لضبط إيقاعه على نصوص شعرية متنوعة...وأما الملحون فهو ذلكم الشعر الذي تؤدى قصائده موقعة وملحنة في تركيز على إنشاد النص أو الكلام وفق ميزان موسيقي تحفظ لهذا الإنشاد انضباطا إيقاعيا معينا"xii.
وما دام أن الغرب الإسلامي تأثر بالمشرق في مجال النغم والإيقاع والموسيقى، فإن من المحاولات الجريئة في هذا الاتجاه ما أقدم عليه المستشرق الألماني "هارتمان" الذي وضع عروضا للموشحات انطلاقا من أوزان الشعر العربي التقليدي، وهي: "محاولة فريدة في مجال البحث الحديث...إذ أنه حاول إرجاع أوزان الموشحات إلى مائة وستة وأربعين وزنا مشتقا من الأوزان العربية المعروفة من قبل"xiii، إلا أنه وجهت له عدة انتقادات أهمها أنه: "يندر أن تجد موشحتين اثنتين على وزن واحد من الأوزان الجديدة...إلا عن طريق المصادفة"xiv، كما اضطر إلى:" اتخاذ كثرة غير معقولة من الأوزان عند التقطيع بحيث لا يكاد يجمع أحدها أكثر من موشحة واحدة أو اثنتين"xv.
وجاء بعده مجموعة من الدارسين الذين ساروا في الاتجاه نفسه والذين يكادون يجمعون على أن الشعر الدوري تم نظمه على نمط العروض العربي مع الاستفادة من الزحافات والعلل والأضرب والأعاريض، والاستعانة بالتام والمجزوء والمشطور والمنهوك، من هؤلاء:
ـ د.فوزي سعد عيسى الذي رأى أن أوزان الموشحات لا علاقة لها بالعروض الإسباني، بقوله: "والواقع أن الوشاحين لم يخرجوا في تجديدهم على العروض العربي، وإنما كان تجديدهم محصورا في إطار هذا العروض، فعندما أحسوا أن أوزان الخليل أصبحت غير قادرة على الوفاء بحاجة المغنين أعادوا النظر في هذه الأوزان، فوضعوا أيديهم على فكرة "الأصول" في الدوائر العروضية، فاستفادوا منها، كما استفادوا من فكرة الزحافات والعلل ومن فكرة المشطور والمنهوك، ونظروا في الأبحر القديمة المهملة بل والمستعملة فولدوا من هذه الأبحر والأصول أوزانا جديدة، منها ما يدخل في باب المشتبه، ومنها ما يدخل في باب المولد أو المبتكر، فتكونت ثروة عظيمة ضخمة استطاعت أن تواكب التطور الهائل في الغناء والموسيقى، وقد تم ذلك في إطار العروض العربي وعلى هدى من قواعده وأصوله"xvi.
ـ محمد فاخوري الذي قسم أوزان الموشحات إلى خمسة أقسامxvii:
أ ـ قسم يلتزم بالبحور الشعرية الستة عشر الموروثة التزاما تاما.
ب ـ قسم يظهر فيه التجديد على استحياء وذلك بتعديل بعض تفعيلات البحر التقليدي، وإدخال شيء من الزيادة أو النقصان في حركاته وكلماته.
ج ـ هو ما اشترك فيه أكثر من وزن واحد، كأن يوظف الحالات المختلفة داخل بحر واحد، أو أن يجمع بين بحرين اثنين في موشح واحد.
أما القسمان الآخران فيستندان في إدراكهما إلى السماع أو القراءة لا غير.
ـ د.أحمد محمد عطا الذي وجد أن موشحات "عقود الآل في الموشحات والأزجال" للنواجي تنقسم إلى قسمينxviii:
أ ـ الموشحات الموزونة التي نظمت في بحور الشعر.
ب ـ الموشحات المختلطة الممزوجة الموزونة.
ـ ذ.مجد الأفندي ورأت أن المشارقة نظموا: "كثيرا من موشحاتهم على الأوزان العربية التقليدية الطويلة الأبحر كالبسيط والطويل والكامل، كما نظموا على الأبحر القصيرة كالمنسرح والمتقارب، ومنها ما نظموه على بعض الأبحر المهملة كالهزج والمجتث ومخلع البسيط.
كما نظموا على أبحر استخدمها الأندلسيون من قبل مستمدين إياها من الأبحر العربية التقليدية، وعارضوها في كثير مما نظموا. ولم يكتفوا بهذا فأدخلوا بعض الأبحر الجديدة التي عرفها الشعر المشرقي، ولعل أبرز هذه البحور الجديدة بحر الدوبيت"xix.
ـ مقداد رحيم خضر الذي صنف أوزان الموشحات إلى ثلاثة أنواع xx:
* النوع الأول: ما جاء على أوزان الشعر العربي المألوفة وما يتفرع منها، وينقسم إلى:
أ ـ ما جاءت أوزانه وأدواره على وزن واحد.
ب ـ ما جاءت أقفاله وأدواره على وزنين.
ج ـ ما جاءت أقفاله على أكثر من وزن، وأدواره على وزن واحد.
د ـ ما جاءت أقفاله على أكثر من وزنين وأدواره على وزنين.
* ـ النوع الثاني: ما جاء على أوزان غير مألوفة في الشعر العربي وينقسم أيضا إلى:
أ ـ ما كانت أقفاله وأدواره على وزنين.
ب ـ ما كانت أدواره على وزن واحد، وأقفاله على وزنين.
* ـ النوع الثالث: المتنوع الأوزان، وينقسم إلى قسمين:
أ ـ ما جاءت أقفاله متنوعة الأوزان، وأدواره على وزن واحد.
ب ـ ما تنوعت أوزان أقفاله وأدواره معا.
أما الباحثون من غير العرب فقد: "أثبت بعض العلماء العروضيين الغربيين منهم الأستاذان الأنكليزيان "غورتون Gorton" و "جونز Jones " والأستاذ الألماني "سشولر Sch?ler"، أن الموشحات والأزجال تقطع تقطيعا خليليا خالصا في نسبة عالية جدا من أبياتها مع استثناءات لا خطر لها من جهة نظر إحصائي"xxi.
ومن الباحثين الغربيين ـ كذلك ـ الذين طبقوا العروض العربي على الموشح الأندلسي "صمويل بتيري" الذي صنف هذه الأوزان إلى ثلاثة أنواع هي:
أ ـ بيت موشح مع تقعيلات بحر عروضي تقليدي.
ب ـ بيت موشح متطابق مع تفعيلات بحر عروضي تقليدي، إلا أن حركة التقفية الداخلية أخرجته منه.
ج ـ بحور تقليدية أدخلت عليها تعديلات.
د ـ تنويعات على البحور التقليدية.
واقتنع تمام الاقتناع أن الموشح وثيق الصلة بالعروض العربي، إذ يرى أن: "من الأمور التي تبعث على الدهشة أن نجد كثيرا من الموشحات تلتزم تماما بالأوزان الشعرية التقليدية"xxii.
ولنأخذ الزجال الأندلسي ابن قزمان ـ الذي منزلته في الزجل كمنزلة المتنبي في الشعر ـ كنموذج تم التطبيق عليه من لدن أصحاب هذا الاتجاه عندما حاولوا تقطيع أزجاله وتحديد أوزانها في دائرة العروض العربي. وهذا ما فعله "كورينتي" الذي حدد لكل زجل على حدة وزنه في كتابه "ديوان ابن قزمان: نصا ولغة وعروضا"، وختمه بدراسة تناولت جوانب مختلفة من الديوان على رأسها مسألة العروض، وتوصل فيها إلى تحديد أوزان أزجال الديوان البالغة مائة وتسعة وأربعين (149) على هذا النحو:
ـ الزجل1: العروض من الطويل (فعولن مفاعيلن فعولن)
ـ الزجل2: العروض من الممتد (فاعلن فاعلاتن)
ـ الزجل3: العروض من البسيط (مستفعلن فعلن مستفعلن)
ـ الزجل4: الأغصان من المنسرح (مستفعلن فاعلات مفتعلن)، والأقفال من الهزج (مفاعيلن مفاعيلن)
ـ الزجل5: العروض من المقتضب المرفل (فاعلات مفتعلن فا)
وهكذا دواليك حتى آخر زجل في الديوان.
والطريقة نفسها طبقها محمد أحمد وريث على هذه الأزجال، وانتهى إلى أن: "فيه الكثير المتوائم ـ تماما ـ مع عروض الخليل بن أحمد، ومنه الكثير أيضا من القصائد المعاصرة التي نستطيع أن نلحق أوزانها بالأوزان الخليلية لتشكل إضافة أو إضافات مقبولة إليها"xxiii.
وقبل أن ننتهي من إبراز ملامح هذا التيار نشير إلى أن أنصار هذا الرأي المنافح عن العروض العربي لم يسلموا من الانتقادات، إذ يرى كثيرون وعلى رأسهم عباس الجراري أن التحرك داخل دائرة العروض العربي يجعل أصحاب الموشحات يعودون إلى ما كان عليه الشعر من رتابة، بقوله: "ويبدو أن الوشاحين في محاولتهم لتجاوز الرتابة التي خضعت لها بحور القصيدة التقليدية نجحوا إلى حد كبير في خلق إيقاع غني ومتنوع وإن لم يفكروا في إيجاد تشكيل نظري لهذا الإيقاع أو أي تنظيم له، ولو فعلوا لأطروه في قوالب جامدة تعيدهم إلى نفس حلقة الرتابة التي انطلقوا منها رافضين"xxiv.
2ـ العروض الأوربي هو الأصل / نظام المقاطع.
نتيجة للصعوبة التي يطرحها تحديد عروض الشعر الدوري، ارتمى بعض الدارسين في أحضان العروض العربي واعتبروه الأرضية التي يمكن الانطلاق منها لتحديد أوزان الموشح والزجل، لكن في المقابل هناك توجه آخر يسعى لربط كل ما يتعلق بالفنين بالحَضْرة الأوربية، وينفي أي تأثر بالمشرق في هذا المجال، وتأتي قضية العروض على رأس هذه القضايا المطروحة للتجاذب إذ: "بدا لبعض المستشرقين الإسبان خاصة أن في استنباط الفنين وخصائصهما العروضية المخالفة نوعا ما للمعتاد في المشرق العربي أقوى دليل على أنه مجرد اتباع لجنس أهلي من الشعر والعروض إسباني الطراز تأييدا لنظرية أستاذهم وسابقهم "سيمونيت Simonet " القومي الغالي الذاهب إلى أن كيان الأندلس الأساسي إسباني وأن العروبة والإسلام لم يكونا إلا عرضين"xxv.
ويبدو أن إقرار ابن سناء الملك وابن بسام بأن الموشحات خارجة عن مقاييس أوزان العرب مهد الطريق لسيمونيت والمتحمسين لمذهبه كريبيراRebera وإميليوغرسية غومس Emilio Garc?a G?mez. إلا أن صاحب الدار المستعرب الإسباني كورينتي Corriente يعتبر من أكبر المناهضين لهذا التيار إذ يرى: "انعدام أي جنس مماثل قابل للتقليد من أجناس الشعر في الغرب الأوربي إلا بعد انتشار النموذج الأندلسي ومحاكاته على أيدي الشعراء المتجولين "Troubadours" وأمثالهم"xxvi، وحتى صفي الدين الحلي ـ وهو من القدماء ـ أكد أن أهل الأندلس:" لم يكن لهم اطلاع على ما اخترعه الأعاجم من تلفيق الترانات والأوازات والأوانكثتات المتمم بها نقص الأدوار والسربندات"xxvii.
ومن الذين تبنوا العروض الأوربي ونظام المقاطع في تحديد أوزان الموشحات والأزجال:
ـ محمد الفاسي: وقد استهل مقالته المشهورة "عروض الموشح" برفضه التام الربط بين الموشح والعروض العربي، بقوله: "إن إضافة لفظة العروض العربي للموشح تظهر لأول وهلة كأنها تناقض، لأن هذه اللفظة توحي في أنفسنا القواعد التي أسسها الخليل بن أحمد لضبط نظام الشعر العربي في الجاهلية وصدر الإسلام، في حين أن اختراع الموشح كان ثورة على هذه القواعد وعلى ذلك النطاق الضيق الذي حصرت فيه مواهب شعراء العرب"xxviii. ووجد ضالته في استعمال أساليب الشعر الأوربي خصوصا الفرنسي منه، أي الاعتماد على عدد التقاطيع في كل بيت، فتبين له أن هذا صحيح بالنسبة لعدد كبير من القصائد، ولكن هناك قصائد أخرى لها تركيب معقد، وحتى هذا الشكل لا يتفق في كل القصائد التي ليست من النوع الأول الذي توصل لتحديد بحورهxxix.
والنتيجة التي وصل إليها هي أن أقسام الموشح أربعة، كل قسم له عدد معين من البحور نجمل ذلك فيما يلي:
ا ـ المغصن التام له مائة وعشرون (120) بحرا.
ب ـ المغصن المزيج له خمسة وثمانون (85) بحرا.
ج ـ المبيت التام له خمسة عشر (15) بحرا.
د ـ المبيت المبيت المزيج له ستة (6) بحور.
وهذا العدد الهائل من البحور الذي تجاوز المائتين يعزوه محمد الفاسي إلى الحرية التي يتمتع بها الشاعر في اختراع ما يشاء من البحور داخل القواعد العامة للموشح، لذلك نجد عددا من البحور ليس فيها إلا موشح واحد، وهذا كما هو الشأن في الملحون فإن بحورا كثيرة لا توجد فيها إلا قصيدة واحدة وتسمى في اصطلاحاتهم غريزةxxx، وهذه الكثرة الهائلة خارج العروض العربي يبدو أنها تشبه إلى حد بعيد الكثرة التي رأيناها عند "هارتمان" داخل إطار العروض العربي، وهذا ما يجعل الانتقاد الموجه للأول يصلح حتى للثاني.
وقد قسم محمد الفاسي الملحون إلى خمسة أقسام:
ا ـ المبيت.
ب ـ مكسور الجناح
ج ـ المشتب.
د ـ السوسي أو المزلوك.
م ـ الذكر.
وحدد للنوع الأول ـ أي المبيت ـ مائة وأربعين (140) بحرا استخلصها من خمسة آلاف قصيدة من الملحون، أما النوع الثاني فعدد بحوره واحد وثلاثون (31) بحرا، والنوع الرابع يضم عشرين (20) بحرا، أما النوعان المتبقيان فلم يذكر عدد بحورهما.
وقبل الانتهاء من رأي محمد الفاسي على مستوى العروض نشير أن رأيه هذا يتناقض مع ما طرحه في مقالته " تأثير الشعر العربي بالأندلس في الآداب الغربية " التي ينتصر فيها لعروبة الأدب الأندلسي إذ يرى: "أن من مسائل الأدب المقارن التي شغلت أفكار المستعربين والعلماء والاختصاصيين في تاريخ الآداب الرومانية...قضية ظهور الشعر البروفنصالي في القرون الوسطى بشكله الذي لا يشبه الشعر اللاتيني لا في عروضه ولا في المواضيع التي يطرقها"xxxi.
ـ د.محمد المدلاوي في بحث له بعنوان: "الأسس العروضية لشعر الملحون والزجل المغربي عامة" أكد أن: "المقطع يلعب دورا أساسيا ومركزيا في بناء كافة الأنماط العروضية المعروفة، من كمي (كالعروض العربي) ونبري(كالعروض الإنجليزي) ومرسل (كالعروض الفرنسي)xxxii".
ـ المستشرق الإسباني "إميليو غرسية غومس Emilio Garc?a G?mez " وقد خصص جزءا مهما من كتابه " Todo Ben Quzman" لعروض أزجال ابن قزمان وسماه "عروض ابن قزمان والعروض الإسباني"، ويغطي هذا الجزء حوالي مائة واثنين وسبعين (172) صفحة من الكتاب، وسعى فيها إلى تقطيع النصوص الزجلية حسب قواعد المقاطع الأوربية بدءا من المكون من مقطعين إلى المكون من اثني عشر مقطعا على النحو التاليxxxiii:
2 tan
3 tatan
4 tatatan
5 tan tatatan
6 tatan tatatan
7 tatatan tatatan
8 tatan tatatan tatan
9 tatatan tatatan tatan
10 tatatan tatatan tatatan
11 tan tatatan tatatan tatatan
12 tatan tatatan tatatan tatatan
وقد حاول أحمد عبد العزيز أن يقوم بتجربة معاكسة لما قام به "غومس" دائما على أزجال ابن قزمان عندما قال: "فإذا كانت النظرة الإسبانية ترى في عروض الزجل العربي نفس العروض الإسباني في البحر كما في المقطع، فإننا نود أن نقوم بتجربة معاكسة تقلب الوضع محاولين استخراج العروض الخليلي من الزجل الإسباني لنرى...هذا الاقتراب بين النظامين العربي والروماني رغم ما بينهما من بون شاسع"xxxiv، وطبق التجربة على النحو التالي:
مقطع من زجل ابن قزمان:
يا مَلِيــح الــدُّ ? نْيــا قُـــول
فاعــــلاتـن ? فـاعــــلات
على اِشْ انْتَ يا اِبْ ? نِــي مَلُــول
فاعــــلاتــن ? فـاعــــلات
أيْ انَــا عِـــنْ ? دَك وَجِـيـــه
فاعـــلاتـــن ? فــاعـــلات
يَتْـجَمَّــــــج ? مِنْه وفِيه مِنُّو فِيه
فاعــــلاتــن ? فاعــــلات
مقطع من زجل "ساليدو"
Vivo ledo ? con razon
فاعـــلات? فاعــلاتن
Amigos to ? da sazon
فاعــلات ? فاعــلاتن
pues amor me ? fizo amor
فاعــلات ? فـــاعلاتــن
A le que pod ? re llamor
فاعــلات ? فاعــــلاتن
وهكذا فإنه اعتبر هذه التجربة على افتعالها لا تعني أن كل الزجل الإسباني يمكن أن يخضع أوزانه للعروض العربي، وإنما هي الوجه الآخر لنظرية الأستاذ "غارثيا غومس" في جعل الزجل العربي يخضع للعروض الأوربيxxxv.
ـ د.سيد بحراوي الذي أنجز دراسة حول العروض المقارن، واعتبر أن: "الصوت اللغوي أو الفونيم هو الوحدة الصوتية المعتمدة في الدراسات الحديثة وهذه الدراسة تناولها من ثلاث زوايا هي:
ا ـ علم الصوت Loudness
ب ـ درجة الصوت Pitch
ج ـ نوع الصوت Timbre
وهذا التصنيف يمكن أن يكون أساسا صالحا لدراسة مقارنة الإيقاع في أشعار العالم"xxxvi، وهذا النموذج القائم على هذه الزوايا الثلاث والمقاطع القصيرة والطويلة وزائدة الطول الغرض منه الوصول إلى نموذج رياضي لا يقتصر على الشعر العربي بل يصبح له القدرة على الامتداد ليكون إنسانيا عاماxxxvii.
3 ـ المبتكر أو المولد.
من أقدم هذه الآراء ما أورده الحلي من أن: "القصائد لما كثرت واختلفت عدلوا عن الوزن الواحد العربي إلى تفريع الأوزان المتنوعة وتضعيف لزوميات القوافي ليكون ذلك فنا لهم بمفردهم...ثم خالفوا بين الأوزان من غير أن يخسروا الميزان، فانتقلت تلك القصائد إلى أوزان مختلفة الوضع بحسب التقطيع والتفريع"xxxviii.
ومن ناحية المحدثين فإن عباس الجراري يعتبر من أبرز من حاول إثبات التجديد والابتكار للشعر الدوري موشحا كان أو زجلا، وإيجاد مسافة فاصلة بين هذين الفنين من جهة والقصيدة التقليدية من جهة أخرى، فقد نفى أن تكون أوزان الزجل تدور في فلك العروض العربي بقوله: "وأما أن أوزان الزجل محدودة في نطاق العروض العربي لدرجة إمكان تطبيق تفعيلات الخليل عليه فقول نراه بدوره جانب الصواب، والسبب أن الذين يذهبون إليه يغفلون أمرا لعله أهم عنصر في هذا الشعر ألا وهو موسيقيته التي تتيح مثل ذلك التطبيق بل تتكسر وتضيع لمحاولاته"xxxix، ويزيد الأمر توضيحا في الكتاب نفسه عندما يدرك أنه: "ليس من السهل القول بأن الزجل يسير على التفعيلات العربية أو بالأحرى أنه يسير عليها في تناسقها المعروف، ومع ذلك فمن المؤكد أنه يخضع لإيقاع العروض العربي وليس إلى أوزانه وتفعيلاته، فأوزانه تختلف وتفعيلاته تتباين في العدد والمقدار وهذا ما يجعل من الصعب بل من المستحيل أن نزعم أن هذه القصيدة أو تلك من بحر الكامل أو الوافر أو غيرهما"xl.
ومن جهة أخرى نفى أن يكون الأندلسيون تأثروا بالمسمطات أو المخمسات أو بالموشحات العراقية، بل إن فنهم أندلسي في الصميم وهم أصحاب السبق والريادة في هذا المجال: "فالسبق في الواقع سبق إلى النظم على أوزان وأعاريض وقواف يختلف نظامها عما عرف في القصيدة التقليدية"xli، ومثل هذا ينطبق حتى على المغاربة فقد أثبت خروج الملحون من عباءة القصيدة التقليدية إذ: "في فترات من فترات ازدهار فن الملحون أو آخر القرن العاشر الهجري وأوائل الحادي عشر ظهر الاتجاه عند بعض كبار الشعراء إلى تجاوز بناء القصيدة على قياس قصيدة أخرى، وكذا إلى إيجاد مقاييس إيقاعية تكون قادرة على تحقيق الملاءمة بين الشعر واللحن"xlii، وبين أن للمغاربة تفعيلات خاصة يزنون بها أشعارهم أساسها النغم والإيقاع يطلقون عليها "الصروف" وهي نوعان "الدندنة ومالى مالى": "والعروض عندهم يقوم على بحور وعلى أنواع من الميازين داخل كل بحر وأطلقوا على البحور "لمرمات"...وأطلقوا على أنواع الميازين داخل البحر الواحد "قياصات" جمع قياص، وقسم بحور هذا العروض إلى أربعة أنواع شبيهة بما أثبتناه لمحمد الفاسي وهي:
ا ـ المبيت
ب ـ مكسور الجناح
ج ـ المشتب
د ـ السوسي"xliii
وإذا انتقلنا إلى محمد السرغيني فإنه اعتبر أن: "الذين حاولوا أن يضعوا عروضا عاما قائما على أساس المقطع La syllabe كانوا في مسعاهم جارين على التأثر بالمقطعية التي قام عليها الشعر الغربي بعامة، وهو شيء غير وارد في هذا المقام غير أنه ينبغي أن نميز بين الذين اكتفوا بجعل هذا المقطع فرنسيا كمحمد الفاسي وهو شيء غير متيسر عن الذين دعوا إلى ما سموه بالمقطع الموسيقي"xliv، وفي محاولة منه للتخلص من تأثير المشرق والمغرب وإثبات الابتكار والتجديد للشعر الشفوي رأى: "أن الإيقاعات الموسيقية لها ما يوافقها من الإيقاعات العروضية في هذا الشعر الشفوي، وهو ما نلاحظه في الملحون المغربي فكل شعر شفوي على إيقاع معين مرصود له إيقاع موسيقي ملائم له"xlv.
i ـ المقصود بالشعر الدوري الموشح والزجل اللذان ارتبطا بالتجديد والابتكار في الأدب الأندلسي، واعتبرت نشأتهما بداية لتشكل الذات الأندلسية على المستوى الأدبي، ومحاولة جريئة للتخلص من الارتهان بالأدب المشرقي . وسمي بالدوري لأنه يتكون من لوحات تتسلسل بشكل تراتبي، وتنتهي كل لوحة بقفل موحد القافية مع بقية الأقفال على هذا النحو:
اللوحة الأولى اللوحة الثانية اللوحة الثالثة اللوحة الرابعة
أ ب ج د
أ ب ج د
أ ب ج د
هـ هـ هـ هـ
وأبرز من شرح قواعد هذين الفنين هما ابن سناء الملك وصفي الدين الحلي؛ فالأول حدد أسس الموشح في كتابه "دار الطراز في عمل الموشحات"، والثاني بين قواعد الزجل في كتابه "العاطل الحالي والمرخص الغالي".
ii ـ العاطل الحالي والمرخص الغلي ـ صفي الدين الحلي ـ تحقيق الدكتور حسين نصارـ الهيئة المصرية المساسة للكتاب 1981 ـ ص: 14.
iii ـ نفسه ـ ص: 15 .
iv ـ دار الطراز في عمل الموشحات ـ تأليف ابن سناء الملك ـ تحقيق: الدكتورجودت الركابي ـ دار الفكرـ الطبعة الثانية 1417هـ/1996م ـ ص: 3.
v ـ نفسه ـ ص: 99 .
vi ـ الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ـ ابن بسام ـ تحقيق: إحسان عباس ـ دار الثقافة، بيروت/لبنان ـ الجزء الأول ، ص: 469 .
vii ـ مستعرب إسباني متخصص في الدراسات الأندلسية، عرف بمواقفه المعتدلة، وإنصافه للحضارة العربية الإسلامية بالأندلس. له نشرتان حول ابن قزمان الأولى صدرت سنة 1982 بعنوان: ديوان ابن قزمان نصا ولغة وعروضا، والثانية: ديوان ابن قزمان "إصابة الأغراض في ذكر الأعراض".
viii ـ العلاقات اللغوية والأدبية بين الأندلس وسائر الدول في شبه الجزيرة الإيبيرية ـ فيديريكو كورينتي ـ دراسات مغاربية ـ العدد الرابع عشر2001م ـ مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية/ الدار البيضاء ـ ص: 7 .
ix ـ نفسه ـ ص: 6 .
x ـ نفسه ـ ص: 10 .
xi ـ أهمية الموسيقى والغناء في حضارة الأندلس ـ عباس الجراري ـ ندوة: التراث الحضاري المشترك بين المغرب والأندلس ـ غرناطة 17 ، 19 شوال 1412هـ/21 ، 23 أبريل 1992 ـ مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية ، سلسلة"الدوريات" ـ الهلال العربية للطباعة والنشر 1993 م ـ ص: 143 .
xii ـ أثر الملحون على الآلة ـ عباس الجراري ـ في "أثر الموسيقى الأندلسية في الأنماط الإيقاعية المحلية" ـ قدم هذا العرض في الندوة العلمية الدولية التي نظمتها جمعية رباط الفتح في نطاق مهرجان الموسيقى الأندلسية المنعقد من 20 شتنبر إلى 10 أكتوبر 1996 بالرباط ـ منشورات جمعية رباط الفتح ـ الطبع: دار المناهل، كتابة الدولة المكلفة بالثقافة الرباط ـ ص: 15 .
xiii ـ أوزان الموشحات الأندلسية وقوافيها ـ مقداد رحيم خضر: كلية الآداب، قسم اللغة العربية، جامعة البصرة ـ المورد: مجلة تراثية فصلية، تصدرها وزارة الثقافة والإعلام، الجمهورية العراقية ـ المجلد الخامس عشر، العدد الأول ربيع 1986م ـ ص: 63 .
xiv ـ نفسه ـ ص: 63 .
xv ـ العلاقات اللغوية والأدبية بين الأندلس وسائر الدول في شبه الجزيرة الإيبيرية ـ فيديريكو كورينتي ـ ص: 5 .
xvi ـ الشكل الفني في الموشحات الأندلسية ـ فوزي سعد عيسى ـ محاضرات النادي الأدبي الثقافي بجدة ـ طبعت بمطابع دار البلاد جدة ـ الطبعة الأولى 1406هـ/ 1985م ـ ص: 622 ، 623 .
xvii ـ التجديد العروضي الغنائي في شعر الموشحات الأندلسية ـ محمد فاخوري ـ التراث العربي: مجلة فصلية محكمة تصدر عن اتحاد كتاب العرب بدمشق ـ العدد: 85، شوال 1423هـ/ يناير2002م ـ ابتداء من ص: 85 .
xviii ـ دراسات في الموشحات والأزجال ـ أحمد محمد عطا ـ الناشر: مكتبة الآداب، القاهرة ـ الطبعة الأولى 1419هـ/1999م ـ ابتداء من ص: 83 .
xix ـ الموشحات المشرقية وأثر الأندلس فيها: منذ بداية العصر الأيوبي وحتى نهاية العصر المملوكي ـ الدكتورة مجد الأفندي ـ دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر/سورية ـ الطبعة الأولى 1420هـ/1999م. ـ ص : 277 .
xx ـ أوزان الموشحات الأندلسية وقوافيها ـ مقداد رحيم خضر ـ ابتداء من ص: 73 .
xxi ـ العلاقات اللغوية والأدبية بين الأندلس وسائر الدول في شبه الجزيرة الإيبيرية ـ فيديريكو كورينتي ـ ص: 7 .
xxii ـ الموشح الأندلسي ـ صمويل بيتري ـ ترجمة وتقديم وتعليق: الدكتور عبد الحميد شيحة ـ الناشر: مكتبة الآداب، القاهرة ـ الطبعة الثانية 1417هـ/1996 م ـ ص: 52 .
xxiii ـ ديوان الزجال الأندلسي: ابن قزمان ـ محمد أحمد وريث ـ ضمن: أهمية التراث في مهمة النقد ـ الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان ـ الطبعة الأولى 1396 هـ/1987م ـ ص: 115 ، 116 .
xxiv ـ موشحات مغربية: دراسة ونصوص ـ عباس الجراري ـ مطبعة دار النشر المغربية / الدار البيضاء ـ الطبعة الأولى 1973 ـ ص: 29 .
xxv ـ العلاقات اللغوية والأدبية بين الأندلس وسائر الدول في شبه الجزيرة الإيبيرية ـ فيديريكو كورينتي ـ ص : 5 .
xxvi ـ نفسه ـ ص: 7 .
xxvii ـ العاطل الحالي والمرخص الغالي ـ صفي الدين الحلي ـ ص: 22 .
xxviii ـ عروض الموشح ـ محمد الفاسي: وزير الدولة المكلف بالشؤون الثقافية والتعليم الأصلي ـ المناهل: تصدرها وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية الرباط/المغرب ـ العدد الثاني، السنة الثانية، صفر الخير 1395هـ/ مارس 1975م ـ ص: 54.
xxix ـ عروض الملحون ومصطلحاته ـ محمد الفاسي ـ الثقافة المغربية: تصدرها وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية والتعليم الأصلي ـ العدد الأول، السنة الأولى، يناير فبراير 1970م ـ ص : 8 .
xxx ـ عروض الموشح ـ محمد الفاسي ـ المناهل: تصدرها وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية الرباط/المغرب ـ العدد الثاني، السنة الثانية، صفر الخير 1395 هـ/ مارس 1975م ـ ص: 54 .
xxxi ـ تأثير الشعر العربي بالأندلس في الآداب الغربية ـ محمد الفاسي ـ المناهل: العدد: 20 ـ ص : 140 .
xxxii ـ الأسس العروضية لشعر الملحون والزجل المغربي عامة ـ د.محمد المدلاوي ـ ندوة: "البحث في التراث الغرناطي: حصيلة وآفاق" ـ تنظيم: كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة، بتعاون مع مركز الدراسات والأبحاث الغرناطية وجدة ـ إعداد: مصطفى الغديري ـ منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية رقم [23]، سلسلة ندوات ومحاضرات [7] ـ الطبعة الأولى 1998، الجزء الثاني، ص: 129.
xxxiii ـ Todo Ben Quzmàn ـ Editado ? interpretado ?medido y explicado por: Emilio Garc?a G?mez ـ Biblioteca Rom?nica Hisp?nica ـ Editorial Gredos? S.A. Madrid? 1972 ـTomo III ( P . 53 .
xxxiv ـ أشكال أندلسية في الشعر الأندلسي ، خيسوس ريوساليدو نموذجا ـ د. أحمد عبد العزيز ـ ندوة: بحوث المؤتمر الدولي الرابع للحضارة الأندلسية تكريما للعلامة الإسباني اميليو جارثيا جومث، خلال الفترة من 3 إلى 5 مارس 1998م ـ تحت رعاية: د. فاروق إسماعيل، رئيس جامعة القاهرة ـ ينظمه قسم اللغة الإسبانية وآدابها بالاشتراك مع الأقسام العلمية المعنية بالكلية، القاهرة ـ ص: 146 .
xxxv ـ ـ نفسه، ص: 146 .
xxxvi ـ نحو علم للعروض المقارن ـ د . سيد بحراوي ـ المعرفة: مجلة ثقافية شهرية، تصدرها وزارة الثقافة والإرشاد القومي في الجمهورية العربية السورية ـ السنة الخامسة والعشرون، العدد: 215 أيلول/سبتمبر 1986م ـ ص: 118، 121.
xxxvii ـ نفسه ـ ص : 116.
xxxviii ـ العاطل الحالي والمرخص الغالي ـ صفي الدين الحلي ـ ص : 22 .
xxxix ـ القصيدة : الزجل في المغرب ـ عباس الجراري ـ الناشر: مكتبة الطالب/ الرباط، مكتبة الأمنية/ الرباط ص: 131.
xl ـ نفسه ـ ص: 132 .
xli ـ أثر الأندلس على أوربا في مجال الإيقاع ـ عباس الجراري ـ منشورات مكتبة المعارف ـ الطبعة الأولى 1402هـ/ 1982م ـ ص : 54 .
xlii ـ في الإبداع الشعبي ـ عباس الجراري ـ الطبعة الأولى: رجب1408 هـ/ مارس 1988 م ـ ص: 38 .
xliii ـ القصيدة: الزجل في المغرب ـ عباس الجراري ـ ص: 135.
xliv ـ عن تجنيس الشعر الشفوي ـ د. محمد السرغيني ـ عالم الفكر: تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، دولة الكويت ـ المجلد التاسع والعشرون، العدد الثاني، أكتوبر/ ديسمبر 2000 ـ ص : 255 .
xlv ـ نفسه ـ ص: 254 .