مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

بحوث و دراسات

وقعت صك الحزن في أعصابي

التفاصيل
كتب بواسطة: الشحات غمري أبو قطرية
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 25 أكتوبر 2001
الزيارات: 8

وقعت صك الحزن في أعصابي
قراءة نقدية
 بقلم الدكتور الشحات غمري أبو قطرية

شريف جاد الله من الشعراء المهمومين بقضايا الوطن العربي، عبر الزمان وعبر المكان، وشعره من المرايا التي تعكس نبض الوطن وترصد قضاياه المعاصرة.
وهذه قراءة نقدية لقصيدته التي جاءت لحنا حزينا باكيا لما يحدث في العراق .
حيث استوحى من التاريخ الإسلامي بعضا من الشخصيات والأحداث والأماكن، موظفا إياها في رحاب تجربته التي عنوانها (وقعت صك الحزن فى أعصابي)(1)، حيث يقول منها:

غاض الجمال بلحننا المنساب


يا بابلية ضمدى ألم السنا

وقعت صك الحزن فى أعصابى


عودى لكى يرتد طرفى ها أنا

مستصرخا لكن بدون جواب


فدم (الحسين) مضرج بجوانبى

عشق الخطابة مثل شهد رضاب؟!


هل (كربلاءٌ) أسكتت فمنا لاذى

والليل عربد ضاحكا برحابى ؟!


وتوضح الصبح الجيمل حداده


فيا يا بلية - طبقا لما يحتمل - رمز للأمة بأثرها، وإذا كانت (بابل) إحدى مدن العراق، فإنها تذكرنا هنا ببغداد قديما وحديثا. بغداد الخلافة والحضارة والثقافة والفكر والفن والقضاء والعلم، بغداد الإشعاع والمنارة، بغداد رمز الوحدة الإسلامية .
ساعتها كانت بغداد حاضرة الخلافة تسيطر على حركة العولمة سياسيا واقتصاديا وحضاريا، وكانت ملاذ طلاب العلم من شتى بلدان العالم، متزامنة مع شقيقتها؛ الحضارة الإسلامية فى المشرق العربي الأندلسي.
غير أن بغداد الآن هي الحصار والدمار وحقل تجارب للأسلحة الفتاكة، واللقمة السائغة للقوى الغاشمة، قوى التحالف ضد الخير والنور والحب والسلام.
من هنا ندرك الباعث على التجربة التي تأسى على الواقع المهين، وندرك لماذا بدأ الشاعر تجربته بإعلان حالة الاكتئاب، وإعلان حالة التعذيب النفسي فى مطلع دفقاته الشاعرة بالحزن والأسى قائلا:

وملأتُ من نهر الجوى أكوابى


أوصدتُ منْ فَرْطِ الأسى أبوابى

والبابليةُ كم تزيدُ مُصابى


الأعينُ النجلاءُ غازلها القذى

بين الضلوع مجامر لعذابى


والجفن خَضَّبه الحنين فأينعت


والصور والتراكيب تنبؤك عن مقدار الحزن: (فرط الأسى، نهر الجوى، تزيد مصابي- الجفن خضبه الحنين، مجامر لعذابي).
وقمة المأساة كما عايشها الشاعر بفنه هى تلك المفارقة العجيبة.
والتضاد الفني المعبر (الأعين النجلاء - غازلها القذى) هي لفظة شعرية حسية مصورة، تفصح عن الجرم الشنيع الذي يرتكبه الغرب الأحمق، منذ أمد بعيد، ضد الأمة الإسلامية، وتجئ الدفقة الثانية التحاما وجدانيا مع (البابلية) القناع (الأمة) الوجه أن تعود لسابق مجدها.
والصياغة الفنية تعبر عن الجرح الدفين (ضمد ألم السنا) إنه المجد يتألم مجروحا جرح الشاعر نفسه، وجرح المتلقي فى آن واحد، والصورة التشكيلية ترسم الأسى: (وقعت صك الحزن فى أعصابي).
وهنا تطل علينا بوجهها الوضاء شخصية (الحسين) إضاءة تنير التجربة، وتفصح عن هويتها، إنها الوحدة الضائعة، والألفة المفقودة يرمز لها الشعر بالحسين الشهيد.
ويجئ الاستفهام حاملا معاني التبكيت والإنكار:

عشق الخطابة مثل شهد رضاب؟!


هل كربلاء أسكتت فمنا الذي

ويؤازر الاستفهام في وظيفته تلك الصورة الفنية التي جمع الشاعر أطرافها من (الصبح والحداد) في قوله:
" وتوشح الصبح الجميل حداده " والاستعانة بكلمة "الجميل" في ثنايا الصورة إدانة تاريخية لمضيعي الحقوق، الذي يتخلون عن نصرة المظلوم.
وأسلوب التقابل الفني بين شطري البيت دال على فداحة الخطب في نفسية الشاعر:

والليل عربد ضاحكا برحابي ؟!


وتوشح الصبح الجميل حداده
 

وفيه أيضا تصوير فنى (استعارة) والطباق والتصوير كلاهما يعربان عن ملازمة الحزن والجوى لصاحب التجربة، غير أن استعماله لواو العطف فى قوله (وتوشح) لا قيمة من ورائه فى السياق الفني الأدائي، وإن كانت تؤدى إلى سلامة الإيقاع الشعري من الزحافات، والزحاف لا ضرر منه في عمودية القصيدة.
والشاعر من خلال استلهامه لشخصية (الحسين الشهيد) يدين بعض المعاصرين، الذين وافقوا على المقاطعة والحصار، وكأن العراق في محنته هي (كربلاء) فى الدلالة التاريخية و الفنية.
وإن كان الشاعر قد وفق فى توظيف شخصية (الحسين) - رضي الله عنه- فإنه قد أخفق في توظيف الأماكن والمعارك الإسلامية حيث قوله:

أبدت مفاتنها وحسن خضاب


والقادسية(2) خلعت أثوابها

والكرخ ترفل فى الأسى المتصابي


والأعظمية يا عراق بكت دما

إذ كيف للقادسية أن تستعرض جمالها، وتظهر مفاتنها في سياق الحزن والأسى؟ وكيف للأسى أن يتصابى ؟ وإذا كان يقصد في البيت الأول أن القادسية مزقت ثيابها حزنا على ما حدث للعراق، فإن الألفاظ لم تجئ على رتب المعاني، كما أن الصور الشعرية لم تأت في سياقها الفني.
والحق كما يقول الآمدى " وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ فى مواضعها، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه، المستعمل فى مثله، وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافرة لمعناه(3)"
واستنادا إلى هذا التوجيه النقدي للآمدى، تكون أدوات التشكيل الفني في البيتين مخلين بالترابط العضوي بين الرؤية الشعرية والأداة التعبيرية.
وإذا كان-الشاعر- قد أخفق في استدعاء القادسية والأعظمية، فإنه قد عاد يحالفه التوفيق الفني في تعبيره بشخصيات (هارون الرشيد) و(صلاح الدين الأيوبي) و(المعتصم) و(خالد بن الوليد):

وخنوعهم كالطائرِ المرتاب


(هارون ) هل يرضيك ذلة قومنا

والعازفُ الموهوبُ عافَ ربابى


الناي ما عاد الشجي بحينا

و ارفع لواء الحق رد شبابي


قم يا صلاح الدين عائق خالدا

بائية تروى مدى الأحقاب


ما عاد معتصم يعيد قصيدة


إن تكثيف الشاعر نصه بهذه الكثرة من الشخصيات التراثية الإسلامية، دال على العطاء التاريخي المنتصر ذي الوفرة المتنوعة الأزمنة والتواريخ، وفيه تعويض لنفسية دغدغتها عاصفة الصحراء وهيجتها قوى التحالف الباطشة الزاعمة بمناصرة الحقوق الإنسانية- والمتغنية - وهى الآثمة - بالحريات والسلام والعدل.
ومن هنا جاءت الشخصيات - لبنات التجربة - من سياقات تاريخية مختلفة، (فخالد بن الوليد) بطل موقعة (اليرموك) وغيرها من الانتصارات، والخليفة العباسي (المعتصم) بطل (عمورية) ضد الروم البيزنطيين، و(أبو تمام) المؤازر والمؤرخ الفني لانتصارات المعتصم من خلال بائيته المشهورة
(السيف أصدق أنباء من الكتب   فىحده الحد بين الجد واللعب).
و(صلاح الدين الأيوبي) بطل (حطين) وفاتح (بيت المقدس) وكاسر شوكة الصليبية.
 والتعبير بهم فى هذه الرؤية الشاعرة- صرخة من الشاعر لبعث الهمم فى المعاصرين، تطلعا إلى التحرير والتنوير، والخروج من ربقة الانهزامية.
ولذا جاء ختام القصيدة بكائية من أجل العراق وأهله يلتحم فيها مع الأمة (بابلية) بنزعة ساخرة، متلونة بالأنين والزفرات الحارقة:

فالنجم يهوى في المدار الكابي


يابابليةُ رددي لحنَ الفنا

غور الأفول وخلوة الغيَّابِ


هذا مدارك يا عروبة داخلٌ

حداه قد صيغا من الأخشاب


ما عاد سيفك يا عروبة قاطع

صهواتها، فلقد كبا بركابى


والخيل ما عادت فوارسها ترى

لعروبتي ممهورة الجلباب!!


أواه يا نخل العراق المنتمى

والصبح أصبح كالبريق الخابي


سهدى يطول كطول ليل بلادنا

نفسي التي تسقى مرار شراب!


أواه يا أرض العروبة يا منى

رأسا أبت دوما خضوع رقاب ؟!


حتى متى تحنى شواشى نخلنا


إنها صرخة شعرية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من العزة والكرامة، إنها دفقة متوجعة للأمة تستدرك ما فاتها، وتتوحد.
وسخريته من الوضع الراهن دفعه للإتيان بالصورة الفنية الساخرة: (حداه قد صيغا من الأخشاب). 
ويرمز بنخل العراق للعزة والإباء والأنفة العربية التى تأبى الضيم، ترفض الخنوع.
والشاعر متعجل يوم الخلاص من هذا السجن النفسي العميق باستفهام مستفز، يشحذ العزائم ويلهب الضمائر (حتى متى...)؟
والتراث يرمز يصحب التجربة الإسلامية عبر الأوطان، حيثما وجد الإسلام والمسلمون.
فحيثما يوجد فى قطر إسلامي تستوجب التعاضد والمؤازرة، فإن الضمير الشعري الحي يكون سابقا ويكو ن سباقا، ويكون أول المبادرين بالكلمة المقاومة الرافضة، بعاطفة دينية هادرة، ذلك لأن العاطفة الدينية من أقوى العواطف وأنبلها.

(1) القاها الشاعر بمهرجان الربيع في كلية اللغة العربية في جرجا - سوهاج - مصر،  عام 2000م.
(2) القادسية: معركة تاريخية إسلامية ضد الفرس بقيادة سعد بن أبى وقاص سنة 16هـ. وهى من أعظم وقائع المسلمين وأكثرها بركة . انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي 4/292 - دار صادر بيروت 1979م. 
(3) الموازنة بين أبى تمام والبحتري للأمدى ص 351 تحقيق الشيخ/ محمد محيى الدين عبد الحميد ، المكتبة التجارية القاهرة، ط ثانية ، 1373هـ/ 1954.

 

الحركة الشعرية في المنطقة الشرقية بالمغرب الأقصى

التفاصيل
كتب بواسطة: د. جميل الحمداوي
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 17 أكتوبر 2001
الزيارات: 8

الحركة الشعرية في المنطقة الشرقية بالمغرب الأقصى


الدكتور جميل حمداوي

تعد المنطقة الشرقية في المغرب الأقصى من أهم المناطق التي يعد لها ألف حساب على مستوى الإبداع الثقافي الوطني بصفة خاصة والعربي بصفة عامة على الرغم من التهميش الذي تعانيه على جميع الأصعدة والمستويات؛ لأنها أثرت الساحة الأدبية المغربية وذلك بثلث المجموعات والدواوين الشعرية. فقد أصدرت المنطقة الشرقية 48 مجموعة شعرية، بينما تكلفت الدار البيضاء بطبع أكثر من 200 مجموعة على المستوى الوطني، والرباط طبعت أكثر من 88 مطبوعا شعريا حسب إحصائيات الدكتور محمد قاسمي في كتابه " سيرورة القصيدة" الذي نشره اتحاد كتاب المغرب سنة 2000م ، وبذلك تحتل وجدة المرتبة الثالثة في الطبع والإنتاج.
ومن أهم المطابع التي قامت بطبع هذه الدواوين الشعرية في المنطقة الشرقية نستحضر مطبعة الجسور ومطبعة النخلة للكتاب والمطبعة الثقافية والمطبعة المركزية ومطبعة أيكومور والشركة المركزية للطباعة بمدينة وجدة. كما أن هناك مطابع منافسة في أطراف أخرى من هذه المنطقة كمطبعة تريفة ببركان ومطبعة اقرأ ومطبعة لمقدم ومطبعة بنعزوز بالناظور. وبالتالي، فقد استفادت هذه المجموعات الشعرية من جودة الإخراج المطبعي والتصوير الفوتوغرافي والسيميائي، ومن التقنيات الحديثة في الطبع والنشر وتبئير العناوين وتأشير حيثيات النشر.
ومن المعلوم أن المنطقة الشرقية تضم خمس مدن رئيسية وهي: الناظور وبركان ووجدة وجرادة وفگيگ وتاوريرت. فمن شعراء الناظور: عبد الله عاصم،ومهدي زريوح، ومحمد أديب ، وسعيد الجراري، وحسين القمري، ومحمد منيب البوريمي ،وبلقاسم جطاري، وجمال أزراغيد، وبوزيان حجوط، ونزيهة الزروالي،وعز الدين الوافي وجميل حمداوي.... ومن شعراء بركان نذكر عبد الرحمن بوعلي، و محمد قيسامي، وبكاي كطباش، ومصطفى رمضاني...ومن شعراء وجدة نذكر كذلك محمد علي الرباوي، وحسن الأمراني، ومحمد فريد الرياحي، ومحمد بنعمارة، ويحيى عمارة ،ومحمد لقاح، وناصر لقاح، وميلود لقاح، وفاطمة عبد الحق، وعلي العلوي،ومحمد زروقي... ومن جرادة نذكر حليمة الإسماعيلي...، ومن فگيگ يحضر أمامنا الشاعر عبد الرحمن عبد الوافي...
ويمكن تقسيم شعراء المنطقة الشرقية تقسيمات عدة، ومن خلال معايير ومقاييس مختلفة. إذ يمكننا تقسيمهم إلى أجيال شعرية، بيد أنها أجيال متداخلة (متجايلة) كجيل الاستعمار وجيل الاستقلال وجيل الستينيات وجيل السبعينيات وجيل الثمانينيات وجيل التسعينيات، ولكن هذا المعيار التصنيفي ليس ثابتا وقارا.
ويمكن أن نعتمد تقسيما فنيا فنقول: جيل القصيدة العمودية وجيل قصيدة التفعيلة وجيل القصيدة النثرية، ولكن هذا التقسيم بدوره غير صحيح أيضا لوجود شعراء شباب يكتبون القصيدة العمودية كميلود لقاح في ديوانه" أغنيات من حريق الحشا". كما أن هناك تصنيفا إيديولوجيا يتمثل في شعراء الاتجاه الإسلامي( حسن الأمراني ومحمد علي الرباوي ومحمد بنعمارة وعبد الرحمن عبد الوافي، وفاطمة عبد الحق، ومحمد زروقي....)، وشعراء الاتجاه الواقعي الاشتراكي (حسين القمري، وعبد الرحمن بوعلي، محمد منيب البوريمي...)، والاتجاه الوجودي العابث(فاطمة عبد الحق في ديوانها الأول " زمن الانتظار"، وعبد الرحمن بوعلي في ديوانيه:"الولد الدائري" و"وردة للزمن المستحيل".....). ويمكن أيضا تقسيم شعراء المنطقة إلى صنفين:
الشعراء الرواد المؤسسون كمحمد لقاح وعبد الرحمن بوعلي وحسن الأمراني ومحمد فريد الرياحي.. والشعراء الشباب كميلود لقاح وناصر لقاح وعلي العلوي وحليمة الإسماعيلي وجمال أزراغيد وبوزيان حجوط ونزيهة الزروالي....
ويمكن الحديث عن مدارس فنية في شعر المنطقة الشرقية بالمغرب كالمدرسة الإسلامية التي يمثلها علي الرباوي وحسن الأمراني ومحمد بنعمارة ومحمد زروق، ومدرسة آل لقاح على غرار المدرسة الأوسية في الشعر الجاهلي وصدر الإسلام وتتشكل من الأب محمد لقاح والأبناء ناصر لقاح وميلود لقاح ومدرسة التجربة الشعرية النثرية الجديدة... ناهيك عن مدارس أخرى واقعية ووجودية عبثية.
وقد جرب شعراء المنطقة الشرقية كتابة القصيدة العمودية الخليلية والشعر
التفعيلي والقصيدة النثرية... واهتموا كثيرا بظاهرة التدوير والتكرار واللازمة الشعرية والتوازي الإيقاعي والمزاوجة بين الأصوات المهموسة و الأصوات المجهورة حسب السياقات النفسية والموسيقية والدلالية.
ومن يتأمل المتن الشعري لهؤلاء الشعراء سيجد أنهم يكثرون من إيقاع المتدارك والمتقارب صفاء وامتزاجا للاقتراب أكثر من الواقع مع تنويع الأشكال البنائية والإيقاعية والفضائية . وقد لاحظنا أن هناك شعراء قد جربوا البحور الصافية نزولا عند تعليمات نازك الملائكة كما في كتابها" قضايا الشعر المعاصر"، وهناك شعراء جربوا استعمال البحور المختلطة داخل قصائدهم الشعرية كما فعل الشاعر الشاب ميلود لقاح الذي وظف البحر البسيط والوافر في ديوانه الشعري " أغنيات من حريق الحشا". ولكن هناك الكثير من الشعراء الذين سقطوا في ظاهرة النثرية بسبب اقترابهم من الكتابة اللغوية الشعرية البسيطة التي يفهمها العموم من الناس، والاتصال بالواقع إلى درجة كبيرة بسبب استعمالهم للمتدارك والبحور الممزوجة والإكثار من التدوير الذي يقتل نغمية الشعر في بعض القصائد. وقد استند شعراء
المنطقة الشرقية أيضا إلى تنويع الفضاء البصري معتمدين على الفضاء السيميتري المتوازن القائم على نظام الشطرين، والفضاء التفعيلي القائم على الأسطر والجمل الشعرية،والنص المرسل الذي يتخذ فضاء نصيا نثريا مسترسلا (محمد علي الرباوي وميلود لقاح...) ، والفضاء النثري بشقيه: السطري( بوزيان حجوط ونزيهة الزروالي...) والمسترسل نثرا وانسيابا. كما يعتمد البناء الشعري على النمط الغنائي والدرامي والقصصي أو المزج بين هذه الأنماط داخل قصيدة واحدة.
وتبدو اللغة واضحة ومنقحة وحبلى بالمستنسخات والمقتبسات التناصية ومهذبة من التعهر والفحش الأخلاقي عند شعراء الاتجاه الإسلامي، بينما تتمرد عن المقدس والطابو الأخلاقي عند شعراء الاتجاه العبثي الوجودي والمادي الجدلي والاشتراكي كما نجد ذلك في مقطع شعري لفاطمة عبد الحق من ديوانها " زمن الانتظار" (ص: 14،المطبعة المركزية، 1995، وجدة، المغرب):

تحترق القوافي في صدري
تتعفن الكلمات
رائحة الدخان
أقداح الخمر تقرع
تعلن ميلادا جديدا
عربيد هو القدر
يتلكأ في كل الدروب والممرات
يتمايل
يصطدم بعمق اللحظة
يرتمي مصيرا مجهولا
تتكسر بقايا الجليد
على محطة النشوة والإدمان...

وتتسم الأساليب التركيبية بالمزاوجة بين الجمل الفعلية الدالة على التوتر والحركية والفعل الدينامكي الدرامي والجمل الاسمية الدالة على الثبات والتأكيد ، كما نلاحظ أيضا المزاوجة بين التقرير والإيحاء الناتج عن استخدام الجمل الإنشائية التي تحقق الوظيفة الشعرية الإيحائية. وهذا ما يجعل الصور البلاغية تتراوح بين الصورة الوثيقة التقريرية والصورة الرؤيا الناتجة عن استخدام الخرق والانزياح وتوظيف التناص والمستنسخات بكل سجلاتها الرمزية( الرمز الطبيعي، والرمز التاريخي، والرمز الديني، والرمز الأدبي، والرمزالفني، والرمز اللغوي، والرمز الإنساني...)، و الدوال الأسطورية، والإحالات التراثية بأقنعتها السيميائية واللسانية حسب سياق كل قصيدة على حدة. ويغلب على شعراء الاتجاه الإسلامي توظيف مستنسخات مأخوذة من القران والحديث النبوي الشريف والتاريخ الإسلامي التي تشكل رؤيتهم للعالم والتي تتجسد في الرؤية الإسلامية. و تعبر مجلة المشكاة عن تصورات هذا الاتجاه بكل وضوح وجلاء. بينما يتخذ الشعراء الواقعيون والوجوديون رموزا مخالفة ذات طرح إيديولوجي تستند إلىالواقعية الانتقادية تستوحى من الثقافة العالمية والوطنية(ماوتسي تونغ- تشيكيفارا- عبد الكريم- لوركا- ناظم حكمت- ماركس- لينين...)، وتصبغ بصبغة ثورية ذات رؤية تغييرية جدلية قوامها الألم والأمل ، وذلك من خلال الثورة على الكائن السائد واستشراف المستقبل والممكن. وتعبر جريدة الاتحاد الاشتراكي و مجلة الثقافة الجديدة و مجلة البديل و مجلة آفاق.... الصادرة بالمغرب عن هذه الرؤية الجدلية بكل تفصيل وتدقيق . وتتراوح الصور الشعرية بين شعرية الوضوح والغموض الشاعري المقبول كما في نصوص حسن الأمراني ومحمد علي الرباوي وفريد الرياحي ومحمد بنعمارة ومحمد لقاح وميلود لقاح وعلي العلوي، وشعرية التجريد والإبهام والغرابة
التي تجعل كثيرا من النصوص الشعرية أقرب إلى الألغاز والطلاسم والشطحات المعقدة التي يصعب تفكيكها ولو بأعتى المناهج حداثة وسبرا وتقسيما وتفكيكا.
هذا، ويلتجئ شعراء المنطقة الشرقية إلى استعمال ظاهرة الالتفات وذلك بتنويع الضمائر والأفعال والصيغ الصرفية واستخدام الأساليب و الجمل الإنشائية والسجلات اللغوية حسب المقاصد والأغراض التداولية منتقلين من الذات إلى الموضوع ،ومن الداخل إلى الخارج، ومن المحلي إلى الوطني والقومي والإنساني.
وعلى مستوى القضايا، يلاحظ أن شعراء المنطقة الشرقية تناولوا كثيرا من المواضيع الحساسة المعلقة التي تجمع بين الذاتي والموضوعي، وبين الفردي والجماعي. ويعني هذا أن الشعراء تغنوا بالذات والمحلي والوطني والقومي والإنساني، بله عن رصدهم لعدة ظواهر سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية كالفقر والهجرة وضياع الكائن البشري في عالم الإسمنت، كما طرحوا موضوع الهوية في إطار التعددية اللغوية والإثنية وحقوق الإنسان وتمزق الذات والتنديد بالاستعمار والاستلاب والتفاوت الطبقي وتصوير بشاعة الحرب والظلم والعبودية ، والتعبير عن ثنائية القرية والمدينة ، و تناولوا أيضا قضية الاغتراب الذاتي والمكاني . ونسجل من خلال تعدد القضايا الدلالية، أن هناك ثلاثة أنواع من الالتزام الشعري:
1- التزام إسلامي( شعراء "المشكاة " ومريدوها)؛
2- التزام ماركسي( حسين القمري،و منيب البوريمي، وعبد الرحمن بوعلي..)؛
3- التزام وجودي عابث( فاطمة عبد الحق في مشوارها الشعري الأول، شعراء التذويت العبثي من التيار الماركسي كعبد الرحمن بوعلي مثلا...).
4- التزام إنساني ويمثله الشعراء المحايدون المستقلون الذين يتجاوزون كل ماهو عقائدي وإيديولوجي.
ويحضر شعر الطفل في شعر المنطقة الشرقية من خلال كتابات محمد علي الرباوي الشعرية"عصافير الصباح1987م" ،وديوان جميل حمداوي الذي خصصه للأطفال بعنوان" ليحيا السلام "الذي صدر سنة 2005 عن مطبعة بنعزوز بالناظور...
و إلى جانب تطور الحركة الشعرية، يمكن الحديث عن الحركة النقدية
والببليوغرافية التي واكبت دراسة الشعر في المنطقة، وإن كانت هذه الحركة تمتاز بالبطء وضآلة المواكبة وقلة النقاد الفاعلين بسبب كثرة الدواوين الشعرية التي يصعب الإحاطة بها كلها، وتعدد اختصاصات هؤلاء النقاد الذين يواكبون إبداعات متنوعة الأجناس والأنواع والأنماط ، وذات جغرافيا شاسعة مختلفة التضاريس والمناخات، وتمتد خارطتها من أقصى المغرب إلى آخر نقطة في الخليج العربي.
ونستحضر من هؤلاء النقاد، وهم إما شعراء وإما نقاد متخصصون في النقد الشعري، الأسماء التالية: الدكتور عبد الله شريق(في حداثة النص الشعري)، والدكتور جميل حمداوي(مقالاته الورقية والرقمية العديدة حول دواوين شعراء المنطقة الشرقية)، والدكتور علي الرباوي( رسالته الجامعية حول الشعر المعاصر بالمنطقة الشرقية)، والدكتور حسن الأمراني( مقالاته حول الشعر الإسلامي) ،والدكتور بلقاسم الجطاري(أبواب ونوافذ، مقاربات فنية في الشعر الإسلامي المعاصر) ، والدكتور عبد الرحمن بوعلي(ظاهرة السبعينيات في الشعر المغربي المعاصر)، والناقد الشاب ميلود لقاح ( مقالاته النقدية عن شعراء المنطقة الشرقية كعلي العلوي وعبد السلام بوحجار...)، والدكتور عبد القادر غزالي(دراساته حول شعر عبد الرحمن بوعلي). ولا ننسى الببليوغرافي الكبير الذي ينبغي أن نفتخر به أيما افتخار على المستوى الوطني والعربي الدكتور محمد قاسمي صاحب عدة ببليوغرافيات جادة في مجال الشعر والقصة القصيرة والمسرح والرواية التي ساهمت في التعريف بالمتن الأدبي والإبداعي المغربي مغربا ومشرقا. وقد ساهمت كلية الآداب بوجدة بدور هام في التعريف بالإبداع الشعري للمنطقة كما وكيفا ، ونتمنى أن تقوم كلية الناظور بسلوان بنفس الدور التعريفي والتحليلي وصفا وتأريخا وتفسيرا إذا عرفت كيف تنتقي الأساتذة الباحثين الجادين في مجالي الإبداع والنقد، بدلا من توظيف المدرسين العاطلين الذين يوظفون بسبب الوساطات والتدخلات؛ مما يؤثر ذلك على مستوى
المردودية والتكوين والتأطير والتأهيل والمستوى العلمي والإشعاعي للكلية محليا ووطنيا وعربيا ودوليا.
ومن المنابر التي ساهمت في التعريف بالمنتوج الإبداعي والنقدي بالمنطقة الشرقية نذكر على سبيل المثال: الجرائد الوطنية كالعلم والاتحاد الاشتراكي ، والمجلات المغربية كآفاق والمشكاة، والمجلات العربية كمجلة الأدب الإسلامي والآداب البيروتية،ومؤسسة اتحاد كتاب المغرب ومهرجاناته الشعرية خاصة مهرجان شفشاون ، وكليات الآداب ( كلية وجدة مثلا)،علاوة على الرسائل والأطاريح الجامعية وأبحاث الإجازة التي انصبت كليا أو جزئيا على الشعر بالمنطقة الشرقية معتمدة المناهج التاريخية والفنية والحديثة في مقاربة ظواهره الدلالية والفنية والمرجعية (عبد الرحمن بوعلي- منيب البوريمي- محمد علي الرباوي- بلقاسم الجطاري- جميل حمداوي-
مجمد قاسمي...)، دون أن ننتقص من الدور الكبير الذي تقوم به المواقع الرقمية والالكترونية التي أصبحت منابر بديلة وسهلة للتعريف بهذا الإبداع والإشهار به مغربا ومشرقا في إطار علاقات نقدية وقرائية تفاعلية.
تلكم نظرة موجزة عن الحركة الشعرية والنقدية بالمنطقة الشرقية التي انطلقت من تربة تعرف التهميش والحرمان والإقصاء والاغتراب ؛مما نتج عنها تفاوت اجتماعي وطبقي وفكري. وقد ساهمت كل هذه العوامل في إفراز مدارس واتجاهات شعرية متناقضة من حيث المشارب والرؤى الفكرية والخلفيات المرجعية. وقد ساعد هذا الاختلاف في تنويع المشهد الشعري والثقافي في المنطقة الشرقية التي أصبحت اليوم من أهم المناطق الثقافية بالمغرب بصفة خاصة والعالم العربي بصفة عامة؛ لما تزخر به من إمكانيات إبداعية وطاقات شابة غزيرة الإنتاج ووافرة العطاء تساهم بكل جدية وإخلاص في تنمية الثقافة المغربية والعربية على حد سواء. وقد ترجمت كثير من قصائد شعراء هذه المنطقة إلى عدة لغات عالمية كالأوردية والفرنسية والإنجليزية
والإسبانية والألمانية والتركية والفارسية والكردية... كما هو الشأن مع أشعار عبد الرحمن بوعلي وحسن الأمراني وميلود لقاح...). وقد حصل العديد من شعراء المنطقة الشرقية على جوائز مادية ومعنوية ولاسيما الشاعر عبد الرحمن بوعلي الذي فاز بجائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري بقصيدته الطويلة" تحولات يوسف المغربي" سنة 2004م، وفاز الشاعر الشاب ميلود لقاح بجائزة طنجة للديوان الأول سنة 2006م مناصفة مع الشاعر المصري عماد فؤاد محروس معوض بديوانه" أغنيات من حريق الحشا"، كما حصل الشاعر جميل حمداوي على جائزة الأدب الإسلامي التشجيعية بوجدة سنة 2005م لأفضل ديوان في أدب الأطفال تحت عنوان" ليحيا السلام"... ولكن الأسئلة التي ينبغي طرحها بجدية ومسؤولية: هل كل ما يكتب من النصوص "الشعرية" في المنطقة الشرقية تتوفر فيه الشاعرية والوظيفة الشعرية؟ وهل يمكن أن نعد من يكتب الشعر في هذه المنطقة ويطبع ديوانا شعريا شاعرا بالمفهوم الحقيقي للشاعر؛ لأننا وجدنا أثناء قراءة كثير من الدواوين الشعرية: الشاعر والمتشاعر والشويعر والشعرور؟!! وماهي الإضافات التجديدية الحقيقية التي قدمتها التجربة الشعرية في المنطقة الشرقية شكلا ودلالة ووظيفة؟؟! وما هو الدور الذي ينبغي أن يقوم به النقد على مستوى الممارسة الميدانية لتأطير الإبداع في هذه المنطقة المدروسة تقويما وتشكيلا وتوجيها؟! ستبقى هذه الأسئلة مفتوحة أمامنا ، ونترك للقارئ المتلقي مساحة كبيرة للتأمل والتفكير والتفاعل لنلتقي معه إن شاء الله في حلقات ومقامات وسياقات أخرى مختلفة ترتكز على المنجز النصي والتطبيق الفعلي على النصوص .

السيرة الشطارية للكاتب والفنان المغربي العربي باطما

التفاصيل
كتب بواسطة: د. جميل الحمداوي
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 03 أكتوبر 2001
الزيارات: 8

 السيرة الشطارية للكاتب والفنان المغربي العربي باطما


للدكتور جميل حمداوي


لقد رحل عنا العربي باطما الفنان المغربي الكبير سنة 1997م ، بعد حياة فنية وأدبية زاخرة بالعطاء على شتى الأصعدة. مارس الغناء والفن ، ومنح الكثير من أوقاته الثمينة للمسرح البلدي بالدار البيضاء تمسرحا وتمثيلا و هواية واحترافا. كما اهتم بالموسيقى والفن الزجلي وكان مؤسسا فعليا لفرقة "ناس الغيوان" التي شنفت أسماع جميع الطبقات الاجتماعية خاصة الشعبية منها. واهتم كذلك بالزجل فكان له ديوان" حوض النعناع"(دار الآفاق الجديدة، الدار البيضاء، 1991)، وملحمة زجلية بعنوان"لهمام حسام" صدر منها جزءان. كما كتب قصصا نشر بعضها في جريدة العلم مثل:قصته "الاختناق". ولا ننسى شهرته الكبيرة عندما كتب سيناريوهات لأفلام مغربية ومثل فيها، كما كتب نصوصا مسرحية لبعض الفرق كمسرح الحي( العقل والسبورة).


1- سيرة الرحـــيل:

لقد خلف لنا العربي باطما قبل رحيله سيرة ذاتية، وهي عبارة عن اعترافات
وتصريحات وبوح واستنطاق لماهو مسكوت بطريقة سردية لايمكن أن ننفي عنها انتماءها الكبير إلى الرواية في عرض الأحداث وتحبيكها وإيجاد الحلول لها عبر عمليات التشويق والوصف وتصوير الشخصيات والأفضية وخلخلة الأزمنة وتنويع الأساليب وسجلاتها اللغوية. وهكذا أقول : إن سيرة الفقيد هي رواية فنية كيفما كانت التبريرات التي يقدمها المنكرون لذلك، ومهما تسلحوا بالقواعد الأجناسية الأكاديمية. فالسيرة هنا رواية بكل مقاييس هذا الفن ومواصفات هذا الإبداع.
وتندرج هذه السيرة ضمن الأدب الشطاري البيكارسكي على غرار سيرة محمد شكري بأجزائها المتكاملة (الخبز الحافي، و الشطار،...)، ورواية بنسالم حميش(محن الفتى زين شامة...)، ورواية مجنون الورد لمحمد زفزاف.، ولعبة النسيان والضوء الهارب لمحمد برادة... وثمة تشابه كبير بين محمد شكري والعربي باطما على مستوى الإبداع الشطاري، إلا أن شكري كان وقحا في جرأته وصراحته الواقعية بينما كان العربي باطما متأدبا في واقعيته مقتصدا في البوح والاعتراف الشعوري واللاشعوري.
وتتكون سيرة العربي باطما أو روايته الأوطوبيوغرافية من جزأين:

1- الجزء الأول بعنوان " الرحيل"(منشورات الرابطة، الدار البيضاء 1995)؛
2- الجزء الثاني بعنوان" الألم" ( دار توبقال ، الدار البيضاء،ط 1998).

ويلاحظ أن الجزء الأول أكبر من حيث الصفحات(173 صفحة) بالمقارنة مع الجزء الثاني الذي يحوي (91 صفحة)، أي تقريبا نصف الجزء الأول.
هذا، ويركز نص "الرحيل" باعتباره سيرة ذاتية على نشأة الكاتب وولادته وذكر أسرته وطفولته وشيطانياته وإبراز فتوته ومراهقته ودخوله إلى عالم المدرسة وانتقاله فيه من قسم إلى آخر حتى وصوله إلى آخر مستوى من الإعدادي، حيث فشل في الحصول على شهادته بسبب انقطاعه المتكرر عن التعلم وعدم انضباطه دراسيا ودخوله إلى السجن بسبب مشاركته في الإضرابات والمظاهرات الوطنية التي كان يقوم بها التلاميذ وطلبة الجامعة.
وبعد ذلك، يخرج الكاتب الفتى إلى عالم الصعلكة والتشرد والنشل والسرقة والعراك بسبب الفقر الذي نغص على الأسرة معيشتها. وقد كان الأب" رحال" يدمن على الخمر والتدخين والمخدرات ويسكن كوخا في المدينة، وهو عامل بالسكة الحديدية. وكان أولاد الرحال ينتقلون من البادية إلى المدينة حسب الأجواء والظروف التي يكون عليها الأب. وكلما كان هناك خناق بين الأب وزوجته عادت الأسرة إلى البادية؛ وهذا ماجعل دراسة الكاتب وإخوته متعثرة. وكان جد العربي باطما رحال بن العربي من الأثرياء إبان الاحتلال الفرنسي للمنطقة ، ولكن سرعان ما تغيرت الظروف لتتضاءل ثروته وتنقص لينتقل في الأخير إلى مثواه المحتوم.
وقد عاش الكاتب حياة رومانسية" دون جوانية" إبان طفولته مع مربيته وقريبته وبنت المدير" زوهرة"، وكان نرجسيا لأنه كان يهتم بمظهره ،ويتأنق في هندامه، ويمسح شعره بالروائح الطيبة.
ومع صعوبة العيش وانسياق الأب وراء مغريات الحياة من خمر وحشيش وأشياء أخرى انساق العربي الابن وراء سلوكيات أبيه محاكاة وتقليدا. فكان الابن يكثر من معاقرة الخمر وتدخين الكيف واستعمال السبسي والمطوي. مما أبعده كل هذا عن عالم المدرسة وأجوائها التثقيفية. وعندما كان تلميذا في الثالثة سبعة من الإعدادي انضم إلى جماعة من الصعاليك والشطار فحولوا القسم إلى حلبة الشجار والعراك والملاكمة والتغيب المستمر والانقطاع عن التمدرس، ناهيك عن السجن الذي كان سببا لطرده بعد أن فشل في الحصول على شهادة الـــ"Brevet".
وبعد ذلك انصرف العربي باطما إلى دنيا الاحتيال وامتهان أرذل الأشغال، وانتقل من حرفة إلى أخرى دون أن يجد لنفسه فيها استقرارا ومكوثا. ولكن سيجد راحته في عالم المسرح والفن، إ ذ كان له صوت صالح للغناء والتمثيل. ومن ثم، اختير ممثلا مسرحيا محترفا في المسرح البلدي بعد أن كان هاويا ليس إلا.
ودخل العربي باطما حياة أخرى هي حياة العطاء والتمثيل الركحي، وانتقل بين مدن المغرب عارضا الفرجة الدرامية مع أعضاء فرقة المسرح البلدي، وإن كانت الأجرة التي يشتغل بها قليلة جدا لاتشفي الغليل ولا تشبع البطن ؛لأن مدير المسرح هو الذي كان يستولي على كل الامتيازات ويترك الممثلين بدون شيء تقريبا.
كما عرض العربي باطما مسرحيات مع أعضاء الفرقة في فرنسا واستفاد الكثير من وجوده في أوربا. وبعد ذلك عاد إلى وطنه شابا "هيبيزيا" عابثا متأثرا بفلسفة سارتر الوجودية التي تنبني على حرية الفعل والزمان والمكان. ويعد الكاتب من الشبان الأوائل الذين أدخلوا الشعر(بفتح العين والشين) الطويل في أواخر الستينيات.
وتتسم حياة العربي في سيرته "الرحيل" بالعبث والضياع والانغماس في زهو الحياة ونعيم الصحة على الرغم من قلة الزاد والمال. وقد قضى حياته كلها في الخمر والجنس والتدخين والإدمان على المخدرات الخطيرة المعاصرة كالهيروين والحقن السامة، ناهيك عن الحشيش والكيف مما كان سببا في إصابته بالسرطان وسببا في تعجيل رحيله إلى الرحمة الربانية إن شاء الله.
وبعد عودة الكاتب من فرنسا أنشأ مع صديقه بوجمعة فرقة" ناس الغيوان" التي كانت تجربة غنائية جماعية أصيلة في مضامينها وأشكالها، تعبر عن الفقر والبؤس ووضعية الإنسان العربي وتشنف أسماع جميع الطبقات بأحلى الأغاني المعبرة عن الحزن واليأس والتشاؤم والبكاء. وكانت الفرقة تعتمد في أداء أزجالها على أدوات موسيقية مغربية أصيلة كالبندير والطبل والسنتير. وحققت هذه الفرقة شهرة كبيرة داخل الوطن وخارجه، وقدمت فرجات موسيقية في كثير من الدول العربية كالجزائر وتونس. وكانت السبب في ظهور كثير من الفرق الغنائية التي تسير على منوالها في الأداء والموسيقى في هذه البلدان. وفي المغرب ظهرت فرق عديدة، ومن أهمها فرقة جيل جيلالة والمشاهب ومسناوة...
بيد أن هناك ما سيشتت هذه الفرقة وسيعكر صفوها وسيبعد أعضاءها عن بعضهم البعض وهو الشهرة والغرور والحقد والحسد. فهناك من سار وراء بريق المادة، وهناك من استمر في العطاء ودافع عن فنه وحافظ على راية ناس الغيوان...

2- سيــــرة الألم:

وهكذا تنتهي السيرة الأولى "الرحيل" لتبدأ السيرة الثانية "الألم" بتصوير صراع العربي باطما ضد مرض السرطان، بعد أن نبهه إليه أحد الأطباء أثناء مشاركة الكاتب في إحدى الأفلام التي تم تصوير إحدى لقطاتها بمستشفى الدار البيضاء. ومن ثم بدأ الصراع مع الداء وأجرى الكاتب عملية جراحية لإزالة أكياس مائية في عنقه وإبطه. تلك الأكياس التي كانت تفرز تورمات خبيثة بعد سنين قليلة.
وقد كتب العربي باطما سيرة "الألم" في سبعة أيام، أي في ظرف وجيز ليصور خطورة مرض السرطان وينقل للجمهور معاناة الفقراء في مستشفيات الدولة والعيادات الخاصة، حيث يعامل المرضى معاملة لاإنسانية، وذلك باستنزاف أموالهم بطريقة أنانية هيبوقراطية Hypocrite لا أبقراطية( نسبة إلى أبقراط الذي وضع أسس الطب الإنساني). وقد تعرض الكاتب مثل الكثير من المرضى لابتزازات لاتعد ولا تحصى من قبل الأطباء والممرضين والمشعوذين والمشعوذات. وهو في هذه السيرة يرصد صراعه السيزيفي بكل عنف ودرامية مع مرض السرطان مستغفرا الله تائبا متضرعا إليه لينجيه من هذا الداء الخبيث عسى أن يلقاه في مثواه الأخير مؤمنا مرحوما.
إن سيرة" الألم " هي سيرة مأساوية وتراجيدية قوامها المعاناة والصراع الإنساني ضد مرض الموت( السرطان) عن طريق الكتابة والفن والصبر والنسيان والإقبال على الحياة وإدانة الواقع وتعريته والثورة على تناقضاته الطبقية والاجتماعية والسخرية من قيمه و أعرافه، والاستهزاء من الأطباء ( الحمائم الملائكية) الذين شوهوا طب أبقراط بطمعهم وجشعهم الجنوني وراء المادة.

3- البنية القصصية والحكائية::

يتحكم في سيرة العربي باطما منطق حدثي يمكن تحديده على الشكل التالي:
1- نعيم الشهرة ومدنساتها الجسدية( بداية السيرة)
2- مرض السرطان أو الألم العضال( عقدة السيرة)
3- الموت والرحيل(نهاية السيرة).
فإذا كان المغني المغربي الشهير محمد الحياني قد تنبأ بموته في أغنيته الرائعة والحزينة" راحلة"، فإن العربي باطما تنبأ بموته على عادة الفنانين والمبدعين والشعراء في سيرته الروائية المتكاملة( الرحيل والألم)، لتكون الخاتمة هي الرحيل الفعلي والألم التراجيدي لمسيرة الفن والعطاء الأدبي.
وقد تضمنت السيرة مجموعة من الشخصيات تحكمت فيها مجموعة من المحفزات
التيماتيكية كالاستعمار والاستغلال والفقر والتغيير والرغبة في العدالة الاجتماعية وتحقيق كرامة الإنسان وآدميته والألم والخوف من الرحيل.ويمكن تصنيف
الشخصيات في هذه النمذجة التالية:
• شخصيات استعمارية عدائية( المعمرون الفرنسيون...)؛
• شخصيات دينية عدائية( اليهود...)؛
• شخصيات وطنية( أب العربي باطما....)؛
• شخصيات تربوية( المعلم، المدير....)؛
• شخصيات شطارية( أصدقاء الكاتب والنشالون والمشردون والصعالكة....)؛
• شخصيات عائلية( الأم- الأخ- الأب...)؛
• شخصيات فنية وأدبية وصحفية؛
• شخصيات تنتمي إلى عالم الصحة( الأطباء، الممرضون، الأساتذة الأطباء...)؛
• شخصيات أجنبية( أصدقاؤه الفرنسيون وصديقاته الأجنبيات...).
وفضائيا، ينتقل العربي باطما داخل أفضية داخلية وخارجية، وأفضية منغلقة
ومنفتحة، وأفضية حميمية وعدائية. وينتقل خارجيا مع فرقة المسرح البلدي من المغرب إلى فرنسا لعرض الفرجات المسرحية، وتنتهي العروض بفشل الإقبال وقلة الزاد وتشتت أعضاء الرفقة واغتناء المدير الصارم القاسي على حساب الآخرين؛ مما جعل العربي باطما يستعجل العودة إلى المغرب لاستئناف مسيرة الفن والعطاء عبر تدشين فرقة ناس الغيوان. لتبدأ تجربة الآلام والاستعداد للرحيل عبر أفضية
عدائية( المستشفيات والعيادات الخاصة بالرباط والدار البيضاء).

4- البنية السردية والخطابية:

تستند الرواية في بنائها إلى خلخلة النسيج الزمني الكرونولوجي وترجيح كفة الاسترجاع (فلاش باك) إلى غاية 1948؛ لإعادة مراحل الولادة والطفولة والتعلم والمراهقة والصعلكة الشطارية والشهرة الفنية حتى سنة 1993م، مرحلة الصراع مع الألم والرحيل سنة 1997م.
ولقد اعتمد الكاتب في الانتقال من زمن إلى آخر على التلخيص والإيجاز والحذف الزمني، وفي بعض الأحيان يختار الوقفة والمشاهد الدرامية. أما زمن الكتابة فهو زمن التسعينيات(1997م) بالنسبة لكتابة الألم، وسنة 1995م بالنسبة لكتابة الرحيل. أما زمن القصة، فيمتد من 1948 إلى غاية 1997م، أي فترة رحيل الفنان المبدع.
وعلى مستوى المنظور، نلاحظ الرؤية المصاحبة هي المهيمنة على المتن الحكائي للسيرة الذاتية لوجود ضمير المتكلم وتطابق الأصوات واسترجاع المحكي الماضوي عبر التبئير الداخلي.
وإذا انتقلنا إلى الصيغة، فنلاحظ الأسلوب غير المباشر والمناجاة الداخلية(الدعاء) والحوار، وإن كان السرد أكثر حضورا من الخطاب المعروض. ولقد وظف الكاتب كذلك الزجل والأدعية وأسلوب المشاهد المسرحية واللقطات السينمائية وطريقة التقطيع والمونتاج على غرار الرواية الجديدة ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى تأثر العربي باطما بالفن الدرامي والتشكيل والسينما.
أما لغته فهي واضحة وفصيحة وبسيطة تمزج بين اللغة الراقية والدارجة العامية إلى جانب توظيف اللغة الأجنبية( الفرنسية). ويميل أسلوبه إلى التقرير والتعيين المرجعي الموضوعي أكثر مما يميل إلى الإيحاء والإنشائية التخييلية. لأن الكاتب يكتب سيرة واقعية صريحة ومؤلمة قوامها الموضوعية والصدق والاعتراف بمواطن الخطإ والنجاح. إن الكاتب جريء وصريح في البوح بأخطائه وذكر سلبياته ومواطن ضعفه وخوفه، وفي نفس الوقت يذكر مظاهر نجاحه وشهرته وعطاءاته الإبداعية في مجال الفنون.

خاتمـــة:

إن "الرحيل" و"الألم" سيرة روائية شطارية مركبة ومتكاملة تصور حياة الفنان والمبدع المغربي العربي باطما في صراعه مع ذاته وواقعه وألم السرطان. وهذه السيرة تقرير عن الواقع المغربي في مخلفاته السلبية ،وتفاوتاته الطبقية المدقعة، وإدانة للمجتمع السائد ودعوة إلى بناء واقع ممكن إيجابي تسود فيه العدالة والحرية واحترام حقوق الإنسان والحفاظ على كرامته. وتعد هذه السيرة كذلك تسجيلا أمينا لحياة بعض مبدعينا وفنانينا الذين عاشوا ومازالوا يعيشون على هامش المجتمع بين أنياب الفقر والطرد والصعلكة والحياة البوهيمية الشطارية ليفرضوا أنفسهم في الواقع بكل قوة على الرغم من أنفة السادة وكبريائهم المتغطرس.
وعليه، لو بقي العربي باطما حيا لكان من كبار القصاصين والروائيين المغاربة ، والدليل على ذلك هذه السيرة الثنائية التي جهرت بالحقيقة الصادقة والمعاناة الأليمة والتي جسدت الصراع الإنساني ضد الألم والورم الخبيث الذي أصبح اليوم يهدد الإنسان في كل أصقاع العالم. وما أشد حاجة البشرية إلى علاج ناجع للقضاء على السرطان نهائيا بعد أن حصد الملايين من الأرواح بدون رأفة ولا رحمة، والقضاء كذلك بكل صرامة ومسؤولية على كل المخدرات بشتى أنواعها التي تسبب هذا الداء الخطير.!

التصوف وحوار الحضارات

التفاصيل
كتب بواسطة: ابراهيم الوراق
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 28 سبتمبر 2001
الزيارات: 8

التصوف وحوار الحضارات

ابراهيم الوراق

ما لابد منه:
إنني سأدلي بدلوي في هذا الموضوع الشائك من وجهة صوفية، وسأحاول أن أقف وقفات مع مجموعة من قضايا الحوار الديني والحضاري والثقافي فيما بين مكونات الثقافة الإسلامية وغيرها، وسأبين كثيرا من المواقف الرائعة التي تؤكد قيمة وجود هذه القيم الكبرى عند الصوفية الذين يعتبرون في تقدير البعض سكانا من الدرجة الثانية، أو أقليات تعيش على هامش الأحداث المتأججة في عالمنا المعاصر، والسبب الكامن من وراء هذا، أنني نظرت بعين قلبي إلى أهيل الدين، فوجدت تفاوتا فيما بين النص المؤسس، وراهنية الحال، فتذكرت أنني مطالب باستكشاف السر المغروس في تفاصيل التجربة، فشمرت عن ساق البحث حتى تعرفت على ما وراء الأكمة، وحينها حصل المراد، وظهر القصد، ثم عن لي أن أخاطب نفسي بحديث الروح، ووحي العقل، فخاطبتها بلغة لا تجيد سواها، وإشارات لا تقوم الدلالة بالبيان مقامها، لكنها وإن شاغبت بالتطاول، فالحياة قد أحيت فروع الكلام بداخلها، وأهاجت كل إحساس يرنوا مني إلى غيرها، وأنبتت في قلبي ورودا بدت لغيري ذابلة، وأزهارا ترمقها عيون العجلى يابسة، وأنا أعاينها لحظة من لطف الله الخفي، وحين تمددت الأفكار في المقالين الأولين(جذور التصوف، وأهمية التصوف)، هام مني القصد إلى أن أبين وجهة نظر صوفية في أمر تعجلته الأقلام بالكتابة، وتواترته الأفواه بالأحدوثة، وتناولته بالكلام حتى عد من مواضيع الساعة. والله المقصود.

بارقة:
إن العالم يعيش صراعا محتدما فيما بين القوى القوية المتدافعة على الاستيلاء والهيمنة العالمية، وبين القوى الضعيفة التي تريد الإبقاء على خصوصياتها وهوياتها المحلية، والتاريخ المؤسس اليوم، يشهد عراكا حادا بين ثقافات مستبدة تستغل التطور العلمي لفرض سيطرتها، وبين ثقافات إقليمية لم يكتب لها أن تهب من رقدتها، وأن تنفض غبار العجز والكساد عنها، وهذا الصراع المحتد فيما بين الشرق والغرب، أو فيما بين الإسلام والغرب، أو فيما بين الهلال والصليب، أو فيما الكنيسة والمسجد، هو جزء من تاريخ متعفن يرخي بظلاله على أفئدة كثير من صاغة الفكر والسياسة لدى الإتجاهات التي تريد إطالة ذيل هذا التحارب فيما بين الحضارات والثقافات والديانات إلى أمد لا يعرف نهايته إلا من يريد من هنا أومن هناك مستمرا ليكون وسيلة للقهر والاستلاب والاستعباد، ومنطلقا لتوسيع الفجوات فيما بين شعوب الأرض التواقة إلى عالم يسوده الأمن والاستقرار.
ولأمر ما، ومنذ زمان يضرب في عمق التاريخ بجذوره، تخوض أمة الإسلام غمار هذا الصراع، فأراضيها كانت مسرحا لكبرى الأحداث التي حصلت تحت مجهر الرأي العالمي، وسكانها كانوا حلبة لتجريب أنواع كثيرة من الأسلحة المدمرة للكون والإنسان، وخيراتها كانت مرمى نظر كثير من الظرفاء الذين أرادوا أن يعلموها كيفية إنفاقها، وطريقة التصرف فيها، ووسائل الحفاظ عليها، وهذا الوضع بمأساويته يدل على فساد الضمائر والقلوب، وينذر بشؤم يؤلم شجاه كل فضيل، يريد أن يرى الكون مراحا تتسامى في الإنسانية عن الأطماع الخسيسة، والأغراض الدنيئة، وتتعالى فيه عن كثير من الأسئلة التي تهز أذهان الفضلاء من أبناء هذه الأمة، وهم يتساءلون عن موقعهم الحقيقي في هذا الوجود، ويبحثون لأنفسهم عن منطلق يستوحون منه موقفهم، ويؤسسون عليه نظرهم، ويستبصرون به طريقهم، فهل الصراع سيمتد فيما بين الحضارات مع قيام الحجة عقلا ودينا وواقعا على وجوب تجاوزه؟؟ أم لا بد من مواصلة النداء للتحاور والتشارك والتفاعل فيما بين الأمم ؟؟
إن حضارة اليوم تحركت من دائرة النفع، وإزالة الضرر، إلى حضارة مدمرة تلوث الإنسان، وتهدم الكون، وتنسف القيم، وتبني الأحقاد، وتؤسس للكره، والإنسانية في مستقبلها على ضوء هذه المعطيات، ستعيش كارثة هوجاء، وزلزالا عنيفا، يعصف بقيمها، ويقضي على حياتها، وهذا ما يهدد الكون، وسيجعل مآله الدمار والخراب، ونهايته العبثية والفوضى، والذي يدرس أدبيات العنف المستشري هنا وهناك، ويرى نزوة التسابق المجنون نحو التسلح، ويلمس هوة التفاوت الطبقي فيما بين مكونات المجتمعات، سيدرك لا محالة هذه المساحة التي تقف حاجزا فيما بين الإنسان، ووسائل إنتاج السعادة في هذا الكوكب المتشاكس، وسيلحظ إخفاق كل المنظومات التي يطبل لها قديما وحديثا- سواء كانت دينية أو سياسية أو فكرية أو ثقافية - عن إيجاد نعيم آمن للإنسان الموجود في وجوده بطموح العيش الكريم، ورغبة في الحياة الوديعة، وسيجد عجزها عن تلافي الضرر المحدق، والكارثة المرتقبة.
ومن باب استشعار المسئولية، قد قامت دعوات صارخة في الغرب والشرق، تنادي بالوقوف في طريق هذا الطوفان المهدد للوجود البشري، وتطالب بتجاوز هذا الخطر الزاحف على كيان المجتمعات الإنسانية، وترافع بدعوى السعاية لبناء مستقبل زاهر للكيانات البشرية، وهذه وجدت لها بعض الآذان الصاغية، وصادفت أروحا معذبة تبحث عن تخليص المجتمعات من الزحف الأسود، فالصراع ليس من مصاديق القضاء والقدر، ولا مفردة من مفردات الجبرية والقدرية، بل هو صناعة بشرية خالصة أنتجتها أيد أثيمة تنظر إلى الكون نظرة مختزلة تجزيئية لا ترى فيه إلا المصالح والمنافع، ولا تؤمن فيه إلا بما يدر عليها أوهامها، ويحقق لها نرسجيتها، ويجعلها مسيطرة على غيرها.
لكن بعض المفكرين يذهبون إلى عدم وجود صراع فيما بين الغرب والإسلام، لكون المسلمين لا يملكون حضارة تعاكس حضارة الغرب، ولا يتوفرون على مؤهلات مادية وأدبية لمنازلة قيم الآخر، لكنهم يذهبون إلى أن الشرق مظلوم مهضوم، وأن الغرب معاد مهاجم، فالغرب في تقديرهم لم يقبل أن يرى من المسلمين ما تبقى من أثر في حضارتهم التي سادت وإلى القرن السابع عشر، فهذا الرأي وإن كان فيه من الصواب ما فيه، فإنه لا ينفي الصراع ولا يرفعه، ولا يحاول أن يمهد له، ولا أن يحميه، فالأزمة قائمة، والصدام موجود، وإن اختلفت التقديرات لذلك والقراءات، والزمن كشاف، وأهل البصيرة يسعون لتطويق الأزمة لا لتركيبها.

بحث الدلالات:
التصوف:
قيل عنه:غيبة الخلق في شهود الحق
لم أرتب هذه الدلالات ترتيبها في العنوان، لأنني أردت أن أعرف التصوف أولا، ثم الحضارة، ثم أستفيض في الحوار لكثرة ما يحتاج إلى ذكره فيه.
إنني لا أعني بالتصوف إلا ذلك المستبطن الروحاني الموجود في الإنسان، وهو يتشكل واقعا في تجربة تصطدم مع الوجود في تدافع مستمر، لتحقيق الذات وجودَها، وترسيخ حضورها، وإظهار كونها لطفا إلهيا في الزمان والمكان، وجوهرا ساميا يحلق إلى مستوى عال يجعلها نسمة من فيضه المتلألئ في الكون عدما ووجودا، ونفحة موضوعة لتحقيق المحو في المطلق بصحو حاضر في ماهية الوجود عبادة وطاعة، وفي الحضرة الإلهية فناء وسكرا، فيكون التصوف في محصلته، تلك العاطفة الدينية في بهائها ونقائها، وتلك المعاني في جمالها وكمالها، وهي تكتشف ذلك البعد المتعالي في الإنسان، وتمهد الطريق للمريد دليلا لأن يصل إلى إنسان كامل يتمتع بلذة المشاهدة لهذا الكون على ما هو عليه واقعا لا خيالا، ولأن يعيش لحظة التوهج في ذاته وحياته وهولا يرى سوى الله في حركاته وسكناته، أو هو، تلك التجربة الفردانية في الغالب، أو الجماعية المتكونة من هذا اللقاء، فيما بين الإنسان وربه، وفيما بين الإنسان وكونه، وفيما بين الإنسان وحياته بجميع علاقاتها وارتباطاتها وتفاصيلها.

الحضارات:
فالحضارة هي الكلمة العربية المقابلة للكلمة الإنجليزية civilization.و الحضارة من حضر، حضورا ، وحضارة، بمعنى الإقامة في الحضر كما قال أبو الطيب:
حسن الحضارة مجلوب بتطرية.....وفي البداوة حسن غير مجلوب.

وتعني أيضا، الحضور والوجود والتميز، وتشاكل المدنية في المعنى، وعند البعض تشترك في الدلالة مع الثقافة، وهي مرحلة من مراحل التكوين البشري، وطفرة في النشاط الإنساني، الذي يحصل من خلاله التطور الفعلي على مستويات عدة، ونواح كثيرة، وهي نتيجة لتفاعل الإنسان مع الكون والحياة، بغض النظر عن بعض الخصوصيات التي تخصه، والتباين الذي ينتجه الاختلاف في العقيدة والدين، وهي تتكون من شقين، مادي ومعنوي، فالمادي ما نلمسه من عمران وصناعات وتقنيات وفنون وعلوم ومعارف وقوانين وأعراف، والمعنوي يمثل النوازع العقدية، والدوافع القيمية التي كانت من وراء صناعة هذه الحضارة، فالعقائد والأخلاق والسلوك كلما اقتربت من المعايير العلمية والمنطقية، صارت أقرب من المدنية التي هي مرادف الحضارة عند البعض، وإذا أنتجت التصحر والعقم المعرفي، كانت بداوة ورجعية وتخلفا، فالحضارة نتاج إنساني يعبر عن وحدة المنشأ، وتكامل الأدوار، وهي متداخلة فيما بينها، ومتكاملة في حلقاتها، لا يلغي اللاحق منها السابق، ولا يميت البعض منها الآخر، وإن تباعدت الأقطار، وتفاوتت الأزمان.

الحوار:
لن أعرف الحوار بتعريفه اللغوي، وإنما سأعرج على مصاديق الحوار الذي ندعوا إليه، ونؤمن به، ونؤسس له.

أبجديات
إن الإسلام أكد على ضرورة سلوك منهج الحوار، في مجموعة من القضايا المصيرية التي تتعلق بالعقيدة والشريعة، ووطد لهذا المبدأ الذي يعتبر ركيزة أساسية لبناء المؤسسات الحياتية بمبادئه وسلوكياته القائمة على معيار العقل والمنطق، ومبادئ النظرة الكلية للكون، وقيم النزعة الذاتية التحررية، ولا ضرر في اعتماد الحوار وسيلة في أهم الأمور الفكرية تعقيدا، لأن الإسلام أراد أن يفتح الطريق أمام العقول الواعية، لتقرر الأدلة على المعرفة الجازمة التي تنفي كل تقليد يؤدي إلى التبعية العمياء للآبائية، أوالإستيلاب للأنظمة التي جعلت نفسها وساطة فيما بين الإنسان والمطلق، فالإيمان بالحوار في أقدس مبادئه، يعني انتفاء أسباب الصراع، وعدم وجود مغذيات النزاع، والحوار لا ينتج سلوكا مستقيما في الفرد والجماعة مادام المحاور لا يستشعر بأن الآخرين إخوة له في الإنسانية، يتعايش معهم على أساس قائم على التوحد في المشتركات الأساسية للحياة، ويتوافق معهم فيما يضمن المصلحة الكبرى للبلاد والعباد، ومادام الحوار يؤدي إلى تحقيق هذه المقاصد فإنه حوار جاد، و إلا، كانت الدعوة إليه وسيلة لدغدغة المشاعر، وتليين الأجواء، وتبليد الأحاسيس النافرة، و المصلحون قد سلكوا هذا المنهج في فض الخلافات التي تشتعل مرة بعد مرة، وختم النزاعات التي تؤدي إلى تعارك يعطل عمل الحياة، ويجعل الأرض عرضة للضياع.
والحوار لا يتم في ظروف ملغمة يعتز فيها كل طرف بموقفه، ويعتد بآرائه، ويعتقد الكمال في توجهاته، ويحزم باليقين في مقولاته، فلا يمكن تحقق أخلاقيات الحوار، كما يقول بعض المفكرين، لدى من تهيمن عليهم نزعة التشكيك والسفسطة، أو أولئك الذين يتخيلون أنهم يحتكرون الحقيقة، بل يتجلى الحوار بمظهره الرائع الخفي.... لدى أولئك الذين يضعون أيديهم في أيدي بني الإنسان كافة، ويواكبون الآخر الإنساني، ويرافقونه في طي تلك الطريق....وما عساه أن يحصل من إخفاق في مسيرة الحوار، أو شلل في نتائجه، فمن عدم ضبط الآليات التي تساعد في تصويب الرأي، وتسديد القصد.

أزمة الصراع:
إن الصراع ليس من قيم الحضارات، بل هو بداوة تجتاح العقل، وتخترق محيط الإنسان حين يفكر في حدود أرضية تفقده صوابيته في استلهام مبادئ الحياة، وجهوزيته ليكون دليلا على الخير لا على الشر، ويترتب عن هذا صراع الإرادات والأوهام والقوى، أما الحضارات القائمة على مبدأ التعامل والتبادل، فإنها تتفاعل فيما بينها لصالح البشرية، وتتحدى الحواجز الواقفة في طريق الحياة الفضلى، حيث يسعد فيها الإنسان بحركته الوجودية بدون عنف ولا إكراه، فلا بد مبدأ من التنقيص من قيمة كل ما يسبب العنف والغلو داخل منظومتنا الفكرية، والقضاء على كل المسببات التي تعطل السلم الاجتماعي، والتشارك المتبادل، وهذا خير ما يقدمه المفكرون والمثقفون لربط جسور الحوار فيما بينهم ومع الآخرين، بعيدا عن التشنجات التي تنشئها العصبيات المؤسسة على احتقار السوى ونقصهم، والمظهرة للإنسان المسلم في عين الغرب وحشا كاسرا لا يملك أحد إيقافه، وعبدا مشئوما لا يبالي إلا بالأوامر المحبوكة بيد من لا يرعى حريات الناس، ولا يسلم بقيم الإخاء وحسن الجوار، ولا يسعى لربط علاقات التعاون والتوادد مع الآخر، إن الحقيقة التي نؤمن بها كإلهيين وصوفيين، أننا نرى بعض هذه الحوارات أنتجت مناخا معتدلا للتعامل المشترك، والتعاون المتبادل، وكان من غرسها ما جنته أمتنا من سلم وهناء، وبعضها كان سيئا للغاية، ذبحت فيه الكرامة البشرية على مسالخ التاريخ، وفنيت فيه الأمم بواسطة الحروب والدمار الأهوج، فكان سببا لمآس يطول لهيبها وإلى أمد غير محدود، فالتصادم فيما بين الديانات، بله الحضارات أو الثقافات، لا يعني عند العقلاء إلا الظلمة والوحشة، ولا يفسر إلا خبث الطوية، وسوء النية، ولا يقوي في حقيقة الأمر إلا طرفا على طرف بنية ابتلاعه واستعباده وإضعافه وتفقيره حتى يكون تابعا له. فالصراع فيما بين المجموعات البشرية، نوع من البدائية الفكرية، التي تعلن يُبس روْح العقول، وموت الضمير الجمعي القائم على مبدأ التعامل وقف المصلحة المشتركة الضامنة للاستقرار والحياة الآمنة.
قد ينشأ هذه الصراعات فيما بين الأفراد، لتمتد أفقيا وعموديا من قبل صناع الخلاف، حتى تشمل الدين الذي ينتمي إليه الإنسان، والحضارة التي تراكمت جهودها عبر مراحل من تاريخه، والتاريخ الذي هو جزء من كيانه، وهذا ما يجعل الإنسان بدون مشيئة منه يعيش جوقة الصراع التي تنميها مبادئ التعارك على مصالح تعود على أفراد أو أنظمة بالنفع، وتؤوب عليهم بالخيرات والمسرات....
فالحوار الذي نستهدفه هو الذي يطرح القضايا الكبرى أساسا للحوار، ويضع المشتركات محلا للتوافق والانسجام، ويترك الخصوصيات للاعتداد الشخصي والجماعي، فليحصل التحاور في صناعة تاريخ مشترك يعطي لكل واحد حق ممارسة قناعاته وقف عقد مسبق يربط فيما بين الأطراف، وميثاق يسمح بالخصوصيات والمحليات.

القرآن والحوار:
إن القرآن الكريم بأحكامه المجملة والتفصيلية يؤسس لمبدأ التنوع والتعدد، ويمهد السبل للاعتراف بالغير، وهذا ما يلمسه كل دارس للكتاب الحكيم، ويعلمه كل من يرى الحوار آلة يطرحها القرآن لإثبات العقائد، ووسيلة لاستكشاف الرأي الآخر، وطريقة للتعامل في إطار يعطي إمكانية قبول النتائج، وفرضية الوصول إلى قاسم مشترك بين الجميع، سواء كانت النتيجة انتزاعا للحقيقة، أم اعترافا بها، أم إنكارا لها، والقرآن قد جعل هذا التعدد الذي نطمح إليه في عالم اليوم آية من آيات الله الدالة على خلقه، وسمة على عظيم صنعه، فقال تعالى: ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إنّ في ذلك لآيات للعالمين، فتنوع الألسن والألوان، يجعل الصوفي يستحضر وحدة الأصل التي تجعل الناس سواسية وإن اختلفت معتقداتهم، وتعددت مشاربهم، فالعبرة بالجوهر لا بالعرض، والقيمة بالأصل لا بالفرع.
والحوار في القرآن يشذب الطريق للإنسان من نقط صغيرة ثم يرتقي بالإنسان ليشمل بنية ذاته، فيستفسرها عن شكوك في معتقده، ويسألها عن غوامض المجهول في عالم الغيب، ويتصاعد الحوار بشكل ملفت ليستغرق كل المواضيع التي تتركب منها حياة الإنسان. فالإيمان بالتعدد الجنسي، والاختلاف الطبيعي، ضرورة بشرية، وحتمية وجودية، ودلالة صامتة تعطي العقل موقفا صحيحا في التعامل مع الآخر، وتمكن من وجود المشترك الإيجابي فيما بين الناس، وتسمح بقيام مناخ للتعايش السلمي المرتكز على منابذة التطرف والعنف، ولا غروفي ذلك، فالحوار يعتبر الدواء الناجع لإنهاء الأزمات، وإيقاف النزاعات، وليس مراما لتكريسها، ولا منالا لتمديد آجالها، وهذه النظرة المتفائلة، رغم ما فيها من يوتوبيا، تبقى هدفا نبيلا، وحلما زاهرا جميلا، يراود من يسعى إلى دحض لغة العنف والتصادم، وينحو غاية ردم الفجوات فيما بين الحضارات والفرقاء الدينيين والسياسيين.
والحوار بهذا الملحظ، قيمة جمالية تدعوا إليها الفطر السليمة التي تحقق ذاتها في ذات الجميع، وتكسب حريتها في تقدير الآخرين، وهو نوع من الديمقراطية التي تهدف إليها الشعوب لتحرير نفسها من الاستعمار والديكتاتورية، وتثبيت مركزها في هذا الوجود بقيمتها الاعتبارية، وتدعيم حركتها في السعي من أجل تنوير دروب الحياة بفضليات الأخلاق والشيم، فلكل حق في اختيار دينه، ولكل حق في انتخاب عقيدته، ولكل حق في ممارسة خصوصياته، ولكل حق في أن يتساوى مع غيره في الحقوق والواجبات، ولكل حق في سلوك السبيل الذي يسعده، وهذا لا تجسده إلا أدبيات القرآن التي تتجلى في التصوف بما فيها من سمو في الفكر، وإنسانية في القصد.

آليات:
أذكر هنا بعض الآليات التي يمكن العثور عليها في أي كتاب يمنهج للحوار فيما بين الحضارات، وأكتفي بإيراد ثلاث قضايا،
أولا: إن المحاور الذي يريد أن يتحرى الحقيقة لا يعتبر سواه إلا أخاً له في الإنسانية، وشريكا له في الحياة، يريد أن يوصل إليه خطابا سواء كان إلهيا أم بشريا، أو يحاول أن يغرس فيه سلوكا معينا بتوسط رمز يكون رسالة كلامية أو غيرها تستوحي منه موقفا ذهنيا، ونظرا وظيفيا، فالحوار الإيجابي هو الذي ينظر فيه أساسا إلى ما يمليه المحاور من أفكار، وما ينتج عنه من سلوكات، لا إلى الذات التي هي عبارة عن مختلفات تكوينية يمكن اعتبارها مصيبة أو مخطئة، فخطأه لا يسبب احتقاره وامتهانه، وصوابه لا يفقده عقله واتزانه، و الخطأ لا يعطي الفرصة للفريقين، في أن يزدري أحدهما بالآخر، أو أن ينتقص من إنسانيته، ولو أدرك صواب ما يقول، أو جمالية ما يظهر من سلوك.

ثانيا: أن يحكم على الإنسان بما عنده، لا بما عند الآخرين عليه من أفكار، حتى لا يتحول الحوار إلى تكرار للدعايات التي لا تستند إلى أدلة عقلية، ولا تقف على قناعات شخصية، فيتوهم المحاور بأنه بلغ البغية من الرأي، ونال النجعة من القصد، وهو لا يعي جلية الأمر، ولا يستوعب خلفيات القضية، وإنما يردد ما صار بالخوض فيه حقيقة كاملة، وإن كان محض افتراء وتلفيق وخدعة، فنتحرى الحقائق من قبل أهلها لا من غيرهم، ونستعمل العقل في إثباتها أو في نفيها، و إلا كان حوارا دوغمائيا صوريا لا يساعد على تبيان الحق، وإبراز الواقع. فالهدف الأسمى عندنا هو الحقيقة، بغض النظر عن مصدرها ومنبعها، والحقيقة نستوحيها من جوهرها لا من الأعراض الخارجية التي تكتنفها بتأثير معين، والذي ينفع في ترتيب نتائج الحوار، أن تستند كل الآليات المعرفية والنظرية إلى أبجديات المنطق، وأحكام العقل، وأن يكون الحوار تداواليا فيما بين المتصارعين والمتحاورين من أجل تأسيس حضارة عالمية يساهم فيها الكل، وإن لم يكن الحوار بهذا المنطلق والغاية، فليكن حوارا لإبراز الروابط التي تؤدي إلى توازن المصالح والقوى.

ثالثا: أن يكون الهدف من الحوار تزيين محيط القلوب بباقات من ورود المحبة، وتجميل فضاء الحياة بسلام يجعلنا ننسى بؤس الأيام علينا، ونَحيبَ الزمان الذي يِخب من ركام الأحداث، فليس الهدف منه تشكيكا للآخر في عقيدته، ولا تنقيصا لدينه، ولا عجن توليفة من العقائد، وتلفيق دين من طراز جديد، بل الهدف أن نُوجد مناخا معتدلا، وطقسا هادئا، ومرفأ للتعامل المشترك، والتفاعل المتبادل، والغايةُ أن يكون كل واحد منا راضيا بما يعمل، مقتنعا بما يعتقد، وأن يبرز كل واحد منا دور دينه وعقيدته في سلوكه وحياته، فيَظهر للعالم أجمعَ أثرُ دينه عليه منهجا وتفكيرا، إننا مطالبون تكليفا باحترام الإنسان فطرة وسلوكا، وتقديره مبدأ وغاية، وملزمون أمانة بأن تسود قيم التعاون والتشارك علاقات الناس خدمة للأرض التي استخلف فيها الإنسان ليعمرها من أجل بقاء نوعه، واستمرار جنسه. وهب أننا تحاورنا مع غيرنا، أو تناظرنا على قواعد الجدل، ثم حصل من الآخر رفض لبعض المواقف التي تجعل الحوار متيسرا، أو فرض لرأي لا يدفع بحركة الحوار إلى الأمام، فإن ذلك لا يدفع بنا شرعا ولا عقلا إلى الاحتقار والإقصاء، بل لا يمكننا من نكران وجوده، ودوره في الحياة، ولا يوغر صدورنا عليه حقدا، فنسعى إلى تدمير كل ما له علاقة به، و كسر كل حاجز ينقض عليه نسيج حياته، ويعطل القوة التي تربطه بالوجود تفاعلا ومشاركة، فالحوار الذي ينبني على تصديقات سابقة، أو أحكام قبلية، أو يطرح دينا، ويفرض واقعا لا يثمر مشروعا يحتوي الأمة، ويوقف مشاعر الحقد والضغينة. فهل الحوار وسيلة لتقريب الرؤى؟؟ أم لفرض قيم معينة؟؟.
فمن الواجب أن يكون التحاور قانونا فطريا طبيعيا في المجتمعات المؤسسة على التعدد والتنوع، لا تشريعا وقتيا تمليه الظروف المتكررة، وتفرضه الوقائع التي تعترض واقع الحياة، وإنما هو ُروح طيبة تُبرز القوة، وملكة جميلة تُظهر الشهامة، وموقف إيجابي يستبطن الكرامة، وليس ضعفا يؤدي إلى الإستقواء على الآخر، أو دجلا إعلاميا نشوه به قيم التواصل الإنساني، والتعايش السلمي، أو نفاقا سياسيا نتوسل بها لاحتلال الأراضي، وإهانة الشعوب، والسيطرة على الأمم.
والحوار لا يستطيعه كل موجود، والتعايش المتبادل لا يطيقه كل مخلوق، فلا بد من أناس أكفاء أقوياء، يحترمون الناس، ويقدرون الآراء، ويتعاملون بدون خلفيات، وهذا لا يتجسد إلا في الصوفية، ولا يتحقق إلا في هذه الفئات، على ما بينها من وشائج وروابط، فهي القادرة على تجسير العلاقة فيما بين الديانات و الحضارات والثقافات.

الصوفية والحوار:
أولا: أنظار صوفية،
نحاول هنا أن نبحث حفريا ضمن الثقافة الصوفية العملية لتحديد أنظارهم إلى مجموعة من القضايا، الوجود، الإنسان، وسأفرد للنفس مقالا خاصا.

1)نظرهم إلى الوجود:

إن نظر الصوفي إلى الوجود لا تتحكم فيه آليات معرفية، أو معطيات موضوعية، وإنما تتحكم فيه نزعة روحية تتأسس على الذوق والكشف الذي يستشرفه الإنسان بواسطة السير الروحي الذي يسمى عند البعض بطريق المجاهدة، أو بوسيلة السير في الملكوت الأعلى الذي يسمى بالمعراج الروحي، فالصوفي المتحرر من العلائق المرتبطة بالعالم الخارجي، والملتصقة بالعالم المادي، يتجاوز القراءات المسندة بالتحليل المنطقي، والإدراك الحسي، إلى رؤية فاحصة تستخبر الحقائق، وتستظهر المعرفة اليقينية للوجود، وهذه المعرفة هي التي تبدد لدى الصوفي كل ارتباط يوحي بالوقوف مع الوجود، وتجعله على مشارف غيره من الفلاسفة الذين يؤمنون بأن الوجود خيال بلا ظل، يقول أحدهم:
الله قل، وذر الوجود وما حوى ......إن كنت مرتادا بلوغ كمالِ
فالكون دون الله -إن حققتـه-.....عدم على التفصيل والإجـمال
من لا وجود لذاته من ذاتــه...... فوجوده لولاه عين محـــال
والعارفون فنوا به لم يشهـدوا....... شيئا سوى المتكبر المتعالي
ورأوا سواه على الحقيقة هالكا..... في الحال والماضي والاستقبال

ويعرف أبو عمر والدمشقي التصوف بأنه " رؤية الكون بعين النقص بل غض الطرف عن كل ناقص" ( السلمي 1953ص 278) ويقول الجنيد:
وجودي أن أغيب عن الوجود.... بما يبدو علي من الشهود
فالوجود عند الصوفية بحر يمر عليه الصوفي ليصل إلى المطلق الكامل الذي لا يعتريه النقص، وهو الحق سبحانه وتعالى، فكل ما في الوجود يدل عليه لا هو، والمقصود هو لا سواه.
فالصوفية لا ينظرون إلى الحياة على أنها قائمة بذاتها، ولا يرونها تستحق صفة الأزلية التي لا تكون إلا لله، بل يتجاوزن حاجز ظواهر الأشياء، إلى رؤية شاملة تتكل على الإحساس الباطني، وتستند إلى الذوق الوجداني، وهذا لا يحصل للصوفية إلا عن طريق المجاهدة التي تتيح أحوالا تحصل لهم في مقام الفناء الذي يغيب فيه الصوفي عن ذاته، ويفنى فيه عن وجوده، وقد يحاول أحدهم أن يفصح عليه برموز لا تفيد رسمه، وإشارات لا تفهم معناه، وأقرب أقوالهم فيه، قول الجنيد: "أن تكون مع الله بلا علاقة" وقول الشبلي:"الصوفي منقطع عن الخلق متصل بالحق"ويعنون به الوجود الحق، أو النفس الكلية، أو العقل الفعال، الذي كان آدم من أبرز مظاهره وجودا، وأعظمهم أثرا، لما ذكره مسلم في صحيحه، خلق الله آدم على صورته، أو كما في سفر التكوين، إن الله خلق العالم على صورته.

والاتصال بالمطلق الذي هو الوحدة الكلية يتم عند الصوفي عبر سلسلة من المقامات التي تمنحه تصورا حقيقيا عن الحياة، وتجعله يشعر بأن الكون سديم لا قيمة له، وأن الحياة فيه عدم لا وجود له، وهذا ما يسميه البعض إتحادا، وهو عين الشهود، ويترتب عن هذه المعرفة للحياة رغم كونها نظرا فلسفيا، أن الصوفي لا يعتقد الوجود الحقيقي إلا لله عز وجل، وما سواه فخيال وسراب لا حقيقة له، وأن العلاقة فيما بينه وبين والوجود مبتورة، فالوجود الظاهر للعيان في نظره ظل للقيومية النافذة في كل حادث، ونفحة من نسيم التجلي القائم في كل لمحات الكون، والإنسان ذرة تائهة تسري في الكون، تبحث في الزمان والمكان عن بقائها جوهرا خالصا يبحث عن الحقيقة المطلقة التي لا ينتهي الروح إلى أشواقها فيها إلا بالزوال والاضمحلال، وهذا التصور يعطي للصوفية مجالا للتحاور والتقارب والتعايش، ويشبعه بنظرة أخرى ترى الوجود مظهرا للجمال والكمال الإلهي.

والصوفي رغم توحده مع غايته، فإنه يرى الكون بما فيه من كائنات محلا للعطاء الذي يركز في قيمه ،الجمعية البشرية، فهو يتعامل مع الناس من هذا المنطلق البعيد عن النيات الضيقة التي تفوت عليه الاشتراك في جذع البشرية، وتمنعه من أن يكون مساهما في بناء الحضارة، ولله در الصوفية فقد ضربوا المثل الفذ في التعامل مع الغير، سواء كان جمادا، أو حيوانا، أو بشرا، وتصورهم هذا نابع من تشرعهم بالشريعة التي جاءت نصوص فيها تؤكد قيمة الإحسان إلى المخلوقات كلهم، وغايتهم من وراء الفعل أن تظهر ملامح جمال الله في الوجود على أيديهم بإراداتها الممنوحة فضلا أزليا، فمراعاة الشريعة في حدودها المتاخمة للحقيقة لكبد الحيوان، وترتيب الخلد عليه في النعيم، فتح الباب للعطف على كل ذي معدة رطبة، وبطن مكشوفة لا تجد لها رواء التمتع بالطعام، و ذات لا تلبس جميل اللباس صيفا ومشتى، ويتعدى الإحسان نقطة العطاء في حدودها الأدنى إلى مستويات كبرى يظهر فيها الصوفي بكماله وجماله.

2) نظرهم إلى الإنسان:
إن الصوفية يرون الإنسان مظهرا لتجليات الله، فهو كيهل ينتهي إلى عالم كن الأزلية، وجوهر موضوع في عالم الملك، وجزء من المطلق المودع في الوجود، فروحه التي نفخت فيه من عالم القدرة الإلهية، وذاته بتفاعلاتها تجسد إدارة الله وقدرته النافذة فيه.
فالصوفية لا ينظرون إلى أحواله التي يتلبس بها من صلاح وفساد، وإنما ينظرون إلى ما وراء غشائه، ويتشوفون إلى حقيقة ظرفه، فإن كان قريبا من درك الحقيقة، نال ألطاف الله، وإن لم تشمله العناية ارتكس في وحل الأثيمة، وولغ في دم الخطيئة، والإنسان مركب من الخير والشر، مزودج في أحواله المتعددة، وهذا التصديق ) وإن كان الحد الأدنى من الرؤية الصوفية) يرفع الصوفي إلى مستوى يستشرف فيه ذلك المخطئ بعين رحيمة، وينظر إليه بقلب جميل، إكبارا لإنسانيته، وتقديرا لآدميته، واحتراما لأحكام الله التي لا يأمن مكرها، ولا يتعالى عن حقيقتها، فقد يعتريه سوء نية، أو يتداوله خبث قصد، فيحوله إلى أثيم، وقد يعاكس الحظ غير هذا الصوفي فتكون عاقبته الرضوان. والصوفي رغم يقينه في ألطاف الحق، فإنه يرى الإنسان والكون والحياة صيرورة قائمة لغرض يريده الله عز وجل، فهو المريد فيها بما يريد، والقاهر لحركاتها بما يشاء، فكل تدبيراته وتصرفاته محبوبة للصوفي ولو كان فيها زوال الذات وفناؤها.
والصوفي يحب الناس جميعا على اختلاف وظيفتهم في الوجود، وتعدد طبقاتهم ومراكزهم في السلاليم الاجتماعية، وتنوع مواقعهم في قانون الأمر والنهي الإلهي، فهو يكره العمل السيء الظاهر من الإنسان إن وجد محلا للكره في قلبه، ولكنه لا يكره لطفة الذات التي تتلو تجليات أسماء الله، فقلبه وتر للحب، ونغم ندي للود، وذاته مشتل تنمو منها ورود الإخاء، وشجرة تتفرع فيها غصون الصفاء، فلا الطبيعة بألوانها الزاهية، ولا الكون بأنغامه الجميلة، ينسيه أن كل طرفة يطرفها، أو كل ومضة يتوهجها، للحق فيها حضور، وللذات فيها وجود، فوجودها في حياته، وموقعها في وجوده، تجزم له بأن الله موجود في كل شيء، وموجود قبله وبعده.
والصوفي يرى الإنسان حرا في إرادته، طليقا في تصرفاته، لا وصاية لمؤسسة عليه، ولا تحجير لنخبة على عقله، فهو المختار المريد، والمدبر الحاكم للعالم، فالحرية جبلة للإنسان في فطرته، وقانون أزلي في وجوده، وهي سببا أولى طلبات الخلق، وقصارى جهدهم في الوجود، ومراد الله لا يعترض عليه من هو له حبا ورضا، ولا يتعسف عليه من يعد الكون قدرا في كينونة كن الإلهية، فهو مساو للقضاء حقيقة ما لم يقم واجب شرعي آخر في طريقه يطالبه باللجاجة والخصام، أو ما لم تتعارض الحقوق والواجبات فيما بين الأفراد، فتكون الكلمة كما يريدها الله إيجادا وتصريفا، لا كما يريدها غيره هوى ورأيا.
والصوفي يحسن الظن بالمخلوقات، فلا يشغل بالَه خفاءُ سرهم، ولا يتأمل برؤية الكمال حالهم، ولا يعتقد خلوهم من الزلل، ولايجزم بطهارتهم من الخطل، فهم تحت سياط القضاء والقدر، فما أراه الله عليهم من منة فهو منه لا منهم، وما رآه من شر فهو منهم لا منه، فهم محل للإرادة المطلقة القائمة بالتدبير والتصريف في هذا الكون، والناس شركاء في مجموعة من القيم التي تحدد وجودهم المادي والمعنوي، وتضبط سلوكهم ونظرتهم في المستوى الأدنى إلى الأعلى للأشياء، ومن هذه القيم الوطن والدين والراعي، وهذه المجموعة من المثل تحسب في مناط الشرع والحقيقة جامعة للتوحد، ومناطا لتحقق التفاعل، فالوطن للناس جميعا، والدين قناعة فردية، والراعي نائب عن الإرادة المطلقة، والعلاقة فيما بينها وبين الإنسان قائمة بالمحل، لكن حرية اختيار ما يراه الإنسان مناسبا من الدين، لا تتنافى مع الخضوع للقيم العامة التي تعارف عليها الناس دينا ونظاما، ما دامت تحقق النظام، وتنشر الأمن، وهذا سبب لظهور ترسانة من القواعد التي تضبط الحياة العامة، وتحدد الحقائق الكبرى للوجود البشري.

النظرة إلى الآخر:
وقد أمرنا الكريم سبحانه وتعالى وهو الحريص على حياة الجميع، والموجد للوجود البشري، بأن لا نعاملهم بفظاظة وغلظة، وأن لا نجادلهم بما يثير التنابذ والعداء، ويدفع بهم إلى البغضاء، وإن لا نتعدى المعاملة الحسنة معهم، فإن دعوناهم فبالتي هي أحسن، فإن فعلنا كان ذاك مدعاة لهدايتهم، وأنسب في تسديدهم، و إلا تركناهم لحالهم، وودعناهم لسبيلهم...فإن أرادوا ما نحن فيه فذلك خير يؤول إليهم، وإن لم يريدوا، فذمتهم مصانة، وحقوقهم مستحقة، وحسابهم بين يدي رب البرية، والصوفية يرون الآخرين ممن هم أهل كتاب أحظى بالتعامل، وأقرب إلى التواصل، لأن الجذع المشترك للدين يجمعهم جميعا، فالدين كله لله، ومن الله، والإسلام لم يأت ليقصي ويلغي، بل جاء موصيا بأن يكون تعاملنا معهم موجها لغاية تربية الفضائل، وغرس المثل العليا، وزرع الفضائل والأخلاق الحسنة، وهذا سر في ظهور فقه أهل الذمة والمستأمنين، وحدوث مصطلحات دار الحرب ودار السلم، وغير ذالك من الأدبيات التي تضمن للآخر كرامته وهيبته، وتحقق له وجوده وكيانه، وتجعله مهاب الجناب، سليل الفضل، يقول الحق سبحانه:
«لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين» «الممتحنة - 8». فالتصوف لا يسعى لاختلاف الناس، ولا يدعوا إلى إحداث النعرات الجاهلة، ولا يجاري أهواء من يرون الغير بنظرة شزرى.


أساسيات لتفعيل حوار الحضارات:
أولا:
إن مما يدعوا إلى حوار الحضارات، ما نراه دراسة في الفكر الغربي من سمو ورقي، وما نلمسه من قيم حول الإنسان والكون، والعلاقة فيما بينهما، والعلاقة فيما بينهما أيضا والحياة، وهو مأخوذ من التصوف الإسلامي باعتراف أساطين الفكر فيهم، بل الأغرب من هذا في التصور، أن العولمة التي أرادت بعض الدوائر الغربية فرضها على شعوب الكون بالقوة، هي من المقولات الصوفية التي تؤمن بقيمة الإنسان في هذا الكون، ومركزيته في الوجود، يقول خاتمي: فالعرفاء المسلمون، يعتقدون أن الإنسان يمثل عالما في حد ذاته، فأصله ومحوريته لا تقوم على أساس فرديته أو جماعيته، بل ذلك يستند إلى كونه المخاطب الوحيد بالنداء المقدس ومن خلال الخطاب هذا تتسامى روحه، ومن ثم يتحول إلى فضاء يزخر بالعدل والإنسانية.
فالتصوف من القيم الحضارية التي تعطي للإنسان معرفة بما يدور حوله، وفهما لكل المظاهر والتشكلات الوجودية والميتافيزيقية، فالحرية مثلا التي تنص عليها العهود والمواثيق الدولية، وتحسب أظهر وجه للديمقراطية، والليبرالية، والعولمة، من المقولات التي لا نجدها متجسدة بصدق إلا في التصوف، فالصوفي يعبر عن حاله بأنه مملوك غير مالك، فهو عبد لسيده ومولاه، وواقف عند مراده أمرا ونهيا، فهذه هي الحرية الحقيقية التي تبحث عنها الإنسانية في يومها هذا، وهي حرية تتأسس على احترام الآخر، وتتشوف إلى معرفة خصوصياته، وهذه جمالية تبعد الصوفية عن مصادرة إرادات الآخرين وإلغائها، وتشكل المجتمع على أساس التراحم والمصافاة، وتعلك الصوفية كيف يتعاملون مع الصوفية مع بدون خلفيات عدائية لا تكاد تخلو منها أدبيات التعامل اليوم من الطرفين.
 
ثانيا:
إن لباس الرهبان في الأديرة يكاد يشبه ما يلبسه الدراويش والمتفقرة والزهاد، وهذا مما أدى بالبعض إلى أن يقول بوجود تأثر فيما بين الصوفية والمسيحية، وأصارهم يعتقدون أن التصوف نتاج دخيل على المنظومة الإسلامية، فمن الخطأ أن لا نعتقد بوجود التلاقح والتكامل فيما بين الحضارات والديانات والثقافات، لكن من الغبن للتصوف، أن نعتبر اللاحق جزءا من السابق، لأنه يوحي بضعف تركيبة اللاحق، ويفيد طردا أن السابق لا يملك أجهزة مناعة لحماية نفسه، فالتصوف ولو لم يقع هذا التقابل فيما بين الحضارة الإسلامية وغيرها، فإنه مشترك بشري يحمل نزعة روحية، وميولا فردانية، وهذا مقتبس من كل الديانات والفلسفات، وليس فيه انتهاج لمنهج سابق، ولا اقتفاء لأثر ماض، فالحضارات تتفاعل فيما بينها وتتعاون، ووجود مشتركات فيها لا يجعل القول بالتأثير مقبولا، ولا يخول مساحة للإنكار على التصوف وغيره في تعايشه مع الآخر في إطار المشترك الإنساني، فتوهم الحضارات الأخرى وافدا غريبا، واعتبار قيم الغير شرا مستطيرا، هو الذي يفسر كثيرا من الخوف الذي نراه اليوم في كثير المسلمين من الحضارة الغربية، وهو خوف غير مبرر، بل هو جزء من نيران الصراع الذي نشب فيما بيننا وبين الغرب، فلم الخوف إذا كان ديننا قادرا على المقاومة والمقارعة؟؟ ولم الخوف إذا كنا متماسكين في بنيتنا النفسية والاجتماعية والثقافية؟؟
إن الذين يرون مركب الدين متينا، يؤمنون بأنه قادر على أن يتفاعل مع غيره، أما الذين يرونه هزيلا مخترقا، فإنهم يبكون ويندبون، وهجيراهم تعكير المجالس بمثيل هذا الكلام، والدندنة به في المحافل، وكأنهم لا يشعرون بأن الكامل لا يخاف عليه!!!
فمن العجب أن تجد كُتابا حبرت لهم المطابع بضعة أوراق، وزخرفت لهم جملة صفحات، يتهمون التصوف بأنه قلعة رهيبة يحتمي من وراءها كل موتور يريد المساس بالدين والخلق، وحصن يتترس به أعداء الحضارة الإسلامية للتبشير بسموم فكرية تجعل الناس عبيدا للحضارات الأخرى، وهذا معتقد لا ينبني على دراسة مستوعبة لمفردات التصوف، ولا يعتمد إلا على آراء توجد في كل تراث تقادم تاريخ نشأته، وتناسى الناس ظروف تمثله في الوجود، فما يراه هؤلاء تأثرا لا يعدو أن يكون سموا فكريا يشترك فيه كل واحد نال حظه من المجاهدة والمراقبة وفق منهج يهتم برياضة النفس وتهذيب الطباع.

ثالثا:
إن التصوف خصوصا الفلسفي نشأ في مدارس الأندلس ( وبلاد الغرب الإسلامي) التي كانت مكانا يحتضن الديانات السماوية كلها، خصوصا الإسلام والمسيحية، ويضم مجموعة من الفلاسفة الذين عاشوا تجربة التلاقي على وحدة القيم الإنسانية، وعاينوا ببصيرتهم الترابط الذي يؤكد البعد الوجودي للإنسان في هذه الثقافات المتشبعة بروح الخصوصية، ويعطي للحياة مقاييس تنبني على السلم والتعايش الفطري، فالغرب لم يتعرف على هذا البعد الكوني في الإنسان إلا بواسطة التصوف، ولم تتكون لديه فكرة عن الوجود إلا بدارسة الفلسفة التي أنتجها متصوفة مسلمون، ومن هنا انبثقت هذه الرؤية التي تسود اليوم كثيرا من دعاة الحوار فيما بين الثقافات والحضارات والديانات، سواء كانوا صوفية أو غيرهم ممن يستعملون هذا الهدف استعمالا إنسانيا، أو ممن يدجنون به الأجواء، ويعقمون به التاريخ، فالرؤية الموحدة للعالم هي ميراث صوفي لا تملكه هذه التوجهات الأخرى التي تحوم حول حواشي الفكر الشوفيني، ولا تنظر إلى الآخر بهذه النظرة الكلية للكون والإنسان، ومن سوء الحظ أن الصوفية الذين عبدوا الطريق للوصول إلى الآخر، وأعطوا نظريات في التعامل كانت نواة للعولمة، سلطت عليهم ألسنة في القديم والحديث، تتهمهم بالزندقة والإلحاد، وتهيأ المناخ لفقهاء الأوراق أن يمارسوا عليهم الإرهاب الفكري والتهويش الكلامي، والتعتيم الذي قد غيب جزءا كبيرا من الحقيقة عن الغوغائيين الذين تحركهم الإشاعات الكاذبة، والدعايات المغرضة، بل الأدهى أن عموم المثقفين ممن يرون التصوف شقشقات وسفسطات، أو عقائد فوقية تتسم بالميثولوجية ، تأثروا بهذه الفرى الماكرة، ونسوا أن التصوف كان ثورة على الفساد، ومنعرجا متساميا يدعوا إلى قيم جديدة تنادي بإعادة تشكيل الإنسان وقف منهج إنساني يُعتبر فيه الإنسان محورا ومرتكزا أساسيا في الكون، وغاب عن هؤلاء أيضا أن هذا السمو الفكري يرى الحقيقة واحدة أزلية أبدية مطلقة لا تكثر فيها ولا تعدد، فالديانات السماوية في نظر الصوفية، منبعها واحد، والإيمان بالله موجود في كل الديانات على اختلاف في حقيقته، والأنبياء أبناء تعلات، وأماكن العبادة على اختلافها محترمة، والعقائد لا تؤسس على الإكراه، و الإنسان في هذا الوجود ليس إلا مظهرا للتجلي والفيض الإلهي، والتعامل مع الغير قانون إلهي لا يعدوا الاحترام والتقدير، فأين هذا من المقولات التي تبثها الحركات الراديكالية من تنفير وتشويه، وما تقذفه من حمم العداء المطلق على الآخرين، فهل استطاع هذا الفهم البشري المتشدد للدين أن يحتوي أزمة الصراع فيما بيننا والغرب؟؟ أم هذه الأفهام كرست الكثير من القيم عند الآخر حين قابل بلطجتنا في حماية المعتقد، وعنفنا من الخوف عليه، بحرب ضروس؟؟ فالذين وصموا الإسلام بسبة أخطاء هؤلاء، خفي عنهم أن الإسلام بريء من هذه النظرة الأحادية التي لا تعبر عن مسلك الأمة ومنهجها في التفكير، فالآخر لا نعاديه لكونه غير مسلم، وإنما ننابذه لعدائه وتجاوزه الخطوط الحمراء في التعامل معنا، ومن الأخطار التي سببتها هذه النظرة لدى الآخر، ما نراه من ردة فعل نعدها طبيعية في موارد يستهدف فيها الفكر الديني المتشدد إحدى المواقع التي تأوي أناسا يعيشون في أوطانهم، ويمشون في أرضهم، ويتمعون بخيراتهم التي هي ميراثهم من هذا الكوكب الشاسع، ونراها طيشا سياسيا، وشيطنة فكرية في مواطن يستباح فيها الدم الإنساني تحت إعلانات مشوهة تصور الخيال حقيقة، والباطل حقا، وهذا التحريف موفور في كثير من حلقات التاريخ، فالفريقان إما ظالم أو مظلوم، لكن من اللعب بالمشاعر، أن ننتظر ممن نسب ليل نهار، وممن نشوه صباح مساء، وممن نعادي حسا ومعنى، أن يركع لنا ويهلل، إنه عبث في الفكر، وخلل في العقل، أن نظن أن فعلنا سينعكس إيجابيا علينا، فلم نعامل غيرنا بما لا نحب أن يعاملونا به؟؟ ولم لا ننتظر حروبا صليبية، أو حروبا على مسمى الإرهاب، ونحن لا نقبل الآخر أن يساكننا في هذا الوجود، ولا أن يعيش حرا كريما في هذه الحياة؟؟

إن هذا الكلام ليس طافيا لا يستند إلى أدلة، ولا يقف على براهين، ومن صاغته الأوهام، فلنتأمل نتاج الحركات الإسلامية في فترات سبقت أحداث إحدى عشر شتنبر، ولننظر إلى إبداعاتها الفكرية لنرى مقولات تنسج عقولا فارغة تخبطها التخرصات الجاهلة، وتبنيها الأحلام المجنونة، أحلام الثأر والانتقام، وأوهام القتل والاندحار، فهزيمة الحضارة الغربية في مواقعها، والاستئثار بأراضيها وممتلكاتها، والنكاية بأهلها وتاريخها، كان مسارا من الأوهام التي دجنت كثيرا من شعوبنا، ودوخت أطفالا وشبابا يرددونها صدى مع اللحظة الهاربة، ونغما مع أنغام النخوة الضائعة، والفحولة العربية!!!! فالشعوب العربية صارت لا شعوريا أو شعوريا قنابل حاقدة على الغرب، وعلى ولاة الأمور من الحكام المتطبعين مع الآخر، بل هناك من يرى ما وصل إليه الغرب من ديمقراطية نوعا من المساحيق التي يختبئ من وراءها هذا المارد، ويخالها قناعا يخفي من خلفه أنيابا تعشق الدم المسلم، وتحن إلى هدر كرامته، وهناك من يسم الغرب بميسم الكفر، ويوصمه بالنفاق، والكافر لا يجوز التعامل معه، والمنافق لا يحترم ولا يكرم.
إن المخزي في تفكيرنا أن نرى في أمتنا من يتمتع بقتل جندي، أو نسف سيارة، أو حرق مبنى، أو تفجير سوق، فتجد المقاهي مكتظة لرؤية الثأر الذي تقدمه الفضائيات لهؤلاء المنكوبين باطنيا، فهل سيثمر هذا جهودا كريمة للدفع بالحوار إلى الأمام؟؟ إنني لا أظن التاريخ الذي نبنيه سيقدم خدمة مباركة للأمة، سيما إذا صادف تعنتا من قبل اليمين المتطرف الذي ينتعش داخل الكنيسة الكاثوليكية، أو جابهه الساسة الذين يتمرغون في أوحال أوهام الخلاص.
وقد أعجبني خطيب مصقع، وواعظ مفوه!!!يدعوا الله رب العزة والجلال في نهاية كل خطبة جمعة، أن يجعل نساء الغرب غنيمة للمسلمين، وأسلابهم نفلا للمستضعفين، ولا أدري أهل هذا الخطيب وغيره من يدعوا بهذا الدعاء على منابر أوربا يعلم أن الحضارة الغربية لم توجد من عدم، وأن تاريخ المجد والبطولة لا يهدى؟؟؟ فلننم قريري العين، ولنسعد بأحلامنا الوردية، ولنأمل مع فحيح الطقس هزيمته النكداء، ولننتظر مع إشراقة كل صباح تدهور الأوضاع في الغرب،ثم بعد هذا الأمل سنفرح بحصة من هذه الكعكة.!!!
إن الذي يريد أن يدارس الغرب بقيم الإسلام، يجب أن يعرفهم بقيم التصوف التي كانت معرفتها سببا لإسلام كثير من عظمائهم وكبرائهم في التاريخ، وليخبرهم بأن الديانات السماوية تكاد تتفق على معطيات كبيرة، بغض النظر عن جزئيات لا ترقى إلى مستوى الإيمان بالمشترك، أفلا يدعوا هذا إلى سلوك طريق الحوار بدل التنابذ والتحارب...؟؟

إن الصوفية لم يؤمنوا بهذه المبادئ نظريا فقط، بل سددوها في وجودهم، كما يعرف كل من ألم بتاريخ التصوف، فقد انسجم المسلمون مع غيرهم من المسيحيين واليهود انسجاما ينفي الخصوصية، ويجعل مبنى العلاقات مؤسسا على الحب والإخاء، وقد أسست جماعات تضم أتباع الديانات للتأمل وتبادل الآراء، والتحاور فيما بينها والاستفادة، كما حفظ كثير من أتباع الديانات القرآن الكريم، وتعرفوا على اللغة العربية نحوا وصرفا وبلاغة، ودرسوا الإسلام خصوصا التصوف لينفتحوا على المسلمين، وليتعرفوا على غيرهم، وكانت هذه العلاقة في بعض البلدان متوطدة إلى حدود قريبة من الزمن، وذلك قبل ظهور هذه الزمر المتطرفة التي تعشت بقمامات من التراث، ثم تنَحت لتحاكم الناس بما يراه الغرب حربا عليه حضارة ودينا، واستفزازا لقيمه وسلوكياته، وسادت بعد هذا موجة الخوف من شيء اسمه الأصولية، والتطرف، والإرهاب، لتطمر هذه الصدامات تاريخا جسد فيه الصوفية حقيقة المسلم المتعايش مع الغير على مجموعة من المشتركات التي يتأسس منها هرم المجتمع، فالصوفية لاينكرون قيمة العبادة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى عن أهل الكتاب، وقد ذكرهم الحق بالخشوع والبكاء من خشيته والخوف من بطشه، و لا يرون حرجا تشريعيا في أكل ذبائحهم، والمصاهرة معهم، على خلاف بعض المتشرعة، وإن كانت علاقة النسب من أربط الوسائل التي يلتحم بها المجتمع، لأن الصوفية يؤمنون بحرية الآخرين، ويقبلون التشكل والتعدد، فلا يرون كمال الإنسان في عقيدته العمياء التي لا تنبني على لطف إلهي، وموقف شخصي، ولا يعتدون بعقيدة تمارس فيها وسائل الإكراه والقهر، بل التصوف الإسلامي المنتظم من نظام الشريعة، يحترم قيم العدالة مع كل البشر على اختلاف ألوانهم وعقائدهم، ويصون حقوق الإنسان بما فيها حقه في الحياة، والدين، بخلاف الإسلام الحركي الذي لا يقر بحق الآخر في الوجود، ويحاول أن يستأصله إن لم يكن في مركبته، ويسعى لتقزيم دوره وحركيته، وهذا النظر السطحي المغالى فيه، كان سببا في تشويه الإسلام، واتهامه بتهم تلفق عليه من قبل من لا يبحثون عن سعادة المجتمعات.

رابعا:
قال أفلاطون: الجمال هو بهاء الحق.
إنني وأنا أبحث عن الوسائل التي تدعم الحوار فيما بين الحضارات والديانات، وجدت لهذه الموسيقى الروحية التي تتفاعل معها النفوس، وتنشي بها الأرواح، دورا قيما في تعبيد السبل للتحاور مع الآخرين.
فالتصوف تجربة فردانية تعتمد الذوق والوجدان للوصول إلى المطلق، والموسيقى كما قال برجسون، عين ميتافيزيقية تملك مقدرة صوفية هائلة على الاتحاد مع موضوعها، أو السيمفونية السديدة، التي قد تكون نسخة ميتافيزيقة كاملة للوجود كما قال شنبهور، والصوفي يسعى للإندغام في المطلق عبر شبكة من التصورات، والموسيقي مؤهل أكثر من غيره كما قال كارل يونج ليكون أداة في يد قوة غيبية عليا، والتصوف مدرسة لتعلم الأخلاق الموصلة إلى زوال الذات أمام الأمر الرباني المطلق، و الموسيقى تعد وسيلة متقدمة، ورسالة سامية للتقارب مع الغير في عالم متشاحن منزوع الإخاء، مفصول العلاقات، و قد اعتمدها الصوفية في التواصل مع الآخرين، والتفاعل مع الغير، سواء كانت مقرونة بالآلات والأوزان والمقامات وهو قليل على اختلاف فيما بين المجيزين والمانعين، أو كانت أصواتا ناغمة بالمديح والسماع والإنشاد الذي لا يخفى تأثيره على الأرواح، وأثره في النفوس، أو كانت حركات راقصة بإيقاعات متناسقة مع ألحان الموسيقى أو السماع المعبرة عن الوجد أو التواجد أو الأحوال التي تعتري المريد حين تلامس أنوار الحضرة ذاته، وقد أجاز بعض الفقهاء كلا النوعين (الموسيقى بالآلات وبدونها)لاستدراج الوجدان والطبائع البشرية إلى باريها، قال أبو علي اليوسي:ولا شك أن استجلاب النفوس بمساعدة طبعها، أهدى لتقريب نفعها...وهذا دور مهيأ للموسيقى التي تسمى اليوم (الموسيقى الروحية)، والتي كانت ولا تزال وسيلة لالتقاء الديانات والحضارات على خشبة واحدة، ، سواء في الأندلس قديما، أو في فاس حديثا.
بل كانت مجالس المديح والسماع تعقد في بلاطات السلاطين والأمراء، وتحضرها الرعية على اختلاف مستوياتها الاجتماعية، وتباين خلفياتها الدينية، وكانت سببا لهذا التمازح الذي حصل فيما بين طبقات المجتمع، ومكونات الشعب، والانسجام فيما بينها وبين الراعي والنظام القائم، وهذه المواليد والحفلات مازالت وإلى يومنا هذا تقام في الأضرحة والمواسم والمناسبات الدينية على مستويات عليا ودنيا لتعبر عن مقدرة التصوف على اجتياز المتاريس التي وضعت في طريق الإخوة الإنسانية، واستطاعته أن يخلق جوا عاما تسيطر عليه الكرامة البشرية.
إن الاهتمام بالروحانيات التي تهبها دائرة التصوف، هو الفردوس المفقود عند كثير من الغربيين والمتغربين عن مغرب الروح من الشرقيين، فمشاكل العالم لا فكاك لها بدون الرجوع إلى هذه الروحانيات التي تسعى لتحرير الإنسان، وتعطي للحياة معنى ومدلولا إنسانيا، وتفسر مجموعة من الاستفسارات الباطنية المختمرة وجدانيا، وقد يعد هذا رافد من روافد ظهور مجموعات كثيرة في الغرب تهتم بالدراسات الروحية، بل مؤشرا حقيقيا لبروز مجموعات تؤوب إلى عالم الروحانيات بشكل ماض في التقدم فرارا من ضغطة الحضارة وانتكاساتها، ولا غرابة إذا رأينا أشعار ابن الرومي من أكثر الأشعار قراءة في الغرب خصوصا أمريكا، ولا عجب إذا وجدنا الكثير ممن قدم على الإسلام في الغرب جاء من قناة التصوف، ولا غرو إذا كانت الموسيقى بتأثيرها الباطني مشتركا تنسى فيه الذوات المتواجدة لذة التمايل مع المطلق، فالتصوف تعبير عن حقيقة الدين، و تعريف بجوهره المتسامي، وبديل عن المنظومات الفكرية والفلسفية التي أخفقت بسبب قصورها في نظرتها إلى الكون و الإنسان، وأوشكت على الانهيار بما تداعى فيها من قيم وأخلاق، و الغد القادم بإشراقه البهي سيكون بقدرة الله للتصوف الذي يعيش غيبة صغرى بسبب الثورة العارمة للوهابية على العقائد الخرافية!!! التي أفاضت طوفان الحقد والعداء للتصوف وللفرق والملل، وقسمت الأرض تقسيما عقديا وإيديولوجيا، وحرمت الأسفار إلى الغرب للتعلم والعمل، واعتبرت الطوائف التي تتعامل مع الغير خائنة وعميلة، واحتقرت بذلك كل التراكمات المعرفية التي أنتجها الإنسان.

خامسا، التصوف والتأويل:
إن التصوف جاء موازيا لحركة التأويل التي ظهرت مع النصوص الدينية، والتي تشاكلها حركة الجمود على النص، وهذا المنحى قد أثار حرارة فيما بين الفريقين يندفعان في بعض الأحيان ويتوازنان في البعض الآخر، لكن الحركة الصوفية كانت تستعمل التأويل بالرمز والإشارة لتخرج من متاحف النصوص التي لا تؤدي وظيفتها المنطقية والدينية، ولا تقوم بدورها في تكوين إرادة الفعل المسئول عند الإنسان، فالتصوف جاء على مستويات متفاوتة، يعطي الإنسان هذه القدرة على التهرب من الأسئلة المقلقة التي تعيق سير الحركة المجتمعية، وتجعل كثيرا من الطابوهات تعيش في سراديب الخفاء.
من المتملصين من المواجهة المباشرة للاعتراضات المنثورة على بساط الحوار والنقاش الذهني.
والتصوف بهذا المنحى، يعد أولا، قنطرة تخلص بواسطتها كثير من النبلاء من ضغط المؤسسة الدينية التي كانت تعتبر نفسها السلطة الوصية على الدين، والمسئولة عن جميع آليات المجتمع، وثانيا، وسيلة للتهرب من النقاش الحاد فيما بين التيارات المتعارضة على بساط النقاش، وثالثا، مظهرا من مظاهر التحرر والإنعتاق الذي ظهر في فترات كثيرة من تاريخ التصوف، ولا ريب أن هذه العلاقة الفوقية فيما بين الوساطة والمتوسط لهم، والمتجلية في تأطير النص في حدود بشرية تخدم المصلحة الذاتية أو الجماعية، قد حولت الدين عند كثير ممن عاشوا التجربة إلى مادة إلزامية تلغي ذات الفرد، وتجعله مهانا أمام خياراته الحقيقية التي تمليها عليه قيمه المعرفية والمعنوية، وهذا ما أنشأ مجتمعا مدججا بالنفاق يتوسل فيه العلماء والعباد إلى المؤسسة الحاكمة في تاريخنا القديم، أو إلى الشعوب بفتاوى أو توجيهات تستغل في خدمة الرغبات والأطماع الشخصية، فالتعبير الصوفي عن إرجاع القدرة والإرادة والتدبير المطلق إلى الله، يلغي سلطة الحاكم القائم بدون سند إلهي وشرعي، ويعطي للعقل وهجة تجعله يبحث عن الحقيقة في ذاته، وينطلق في نظرته إلى الأشياء من الذات في جمال صفائها، والتصوف بهذا المعطى تمرد على الواسطة فيما بين العابد والمعبود، وفيما بين الخالق والمخلوق، تسعى لتحطيم قيود المكان والزمان والاختلاف وصولا إلا الاتحاد التام بينهما، ويعبر الجنيد عن هذه العلاقة: أن تكون مع الله بلا علاقة. فإثبات المعية مع نفي العلاقة تعبير صارخ عن رفض مفاهيم: الوساطة والاختلاف والمسافة والشعائرية في الاتصال بالإله وتلك سمات وثيقة بالأديان السماوية يعبر عنها التصوف في أرقى معانيها.

سادساً:
إن أعظم نص يجسد حقيقة حوار الحضارات عند الصوفية، ما قاله الشيخ الأكبر،ابن عربي:
لقد صار قلبي قابلا كل صــورة.... فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طـائف... وألواح توراة ومصـحف قـرآن
أدين بدين الحب أنى توجـهت....ركائبه فالحب ديني وإيماني.

إن أبيات ابن عربي تربط بين الحب ووحدة الأديان، وتدعوا إلى التوادد فيما بين الناس على اختلاف عقائدهم، فأصل الديانات واحد، وما يقع من خلاف فيما بينها، فحاصل في الأمور العرضية لا في الأصل والجوهر. فأبن عربي يذهب إلى الحد الذي يصور فيه قلبه مجالاً يستوعب كل الأديان والمعتقدات بحثاً عن الكمال، كما أنه يدعو إلى التسامح مع كل الأديان، لأن جميعها قد نبع من الله، وهو واحد إلا انه يتجسد في كل عصر على لسان نبي من الأنبياء، بلغة وأعراف خاصة، تتماشى مع الواقع والفهم، فالأديان منبعها سماوي وجوهرها واحد، وهدفها متحد، ومادام الحق واحدا في ذاته، فلا يمكن أن يصدر عنه الشيء ونقيضه، ومادام المصير واحدا فلا يهم أن تتعدد الطرق وأن تختلف وسائل التعبير والتبليغ، وهذا الحب الذي عبر عنه ابن عربي هو دستور الصوفية، وكتابهم المقدس، وسيرة حياتهم، كما قال ابن الفارض:
وعن مذهبي في الحب مالي مذهب.... وإن ملت يوما عنه فارقت ملتى
فما أحوجنا في يومنا إلى هذه الأفكار, وما أفقرنا إلى من يتحدث عن نظرية الحب في الثقافات الإنسانية، ويرسي معالم التسامح بما يخدم البشرية جمعاء، ويساعدها على الخلاص من الفتن والقلاقل والحروب والتناحرات العنصرية.

سابعاً:
إن الصوفية الفلاسفة أخذوا من الفلسفة، إن لم نقل أنتجوها، فابن سينا حرر الفلسفة اليونانية وأضاف إليها ما يهذبها، وآخى بين العلم والإيمان، وجعل الإيمان فطرة إلهية تتوخى للإنسان حين شفافية روحه. يقول: يوجد رجال ذو طبيعة طاهرة اكتسبت نفوسهم بالطهر وبتعلقها بقوانين العالم العقلي، لذا هم ينالون الإلهام ويوحي إليهم العقل‏المؤثر في سائر الشؤون، ويوجد غيرهم لا حاجة لهم إلى الدرس‏للاتصال بالعقل المؤثر; لا نهم يعلمون كل شي‏ء بدون واسطة. هؤلاء هم أصحاب العقل المقدس، وهذا العقل لمن السمو بحيث لا يمكن ‏لكل البشر أن ينالهم منه نصيب...وهذا القول صريح في ا نه يقصد بأصحاب العقل المقدس الأنبياء الذين يحظون بالوحي الرباني كما انه اعتراف منه بأصل كبير من أصول الأديان » ويقول الفيلسوف صدر الدين: « واعلم أن أساطين الحكمة المعتبرة عند طائفة ثمانية: ثلاثة من‏المليين ثالس وأنكسيمانس وأغاثاذيمون، ومن اليونانيين خمسة‏، أنباذقلس وفيثاغورث وسقراط وأفلاطون وأرسطو قدس‏الله‏ نفوسهم، وأشركنا الله في صالح دعائهم وبركتهم، فلقد أشرقت أنوار الحكمة في العالم بسببهم، وانتشرت العلوم الربوبية في القلوب ‏بسعيهم، وكل هؤلاء كانوا حكماء زهادا عبادا متألهين معرضين عن‏الدنيا مقبلين على الآخرة، فهؤلاء يسمون بالحكمة المطلقة، ثم‏لم‏ يسم أحد بعده هؤلاء حكيما، بل كل واحد منهم ينسب إلى‏صناعة كبقراط الطبيب وغيره » وهذا يؤكد التشارك الذي زاوج بين الفلسفة اليونانية والفلسفة الإسلامية التي يعد التصوف قسما منها، والذي درس الفلسفة الغربية سيرى مدى تأثرها بالتصوف الإسلامي، بالفلسفة الإسلامية خصوصا ما أنتجه الفلاسفة المتصوفون، وسيكتشف الجوانب المضيئة التي منحها التصوف إياها، فابن رشد درست كتبه في الغرب وما زالت، ودانتي تأثر بابن عربي تأثرا بليغا، وجوته الشاعر الألماني كان مناغيا التصوف الإسلامي في مجموعة من قصائده، وهناك مجموعة كبيرة من فلاسفة الغرب كبيرجسون، ونيتشه، وغيرهما يمكن لنا أن نعدهم صوفية بالمعنى الحديث، فالبحث عن الحقيقة، والنقاش في الإنسان الكامل، مواضيع مبحوثة في الفلسفة الغربية الحديثة، وهي من رصيد التصوف الإسلامي، ونظرية الإنسان الكمال هي مشترك آخر فيما بين الديانات والفلسفات القديمة والحديثة، وهنا تلتقي الديانات مع التصوف في وحدة جامعة تسمى صناعة الإنسان الكامل.

وأخيرا، أتمنى أن تزول العقول المكدرة بالوهم عن طريق الحوار ليتم التشارك والتفاعل والمساهمة في بناء مستقبل زاهر تسعد فيه الإنسانية برعاية حق ربها عليها، وماذلك على ربنا بعزيز.

 

قراءة في كتاب (الشعرية العربية) لأدنويس

التفاصيل
كتب بواسطة: د. جميل الحمداوي
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 28 سبتمبر 2001
الزيارات: 10

 قراءة في كتاب (الشعرية العربية) لأدونيس 

الدكتور جميل حمداوي

 أهدي هذا المقال المتواضع إلى الشاعر المغربي المتميز الكبير والمقتدر علي  العلوي الذي ظلمته في مقاربتي النقدية الطائشة المتعجلة الجاهلة المنشورة في  عدة مواقع رقمية، والتي من خلالها تعلمت من الشاعر درسا لن أنساه في حياتي،  وأعترف أمام الجميع بأنني ظلمته ولم أوف حقه تقصيرا وجهلا مني. لذلك أعترف  بذنبي، والمعترف به كالتائب منه.
 يعد أدونيس من أهم شعراء الحداثة في أدبنا العربي الحديث والمعاصر بكتاباته  الموغلة في التجريد والترميز والغرابة والغموض، كما يعتبر من أهم نقاد العرب  المحدثين الذين قاربوا الثقافة العربية الكلاسيكية والحديثة والمعاصرة من  خلال منظور رؤيوي حداثي متميز بالفرادة والأصالة وروح الاجتهاد . ومن أهم  دراساته الأدبية والنقدية القيمة كتابه" الشعرية العربية". إذاً، ماهي  القضايا التي يطرحها الكتاب؟ وماهي خصائص الكتاب المنهجية والفنية  والأسلوبية؟ وماهي قيمة الكتاب في الساحة الثقافية والنقدية العربية؟ هذه هي  الأسئلة التي سوف نكشف عنها القناع في موضوعنا هذا.
 
 1- من هو أدونيس؟
 
 أدونيس هو علي أحمد سعيد من مواليد سوريا سنة 1930م، شاعر وناقد ومسرحي ومترجم وأستاذ جامعي بجامعة بيروت اللبنانية. ساهم بمواقفه ودراساته في تثوير  الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة و محاولة تغييرها جذريا بكتاباته الحداثية  المتجددة والمتمردة عن الثوابت الكلاسيكية المعروفة. كما وضع اللبنات الأولى  لقصيدة النثر وتأسيس مجلات حداثية مثل: (شعر وآفاق ومواقف) التي أثرت تجربة  الشعر التفعيلي والكتابة النقدية الحداثية بمناهجها البنيوية والسيميائية  والتفكيكية. وصارت مجلة شعر التي كانت تصدر في لبنان منذ الخمسينيات(1957)
 منبرا لكل ماهو جديد ومتحول وحداثي. ولم يكن أدونيس ناقدا وفيلسوفا فقط، بل  كان شاعرا ثوريا في مجال الكتابة الشعرية التي أصبحت عنده صياغة فنية جمالية تقترب من الهدم والاختلاف والإبهام والغموض تمتح من التصوف والرمزية والفلسفة  الروحية والارتكان إلى الصورة الرؤيا والتغني بحضارة الموت والانبعاث. وتنبني  ثقافته على الفلسفة والتصوف والإبداع الشعري والمسرحي والكتابة النقدية والترجمة.
ومن أهم أعمال أدونيس نذكر دواوينه الشعرية:دليلة، وقالت الأرض،ومجنون بين الموتى(مسرحية شعرية)،وقصائد أولى، وأوراق في الريح،وكتاب التحولات والهجرة  في أقاليم النهار والليل،وديوان المسرح والمرايا، وأغاني مهيار الدمشقي، ووقت  بين الرماد والورد، وهذا هو اسمي، ومفرد بصيغة الجمع، وكتاب القصائد الخمس،  وكتاب الحصار، وشهوة تتقدم في خرائط المادة، واحتفاء بالأشياء الواضحة  الغامضة.، ومعظم هذه الدواوين جمعت في كتاب تحت عنوان" المجموعة الشعرية  الكاملة".
 ومن أهم دراساته النقدية والأدبية: الثابت والمتحول،وزمن الشعر، والشعرية  العربية، ومختارات الشعر العربي،ومقدمة للشعر العربي، وفاتحة لنهايات القرن، وسياسة الشعر، وكلام البدايات،ومختارات من شعر يوسف الخال، وديوان الشعر العربي، ومختارات من شعر السياب ... وقد ترجم كذلك مجموعة من المسرحيات الأجنبية كحكاية فاسكو والسيد بوبل ومهاجر بريسبان والبنفسج والسفر وسهرة الأمثال وفيدر. وهذه النصوص المسرحية صدرت في سلسلة من المسرح العالمي التي  كانت تنشرها وزارة الإعلام الكويتية ، كما ترجم الأعمال الشعرية الكاملة لإيف  بونفوا والأعمال الشعرية الكاملة لسان جون بيرس... وقد حاز أدونيس على عدة  شواهد وجوائز كبرى اعترافا بما بذله من جهد جبار في تحديث الثقافة العربية  والعالمية، وما قدمه من خدمات جلى للثقافة العربية الكلاسيكية والحديثة  والمعاصرة.
 
 2- وصف الكتـــاب:
 
 ظهر كتاب الشعرية العربية في طبعته الأولى في حزيران(يونية) سنة1985م عن  دار الآداب ببيروت اللبنانية في (112) صفحة من الحجم المتوسط . والكتاب عبارة عن دراسة أدبية نقدية كانت في الأصل محاضرات جامعية ألقيت في الكوليج دو فرانس بباريس في أيار سنة 1984م. وقد صدرت هذه المحاضرات باللغة الفرنسية سنة  1985م عن دار سندباد في باريس. وقد قدم لها أستاذ كرسي الشعر في الكوليج دوفرانس الشاعر الفرنسي إيف بونفوا.  هذا، ويضم الكتاب أربع دراسات قيمة ألا وهي:
 أ‌- الشعرية والشفوية الجاهلية؛
 ب‌- الشعرية والفضاء القرآني؛
 ت‌- الشعرية والفكر؛
 ث‌- الشعرية والحداثة.
 
 3- قضايا الكتاب الأدبية والنقدية:
 
 الفصل الأول: الشعرية والشفوية الجاهلية:
 
 يرى أدونيس في الفصل الأول بأن الشعر الجاهلي يتميز بخاصية الشفوية، لأنه لم يدون ولم يكتب، بل اعتمد في نقله على الذاكرة والحفظ والرواية من جيل إلى  آخر. ومن ثم، فالشعر الجاهلي شفوي قائم على ثقافة صوتية وسماعية. كما نشأ  الشعر الجاهلي في بدايته نشيدا مسموعا لامكتوبا، مرتبطا بالغناء والإنشاد  والموسيقى التي كانت تعبر عن ذاتية الشاعر وانفعالاته الوجدانية النابضة  المتداخلة مع مشاعر الجماعة.
 وبما أن الشعر سماعي في الشعرية الجاهلية، فقد كان الشاعر يولي أهمية كبرى  للسامع، إذ كان يحرص على تجويد شعره و على تحسين قراءته الإنشادية من أجل  التأثير على السامع وجذبه وإشراكه في معاناته وتجربته التي يتداخل فيها  ماهوذاتي وجماعي من خلال تصوير الحياة الجاهلية بكل قسماتها وأفراحها  وأتراحها وانتصاراتها الحربية وهزائمها الدامية. وبالتالي، كانت طريقة  التعبير أهم من المقول والمضمون؛ لأن الأذن هي التي تحكم على القصيدة وتقومها  سلبا أو إيجابا. وكان الشعر الجاهلي يبلغ وينقل إلى الآخرين عن طريق الإنشاد  والذاكرة. ونجاح الشاعر كان مرتبطا بموهبته وقدرته على التبليغ والإنشاد  التي تستوجب الصوت وحركة الجسد والموهبة الفطرية في الإفصاح والتبليغ. وقد ارتبط الشعر بالغناء واللحن والموسيقى كما يتجلى واضحا في وحدة الوزن  والقافية. وقد أشار أبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني إلى صلة الشعر العربي الجاهلي بالغناء والموسيقى. 
وعلى مستوى الإلقاء، كان من الشعراء من يلقي قصيدته واقفا أو جالسا أو يتزيى  باللباس الجميلة أو يشغل أثناء الإلقاء صوته العذب وحركة اليدين وأعضاء الجسد  كما كانت تفعل الخنساء. وقد سار الشعراء اللاحقون في محاكاة الشعراء  الجاهليين السابقين في ارتداء الملابس الأنيقة والجميلة والظهور في أحسن  مظهر. ومن الشعراء الذين كانوا يحسنون الإنشاد نستحضر الأعشى الذي لقب بصناجة  العرب وعباد العنبري.
 وإذا انتقلنا إلى الإيقاع في الشعر الجاهلي، فقد بدأ سجعا ثم أصبح رجزا بشطر  واحد أو بشطرين لتكتمل الشفوية الشعرية بالقصيد الذي كان يرتكن إلى الوزن الموحد والقافية التي صارت مقوما جوهريا في الشعر وليس مظهرا زائدا. وقد أضفى إيقاع الوزن والقافية على القصيدة نوعا من التناسق والتنظيم والكمال الصوتي والانفعالي.  هذا ، وإن السجع لن يعود مقبولا بعد ذلك في المنظور الإسلامي؛ لأنه يذكر  المسلمين بسجع الكهان، وهناك حديث مأثور ينص على ذلك هو:"إياكم وسجع الكهان".
بيد أن هذه الظاهرة البلاغية البديعية ستظهر من جديد في العصور التالية للعصر  الإسلامي الأول في الرسائل والخطب والمقامات والكتابة النثرية. وكان السجع  المقوم الأساس في إغناء خاصيتي التغريد والغناء في الشعر القديم. ومن يتأمل النقد العربي القديم سيجده مبنيا على الشعرية الشفوية الجاهلية كما يبدو ذلك واضحا في حركة التقنين التي مست جانب النحو والعروض وقضية السماع.
 أي إن النقد العربي تبنى معايير الشعر الجاهلي باعتبارها قواعد ثابتة وأصولا  لا ينبغي انتهاكها كما يمثل ذلك عمود الشعر العربي للمرزوقي الذي لم يشر إليه  أدونيس بشكل واضح . ولكن هذا التنظير للشعر الذي تم على ضوء الشعر الجاهلي  استوجبه الامتزاج الثقافي بين الشعوب المنصهرة في العراق وخاصة في البصرة(الثقافة اليونانية- الثقافة الفارسية- الثقافة الفارسية- الثقافة  العربية...). و ستدفع هذه المثاقفة العلماء للتفكير في التقعيد والتقنين  للحفاظ على هوية الشعر العربي وهوية الشاعر وموسيقى الشعر. ونتج عن هذا أن  وضع النحو العربي إعجاما وإعرابا من قبل أبي الأسود الدؤلي ونصر بن عاصم  الليثي، ووضعت المعاجم اللغوية(معجم العين) من قبل الخليل بن أحمد الفراهيدي  . وكان الهدف من كل ذلك هو الحفاظ على القرآن وتفادي ظاهرة اللحن التي تفشت  بسبب الحضارة والمدنية وظهور المولدين والموالي. كما كان الدافع إلى وضع علم  العروض على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي هو تمييز أوزان الشعر العربي من  الأوزان الشعرية المعروفة آنذاك( الهندية- الفارسية – اليونانية...). وقد  قلنا سابقا إن الشعرية القديمة انبنت على السماع والتأثير على المتلقي.  ويعني هذا أن الشاعر كان يراعي أفق انتظار السامع والعرف المشترك والذوق  الشائع العام. لذلك صارت الصياغة الشعرية أهم من الأفكار والمعاني والمقول.
فطريقة الإثبات والتعبير أهم من مدلولات القصيدة؛ لأن المعاني حسب الجاحظ مطروحة في الشوارع والأسواق، وإنما مدار الشعرية هو اللفظ والبيان التعبيري.
وأساس هذا الفصل بين اللفظ والمعنى هو الشعر الجاهلي الذي كان يهتم كثيرا بالصياغة والتجويد الشعري من أجل إرضاء السامع وتلبية جاجياته الوجدانية والعقلية والحركية عن طريق التطريب والتأثير الموسيقي الناتج عن صرامة الوزن  ووحدة الروي والقافية. وهكذا أصبح الشعر الجاهلي المصدر الأول للشعر العربي  قديمه وجديده ومرتكزا للنقد العربي القديم الذي وضع معايير ثابتة الأصول من  أجل تقنين الشعر للحفاظ عليه من الخلط واللحن والتهجين. ويطرح أدونيس عدة أسباب قد تكون وراء هذا التقعيد الذي قيد حركية الشعر العربي وطوقها بقيود الثبات والتأصيل مما أثر سلبا على اللغة الشعرية وعفويتها وروح إبداعيتها  التخييلية وطبيعة الكتابة الشعرية التي تخالف جذريا خصائص الشعرية الشفوية.
 ومن هذه الأسباب: الموانع الدينية واللغوية والقومية والرغبة في الحفاظ على  الهوية والخصوصية العربية و حماية هوية الشاعر العربي. ومن ثم، فما مقاييس  الخليل العروضية إلا مقاييس أتت لتقيد الإبداع الشعري في نظر أدونيس .  وهكذا نستنتج أن النقد العربي القديم كون مقوماته النظرية والتطبيقية اعتمادا  على الشعرية الشفوية الجاهلية، وبعد ذلك أصبحت قواعد صارمة ومطلقة يحتكم إليها النقاد في تقويم شعر المحدثين. ونتج عن هذا رؤية واحدة تجاه الشعر  وخاصة إلى الشعر الجاهلي، لكن اليوم هناك منظورات نقدية متعددة ومختلفة إلى  الشعر الجاهلي . ويعني هذا أن التقنين أساء إلى النقد العربي والشعر العربي  معا؛ لأنه لم يصغ إلى الحرية الشعرية والاختلاف الإبداعي. يقول أدونيس:" ونحن  اليوم، إذ نقرأ ماضينا الشعري، فليس لكي نرى ما رآه الخليل واللاحقون، وحسب،  وإنما لكي نرى ماغاب عنهم ومالم يروه. نحن، اليوم، نقرأ الفراغ أو النقص الذي  تركوه. خصوصا أن التقنين والتقعيد يتناقضان مع طبيعة اللغة الشعرية. فهذه  اللغة بما هي الإنسان في تفجره واندفاعه واختلافه، تظل في توهج وتجدد،  وتغاير، وتظل في حركية وتفجر؛ إنها دائما شكل من أشكال اختراق التقنين  والتقعيد. إنها البحث عن الذات، والعودة إليها، لكن عبر هجرة دائمة خارج  الذات....إن الخطاب التقعيدي، الواحد، المتواصل، يخفي وراءه صمتا، وغيابا،  ونقصا. ونحن اليوم مدعوون إلى ممارسة قراءة لتراثنا النقدي الشعري، تكشف عن  الغياب والنقص، وتستنطق الصمت.".(ص:31-32).
 
 الفصل الثاني: الشعرية والفضاء القرآني:
 
إذا كان الخليل بن أحمد الفراهيدي المنظر الأول للشعرية الشفوية الجاهلية على  مستوى الإيقاع العروضي، والجاحظ هو المنظر لها على المستوى اللغوي وذلك حينما  فصل اللفظ عن الفكر وفضل أمة العرب على سائر الأقوام بفصاحة العربية وبلاغتها  الرائعة، فإن القرآن الكريم سينقل الشعرية العربية من الشفوية إلى الكتابة  وسيخلق حركة ثقافية وإبداعية لانظير لها من خلال ماكتب عن القرآن والمقارنات  بين النص القرآني والشعر الجاهلي الذي يمثل طريقة العرب في الكتابة الشعرية الأصيلة. كما أن القران ساهم في بلورة الشعر الحداثي وخلق الكتابة الشعرية الصوفية؛ لأنه كان متناصا حقيقيا في تجويد الكتابة وتعميقها واستوائها فنيا  ودلاليا ومقصدية.
 ومن مظاهر هذه الحركة الثقافية القرآنية ظهور دراسات وكتب تحاول أن تقارن بين  القرآن الكريم والشعر الجاهلي على جميع الأصعدة والمستويات اللغوية  والتركيبية والبيانية والبلاغية والدلالية لتنتهي في الأخير بأن النص  القرآني أفضل بكثير من النص الشعري السابق له؛ لأنه يمثل إعجازا في الفصاحة  والبلاغة والتشريع والثقافة على الرغم من أن النظام المعتزلي أعلن أن"نظم القرآن ليس بمعجزة، فإن العباد قادرون على مثله، وعلى ما هو أحسن"(ص41). ومن  هذه الكتب نستحضر كتاب أبي عبيدة" مجاز القرآن"، وكتاب معاني القران للفراء ،  وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، ومشكل القرآن لابن قتيبة، والنكت في إعجاز  القرآن للرماني، وبيان إعجاز القرآن للخطابي، وإعجاز القران للباقلاني. ولم  تكن الدراسات المقارنة ذات بعد ديني فقط، بل قام بعض اللغويون والنقاد بدراسة النظم القرآني والنظم الشعري الموجود في الشعر الجاهلي كما نجد ذلك في جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي، ونقائض جرير والفرزدق لأبي عبيدة، ومعاني الشعر للأشنانداني، وكتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري.
وعليه، فقد ساهم القرآن الكريم في قراءتين:
أ- قراءة تستهدف إثبات طريقة العرب في الكتابة وتحديد مواصفاتها القائمة على  عمود الشعر العربي، وهذه الطريقة مهما كانت بيانيتها فإن النص القرآني يتفوق عليها ؛
ب -طريقة تهدف إلى الانتقال من الشعرية الشفوية إلى شعرية الكتابة.
وقد أصبحنا بعد ذلك أمام نصين نموذجين: نص قرآني يجمع بين الطرح الديني ويقدم  تصورا بيانيا جديدا، ونص شعري جاهلي دون مستوى النص الأول يتسم بالفطرة والبداوة والأصالة والطبع والوضوح. وينتج عما سبق أن" النص القرآني كان في هاتين القراءتين، وفي جميع الحالات، أساس الحركية الثقافية الإبداعية، في المجتمع العربي الإسلامي، وينبوعها  ومدارها. غير أن القراءة الثانية هي التي مهدت، كما أرى، للنقلة من الشفوية  الشعرية الجاهلية إلى شعرية الكتابة. وبهذه القراءة، وفي مناخها صاغ الجرجاني  مبادئ الشعرية الكتابية،فيما كان يصوغ نظرية النظم القرآني. وكان قد مهد لها  بعض النقاد، خصوصا الصولي(توفي سنة 336هـ)."(ص42).
 وسيفتح القرآن آفاقا رحبة وواسعة أمام الشعراء لابتداع كتابة شعرية جديدة  تمتح من البديع القرآني وفصاحة النظم الرباني بلاغة وبيانا وتصويرا( بشار بن برد،و مسلم بن الوليد، وأبو نواس، والمتنبي، وأبو العلاء المعري، و أبو  تمام)، وتأسيس نقد حداثي حقيقي ومنهجي مع الصولي الذي يقدم أول دفاع شبه  متكامل عن شعرية الكتابة(طريقة أبي تمام) أو الطريقة المحدثة في مقابل طريقة  العرب أو الطريقة القديمة. وتقوم الطريقة الحديثة عنده على ابتكار معان جديدة  وتحقيق جودة النص الشعري في ذاته والابتعاد عن معيار الأسبقية الزمنية في  التقويم الشعر، و لاننسى كذلك الناقد عبد القاهر الجرجاني صاحب كتابي دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة الذي أسس شعرية النظم والمجاز والغموض. هذا وسيؤسس الصولي كتابة نقدية تنظر لشعرية جديدة تستند إلى المقومات
التالية:
1- الكتابة دون احتذاء نموذج مسبق؛
2- اشتراط الثقافة العميقة الواسعة لكل من الشاعر والناقد؛
3- النظر إلى كل من النص الشعري القديم والنص الشعري المحدث لا على أساس السبق الزمني، بل على أساس الجودة الشعرية الذاتية؛
4- نشوء نظرية جمالية جديدة تعتمد على الغموض والغرابة بدلا من الوضوح  والألفة؛
 5- إعطاء الأولوية لحركية الإبداع والتجربة وتجاوز ماهو عادي ومشترك ومألوف. ويعد أبو نواس خير من عبر في نصوصه الشعرية عن أفق الشعرية الجديدة، إلى جانب أبي تمام على مستوى الكتابة الشعرية، وعبد القاهر الجرجاني على مستوى النقد الذي تحدث كثيرا عن النظم المجازي الاستعاري باعتباره جوهر الشعر وأسه الحقيقي.

الفصــل الثالث: الشعرية والـــفكر:

في هذا الفصل، يتعرض الكاتب لثلاث نقط أساسية تتعلق بالنقد الشعري العربي  والنظام المعرفي القائم على علوم اللغة(نحو- صرف- بلاغة- فقه- كلام...)،  والنظام المعرفي الفلسفي.
لقد اتخذ النقد العربي القديم الشعر الجاهلي نموذجا يقتدى ومعيارا للتقويم  ومحاكمة النصوص الإبداعية ولاسيما المحدثة منها. وكل نص شعري لا ينسجم مع هذا  التصور الشعري الجاهلي يرفض ويقصى ويهمش؛ لأنه يخالف طريقة العرب في الكتابة.  وهكذا أقصي شعر أبي العلاء المعري وأبي تمام والمتنبي ،لأن هؤلاء الشعراء  وحدوا بين الصياغة والفكر، وغلبوا الجانب الفلسفي والتأملي في أشعارهم وصارت  كتابتهم غير واضحة، وتخالف الشعرية الشفوية القديمة مادامت ترتكن إلى الغموض  والإبهام والإغراب والتعمية الرمزية المجردة. كما يلاحظ أيضا في هذا الشعر ظاهرة الفصل بين ماهو فكري وشعري، أي إن الصياغة أهم مما هو فكري على الرغم من أن النقاد والمؤرخين يعتبرون الشعر الجاهلي مصدر المعرفة والحقائق والعلوم  والأخبار إلى جانب كونه شعر إنشاد وتطريب وانفعال. ويعني هذا أيضا أن الشعر الجاهلي بدأ غنائيا وفكريا. وبعد ذلك تنوسي هذا المبدأ ليحاكم الشعراء فيما  بعد بالشعرية القديمة القائمة على البيان اللفظي والصياغة الفنية الواضحة.
ويذهب النظام المعرفي الذي بني على الدين نفس المذهب حينما فصل بين الشعرية والفكر فصلا قاطعا. فقد كان يدعم التنظير للشفوية الغنائية ويؤكد معاييرها الثابتة وشبه المطلقة. وعلى الرغم من الخطاب الفلسفي الذي أحدث قطيعة ابستمولوجية مع النظام المعرفي الديني والنقدي إلا أنه كان يتواصل معهما  عندما فصل هو بدوره بين الشعر والفكر. فهذه الأنظمة المعرفية – إذاً- كانت تنظر إلى ثنائية شعر/ فكر من خلال الاشتقاق اللغوي لكلمة شعر الدالة على الشعور والإحساس والانفعال، أي إن الدلالة الاصطلاحية تناقض الفكر لذلك اعتقد أن الشعر لايمكن أن يقدم المعرفة ولا أن يعطي الحقائق سوى ما يمكن تسميته بالمتعة الجمالية كما يتيحها الدين ويضع حدودها. وعليه، فلقد استندت الكتابة الشعرية الجديدة إلى ربط الصياغة الشعرية بالفكر  في وحدة عضوية مترابطة متكاملة وتفجير المكبوتات والتمرد على كل ماهو مقدس  والميل إلى فلسفة التحول والشك بدلا من الثبات وتكريس القيم السائدة المحافظة. أي إن الشعرية الحقيقية هي التي يمثلها أبو نواس في شعره الماجن،  والنفري في نصوصه الصوفية، وأبو العلاء المعري في أشعاره التأملية ؛لأن هؤلاء  طرحوا أسئلة جديدة على الذات والموضوع قصد الاستكشاف والبحث والاستبصار تتعلق بالدين والمحرمات (الخمر) وفلسفة الموت عن طريق ممارسة الشك والتفكيك والإبداع والتثوير وتفجير اللغة والفكر وآليات اللغة ونقد الأنظمة المعرفية السائدة. ومن ثم، فالصورة الشعرية عند هؤلاء كشف وغرابة واستبطان وتأمل شعري  حداثي وطرح للأسئلة أكثر من طرح الأجوبة. كما أن الصورة نقل للمكبوت والمجهول والمهمل وتوسيع التجربة والمغامرة.
 وإذا كانت المعرفة الدينية والفلسفية قائمة على الوضوح والألفة والبحث عن الحقائق النهائية اليقينية وتشكيل عالم منغلق ثابت، فإن المعرفة الشعرية في الحقيقة معرفة مجازية تقوم على الغرابة والغموض و خلق عالم منفتح من خلال لغة صوفية عرفانية غيبية تكون فيها اللغة عاجزة عن البوح كما تثور جهرا وبوحا على  المقول الديني ومنطوقاته الظاهرية ( نص النفري) ، أو لغة مجونية متمردة عن الطابو الديني الذي تخضعه للتساؤل والنقد( نص أبي نواس)، أومن خلال لغة تأملية تعتمد على العمق الذهني والتشكيك في الثوابت الدينية وطرحها للشك والريبة والتفكيك( نص أبي العلاء المعري).
 
 الفصل الرابع: الشعرية والحداثة

إذا كانت الحداثة الشعرية قد ظهرت حسب أدونيس في القرن الثامن الميلادي مع أبي نواس والنفري وأبي تمام وأبي حيان التوحيدي فإنها ستتراجع مع سقوط بغداد  على أيدي المغول، واشتداد حملات الصليبيين وسيطرة العثمانيين على الحكم في  مختلف الأقطار العربية. لكن إشكالية الحداثة والتقدم أعيدت من جديد مع عصر النهضة منذ بداية القرن التاسع عشر حتى القرن العشرين. وقد نتج عن النقاشات النهضوية اتجاهان: اتجاه أصولي متشبث بالماضي ويرى أن الحداثة تتمثل في علوم اللغة العربية، واتجاه تجاوزي يرى أن الحداثة في تطبيق منجزات ومكتسبات  العلمانية الأوربية. ولكن الثقافة السائدة والمهيمنة في المجتمع العربي كانت  هي الثقافة الأصولية لأسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية ودينية، ولاسيما أن  السلطة تزكي هذا الاتجاه اللغوي والماضوي، وتحارب كل اتجاه علماني غربي يدعو إلى التغيير والدمقرطة والتحديث والخروج عن نظام السلطة الحاكمة.
ومن يتأمل الحداثة في جوهرها سيجدها هي خروج عن السائد السياسي والأخلاقي والمؤسساتي. أي إنها خروج عن السياسي والفكري و ثقافة الخلافة ونفي للقديم  النموذجي. إن الحداثة حسب أدونيس ثورة وتساؤل ورفض وتحريك ووعي. والحداثة  ليست هي الانغماس في الماضي بطريقة سلفية أصولية، وليست انبهارا بمستجدات الغرب التقنية والعلمية، وإنما هي نقد للتراث والبحث عن الجوانب الحداثية  المضيئة فيه وغربلة له والاستفادة من العقل الحداثي ومنهجه. أي إن الحداثة موجودة في تراثنا الشعري عند أبي تمام وأبي نواس في الشعر، والنفري وأبي حيان التوحيدي في التصوف ،والجرجاني في النقد. ولكن المثقفين فهموا الحداثة فهما خاطئا مما سبب ذلك في أوهام نجملها في مايلي:
 1- وهم الزمنية الذي يتمثل في ربط الحداثة الشعرية باللحظة الراهنة ، أي  التعبير عن قضايا معاصرة؛
 2- وهم الاختلاف عن القديم، وذلك بتناول ماهو جديد من الأفكار واختيار صيغ  مخالفة للصياغة القديمة دون أن تكون شعرية حقيقية نابعة من الذات؛
 3- المماثلة مع الغرب ، وذلك بتمثله والاقتداء به لتأسيس الحداثة الشعرية. ويعني هذا أن الغرب هو مصدر الحداثة، فلا حداثة خارج الشعر الغربي ومعاييره، أي لاحداثة إلا في التماثل مع الغرب؛
4- التشكيل النثري والمقصود به أن يتمرد الشاعر عن البنية الإيقاعية الخليلية ويتمثل الكتابة النثرية لخلق الحداثة الشعرية، بينما هناك نصوص إيقاعبة أكثر حداثة من القصيدة النثرية، والعكس صحيح أيضا؛
5- الاستحداث المضموني كما نجده عند شعراء النهضة كأحمد شوقي وحافظ إبراهيم ومعروف الرصافي، وذلك حينما تناولوا المخترعات الجديدة بالوصف كالسيارة  والقاطرة و الثلاجة والطائرة...  ويدعو أدونيس إلى كتابة تاريخ حقيقي للحداثة الشعرية العربية ابتداء من  القرن الثامن الميلادي حتى القرن العشرين، أي حينما ظهرت مجلة شعر باعتبارها  تشكل الحداثة الثانية. ويعني هذا أن هناك حداثتين: حداثة قديمة مع شعراء  التحول في العصر العباسي، وحداثة ثانية وجديدة مع مجلة شعر.  هذا،وإن الحداثة الشعرية عند أدونيس هي حداثة إنسانية تتجاوز التقني و العلم  التقدمي المستقبلي والماضي الأصولي. إن الحداثة هي الزمنية واللازمنية، إنها  التحول والإبداع والابتكار والتجديد، إنها نزعة إنسانية قائمة على تفجير  المكبوتات واللغة الشعرية وانتهاك الظاهر بلغة الغيب والباطن . إنها الغرابة  والغموض والإبهام ولغة الكشف واللانهائي واللايقين والعودة إلى الفطرة  الأسطورية والطبيعة الإنسانية.
 
 4- الخصائص المنهجية والفنية والأسلوبية:

يتبنى أدونيس في هذا الكتاب الأدبي والنقدي منهجية الشعرية المنفتحة التي تستهدف الكشف عن المكونات البنيوية للشعرية العربية القديمة والحديثة من خلال منظور شعري تاريخي يتداخل مع منهجيات أخرى اجتماعية ونفسية وبنيوية وتفكيكية ونقدية للموروث الشعري العربي الشفوي والكتابي. وتحضر مجموعة من المرجعيات المنهجية والثقافية في كتاب أدونيس كشعرية باشلار ورولان بارت والخطاب الفلسفي الغربي، وخاصة خطاب التفكيك الفوكوي والنظرية النقدية الألمانية والتأثر بكتابات محمد عابد الجابري ومحمد أركون وعبد الفتاح كيليطو وكمال أبوديب وجمال الدين بن الشيخ وعبد الله الغذامي، فضلا عن التيارات البنيوية الغربية بمختلف تياراتها واتجاهاتها واطلاعه الكبير على التراث العربي القديم  بحمولاته التاريخية والعلمية والفنية والثقافية .
أما عن مميزات الكتابة الأدونيسية في هذه الدراسة الأدبية النقدية فتتسم  بتقسيم الكتاب إلى مقاطع نصية مرقمة على غرار الكتابة الشعرية و الشذرية التي نجدها عند الفلاسفة الأوربيين ولاسيما الفيلسوف الألماني نيتشه، كما يستعمل أدونيس أسلوبا وصفيا واضحا يتسم بالشاعرية واللذة والمتعة النصية ، كما تتداخل في قراءته النقدية اللغة الواصفة الموضوعية والكتابة الشعرية الذاتية. أي إن أدونيس يكتب النقد من خلال منظورين: منظور وصفي علمي توثيقي تحليلي  ومنظور إبداعي شاعري على غرار كتابة گاستون باشلار في كتابه شعرية الفضاء.
ويعني هذا أن كتابة أدونيس عبارة عن محكي شاعري بمفهوم إي? تادييه تعتمد على الفواصل القصيرة والجمل البسيطة ذات النفس الشاعري المتميز  بالسلاسة والإفهام. إنه ينقد بالنثر ويكتب بالشعر كما يتجلى ذلك في توظيفه  للغة زئبقية شعرية إنشائية وبيانية وصفية ممتعة تطغى عليها الكثافة  الانفعالية والتعريف الشعري الانسيابي الناتج عن تدفق الكلمات المتدفقة من الذات والوجدان.

> 5- تقويــــم ومناقشـــة:
 إن كتاب أدونيس في الشعرية العربية له مكانة كبيرة في نقدنا الحديث والمعاصر؛  لأنه يعيد النظر في موروثنا الشعري والفكري وثقافتنا العربية الكلاسيكية بمنظور جديد كما فعل عبد الفتاح كليطو وعبد الله الغذامي. وتتميز القراءة الأدونيسية بالجدية والذكاء والجرأة وطرح ماهو مسكوت عنه ومهمش في ثقافتنا السائدة. كما يتسم الكتاب بتصحيح نظرتنا إلى مفهوم الحداثة والكتابة الشعرية وتحقيب الأدب العربي وإعادة الاعتبار للشعر الصوفي وشعراء الحداثة ( أبو نواس، وأبو تمام، والنفري، وأبو حيان التوحيدي، وأبو العلاء المعري،  والمتنبي...).كما أن الكتاب في الحقيقة غني بالمعطيات الأدبية والثقافية والفنية، ودسم بالمعلومات والحقائق النقدية الجديدة المتميزة التي أحدثت قطيعة منهجية ومعرفية في التعامل مع التراث الشعري العربي القديم والتعامل مع  الحداثة النهضوية الحديثة. و يؤسس الكتاب كذلك لشعرية نقدية جديدة سيتأثر بها بعض النقاد، ولاسيما تلميذ أدونيس الباحث المغربي الدكتور محمد بنيس في كتاباته الشعرية والنقدية للشعر العربي الحديث والمعاصر.
ولكن على الرغم من كل هذا يحصر أدونيس الحداثة في الثابت الديني، أي إن الدين هو عبارة عن عائق ومانع للحداثة الحقيقية ، وأن الشعر الحداثي الحقيقي هو الذي يقوم بالهدم وتفجير الموروثات السائدة والتمرد عن نواميس الدين وتثوير البنية الاجتماعية بالتشكيك في الدين والخروج عن الأصول الثابتة والأعراف الموجودة. لذلك يعد الغموض والمجون والإبهام والتأويل وزعزعة العقيدة والتمرد عن الدين والتشكيك في أصول الأخلاق والقيم السائدة من مظاهر الحداثة الشعرية.
ومن ثم، يعتبر أبو نواس زعيما للحداثة الشعرية بسبب مجونه وشعوبيته، بينما على العكس يعتبر حسان بن ثابت رمزا للثبات وتكريسا للشعرية الشفوية المحافظة.
أي إن أدونيس يجمع تحت راية حداثته الشعرية كل المتمردين والثائرين والمنشقين والمشككين ليسبغ عليهم يافطة الحداثة. وهذا التصور الغريب ينافي الحقيقة العلمية والتاريخية. فالإسلام لم يكن عائقا أو حجرة عثرة في وجه التقدم الإنساني. لأن الإسلام بني على ثنائية العلم( العقل والتقنية) والأخلاق .
فمهما تحضرت أوربا فإن حضارتها مادية كمية لم تهذب أخلاقيا وحضاريا، والدليل على ذلك التوسعات الإمبريالية والاستعمار والعدوان واستغلال الإنسان المعاصر واستلابه آليا ورقميا. ولقد تناسى أدونيس الحداثة العلمية والفكرية التي أنجزت في العصر العباسي وهي حداثة عربية أساسها الإسلام والدين الرباني. كما  أن مفهوم الشعر الذي يدافع عنه أدونيس هو مفهوم فني يرتكز على ماهو جمالي  شعري بدون التركيز على الوظيفة الحقيقية للشعر. ففي القرآن وخاصة في سورة  الشعراء تحديد رائع للشعر والشاعر. فالشعر لاينبغي أن يرتكن إلى المبالغة  والكذب والخيال الموغل في الأوهام والشطحات المجردة والانفصال بين القول والفعل. أي ينبغي أن يكون الشعر ذا رسالة صادقة واضحة لا إبهام فيها ولاغموض، ويحمل رسالة التزامية تهدف إلى تهذيب البشرية والدفاع عن الحق وتخدم الإنسان  حياتيا وأخلاقيا واجتماعيا. ويعني هذا أن يكون الشعر ذا رسالة نبيلة إنسانية أخلاقية وتطهيرية ترفع الإنسان إلى مراتب الكمال والسعادة الحقيقية. فكيف يعقل أن نعد شعر أبي نواس في المجون والخمر شعرا حداثيا؟!وكيف نعتبر شعر أبي العلاء المعري الذي يشكك في العقيدة شعرا؟! وكيف يعقل أن نقبل الهدم من أجل الهدم أساسا للشعرية الحقيقية؟! فالهدم في منظورنا يستوجب البناء والإصلاح وتحقيق التقدم وإسعاد الإنسان، وإلا فذلك الهدم سواء أكان فنيا أم ثقافيا ماهو إلا من أجل الهد والتخريب العشوائي العابث. أما الحياة فليست لعبا أو  مجونا أو فنا فقط، بل هي رسالة إعمار وتشييد لحضارة الإنسان في الأرض مادام  خليفة لله فيها. إن أدونيس في هذا الكتاب يدافع عن نفسه ويعطي المشروعية  لشعره الغامض الذي خرج فيه عن مميزات الكتابة الشعرية الواضحة والمفهومة والتي تمتاز بالتموسق الإيقاعي والانسجام المألوف. إن أدونيس يتحامل على الدين ويعتبره ثابتا لاينسجم مع الحداثة الشعرية الحقيقية. ويحصر الشعر في  اللعب الفني والتعقيد والتجريد المبهم. وإذا كان القرآن وهو أسمى النصوص كتابا واضحا في أروع بلاغة وفصاحة وبيان، فلماذا نريد أن يكون الشعر لغزا محيرا وطلسما معقدا حتى أصبح قراء الشعر يقلون يوما عن يوم، فبدأت الدواوين الشعرية تتكدس في المكتبات دون أن يبحث عنها أحد ماعدا النصوص المتميزة الجيدة التي نجحت في خلق تواصل حميمي مع القراء.

خاتــــمة:

وبناء على ماسبق، يمكن القول: إن كتاب أدونيس" الشعرية العربية" هو امتداد لكتاب الثابت والمتحول وتلخيص لأفكاره وقضاياه. وعلى الرغم من تصوراته  الحداثية والجديدة، إلا أن هذا الكتاب مثل صنوه الأول يحمل أطروحات التشكيك  والطعن في الثابت الديني باعتباره عائقا جوهريا أمام الحداثة الشعرية العربية  الحقيقية. ومن ثم، فالكتاب يحاول أن يعطي الضوء الأخضر لممارسته الشعرية التي لقيت ردود فعل كثيرة من المبدعين والنقاد باعتبارها كتابة غامضة ومبهمة لايفهمها إلا القليل من المثقفين في الوطن العربي.

  1. بن السايح الأخضر
  2. السخرية في رواية لصنع الله ابراهيم
  3. الكتابة الشعرية النسائية
  4. من أجل مقاربة بلاغية للنص المسرحي

الصفحة 50 من 66

  • 45
  • 46
  • 47
  • 48
  • 49
  • 50
  • 51
  • 52
  • 53
  • 54

المتواجدون الآن

73 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك