بحوث و دراسات
- التفاصيل
- كتب بواسطة: إحسان محمد جواد التميمي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 9
القصيدة التفاعلية الرقمية لشاعرها العربي الأول :
هل تقرّب ميدان المنافسة من الآخر؟
إحسان محمد جواد
عضو اتحاد أدباء العرب بالانترنت
شيزوفرينا التواصل :
( لا يختلف اثنان في أن الشعر العربي المعاصر يعرف فترة ترد تام على كافة المستويات . ورغم ظهور شعراء جدد خلال العقدين الأخيرين فإن النادر منهم من استطاع أن يستقطب الأنظار ، وهو وإن نجح في إثارة الانتباه فإن ذلك لا يدوم طويلاً . كما أن بعض الأسماء الشعرية التي ما تزال تحتفظ لها ببعض البريق والحضور فذلك لا يعود في حقيقة الأمر إلى تطور تجربتها الشعرية بقدر ما يعود إلى إرث ما انفكت تستمد منه ألقها واستمرارها .
يبدو هذا التردي التام في كلمة واحدة : إنها أزمة التواصل ، وكان من نتائج أزمة التواصل هذه عدم تقدير الناشرين للأعمال الشعرية ، وعدم إقدامهم عليها ، وهم يستندون في ذلك إلى جمهور القراء الذي لم يعد يجد في ما ينشر من شعر ما يجذب انتباهه أو يثير حماسه ...
أمام وضع كهذا هناك نوع من التواطؤ على الصمت في انتظار أن تحل الأزمة مع الزمان ، أو في انتظار " الشاعر " الذي قد لا يأتي ، فيكون النموذج المحتذى الذي يملأ الدنيا ...
لكن الانتظار لكن الانتظار لا يمكنه إلاّ أن يطول ، والكل يتحمل المسؤولية في استمرار هذا الوضع ...)[1]
هذا النص الذي صدّرت به دراستي هذه يرجع إلى أهم النقاد العرب المهتمين بالأدب التفاعلي من خلال طروحات كثيرة كتبها عن هذا الموضوع ولعل أهم كتاباته تلك كتابه ( من النص إلى النص المترابط مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي ) الذي نقلنا من النص السابق .
ويرجع الأستاذ يقطين مسألة تردي الواقع الشعر إلى مشكلة التخلف التواصلي – إن جاز لنا التعبير – وهذا يعود بشكل أو بآخر إلى وحدات التواصل – بحسب ياكوبسن – فالعملية التواصلية الإبداعية أو غيرها تقوم على أساس تلك الوحدات الثلاثة وهي :
المرسل والنص والمتلقي
وإذا رجعنا إلى هذه الوحدات سنجد دون شك أن التفاوت حاصل وبخاصة وحدت التلقي ، فالعالم ترقى تواصليا بعد أن تطورت منظومة الاتصال والمعوماتية عبر الشبكة العنكبوتية / الانترنت وغيرها من الوسائل الحديثة .
في حين ما زال النص يرسل من منتجه بالطريقة التقليدية – أي الورقية – فدور النشر تعاني كثيرا من المنتوج الرقمي – الإلكتروني – بكل وسائله المخزّنة بالأقراص المدمجة أو المخزونة على النت ، لأن أغلب النتلقين عزفوا عن التلقي التقليدي – الورقي ومالوا بكشل كبير إلى المنتوج المنسجم مع التغير التقني – المستهلك أو المنتج – وأعني بالمنتوج المنسجم هنا منتوج التكنولوجيا وتقنيات المعلوماتية الحديثة .
وهذا الرصد النقدي الفاحص بحذاقة لمشكل الأزمة رصد شجاع نابع من جس المشكلة بمنطقة حدوثها وهو ما يسجل للناقد يقطين .
ولا يختلف رصد المشكلة عند النقاد التفاعليين الآخرين فالدكتورة فاطمة البريكي تؤكد هذا الأمر أيضاً وبخاصة في الفصل الثالث الموسوم ( الأدب التفاعلي والنظرية النقدية ) [2]. وكذلك يؤيد الأمر د محمد أسليم الذي كرّس كثيرا من كتاباته عن هذا الموضوع وبخاصة المنشورة في موقعه الخاص على الشبكة الرقمية [3].
ويرى هؤلاء النقاد وغيرهم من المهتمين بالأدب التفاعلي كالأستاذ محمد سناجلة والدكتور حسام الخطيب والأستاذ رمضان بسطاويسي وسامر محمد سعيد وغيرهم[4] أن مستوى التلقي يجب أن يتحول في المجتمعات العربية من التقليدية إلى التكنولوجية لكي لا يحدث شيزوفرينيا في عملية التواصل .
نسق التنافس المتأخر :
تعوّد المتلقي العربي على التأخر في منافسة الآخر حتى تحوّل في مخيال الذات إلى أنموذج للرقي فأحدث هذا الأمر ردّة نفسية حالت بين ثقة المنتجين العرب وغيرهم من المنتجين الغربيين الذين أصبحوا في مخيال الشرقيين وبخاصة العرب منهم أقواما لا تقهر ولا يمكن التقدم عليها [5] .
فشاع بين الأوساط المثقفة أن ما يطرح على موائدها من معارف توسم بأنها حداثوية تعود إلى زمن تجاوزه الغربيون المنتجون الحقيقيون لتلك البضاعة فالبنيوية مثلا لم تدخل الكتابات العربية إلا في الثمانينات في حين انتهى عصر البنيوية في الستينات وما زلنا نتحدث في دراساتنا الحداثوية باللغة البنيوية في حين هجرت في المنتج الغربي الأصلي – أصلا - ...
وما مشروع التفاعلية ببعيد عن هذا الأمر ، لكن تصدّي مجموعة من المبدعين العرب لتقصير المدة الزمنية بين تاريخ صدور نتاج الغربيين في هذا الجنس الأدبي الجديد وبين تاريخ نتاجاتهم – أي العرب – غيّر المعادلة ، وهو في اعتقادي بداية عصر جديد لنمط جديد من المنافسة قوامه :
أن المنافسة العربية للمنتج الغربي تأتي سريعا حتى قبل اكتمال رؤيتهم إليها ، فتاريخ الأدب التفاعلي يذكر أن أول رواية تفاعلية جاءت في سنة 1986 على يد ميشيل جويس مكتوبة على تقنية المسرد Storyspace[6] الذي أنتجه هو مع ديفيد جي بولتر [7].
أما أول قصيدة تفاعلية فكانت على يد الشاعر الأمريكي روبرت كاندل في سنة 1990 وقد تحدث في التاريخ نفسه عن تجربته التفاعلية أيضاً [8].
وإذا علمنا أن أول رواية تفاعلية عربية صدرت على يد الروائي المبدع محمد سناجلة عام 2001 بعنوان ( ظلال الواحد ) ، وأن أول قصيدة تفاعلية أو هي في الواقع مجموعة شعرية تفاعلية عربية نظمها الشاعر المبدع مشتاق عباس معن عام 2007 بعنوان ( تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق ) بعني أن نقطة الانطلاق العربية التفاعلية جاءت بعد عقد ونيف أي أنه سابقة غيّرت عصر التنافس المتأخر عصر متقدم .
يضاف إلى ذلك أن المشروع التفاعلي في الغرب ما زال في طور التأسيس ورؤى المبدعين هناك مازالت في طور التنمية ، وهو الأمر الذي ينطبق على مشروع التفاعلية العربية فالمبدع محمد سناجلة طرح رؤيته في كتابة الرواية التفاعلية بعنوان ( الواقعية الرقمية ) أما المبدع مشتاق عباس معن فطرح رؤيته بعنوان ( المجازية الرقمية ) .
أي أن الأمر لم يتوقف عند الإنتاج الإبداعي بل تعداه لتسجيل رؤى تنظيرية ، وهو أمر لو قيض له أن يترجم لنافس رؤى الغربيين .
فنتاج المبدعين المتألقين محمد سناجلة ومشتاق عباس معن يأتي فاتحة لبوابة عصر التنافس المتقدم ليغلقا عصر التنافس المتأخر مع الآخر .
المطلوب منا :
يجب علينا نحن المثقفين العرب أن نترك نسق ( مغني الحي لا يطرب ) ونعمل على تقديم يد العون لكل مثقفينا من خلال تقييم ما ينتجون تقييما بناءً لا هداماً وأن نعترف بوجودهم لأننا ضعنا حين ضيعنا مبدعينا بالتهميش ومصادرة إبداعهم .
اليوم لدينا مبدعان تفاعليان بعد أن كنا نمتلك واحداً ، فيجب علينا أن نعمل على تنميتهما ومساعدتهما لتقديم أصواتهما لنصبح مالكين لوسط تفاعلي من المثقفين ، فالمبدع الروائي محمد سناجلة والمبدع الشاعر مشتاق عباس معن في ذمة المثقفين العرب عليهم أن يقفوا معهما ، فهما إن لم يفلحا في إثبات نتاجهم فنيا فلهم السبق التاريخي الذي سيحفز كثير من مبدعينا لأن يدخلوا في تجربة هذين المبدعين رواية وشعرا .
الهوامش :
[1] من النص إلى النص المترابط مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي : 211
[2] مدخل إلى الأدب التفاعلي : 135 .
[3] ينظر الرابط : http://aslimnet.free.fr
[4] تنظر آراء هؤلاء في كتاب د فاطمة البريكي المشار إليه سابقا .
[5] المركزية الغربية : د عبد الله إبراهيم .
[6] المسرد عبارة عن بيئة ( وسطية ) للكتابة تسمح للتلقي / المستخدم بتنظيم شظايا النص من خلال خلق مساحات للكتابة ونوافذ يمكن ربط إحداها بالأخرى . مدخل إلى الأدب التفاعلي : 113
[7] المصدر السابق نفسه : 115 .
[8] المصدر السابق نفسه : 81 .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د علاء جبر محمد
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 10
الشاعر العربي المتألق مشتاق عباس معن يحقق القصيدة التفاعلية الرقمية الأولى في العالم
د علاء جبر محمد
أستاذ اللسانيات بالجامعة المستنصرية
الحائز على جائزة الشارقة للإبداع 2006م
Email.
رؤية من الخارج :
في شهر أبريل المنصرم وتحديداً في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة شاركت أنا ومجموعة من المبدعين العرب في ورشة عمل معنونة بـ ( الأدب التفاعلي ) على هامش جائزة الشارقة للإبداع العربي وبإشراف الأستاذ الدكتور مدحت الديار ، عييت أنا والمجموعة المشاركة وكلنا من الفائزين بحقول تلك الجائزة في تلك الدورة ، عيينا جميعا في الحصول على أنموذج تطبيقي للدراسة ، والذي زاد من حيرتي أن سبعة من العراقيين كانوا ضمن قائمة الفائزين أي أنهم سيكتبون عن المحور نفسه ، وقد باغتني أحد المشاركين ممن أعرفه أنه اختار رواية الكاتب الرقمي محمد سناجلة ( ظلال الواحد ) فقطع علي الطريق ؛ لأننا لا نملك في حقل الأدب التفاعلي نماذج غير هذه الرواية ، وإذا أردنا أن نأخذ مثالاً غيره فإننا سنأخذه من نتاجات الغربيين ولاسيما الأمريكيين .
فاضطرني هذا الأمر أن اعدل عن الكتابة التطبيقية التحليلية إلى الكتابة النظرية فكانت ورقتي بعنوان ( النص الشبكي : نحو نظرية نقدية للأدب التفاعلي العربي ) ، واليوم تمنيت أن الشاعر الرقمي الأول مشتاق عباس معن قد أنتج نصّه التفاعلي قبل هذا التاريخ ليكون مثالاً آخر يضاف إلى رواية سناجلة .
فماذا يطرح هذا الضيق النتاجي في أفق الساحة الثقافية العربية من أسئلة ؟
إنه أمر مخيف لا محالة !!
فهو يوحي بتقليدية فجة ستأكل أفق توقعات المتلقين جميعا ، ممن تعوّد على تلقي مرسلات التكنولوجيا والشبكة العنكبوتية الزرقاء ، لذلك تجد ردّةَ رفضٍ كبيرة من المتلقين .
فالأدب التفاعلي جنس أدبي جديد طرحته الآلة الرقمية الشبكية ( الإنترنت ) مدعومة بكل تعددية التناول للجهاز الماكني الدائم ( الحاسوب ) ، يحاول هذا الأدب أن يفسح المجال أمام المتلقي لاختيار قراءة النص التي يرديها بداية للعمل الإبداعي ، وهو أمر لا يتحقق من خلال النص الكلاسيكي الورقي فالبداية محددة ، والرؤية واحدة ، إلاّ إذا كان المتلقي متلقياً أنموذجيا يعدد علاميات النص ، وهو أمر لا يتيسر لكل المتلقين ، في حين النص التفاعلي ، أو كما أحب أن أسميه بـ ( الشبكي ) يتيح هذه الفرصة لجميع المتلقين ؛ لأن آلية التفرّع والتشعب موجودة في نوافذه المتداخلة المترابطة .
لذلك يتحتّم علينا أن نقرأ النص الجديد بحماسية كبيرة لأنه النصّ الأول من نوعه في خانة ( الشعر التفاعلي أو الرقمي ) بالعربية في العالم كله ، تخيّل أننا في عصر بداية التكوّن الحضاري ، ونملك أول نص شعري ، فماذا يجب أن نفعل حياله وحيال كاتبه ، تخيّل هذا الأمر وأنت تقرأ نص ( تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق ) للشاعر المبدع مشتاق عباس معن ، فهو أيضاً أول من كتب فينا قصيدة تفاعلية / رقمية / شبكية .
أليس الأمر يستحق حماسة منقطعة النظير ، فما عيينا عن إيجاده يوم استعدادنا لورشة الشارقة أوجده المبدع مشتاق في زمن تسيّد الغرب على كل مدخلات ومخرجات الإبداع والمعرفة والثقافة .
رؤية من الداخل :
وصلني نصّ / مجموعة الشاعر الرقمي الأول مشتاق عباس معن بقرص مدمج ، فخشيت أنه نصّ ورقي مخزون على القرص ، وهو أمر توهمه كثير من الأدباء ، بحيث يجعلون كتابهم الورقي على الأقراص أو على الإنترنت متوهمين أنهم دخلوا في أفق الأدب التفاعلي ، لكنهم بالواقع ما زالوا ورقيين وغير رقميين ؛ لأن الرقمية تحتاج إلى صياغة تنسجم والإمكانات التكنولوجية بحيث يستثمر كل آلياتها لتوصيل إبداعه .
لكنني فوجئت أنني أقرأ نصّاً تفاعلياً حقيقياً ، نعم هناك بعض الملاحظات ، لكنها لا تقلل من أهمية العمل إن نظرنا إليه نظرة إجمالية .
النصّ مكوّن من شبكة متفرعة من النوافذ تتفرّع إلى جملة نوافذ من خلال الانتقال بالضغط على مفاتيح النقل داخل الشبكة الإلكترونية ، استثمر الشاعر فيها جماليات النصّ التفاعلي المتنوعة صوتياً وصورياً وكتابياً .
فكل نافذة متفرعة – مترابطة تكون مكوّنة من ثلاثية الصياغة الرقمية :
- جرافيك .
- ومؤثر صوتي .
- وشيفرة كتابية .
يضم النص ست قصائد رقمية تتفرع من زرّين رئيسين في الواجهة الرئيسة ، وجمع الشاعر فيها بين الأشكال الشعرية المختلفة :
- العمودي .
- التفعيلي .
- النثري .
وقد امتازت نصوصه بمجازية عالية تتأسس على انزياحات يستجيب إليها أفق توقعات المتلقي العربي ، فكأنه أراد أن يعيّش المتلقي المعتاد على تلقي النصوص الورقية بجو متوافق مع الجو الواقعي خارج الشبكة بشكل سهل ممتنع ، ليسحبه شيئاً فشيئا نحو العالم الافتراضي داخل الشاشة الزرقاء .
فاستثمار الأشكال المألوفة في المنتج الواقعي يسهل أمر الاستجابة للنص الرقمي ، إذ لا يشكل صدمة مباغتة تنفّر المتقي منها .
فالعمودي والتفعيلي والنثري ، قوالب واقعية لا تصدم بشكلها المتلقي ، لكن المضمون هو الأهم في صياغات المتألق الرقمي شعريا مشتاق عباس معن .
والمفارقة الجميلة جدا في هذا القرص أن الشاعر استطاع أن يوحّد بين الأشكال في عالم جديد ؛ إشارة إلى أن الشكل ليس ضروريا في الإبداع ، بقدر المضمون والرؤيا التي يؤسس لها النص .
فجاور العمودي النثري ، وجاور النثر التفعيلي ، وكذا الحال بالتفعيلي والعمودي فهما متجاوران أيضاً .
رؤية للآخرين :
ليستذكر القارئ معاناتنا نحن المجتمعين في ورشة الإبداع بالشارقة فعدتنا تجاوزت العشرين وليس لدينا نص عربي لنجعله حلقة تحليلنا غير رواية سناجلة ، وإلا سنضطر لتحليل نماذج غربية ، واليوم يخرج علينا نص جديد للشاعر المبدع مشتاق عباس معن لنحصل على مساحة تحليلية أوسع ... نتمنى من المثقفين أن تكون ردة فعلهم بمستوى الإنجاز الذي حققه هذا الشاعر الذي طال انتظاره ... فجاء بالمنتظر بعد حين وإن طال الانتظار .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: نضير الخزرجي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 9
العمارة الإسلامية .. آيات في الفن والإبداع
نضير الخزرجي*
تأخذ المدينة شكلها وقيمتها حالما يتم تمصيرها وتأهيلها للسكن، وتكون هناك من العوامل المساعدة ما يجعلها قابلة للتمدد والتوسع جغرافيا وسكانيا، وتصبح محط أنظار الآخرين. وفي معظم الأحيان فان المدينة تأخذ شهرتها من حدث وقع فيها أو شخصية مرموقة كانت فيها مسقط رأسها، أو حلّت فيها أو مرّت منها أو فيها دفنت، أي ان المدينة مشهورة بلحاظ عوامل وظروف أخرى قد تكون أصيلة أو طارئة.
وفي المدن ذات الشأن الديني، فان المكان يلبس رداء القداسة بلحاظ المكين قديسا بشرا أو مقدسا أثرا، أي وجود ملازمة حقيقية بين المكان والمكين، يكون للمكين قوة الجذب الفعالة، كانجذاب الأرض للشمس ودورانها حولها. وفي معظم الحالات فان المدينة تكون مقدسة بوجود مرقد لقديس من القديسين، أو مقام لولي من أولياء الصالحين، تنجذب إليه الناس وتستظل بفيئه وتحط على أعتاب مرقده أو مقامه رحال العناء والتعب اليومي، تنفض عنده همومها وتبثها شكواها متشفعة بالمكين الى الله ومتوسلة به، لأن المكين قدم لله كل شيء فأعطاه الله كرامة الوسيلة، قال تعالى: (وابتغوا إليه الوسيلة) المائدة: 35. ولا يخلو دين على وجه البسيطة من مكين أبدا، قلّ أتباعه أو كثروا، اتصل بحبل ممدود الى السماء أو انقطع عن السماء وضرب أوتاده في الأرض، لان سنة الأرض قائمة على مكوكي المكان والمكين.
وفي الساحة الإسلامية، فان مدناً غير قليلة أخذت شهرتها وقدسيتها من مرقد لقديس أو مقام لولي أو أثر لواقعة أو مَعلم تركته الخوالي من الأيام، فصار شاهدا على التاريخ، والأمة المتحضرة هي التي ترعى للمكين حرمته وقدسيته، وترعى ذمته بشرا أو حجرا، بوصفه إرثا مشاعا لكل البشرية يشد من لحمة المجتمع ويقوي أواصره ويذكره بأيام الله. وفي سبيل الإحاطة بما تركته النهضة الحسينية من آثار لا تبلى، فان واحدة من الأبواب الستين لدائرة المعارف الحسينية التي انبرى المحقق الدكتور محمد صادق محمد الكرباسي في طرقها بحثا وتحقيقا وكتابة هو الخوض في تاريخ مراقد الأمام الحسين بن علي (ع) وأهل بيته وأصحابه في سلسلة من أكثر من عشرة مجلدات حملت عنوان "تاريخ المراقد .. الحسين وأهل بيته وأنصاره" صدر الجزء الأول منها عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 424 صفحة من القطع الوزيري، تابع فيه المؤلف المراقد كلها وفق الحروف الأبجدية، والتحقيق بعيدا عن العاطفة الدينية في صحة انتساب المرقد لصاحبه، فينفي ويثبت صحة النسب حسب ما يهديه إليه شراع البحث.
مهد الشيخ الكرباسي لسلسلة تاريخ المراقد بمقدمة واسعة تناول فيها إشعاعات المراقد على الأمم والشعوب في المناحي كلها من دينية واجتماعية وسياسية واقتصادية وغيرها، مع شرح كامل لكل مفردة من مفردات العمارة، وبخاصة العمارة الإسلامية، والتأثير المتبادل بين عمارات الحضارات الإنسانية.
وأول ما يلفت النظر هو الفرق بين "المرقد والمقام" فصحيح ان كلا منهما يدل على الآخر و"تنوب إحداهما عن الأخرى على سبيل المجاز"، بيد أن المرقد إشارة الى رقود الميت في لحده، فيشار الى القبر بالمرقد، ويطلق عادة على مراقد المعصومين والأولياء والصالحين، وأما المقام فهو مكان المكوث والإقامة ويطلق عادة على "أماكن تواجد الأنبياء والأئمة والأولياء". وتعج المدن الإسلامية في طول البلاد وعرضها بالمراقد والمقامات، ومنها مرقد الإمام الحسين (ع) ومن استشهد معه أو مَن صاحبه في كربلاء المقدسة، فضلا عن المقامات المتعلقة بالنهضة الحسينية، ويقع تعظيم المراقد والمقامات في طول تعظيم الله وحده لا شريك له: "فلو لم يحمل أصحابها صفة العبودية المطلقة لله لما قدّسهم المسلمون، فالقدسية إنما جاءت للعبودية الخالصة لله جل وعلا".
المراقد .. أدوار متنوعة
وقد ثبت بالمعايشة اليومية أن مراقد الأولياء ليست محل جذب للمؤمنين فحسب، بل هي محل إشعاع على الشعوب كلها، في كل أدوارها ومراحل تاريخها، فعلى المستوى السياسي لا يمكن إغفال دور المراقد في تحميس الشعوب بالضد من الظالم والمعتدي والمحتل، وإلا لما عملت الحكومات الظالمة على طمس معالم المراقد أو محاولة بعض الحكومات ظالمة أو غير ظالمة على الاهتمام بالمراقد لكسب عواطف الناس والتقرب منها أو عبر التقرب ممن توليه احترامها وتقدسه، وفي هذا المجال يشار الى أن السلطان العثماني العاشر سليمان القانوني (1566م) ترجل من مسافة بعيدة عند زيارته للإمام علي (ع) في النجف الأشرف ونجله الإمام الحسين (ع) في كربلاء المقدسة، وعندما تساقطت أنظاره على القبة الذهبية ارتعشت أعضاء بدنه، وانشد، من الطويل:
تزاحم تيجان الملوك ببابه ** ويكثر عند الإستلام إزدحامها
إذ ما رأته من بعيد ترجلت ** وإن هي لم تفعل ترجل هامها
وبشكل عام فان: "ملوك ورؤساء وأمراء العالم وشخصياته البارزة كانوا لدى زيارتهم للعراق يقصدون زيارة الإمام الحسين (ع) ليثبتوا لشعوبهم ومريديهم ولاءهم لصاحب القبر وليبرهنوا بأنهم على خطاه وخطى جده (ص) وأبيه (ع) علّ ذلك ينفعهم للبقاء أو الوصول الى الحكم"، على أنه ما من إنسان أساء الى مرقد الإمام الحسين (ع) والمدينة المقدسة، رجل سياسة كان أو رجل دين أو رجل مجتمع، إلا وعاد سهم إساءته الى نحره، بل: "ومما يتناقله أبناء هذه المدينة المقدسة انه ما من ظالم أو متجبر من الملوك والرؤساء زار المرقد زيارة رسمية وعلنية أيام حكمه إلا وهلك أو أزيح عن سدة الحكم ولو بعد حين"، وهذه حقيقة شاهدت أشخاصها في شوارع كربلاء المقدسة ولمست نتائجها فيما بعد، منهم الرئيس العراقي المعدوم صدام حسين (ت 2006م)، والرئيس السوداني السابق جعفر النميري، وزوجة إمبراطور ايران المخلوع محمد رضا پهلوي (ت 1980م) شاهبانو فرح ديبا، وغيرهم، والسنّة جارية حتى فيمن يزعم الإنتساب للمدينة أو الولاء لأهل البيت (ع)، وهو في فعاله أشد إيلاما من المبغض القال.
ويمكن في العراق السياسي المعاصر ملاحظة ان ثورة العشرين بالضد من الاستعمار البريطاني انطلقت في النصف من شعبان عام 1920م من مدينة كربلاء المقدسة، وتكرر الأمر في انتفاضة الشعب العراقي في شعبان العام 1991م بالضد من نظام صدام حسين البائد، فالمراقد المقدسة ليست مجرد أماكن للزيارة والعبادة، فهي محل استلهام للثوار.
والى جانب الدور السياسي للمراقد المقدسة، فان لها خاصية قد لا تتحقق في غيرها، وفي مقدمة ذلك أنها عامل جذب لأبناء الشعوب الإسلامية المختلفة، وبالتالي لها الدور الفعال في ترسيخ العلاقات بين الشعوب، ومن خلال مشاهداتي في مدينة سامراء خلال زيارة لها في العام 2004، التقى بي احد أبنائها من الباعة وظن بي أني من الزائرين القادمين من إيران فراح يتحدث معي بفارسية ضعيفة، فسايرته في حديثه باللغة نفسها، ثم سألته عمن تعلم اللغة الفارسية في مدينة لا تسكنها عائلة يجيد أهلها اللغة الفارسية، فقال إنه تعلمها من خلال احتكاكه بالزائرين الإيرانيين، والبعض في المدن المقدسة يجيد التعامل بأكثر من لغة أجنبية.
ولا يخفى ما للمراقد المقدسة من دور كبير في المجال الثقافي، بوصفها مركز استقطاب لطلبة العلوم، فضلا عن الاحتكاك بثقافات مختلفة نتيجة لحركة الزائرين المليونية كل عام من داخل العراق وخارجها، وبخاصة في كربلاء المقدسة التي تشهد كل عام نحو عشر زيارات كبيرة، حيث تعتبر المدينة حاضرة علمية ارتادها العلماء منذ ان حل في تربتها الحسين (ع) شهيدا، بل ان أول مدرسة متكاملة اقيمت في العراق كان في مدينة كربلاء المقدسة عام 369 بناها السلطان البويهي عضد الدولة فناخسرو الديلمي (ت 372 هـ)، كما: "يعد القرنان الثاني عشر والثالث عشر الهجريان العصر الذهبي لمدينة الحسين (ع) من بين القرون من الناحية العلمية والفكرية، ولم تقتصر النهضة العلمية في هذه الجامعة على علوم الفقه والحديث والأصول بل شملت العلوم العقلية والنقلية كافة، الإسلامية منها والعربية الى جانب علوم الطبيعة والفلك والطب وغيرها، وكان للمرأة دور بارز في تداول العلوم الإسلامية والعربية حيث ارتقت الى مصاف العلماء الأعلام وحاز عدد منهن مكانة علمية سامية".
كما لا يختلف اثنان على ما للمراقد الشريفة من دور ديني وأخلاقي واجتماعي وتأثير إيجابي على المدينة ومن يلوذ بها من سكانها والزائرين، وكلما كانت المدينة هادئة انعكست على المدن الأخرى ايجابيا، ومثل هذا الهدوء والسلام أرضية خصبة للنشاط الاجتماعي والاقتصادي كون: "انتشار هذه المراقد عامل استقرار في حقل الاتفاقات التجارية والمعاهدات القبلية ويخلق جوا من الثقة المتبادلة في حقل العلاقات الاجتماعية". ويتعزز دور المراقد في مجال الاقتصاد محليا وقطريا وعالميا، فحركة السياحة الدينية نحو المدن المقدسة يحرك من عجلة الاقتصاد على كل المستويات ويرفد الميزانية القومية بعملات صعبة تنهض بعمران البلاد.
ملف العمارة الإسلامية
والى جانب قدسية المكين وكرامته، فان المكان الذي يضمه والمرقد الذي يحويه يعتبر: "تحف فنية رائعة وآثار قديمة ونفيسة تعتز بها الأمم والشعوب وتعتبرها ثروة وطنية وإنسانية تخص عموم البشرية ويجب المحافظة عليها لما تحتويه من فن معماري رائع ورصيد تاريخي وروحي وديني زاخر"، وتعتبر عمارة المرقد الحسيني الشريف بخاصة ومراقد رجالات الإسلام بعامة آية من آيات الفن المعماري حيث تضم الريازة الزجاجية والكاشي الفسيفساء والتخاريم الخشبية والصياغة الرائعة للفضة والذهب والنحاس المستخدم، الى جانب المرمر المستعمل في بلاطات المراقد وجبهاتها.
وفي كربلاء المقدسة فإن تاريخ ازدهار المباني وتزويقها يبدأ مع طليعة الحكم البويهي منذ العام 367 هـ، وازداد الاهتمام بها في العهد الصفوي منذ العام 914 هـ. وما يميز عموم المراقد عن المساجد: "أن المساجد لم يدخلها الكثير من الفنون والزخرفة كما في المراقد حيث يجب ان تتسم المساجد بالبساطة والتجرد وعدم الكلفة"، ويمكن القول بالفم المليان: "لقد حفظ المسجد والمرقد ملف تطور العمارة الإسلامية على مر العصور وكان شاهدا حيا وسفرا خالدا ينطق بمراحل التطور العمراني والحضاري للمدن الإسلامية"، كما يعكس جمال الزخرفة المستعملة في العمارة الإسلامية، التي كانت بداياتها في عهد الخلافة الراشدة، حيث: "يذكر إن أول من أدخل الزخرفة في المسجد هو عثمان بن عفان (ت 35 هـ)"، وسار على منواله معاوية بن أبي سفيان (ت 60 هـ)، على أن: "أول من أدخل القناديل المعدنية الى مسجد الرسول هو تميم الدارمي (ت 40 هـ) وذلك في عهد الرسول نفسه حيث حمل قنديلا من الشام وعلقه في المسجد فلما غربت الشمس دخل الرسول (ص) فإذا هو بها تزهر، فقال (ص) من فعل هذا؟ قالوا: تميم الدارمي، فقال (ص): نورت الإسلام وحليت مسجده، نوّر الله عليك في الدنيا والآخرة"، كما ان المراقد لم يشملها النهي الخاص بزخرفة المساجد، ولذلك: "زينت بالمرايا والقاشاني والفسيفساء وبالنقوش والتوريقات والخطوط الجملة".
مفردات من العمارة
اللوحة الفنية تأخذ جمالها ورونقها من مجموعة أجزاء متراكبة بهندسة بديعة، تأخذ بلب الناظر وبصره، والعمارة الإسلامية لا تخرج عن هذا الوصف، ولكن كل جزء فيها يمثل فنا بحد ذاته، ويشرح الدكتور الكرباسي في مجموعة مباحث مستقلة مدعومة بالصورة والرسوم البيانية واللوحات التشكيلية، كل جزء من أجزاء العمارة الإسلامية، وهي غير قليلة وأهمها:
الرواق: بكسر الراء وضمه، ويطلق على الصالات والأجنحة المحيطة بالمسجد أو المرقد أو ربما بلاط الملوك وقصور الرؤساء. ويرد المصنف على القائلين بان فكرة الرواق من إبداعات المسلمين ويرى أنها قديمة على تاريخ المسلمين، ولكن أول من استخدم الأروقة في المسجد النبوي الشريف هو الخليفة عثمان بن عفان.
الصحن: وهو المكان الرحب المحاط أو المتصل بالمرقد أو المسجد، وفي كربلاء المقدسة فان مرقد الإمام الحسين (ع) وأخيه العباس (ع): "واقع وسط صحن كبير محاط بمرافق حيوية مختلفة غاية في الجمال والهندسة المعمارية الأصيلة".
القبة: وهو بناء محدودب له شكل الكرة أو بيضة مشطورة عند وسطها أو على شكل مخروطي أو حلزوني. وما من معبد أو ضريح مقدس إلا وله قبة، وصارت القبة معلما من معالم العمارة الإسلامية حتى جرى مثلا: "تحت كل قبة شيخ".
ويرد المحقق الكرباسي على المؤرخ اللبناني الشيخ طه الولي الذي يرى في كتابه "المساجد في الإسلام" ان قبة مسجد الصخرة هي أول قبة بنيت في الإسلام في العام 72 هـ على يد عبد الملك بن مروان الأموي (ت 86 هـ)، ويذهب مذهب مؤرخي المرقد الحسيني الشريف الى ان إبراهيم بن مالك الأِشتر (ت 71 هـ) بنى في عهد المختار الثقفي (66-67 هـ) أول قبة من الجص والآجر على قبر الإمام الحسين (ع).
والقباب على نماذج منها: الكروية، البيضاوية، المخروطية، المضلّعة، البصلية (من بقل البصل)، والشلجمية (من الشلجم أو اللفت) وغيرها.
المئذنة: مفردة عربية وهو المحل المعد للمؤذن لإقامة الأذان للصلوات الخمس اليومية، وكانت مستعملة قبل الإسلام، لكن: "حاصل الأمر أن المسلمين أخذوا فكرة المآذن من الحضارات التي سبقتهم وأضافوا إليها وطوروها حتى أصبحت فنا إسلاميا رائعا ومتفردا أبدى فيه المعماريون والمهندسون المسلمون آيات الإبداع والفن".
والمآذن تصنف هندسيا الى المربعة والمخروطية والأسطوانية والمضلعة، وتعد مئذنة مسجد الملك الحسن الثاني (ت 1999م) في الدار البيضاء هي الأكبر في العالم حيث يبلغ ارتفاعها مئتي متر.
المقصورة: وهي: "عبارة عن فسحة مسقفة في أعلى المئذنة مشرفة على الخارج يقف فيها المؤذن في العادة ليقيم الأذان فيسمعه أكبر عدد ممكن من الناس وهي بمثابة شرفة مستديرة تطوّق المئذنة". وهي على أنواع الدائرية والمربعة والمضلعة، وكل منها مكشوفة أو مسقفة، وكل منها مضمرة أو بارزة، وكل منها أحادية أو متعددة.
الجوسق: وهو القصر، وهنا يشار الى قمة المئذنة، والجواسق على أنواع، منها المخروطية والقرعية (من ثمرة القرع) والمضلعة والهاونية (من آلة الهاون وفيها تدق البذور وغيرها).
الرمانة: وهي ما يعلو قمم المآذن وقبب العتبات المقدسة.
ويكسو بعض المآذن والقبب الذهب، ويؤكد المحقق الكرباسي ان قبة المرقد الحسيني الشريف تم تذهيبها عام 1207 هـ من قبل السلطان محمد خان بن محمد حسن القاجاري (ت 1211 هـ) قبل أن تأمر زوجة السلطان فتح علي القاجاري الذي حكم في الفترة (1212-1250 هـ)، بتذهيب مئذنة المرقد الحسيني في العام 1214 هـ. وأول مئذنة بقيت حتى هذا اليوم هي المئذنة القيروانية في تونس حيث يعود تاريخ بنائها الى العام 248 هـ على أكثر التقديرات.
ويؤكد المحقق الكرباسي: "أن بناء المآذن (الأبراج) الى جانب القبب فكرة هندسية ابتكرها المسلمون في بناء مراكزهم الدينية وبالأخص في تشييد مراقد عظمائهم وقادتهم الروحيين، حيث لم يعد أن بُني هذا الشكل في الحضارات التي سبقت الحضارة الإسلامية". ولهذا يقدم نماذج من الطراز المعماري في الغرب، يراها قد تأثر بُناتها كثيرا بالعمارة الإسلامية من قبيل كنيسة القديس شارل (St. Charles Cathedral) في فيينا وتسمى الكنيسة أيضا كنيسة (كارل كيرخيه) (Karlskirche)، والفسطاط الملكي (Royal Pavilion) في مدينة برايتون البريطانية، وبرج المدينة القضائية، بما فيه السجن المركزي (برج استرنج ويز) (
المراقد .. النشأة والتطور
وبعد تمهيد استنفذ نحو نصف الجزء الأول من كتاب "تاريخ المراقد"، يتناول المحقق الكرباسي وفق الحروف الأبجدية مراقد من شارك في النهضة الحسينية من قريب أو بعيد، مباشرة أو عرضية، في محاولة من الكاتب لإعطاء كل ذي حق حقه. ولذلك فانه يتناول في حقل حرف الألف مراقد إبراهيم بن مالك الأشتر النخعي الذي ساهم بصورة مباشرة في النيل ممن شارك في قتل الإمام الحسين (ع) بوصفه القائد العسكري لحركة المختار بن أبي عبيدة الثقفي (ت 67 هـ) في الكوفة، ثم قتل في معركة مع الجيش الأموي في منطقة مَسْكِن قرب نهر الدجيل شمال غربي بغداد.
وتحت حرف الألف يتناول الكتاب مقام أم البنين فاطمة بنت حزام الكلابية التي ضحّت بأربعة من أبنائها فداءاً للإسلام ولنصرة أخيهم الإمام الحسين (ع) وهم العباس وعبد الله وجعفر وعثمان. ويقع مقامها في الزاوية الجنوبية الغربية من رواق الروضة العباسية في كربلاء المقدسة، حيث يرى البعض ان أم البنين حضرت كربلاء، فاتخذ من مكان نزولها مقاما، لكن المحقق الكرباسي يرى ان هذا الزعم غير صحيح لان أم البنين لم تحضر كربلاء أصلا وماتت في المدينة المنورة ودفنت في البقيع.
وتحت الباب نفسه يتناول الكتاب مرقد السيدة أم كلثوم وهي ابنة الإمام علي (ع) من أمها فاطمة الزهراء (ع)، وهي التي شهدت واقعة كربلاء وشهدت السبي، وعند الكرباسي: "أن اسمها زينب الصغرى وكنيتها أم كلثوم إلا إنها اشتهرت بأم كلثوم"، ويرجح المحقق الكرباسي ان مرقدها في البقيع، وبذلك فهو يضعف القول بان مرقدها في دمشق في مقبرة الفاطميات.
وتحت الباب نفسه يتناول الكتاب مرقد محمد الأصغر وإبراهيم أولاد مسلم الذي يقع شرقي مدينة المسيب العراقية التابعة لمحافظة بابل، وهما ممن حضر واقعة الطف بكربلاء، واختلفت الروايات بشأنهما ويستظهر الكرباسي في ترجمتيهما: "أن هذا المرقد هو مكان دفنهما لتسالم أهل العصور المتقدمة على هذا الأمر ولم يثبت لنا خلافه".
وفي حرف الباء يتناول الكتاب مرقد بكر بن علي بن أبي طالب الواقع في نواحي مدينة الحلة العراقية ينسب الى بكر الذي حضر واقعة كربلاء، واختلفت الروايات في كيفية وصوله الى الحلة، ويرى الكرباسي من مجمل بيانات انه: "لا يمكن البت بأنه هو أبو بكر ابن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) .. ولعل المرقد لغيره من الصلحاء والأولياء فوقع خطأ في تاريخ الوفاة فأحدث هذا اللبس والله العالم".
وتحت حرف الباء أيضا، يتناول الكتاب بتفصيل موثق بالرسوم البيانية موضع ولادة الإمام الحسين (ع)، ولما كان الموضع يقع في بيت فاطمة (ع) الذي كان ينفتح على المسجد النبوي، فان البحث تناول التطور الذي حصل في المسجد النبوي وما يحيط به منذ قدوم النبي محمد (ص) المدينة المنورة حتى يومنا هذا. وعلى خلاف الشائع حول مجهولية مرقد السيدة فاطمة الزهراء (ع) فان الفقيه الكرباسي يميل الى الرأي القائل: "بأن السيدة فاطمة الزهراء (ع) مدفونة في بيتها"، مرجحا في الوقت نفسه: "أن يكون في حجرتها لا في فناء دارها"، مع التأكيد في الوقت نفسه وجود قبر مرقوم على جهته الشمالية: "هذا قبر فاطمة بنت رسول الله رضي الله عنها"، وقد شاهده الفقيد الشيخ محمد بن محمد حسين الغروي (1337- 1419 هـ) خلال زيارة خاصة في العام 1389 هـ داخل حجر النبي محمد (ص) وأزواجه وابنته.
المرقد الحسيني عبر القرون
وتحت حرف الحاء، يتناول الكتاب المرقد الحسيني الشريف بكل التفاصيل، شاردة وواردة، صغيرة وكبيرة، مترجما الروايات ونصوص التاريخ حول القبر الشريف ومدينة كربلاء المقدسة عبر القرون الى لوحات تخطيطية وتشكيلية، بريشة السيد حسين بن زيدان الموسوي الكاظمي، تضع القارئ في جو الروايات، بخاصة وان الكرباسي أحسن صنعا عندما ضم الى جانب النثر الشعر بالاستعانة بأرجوزة القاضي والأديب محمد بن طاهر السماوي (ت 1371 هـ) الذي طوّع النهضة الحسينية وما جرى على القبر الشريف عبر كر الليالي والأيام تحت حرارة قوافيه، فجاءت الأرجوزة تاريخا مستندا.
ويشار الى ان أول من أقام رسماً لقبر أبي عبد الله الحسين (ع) هم بنو أسد في الثالث عشر من شهر محرم الحرام عام 61 هـ، بإرشاد الإمام علي بن الحسين السجاد (ت 95 هـ). ويستظهر الكرباسي من حديث الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري (ت 78 هـ) الذي زار قبر الإمام الحسين (ع) في يوم الأربعين من استشهاده ان: "القبر الشريف كان في بداية الأمر مرتفعا وبارزاً قليلا عن الأرض". وتوالى في القرن الأول تطوير القبر الشريف من وضع سقيفة وبناء مسجد ووضع صندوق ومن ثم بناء قبة وإقامة قرية سكنية.
وفي القرن الثاني الهجري كانت القبة قائمة، ويستظهر الكرباسي من مجمل أحاديث وروايات: "ان في عصر الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) (ت 148 هـ) كان لمرقد الإمام الحسين (ع) قبة وسقيفة وباب بل وأكثر من باب، باب من جهة الشرق وباب من ناحية ثانية، ولعلها كانت من جهة الغرب". كما أقيم في هذا القرن حول المرقد الشريف سور، كما أنشئ على مرقده مسجد، أي: "أنه أصبح كمسجد يقصده الناس للزيارة والصلاة فيه". لكن المرقد الشريف تعرض في العهد العباسي الى التخريب مرة والى البناء مرة أخرى حسب مزاج الحاكم ومدى قوته وضعفه.
وفي القرن الثالث الهجري وفي عهد المتوكل العباسي جعفر بن محمد المعتصم (ت 247 هـ) تعرض القبر الحسيني الى الهدم والتخريب أربع مرات، وفي المرة الرابعة صادف زيارة النصف من شعبان من عام 247 هـ حيث يفد الناس على زيارة كربلاء من كل حدب وصوب. ومن مفارقات الدهر ان مدينة كربلاء بما فيها القبر الحسيني والعباسي الشريفين تعرضت للتخريب في العصر الحديث عام 1991م خلال زيارة النصف من شعبان، وكادت ان تحترق من جديد في النصف من شعبان العام 2007 بفعل مجموعات متنوعة المشارب اختلت عند بعضها بوصلة الرشاد!.
وما يلاحظ في هذا القرن، ان العدوان المتكرر للمتوكل على القبر الشريف وأتباع أهل البيت (ع) أولد معارضة شديدة، ويستظهر المحقق الكرباسي ان بغداد ولأول مرة منذ إنشائها عام 145 هـ شهدت في النصف الأول من القرن الثالث ظهور شعارات سياسية حائطية معادية للنظام العباسي كانت تكتب على جدران المنازل البغدادية.
وشهد القبر الحسيني بعد مقتل المتوكل على يد ابنه المنتصر بالله محمد بن جعفر (ت 248 هـ) عهدا جديدا من البناء والعمران، واستمر الحال في القرن الرابع الهجري أيضا، فقد نصب معز الدولة احمد بن أبي شجاع البويهي (ت 367 هـ) في العام 352 هـ سرادق العزاء على الإمام الحسين (ع) في بغداد. ومع هذا فان كربلاء المقدسة لم تزل بين الفينة والأخرى تتعرض للعدوان، كما حصل في العام 369 عندما: "أغار ضبة الأسدي على المدينة وقتل أهلها ونهب أموالهم وسرق ما في خزانة الحرم المطهر من نفائس وذخائر وتحف وهدايا، وهدم ما أمكنه هدمه وذلك بمؤازرة بعض العشائر" ثم قفل هاربا الى البادية باتجاه مدينة عين التمر. ومن المفارقات أنه وبعد أكثر من ألف عام، لازالت المدينة تخشى العدوان القادم من البادية، ولذلك فان من الحلول المفيدة لتحصين المدينة هو توزيع الأراضي على سكان كربلاء من طرف بحيرة الرزازة وباتجاه البادية والامتداد بكربلاء نحو مدينة عين التمر، وإحياء منطقة قصر الأخيضر، بدلا من الامتداد السلبي الحاصل اليوم على حساب المزارع والبساتين في أطراف باب بغداد وباب النجف وباب طويريج.
وانتهى الكتاب بمجموعة فهارس في أبواب شتى، مع قراءة نقدية للخبير في الشؤون الإسلامية المستشرق البريطاني الذي اختار الإسلام عقيدة الدكتور عبد المالك بدر الدين إيغل (Abdelmalik Badruddin Eagle)، وجد ان المحقق الكرباسي أبدع فيما أتى، كما: "إن الجزء الأول من تاريخ المراقد يتميز بشموليته مع الالتفات الى التفاصيل الدقيقة بالإضافة الى الهوامش المفيدة الواردة في عموم الكتاب تعتبر شاهدا على الاستخدام الدقيق للمصادر من قبل الشيخ الكرباسي"، وعبر الدكتور ايغل عن كبير سعادته مهنئا الكرباسي: "على إنتاج مثل هذا العمل الثقافي المفيد والرائع"، وإنه: "ينتظر بشغف أن تصدر الأجزاء المتبقية".
* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات – لندن
- التفاصيل
- كتب بواسطة: فاطمة البحراني
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 8
من يفتح بوابة الرقمية الزرقاء
مراجعة في تجربة الشاعر
التفاعلي – الرقمي الأول مشتاق عباس معن
فاطمة البحراني
من يفتح بوابة الرقمية الزرقاء ؟ سؤال تردد كثيرا في كتب المهتمين بالجنس الأدبي الجديد ( الأدب التفاعلي ) أو كما يحلو للبعض تسميته بالجنس التكنو – أدبي ، وهو جنس جديد لم يمض على ولادته غربيا – وأؤكد بقولي غربيا – لأننا دوما مستهلكين لما ينتجه الغرب ، لكن منجز الشاعر المتألق مشتاق عباس معن غير المعادلة فكتب نصا حتى قبل أن تكتمل رؤيته غربيا ، يعني أنه يريد أن يسهم برؤيته فيه حاله في ذلك حال الغربيين الذي نمشي على هداهم وإن ألقوا بنا في المهالك .
هذا منجز كبير يستحق وقفة كبيرة منا ، أنا لا أدعو إلى تأييد بالمجان ، ولكن أريد نظرة واقعة لتجربة كبيرة اقتحمها نيابة عنا جميعا مشتاق عباس معن .
فقد طال انتظارها بعد أن لم يولد من جنس هذا الأدب الحداثي التكنولوجي الرقمي الجديد غير النوع السردي الطويل ( الرواية ) على المبدع العربي محمد سناجلة ، فقد كسر الترقب الشاعر العراقي المبدع مشتاق عباس معن المعروف في كتابات الجنس الأدبي الورقي شاعراً وقاصاً وناقداً من الجيل التسعيني ، وهو ليس غريباً على هذا المبدع إذ له كثير من النتاجات المنشورة إلكترونياً وورقياً والحاصلة على جوائز عربي وعالمية ومنها جائزة الشارقة للإبداع العربي / الدورة الرابعة2000 / المركز الثاني ،جائزة مؤسسة أنجال الشيخ هزاع بن زايد لثقافة الطفل العربي /الدورة الساسة 2001 ، جائزة مؤسسة هايل سعيد أنعم للثقافة والعلوم / الدورة السادسة 2002 .
وقبل أن نعرض لمجموعة الشاعر الرقمي / التفاعلي الأول في الوطن العربي مشتاق عباس معن لا بد من توطئة بمفهوم الأدب التفاعلي والقصيدة التفاعلية أيضاً .
فالأدب التفاعلي :
هو ذلك الجنس الأدبي الجديد الذي ولد في رحم التكنولوجيا ، لذلك يوصف بالأدب التكنولوجي ، أو الأدب الألكتروني ، ويمكن أن نطلق عليه اسم الجنس ( التكنو – أدبي ) إذ ما كان له أن يتأتى بعيداً عن التكنولوجيا التي توفر له البرامج المخصصة ( Software ) لكتابته ، وفي حالة عدم الاستعانة بهذه البرامج ، فلا بد من الاستعانة بالخصائص التي تتيحها كتابة نص إلكتروني قائم على الروابط والوصلات على أقل تقدير .
وبهذا يسهل فهم وصف هذا الجنس بـ ( الأدبية الإلكترونية ) معاً ؛ فهو أدبي من جهة لأنه في الأصل إما أن يكون شعرا أو مسرحية أو قصة أو رواية وإلكتروني من جهة لأنه لا يمكن لهذا الفن الأدبي أيا كان نوعه أن يتأتى لمتلقيه في صيغته الورقية ، ولا بد له من الظهور في الصيغة الإلكترونية خصوصاً مع تعذر محاولات تحويل بعض نصوصه من الإلكترونية إلى الورقية .
ويعتمد هذا الجنس الأدبي الجديد في ظهوره إلى حيز الوجود على استخدام خصائص النص الجديد ، أقصد النص الذي يطل علينا عبر شاشة الحاسوب ، وهو ما اصطلح عليه باسم ( النص المتفرع – Hypertext ) .
ولا بد من تأكيد أن النسق الحامل لهذا الجنس الأدبي الإلكتروني الجديد هو النسق الإيجابي ، بما يتيحه من إمكانيات تشجع الأدباء المبدعين على شحذ خيالاتهم وإطلاق أعنتها لاستثمار كل معطيات هذا النص وإمكانياته التي لا تحدّها حدود .
أما القصيدة التفاعلية Interactive Poem :
فتمثل مصطلحاً ناضجا في الثقافة الغربية المعاصرة ، إذ مضى على ممارسة هذا الجنس الجامع بين الأدب والتكنولوجيا ما يقارب الخمسة عشر عاماً ، هي عمر أو قصيدة تفاعلية غربية .
ومصطلح ( القصيدة التفاعلية ) هو أحد المصطلحات المستخدمة للتعبير عن النص الشعري الذي يقدم عبر الوسيط الإلكتروني ، مع تأكيد ضرورة تميزه بعدد من الخصائص والصفات التي يمكن بموجبها إطلاق صفة ( التفاعلية ) عليه .
فهي إذن نمط من الكتابة الشعرية الذي لا يتجلى إلاّ في الوسيط الإلكتروني ، معتمداً على التقنيات التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة ، مستفيداً من الوسائط الإلكترونية المتعددة في ابتكار أنواع مختلفة من النصوص الشعرية ، تتنوع في أسلوب عرضها وطريقة تقديمها للمتلقي / المستخدم ، الذي لا يستطيع أن يجدها إلاّ من خلال الشاشة الزرقاء ، وأن يتعامل معها إلكترونيا ، وأن يتفاعل معها ، ويضيف إليها ويكون عنصراً مشاركاً فيها .
إنها باختصار تلك القصيدة التي لا يمكن تقديمها على الورق ، كما عرّفها ( لوس غلايزر – Loss Pequeno Glazier ) .
كما يمكن أن تتوفر على أقراص مدمجة ( CD-ROM ) ويمكن كذلك تبادلها بالبريد الإلكتروني ، وهذا يعني أن القصيدة التفاعلية لا ترتبط دائماً بشبكة الإنترنت ، إذ يمكن الحصول على الأقراص المدمجة والتعامل معها دون شرط الاتصال بالشبكة .
وقد بدأت الممارسة الفعلية لقصيدة التفاعلية في مطلع تسعينات القرن المنصرم ، على يد الشاعر الأمريكي ( روبرت كاندل – Robert Kendall ) الذي تحدث عن تجربته في نظم الشعر التفاعلي وحيداً على الشبكة [1].
أما كاندل العربي ( مشتاق عباس معن ) – إن جاز لنا التعبير - فقد استثمر الأقراص المدمجة في نشر مجموعته الرقمية – التفاعلية – الإلكترونية التي حملت عنوان ( قصيدة تفاعلية : تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق ) التي أصدرها في هذا العام 2007م .
وقد استثمر فيها تقنيات ( النص المتفرع – Hypertext ) عبر المؤثرات الصوتية والصورية – الجرافيكية – والتنقل بين النوافذ المفتوحة بحرية ناهيك عن الكتابية عبر رقمية ( 01011 ) .
وقد ضمت هذه المجموعة ستة نصوص تتفرع من نوافذ متصلة ، يظهر النص الأول عبر الزر الرئيس الموجود في الواجهة الرئيسة ، ومن ثم تتحول إلى النص المتفرع عبر إيقونة ( حاشية ) الموجودة في الواجهة الأولى ليتفرع إلى النافذة الثالثة بالضغط على إيقونة ( هامش ) الموجودة في الواجهة الثانية ؛ لتشكل هذه النوافذ الثلاثة وجهة نظر ثلاثية الأبعاد والعلامة للنص المرقوم على الزر الرئيس الأول ، إذ يمكن أن للقارئ أن يختار الوجهة العلامية للنص باختياره النافذة الحاملة للنص المتفرع .
وتتكرر العملية مع الزر الرئيس الثاني ، الذي يقدّم ثلاث نوافذ متفرعة بآلية ترابطية لتكون نظرة ثلاثية الأبعاد لعلامية النصّ المرقوم على الزر الثاني أيضاً .
والجميل جداً المحسوب للشاعر هنا أنه استثمر الأشكال الشعرية الثلاثة : العمودية والتفعيلية ( الحرة ) وقصيدة النثر ، لتكون مجموعته حاملة لأشكال الشعر العربي المعروفة لئلا تحسب هذه المجموعة لشكل دون آخر .
فهي بحق تجربة رائدة انتظرناها فأتت أكلها ، أتمنى على الشاعر أن لا يقتصر على الأقراص المدمجة فحسب فعليه أن ينشرها على الشبكة العنكبوتية الزرقاء ، وهو أمر أضعه بين يدي المهتمين بالأدب التفاعلي – الرقمي – الإلكتروني ، ولا سيما الدكتورة فاطمة البريكي والأستاذ سعيد يقطين والأستاذ محمد سناجلة والدكتور محمد أسليم وسواهم من المبدعية العرب ، وسأضع البريد الإلكتروني للمبدع الشاعر الرقمي – التفاعلي العربي الأول مشتاق عباس معن بين يديكم التي تثّمن الإبداع وتسعى إلى تنمية ؛ للتواصل معه
[1] بتصرف من كتاب : مدخل إلى الأدب التفاعلي : د فاطمة البريكي : 73 – 79 / المركز الثقافي العربي / الدار البيضاء – بيروت / 2006م .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: نضير الخزرجي*
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 9
حواضر شيّدها العلم وأخرى هدّها العنف الطائفي
نضير الخزرجي*
تفتخر كل امة بعلمائها وأعلامها، وتتفاخر كل حضارة بما تملك من حواضر علمية ترفد المجتمع بالمتعلمين والعلماء، وتسطع بأنوار العلم على الأمم الأخرى، والأمة الراشدة النابضة بالحياة، هي الأمة التي يكرم فيها عالمها ولا يهان بينها متعلمها، والأمة الحضارية هي الأمة التي يرتفع بين أظهرها جدران العلم، ويشاد فيها بنيان المدارس والمعاهد العلمية، لان الصرح العلمي هو البوابة الطبيعية لقراءة وعي الأمة وحجم ثقافتها، ولأنه وجه كل حضارة به يقاس عمران نفوس أهلها، وهو مؤشر على الحرية التي ينعم بظلالها المجتمع، والسلام الذي يرفل به الناس.
وكلما تقادم الصرح العلمي عمرا، اكتسب تجارب الأمم الأخرى فأكسب من ينهل منه علوم ومعارف، وتجارب لا يستغني عنها كل ذي عالم لبيب ومتعلم أريب، وإذا تلقى هذا الصرح رعاية خاصة أفاد جيله والأجيال اللاحقة، ونفث في روح الأمة الألق والتقدم، ولذلك فان أية قراءة راشدة لأية أمة حية لا تتم إلا عبر بوابة العلم، ولا يمكن الإطلال على إنجازات الأمة إلا من فوق قلاع الصروح العلمية، فهي الأعلى والأقوى والأسرع في عالم التسابق الحضاري، وان علت ناطحات السحاب في بلد كبير وتسامقت الأبراج في بلدة صغيرة.
الشباب ودائع العلم
وفي الحضارة الإسلامية، تعتبر المدينة المنورة هي النواة الأولى للصروح العلمية التي انتشرت في أنحاء العالم الإسلامي مع اتساع رقعة الإسلام، وهذه الحواضر العلمية التي لم نعد نسمع عنها إلا العدد القليل وما بقي منها أقل، يتابع المحقق الدكتور محمد صادق الكرباسي أخبارها في الجزء الثالث من كتاب "الحسين والتشريع الإسلامي" الصادر في العام 2007، عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 640 صفحة من القطع الوزيري، واضعا يده على مواقع الضعف والقوة في كل مدرسة علمية وحاضرة إسلامية ومآل كل حاضرة، بعد ان يكون قد تلمس تاريخ النشأة وتبين علماء الحاضرة العلمية وتصفح النتاجات العلمية، وأبان الخيوط التي ربطت الصرح العلمي بالسلطة السياسية.
ويبدأ المحقق الكرباسي في هذا الجزء من حيث انتهى في الجزء الثاني حينما تعرض الى المرحلة الأولى من حياة الحاضرة العلمية في المدينة المنورة على عهد النبي الأكرم محمد وعهد الخلافة الراشدة باستشهاد الإمام علي (ع) في 40 هـ وجانب من خلافة الإمام الحسن بن علي (ع) التي انتهت في 41 هـ حتى استشهاده في العام 50 هـ، ويستبين وضع المدينة المنورة العلمي في عهد الإمام الحسين (ع) (ت 61 هـ)، حيث: "كانت ترجع إليه الأمة في الفتيا من كافة أقطار العالم الإسلامي كما كانت الصحابة تعتمد عليه في ذلك"، كما يستبين وضعها في عهد الإمام زين العابدين علي بن الحسين السجاد (ع) (ت 95 هـ) الذي يعتبر: "من أعظم الرواة وأهمهم في الإسلام، وكانت لرواياته أهمية خاصة عند علماء الحديث"، فضلا عن اهتمامه الكبير بطلبة العلوم وبخاصة الشباب منهم، وحسب وصف ابنه الإمام محمد بن علي الباقر (ع) (ت 114 هـ): "كان أبي إذا نظر الى الشباب الذين يطلبون العلم أدناهم إليه، وقال: مرحبا بكم انتم ودائع العلم، ويوشك إذا انتم صغار قوم أن تكونوا كبار آخرين". وترك الإمام السجاد مجموعة من الأصول: "جمعها العلماء من بعده في كتب وصنفوها فأصبحت مصدرا من مصادر التشريع يرجع إليها الفقهاء عند عملية استنباط الحكم الشرعي وهي: الصحيفة السجادية، المناجات الخمس عشرة، رسالة الحقوق، وكتاب علي بن الحسين".
بزوغ العهد الذهبي
أما المرحلة الثانية من حياة الحاضرة العلمية في المدينة المنورة فتبدأ من العام 95 وهي السنة التي استهل بها عهد الإمام محمد بن علي الباقر (ع)، وتنتهي بانتقال عاصمة الدولة العباسية الى بغداد، وشهدت هذه المرحلة حركة تصاعدية في المجال العلمي، وعند بعضهم ان بداية القرن الثاني الهجري حتى منتصف القرن الرابع منه يمثل العهد الذهبي لحاضرة المدينة العلمية، ويرى الكرباسي ان هذا العهد لدى الشيعة الإمامية يقع في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، ومن المدينة المنورة انتشرت العلوم الى بقية المدن والأصقاع.
ولا مشاحة ان الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) (ت 148 هـ) كان له قصب السبق في نشر العلوم وبث التلاميذ هنا وهناك، وكان لسقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية في العام 132 عاملا مساعدا في انتشار العلوم وتلقيه وانفتاح الآخرين على مدرسة أهل البيت العلمية وتزود قادة المذاهب الإسلامية من نمير علم الإمام الصادق (ع). وهذا التلاقح المعرفي كان واحدا من الأسباب التي دعت قادة بني العباس إلى تشديد حلقة الخناق على مدرسة أهل البيت كما حصل مع الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ت 183 هـ) الذي سجن مرات عدة، حتى استشهد في سجنه مسموما.
وفي عهد الإمام علي بن موسى الرضا (ع) (ت 203 هـ): "اتسعت الحركة العلمية ونشط فيه البحث والتأليف والتدوين وتصنيف العلوم والمعارف ونشأت المدارس والتيارات الفلسفية والفكرية، وبدأت حركة الترجمة والنقل من اللغات والشعوب والأمم المختلفة، وازدحمت المدارس وحلقات الدرس بالأساتذة والطلاب"، وحيث كان الإمام في المدينة المنورة فكان سيد العلماء وكما يقول (ع): (كنت أجلس في الروضة والعلماء بالمدينة متوافرون، فإذا أعيا الواحد منهم مسألة أشاروا إليّ بأجمعهم وبعثوا إلي بالمسائل فأجبت عنها)، وقد نسب إليه من الكتب ثلاثة: فقه الرضا، صحيفة الرضا، والرسالة الذهبية.
ولما هاجر الإمام الرضا مدينة جده الى طوس عام 200 هـ لتسلم ولاية العهد لحكومة المأمون العباسي (ت 218 هـ)، خلف في المدينة المنورة نجله الإمام محمد بن علي الجواد (ع) (ت 220 هـ)، يفتي في الناس وهو حدث السن، وما أحد سأله إلا وأجاب، ولم يرهقه السؤال ولم يعيه الجواب، ولما رحل عن الدنيا مسموما في بغداد ترك للأمة الإسلامية نجله الإمام علي بن محمد الهادي (ع) (ت 254 هـ).
ومن يدرس الحواضر العلمية الإسلامية وعلمائها يكتشف الشيء الكثير والمثير للإعجاب، ومن ذلك ان المحقق الكرباسي يستشف من قصة حصلت في عهد الإمام الهادي، أن العمليات الجراحية الداخلية كان أمرا متعارفا عليه في الطبابة، أي ان الطب كان متقدما للغاية، إلا ان القمع الذي واجهه العلم والعلماء حال دون حصول تراكمات علمية تدفع بالمجتمعات الإسلامية الى الإمام، كما هو الحاصل في المجتمعات الغربية التي استفادت من التراكمات العلمية رغم قصر عمر الطفرات العلمية وتقدمت أشواطاً بعيدة في المجالات العلمية كافة حتى صار المسلمون عالة على موائد الغرب العلمية!
على أطراف الجزيرة
وينتقل الفقيه الكرباسي من حاضرة المدينة العلمية الى مكة المكرمة، مسلطا الاضواء على حاضرتها العلمية، ووجد: "إن فقهاء مكة فيما بعد كانوا على تقارب مع فقهاء العراق في كون أكثرهم من أصحاب مدرسة الرأي"، على خلاف من فقهاء المدينة المنورة الذين تمسكوا بمدرسة الحديث.
وينتقل الى اليمن التي دخلها الإسلام أولا في الثامن من عام الهجرة على يد الإمام علي بن أبي طالب (ع)، ويوجه أنظار القارئ إلى خارطة حاضرتها العلمية وعلمائها. ثم يعرج على البحرين الكبرى وحاضرتها العلمية، مؤكدا على النشاط الذي دب في جسد: "الحركة العلمية في البحرين منذ القرن السابع الهجري" ثم أنها: "بلغت ذروتها في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، ثم بدأت تتجه نحو الانحسار في القرن الرابع عشر الهجري". وفي الاحساء التي كانت تشكل جزءا من البحرين الكبرى، وهي تقع في المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية، فإنها شهدت نموا علميا ملحوظا: "إلا أن دورها تضاءل بعدما توحدت المملكة العربية السعودية في ظل السلطات السعودية، فكان الدارسون منهم يتوجهون الى العراق وإيران والبحرين لطلب العلم". ولم تختلف القطيف وهي من مقاطعات المنطقة الشرقية عن الإحساء، فقد أصابها ما أصاب الاحساء، لكنها بدأت تشهد في القرن الخامس عشر الهجري حركة علمية وادعة بخاصة مع إنشاء حوزة القائم (ع) وعدد من المدارس العلمية في مدن القطيف مثل العوامية.
الكوفة .. ترسيخا وإنتشارا
وتعتبر حاضرة العراق العلمية الثانية بعد المدينة المنورة من حيث الشهرة، بخاصة وان معظم المدارس الفكرية والمذاهب الإسلامية ظهرت فيها، ويرى المحقق الكرباسي ان جامعة الكوفة العلمية هي الأولى في العراق، ومن حيث التأريخ: "فان البصرة تعد الثانية وكربلاء الثالثة وبغداد الرابعة والنجف الخامسة والحلة السادسة وسامراء السابعة"، مع وجود معاهد علمية في مدن واسط والموصل.
وأخذت الكوفة شهرتها العلمية بانتقال العاصمة الإسلامية على عهد حكم الإمام علي (ع) من المدينة المنورة إليها في العام 36 هـ، ومن عظمتها ان: "عقدت حلقات الدرس والمناظرة في مسجد الكوفة، وشارك الإمام بنفسه مع ثلة من حوارييه في إقامة مثل هذه الحلقات وكانت ابنته زينب الكبرى (ع) هي الأخرى اتخذت خطة متقدمة جداً حيث أنشأت حلقة درس في تفسير القرآن وبيان الأحكام الشرعية للنساء خاصة"، وحسب ما يقول الفقيه والمؤرخ السيد محسن الأمين (1371 هـ) في أعيان الشيعة:1/137، أن الإمام علي (ع) يعتبر أول من تكلم في أصول الفقه فأملى ستين نوعا من أنواع علوم القرآن. كما كان للإمام علي (ع) مضمار السبق في التأليف والتصنيف، وانعدم هذا الفن لدى مدرسة الرأي، ولا غرابة في ذلك لأن مدرسة الحديث (مدرسة أهل البيت) شجعت على التصنيف فيما حرمت مدرسة الرأي ذلك على الصحابة والتابعين، واستمر هذا الحظر لمدة قرن كامل. ويعتقد المحقق الكرباسي ان حاضرتي المدينة المنورة والكوفة كانتا: "لهما أهمية كبرى في تاريخ الحضارات العلمية في العالم الإسلامي"، وذلك لأن: "الأولى حيث كان بها التأسيس، والثانية حيث كان بها الترسيخ والانتشار، والأولى قادها الرسول الأعظم (ص)، والثانية تزعمها وصيه الإمام علي (ع)".
ولكن حاضرة العراق العلمية تعرضت الى القمع في عهد معاوية بن أبي سفيان (ت 60 هـ) ومن جاء من بعده، فهجرها العلماء، وابتعدت الكوفة عن مدرسة الحديث واقتربت كثيرا من مدرسة الرأي: "بسبب الفقهاء والرواة الذين دعمتهم السلطة الأموية، بينما اتجهت جامعة المدينة نحو مدرسة الحديث بسبب هجرة عدد من الفقهاء والرواة إليها". غير ان الأمر لم يستمر طويلا، فقد انتعشت الحياة العلمية في الكوفة في عهد الصادقين محمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق، وتفوقت المدرسة الكوفية على المدرسة البصرية. وفي هذا العهد وصل التطور التشريعي ذروته ونشأت الى جانب المدرسة التشريعية الإمامية (الشيعية) والإباضية (الخوارج) والزيدية، مدرسة أبي حنيفة. وفي البصرة التي دخلها الإسلام عام 16 هـ، نشطت الحركة العلمية فيها بعد ان سكنها الأصحاب والتابعون من علماء ومحدثين وفقهاء ورواة.
العضدية سبقت النظامية
وفي كربلاء التي فتحها المسلمون عام 12 هـ، انتعشت فيها الحركة العلمية بخاصة بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) عام 61 هـ، حيث تجمع الفقهاء حول قبر الشهيد، وسكنها لفترة الإمام جعفر الصادق (ع) والإمام موسى الكاظم (ع)، وقد برزت كربلاء علميا منذ القرن الثاني الهجري. ويفند المحقق الكرباسي ما أشيع بان المدرسة النظامية في بغداد هـ التي أنشأها الوزير نظام الملك حسن بن علي الطوسي (ت 485 هـ) عام 457 هي أول صرح علمي شيد في العراق على الإطلاق، ويرى ان كربلاء المقدسة شهدت في عصر البويهيين قيام أول مدرسة علمية كبرى في العراق وذلك عام 369 هـ أسسها عضد الدولة البويهي (ت 372 هـ)، وأخذت اسمه، وأقام بعد عامين مدرسة أخرى بالاسم نفسه لاستيعاب العدد المتزايد من طلاب العلم، حيث كانت كربلاء في تلك الفترة تضم آلاف الطلبة والمدرسين.
ويجزم المحقق الكرباسي بتقدم المسلمين زمنيا على غيرهم في تشييد الجوامع العلمية، فأول صرح علمي جامعي تأسس في الغرب كان المجمع البولوني (Bologna) في باريس في القرن السادس الهجري ومجمع مونت پلير الفرنسي (Montpellier) واكسفورد (Oxford) في القرن السابع الهجري.
وتعرضت حاضرة كربلاء العلمية الى مد وجزر، وكان آخر مدرسة شيدت فيها قبل سقوط نظام صدام حسين (ت 2006 م) في 9/4/2003 هي مدرسة السيد الخوئي التي شيدها السيد أبو القاسم الخوئي (ت 1413 هـ) في العام 1395 هـ، وآخر مرجعية دينية هي مرجعية السيد محمد الشيرازي (ت 1422 هـ)، لكن كربلاء المقدسة راحت تستعيد عافيتها العلمية منذ دخول العراق في عصر الديمقراطية التمثيلية منذ العام 2003م.
على ضفتي دجلة
والى شمال كربلاء على بعد نحو مائة كيلو متر شيد المنصور العباسي (ت 158 هـ) مدينة بغداد عام 145 هـ، وأخذت المدينة تعمر علميا، وقد سكنها المسلمون سنة وشيعة، وحسب ما يقول المؤرخ السيد محسن الأمين وهو يتحدث عن الخارطة السكانية للعراق، فان: "التشيع في بغداد قديم من حين إنشائها، فان التشيع كان قد انتشر في أقطار الأرض وكانت محلة الكرخ في عهد العباسيين كلها شيعية وكثر التشيع في بغداد في عصر البويهيين"، ولازالت بغداد الى يومنا هذا تمثل خليطا من الشيعة والسنة، يمثل الشيعة العرب نحو 82 بالمائة من سكانها حسب تعداد نفوس العام 1987م، في بلد يشكل فيه الشيعة نحو أربعة أخماس الشعب العراقي كما يقول الرحالة الفرنسي فيكتور بيرار (Victor Berard) (1864-1931م) الذي زار العراق في العام 1907م.
واستقر في بغداد أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي (ت 150 هـ) وفيها مات، وسكنها احمد بن حنبل (ت 186 هـ) وفيها مات، وفي جانب الزوراء مرقد الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد، وراح علماء الكوفة يرحلون صوب بغداد، ويميل المحقق الكرباسي ان جامعة بغداد العلمية: "حافظت على تقدمها العلمي بفضل دعم العباسيين للعلم وحبهم لانحصار التفوق العلمي في عاصمة ملكهم وعدائهم لأهل البيت (ع) خوفا من زعزعة ملكهم". ولكن مع هذا فقد برز علماء الشيعة ومراقدهم المتوزعة في بغداد على ضفتي نهر دجلة (كرخ ورصافة) شاهد على ذلك، حيث كان نفوس شيعة بغداد في بداية القرن الخامس الهجري نحو أربعة ملايين شخص تعرضوا الى فتنة طائفية وإبادة بشرية مع سيطرة السلاجقة على الحكم في بغداد.
ويسجل المحقق الكرباسي ملاحظة مهمة على طبيعة المواد الدراسية في مدارس بغداد وغيرها، فيرى ان المدارس الإمامية امتازت عن غيرها بتدريس فقه المذاهب الإسلامية الى جانب الفقه الإمامي: "وعلى هذه السيرة سارت كل الحوزات والمجامع العلمية الى يومنا هذا في كل من العراق وإيران ولبنان وسوريا وغيرها وهذا دليل العافية لابد من الالتزام بها".
ويتوقف المؤلف عند حاضرة النجف الأشرف بوصفها واحدة من الحواضر العلمية التي تركت بصماتها في واقع المسلمين، وانتعشت مجالسها العلمية في عهد الدولة البويهية، وسطع نورها العلمي بتوطن شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ) فيها عام 450 هـ حيث دفعته النزعات الطائفية الى الهجرة من بغداد بعد ان احرقوا مكتبته العامرة، ومن هذا الوقت بدأت الحركة العلمية في النجف الأشرف تتوسع بشكل مضطرد، ثم يخبو ضؤوها ثم تعود من جديد.
ويشار الى أن الشيخ حسين بن خليل الخليلي (ت 1326 هـ) هو أول من تزعم الحركة العلمية في النجف ممن ولد ونشأ ودرس فيها، يليه في المواصفات السيد محسن بن مهدي الحكيم (ت 1390 هـ). وأصاب النجف ما أصاب كربلاء في عهد نظام صدام حسين، بخاصة في العام 1991م عندما تعرضت عشرات المدارس العلمية في المدينتين الى التدمير أثناء انتفاضة الشعب العراقي، فضلا عن اعتقال وإعدام المئات من العلماء وطلبة العلوم الدينية، وإبادة عشرات الآلاف من سكان المدينتين المقدستين.
ويتابع المحقق الكرباسي التطورات العلمية في مدينة الحلة الفيحاء التي تمصرت في العام 495 هـ على يد سيف الدولة المزيدي (ت 501 هـ)، وقد بدأ عصرها العلمي الزاهر بابن إدريس الحلي عام 560 هـ، الذي: "كان قد أخذ من علماء كربلاء والنجف وأصبح علماً يشار إليه بالبنان حيث كان مجدداً للنهضة العلمية بعدما أصابها الركود بوفاة الشيخ الطوسي – الحفيد - عام 540 هـ"، وانتهى العهد الذهبي للحلة عام 980 هـ وكان أوج تألقها أيام المحقق الحلي (ت 676 هـ).
سامراء تعاتب علماءها
أما سامراء التي دخلها المسلمون عام 16 هـ، فان حاضرتها العلمية انتعشت في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، وكان للإمامين علي بن محمد الهادي وابنه الحسن بن علي العسكري (ت 260 هـ) دور كبير في نهضتها العلمية، لكن عودة العاصمة الى بغداد عام 256 هـ وغيبة الإمام محمد بن الحسن المهدي المنتظر عام 260 هـ أضعفها. ولكن الحياة رجعت إليها في عهد السيد محمد حسن الشيرازي (ت 1312 هـ) الذي سكنها عام 1291 هـ وأنشأ فيها المدارس العلمية، وقصدها الأدباء والشعراء والساسة وطلبة العلوم.
ولم يستمر الأمر طويلا، فقد انتكست برحيله، ورحيل العلماء عنها وتوزعهم على المدارس العلمية في النجف وكربلاء والكاظمية، واعتقد ان التجاذبات بين هذه الحواضر لكسب مدرسي وطلبة حاضرة سامراء، أفرغ سامراء من مدرسة أهل البيت وجعلها يتيمة مما ساعد القوى التكفيرية على العبث بالمرقدين العسكريين والاعتداء على شيعة أهل البيت (ع)، حيث أقدمت قوى الظلام التكفيرية في 22/2/2006، على تدمير المرقدين الشريفين وإسقاط القبة الذهبية، ثم عادت في 13/6/2007 لتكمل ما خربته في الأولى فأسقطت المنارتين، ولا يخفى ان هذا الحقد الدفين هو الذي جعل معظم الحواضر الإسلامية العلمية تصبح في خبر كان، وتضيع معها العلوم بعد ان تضيع مكانة العلماء وأرباب العلم، في حين تتقدم المجتمعات التي تحترم العلم والعلماء، وليس الغرب عنا ببعيد زمانا ومكانا، فهو يعيش بين أظهرنا بعِلمه وعسكره ونعيش بين أظهره بجهلنا وقتلنا لكل فضيلة بمعاول التكفير ومقاطعة عصر النور والتنوير. وهنا يعبر الفقيه آية الله الكرباسي عن مرارته لما آلت إليه المدينة المقدسة: "فقد كانت سامراء وكأنها تعتب على فقهاء الإمامية حيث تركوا جوار إمامين من أئمتهم طيلة قرون متمادية رغم وجود مركز غيبة إمام زمانهم"!
حاضرة بلاد الشام
مع فتح المسلمين لدمشق عام 13 هـ، وانتقال عاصمة المسلمين من الكوفة الى دمشق على عهد معاوية بن أبي سفيان وانتقال عدد من الصحابة والتابعين إليها، أخذت مدرسة دمشق العلمية رونقها بخاصة بعد ان شيد الوليد بن عبد الملك الأموي (ت 96 هـ) الجامع الأموي عام 88 هـ، وظلت حلقات العلم قائمة حتى القرن الثامن الهجري، وكان نواة المدرسة الإمامية العلمية قد غرست في دمشق في القرن الرابع الهجري، وكان للدولة الحمدانية والمرداسية والفاطمية والعمارية وغيرها أثرا في خلق هذه الأرضية.
وبعد انقطاع طويل للمدرسة الإمامية عن دمشق أعاد السيد محسن الأمين الحياة إليها من جديد بعد ان سكن دمشق عام 1319 هـ، وفتح فيها عددا من المدارس العلمية، وبعد سبعة عقود من ذلك نزل السيد حسن الشيرازي (ت 1400 هـ) بيروت في العام 1390 هـ، وبعد ثلاث سنوات التحق به المؤلف الشيخ محمد صادق الكرباسي، وفي العام 1395 هـ أسسا الحوزة العلمية الزينبية في ضاحية دمشق لاستيعاب طلبة العلوم الدينية الذين أبعدهم نظام صدام حسين من العراق، وكان المؤلف أول مدير لها وواضع برامجها الدراسية، ولازالت الحوزة قائمة حتى يومنا هذا، ولها الدور الكبير في تشجيع عدد من العلماء من لبنان والعراق وإيران على فتح أكثر من عشرة مدارس علمية في ريف دمشق للطلبة والطالبات.
والى جانب دمشق شهدت حلب التي فتحها المسلمون عام 15 هـ حاضرة علمية، وبخاصة في الثلث الأول من القرن الرابع الهجري عندما اتخذها الحمدانيون عاصمة لهم، ثم انحسرت الحركة العلمية الإمامية بعد رحيل الدولة المرداسية عام 472 هـ.
وأقيمت حاضرة علمية في مدينة طرابلس الشام التي فتحها المسلمون بعد عام 23 هـ، وازدهرت طرابلس علميا في عهد الدولة العمارية التي انتهت عام 502 هـ، ولكن بقضاء الصليبيين على دولة بني عمار انتهى دور طرابلس العلمي.
وازدهرت مدينة القدس الشريف التي دخلها المسلمون عام 15 هـ، حيث ورد عليها الأصحاب والتابعون واقتفى أثرهم العلماء والفقهاء، وأقيمت فيها عشرات المدارس العلمية.
أما في جبل لبنان، فإنها من المناطق التي توطن فيها العلم والعلماء، ودخلها التشيع بفعل إبعاد الصحابي أبو ذر الغفاري (ت 32 هـ) إليها، وعلى مدى التاريخ هاجر إليها العلماء. وينبه المحقق الكرباسي الى التأثير الواسع الذي تركه علماء جبل عامل على الحواضر العلمية في العالم الإسلامي، حيث كان لهؤلاء العلماء: "دور في تنشيط وإحياء الحركة العلمية في مركز كربلاء وأصفهان والحلة ومشهد والنجف وبعلبك ودمشق وغيرها".
وفي بعلبك التي دخلها المسلمون عام 14 هـ، قامت حاضرة علمية، وبخاصة في القرن السادس الهجري، وكان الفقيه الشهيد الثاني زين الدين العاملي (ت 965 هـ) في العام 953 هـ يدرس فيها الفقه على المذاهب الخمسة: الإمامية، الحنفية، المالكية، الشافعية، والحنبلية، ويفتي أهل كل مذهب بما يوافق مذهبه. ويعد القرن الثامن الهجري العصر الذهبي لمدينة بعلبك، حيث ترجم لها ابن حجر العسقلاني (ت 853 هـ) لأكثر من 160 عالما في هذا القرن.
أول جامعة في العالم
وتعتبر مصر التي فتحها المسلمون عام 20 هـ واحدة من أهم الحواضر العلمية في شمال أفريقيا، وبخاصة على عهد الدولة الفاطمية التي اهتمت بالعلم والعلماء وتشييد المدارس العلمية والمكتبات العامة، ويشهد عليهم جامع الأزهر الذي سمي تيمنا باسم السيدة فاطمة الزهراء (ع)، ولشدة اهتمامهم بالعلم فإنهم رصدوا للمدارس العلمية وللطلبة والمدرسين نحو 430 مليون درهم سنويا واستقطبوا الأساتذة من كل مكان.
ويذهب المحقق الكرباسي الى التأكيد ان جامع الأزهر شهد في العام 378 هـ وضع اللبنة الأولى لإقامة معهد للدراسة المنتظمة يؤسس لأول جامعة حقيقية، وشهد العام 395 هـ قيام أول جامعة إسلامية كبرى، وعلى مستوى العالم كله، ومن مميزات هذه الجامعة العلمية الحضارية: "أنها فتحت باب التسامح على مصراعيه بالنسبة الى المذاهب الإسلامية الأخرى، فكان للمالكية في الأزهر خمس عشرة حلقة، وللشافعية مثلها، وللحنفية ثلاث حلقات"، ولكن هذا التسامح المذهبي انهار مع انهيار الدولة الفاطمية عام 567 هـ على يد صلاح الدين الأيوبي (ت 589 هـ).
وشهدت تونس قيام حاضرة علمية لأتباع المذاهب الإسلامية، وكان في القيروان مجموعة كبيرة من أتباع مدرسة أهل البيت (ع) لكن العنف الطائفي أتى عليهم نسلا وحرثا، حيث يقول ابن الأثير (ت 630 هـ) في الكامل في التاريخ: 7/294 في حوادث عام 407 هـ، أن الشيعة تعرضوا لإبادة جماعية حيث: "حصرهم العامة وضيقوا عليهم فاشتد عليهم الجوع فأقبلوا يخرجون والناس يقتلونهم حتى قتلوا عن آخرهم"!
وأقيم في تونس جامع الزيتونة في العام 114، وتحول في العام 627 هـ في عهد حكم الحفصيين (698-647 هـ) الى جامعة كبرى، واستمرت على نمطها القديم في التعليم حتى تحولت في العام 1370 هـ الى جامعة أكاديمية حديثة على غرار ما حدث في جامعة الأزهر.
وفي المغرب أقيم جامع القرويين ليتحول بعد فترة الى جامعة علمية كبرى، وقد بلغت جامعة القرويين أوج عظمتها العلمية في عهد الدولة المرينية (592-956 هـ)، ومن عظمة هذه الجامعة أن إلتحق بها غير المسلمين من نقاط بعيدة مثل البابا سلفستر الثاني (Pope Sylvester II) الذي تولى البابوية في روما لأربع سنوات من عام 999م حتى وفاته عام 1003م، وهو أول فرنسي يتولى البابوية، وكان من قبل قد درس في جامعة قرطبة العلمية.
وفي الضفة المقابلة للبحر الأبيض المتوسط أقيمت في قرطبة العاصمة السياسية والعلمية للأندلس، جامعة علمية كبرى، كان من الدارسين فيها البابا سلفستر الثاني أيضا. وفي العام 627 هـ اتخذت دولة بني الأحمر من غرناطة عاصمة لهم، فازدهرت بالعلم والمعرفة، وفي العام 750 هـ شيدت أول مدرسة علمية في الأندلس. وفي بعض الفترات كانت حاضرة اشبيلية العلمية في البرتغال تضاهي حاضرتي قرطبة وغرناطة.
مأسسة الجهاز التعليمي
يعتقد المحقق الكرباسي ان الإسلام دخل قلوب الفرس في عهد الرسول الأكرم محمد (ص) في حين دخل الإسلام أراضيهم على عهد الخليفة عمر بن الخطاب (13- 23 هـ). وشهدت إيران والدول المحيطة قيام جامعات علمية كبيرة، ويشار الى الوزير السلجوقي نظام الملك الطوسي كواحد من الوزراء الذين شيدوا المدارس في المدن الإسلامية، ويرى الشيخ الكرباسي ان هذه المدارس والرغبة في دمج فقه المذاهب الأربعة في برنامج دراسي واحد: "بادرة أولى نحو مأسسة الجهاز التعليمي في الاتجاه الفقهي في عصور مبكرة لم تعرف هذا النوع من الشبكات العلمية الموحدة المنهجية والأهداف إلا في منتصف القرن الرابع عشر الهجري عندما حاول بعض المثقفين إنشاء جامعة إسلامية من خلال شبكة تعليمية موحدة في الحجاز إلا أنها باءت بالفشل".
ويشرع الكتاب بتتبع النهضة العلمية في مدينة ري التي دخلها الاسلام عام 23 هـ، وهي اليوم من ضواحي طهران الجنوبية. وينتقل الى الحديث عن قم المقدسة التي دخلها الاسلام عام 23 هـ وسكنتها العشائر الكوفية الهاربة من طغيان الحجاح بن يوسف الثقفي (ت 95 هـ)، ويشار ان الشيخ عبد الكريم الحائري (ت 1355 هـ) الذي سكنها عام 1340 هـ اعاد لها الحياة العلمية وأنعشها، وازداد بهاؤها العلمي بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران عام 1979م، حتى: "أصبحت اليوم اكبر جامعة علمية على الاطلاق للشيعة الامامية"، كما: "تعد هذه المدينة المقدسة اليوم المركز الأول عند الإمامية من حيث تعدد المرجعيات الدينية فيها".
والى شمال طهران تقع مدينة قزوين التي دخلها الاسلام عام 24 هـ، وهي واحدة من الحواضر العلمية الشهيرة، ضمت عشرات المدارس: "وبقيت هذه المدينة بحاضرتها العلمية معطاءة حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري إلا ان جذوتها طفت لتشع بأبنائها في حواضر اخرى في ايران والعراق".
وتعد مدينة إصفهان التي دخلها الاسلام عام 19 هـ واحدة من الحواضر العلمية الشهيرة، ومن شدة تعلق اهلها بالاسلام سعوا الى تعلم اللغة العربية حتى سادت، وتعرضت اصفهان كاخواتها الى مد وجزر، وقد انتعشت في عهد الشيخ محمد ابراهيم الكرباسي (ت 1261 هـ) احد اجداد المؤلف.
كما تعتبر مقاطعة خراسان من المقاطعات التي نشأت فيها حواضر علمية، بخاصة في مركز المقاطعة مدينة مشهد التي تضم مرقد الامام علي بن موسى الرضا (ع)، حيث شهدت في عصره نهضة علمية كبيرة. ومن مدن خراسان مدينة نيسابور او نيشابور التي فتحها المسلمون عام 31 هـ حيث مرت بفترات ذهبية كان يشار اليها بالبنان، لكن الصراعات المذهبية في بعض الفترات أتى على مدارسها وصوامعها العلمية حرقا وتدميرا. ومن مدن ايران العلمية مدينة يزد حيث نشطت فيها الحركة العلمية منذ القرن الثالث الهجري وحتى القرن الثاني عشر الهجري وكان للشيخ محمد جعفر الكرباسي (ت 1150 هـ) احد اجداد المؤلف دور كبير في نهضتها العلمية.
والى جانب ايران التي دخلها الاسلام عام 14 هـ، فهناك حواضر علمية اقيمت في دول الجوار مثل الهند وباكستان وافغانستان والبنغال وبلاد ما وراء النهر، فعلى سبيل المثال فان مدينة بخارى التي تقع اليوم في دولة اوزبكستان كانت من مراكز الثقافة والعلم وكانت عامرة بالعلماء والشعراء وذوي الفضل أمثال البخاري (ت 256 هـ)، والطبيب الرازي (ت 313 هـ)، والشيخ الرئيس ابن سينا (ت 428 هـ).
وألحق المؤلف في خاتمة الكتاب عشرات الفهارس في أبواب شتى، مع قراءة نقدية بقلم الاستاذ السابق في جامعة كابل بأفغانستان المرحوم البروفيسور عبد الأحمد جاويد، ثمّن فيه عمل: "مؤلف دائرة المعارف الحسينية العالم الكبير والشهير آية الله محمد صادق الكرباسي"، مؤكدا في الوقت نفسه أن: "هذا العالم الكبير أتى بعمل ليس له من نظير"، مجريا مقارنة مع عدد من الموسوعات لينتهي الى القول انه: "اشتهرت في تاريخ التشيع موسوعات، من قبيل الفهرست للشيخ حسين الطوسي وأعيان الشيعة لآية الله السيد محسن الأمين، ولكن هذه الموسوعات تفوق كل الموسوعات من حيث الحجم".
* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات – لندن