القصة والرواية
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أمياي عبد المجيد
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 7
- كيف استقبلتك الحياة عندما طردتك أمك من أحشائها ؟ رفضتك؟ لا بد انك كنت كثير الصراخ ,والعويل فأزعجتها , وحرمتك من سعادتها .. فأضحيت كالغراب تحلق في سماء ليست لك تعشق أشكالا, وأنواعا من الطعام .. فتتحسس جيبك وتجده مثقوبا .. وان تلك الفرنكات الصفراء قد سقطت بينما كنت تمشي وأنت حافي القدمين ..
من منكم يا جماعة نام وفي بطنه قطعة خبز يابسة ؟
هي مسروقة ان وجدت في بطن أحدكم ..
من عادة أهل هذه المدينة الصفراء أنهم ينشرون الخبز المتعفن على سطوح المنازل ليتحمص ويطعموا به الأرنب .. وما أشهى اللحم المسروق انه لذيذ جدا..هكذا يردد في خياله ..
المشهد نفسه منذ زمن ليس بالقصير .. أشعة شمس هاربة من السماء كل صباح .. تتمسك بخيوط الهواء البارزة لتجتاح المكان ..تتسلل حزمها إلى جحور الجرذان , والأكواخ القصديرية ..تشرئب أعناق تسعة بشريين .. ثمانية عشرة عينا ترقص للصباح ..في بطن كل واحد منهم قطعة خبز يابسة مسروقة منذ زمن .
- صباح جميل نسمات منعشة تدخل البهجة إلى النفوس .. السحب تتجه جهة الشرق تدفعها ريح غربية .. يقولون بان الرياح الآتية من هناك مفعمة بالأشواق, والسعادة تتخللها رائحة الباريسيات وهن يستمتعن بمنظر برج إيفل ..يشبهنا شحاذات الهوى .. وكأن البرج يمنح لهن ذاك الإحساس المتناغم , والمترامي الأطراف .. فترى العاشقين ينساقون ورائهن كالكلاب اللاهثة دون كلل ولا خجل ...يضحكني أيضا كريستوف كلومبوس حينما قاد أسطوله ليبحث عن طريق إلى الهند وقادته سذاجته إلى العالم الجديد ..دون أن يعرف بأنه قد اكتشف عالما جديدا .. كان مثيرا للشفقة, وأشبه بشحاذ يطلب التوابل ,والذهب من رحم الأرض ..
حينما ينسج الليل قميصا للنهار .. في كل يوم كان الرجل المتسخ , والمرقع السروال.. ذو الشعر المنفوش .. على أتم الاستعداد لينطلق في رحلة جديدة من رحلاته مع قطع الشوارع ,والأزقة المحفورة .. المتناثرة هنا وهناك .. خرج من جحره القصديري كثعلب إفريقي .. يحصد قطع الشوارع بقدميه الملوثتان بالتراب .. يندب حضه اللعين .. ويلعن الزمن الغدّار.. كم كان يتمنى أن يكون له بيتا مطلي بالصاروج .. يحاول أن يبدد النار المشتعلة في جسده .. فينظر إلى السماء بنظرة ثاقبة وكأنه يتحسس جيوبها .. علّها تمطر ذهبا , أو فضة , ويصبح من اثرياء العالم .. لكن لا شيء يحصل من هذا القبيل .. فزمن المعجزات ذهب مع أصحابه.. يلعن حضه من جديد ويستمر في حصاده المضني ..قادته آلة الحصاد إلى شارع الجوهرة .. ارتمى أمام عينيه الجاحظتين تاجر ذهب , يرش محيط حانوته بالماء البارد, لتتنفس الأرض من حوله , وتجذب له زبناء كثيرون ..التفت التاجر إلى الوراء سمع قعر نعال خشن وجد أمام عينيه جثة هزيلة .. غريبة على هذا الشارع المتلألئ بالمجوهرات ..مد المتسخ يده في صمت جارح .
- أعوذ بالله من سخطه .. طلاب في هذا الصباح الجميل ؟ لعنة الله عليكم لقد انتشرتم في الأرض وأرهبتم الزبائن بمناظركم الشنيعة..
هيا اغرب عن وجهي .. لقد عكرت مزاجي عن العمل .. ولا أريد أن أرى وجهك بعد ألان ..
اسمك عبد الحميد الشحاذ . ..
سنك لا اعرف لست مدونا عند ظابط الحالة المدنية ..
لديك سبعة أولاد.. وأمهما.. يحتاجون إلى قطع خبز مسروقة يوميا حتى تظمن حياتهم
مستواك الدراسي .. حصلت على شهادة الثانوية ..
من أخبرك بمهنة التسول ..سمعت ذلك من إذاعة تابعة لوزارة الشغل ..
يلتفت إلى اليمين ثم إلى اليسار .. يجد نفسه لم يقطع من المسافة ما يوفر له قطعة نقود .. يحزم أمره إلى شارع أخر غير بعيد عن شارع الجوهرة . يقال له شارع العطارين .. وكله أمل أن يحصل على حفنة نقود من هذا الشارع . يمد يده إلى هذا طالبا .. والى الأخر شحّاذا.. والى هناك متسولا .. لعنة , وبصقة مشرئبة , وشتيمة ..حصاد شارع العطارين .. بعض المتسوقين يمسح يده بدرهم أو نصفه .. يعود ليزرع ما حصده من شوارع .. مخلوق نحته الزمان على أنغام الفقر ..وجعلته تحفة فنية في متحف الغرباء .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبد الله الكباريتي
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 4
لم يمر الوقت على سفري ، ألتقينا سوياً جانب القطار كانت اجمل أنثي تدخل
تلك البلده الواقعه على شاطئ الرمال القريبه من جبال جفت صخورها من صيف لا ينتهي ، كان وشاحها مختلف عن الاخريات يشبه نهاية الصلاه وثوب جدتي ، يشبه غيوم السماء اذا غضبت وبكاء طيور العنقاء اذا هجرت
للحظه أخذتني الفطره للنظر اليها كانت نظراتها تتنقل بين عربات القطار ،كدت اشك بأنها تنتظر احد ولكنها تقف فى صالة الانتظار اقترب القطار واقترب موعد الرحيل وحان موقف الماضي لهذا اللقاء ، كانت مرتبكه تنظر بحذر وتراقب الماره من حولها ، نظرت الى ساعتي كانت الساعه الثالثه وخمسه وعشرون دقيقه .
هذا الوقت ذكرني بشيء أحسست به من قبل شيء يعني الامراءه الثالثه فى حياتي وخمسة وعشرون عاماً مضا على وجودي انتقلت استرق النظر اليها التمس من اليخال خصله ومن جمالها الحان اصنع منها مذكرتي اليوميه
كانت تختلف بقومها عن الانثي الشرقيه وشعرها عن سيدات الغرب
جميلة الابتسامه فعندما مر من بين اقدامها احد الاطفال يلهوا مع اخر ابتسمة
املة المكان حينها بنسمات اشبه بنسمات الربيع اخذت بوشحها ليطير شوقاً مع برائة ذلك الطفل كانت الابتسامه اشبه برائحة الجوري والريحان سحرتني تلك العيون بريقها يشبه ابتسامة الملائكه حين الصلاه
لا وصف لها ولا مكان سيجمعنا بعد ذلك هكذا اعتقدت ولكن تحركت داخلي سلطات اقوي واعلي من سلطة العقل واخذت تبث بهمس لي برسائل عنوانها حدثها ولا تفوت الامر
كان المكان قريب جداً فلا يفصلني عنها سوا تلك الطريق بأتجاهين يمر من خلالهم القطاران واحد يسافر الى مكان ما والاخر يحمل اخرين الى بلده يعيش بها اهلها منذ الازل ولكنهم غرباء عنها
اصبح مزعج ذلك الصوت فكلما اقترب القطار احترق شوقاً كي يتوقف الوقت
كي لا افقدها ، كم بحثت عن اخري تعيدني الى سابق عهدي وتوقظ بي الحب ، رأيت بها تلك التي ابحث عنها أحسست بأنني اتحدث اليها بالغة العيون اقتربت من حافة الطريق والجميع من حولي ينظرون الي تقدمت حتي نهاية الحافه لم يتبقي سوا القليل ويصل قطار الموت ويأخذها مني
القيت نظره خاطفه الى اليمين واليسار حتي اطمئن جانب الخوف بداخلي واقفز الى الطريق وانتقل الى المكان المقابل هممت وايقنت ان الوقت يداهمني حتي عجزت عن التحمل والصبر القيت بفكري للخلف واقسمت انه الوقت المناسب كي يتغير كل شيء
دمي وحلمي كلاهما متصل بالاخر ، قد تنتهي الاحلام ولكن حينما نتأكد من اقترب موعد الموت لم اعهد تلك العيون فأخذتني الى الموت والاقتراب مما هو ممنوع دوماً ، قفزت الى الطريق مسرعاً وانتقلت الى المكان الاخر من صالة الانتظار الان اصبحت بجانبي ولكن نظرات الجميع تشملني تتسأل لما فعل هذا
تقدمت وقدمت نفسي لها تاركاً خلفي الاخرين ينظرون لي بدهشه والبعض بسخريه لم تنظر لي ولكنها رحبت بي وقالت بهدوء هل تنتظر القطار ام انك من الماره ارتبكت ولكني اخبرتها أنني عائد من سفر بعيد وهذا موطني فسألتني وما اتا بك الى هذه صالة الانتظار للمسافرين وليس للقادمين
غريب هذا السؤال اشعل بداخلي نيران كادت أن تحرقني ، ولكن صوت القطار اقترب اكثر وتوقف من بعيد حتي وصل ادراجها
قلت لها انني احببت ان القي التحيه واخبرك بأعجابي بك
قالت شكراً لك هذا لطفاً منك سيدي
قلت لها انني سعيد جدا بالحديث معها والتعرف عليها ورأيتها
قالت وانا سعيده ايضا بهذه المعرفه
لم يتبقي الا ثواني لرحيل القطار ، قالت لي هل انت ذاهب الى الان
فموعد رحيل القطار قد حان اخبرتها من قبل انني عائد من سفر بعيد ولكنها لم تكترث لذلك تعجبت من ذلك ولكني اجبت على سؤالها لا اني عائد ادراجي الان فهنا بيتي
قالت لي اذا اسمح لي سأذهب فالقطار لن ينتظرني
تأججت بداخلي ثوره وغضب ، هل ما فعلته لم يحرك بها ساكن
ولكن .....حينما القت عليا التحيه وتقدمت الى باب القطار
أتاني احساس غريب ، لم تنظر الى طوال الوقت حتي وهي تحدثني هل هذا غرور وكبرياء الانثي ام انها لم تكترث لي ويسكن الحب قلبها قبلي
ما هي الا ثواني او ثانية واحده تغيرت فيها كل الافكار واختلفت كل الموازين
حينما اقتربت من الباب وضعت يدها على الباب واخذت تتحسس المدخل
هل هي ............. لم تسمح لى نفسي بقولها
لقد كانت فاقده النور فى بصرها لم تراني ولكنها كانت تشعر بي اعلم ذلك
اقتربت منها وكانت الدموع تنهمر من عيونها اخذت بيدها وادخلتها القطار وجلست بجوارها وسألتها عن سبب البكاء فقالت
كم اتمني ان اراك فى الضوء .... عندي شعوراً غريب تجاهك
اعرفك واحسست بك من قبل وسمعت صوتك ولكني لا ارك سوا صوره
ارسمها فى مخيالتي لك
قلت لها يكفيني هذا الاحساس فلا تبكي يكفيني جمال الحب فى قلبك
ومر بنا قطار الحياه
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سعد الوردانى
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 4
يخرج القطار عن القضبان...يحدث ضجة وصخب كبيرين
انقلاب وانفلات ....لم تكن تحسب حساب ذلك اليوم الذى
يدوس زوجها بقدميه تلك الطقوس اليوميية..من قبل كانت
تحس بالأمان ...رغم انشغالها عنه بعض الشئ ..فالبيت
والأولاد يحتاجون إلى مجهود كبير ...تشعر بالندم لأنها
لم تعرف كيف تملأ عليه أوقات فراغه ...تحدث نفسها :
لابد أن أبدأ معه صفحة جديدة ...أعطيه المزيد من الرعاية
والاهتمام ..ضرتها تسيطر عليه ...تملك عليه شعوره ...
يقضى معها أوقاتا ليست بالهينة ..ماذا تفعل لتجذبه نحوها
من جديد؟..لتبعده عن تلك الضرة التى ظهرت فجأة فى حياته
ووقفت حجر عثرة فى طريق سعادتها ...تشتكى إلى إحدى
زميلاتها فى العمل ..اقترحت أن تجلس معهما وتتكيف مع
الوضع الجديد وتجذبه نحوها فى هدوء ودون صدام رويدا
رويدا ..تشمر عن ساعديها ...تمتشق جواد الرعاية......
ترتدى أبهى الملابس...تقدم له أطباق الحلوى مصحوبة
ببعض أنواع المشروبات الغازية التى يحبها..رسمت على
وجهها ابتسامة كابتسامة الموناليزا لدافنشى ..كلمات الإطراء
التى توجهها إليه تدغدغ مشاعره التى خيل إليه أنه نسيها
بينما هو يداعب ضرتها ويقلب صفحاتها بالماوس الذى تعانق
ويده اليمنى فى قبلة طويلة....نجحت فى تحديد ساعات الجلوس
مع ضرتها...ساعتين فى اليوم...بينما يعود القطار ليعاود السير
من جديد.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد إبراهيم محروس
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5
أشياء ضائعة " بقلم : محمد إبراهيم محروس
استيقظت مبكرة علي غير العادة جمعت حاجياتها في حقيبة صغيرة أغلقتها جيداً فهي تعرف ذلك العيب البسيط في قفل الحقيبة الذي يجعلها قد تفتح بغتة، وتتساقط أشياؤها منها وقتها قد تخاف ضياع أحداها في زحام الطريق، تأكدت من إغلاق القفل جيداً حملت حقيبتها بيدها شعرت بمدى ثقلها بين يديها، كم تحمل تلك الحقيبة من ذكرياتها الممزقة، تحمل فيها أوراق طلاقها.. خمس سنوات مرت عليها في ذلك البيت وكانت تظن أنه ليس بمقدرته أن يطلقها مهما كانت الأسباب، ولكن خمس سنوات زواج مرت بحلوها ومرها ولم تستطع هي أن تنجب له ولي العهد كما كان يطلق عليه دائماً.. خمس سنوات حائرة، واغرورقت عيناها بالدموع، كيف تركها هكذا.. خائرة القوى ليس لها مكان تأوي إليه، فهي مقطوعة من شجرة كما يقولون.
طفقت صورته في مخيلتها لتحتل كيانها كله، كم كان شرها في طلباته وأوامره، ولكن الإنجاب ليس بالأمر، أنه قضاء الله ( عزّ وجلّ ) وهي ترضى بقضائه.
تفصد جبينها العرق أثر المجهود الشاق الذي بذلته في جمع أشيائها، تلك المزهرية هي من أوّل الهدايا التي تلقتها منه أيام خطوبتها، كان أبوها آنذاك ما زال علي قيد الحياة، شعرت بحنين إلي الماضي كم تقتقد والدها الآن، ليس سهلاً عليها أن تطرد هكذا من حياة زوجها، وصلت إليها ورقة الطلاق أولاً ثم تبعتها تلك الورقة الملعونة التي أعلمها فيها إن عليها أن تترك الشقة.
صدمتان في الرأس.. استقبلتهما هي كما كانت دائماً بالهدوء والراحة لم تحس بطعم المر كما أحسته ساعتها.. أخبرته في الهاتف أنها تحمل قائمة بمحتويات المنزل قال لها لا يهم فلتفعل ما تريد، فلم يعد يهتم بتلك الترهات.
الآن لم يعد يهتم بعد أن وقفت بجواره كل تلك السنوات حتي استطاع أن يقف علي قدميه ويصبح له اسم في السوق، ويعد الآن من رجال الأعمال المعروفين.
قال إنه سيتزوج، ليتزوج لن يجد من تعوضه حنانها وخوفها عليه، كم أثقلها بالألم والحسرة.
اندفعت دموعها مرة أخرى لتغرق مآقيها، جففت دموعها وتأكدت بأن الشيالين قد نقلوا كل ما أرادت نقله.
رأت صورة فرحها تحتل إطارا ضخماً في حجرة المعيشة.. ضحكت لتترك تلك الصورة للعروس الجديدة لتغيظها, وتغيظه خرجت من الشقة, وتركت بابها مفتوحاً ولم توصده عندما لمحت علي السلم أثاث العروس الجديدة وهو يصعد ابتسمت في يأس وتركت حقيبتها لتستقر بجوار الباب المفتوح وتتساقط منها أشياؤها الضائعة.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عطية صالح الأوجلي
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 4
الرحلة...
(1)
دارنا العتيقة والباردة ، كانت على غير عادتها ، تتوهج من الدفء. رائحة البخور تنبعث من كل مكان لتختلط بدفء المشاعر وبسرد الذكريات والتساؤل والانبهار. الكل يتأمل ويسأل ويتحدث.
الأعين ، الأيدي ،الأنفاس ، المشاعر.. كلها تتدفق وتتقاطع لتخلق ألفة لا يعرف لذة طعمها إلا من شد الترحال إلى غربة .. ثم عاد لأحبابه.
البيت .. في حالة استنفار شامل .. حلويات، شاهي، قهوة .. فطور، غداء، عشاء.... سيل لا ينقطع من المودة والحبور.
أمي تجلس على كرسيها العتيق جوار النافذة .. تلازمني عيناها أينما تحركت وكأنها تخشى أن تطرف فأغيب.
أبى في قمة الانتشاء والافتخار ، أبنه "الدكتور" الذي يعمل بالخارج قد عاد . يسترق النظرات بعيون ارتسمت فيها رقة وباحت بالابتسام....
أخي الصغير الذي لم أشهد ميلاده .. يطبق بيديه اليافعتين على يدي اليسرى بقوة.
هكذا هي الحياة ..النشوة في الغربة ... والأمن في الألفة ...
وحده لم يأتي ... وإن كان معي ، يسكنني منذ رحيلي الأول ..
أنه شيخي .....
(2)
الجامع العتيق .. بقبابه الطينية . يتنسم عبق التاريخ... تخفق نبضاته عند كل فجر.. فيؤم الجوامع .. وينسج معها ترانيم عشق إلهية تردد صداها زقزقة العصافير وصياح الديكة .. كل العصور مرت من هنا .. وحدها باقية هذه القباب .. وباقي أنت يا شيخي..
سألته..
مولاي
قلبي يريد "النور"
عقلي يستجدي "المعرفة"
فدلني .....
فالدروب فقد استعصت علي...
و " سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا".
فقال وهو مطرق..
"أصمت لينطق قلبك. أغمض عيناك لترى...و لا تبحث لتجد"
(3)
قبلت يده الكريمة وجلست جواره وسألته...
من نحن يا مولاي..؟
قال بهمس مسموع وعيناه تتبسمان..
- نحن .. الأشياء كلها .. ونحن... لا شيء
نحن الشيء وضده
نحن الحقيقة و الوهم
نحن الحياة والعدم
نحن الفجور والتقوى
نحن نور لا نراه إلا إذا أغمضنا
فهل ثمة ضوء لا ينبع من العتمة؟......
وقال:
"هناك أمور لا تستطيع أن تتعلمها بالكلمات ولكنني سأحاول...
رجل ذهب للنوم .
فحلم بأنه فراشة تطير ..
تلهو بين الأشجار والنباتات ..
يغازلها النور فتقترب جذلانة متراقصة ..
يداعبها الهواء فتأنس في كفيه الحانيتين ..
انغمس الرجل في رقصه...
انغمس حتى نسى نفسه..
وعندما استيقظ في الصباح لم يعد يعلم..
هل هو رجل كان يحلم بأنه فراشة أم أنه فراشة كانت تحلم بأنها إنسان ؟"
فهل تعلم أنت من أنت ؟
غادرت خلوة شيخي ...
وفي الصباح التالي ..
رحلت يا مولاي ..
قدرت أن بُعد المسافات يجلي البصر.. وأن غياب المألوف ينير القلب
و أن الغربة ستهدى لي معارفها..فرحلت .
و عرفت مشقات قاسية ومكابدات عسيرة ..
سنوات أنقضت ...
احترقت فيها بالتساؤل ..
وأدمنت خلالها التأمل ...
وعرفت أن القرب في البعد
وأن شدة الظهور الاختفاء..
كل ما لاح طيفه ..دعوت له بالسلام والرحمة..
وتذكرت قوله ...
" كل مواعظ الأرض لن تدلك على حقيقة لازال قلبك غافلا عنها .
فأصمت لينطق قلبك. وأغمض عيناك لترى...و لا تبحث لتجد"
_________________
عطية صالح الأوجلي
كاتب وقاص من ليبيا