القصة والرواية
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد جنيدي
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5
مجرد حلم
***
أخيراً مات بعد طولِ صبرٍ وانتظار ولكن أهكذا موتةُ الملوكِ والعظماء ؟! ، فعندما يموتُ إنسانٌ بسيط لا يشعر به أحدٌ اللهم إلا ذويه والمقربين له على أقصى تقدير ، على كلِّ حالٍ الَّذي مات اليومَ هو المَلِك ( صاحبُ العصمة ) وقد غربت الشمسُ عن سماحةِ وجهه وتهاوى التاجُ من فوق رأسِه المباركة!! نعم – تهاوى التاجُ و كلُّ شيء - وهاهو الآن تتلقَّفه وتتخطَّفه أيادي الراغبين في الحكمِ والمُلْك ، لا بأس – فلِكُلِّ أجَلٍ كِتاب – المهم أنَّ الرجلَ الكبيرَ قد مات فعلاً ، ومن المهم عندي أيضاً هذا الَّذي تُخبئه خزائنُه الذهبيَّة - أوْ هكذا - حدَّثتني نفسي ، لأنني كنت قد سمعتُ كثيراً ومنذ زمنٍ بعيدٍ بأنهم سوف يتحفَّظون على الجزءِ الأكبر من تركتِه ليُنفقونه على روحِه الطاهرة ،.. لعل وعسى أن ينتفعَ به في عالمِه الجديد !! - ولكن - الَّذي أصابني بالأسى هو هذا البيان الَّذي تلاه كبير وزراءه على شاشاتِ التلفاز عقب وفاته مباشرة (( وبعد – أيَّتها الرَّعِيَّة : إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون ، أقول لكم ولكلِّ من تصوَّر أن خزائنَ المَلِك فيها ما فيها فهو واهمٌ واهم ، ذلك لأن جلالتَه رحمه الله كان قد أوصى في مرض وفاته الأخير بأن ننفقَ كلَّ ما في خزائنِه على شعبِه ورعيتِه وهو على قيدِ الحياة وأن تُصَفَّى أرصدته بالبنوكِ وتُعطَى إلى فقراءِ وطنِه الكبير ولقد تم تنفيذ جميعَ ما جاء بوصيتِه في حياةِ جلالتِه بالفعل ، كما إنَّكم وكما تعلمون عنه كم كان جلالته حريصاً كلَّ الحرصِ بألَّا يمتلك أيَ أصولٍ ثابتة مما تعلمون ، ذلك ليَلقَى ربَّه ومولاه وهْو - نظيفَ اليد - جميلَ العمل- أبيضَ القلب وهذا هو عهدُه بكم دائماً ، اللهم ارحمه لصبره على مرضِه الّذي ألَمَّ به وطال وصبر عليه كثيراً وقَدِّسْ يا ربَّنا روحَه الطَّاهرة الشَّريفة واجعلْ مثواه الأخير الفردوس الأعلى )) انتهي البيان.
فإذا بي أجِدُني أنهضُ مُسرعاً وأُغلقُ التلفازَ لكي لا أسمع مزيداً من هذا الهراء ، وقلتُ في نفسي أهو مزحٌ أم عَبَث ؟! أم هم دائماً كعادتهِم يستخِفُّون بنا وبعقولِنا ؟!.
آهٍ .. كم كنت أنتظرُ هذه اللحظة بفارغ الصَّبر وأنا لستُ فَرِحاً بموتِ جلالتِه بقدر ما فيه من حلولٍ لمشاكلي ، كم كنت أحلمُ بإنجازِ المطلوب مِنِّي وإتمام مسئُوليتي من أثاثِ عروستي والحصولِ على المسكَن ، كم كنتُ أوَدُّ أن أترحَّمَ عليك يا رجل !! ما هذا كلُّه !.. أوَ هكذا أنت أيها المَلِك حَيّاً كنتَ أومَيِّتاً ؟! ، ثم تلفظتُ مُغَاضِباً تارةً وبكلماتٍ غير مسموعةٍ تارةً أخرى – وماهي إلّا لحظاتٌ قليلة – وقد رُدَّ لي عقلي ثُمّ هَدَأْتُ وأنا أتَوَجَّسُ خِيفةً !! وإذا بي أدعو الله : يا ربِّ .. يا ربَّ : ها أنا أدعوكَ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً و بشيء أنت تعلمه في نفسي – ويا لأعماقِ نفسِ يعقوب فكَمْ أسَرَّتْ إليك بالكثير الكثير ولكن .. ( المفاجأة ) الَّتي كانت تنتظرني وأنا على هذا النحو من الحسرةِ إذا بآذانِ الفجرِ ينسابُ إلى أُذُني المسافرة ويستنهضُ جوارحي الراقِدة ويستفيقُ وعيي المستريح فعلمتُ وأدركتُ أن خبرَ وفاةِِِ المَلك وبيانَ كبيرِ وزراءِه واختلاطَ شعورِ الفرحِ والحزن بنفسي وغمامةَ الإحباط التي أحاطتْ بي وحتَّى ما أسرَرْتُ وتضَرَّعتُ به إلى الله – هذا كله قد كان- بسترِ الله وبحمدِه..... مجرد حلم !!!
*****
محمد محمد على جنيدي
9 شارع مصطفى كامل المتفرع من شارع الجمهورية / بنى سويف / مصر
محمول/ 0105785807 / 002
ت منزل وفاكس / 0020822314602
E.mail : عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: علي ناصر
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5
سفر
نثرتُ أيامي ذاتَ عتمةٍ، فصارَتْ شمساً توقظني كل مساءْ.*
الغربةُ كأسي ، تشربُني مع دقات الساعة.
تنتظرُ فرحاً آتٍ معَ.. قطار الأيام.*
تسوَّلْتُ محطات العالم..
قالوا:
" يأتي قطارُك ذاتَ مساء."
ثم وضعوا في كفي الممدودةِ أنواء.
و أردفوا:
" أَبحرْ..أسمالُك شراعٌ، و نياطُك مرساة..
تستدفِىءْ قلبَك إنْ حطَّ شتاء...
لا تخشَ الريح، فالموجُ جدارك.
أبحرْ..أبحرْ..
فالميناءُ سرابْ."
*
في حضْنِ الوقتِ جلسْتُ، تربَّعْتُ، استلقيتُ، و ما نُمْتُ!
دقاتُ الساعة تلاحقُني، تنهرني، تستنهضُنِي، و تهوي بي بين عقاربها...
في قعرِ الساعات.
*
في سفري أحبتني رفيقة، صديقة، أنقى من الندى، غسلت صدري من شتى الآثام، و الصدأ.
كان اسمها " دمعة".
فاجأتْ خلوتنا يوماً مضيفةٌ، فنثرت بين يدينا أوراق لعب بحد السكين، و هتفت:
" خذا! اقطعا شِريان الوقتِ الباقي!"
*
أبتِ القصيدة.
*
لم أجد حقائبي المزعومةَ، لم يفتشها أحد!
سررْتُ قبل أنْ أفاجأَ..
قالوا:
" ليسَتْ هذه محطتَك الأخيرة."
حزنْتُ لعدم التفتيش!
*
رفضَتْ صديقتي رغبَتي الدائمةَ بالجلوس إلى نافذة الطائرة.
كانَتْ ، مثلي، تحب الغيوم البيضاء في الأسفل.
و بقاعَ الأرض البعيدة.
نهرتُها، فصرخَتْ بي، و أمطرَتْ على حبر القصيدة.
*
و أنا مازلت أربط الحزامَ..بانتظار المطار الأخير.
16/12/2003
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حسين العراقي
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 4
في زمن ...
لاتحلمُ الامهات
((موندراما عراقية)
(من فصل واحد)
((ام سالم)) عراقية في الستين من عمرها... وحيدة تعيش بين جدران منزل.. على جدران باحة الدار... صورة زوجها المتوفي وصورة لولدها الوحيد بملابسه العسكرية..
تدخل تدمدم بكلمات غير مفهومة، تفتح ابواب الغرف بعصبية تصرخ.. امام احد ابواب الغرف الموصدة... تضرب بقبضتها الباب حيث تعتقد ان زوجة ابنها مختبئة وراء الباب)).
أم سالم: افتحي الباب والا كسرته، لماذا توصدين الباب؟ افتحي والا .. كسرته..
هل تعتقدين اني لا استطيع ان اضربك، ما زلت قوبة، حتى زوجك ابني الوحيد الذي ارتضى لنفسه ان يتزوج منك ايتها... اعوذ بالله منك يا لساني..
لماذا لاتخرجين من غرفتك كي ترتبي أمور المنزل؟
ويقولون ان العجائز عدوات كناتهن... وها انت تعصين أوامري..
الساعة تجاوزت العاشرة.. وحضرتك لم تستيقظي بعد ... ابنة ملوك... يا ابنة الـ...
وانا..
انا .. ماذا
(تصمت)
سالم..
-((يبعد كل العمام المايفيدون...
وبعد كل خال لاذ بسد الاكتار
نسونه بيوم طوح حادي الضعون
وسمعنه الويد مبعد والضعن سار))
انا.. لم انسكَ.. ما زلت انتظر ان يقترب موعد اجازتك لكني لا اعرف موعدها.. يقولون ان الجبهة ساخنة.. والمدافع هُيئت...والبنادق توثبت.. وهامات الرجال شاخصة والامهات بالانتظار..
عند عودتك سالماً ايها السالم سوف لا اقبل أي عذر ولن تنفع معي كلماتك المنمقة، فانت ترفض كل فتاة اعتبرها مناسبة ان تليق بك... يا بني الوحيد.. ابن من احببت.. اول من احببت آخر..
الامهات يخفن من الزوجات... ان يخطفن ابناءهن وانا اريد واحدة تخطفك مني، تسعدك وتمنحني حفيداً.. يرطب يباس امومتي..
ستعود .. حتماً ستعود.. عندما غادرتني آخر مرة قلت لا تخافي يا امي ساعود، ساكسر انف الطلقة ان حاولت اختراق رأسي.. وسأبصق بوجه الشظية قبل ان تلامس جسدي.
والامهات..
يكرهن الشظايا.. والطلقات..
الطلقة تعني ان الاولاد غادروا دون عودة..
وانا .. انتظر عودتك.
طال انتظاري..
وقفت مثل مجنونة في المحطة وانا اسأل كل القادمين
كل الجنود العائدين في قطار الحرب ((اظاءة مقدمة المسرح ويتحول المكان إلى محطة))
هل رايتم ولدي..
نعم كانوا يقولون لي كلنا اولادك.. نعم..
هم لهم امهات وانا لي ولد.. لم يرجع معهم ... ايها القطار الاتي... هل ترجع بي... إلى هناك.. خذني ايها القطار وعد بي صوب الحرب، فأنا رسمت على محياها السنوات خطوطاً من صبر.. وضاق الصبر.. وانغلقت ابواب العمر ... امام حلم واحد، لولد واحد من حبيب واحد..
اخترت له عروساً... اجمل من قطعة البدر.. لا اريد ان اغني لها..
((يا سرير العروس الوحيدة..
كيف بي..
والحبيب قريب..
والحدود... بعيدة))
اريد اغنية ارقص على كلماتها... اغنية تتحدث عن ولدٍ عاد من الحرب سليماً .. معافى..
اريد ان ارقص مثل فتاة عذراء..
ارقص .. ارقص .. ارقص.. حد الاعياء.
(ترقص.. الام)
(وتغني)
((عروسك يا بعد عيني
جميلة ونورت عيني،
وتستمر بالغناء حد البكاء الحاد))
-واحلم ايضاً.. بولدك يركض في باحة قلبي .. يمسك جلبابي ويصرخ .. هذه جدتي العجوز.
-نعم يا حفيدي يا ابن سالم..
أنا..
جدتك..
ام ابيك
وانت.. ابن من... لاشيء في هذا العمر يساوي عمره..
وسنينه..تسع شهور يمرح في أحشائي واللذة تخترق كل مساحات جسدي ..
قالت لي القابلة ..
أنه ولد ..
فولدت ..ولدت آلاف المرات ..
(( صمت ))
تعود مرة أخرى تطرق الباب وتتحدث مع أمرأة وهمية تعتقد أنها زوجة أبنها ))
أم سالم ..
آه .. تتصورين سالم لك وحدك . ليس له أم ، سهرت الليالي وعدة الأيام لحظة ، لحظة ، حتى تراه يكبر ، ويصبح رجل حتى تعيش في ظله آه منكن أيتها الزوجات ..لا رحمة ولا مودة ، تتصورين ، أن أم زوجك هي ضرتك . لا . لا بل تتصورينها ، خصمك وأي خصم عنيد ينافسك في كل تفاصيل حياتك .. وفي بعض الاحيان في المنام نعم في منامك أليس كذلك .. تتصوريني كابوس مرعب ..
ماذا .. أنا أتدخل في كل شيء ؟.. بل أخاف على ولدي .. من أي شيء ؟.. أخاف منك . نعم . منك فهو ولدي الوحيد هذا كل ما جنيته من الدنيا بعد وفاة أبيه لم يبقى لي شيء سوى سالم . ماذا ؟ ( تحاول ان تسمع بوضوح ) أنت زوجته وهل أنا أنكر ذلك نعم .. ولكن لا تستطيعين أن تحرميني منه ..عندما تصبحين أم تعرفين ما معنى كلمة أم نعم ستعرفين ذلك . ستعرفين إذ قال . آه .. كم آه سوف تقولين قبله .. لكني أعذرك ألان لأنك لم تنجبي بعد .
أم سالم :
أما .. أنا..فقد أنجبت ..ولدا أسميته سالم ..لم يرجع أبدا مع العائدين قاوم .. كل هول الرعب لم يدر ظهره للموت .. عندما .. وقع في ايديهم وهو الذي يكره القضبان .. والاماكن الضيقة ..
لم يصلني خبر...كل يوم.. حين اسمع طرقات على الباب.. ترتجف اوصالي.. وكأن الباب يبعد عني الاف الاميال.. اسير بخطوات ثقيلة صوب الباب افتح على مهل .. على امل ان يأتي احداً ما.. يحمل لي رسالة فيها كلماته.. ابصر فيها صورته وقسماته.. (طرقات على الباب)
-الباب..
طرقات..
جاءت الرسالة..
مهلاً على قلب أم.. يا من تحمل رسالة ولدها الوحيد دعني اتمالك اعصابي واهدأ قبل ان افقد توازني... سيأتيك قلبي اولاً..
يقفز قلبي من بين ضلوعي.. ويقبلك..
ايها الساعي الذي يحمل حلم أم .. انهكها الانتظار طويلاً.. (تتجه صوب الباب)
(تفتحه على مهل)
لا احد خلف الباب.
-لا احد يحمل رسالة.. انا .. اعرف.. ماذا يكتب لي.. سوف يقول.. حافظي على صحتك لحين عودتي.. وانا منذ رحيلة لم اتناول أي عقار.. لم اراجع أي طبيب.. هزمت المرض وسنوات العمر.. لكني لم استطيع ان اهزم لهفتي .. وذلك الشوق الذي يشب في صدري مثل حريق.. لهب من النيران تتصاعد في روحي.. في كل لحظة..
لماذا لا تكتب يا ولدي.. من يمنع رسائل الابناء ان تصل إلى قلوب الامهاب.
اعرف ماذا ستكتب لي..
((يمة أنتي شجرة طيب بيها الثمر لاح
شاتلله رب الكون ما بيها فلاح))
(تصرخ)
يا الهي.. يارب الكون.. يا من منحتنا الجنة تحت قدمينا افتح لي ابوب سجن ابني.. واكسر قضبان الاعداء ورده لي سالماً.. ادعوك كل لحظة... ادعوك باسم كل الامهات.. رفقاً بنا..
رفقاً بعبادك يا رب العباد.
(تصمت)
(تطفأ الاضاءه على جوانب المسرح ويضاء وسط المسرح ببقعة حمراء كبيرة)
أم سالم:
آه .. ياولدي الحبيب... دعني اضمك إلى صدري آه.. كم كانت تلك السنوات قاتلة لا اعرف مضت وانت بعيد ... سبع سنوات... لم اسمع صوتك، لم اشم رائحتك.
(كأنها تضمه إلى صدرها)
آه .. ما اقسى الفراق
كان ... انتظار قاتل.. كنت اطوف مثل مركب تحطمت اشرعته.. وتحطمت سواريه.. كانت النسوة تقول.. يا لقلبك البعيد عن الحزن وانا .. لا رد عندي سوى ان اتفاخر بك ياولدي واتجرع سم الفراق.
(كأنها تحمله على صدرها.. وتلتف حول نفسها)
ماذا .. هل تريد ان اقدم لك كشف عن حياتي.
(صمت وتأمل.. كأنها تبعده عن صدرها وتواجهه)
-انا في حالة نفسية لا تسمح لي بالتكلم عن نفسي كل ما استطيع ان افعله هو التأمل في وجهك.. يا الهي .. انك هزيل جداً لم يعطوك ما يسد رمقك .. تكلم قل لي كيف كانت معاملتهم ... كنت احس بذلك انا .. أم ، وقلب الام يعلم ما يجري لولدها... (تبكي).
كيف لا ابكيك .. في الحزن.. أو في الفرح
الامهات يفقدن اسلحتهن..
تكون الامهات عاريات مثل وجوه الاطفال
ولا يعرفن كيف يسيطرن على منابع الدمع.
تعال .. ايها الغائب
تعال.. اضمك إلى روحي وقلبي
طال انتظار القلب اليك..
لقد عاد الجميع.. اين انت..
انتظرت قوافل العائدين، بحثت في الوجوه.. وشممت رائحة كلا ً منهم على انفراد.. بحثت عن شذى عطرك ايها الولد الغائب .. ياقرة عيني..
من يواري جثماني الثرى..؟ من يمشي وراء جنازتي؟ لقد اجلت موتي.. إلى ان تأتي..
(طرقات على الباب)
( ظلام)
(صمت)
(تظهر الام وسط مقبرة جماعية تبحث عن جثمان ولدها)
صوت الابن: اذا ما .. مت لا تبكين يا امي كثير كفكفي الدمع..
وقولي..
لم يعد .. من كان يملأ الدار
غناء وصفيرا..
مات .. وانحلت خطاه..
في دروب..
لم يطأها .. حينما .. كان صغيراً
امي.. قولي أي شيء.. ترتأي .. الا الرثاء!
(صمت..)
(وهي تنظر إلى قطعة قماش تدل على انها قميص تقبله وتضمه إلى صدرها)
أم سالم:
ها انك قد عدت..
ها انك.. قد عدت
(موسيقى جنائزية..)
(تسدل الستار)
********
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد سنجر
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 4
أبيـــض و أســـود
( أفيق بين لحظة و أخرى ..
ألمح أياد بيضاء ملطخة بالدماء ..
ألم رهيب ينهش أحشائي ..
أحاول تحسس الألم بأصابعي ..
تنزلق يدي داخل هذه الفجوة التي خلفوها بجسدي ..
أغيب عن الوعي ..
.........................
( أرى أشباح من الرجال البيض ..
نزعوني طفلا من بين أحضان أمي الثكلى ..
حاولت المسكينة التشبث بسياراتهم ..
صرخت تستنجد ..
حلفتهم بالأخوة و الإنسانية ..
أوسعوها ضربا بقواعد بنادقهم الحديدية ..
حلفتهم بجميع الأنبياء .. و لا حياة لمن تنادي ..
لم تشفع دموعها و توسلاتها ..
صم أذني طلقات نارية اخترقت رأسها ..
مازلت أتذكر وجهها الأسمر الذي ارتطم بالأرض العطشى ..
سالت الدماء بين الشقوق ..
أغيب عن الوعي . )
.........................
( أفيق ..
أين أنا ؟
ما هذا المكان ؟
اغتصب نظري هذا اللون الأبيض ..
كلما حولت نظري لا أجد سواه ..
أشباح بيضاء تملأ المكان ..
أياد بيضاء أخرجت من حقيبتها بعض النقود ..
ناولتها أحدهم ..
نظرت إلى وجهه ..
نعم ما زلت أتذكر هذا الوجه ..
هذا الذي أطلق النار على رأس أمي ..
أحاول النهوض ..
ألم شل حركتي ..
أغيب عن الوعي . )
.........................
( أتذكر هذه الوجوه الكثيرة البريئة السمراء ..
دموعهم اختلطت بدمائهم الطاهرة ..
اختلطت آهاتهم بزمجرة هذه السلاسل الحديدية اللعينة ..
تتحرش بسمعي قرقرة تلوي أمعائهم الخاوية ..
صرخات الجوع مازالت عالقة بسمعي ..
انفرجت كوة ضوء ..
غشيت أبصارنا ..
أياد بيضاء ترمينا بفتات بقايا طعام عفن ..
تناهشنا للفوز بالقليل . )
.............................
( أفيق على وجه سيدة بيضاء تبتسم ..
قالت لي أنني أصبحت ابنا لها ..
تبنتني منذ لحظات ..
شكرتني لأنني أنقذت ابنها من الموت ..
أخي الجديد من التبني ..
شكرتني لأنني منحته كليتي ..
تحسست بطني ..
انزلقت كفي بفجوة أخرى ..
أغيب عن الوعي . )
.........................
( أراني و أقراني من أصحاب البشرة السمراء في غرفة منعزلة ..
حاولنا الهرب ..
محاولاتنا باءت بالفشل ..
تساءلنا عن سبب وجودنا هناك .. )
ـ سمعت أنهم سيوفرون لنا حياة رغدة ..
لا فقر و لا جوع بعد اليوم ..
ـ سيصيب أمي الجنون عندما تبحث عني و لا تجدني .
ـ أعتقد أننا سنعمل بمزارعهم .
ـ أليس لنا خيار ؟
ـ للرجل الأبيض الحرية فيما يفعله .
ـ أي حرية ؟ لقد قتلوا أمي المسكينة .. خطفوني من بين أحضانها ..
ـ و أنا أيضا .. كبلوني بالحبال .. أدخلوني سياراتهم العسكرية .
...............................
( أفقت على صوت امرأة بيضاء أخرى ..
أحاول جاهدا فتح عيني ..
يجيبني العدم .. )
أصرخ :
ـ عيني .. عيني ..
أنا لا أرى ..
( أتحسس عيني .. و إذا برباط يلفها . )
أصرخ :
ـ ما هذا ؟ ماذا حدث ؟
( جاءني صوت المرأة البيضاء ..
قالت أنها أيضا تبنتني منذ يومين ..
شكرتني على ما فعلته لأجل أخي الجديد الكفيف ..
أغيب عن الوعي . )
.........................
( أرى أجساد إخواني السمراء ..
معروضة وراء واجهات محلاتهم الزجاجية ..
وجدت جاري ( عثمان ) ينام عاريا داخل صندوق زجاجي ..
أنابيب كثيرة متصلة بجسده ..
في نهاية كل منها كيس مملوء بدمه النقي ..
قرأت اللافتات بجواره ..
( دم طازج من فصيلة ( O ) ـ الكمية محدودة )
نظرت خلف واجهة المحل المقابل ..
وجدت أجساد أقراني السمراء معلقة من قدميها ..
تفحصت الوجوه ..
وجدت ابن عمي ( علي ) ..
فجوة عميقة في أجسادهم ..
منهم من انتزعوا ذراعه ..
و منهم من هم بقدم واحدة ..
وضعوا أسفل أجسادهم بعض الأواني الزجاجية ..
داخلها أعضاء بشرية مغمورة بسائل شفاف ..
انتقلت عيناي رعبا إلى لافتة بجوارها ..
كتب عليها ..
( اشتر كليتان و خذ الكبد مجانا )
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد المصري
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5
بياضٌ يشوبه السواد
كانت الساعة تشير إلى السادسة صباحا ، وقد مر سائر الليل ولم ينطق قلمي بكلمة واحدة على كومة الأوراق تلك ، لم أدر إن كان قلمي قد جف أم أن مشاعري وأفكاري تلاشت مع تلاشي أوراق الشجر في الخريف.
خشيت أن أكون قد أخفقت فعلا ، فقد اعتاد الناس على قراءة ما أكتبه في الصحف المحلية ، وعلى اقتناء مجموعاتي القصصية ، وها قد مضى أسبوعان ولم أنشر قصة واحدة ، بل حتى أقصوصة.
لقد أزعجني هذا حقا ، فلم يكن هذا اليوم أفضل من سابقه ، فقلت في نفسي :"لا بد أن أخرج من قوقعة هذا المكتب التقليدي وأواجه الطبيعة الحسناء ، بل ذلك خير من قصصي التي أنشئها عادة من نسيج خيالي ومن خليط أفكاري.
بالرغم من أن النعاس كان يصارعني وكاد أن يتغلب علي ، إلا أنني صرعته وتغلبت على الونى ، ثم تناولت قلمي ومجموعة الأوراق التي تنتظر وقوع الحبر عليها وخرجت من الكوخ الريفي ذاك مصطحبا معي كرسيا قد عفا عليه الدهر وأكله الزمن ..
* * *
فاجأني وجود الكثير من اللغط ، بالرغم من أنه لم يكن في تلك الغابة أحد سواي ، فمن تغريد الشحارير والعصافير ، إلى صوت الأوراق الصفراء المتساقطة التي يدفعها الريح فتهرب في كل صوب ، ومن نقيق الضفادع الملونة حول البركة ، إلى صفير الرياح التي هي في عجلة من أمرها ، إنها غابة في الريف ، نعم إنه الريف البديع ..
يا لروعة المنظر ! ويا لعظمة الخالق!.. حسناء والله إنها لحسناء تلك الطبيعة الخلابة الآسرة. أشجار مائلة ملتوية ، بالرغم من خلوها من الأوراق إلا أنها كانت تمثل آيات من الجمال لم أدرك مصدره ، ولم أوقن كنهه. سماء صافية ، شمس خجولة .. كنت أرى كل شيء متجانسا لا تشوبه شائبة ، ولا يعكّره صفوه شيء .
ومما زاد من جمال المنظر ورقته نهر "بردى" ، ذلك الغالي العزيز الغزير الذي تبتهج الأرض من تحته ، ويملأ الدنيا هديرا عذبا طيب الوقع والمذاق..
* * *
ارتعش جسدي لمرور إحدى النسيمات الهاربة من الشتاء مبكرا ، فخرجت من ذلك المشهد الجميل وأغلقت باب الكوخ ثم مضيت مبتعدا عنه بضع خطوات.
بحثت حولي فوجدت زاوية هادئة تحت إحدى الأشجار الضخمة ، فسرت إليها وأنا ألتفت حولي بإعجاب وسرور. وضعت الكرسي تحت الشجرة ، جلست عليه ، فبدوت كقزم في ظل عملاق ، ورحت أناظر الأشياء من حولي.
لم أدر من أين أبدأ قصتي ، أو كيف أصف ما لا يمكن وصفه بقلم أو بريشة ..
في تلك اللحظات ، وقع نظري على أحد أعشاش الطيور ، وما لفت نظري هو حنو الأم على صغارها ، فرحت أراقب كيف تطعمهم و تعتني بهم ، وترعى بيضها الناشئ ، وتحميها من عدوان الغربان السود ، وكثيرة هي الأدوار التي تقوم بها ، فراودتني ابتسامة عفوية ورحت أمعن في ذاك المنظر الرائع ...
* * *
دقائق معدودة وانقلب الجمال قبحا ، وانقلب فرحي ترحا ، وبتّ مصدوما متفاجئا بعد أن سمعت صوتا مدوّيا . - لوهلة - لم أدرك ماذا جرى؟ وماذا حصل؟ وكيف كل هذا؟ ومتى ... ؟
كنت قد انتفضت من على الكرسي كمن به مس أو صرع ورميت الأوراق فتناثرت .. إنها أم العصافير قد تحولت إلى جثة هامدة ، لا حراك فيها ، وانقطعت زغردتها المتقنة ، وهوت من على العش .. فعلا صوت زقزقة صغارها ، كأنما ينادونها من أعلى – وبأعلى أصواتهم - : "عودي يا أمنا ، عودي"
سمعت ضحكة مدوّية شريرة خشنة ، لا تبدو أنها صادرة عن أحد مكونات هذا المكان ، بل هو جليّ أنها من صنع الدخلاء ، وعندما التفتّ إلى مصدرها رأيت شخصا يرتدي بزّة سوداء ، إنه صياد أخرق قد أطلق النار على العصفورة ..
بدأ الغيظ يملأ قلبي ، والوجوم يعلو وجهي . وبينما هو قادم لالتقاط ما اصطاد، ذهبت باتجاهه بخطوات ثابتة سريعة وفي داخلي بركان يثور ،، ووقفت في وجهه فقال :
- ابتعد عن طريقي يا هذا ، لماذا تقف في وجهي كالأبله ؟!
فأجبته :
- أيها البائس! ألا يكفيك أن تعلم أن ما فعلته محظور ؟!
ردّ بعصبية :
- لقد أزعجتني حقا ، ابتعد عن طريقي فأنا لا أكترث لك ، ولا أكترث للقوانين..
اشتد غضبي ، واحمر وجهي ، وكدت أنقض عليه كالباشق ، إلا أنني تمالكت نفسي وتذكرت أن ذلك ليس من شيمي.. فحدثته قائلا :
- الجميع يعلم منذ عهود أن الصيد ممنوع ، وإن لم يكن كذلك فهذا شيء يجب أن تحرمه على نفسك ، وتعلم أن كل مخلوق يحب العيش كما تحبه أنت لنفسك ، فلو أن أحدا قتل أحد أفراد أسرتك ، فما أنت بفاعل ؟؟
لم يعجبه كلامي قط ، بل تجاوزني مهملا إياي ، وأنا في الواقع لم أكترث له بقدر ما اكترثت لأمر العصفورة ، فهي – على الأقل – كانت تفعل شيئا مفيدا في حياتها ، فتطعم صغارها وتذود عنهم ، أما ذلك الضخم الشرير ، فقد تبلّدت مشاعره ، وفقد إنسانيته السامية ، فلا عجب مما يفعل أمثال هؤلاء .
* * *
رمقته بطرف عيني ، عدت أدراجي ، جمعت أوراقي المتناثرة وباقي الأغراض ، ثم وليت وجهي صوب الكوخ القديم ، وأنا في حال يرثى لها من الغضب والاشمئزاز . دخلت الكوخ واستلقيت على السرير وأنا غضبان ، وراحت تجول في خاطري فكرة لم أكن متنبّها لها ، وهي أن الإنسان وحده استطاع أن يدمر مثل هذه الأماكن البديعة ، وكان سببا لشقاء الكائنات من حوله ، فكم هو شرير – وأي شرير – من يحوّل الجنة إلى جحيم ، والبياض إلى سواد .. ثم غبت في سبات عميق ، ومر يوم جديد دون أن أكتب تلك القصة المنتظرة ، إلا أنه لم يكن كباقي الأيام ...